قال:" وإذ قد فرغنا مما ذكرناه. فنبين: ما النبي؟ وما شروطه؟ فنقول:
[النبي وشروطه]
النبي: هو الذي يعطى الوحي من عند الله على الصفة المذكورة في حد النبوة" «١».
قلت: هذا مسلم.
قال:" وأما شروطه فأربعة نسوقها بعد توطئة وتمهيد لذلك".
وحاصل التمهيد الذي ذكره:" أن من تردد في شيء فإنه لا يقف على حقيقته إلا بالنظر. فكذلك النبي إنما يعرف صدقه من كذبه بوجود الشروط الأربعة فيه «٢».
أولها: الصدق.
وثانيها: طهارة النفس ونزاهتها عن الفواحش، لأن النبي
_________________
(١) النبي مشتق من النبأ بمعنى الخبر، فإن كان المراد أنه يخبر أمته بما أوحي إليه فهو فهو فعيل بمعنى فاعل، قال تعالى: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (سورة الحجر: ٤٩) وإن كان لم يؤمر بتبليغ أمته ما أوحي إليه فهو بمعنى مفعول. قال تعالى: مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (التحريم: ٣) ويصح أن يكون مأخوذ من النبإ، أو النبوة- وهو ما ارتفع من الأرض- والنباوة، وكلها بمعنى الارتفاع والظهور، وذلك لرفعة قدر النبي وظهور شأنه وعلو منزلته. والنبي هو: من أنبأه الله بخبر السماء. (انظر الرسل والرسالات، للأشقر ص ١٣، ولسان العرب ٣/ ٥٦١ - ٥٧٣، وبصائر ذوي التمييز ٥/ ١٤، مذكرة التوحيد للشيخ عبد الرزاق عفيفي ص ٤٤، ولوامع الأنوار ١/ ٤٩، ٢/ ٢٦٥).
(٢) لم أجد فيما أطلعت عليه من كتب السلف تحديد هذه الشروط الأربعة إلا الماوردي في أعلام النبوة ص ٢٥ قال:" فإذا أثبت أن النبوة لا تصح إلا ممن أرسله الله تعالى بوحيه إليه فصحتها فيه معتبرة بثلاث شروط تدل على صدقه ووجوب طاعته: أحدها: أن يكون مدعي النبوة على-
[ ١ / ٢٦٣ ]
من عند الله، فوجب أن يكون على صفته «١» في الصدق
_________________
(١) - صفات يجوز أن يكون مؤهلا لها لصدق لهجته وظهور فضله وكمال حاله والشرط الثاني: إظهار معجز يدل على صدقه والشرط الثالث: أن يقرن بالمعجز دعوى النبوة " اهـ. والظاهر أن هذا التقسيم وهذه الشروط استنتاجا من حال الأنبياء وإلا فإن الصادق المدعي للنبوة ومعه من الله برهان لا يشك العقلاء في نبوته.
(٢) اختار الله في كل أمة رسولا أوحى إليه وأمره بدعوة الناس إلى عبادة الله، وكلهم صادقون مصدقون بارون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، مؤيدون من ربهم بالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة قد بلغوا جميع ما أرسلهم به الله، لم يكتموا شيئا، ولم يغيروا ولم يزيدوا فيه شيئا من عند أنفسهم ولم ينقصوا حرفا فكانوا غاية في الصدق وطهارة النفس معصومين من الفواحش والكبائر، ولكنهم مع ذلك بشر حكمهم حكم البشر قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (آخر سورة الكهف). إلا أن الله حفظهم ويحفظهم من كبائر الذنوب وحتى الصغائر فيما يوحي إليهم ويبلغونه للناس، ولكنهم بشر لا يماثلون الله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، كما هو مذهب النصارى الذين يقولون إن عيسى ﵇ هو الله أو ابن الله:" لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (المائدة ١٧، ٧٢)، وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (التوبة ٣٠) والنصراني في هذه العبارة يرى بناء على مذهبه أن النبي يجب أن يكون على صفة من أرسله في الصدق والطهارة والنزاهة، ونحن لا نقبل هذا لأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (النساء ٨٧) ومَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (النساء ١٢٢) فهو سبحانه متصف بصفات الكمال. والرسل متصفون بالصدق وغيره من الصفات الحميدة والخلق الرفيعة: وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [(القلم: ٤) ولكن ليسوا على صفة الله لأنهم لو ساووا الله فيما يتصفون به لكانوا آلهة مشاركين لله في ربوبيته ولعلا بعضهم على بعض وهذا لا يقبله عقل سليم ولا فطرة، ولم يرد بذلك نص. والطوفي لم يفطن لهذا- والله أعلم- وإلا لرده كما رد على النصارى هذا المذهب في تعاليقه على الأناجيل (٦٣ خ).
[ ١ / ٢٦٤ ]
والطهارة والنزاهة «١».
قلت: هذا كلام صحيح. بل طهارة النفس وتزكيتها واجب على كل أحد لكن منهم من يحصل/ له ذلك، ومنهم من يحرمه. أما الأنبياء فهو لازم فيهم لأنهم أمناء الله على خلقه ووحيه، صيانة له.
قال:" وقد تكلم في هذا الموطن- يعني موطن الطهارة، وهي الشرط الثاني-" موسى بن عبيد الله «٢» " الفيلسوف. في فصل" النبوة" في كتابه المسمى:
" دلالة الحائرين «٣» " فقال:" امتحان النبي الصادق، هو اعتبار كماله، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته. وأكبر علاماته: اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها، فإن ذلك شأن «٤» أهل العلم، فضلا عن الأنبياء. وخاصة الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سيما قذارة النكاح منها. ولذلك فضح الله بها كل مدع،
_________________
(١) في أ: وللنزاهة.
(٢) تقدمت ترجمته في الدراسة ص ١٦٥.
(٣) هو كتاب في الفلسفة سماه بالدلالة، وبعضهم يذمه ويسميه الضلالة، ترجم إلى اللاتينية، وطبع أيضا ونشر قسم منه سنة تسع وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة في القاهرة باسم:" المقدمات الخمس والعشرون من دلالة الحائرين" بالحروف العربية. قدم له محمد زاهد الكوثري. [انظر الأعلام للزركلي ٧/ ٣٣٠، هامش رقم (٥) الجزء الأول من كتاب درء تعارض العقل والنقل بتحقيق د. محمد رشاد سالم ص ١٣١].
(٤) في أ: من شأن.
[ ١ / ٢٦٥ ]
ليتبين الحق، ولا يضلوا، ولا يغلطوا «١» ".
ثم ذكر قصة رجلين ادعيا النبوة، وانهمكا في حساسة لذة الجماع، حتى زنيا، فافتضحا، وأحرقهما ملك بابل «٢». كما ذكر ارمياء النبي أو قال برميا النبي «٣» في الباب التاسع والعشرين «٤».
قلت: شرع العلج «٥» يدس الدسائس، ويقدم/ المقدمات الردية، ليستنتج
_________________
(١) قلت: هذه المغالطة كرر ترويجها في الترجيح بين المسيح ومحمد﵉- القس الإنجليزي الذي اختاره الإنجليز ليكون مندوبا لهم في الخليج لبسط نفوذهم فيه وقد اشتهر بدهائه وعدائه للإسلام فكتب كتابا سماه:" مفتاح الخزائن ومصباح الدفائن" وضمنه الرد على المسلمين والاعتراض على نبوة سيد المرسلين ووزع منه نسخا كثيرة في الخليج للتلبيس على ضعفاء العلم والإيمان من المسلمين ومما وضع في هذا الكتاب هذه المغالطة. وقد تولى الشيخ عبد العزيز آل معمر﵀- الرد على هذا النصراني- كما بينت في الدراسة-. [انظر منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ص ١٠٨ - ١٢٦].
(٢) بابل: اسم ناحية منها الكوفة والحلة، وقيل: أرض العراق كلها هي بابل. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ١٤٥، وهامش رقم ٨ من نفس الصفحة].
(٣) في (ش) و(م): ترميا، وفي الكامل (١/ ١٥٣، ٢/ ٢١" برخيا بن حنانيا" ولم أجد له ترجمة يتضح منها صحة اسمه.
(٤) هذا النص لم أجده في التراجم الحديثة، وسيأتي قول المؤلف أنه لم يجده أيضا في نبوة ارمياء في تراجم القرن السابع الهجري [انظر ص ٢٧٨ من هذا الكتاب].
(٥) العلج: الرجل من الكفار العجم ويقال أيضا لحمار الوحش لاستعلاج خلقه وغلظه، وكذا إذا سمن وقوي قيل له: علج، والأنثى علجة وجمعه علجة وأعلاج وعلوج، أخرج البخاري في فضائل الصحابة باب الاتفاق على عثمان وقصة مقتل عمر:" فطار العلج بسكين ذات حرفين فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه " الحديث. ويجمع على أعلاج، كما روى أبو داود في الجهاد باب في قتل الأسير بالنبل:" غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتى بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبرا" أي في غير المعركة وفي حديث البخاري السابق أن عمر قال لابن عباس:" قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة" [انظر بالإضافة إلى ما سبق لسان العرب ٢/ ٣٢٦، والمصباح المنير ١/ ٥٠٧].
[ ١ / ٢٦٦ ]
منها النتائج الخبيثة،" ومثلي لا يغالط في الحساب" «١».
فأقول: أما قول الفيلسوف:" امتحان النبي الصادق باعتبار كماله، وتعقب أفعاله. وتأمل سيرته" فهذا صحيح. ومن تأمل ذلك من نبينا محمد﵇- تأمل منصف، لم يجد مقالا، فإنه كان على الغاية في العدل والزهد والورع والتواضع. يعرف ذلك بالنظر في سيرته المنقولة عنه، ولسنا بصدد بيان ذلك مفصلا، إذ فيه كتب مصنفة/ من جيدها كتاب" رياض الصالحين" للنووي «٢».
وأما اطراحه اللذات البدنية سوى النكاح- فكان في الغاية منه، فإنه لم ينقل عنه أنه أكل مرققا «٣»، ولا على
_________________
(١) مثل تقوله العرب لمن يريد مغالطة آخر. [انظر لسان العرب ٧/ ٣٦٣]. قلت: أخرج البخاري في المواقيت باب الصلاة كفارة، ومسلم في الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا، حديث (٢٣١) عن حذيفة﵁-:" وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط" وهذا لفظ مسلم: والأغاليط جمع أغلوطة وهي اعتراض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا بها ويستسقط رأيهم فيها. [انظر معالم السنن بهامش سنن أبي داود ٤/ ٦٦، وفتح الباري ٦/ ٦٠٦].
(٢) في نسخة (أ): للنواوي، وفي فوات الوفيات، والذيل عليها للكتبي (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، ويقول ابن العماد:" بحذف الألف ويجوز إثباتها"، وترجمته تقدمت في الدراسة ص ١٧٥.
(٣) مرققا: أي خبزا ملينا محسنا كخبز الجواري وشبهه، والترقيق: التليين ولم يكن عندهم مناخل. وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع. قال ابن حجر بعد أن نقل هذا الكلام عن القاضي عياض: " وهذا هو المتعارف وبه جزم ابن الأثير، قال: الرقاق الرقيق، مثل طوال وطويل، وهو الرغيف الواسع الرقيق". [فتح الباري ٩/ ٥٣٠]. قلت: قد أخرج البخاري في الأطعمة، باب الخبز المرقق عن قتادة قال:" كنا عند أنس وعنده خباز له فقال: ما أكل النبي ﷺ خبزا مرققا ولا شاة مسموطة حتى لقي الله" اهـ.
[ ١ / ٢٦٧ ]
أسكرجة «١»، ولا نام على فراش وطئ «٢». وكان يقول:" ما لي وللدنيا/. إنما أنا والدنيا كراكب نام تحت شجرة ثم قام وتركها «٣» ".
[موقف النصارى من النكاح]
وأما قوله:" الحاسة التي هي عار علينا، كما ذكر" أرسطو" ولا سميا قذارة النكاح منها".
فنقول أولا لهذا المصنف النصراني: أنت قد قدمت في فوائد النبوة: أن مقاصدها لا تحصل بمجرد الفلسفة. فكيف جعلت قول الفلاسفة كموسى بن عبيد الله، وأرسطو: حجة في تقبيح حاسة النكاح؟ هذا تهافت لا يسمع.
_________________
(١) أسكرجة: أوله همزة، وهو قول بعض أهل اللغة، وفي لسان العرب: سكرجة بدون همز، بضم السين والكاف والراء والتشديد بعد جيم مفتوحة. وهو لفظ الحديث الذي أخرجه البخاري في الأطعمة، باب ما كان النبي ﷺ وأصحابه يأكلون، عن أنس﵁- قال:" ما أكل النبي ﷺ على خوان ولا في سكرّجة، ولا خبز له مرقق. فقلت لقتادة: على ما يأكلون؟ قال على السفر" وأخرج الحديث أيضا الترمذي في أول الأطعمة، وابن ماجه في الأطعمة باب الأكل على الخوان والسفرة. وأحمد في المسند (٣/ ١٣٠) والسكرجة: فارسية معربة، وهي إناء يؤكل فيه، منه الصغير ومنه الكبير [انظر لسان العرب ٢/ ٢٩٩، وفتح الباري ٩/ ٥٣٢].
(٢) الوطي السهل اللين. [انظر إكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٧٥٤].
(٣) أخرجه الترمذي بسند عن عبد الله قال:" نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" قال الترمذي:" وفي الباب عن عمر وابن عباس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح" اهـ. وقد أخرجه ابن ماجه عن عبد الله في الزهد، باب مثل الدنيا، وأحمد في المسند (١/ ٣٠١) عن ابن عباس ولفظهما نحو لفظ الترمذي.
[ ١ / ٢٦٨ ]
ثم نقول لهذا الفيلسوف: حاسة النكاح عار على من «١»؟ عليك؟ أو على الأنبياء ومن تابعهم؟ إن قلت: عليك. قلنا: عندك أو عندهم؟ إن قلت: عندك فأنت لا عند لك: بل أنت من أعداء أهل الشرائع. ومن أول عداوتك لهم، وطعنك عليهم، تقبيحك عليهم شيئا أجمعوا على جوازه منذ أهبط آدم إلى الآن، وأنت قد اعترفت بصحة نبوتهم وعقولهم، فأحد الأمرين لازم: إما فساد عقلك في إنكارك عليهم التشاغل بالنكاح، أو فساد عقلك في اعترافك بصحة نبوتهم، وكمال عقولهم.
ويقال لأرسطو: ألست القائل آنفا: إن حال عقولنا عند النظر إلى المبادئ «٢» كحالة الخفاش عند النظر إلى الشمس. فمن أين لك أن عقلك لم يقصر عن إدراك حكمة الباري- سبحانه- في إباحة النكاح للأنبياء﵈ «٣» -؟
وهل هذا إلا تهافت؟
وإن قلت: عند الأنبياء. فهذا كذب عليهم. فإن الأنبياء أجمعوا على حسنه وحكمة الله فيه، من تكثير العباد والعبّاد، وعمارة الأرض، ودوام العالم، وبقاء النوع الإنساني الذي أجمعت الحكماء على أنه خلاصة الوجود، وتنوع «٤» أنواعه.
وإن قلت على الأنبياء﵈ «٥» - فأنت قد اعترفت بكمالهم! / والاقدام على العار ينافي الكمال. فهذا تهافت منك بكل حال.
_________________
(١) على من: ليست في (ش).
(٢) في (أ): المتاذى.
(٣) " ﵈": ليست في (م).
(٤) في ش، م: ونوع أنواعه.
(٥) " ﵈": ليست في (م)، (ش).
[ ١ / ٢٦٩ ]
[فوائد النكاح وفضيلته]
وأما ما ذكر من قذارة/ النكاح، فنقول:
لا نسلم أن فيه قذارة، بل فيه مصالح:
منها: سرور النفس به، وانشراحها للعبادة، ولعل بدونه لا تنشرح لذلك.
ومنها: تحصين الفرج عن الزنا المحرم «١» بإجماع أهل الملل والعقول.
ومنها: تحليل فضلات البدن المحتقنة فيه، وانعاش الحار الغريزي «٢» به، فيخف بذلك البدن وينشط. ولهذا بعض الناس يمرض بتركه وتكثر في بدنه الجراحات «٣» والدماميل ونحوها «٤».
_________________
(١) وقد دعا محمد ﷺ إلى ذلك فقال: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج » الحديث. أخرجه البخاري في عدة مواضع منها" كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزبة" ومسلم في النكاح الحديث الثالث، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي كل منهم في أول كتاب النكاح، وأحمد في المسند (١/ ٣٧٨، ٣٢٤، ٤٢٥، ٤٣٢، ٤٤٧).
(٢) الحار: الساخن. والحرارة حرقة في الفم من طعم الشيء أو حرقة في القلب من التوجع. والغريزي: هو المنسوب إلى الغريزة، وهي صورة من صور النشاط النفسي، فيقال: الحرارة الغريزية، أو الميول الغريزي. ويقال إن الحرارة الغريزية تزيد من الصباح إلى بعد الظهر زيادة بطيئة تصل إلى الكمال وتبقى كذلك إلى الثلث الأول من الليل ثم تأخذ بعد ذلك في النقص ثانيا وهكذا- والله أعلم-[انظر المعجم الوسيط ١/ ١٦٥، المعجم الفلسفي ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، ودائرة معارف القرن العشرين ٣/ ٤٠٧].
(٣) في (ش): الحرارات.
(٤) ومما يسببه المني إذا دام احتقانه: الوسواس، والجنون والصرع.
[ ١ / ٢٧٠ ]
ومنها: أنه يحسن الخلق، ويبسط بشرة الوجه «١».
وقد نص" جالينوس" «٢» على أن سبب سوء خلق الخصيان، وتعبيس وجوههم وانتهارهم لمن كلمهم: ترك «٣» الجماع، لاحتباس الماء، وتعفنه في أبدانهم.
ولئن سلمنا أن فيه قذارة فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن قذارته شرعية أو طبيعة؟ إن قلت: شرعية. فهو ممنوع فإن الذي «٤» يصلح أن يضاف إليه الاستقذار في الجماع/ هو: المنيّ «٥»،
_________________
(١) ومن مصالح النكاح ومقاصده الحسنة: حفظ النسل، ودوام النوع الإنساني، إلى أن تتكامل العدة التي قدر الله تعالى بروزها إلى هذا العالم، وهذه مصلحة عظيمة دالة على فضيلة النكاح، والشرائع جاءت لتحصيل المصالح.
(٢) هو أشهر الأطباء اليونانيين القدماء بعد أبقراط، قيل كان من حكماء اليونانيين الذين كانوا في الدولة القيصرية بعد بنيان رومية، ومولده ومنشؤه بفرغامس مدينة صغيرة من مدن آسيا شرقي قسطنطينية. وكان عالما بالتشريح. [انظر طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ص ٤١، ودائرة معارف القرن العشرين ٣/ ٣ - ١٣، نزهة الأرواح وروضة الأفراح في تاريخ الحكماء والفلاسفة ١/ ٣٤٠ - ٣٥٩].
(٣) في (أ): بترك.
(٤) في (م): فالذي.
(٥) اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته إلا أن أبا حنيفة قال يكفي في تطهيره فركه إذا كان يابسا وهو رواية عن أحمد وقال مالك لا بد من غسله يابسا أو رطبا. ودليلهم حديث عائشة عن مسلم في الطهارة باب حكم المني:" أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه" وذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه إلى أنه طاهر، ودليلهم الرواية الثانية عن عائشة عند مسلم في الموضع السابق في المني قالت" وكنت أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركا فيصلي فيه" وحملوا رواية الغسل على الاستحباب والتنزه والنظافة كما هو شأن النجاسة والبصاق ونحوهما. وهذا هو الراجح- والله أعلم-. [انظر شرح النووي لصحيح مسلم ٣/ ١٩٧ - ١٩٨، مجموع فتاوى ابن تيمية ٢١/ ٥٨٧ وما بعدها].
[ ١ / ٢٧١ ]
والمذي «١»، ورطوبة فرج المرأة «٢». وهذه الأشياء طاهرة عند كثير من أهل الشرع.
_________________
(١) مذي فيه لغات: بفتح الميم وإسكان الذال وبفتح الميم وكسر الذال مع تشديد الياء، وبفتح الميم وكسر الذال مع تخفيف الياء والأوليان مشهورتان كما قال الإمام النووي:" وأولهما أفصحهما وأشهرهما." وهو ماء رقيق لزج يخرج عند ملاعبة المرأة. [انظر المصباح المنير ٢/ ٦٨٩، وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢١٣]، واختلف العلماء في نجاسته فقال جمهورهم: إنه نجس، واستدلوا بحديث علي عند مسلم (كتاب الحيض، باب المذي) وعند غيره:" كنت رجلا مذاء، وكنت استحي أن أسأل النبي ﵌ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: (يغسل ذكره ويتوضأ) فأمر النبي ﷺ له بالغسل دليل على نجاسته. وقال بعض الإمامية: المذي طاهر. ويفهم من كلام الطوفي هنا أن معهم في هذا القول غيرهم. والراجح أنه نجس لورود الدليل بالأمر يغسله ولم يرد ما يدل على طهارته- والله أعلم-. [انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢١٣، وفتح الباري ١/ ٣٨١، ومعالم السنن بهامش سنن أبي داود ١/ ١٤٣، ونيل الأوطار ١/ ٦٤].
(٢) اختلف في طهارة رطوبة فرج المرأة على نحو الخلاف في المني فقال بعض العلماء: إنه طاهر عملا برواية حك المني. وأن الاحتلام مستحيل في حق النبي ﷺ لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المني في ثوبه إلا من جماع ويلزم منه مرور المني على موضع أصاب رطوبة الفرج فلو كانت نجسة لتنجس بها المني ولما تركه في ثوبه ولما اكتفى بالفرك. وأجاب من قال بنجاسته عن هذا بأن الاحتلام منه ﷺ جائز وليس من تلاعب الشيطان بل هو فيض زيادة المني، ويجوز أن يكون حصل بمقدمات جماع فسقط منه شيء على الثوب، أما المتلطخ بالرطوبة فلم يكن على الثوب. قلت: والأرجح طهارته لأنه يشق الاحتراز عنه كالمخاط والنخامة والبصاق وإلحاقا له بالمني، ولأنه لم يرد دليل صريح على نجاسته- والله أعلم-. [انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ١٩٨].
[ ١ / ٢٧٢ ]
ومن قال بنجاستها منهم عفا «١» عن يسيرها دفعا للحرج والمشقة فأما مخرج البول والغائط فلا وطء «٢» فيه «٣»، والحيض يحرم الوطء «٤» في زمنه. فأين القذارة إذن في الجماع؟.
وإن قلت: طبعيّة لم يلزم من ذلك وجوب اجتنابها عقلا، ولا شرعا، لأن هذه الأشياء كالبصاق، وبلغم المعدة والرأس والمخاط وعرق الحمى. بل مطلق العرق. فإن هذه كلها فضلات تحللها الحرارة من البدن، وهي تورثه خفة ونشاطا وصحة، ومعتمد العلاج الطبي تنقية «٥» البدن من المواد التي ليس من شأنها أن تكون فيه.
الثاني: سلمنا أن فيه قذارة بكل حال. لكن مفسدة تلك القذارة مغمورة بما فيه من المصالح العظيمة الدنيوية والأخروية «٦». والعقول/ الصحيحة لا ترجح إعدام مفسدة واحدة خفيفة خصوصا وقد باشرها الأنبياء والصديقون أجمعون،- إلا من شذ منهم- على وجود مصالح كثيرة جمة النفع.
_________________
(١) في النسخ الثلاث: عفى.
(٢) في (أ): فلا وطى.
(٣) أما مخرج البول فلعدم إمكان ذلك، وأما مخرج الغائط فلحرمته وقذارته.
(٤) في (أ): الوطي.
(٥) في (أ) بتنقية.
(٦) من ذلك ما تقدم، وغض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام وتحصيل ذلك للمرأة، فهو نفع لهما في الدنيا والآخرة، وشيء هذه مصالحه ومشروع للأنبياء ويحبونه يحمل المقتدي بهم على تحصيله ليترتب عليه ما ذكر من المصالح.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ثم أين قذارة الجماع من قذارة الغائط؟ الذي يتعبد مخاييس «١» النصارى ببقائه على أبدانهم، حتى تغالي فيه النصارى، فجعلوا يتهادونه يتبركون ويستشفون به من الأمراض، بناء منهم «٢» على فهمهم الفاسد لكلام المسيح في الفصل الثامن والعشرين/ من إنجيل متى «٣» حيث يقول:" ليس النجس ما دخل الفم ثم خرج مستحيلا من المخرج. إنما النجس ما خرج من الفم من الكلام السيئ، لأنه يدل على نجاسة القلب" هذا معنى كلامه «٤».
ومن أنكر من النصارى أنهم يتعبدون ببقاء العذرة على أبدانهم فهو مستخف منكر لما يعلم- كما ينكر بعض فقهاء المسلمين تجويز الوطء «٥» في الدبر- وهو
_________________
(١) مخاييس: هكذا جمعه المؤلف والخيس مصدر خاس الشيء يخيس خيسا. أي تغير وفسد وأنتن وخاست الجيفة: أي أروحت قال الليث: يقال للشيء يبقى في موضع فيفسد ويتغير .. [انظر لسان العرب ٦/ ٧٤، المشوف المعلم في ترتيب الاصلاح على حروف المعجم ١/ ٢٦١].
(٢) في (أ):" بنا أمنهم منهم على فهمهم الفاسد".
(٣) النص في الأصحاح الخامس عشر منه حسب ترجمة سنة ١٩٧٩ م ولفظه" ثم دعا الجمع وقال لهم اسمعوا وافهموا، ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان".
(٤) كان المسيح﵇- يتدين بالطهارة، ويغتسل من الجنابة، ويوجب الغسل على الحائض، وطوائف النصارى عندهم ذلك كله غير واجب، فالإنسان منهم يقوم من على بطن المرأة، ويبول ويتغوط ولا يمس ماء، ولا يستجمر، والبول والغائط ينحدر على ساقة وفخذه ويصلي كذلك وصلاته صحيحة تامة- على زعمهم- ولو تغوط أو بال وهو يصلي فضلا عن أن يفسو أو يضرط، ويقولون: إن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل منها بالطهارة [انظر هداية الحيارى ص ١٤١، والأجوبة الفاخرة ص ١٣٣].
(٥) في (أ): الوطي.
[ ١ / ٢٧٤ ]
منصوص في كتبهم وعن أئمتهم «١».
[الأنبياء والنكاح]
وأما قوله:" ولذلك فضح الله بها كل مدع" فنقول في جوابه: لا نسلم أن الله فضح المدعين بحاسة النكاح، وإنما فضحهم بدعواهم الكاذبة ولو كانت حاسة النكاح تقتضي الفضيحة لافتضح بها الأنبياء كلهم، بل جميع الخلق كآدم ونوح وإبراهيم، وخصوصا إسرائيل، وداود، وسليمان فإنهم كانوا كثيري النساء والسراري «٢»، وكثرة تشاغل إبراهيم وبنيه بالجماع هو الذي أوجب كثرة نسلهم وانتشار الشعوب منهم، لأن الجماع سبب النسل، وكثرة المسبب يدل على كثرة السبب.
_________________
(١) ذكر الطوفي الخلاف في مسألة الوطء في الدبر في كتابه الإشارات (ص ٤٩/ خ/ ح) عند تفسير نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (البقرة: ٢٢٣) وقال بأن القائلين بالجواز هم الشيعة وطائفة من أهل الحجاز، وأنه يعزى إلى مالك﵀- ثم ذكر أدلة المجوزين ومن قال بحرمته وهم الجمهور. قلت: وهذه المسألة مبسوطة في كتب الفقه والتفسير وليس هذا موضع بسطها، ولكن الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور وهو تحريم الوطء في الدبر للأدلة القوية في ذلك. [انظر المغني لابن قدامة ٧/ ٢٢ - ٢٣، وتفسير القرطبي ٣/ ٩١ - ٩٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٦٠ - ٢٦٤] ولا وجه لمناظرته قول النصارى المتقدم بقول من شذ من المسلمين في مسألة الوطء في الدبر فإن التعبد ببقاء العذرة على أجسادهم أصبح كأنه الأصل عندهم وجحوده اخفاء لما يعلم أما الوطء في الدبر فليس كذلك بل الأصح عدم جوازه ومن أجازه لا يخفي كما فعلت النصارى.
(٢) يقال: إن داود ﵇ مع زهده وأكله من عمل يده، كان عنده تسع وتسعون امرأة، فأحب امرأة وتزوج بها فأكمل المائة. وابنه سليمان﵇- كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة. وقال ابن عباس:" كان في ظهر سليمان ماء مائة رجل، وكان له ثلاثمائة امرأة وثلاثمائة سرية". [انظر منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ص ١٢٣].
[ ١ / ٢٧٥ ]
وبالجملة: فمن جعل حاسة النكاح عارا. فقد ألحق العار بسائر الأنبياء والصديقين والصالحين وعباد الله أجمعين. وإن عارا يتلبس «١» به هؤلاء كلهم ليس بعار:/
وعيروني بذلي في محبتها وبالذي عيروني تم لي الشرف «٢»
[وإذ لولا هذه الحاسة لما وجد الأنبياء وشرائعهم، وإنما هي عار على معتقدها عارا، إذ لولا هذا العار لما صار إلى النار] «٣».
وأما ما ذكر من قصة الرجلين الذين أحرقهما ملك «٤» بابل، فلم أجده في الباب المذكور من كتاب ارمياء النبي، فإن كان المشار إليه برميا «٥» النبي، وأنه غير ارمياء، وإلا فلا أعلم صحة هذا النقل، على أنه بتقدير الصحة إنما افتضح هذان الرجلان بدعواهما الكاذبة وزناهما،/ لا بتعاطي شهوة النكاح.
على أني أحسب أن النقل اشتبه عليه، وأن المراد بالرجلين هاروت وماروت «٦». ولهما قصة عجيبة وردت بها السنة وذكرها أهل السير.
_________________
(١) في (أ):" وان عارا يتلبس ابليس هؤلاء كلهم ليس بعار".
(٢) لم أعرف قائل هذا البيت بعد البحث الكثير.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (أ).
(٤) في (أ): مالك بابل.
(٥) وفي (ش)، (م) ترميا، وفي الكامل برخيا كما سبق ص: ٢٦٦.
(٦) هاروت وماروت: قيل المراد بهما جبريل وميكائيل﵉- وقيل رجلان اسم أحدهما هاروت والآخر ماروت كانا يعلمان السحر. وقيل: إنهما ملكان أنزلهما الله إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر اختبارا لعباده وامتحانا وقيل: هما قبيلان من الجن. وقيل: علجان من أهل بابل. وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان. وهو الراجح. وستأتي قصتهما- إن شاء الله- بعد قليل. [انظر تفسير الطبري ١/ ٤٥٢ - ٤٥٩، وتفسير ابن كثير ١/ ١٣٧، وتفسير الشوكاني ١/ ١٢٢ - ١٢٣].
[ ١ / ٢٧٦ ]
منهم:" وثيمة بن موسى بن الفرات «١» في" قصص الأنبياء":
وكان افتضاحهما بتقدير الله، وسببه طعن الملائكة على بني آدم، واستقلالهم أعمالهم وتعبيرهم بخطاياهم وعصيانهم. فلما ابتلى الملائكة بما ابتلى به بنو آدم ساعة من نهار، استقالوا فأقيلوا، إلا هاروت وماروت ثبتا فجرى لهما ما جرى «٢»،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٨٠.
(٢) أخرج أحمد بن حنبل﵀- في المسند (٢/ ١٣٤) عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: إن آدم لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة أي رب أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون. قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم. قال الله تعالى للملائكة هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبط بهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان، قالوا ربنا: هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض ومثلث لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها قالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله أبدا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها قالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا والله لا نقتله أبدا. فذهبت ثم رجعت بقدح خمر، فسألاها نفسها قالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر فشربا، فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا" اهـ. قال ابن كثير﵀- في التفسير (١/ ١٣٨):" وهكذا رواه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين إلا موسى بن جبير فهو مستور الحال، وتفرد به عن نافع وروي له متابع من وجه آخر عن نافع كما قال ابن مردويه حدثنا فذكره بطوله" اهـ. وقصة هاروت وماروت وزناهما عند الحاكم وصححه عن ابن عمر أيضا في (٣/ ٦٠٧) كتاب الأهوال، وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وأصحاب كتب التفسير بطرق أغلبها غير مرفوعة.
[ ١ / ٢٧٧ ]
وقد ذكرت بعض قصتهما في" الفوائد" «١».
قلت: والذي أوجب لهذا النصراني تقديم هذا الكلام، وتقبيح حاسة النكاح هو كونه رأى المسيح لا داعي له إليها، ورأى محمدا﵇- شديد الداعي إلى ذلك. كما نقل عنه حديث يقول: «حبب إليّ من الدنيا ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة/ عيني في الصلاة» «٢» وأنه تزوج كثيرا وتسرى، فأراد العلج أن يجعل هذا مطعنا عليه.
ولقد تاه عن الصواب. فإن نكاح النساء هو عين الطهارة، لما فيه من تحصين الدين، والإعانة على تقوى رب العالمين. ولهذا كان محمد ﷺ إذا رأى امرأة أعجبته دخل على بعض نسائه فقضى حاجته منها، ثم خرج. وفعل ذلك يوما ثم
_________________
(١) -[انظر تفسير الطبري (١/ ٤٥٢ - ٤٥٨)، وتفسير القرطبي ٢/ ٥١ - ٥٢، وتفسير ابن كثير (١/ ١٣٤ - ١٤١) ويرى ابن كثير أنها كلها من الإسرائيليات وعدم رفعها إلى النبي ﷺ، وتبعه في ذلك الشيخ رشيد رضا (انظر الفتح الرباني ١٨/ ٧٢ - ٧٣) والقاسمي في تفسيره (١/ ٢١١ - ٢١٣)، ونقل رأي الرازي في ذلك].
(٢) لم أجد كتاب المؤلف هذا رغم البحث عنه، ولعله من الكتب التي فقدت من المكتبات الإسلامية.
(٣) أخرجه النسائي في أول عشرة النساء عن أنس من طريق ثابت بلفظ: «حبب إليّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة»، وأخرجه في نفس الموضع من طريق آخر عنه بنحوه، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٢٨) من طريقين عن أنس بلفظ النسائي السابق، وأخرجه في (٣/ ٢٨٥) عنه بلفظ النسائي الآخر، وفي (٣/ ١٩٩) بنحوهما، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٠) وقال:" صحيح على شرط مسلم"، وتكلم العلماء في زيادة لفظ" ثلاث" فمنهم من يثبتها ومنهم من ينكرها. [انظر المقاصد الحسنة ص ١٨٠، وكشف الخفاء ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦].
[ ١ / ٢٧٨ ]
خرج على أصحابه، فقال: «إن المرأة إذا أقبلت أقبل معها/ شيطان يزينها فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» «١».
وقال: «إذا كانت لأحدكم إلى امرأته حاجة فليأتها، وإن كانت على التنور" «٢». كل ذلك محافظة على حفظ الدين، لئلا يغلب الإنسان عليه بداعي الشيطان والهوى.
_________________
(١) أخرج مسلم في (النكاح باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته. حديث (٩) عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى امرأة. فأتى زينب، وهي تمعس منيئة لها- تدلك وتدبغ جلدا- فقضى حاجته. ثم خرج إلى أصحابه فقال: «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه» وأخرج الترمذي في الرضاع باب ما جاء في الرجل يرى المرأة الأجنبية، عن جابر بن عبد الله﵁- أن النبي ﷺ رأى امرأة، فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج. وقال: «إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان. فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها» قال الترمذي:" وفي الباب عن ابن مسعود، قال أبو عيسى:" حديث جابر صحيح حسن غريب" وأخرجه أبو داود في النكاح باب ما يؤمر به من عف البصر بنحو لفظ مسلم، والدارمي عن ابن مسعود في النكاح باب الرجل يرى المرأة فيخاف على نفسه، بلفظ: (رأى رسول الله ﷺ امرأة فأعجبته فأتى سودة، وهي تصنع طيبا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال: «أيما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها» وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٣٠) بلفظ مسلم.
(٢) أخرجه الترمذي في الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، عن طلق بن علي- بن طلق بن عمرو السحيمي اليمامي الصحابي- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور» قال أبو عيسى:" هذا حديث حسن غريب" وهو حسن كما قال. وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٣) عنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد أحدكم امرأته حاجة فليأتها ولو كانت على تنور» وسند أحمد ضعيف لأن فيه محمد بن جابر بن سيار قال عنه ابن حجر في التقريب:" صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرا، وعمي فصار يلقن" اهـ.
[ ١ / ٢٧٩ ]
كما حكي في التوراة «١»: أن" يهوذا بن يعقوب" تعرضت له كنّته «٢» - زوجة ابنه- في الطريق في صورة زانية، فواقعها على أن يعطيها جديا ورهنها عليه عمامته وقضيبا كان بيده".
وأن" روبيل «٣» " وطئ" «٤» سرية أبيه يعقوب ونجس فراشه، ونحن لا نقول بصحة هذا ولكنه حجة على النصارى واليهود، وتحقيق ذلك «٥» وتلخيصه:
أن شهوة النكاح في الإنسان طبيعية كشهوة الأكل والشرب، وحب الغلبة والرئاسة، بل هي أشد الشهوات. ولذلك كان أكثر افتتان العالم بها، فقضاؤها وأمن غائلتها بالطريق الحلال المصطلح عليه في النواميس الإلهية أولى في العقل من التعرض بتركها «٦» لمعصية الرحمن وطاعة الشيطان.
وقول محمد﵇-: «حبب إليّ من دنياكم النساء» ليس ذلك لغلبة شهوته عقله، كيف ذلك وسيرته: سيرته. لمن تأملها، وثباته: ثباته. بل إنما
_________________
(١) في سفر التكوين الأصحاح الثامن والثلاثين.
(٢) كنته: هي زوجه ابنه كما ذكر المؤلف أو زوجة أخيه. [انظر لسان العرب ١٣/ ٣٦٢] واسمها في التراجم الحديثة لكتب العهدين:" ثامار".
(٣) في التراجم الحديثة:" رؤوبين" والنص في سفر التكوين" بدء الخليقة" الأصحاح الخامس والثلاثين والأصحاح التاسع والثلاثين.
(٤) في (م): وطء.
(٥) في (م): وتحقيق هذا.
(٦) في (أ): من التعرض وتركها.
[ ١ / ٢٨٠ ]
المقصود بذلك: أن يتفرغ خاطره التفرغ الكلي لأداء الرسالة «١»، والقيام بأعبائها- كما يتفرغ الجائع بالأكل- لأداء العبادات.
وقد ورد في السنة النبوية الصحيحة عن يوشع بن نون. أنه لما توجه إلى بعض مغازيه- أحسبها: غزاة أريحا «٢»، مدينة الجبارين- قال لقومه:
" لا يتبعني «٣» رجل قد/ ملك بضع امرأة، يريد أن يبني بها ولما يبن. ولا آخر قد بنى بيوتا، ولم يرفع سقفها «٤». ولا آخر قد اشترى غنما، أو خلفات «٥»، وهو
_________________
(١) قال ابن كثير﵀- في هذا المعنى:" وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله﷿- كيحيى﵇- ثم هي في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه: درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن واكسابه لهن وهدايته إياهن، بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال:" وحبب إليّ من دنياكم" اهـ. [تفسير ابن كثير ١/ ٣٦١ - ٣٦٢].
(٢) أريحا: بفتح الهمزة وكسر الراء المهملة، وياء ساكنة والحاء مهملة بعدها ألف وقد رويت بالخاء المعجمة، لغة عبرانية: مدينة الجبارين في الغور بفلسطين بينها وبين بيت المقدس مسيرة يوم. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٦٣] وقد صرح بأن المدينة هي أريحا: الحاكم في مستدركه [١/ ٣١٩ - ٣٢٠] في رواية كعب الأحبار، ولكن أحمد في إحدى روايتيه لغزو يوشع بن نون أخرج عن أبي هريرة أن الغزوة كانت إلى بيت المقدس [المسند ٢/ ٣٢٥]، ورواية أحمد قال عنها ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٢١):" مرفوعة صحيحة" اهـ.
(٣) في (أ): لا ينبغي.
(٤) في (أ): راسغها.
(٥) خلفات: بفتح المعجمة وكسر اللام بعدها فاء خفيفة جمع خلفة وهي الحامل من النوق. وقد يطلق على غير النوق. [فتح الباري ٦/ ٢٢٢، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٥١].
[ ١ / ٢٨١ ]
ينتظر أولادها" الحديث رواه أحمد «١»، وأخرجاه في الصحيحين «٢».
كل ذلك مراعاة لاجتماع «٣» / الخواطر في طاعة الله، وحذرا من تفرق الهمم فيها «٤»، ونظائر هذا في شريعتنا مطلوب كالنهي عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين «٥» وكذلك الشبق «٦»، وكل ما يلهي.
وبالجملة: فكل عبادة الله- سبحانه- ينبغي للإنسان أن لا يدخل فيها، حتى يحسم مواد اشتغال قلبه عنها ما أمكن، ومن هذا،/ أو قريبا منه قوله- عليه
_________________
(١) في المسند (٢/ ٣١٨).
(٢) البخاري في كتاب الخمس باب قول النبي ﷺ: «أحلت لكم الغنائم »، ومسلم في الجهاد حديث ٣٢ باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة. [انظر ص: ٢٥٨ من هذا البحث].
(٣) في (م): لاجماع.
(٤) كلمة:" فيها" ليست في (م).
(٥) الأخبثان: البول والغائط. أخرج مسلم في (المساجد باب كراهة الصلاة بحضرة طعام مع مدافعة الأخبثين) عن عائشة قالت: أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا يدافعه الأخبثان» وأخرجه بنحوه أبو داود في الطهارة باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟، وأحمد في المسند في مواضع منها (٦/ ٤٣).
(٦) الشبق: شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال: رجل شبق، وامرأة شبقة [انظر لسان العرب ١٠/ ١٧١]، ولم أجد على ذلك دليلا ولعل الطوفي﵀- ذكره قياسا على حضرة الطعام ومدافعة الأخبثين لأن العلماء ألحقوا بهما كل ما كان في معناهما مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع،- والله أعلم-.
[ ١ / ٢٨٢ ]
السلام-: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» «١» لأن القضاء عبادة، والغضب يشغل عنه. وكذلك كلما في معنى الغضب من مرض أو حر أو برد أو شبق ونحو ذلك. ولهذا كان﵇- يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه «٢»، بل إكراما للملائكة الذين معه خصوصا جبريل صاحب الوحي. ولهذا كان يبغض الثوم والبصل، وكل ذي ريح كريهة، وقال لأصحابه: «إني أناجي من لا تناجون» «٣».
_________________
(١) أخرجه البخاري في (الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟) بلفظ: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» ومسلم في (الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان بلفظ «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» وأبو داود في الأقضية، باب القاضي يقضي وهو غضبان بلفظ: «لا يقضي الحكم بين اثنين وهو غضبان» والترمذي في (الأحكام باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان» بلفظ: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان» والنسائي في آداب القضاة باب ذكر ما ينبغي للحاكم أن يجتنبه بلفظ مسلم، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، بلفظ: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» وأحمد في المسند (٥/ ٣٨) بنحو لفظ أبي داود.
(٢) كان ﷺ يحب الطيب ويمتنع عن أكل بعض الأطعمة التي فيها رائحة خوفا من إيذاء الملائكة ومنهم جبريل ﵇ كما وردت السنة الصحيحة بذلك ولكنه بشر يحب أن يتلذذ بما أحله الله من الطيبات، ولا أعلم دليلا يؤيد رأي الطوفي أنه يحب الطيب لا ليلتذ به في نفسه، غير أنه كان زاهدا فيما لا حاجة له به- والله أعلم-.
(٣) أخرج البخاري في كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث وفي (الاعتصام، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل) ومسلم في المساجد، باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها) وأبو داود في (الأطعمة، باب في أكل الثوم) عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا- أو قال: فليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيته» وأن النبي ﷺ أتى بقدر فيه خضروات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول فقال: «قربوها- إلى بعض أصحابه كان معه- فلما رآه كره أكلها قال: كل فإني أناجي من لا تناجي» وهذا لفظ البخاري في الأذان.
[ ١ / ٢٨٣ ]
«وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» «١».
وأما المسيح فلعله في ترك النكاح كان عنينا «٢»، أو لكونه لا من ذكر، أو لكونه كان ملكا ظهر في صورة آدمي، فغلبت عليه صفة الملائكة «٣».
كما قال الله- سبحانه-: ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا (٩) «٤» الآية.
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساجد باب نهي من أكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها حديث ٧٤، ٧٢، والنسائي في المساجد باب من يمنع من المسجد، وابن ماجه في الأطعمة باب أكل الثوم والبصل والكراث، وأحمد في المسند (٣/ ٣٧٤، ٣٨٧). بألفاظ متقاربة.
(٢) في هامش نسخة (م): " قوله في حق المسيح﵇-: لعله كان عنينا ليس بجيد لأن العنة صفة نقص والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في غاية الكمال ولم يكن نبي قط عنينا، وإنما تركه للنكاح فلخاصية قامت لا يضرنا خفاها عنا، وفي الجملة فلا يجوز أن نقتدي به في ترك النكاح إلا إذا قال أمركم الله أن لا تناكحوا، وهذا غير موجود، والله أعلم، قاله النابلسي ولله الحمد" اهـ. قلت: وهذا ما رآه ابن كثير﵀-. [انظر تفسير ابن كثير ١/ ٣٦١]. وهذا هو الحق.
(٣) لم يرد ما يبرر هذه الافتراضات في كتب النصارى أو المسلمين أو غيرهم ولا داعي لها ولا نسلمها للطوفي فالمسيح﵇- لم يرد عنه أنه تزوج أو لم يتزوج، وكونه لم يتزوج لا يدل على فضله على سائر النبيين، ولا يرفعه إلى درجة الإلهية كما لا يلزم منه عدم فضله، أو عدم كونه من أولو العزم من الرسل الذين فضلهم الله على سائر البشر، وكل من لم يتزوج من البشر ليس عنينا، ولا أنه يلزم من عدم زواجه أنه من غير ذلك، فآدم من غير ذكر وتزوج، أو ملك، فالرسل لم تكن من الملائكة، وما كان ينبغي للطوفي عفا الله عنا وعنه أن يأتي بهذا، ولو قال: لعله ترك الزواج للتفرغ للعبادة- هذا إن صح أنه ترك الزواج- لكان أقرب إلى المعقول.
(٤) سورة الأنعام الآية التاسعة، ومعناها: أن الله﷿- لو بعث إلى البشر رسولا ملكيا لكان على هيئة الرجل ليمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، فلا يستطيعوا أن يتحققوا من كونه ملكا ولكن الله سبحانه جعل الرسل ﵈ جميعا-
[ ١ / ٢٨٤ ]
أو لكونه كان هو الله أو ابنه على رأي النصارى الساقط- تعالى الله عما يقولون- ونحن نقول: إن المسيح لو تأسى بسائر الأنبياء في النكاح والنسل، وتكثير العباد والعبّاد لكان ذلك أكمل له «١». فالذي يحتج علينا في [حاسة] «٢» النكاح بترك المسيح له، نحتج عليه في فضيلته بفعل جميع الأنبياء له. وليس المسيح﵇- بخير من جميع الأنبياء، إلا على هذيان النصارى في أنه: الله، أو ابن الله. وذلك ممنوع عند كل عاقل، بل هو عبد الله ورسوله. وسيأتي تمام الكلام على هذا الشرط عند ذكر تفاصيله.
[ظهور المعجز على يد النبي]
قال:" الشرط الثالث/- يعني من شروط النبي-: اظهار المعجز للناس ليرتفع اللبس ويقع الفرق بين الصادق والكاذب".
_________________
(١) - من البشر، واعترف بذلك جميع بني آدم. قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ولكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (سورة إبراهيم، آية: ١٠، ١١)، مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (سورة المائدة، آية: ٧٥) ولا وجه لما افترضه الطوفي هنا- كما سبق- ولم أعلم أن هذا الافتراض هو رأي لأحد من الناس حتى النصارى، فإن المعروف عنهم أنهم قالوا: إن عيسى هو الله أو ابن الله،- تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-.
(٢) ذكرت فيما سبق أنه ليس لدينا دليل صحيح صريح على أن عيسى لم يتزوج لا عند النصارى ولا عند المسلمين بل في آية الرعد ٣٨ ما يدل على تزوج كل الرسل والله أعلم-.
(٣) في النسخ:" في النكاح"، وما أثبته أصح.
[ ١ / ٢٨٥ ]
قلت: هذا كلام صحيح.
قال:" والمعجز فعل ما ليس في قوة الإنسان أن يفعله بحسب المجرى الطبيعي" «١».
قلت: هذا جيد في تعريف المعجز، لكن للمتكلمين فيه عبارة أخرى أحق من هذه وهو قولهم: المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض. فالأمر: جنس للمعجز وغيره. والممكن: فصل له عن الممتنع، إذ الممتنع لا يوجد. والخارق للعادة يفصله عن الأمور العادية كطلوع الشمس ووقوع المطر وركوب الفرس ونحوها. فإن المستند في دعوى النبوة إليها لا يثبت له شيء والمقرون بالتحدي: احتراز ممن يدعي أن معجز من قبله، دليل على صدقه هو، كما يقول إنسان اليوم: إن قلب موسى عصاه حية، دليل على صدقي في دعوى النبوة. فإن ذلك لا ينفعه، لأن معجزه ليس مقارنا لتحديه، والخالي عن المعارض: احتراز من الشعبذة «٢» والنيرنجات/ «٣» فإنها تعارض بمثلها، فإذا ظهر على يد شخص هذا الأمر بهذه الشروط كان معجزا وكان الشخص نبيا./
_________________
(١) قلت: يوحي تعريف النصراني بأن صاحب المعجز ليس في منزلة البشر، وهذا بناء على مذهبه في المسيح﵇-.
(٢) شعبذ شعبذة بالذال المعجمة، وليس من كلام أهل البادية وهي الشعوذة وهي لعب يرى الإنسان منه ما ليس له حقيقة كالسحر، أو خفة في اليد وأخذ كالسحر يرى الشيء بغير ما عليه أصله من رأى العين. [انظر المصباح المنير ١/ ٣٧٢، ولسان العرب ٣/ ٤٩٥].
(٣) النيرنجات جمع نيرج: أخذ تشبه السحر، وليست بحقيقة، ولا كالسحر، إنما هو تشبيه وتلبيس. [انظر لسان العرب ٢/ ٣٧٦].
[ ١ / ٢٨٦ ]
قال:" الشرط الرابع: أن يكون الدين الذي «١» يشرعه موافقا للدين الطبيعي، وهو نوعان:
[موافقة ما يأتي به النبي للفطرة]
أحدهما: عام لجميع الأمم، لا يختص بأمة دون أمة، كبر الوالدين، وصلة الرحم والإحسان إلى المحسن، والتجاوز عن المسيء. وبالجملة. جلب المصالح ودرء المفاسد، والتحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل.
والثاني: خاص «٢» يختص أمة دون أمة كتحريم لحم الخنزير عند غير النصارى وتحريم ذبح الحيوان عند البراهمة".
هذا حاصل ما ذكره في هذا الشرط.
قلت: هذا شرط متفق على حسنه عقلا وشرعا، وهو عام الوجود في دين الإسلام على ما ذكرنا جملة منه/ في شرح" الآداب الشرعية" «٣» لكن لا يلزم أن يأتي النبي به على هذه الصفة، واشتراطه فلسفة صرفة بل لله سبحانه أن يتعبد خلقه بما شاء، سواء كان ذلك مصلحة لهم أو لا. بناء على أصلنا في أن رعاية الأصلح للخلق لا تجب على الله سبحانه وإنما فعل ذلك حيث فعله بهم، تفضلا، لا وجوبا «٤».
_________________
(١) الذي: ليست في (أ).
(٢) " خاص": ليست في (أ)، وبقية العبارة هكذا في النسخ الثلاث والأصح: خاص تختص به أمة دون أمة. أو يختص بأمة دون أمة.
(٣) لم أعثر على هذا الكتاب حتى الآن.
(٤) انظر التعليق السابق ص: ٢٥٨.
[ ١ / ٢٨٧ ]
(الشرط الأول الصدق)
[موقف عتاة النصارى من نبوة محمدﷺ]
قال:" وإذ قد فرغنا من الكلام في النبوة والنبي، وشروطه التي يجب امتحانه بها بحيث إن وجدت فيه صدّق، وإن اختلت فيه أو بعضها كذّب. فإنا وجدنا الرجل المسمى: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ادعى النبوة في أمة من العرب «١» فالتمس منه الشرط الأول وهو الصدق. فوجدنا ما جاء به يشتمل على صنفين: صادق وكاذب- كما سنبين-".
قلت: هذه دعوى مجردة عن حجة، فإذا ذكر الحجة قوبلت بحسب ما ينبغي «٢».
قال: وليس كون الصدق بحال كذب «٣» المتكلم موجبا لحسن الظن به، بل
_________________
(١) قلت: هو بهذا القول يخالف قول جمهور النصارى: أن محمدا ﷺ رسول إلى العرب خاصة. مستدلين ببعض آيات القرآن الكريم كقوله تعالى في سورة الجمعة: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية وغيرها مما ظنوه دليلا لهم على أنهم غير مكلفين بالإيمان به واتباعه وليس كذلك. كما ورد في رسالة بولص الراهب التي وردت من قبرص إلى ابن تيمية﵀- فرد عليها بكتابه النفيس:" الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح" والأخرى التي وردت إلى الإمام القرافي﵀- فرد عليها بكتابه الجليل:" الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة" فجمهور النصارى لا ينكرون نبوة محمد ﷺ لكن يرون أنه رسول في العرب فقط. أما هذا النصراني فهو ينكر نبوته ﷺ ويقول انه مدع للنبوة وليس نبيا وهذا دليل على خبثه وعناده.
(٢) قلت: لم يجب الطوفي عن هذا. والأولى أن نقول للنصراني: كيف يكون محمد ﷺ صادقا وكاذبا في آن واحد؟ هذا لا يعقل. وأنت أيها الخصم إذا قلت إن بعض كلامه صدق فيلزمك الإيمان به. وعند ذلك فلا حجة لك على ما تدعيه فيما تراه في نظرك أنه كذب لعدم اجتماع الأمرين معا في وقت واحد، واستدلالك بالقرآن الذي أتى به وتراه صدقا يلزمك أن تصدقه في الباقي.
(٣) في (أ): الصدق بحال كذب.
[ ١ / ٢٨٨ ]
خلط الصدق مع الكذب أبلغ في الحيلة، وأنفذ في المكيدة. ولهذا يقال:
ما من «١» تعليم كاذب إلا ويمازجه شيء من الحق ليلتبس الباطل به، وتكون الخدعة أخفى فيه، والحيلة في التصديق أقوى.
قلت: هذا كلام صحيح «٢». وهو من محاسن الحكم لا ينازع فيه عاقل بل النزاع في أن ما أتى به محمد﵇- يشتمل على الكذب.
[امتحان شرط الصدق في نبوة محمدﷺ]
قال:" فلنورد أقاويل هذا الإنسان من صدق وغيره:
فقسم الصدق: قوله في سورة الصمد: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١).
قلت: لا شك أن هذا الكلام حق في نفسه، لكن اخبار هذا المصنف بصدق هذا الكلام عنده «٣»: إما جهل بحقيقة التوحيد، أو ستر لعوار دينه الثالوثي، وتحلية لجيده العاطل منه به، وإلا فأين قوله: اللَّهُ أَحَدٌ من قولهم:" الأب، والابن، وروح القدس، إله واحد"، ودعواهم التوحيد/ مع هذا التصريح كلام في الريح، لا يعقل ولا يتحصل، كما قد حققت بطلانه في:" التعليق على الإنجيل" «٤».
_________________
(١) في (م): ما في تعليم
(٢) هذا في غير الأنبياء من الكهان والمشعوذين كابن صياد وغيره الذي يقول للنبي ﷺ يأتيني صادق وكاذب، أما اشتمال ما يأتي به الأنبياء على الكذب فهذا موضع النزاع كما قال الطوفي﵀- ولا يمكن أن يؤيد الله الكاذب كما سيأتي في كلام الطوفي- إن شاء الله-.
(٣) كلمة:" عنده" ليست في (م).
(٤) أبطل الطوفي﵀- قولهم بالتثليث في كتابه المذكور ص ٣، ٤ من مخطوط الكتاب.
[ ١ / ٢٨٩ ]
قال:" وقوله في سورة يونس «١»: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وفي سورة آل عمران «٢»: وإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) «٣» الآية. وقوله في سورة الأنعام «٤»:
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعني كلمات الله، وهي التوراة والإنجيل- وفي سورة الحجر «٥»: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) والذكر: هو التوراة والإنجيل.
ويشهد لذلك قوله في سورة الأنبياء «٦»: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧).
فبين بهذا: أن كلمات الله غير مبدلة".
قلت: هذه الآيات كلها حق وصدق. ولكن أخطأ هذا الخصم في إيرادها في مواضع:
منها: أنه حصر ما جاء به محمد من الصدق فيها، والقرآن مملوء من الحكم والأخبار التي يعلم بالضرورة صدقها. وإنما هذا رجل معاند يريد أن ينفي التهمة عن نفسه، بإيهام العدل في إيراد ما يعتقده صدقا وكذبا. وعناده: يأبى عليه إلا إظهار التعصب والجور. فذكر خمس آيات حصر الصدق فيها، وهي مما يعتمد
_________________
(١) آية رقم: ٣.
(٢) آية رقم: ٤٢.
(٣) قوله تعالى: واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ليست في (م).
(٤) آية رقم: ١١٥. وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
(٥) آية رقم: ٩.
(٦) آية رقم: ٧.
[ ١ / ٢٩٠ ]
عليها. وتنفعه في عناده «١». شرع في ذكر ما يعتقده كذبا، فملأ منه الكتاب.
[المقصود بكلمات الله في القرآن الكريم]
ويأبى الله إلا ظهور الحق واستعلاءه «٢»، وخمول الباطل واذعانه.
ومنها: قوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ووهم منها في موضعين:
أحدهما: أنه ذكر الكلمات المضافة إلى الضمير، فاحتاج أن يفسره بالله تعالى، وقد كان يستغنى عن ذلك بإيراد الآية التي في أول السورة المذكورة وهي قوله: ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) «٣».
فإن الكلمات فيها مضافة إلى الله- سبحانه- لا إلى ضميره المحتاج إلى تفسير «٤»، وهذا لا يقدح في صحة ما احتج به، لكن/ احتجاجه «٥» بما ذكرناه أظهر، فعدوله عنه مشعر بالضعف وقصور النظر.
الموضع الثاني:
أنه فسر كلمات الله بالتوراة والإنجيل ليثبت علينا بكتابنا أنها حجة لازمة
_________________
(١) هذه الآيات الخمس الكريمات يجب الاعتماد عليها فيما دلت عليه من معنى صحيح لا على المعنى الذي يريده أهل الكتاب فإنهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه، واخضاعهم إياها لما تهواه أنفسهم عناد وجهل، وذلك لا ينفعهم في عنادهم، وقول الطوفي:" وتنفعه في عناده" أي على زعمه أنها نافعة له، والأولى أن يقال:" ويظن أنها تنفعه في عناده".
(٢) في (أ)، (م): واستعلائه.
(٣) سورة الأنعام، آية: ٣٤.
(٤) في (أ): المحتاج إلى نفسين.
(٥) " احتجاجه" ليست في (أ).
[ ١ / ٢٩١ ]
لنا،" وهيهات من دون المراد موانع" «١».
والذي يدل على أنه ليس المراد بالكلمات هنا «٢» التوراة والإنجيل: هو أن هذه الآية في سورة الأنعام. وسورة الأنعام كلها جدال ومناظرة لعباد الأوثان الذين ينكرون البعث. ولا تعرض فيها لأهل الكتاب إلا بطريق الاستشهاد بهم. كقوله:
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ «٣» وقوله: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ «٤»، وليس المراد بأهل الكتاب: الموجودين الآن بل المعاصرين لزمن النبوة، أو بطريق عموم خطاب غيرهم لهم لا بالقصد، وإذا عرف هذا فالله سبحانه يقول قبل هذه الآية: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا «٥».
والخطاب لكفار العرب «٦»، والكتاب الذي أنزل إليهم هو القرآن وهو المراد بالكلمات. قاله قتادة «٧»
_________________
(١) لم أجد هذا المثل فيما رجعت إليه من المراجع من كتب الأمثال والأشعار. وهو يضرب لمن أراد الوصول إلى أمر لا يستطيع إدراكه للموانع التي تحول دونه.
(٢) في (م): هاهنا.
(٣) سورة الأنعام، آية: ٢٠.
(٤) سورة الأنعام، آية: ١١٤.
(٥) هذا أول الآية المذكورة، آية: ١١٤.
(٦) انظر تفسير ابن كثير ٢/ ١٦٧، وتفسير الطبرى ٨/ ٨، وغيرهما.
(٧) انظر زاد المسير ٣/ ١١١، وقتادة هو: أبو طالب قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه، كان يسكن البصرة. روى عن أنس بن مالك وأبي الطفيل وغيرهما من الصحابة ﵃ أجمعين،-
[ ١ / ٢٩٢ ]
والطبري «١». قال الله سبحانه: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِ وهذا استشهاد بأهل الكتاب الموجودين حينئذ من أسلم منهم كعبد الله بن سلام «٢» وغيره، أو جميع أهل الكتاب، ولكن يكتم ذلك منهم من يكتمه عنادا «٣».
_________________
(١) - كان قوي الحافظة واسع الاطلاع في الشعر العربي، بصيرا بأيام العرب، عالما بأنسابهم، متضلعا في العربية ومن هنا جاءت شهرته في التفسير، أكثر السؤال على سعيد بن المسيب ﵀ أياما فقال سعيد: ما كنت أظن أن الله خلق مثلك. قال أبو عمرو بن العلاء: حسبك قتادة ولولا كلامه في القدر ما عدلت به أحدا من أهل دهره، توفي قتادة ﵀ سنة سبع عشرة ومائة من الهجرة وعمره إذ ذاك ست وخمسون سنة على المشهور. [انظر التفسير والمفسرون لمحمد الذهبي ١/ ١٢٥ - ١٢٦].
(٢) انظر تفسير الطبري ٨/ ٨، وقاله ابن عطية أيضا في تفسيره ٦/ ١٣٥، وقد تقدمت ترجمة الطبري في قسم الدراسة ص: ١٧٣.
(٣) أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي الأنصاري حليف بني عوف من الخزرج. أسلم عند قدوم النبي ﷺ المدينة، وذكر البخاري في مناقب الأنصار، باب مسائل عبد الله بن سلام قصة إسلامه التي كان فيها شهادة من أنفسهم على صدق محمد ﷺ وأنه مرسل من ربه، دافع عن عثمان ﵁ ضد المتألبين عليه، وخذّل الثائرين عليه حتى قالوا: اقتلوا اليهودي يعنون عبد الله. (انظر مع صحيح البخاري: التفسير والمفسرون ١/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٤) اعترف عبد الله بن سلام ﵁ وكان من أحبار اليهود قبل أن يسلم برسالة محمد ﷺ وأن ما ينزل عليه هو الحق من الله، كما روى عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال لعبد الله بن سلام ﵁: قد أنزل الله على نبيه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [البقرة: ١٤٦] فكيف يا عبد الله هذه المعرفة؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني إذا لقيته مع الصبيان، وأنا أشد معرفة بمحمد ﷺ مني بابني!! فقال عمر: كيف ذلك؟ قال: إنه رسول الله ﷺ حق من الله، وقد نعته الله في كتابنا: ولا أدري ما تصنع النساء". [الدر المنثور للسيوطى ١/ ٣٥٧]، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا لا يتسع المكان لذكرها.
[ ١ / ٢٩٣ ]
ولو كان الكلمات هي التوراة والإنجيل لكان الكتاب المذكور هو التوراة والإنجيل، ولم يكن به حاجة إلى أن يستشهد بأهل «١» الكتاب على صحته، لأن التوراة والإنجيل المنزلين على موسى وعيسى، لم ينازع فيهما أحد حتى يستشهد لهما. وأيضا:/ لو كان كذلك لم تصح شهادة أهل الكتاب لكتابهم لموضع التهمة. ثم قال: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ .. (١١٥) وهي الكتاب الذي أنزل/ مفصلا، وهو القرآن إذ لا معنى لقول القائل:" وهو الذي أنزل إليكم القرآن مفصلا، وتمت التوراة والإنجيل، ولا مبدل للتوراة والإنجيل" لأن المخاطبين بهذا الخطاب هم كفار العرب، ومحمد﵇- لم يكن يدعوهم إلى التوراة والإنجيل حتى يثني لهم عليهما، وإنما كان يدعوهم إلى القرآن فثبت بهذا أن المراد بقوله: لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ هو القرآن.
وفيما «٢» يرجع إليه نفي التبديل قولان:
أحدهما" معناه ومتعلقه من أخبار وحكم ووعد ووعيد، أي أن ما أخبر الله في القرآن من خبر، أو حكم به من حكم، أو وعد من ثواب، أو أوعد من عقاب لا يستطيع أحد تبديله ولا بيان فساده.
والثاني: أنه لفظه: أي لا يقدر أحد أن يزيد فيه ولا ينقص، لأن الله سبحانه ألهم المسلمين حفظه حرفا فحرفا، فلا تدخله الزيادة والنقص كما دخل التوراة والإنجيل على ما قد شاهدته أنا بنفسي في الكتابين من التناقض والاختلاف وأثبته في تعليقي على الكتابين «٣».
_________________
(١) في (ش)، (أ): أهل.
(٢) في (أ): وفي ما.
(٣) يقصد في كتابه:" تعاليق على الأناجيل".
[ ١ / ٢٩٤ ]
ثم إن هذا المصنف جعل عمدته في كتابه: تفسير ابن عطية «١». فما باله لم يذكر ما قاله ابن عطية في تفسير قوله «٢»: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؟ لكنه رآه عليه «٣» فحاد عنه. ولعمري أنه معذور في/ ذلك فإن كتب المسلمين ليست عنده حجة. وإنما يذكر منها ما يذكر احتجاجا عليهم وإلزاما لهم ورميا «٤» لهم بسهامهم كما نحتج نحن عليهم بالتوراة والإنجيل على هذا الوجه، ولا نعتقد صحة ما فيها.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٦٥. وتفسيره هو: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. يقول عنه ابن خلدون ﵀:" وجاء أبو محمد بن عطية من المتأخرين بالمغرب، فلخص تلك التفاسير كلها وتحرى ما هو أقرب إلى الصحة منها، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى" [مقدمة ابن خلدون ص ٤٤٠] وقال ابن تيمية ﵀ بعد ذكر كتب التفسير:" وتفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثا وأبعد عن البدع، وإن اشتمل على بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعله أرجح هذه التفاسير، لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها". [مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨٨].
(٢) انظر تفسيره ٦/ ١٣٥ - ١٣٦، وخلاصة قول ابن عطية:" وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" استمرت وصحت في الأزل صدقا وعدلا وليس بتمام من نقص، والكلمات ما نزل على عباده، وذهب الطبري إلى أنه القرآن، وهذا بعيد، بل المراد القرآن وغيره" هذا خلاصة قول ابن عطية والله أعلم-.
(٣) عليه: ليست في (أ).
(٤) ورميا لهم: ليست في (ش).
[ ١ / ٢٩٥ ]
[المقصود بلفظ الذكر في القرآن الكريم]
ومنها: قوله: إن" الذكر" في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩) «١» هو التوراة والإنجيل".
وليس كذلك بل هو القرآن بإجماع مفسري القرآن «٢». ذكر عبد الرزاق «٣» في تفسيره عن معمر «٤»، عن قتادة وثابت البناني «٥» في قوله: وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٩.
(٢) انظر تفسير الإمام ابن جرير الطبري (١٤/ ٧)، وتفسير الإمام القرطبي (١٠/ ٥)، وزاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (٤/ ٣٨٤)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٥٤٧) والفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية (٢/ ٥٣٩)، وفتح القدير للشوكاني (٣/ ١٢٢) وتيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (٤/ ١٥٨) وغيرها من كتب التفسير المتقدمة والمتأخرة.
(٣) عالم اليمن الحافظ الكبير الثقة أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم الصنعاني. تقدمت ترجمته في ص ١٧٤ من قسم الدراسة. كما تقدمت الإشارة إلى تفسيره أيضا.
(٤) الإمام الحافظ شيخ الإسلام أبو عروة معمر بن راشد الأزدي مولاهم نزيل اليمن ثم البصري. ولد سنة خمس أو ست وتسعين من الهجرة، وطلب العلم وهو صغير، حدث عن قتادة والزهري وغيرهما من مشاهير المحدثين والعلماء وهو أول من ارتحل في طلب الحديث وله جامع في السير أقدم من موطأ الإمام مالك ﵀ توفي معمر ﵀ سنة ثلاث وخمسين ومائة للهجرة النبوية. [انظر سير أعلام النبلاء ٧/ ٥ - ١٨، شذرات الذهب ١/ ٢٣٥، تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٤٣ - ٢٤٦].
(٥) الإمام التابعي أبو محمد ثابت بن أسلم البناني، مولاهم وبنانة من قريش هم بنو سعد بن لؤي ابن غالب البصري، ولد في خلافة معاوية ﵁ وحدث عن عبد الله بن عمر ﵄ وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان من خواص أنس بن مالك، اختلف في وفاته فقيل توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل سنة سبع وعشرين ومائة للهجرة، وعمره حين وفاته ست وثمانون سنة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٢٠ - ٢٢٥، وشذرات الذهب ١/ ١٦١، تهذيب التهذيب ٢/ ٢].
[ ١ / ٢٩٦ ]
قال:" حفظه الله من أن يزيد فيه الشيطان باطلا أو يبطل «١» منه حقا «٢» ".
قلت: ونظيره قوله تعالى/: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ «٣»، والمعنى واحد.
أما «٤» احتجاجه على ذلك بقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) «٥» فلا حجة فيه، لأن قبل ذلك قوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ «٦» يعني القرآن بلا خلاف ولا شك إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ يعني كفار العرب لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم الكفار" هل هذا- يعني محمدا- إلا بشر مثلكم" أي فليس بأولى بالرسالة منكم. كما قال قوم نوح له: ما نَراكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا «٧» وقول قوم صالح: أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ «٨»؟ ثم قالوا: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ؟ فأجابهم الله تعالى عن هذا بقوله: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا
_________________
(١) في (م):" ويبطل" بدون همزة، وفي سائر المراجع:" أو ينقص منه حقا".
(٢) قد نقله القرطبي في تفسيره (١٠/ ٥) عن قتادة وثابت البناني، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٨) من طرقين عن قتادة. وألفاظهم متقاربة.
(٣) في سورة فصلت: ٤٢.
(٤) في (م): وأما.
(٥) سورة الأنبياء: ٧.
(٦) أول سورة الأنبياء.
(٧) سورة هود، آية رقم: ٢٧.
(٨) سورة القمر، آية رقم: ٢٤.
[ ١ / ٢٩٧ ]
نُوحِي إِلَيْهِمْ أي أن الرسل الذين كانوا قبلك كانوا بشرا كانوا «١» وقد اعترف هؤلاء الكفار برسالتهم. فما وجه انكارهم لرسالتك مع كونك بشرا؟ ثم قال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني أهل التوراة «٢»، هل كان المرسلون إلا رجالا يوحى إليهم؟.
فالذكر المراد/ هاهنا «٣» غير الذكر المراد في سورة الحجر، وهو الذكر المحفوظ. فإن لفظ الذكر ورد في القرآن على وجوه:
منها: القرآن والتوراة كالموضوعين المذكورين.
ومنها: الرسول، كقوله «٤»: قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا على ما قيل فيه «٥».
_________________
(١) هكذا في النسخ الثلاث:" كانوا قبلك بشرا كانوا" والأولى:" كانوا قبلك كانوا بشرا".
(٢) وقيل أهل القرآن، وروي عن علي أنه قال عند نزول هذه الآية: نحن أهل الذكر، وقيل أهل العلم من اليهود والنصارى والطوائف الأخرى. [انظر تفسير الطبري ١٧/ ٥، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٧٤].
(٣) في (أ):" فالذكر أصح لمراد هاهنا".
(٤) في سورة الطلاق الآية رقم: ١٠، ١١.
(٥) قيل المراد بالذكر في الآية: القرآن، وهو مروي عن السدي وغيره، وقيل: المراد به الرسول: أي ترجمة عن الرسول محمد ﷺ أي تفسيرا له. قال ابن جرير ﵀:" والصواب من القول في ذلك أن الرسول ترجمة عن الذكر، وذلك نصب لأنه مردود عليه على البيان عنه والترجمة. فتأويل الكلام إذن: قد أنزل الله إليكم يا أولي الألباب ذكرا من الله لكم يذكركم به، وينبهكم على حظكم من الإيمان بالله، والعمل بطاعته، رسولا يتلو عليكم آيات الله التي أنزلها عليه" اهـ. وقيل انزال الذكر دليل على اضمار" أرسل" أي أنزل إليكم قرآنا وأرسل رسولا. وقيل: المعنى: أن ذكر رسولا، وقيل الذكر هنا الشرف. [انظر تفسير الطبري ٢٨/ ١٥٢، وتفسير القرطبي ١٨/ ١٧٣ - ١٧٤، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٧٤].
[ ١ / ٢٩٨ ]
ومنها: الشرف، كقوله: وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ «١» أي: شرف «٢».
فلفظ" الذكر" مطلق على هذه المعاني بالاشتراك أو التواطؤ «٣». أو بالحقيقة والمجاز. وبكل تقدير فلا يصح استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو الذكر المسئول أهله.
[الرد على تكذيب النصراني لبعض أخبار محمد ﷺ]
ونبين ذلك بتقرير استدلاله على وجه صناعي هكذا: الله سبحانه حفظ الذكر، والذكر هو التوراة. فالله حفظ التوراة، لكن المقدمة الأولى مهملة، وشرطها في الإنتاج أن تكون كلية، هكذا: الله حفظ كل ذكر. والتوراة ذكر/ لكن ليس التقدير هذا، وحينئذ يدخل/ التفصيل في المقدمة الأولى. فيقال: ما
_________________
(١) سورة الزخرف، آية رقم: ٤٤.
(٢) هذا مروي عن ابن عباس ومجاهد، والسدي وغيرهم. ولكن الضمير في قوله:" وأنه" راجع للقرآن الكريم. [انظر تفسير الطبري ٢٥/ ٧٦ - ٧٧، وتفسير ابن كثير ٤/ ١٢٨، وتفسير القرطبي ١٦/ ٩٣].
(٣) الاشتراك قسمان: معنوي ولفظي، فاللفظي هو كونه موضوعا لمعان مختلفة كلفظ العين. مشترك بين عين الماء وعين الإنسان والجاسوس، وشرف القوم، وغير ذلك وكذلك لفظ اليد الله واليد للإنسان، فاليد ليست كاليد. أما المعنوي فهو كون اللفظ موضوعا لمفهوم عام مشترك بين الأفراد مثل لفظ الوجود فإنه عام يطلق على وجود الله ﷿ وعلى وجود المخلوق لكن ليس الوجود كالوجود. أما التواطؤ: من واطأ على الأمر بمعنى وافقه عليه. ومنه الخاص والعام فالخاص هو المتماثل، مثل السواد فهو يصدق على جميع من اتصف به. وأما العام فهو ما يسمى مشككا مثل لفظ الموجود، والحيوان ونحوهما فقد يشترك الأفراد في مطلق الوجود، أو الحيوانية، غير أن كل منهما متميز في الخارج عن الآخر من كل وجه (انظر درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥، والمعجم الفلسفي ١/ ٨٧، ولسان العرب ١/ ١٩٩).
[ ١ / ٢٩٩ ]
تعني بالذكر المحفوظ؟ التوراة أو «١» القرآن؟ الأول ممنوع، والثاني: مسلم لكنه لا يفيد، لأن الحد الأوسط في الشكل مختلف فمحمول الأولى غير موضوع الثانية.
قوله:" فتبين بذلك أن كلمات الله غير مبدلة".
قلنا: هذا صحيح لكن قد بينا أن المراد بكلمات الله ليست التوراة والإنجيل التي بأيديكم بل هي القرآن. ولئن سلمنا أنها التوراة والإنجيل، بل وكل كلام الله غير مبدل، إلا أن ما بأيديكم ليس هو التوراة والإنجيل المرادين هنا «٢»، المنزلين على موسى وعيسى، بل كلمات الله التي هي كلماته لا يدخلها التبديل في خبر ولا حكم ولا وعد ولا وعيد، وما بأيديكم من ذلك تواريخ وسير مبدل محرف متناقض، علمنا تناقضه بالعيان والمباشرة.
[رد شبهة النصارى فى قوله:" يا أُخْتَ هارُونَ "]
قال: القسم الثاني من قوله- يعني مما زعم أنه كذب من أخبار محمد﵇- فمن ذلك قوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا إلى قوله: وإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ «٣» وقوله في التحريم «٤»: ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها «٥» وقوله في سورة مريم: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ «٦».
_________________
(١) في (ش): والقرآن.
(٢) في (أ): المرادين هاهنا.
(٣) سورة آل عمران: ٣٥.
(٤) في النسخ الثلاث:" في المتحرم" وهو تحريف واضح.
(٥) الآية الأخيرة من سورة التحريم.
(٦) سورة مريم، آية: ٢٨.
[ ١ / ٣٠٠ ]
قال:" فثبت بهذا كله: أن مريم أم المسيح هي بنت عمران أخت موسى وهارون".
قال:" واسم أبي مريم أم المسيح: يعقيم. وأمها: حنة. وبين مريم هذه وعمران أبي موسى ألف وخمسمائة سنة" «١».
قال: وعذرا له في هذه الغلطة، فإن الناقل، إما جاهل وإما قاصد إيقاعه في الغلط". «٢»
قلت: يشير هذا الخصم إلى أن محمدا﵇- كان يلقن أساطير الأولين ثم ينظمها بعبارته، والملقن له إما جاهل بالنقل أو قاصد «٣» تغليطه «٤».
قلت: وللعدو أن يقول ما شاء، وإنما يثبت ما قامت عليه الحجة.
_________________
(١) ليس هذا التحديد الزمني صحيحا مضبوطا، بل النصارى أنفسهم مختلفون فيه فقد روى عنهم الإمام القرافي في الأجوبة الفاخرة الباب الثاني السؤال الخامس أن اليهود والنصارى يقولون إن بين هارون ومريم ستمائة سنة وقد روي غير ذلك. [انظر هامش مقامع هامات الصلبان" بين المسحية والإسلام" ص ٣١٩].
(٢) في (ش) الغلط قاصد.
(٣) في ش: قصد.
(٤) هذا طبع الكفار دائما يوجهون هذه التهمة إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد حصل لمحمد ﷺ هذا، فالنضر بن الحارث لعنه الله كان يوجه هذه التهمة إلى المصطفى ﷺ فرد الله عليه وعلى أمثاله بقوله تعالى: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وزُورًا (٤) وقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ [الفرقان: ٤ - ٦] [الفرقان: ٤ - ٦].
[ ١ / ٣٠١ ]
وهذا سؤال قد كفانا/ جوابه صاحب الشريعة ﷺ فروى المغيرة بن شعبة «١» قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران. فقالوا ألستم تقرءون: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين عيسى وموسى ما كان؟ فلم أدر ما أجيبهم/ فرجعت «٢» إلى رسول الله ﷺ «٣» فأخبرته. فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» رواه مسلم والترمذي «٤» وقال حديث حسن صحيح".
_________________
(١) أبو عبد لله أو عيسى: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي، أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا، كان رجلا طوالا ذا هيبة أعور أصيبت عينه يوم اليرموك روي عن الشعبي أنه قال:" دهاة العرب أربعة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة وزياد أي: ابن أبيه فأما معاوية فللأناة والحلم، وأما عمرو فللمعضلات، وأما المغيرة فللمبادهة، وأما زياد فللصغير والكبير" شهد المغيرة القادسية ونهاوند. توفي ﵁ سنة خمسين من الهجرة بالكوفة، وقيل سنة إحدى وخمسين، وهو أمير عليها من قبل معاوية ﵁-. [انظر الاستيعاب ٤/ ١٤٤٥ - ١٤٤٨، والإصابة في تمييز الصحابة ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣، ترجمة ٨١٧٩].
(٢) في (أ): ورجعت.
(٣) ﷺ: ليست في (أ).
(٤) أخرجه مسلم في (كتاب الآداب، الحديث التاسع) عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا إنكم تقرءون:" يا أخت هارون" وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله ﷺ سألته عن ذلك، فقال: «إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين من قبلهم» وأخرجه الترمذي في (كتاب التفسير، باب ومن سورة مريم) بهذا اللفظ وقال:" هذا حديث صحيح غريب لا تعرفه إلا من حديث ابن إدريس" قلت: وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٢٥٢). وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٧٨). والترمذي ترجمته في الدراسة ص: ٧٦.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قلت: ومعنى هذا الحديث ما ذكره عبد الرزاق في تفسيره «١». قال:
أخبرنا «٢» معمر عن قتادة في قوله يا أُخْتَ هارُونَ قال: كان رجلا صالحا في بني إسرائيل يسمى هارون فشبهوها به. فقالوا: يا شبيهة هارون في الصلاح «٣».
فتحقيق معنى الحديث:/ أن هارون هذا سمي باسم هارون أخي موسى تبركا.
وحينئذ يفسد استدلال هذا الخصم ويكون الحد الأوسط في نظمه وهو هارون مختلفا، كما تقدم في استدلاله على أن الذكر المحفوظ هو التوراة.
_________________
(١) وقد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٦/ ٧٧) عن قتادة أيضا، بنحوه. والقرطبي في تفسيره (١١/ ١٠٠) بمعناه عنه.
(٢) في (م): أنا.
(٣) وقد ذكر ما يتضمنه الحديث المتقدم وقول قتادة هنا: الإمام القرافي ﵀ في الأجوبة الفاخرة. في السؤال الخامس من الباب الثاني: لما ولدت مريم﵂- بعيسى ﵊ من غير زواج اتهمها بنو إسرائيل لعنهم الله بالزنا فقالوا لها متعجبين كيف يصدر القبيح من غير محله يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨]، لأنها كانت في غاية العبادة. وأصل الأخوة التساوي في الصفة ومنه قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [سورة الأعراف: ٣٨] أي مساويتها في الكفر. وقوله تعالى: وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [الزخرف: ٤٨] أي مساويتها في الدلالة، والمساواة حصلت بين مريم﵂- وبين ذلك الرجل المسمى هارون فسميت أخته. أى مساويته في العبادة. وقيل: كان في ذلك الزمان فاسقا يسمى هارون فلما اعتقد بنو إسرائيل في مريم التهمة جعلوها أخته أي مساويته في ذلك الفعل. [انظر الأجوبة الفاخرة للقرافي الباب الثاني السؤال الخامس].
[ ١ / ٣٠٣ ]
وأما قوله: إن اسم أبي مريم:" يعقيم" فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن هذا لم أعلمه ولا رأيت أحدا ذكره ممن أثق به من علماء المسلمين. وعلماء اليهود والنصارى غير مأمونين عندنا، ولا وثوق لنا بما عندهم على ما سبق في مقدمات الكتاب. ومعنا شيء نحن معتقدون فيه واثقون به، وهو القرآن المتضمن أن اسم أبيها عمران. ويكون ذلك من أسماء الأعلام المشتركة مثل هارون، وهارون، وفرعون، وفرعون، وزيد وزيد، وعمرو، وعمرو، فلا نعدل عنه إلى غيره ولا سبيل لهم إلى إقامة الحجة القاطعة التي نضطر إلى تسليمها علينا، وإن أمكنهم ذلك وفعلوه قبلناه منهم، فإنه لا غرض لنا في العناد بل الحق حيث كان متبع.
الوجه الثاني: أن هذا اختلاف في الأسماء، لا في المسميات فجاز أن يكون عمران تعريب يعقيم، فإن العربية تصرفت في الألفاظ الأعجمية فعربتها كما سمت العرب/ المسيح: عيسى، واسمه في الإنجيل: يسوع. فعكسوه من آخره، وقلبوا الواو ياء. وكان أصل موسى: موشا، بالشين المعجمة، يعني الماء والشجر، لأن آل فرعون التقطوه من بين ماء وشجر حين ألقته أمه في اليم، ومو: هو الماء.
وشا: الشجر «١».
_________________
(١) انظر لسان العرب ٦/ ٢٢٤، والمصباح المنير ٢/ ٧١٥.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وكما سموا" حران «١» " هذه المدينة التي بين الشام «٢» وبلاد الجزيرة «٣» باسم هاران أخي إبراهيم، وهو أبو لوط، لأنه نزلها. فعربوها، فقالوا: حران.
أو لعل عمران اسم ويعقيم لقب، فكل هذا محتمل، فلا يقدح مثله في صاحب ناموس عظيم غلب ناموسه على ناموس المسيح والكليم «٤».
[رد شبهة النصارى في سكوت زكريا ﵇]
قال:" ومن ذلك قوله في سياق تبشير الملائكة لزكريا بيحى «٥» " قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا «٦» قال:" وهذا باطل، لان
_________________
(١) حران: بتشديد الراء، وآخره نون: مدينة قديمة قصبة ديار مضر، بينها وبين الرها يوم. وقيل: هي أول مدينة بنيت بعد الطوفان، وكانت منازل الصائبة الحرانيين، وهي مهاجر إبراهيم ﵇ [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٣٨٩].
(٢) الشام بهمزة والنسبة إليها الشامي، وبدون همزة، أرض بني كنعان الممتدة من الفرات إلى العريض طولا، ومن جبلي طيئ إلى بحر الروم عرضا، وتضم سوريا الآن والأردن وفلسطين وسميت الشام: قيل: لأن بني كنعان تشاءموا إليها، وقيل: سميت بسام بن نوح لأنه أول من نزلها واسمه بالسريانية شام، وقيل: لكونها شمال الأرض. وقيل غير ذلك، ويقال أن اسمها الأول سورى أو سورية [انظر مراصد الاطلاع ٢/ ٧٧٥، ومنال الطالب في شرح طوال الغرائب ص ٦١٣، وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٧١].
(٣) بلاد الجزيرة: وتسمى" جزيرة أقور" وهي التي بين دجلة والفرات من أمهات مدنها حران، والرها، والرقة. والظاهر أن حران في طرف الجزيرة من قبل بلاد الشام، لأن المؤلف قال: إنها بين الشام وبلاد الجزيرة. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٣٣١ - ٣٣٢].
(٤) أي موسى ﵇ وسمى بالكليم لأن الله كلمه تكليما. أي ليس بينه وبينه واسطة إنما سمعه موسى من وراء حجاب.
(٥) زكريا: بالألف الممدودة، والمقصورة: ابن برخيا. ويقال: ابن دان أبو يحيى النبي ﵉ ومعنى زكريا: تذكار الرب، ولفظ يحيى معرب عن يوحنا. ومعنى يوحنا: نعمة الله، ويحيى ولد خالة عيسى ﵉ وسمي بذلك لأن الله أحياه بالإيمان. [انظر البداية والنهاية ٢/ ٤٧، تفسير القاسمي ٤/ ٩٣، ٩٤، ٩٥ وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦١].
(٦) سورة آل عمران، آية: ٤١.
[ ١ / ٣٠٥ ]
سكوت زكريا كان أزيد من تسعة أشهر، وذلك من الوقت الذي بشر به إلى أن وضع، وأن ذلك كان على جهة التأديب والعقاب، يعني على مراجعته الملك، وكونه لم يثق بأول كلامه، لا على جهة الآية" وذكر حكاية ذلك من الإنجيل في كلام طويل قد ذكرته أنا وجوابه في:" التعليق علي الأناجيل «١» ".
قلت: والذي يحتاج إلى الجواب عنه في هذه الجملة أمران/:
أحدهما: أن سكوته كان أكثر من ثلاثة أيام.
الثاني: أن سكوته كان عقوبة لا علامة.
والجواب/ عن ذلك من وجهين:
أحدهما: الجواب العام وهو أن مستندكم في هذا: الإنجيل. وليس حجة علينا، كما أن ما عندنا ليس حجة عليكم- على زعمكم-، فبقيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه.
الوجه الثاني: أن خبر محمد﵇- أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة «٢». فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو
_________________
(١) ذكره الطوفي في أول حديثه عن إنجيل لوقا ص ٥٤ من المخطوطة حسب ترقيمي. وليس طويلا فهو لا يتجاوز الصفحة الواحدة. والذي فهمته من كلامه هذا أن كتاب تعاليق على الأناجيل رد أيضا على النصراني الذي رد عليه الطوفي في هذا الكتاب.
(٢) كان الاكتفاء بالوجه الأول أولى، أو العدول عن هذا الوجه إلى آخر أجود منه، كأن يقول مثلا: أنتم في كتبكم تنسبون إلى الأنبياء ما لا يليق بهم ومن ذلك اتهامكم بعضهم بالزنا والبعض الآخر بشرب الخمر ومجامعة بناته وهذا زكريا تقول إنه لم يثق بكلام الرب سبحانه وقوم هذه عقيدتهم في أنبيائهم لا يقبل قولهم. ونحن لا نقر ذلك في زكريا بن يحي، وإنما كان ﵇ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر، فأخبر بأن الله عظيم لا يعجزه شيء، فطلب أن يجعل الله له علامة يستدل بها علي وجود الولد منه، فأخبره الله أنه لا يستطيع النطق ثلاثة أيام مع أنه سوي صحيح.
[ ١ / ٣٠٦ ]
أن سكوته/ كان تسعة أشهر، ومنها ثلاثة الأيام المذكورة.
ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم «١» أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة «٢» قال:" سويا" من غير خرس. وذكر في الإنجيل «٣»: أن زكريا بقي أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس، فلعله كان في ثلاثة الأيام الأول ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا من خرس «٤»، ويكون الأول:
علامة، والثاني: عقوبة. والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين، فاقتصر على ذكر زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله على خلقه، إذ هي موجبة لطمأنينة القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير النعمة بذكر العقوبة عقيبها «٥».
والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) والَّذِي هُوَ
_________________
(١) الآية رقم: ١٠، وقد أخرجه الطبري أيضا عن طريق عبد الرزاق. [انظر تفسير الطبري ١٦/ ٥٢].
(٢) عكرمة: أبو عبد الله البربري المدني مولى ابن عباس، أكثر الرواية عنه، تكلم فيه، ووثق، وفند محمد الذهبي﵀- التهم الموجهة إليه في كتاب:" التفسير والمفسرون" توفي﵀- سنة أربع ومائة من الهجرة. [انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٢٦٣، والتفسير والمفسرون ١/ ١٠٧ - ١١٢].
(٣) القصة مذكورة في إنجيل لوقا الأصحاح الأول، ولم يحدد فيه مدة صمته.
(٤) في (أ):" ساكتا من غير خرس".
(٥) سيأتي للمؤلف﵀- كلام جيد في هذه المسألة.
[ ١ / ٣٠٧ ]
يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ (٧٩) وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) «١» فأضاف الخلق والهداية والإطعام والإسقاء إلى الله. لأنها نعم. وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته صورة نقمة «٢»، فإضافته إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب. وكذلك لا تنافي بين كون السكوت علامة على صدق البشرى، وعقوبة على عدم المبادرة إلى التصديق بها. وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على القرآن، بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة. قال [القرطبي] «٣»:" وهو قول أكثر المفسرين «٤» ".
قلت: وعليه إشكال. وإن كان/ قد ذكره المسلمون فإنه لا خلاف بيننا وبين النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ «٥»؟ نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم «٦»، ثم إنها لم تعاقب على ذلك بشيء.
فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم والأكمل في الحال أولى
_________________
(١) سورة الشعراء: ٧٨ - ٨٠.
(٢) في (أ):" صوره نفهمه".
(٣) في النسخ الثلاث: الطبري. والصواب: القرطبي.
(٤) انظر تفسير القرطبي ٤/ ٨٠، وقد رجح هذا القول المروي عن قتادة وأنها آية وعقوبة: الطبري في تفسيره [٣/ ٢٥٩]. ورواه عن قتادة وغيره.
(٥) في سورة آل عمران، الآية: ٤٧. وقالت في سورة مريم آية رقم: ٢٠: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
(٦) قصة حمل مريم بالمسيح في أول إنجيل متى.
[ ١ / ٣٠٨ ]
بالعقوبة على الأفعال وهذا معلوم من قواعد الشرع والعقل، ولهذا كان وعيد العلماء أعظم/ من وعيد الجهال.
قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة إنما يقتضي تخفيف العذاب عن المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية،/ وقد وجد مقتضى العقوبة في مريم كما وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها.
الثاني: أنه باطل بإبراهيم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى «١»، فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق. ك" زكريا" و" مريم" بل أولى لوجهين:
أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال.
الثاني: أن المخاطب له كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب لزكريا ومريم كان الملك.
وبشارة زوجة إبراهيم حيث فَصَكَّتْ وَجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) «٢» ولم تعاقب.
والأشبه- والله أعلم- أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين:
_________________
(١) قال الله تعالى: وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا واعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة البقرة: ٢٦٠].
(٢) قال الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ [سورة الذريات، آية ٢٤ - ٢٩].
[ ١ / ٣٠٩ ]
أحدهما: أن الله- سبحانه- خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله- سبحانه- يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى ﵇ فإن الله سبحانه لما قال:
وَأَلْقِ عَصاكَ «١» فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها/ ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: خُذْها ولا تَخَفْ «٢» فلف كم مدرعته على «٣» يده، ثم تناولها. فقال له الملك: أرأيت لو أذن الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت «٤».
فإن موسى فعل هذه «٥» الفعال وهو بحضرة الله- سبحانه- يسمع كلامه بغير
_________________
(١) قال الله تعالى: وأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ [الأعراف: ١١٧] وقال سبحانه: وأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل: ١٠] وقال تعالى: وأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ ولا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص: ٣١].
(٢) قال الله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى [طه: ١٧ - ٢١].
(٣) كم مدرعته: الكم: مدخل اليد في الثوب. والمدرعة: ثوب من الصوف. [انظر لسان العرب ١٢/ ٥٢٦، وإكمال الإعلام للجياني ٢/ ٦٠٦].
(٤) من قوله:" فلف كم مدرعته " إلى ومن ضعف خلقت" نقله الطوفي بمعناه من تفسير القرطبي (١٣/ ٢٨٣) والقرطبي نقله عن وهب بن منبه. وهي من الإسرائيليات التي كان يحدث بها وهب. وذكرها ابن كثير في تفسيره (٣/ ١٤٥) ولم يعزها إلى أحد.
(٥) في (ش): هذا.
[ ١ / ٣١٠ ]
واسطة، وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره في «١» شك فقد كان أولى بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله- سبحانه-.
الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس هاهنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا الشك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه «٢»، والأنبياء عارفون بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله- سبحانه- كشف الأمور الملتبسة أن لم يقتض ثوابا لم يقتض عقابا.
ومن الدليل على أن العلامة مرادة من سكوت زكريا/ ولا بد: ما ذكر في الإنجيل أن زكريا قال للملك:" من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في أيامها «٣» "؟ فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك. فأجابه الملك وقال:" أنا جبريل الواقف بين يدي الله وأرسلت لأبشرك بهذا. وها أنت تكون ساكتا، لا تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي يتم في زمانها".
فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب
_________________
(١) في: ليست في (أ).
(٢) في (أ):" أو في صدقه فيه".
(٣) الأصحاح الأول من إنجيل لوقا.
[ ١ / ٣١١ ]
مطابقته للسؤال. وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها. وزيادة العقوبة/ إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن زيادة عما في السؤال، كما في قوله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ ..
هذا طبق السؤال، وقوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) «١» هذا زيادة عليه.
وقوله﵇- حين سئل:" أنتوضأ بماء البحر؟ " فقال: (هو الطهور ماؤه) «٢» هذا طبق السؤال. وقوله:" الحل ميتته" زيادة عليه ويكون وجه الجمع بين الآية والعلامة: إما بما ذكرناه من قبل وهو أن ثلاثة الأيام سويا من غير خرس علامة، وباقيها أخرس عقوبة، أو بأن مطلق السكوت علامة، وامتداده إلى حين الوضع عقوبة. والله أعلم.
[رد شبهة النصراني في حضور أم يوسف إليه، وسجود أبويه وإخوته له]
قال:" ومن ذلك قوله في سورة يوسف: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ (١٠٠) إلى قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا (١٠٠) «٣» وتقرير السؤال من وجهين:
_________________
(١) سورة طه، آية: ١٧ - ١٨.
(٢) الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر عن أبي هريرة ﵁ قال:" سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) وأخرجه الترمذي في (الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في (المياه باب الوضوء بماء البحر)، وابن ماجه في (الطهارة باب الوضوء بماء البحر)، والحاكم في المستدرك (١/ ١٤١) وصححه.
(٣) سورة يوسف، آية: ١٠٠.
[ ١ / ٣١٢ ]
أحدهما: أنه أخبر أن أبوي يوسف حضرا عنده ذلك الوقت، وقد ثبت في التوراة: أن راحيل أم يوسف ماتت في نفاسها ببنيامين ودفنت ببيت لحم «١». قبل أن يطرأ ليوسف ما طرأ «٢».
والثاني: أنه ذكر أنهم سجدوا ليوسف، ولم يذكر في التوراة. غير أن يعقوب لما رأى يوسف فتح ذراعيه، وعانقه باكيا «٣» ".
قلت: والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: الجواب العام، وهو: عدم الوثوق بالتوراة، وقد بينت في التعليق عليها «٤» من التناقض والتهافت ما تبين لكل عاقل أنها مما لا يعتمد عليه.
_________________
(١) بيت لحم، أو بيت لخم، بالمهملة أو المعجمة. وقيل فيه لغتان. وهي بليد قرب بيت المقدس اشتهر أن عيسى﵇- ولد فيها. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٢٣٨].
(٢) ذكرت القصة في سفر التكوين الأصحاح الخامس والثلاثين. والأصحاح الثامن والأربعين.
(٣) والنص في ترجمة ١٩٧٩ م، في سفر التكوين في الأصحاح السادس والأربعين" ولما ظهر له وقع على عنقه وبكى على عنقه زمانا" اهـ.
(٤) علق على التوراة في النصف الثاني من كتابه" تعاليق على الأناجيل" ومن تناقضها وما يدل على وقوع التحريف فيها وتغيير وتبديل اليهود والنصارى لها قولهم فيما يسمونه: سفر الخليفة أو التكوين" وقال الله نخلق بشرا على شبهنا وقد رسمنا فضله ليكون كصورتنا ومثالنا وأسلطه على سمك البحار وطير السماء" إلى أن قال:" وخلق الله آدم بصورته صورة الله. خلقه ذكرا وأنثى خلقهما الله وبارك عليهما". قلت: فالله خلق آدم على صورة الله أو على صورة الرحمن. وهذا من إضافة المخلوق إلى خالقه فالصورة خلق الله تعالى وليست المشكلة في هذا ولكن قولهم:" ومثالنا" و" وشبهنا" يدل على أن آدم إله مساو لله تعالى. وهذا تنقص بالله تعالى، لأنه يلزم من ذلك أن يكون له شريك في الإلهية والربوبية والأسماء والصفات والأفعال يزاحمه وهذا محال كما قال الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [سورة المؤمنون: ٩١].
[ ١ / ٣١٣ ]
الثاني: أني تأملت هذا الحكم في التوراة على جهة التفصيل فوجدته مختلفا مشتبها جدا وذلك أنه ذكر فيها أن راحيل أم يوسف ماتت على طريق بيت لحم عند قدوم يعقوب من عند خاله" لابن" وذلك قبل أن يرى يوسف الرؤيا بمدة «١»، وذكر فيها: أن يعقوب بعد اجتماعه/ بيوسف بمصر «٢» قال له:" وإني حين/ أقبلت من فدان «٣» آرام- يعني قدومه من عند خاله" لابن" من حوران «٤» - ماتت راحيل أمك في أرض كنعان «٥» فقبرتها في بيت لحم «٦» " فهذان نصان يقتضيان: أن أم يوسف ماتت قبل أن يرى الرؤيا، وذكر فيها: أن يوسف لما جاءه
_________________
(١) انظر الأصحاح الثامن والأربعين من سفر التكوين.
(٢) مصر: البلد المعروف سميت باسم من أحدثها وهو مصر بن مصرايم بن حام بن نوح، فتحها عمرو بن العاص ﵁ [انظر مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٧٧].
(٣) في النسخ الثلاث: فدن، بدون ألف بعد الدال المهملة. والصحيح فدان. كما في مراصد الاطلاع ٣/ ١٠٢٠، وفي التراجم الحديثة للكتاب المقدس (سفر التكوين الأصحاح الثامن والأربعين). وهي قرية من أعمال حران بالجزيرة.
(٤) حوران: بفتح أوله: كورة واسعة من أعمال دمشق في القبلة، ذات قرى كثيرة ومزارع يقول فيها امرؤ القيس: ولما بدت حوران والآل دونها نظرت فلم تنظر بعينك منظرا [انظر مراصد الاطلاع وهامشه ١/ ٤٣٥]
(٥) أرض كنعان: موضع من أرض الشام وهو منازل الكنعانيين نسبة إلى كنعان بن حام بن نوح، كان منزل يعقوب ﵇ في قرية لها" سيلون" من بلاد كنعان، ويقال إن اسم المكان الذي كان فيه" بدا" وإياه عني جميل بقوله: وأنت الذي حببت شعبا إلى بدا إلى وأوطاني بلاد سواهما. وببلاد كنعان الجب الذي ألقي فيه يوسف ﵇. [انظر مراصد الاطلاع ٣/ ١١٨٢، وتفسير الشوكاني ٣/ ٥٦].
(٦) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والأربعين.
[ ١ / ٣١٤ ]
إخوته يطلبون الميرة «١»، فعرفهم وهم له منكرون، اتهمهم بالجاسوسية وجعل ذلك ذريعة إلى سؤالهم عن عدتهم، حتى انتهى إلى ذكر" بنيامين" فقال: ائتوني به لأعلم صدقكم، فرجعوا إلى أبيهم فقالوا: أرسل معنا بنيامين، فقال لهم يعقوب:
" إن أخاه قد مات ولم يبق لأمه غيره ولعله تصيبه في الطريق" «٢».
وظاهر هذا: أن أمه الآن حيه، وأنه خاف على وجع قلبها وقلبه لفقده وكذلك ذكر فيها: أن إخوة يوسف قالوا له حين سألهم عن عدتم «٣»:" إن لنا أبا شيخا، وله ابن صغير، وهو ابن كبره، ومات أخوه، وهو واحد لا غير لأمه وأبيه، وأبوه يحبه «٤» ".
وهذا قاطع في أن أم" بنيامين" حية إلى الآن «٥» - وهي أم يوسف- وهذا تهافت في التوراة «٦» كما تراه. فمن احتج بالنص الأول على موتها قبل هذا الحال
_________________
(١) الميرة: الطعام يمتاره الإنسان: أي يجلبه للبيع أو للاقتيات. والمور: الحركة ذهابا ومجيئا. فهم يذهبون لطلب الميرة" الطعام" ويجيئون قال تعالى: ولَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ونَمِيرُ أَهْلَنا ونَحْفَظُ أَخانا ونَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ [يوسف: ٦٥] وانظر في معنى الميرة: [لسان العرب ٥/ ١٨٨، ومنال الطالب ص ١٣٩، ٤٠٩، ٤٥٤].
(٢) النص في سفر التكوين آخر الأصحاح الثاني والأربعين، ولم تذكر الأم في التراجم الحديثة، مع أنها ذكرت في النص التالي بعده.
(٣) في (أ)، (ش): عددهم.
(٤) انظر سفر التكوين الأصحاح الرابع والأربعين.
(٥) أي إلى وقت القصة.
(٦) التي بأيديهم لا المنزلة.
[ ١ / ٣١٥ ]
احتججنا عليه بهذا القاطع «١» أنها باقية إلى هذا الحال. ونؤكده بقول يعقوب ليوسف حين قال: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) «٢» فزجره يعقوب وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجئ أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض"/ «٣».
فنقول: إن كانت أم يوسف التي ولدته حية الآن فهو يناقض ما في التوراة من أنها ماتت قبل ذلك ودفنت ببيت لحم. وإذا وقع التناقض فيها سقط الاحتجاج بها «٤»، وليس للخصم مستند في ذلك غيرها، وإن كانت قد ماتت فقد سمى يعقوب ليوسف بعد أمه أما، فتلك هي التي سجدت له مع يعقوب عند تأويل الرؤيا، سواء كانت هي والدته، أحياها الله حينئذ تصديقا/ لرؤياه «٥»، كما قال
_________________
(١) عند اليهود والنصارى.
(٢) سورة يوسف، آية: ٤. وقول التوراة غير هذا.
(٣) نص التراجم الحديثة:" فقال إني قد حلمت حلما أيضا وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي. وقصه على أبيه وعلى إخوته. فانتهره أبوه وقال له ما هذا الحلم الذي حلمت هل نأتي أنا وأمك وإخوتك لنسجد لك إلى الأرض " الخ. [سفر التكوين الأصحاح السابع والثلاثين].
(٤) بها: ليست في (أ).
(٥) ذكر هذا القول الشوكاني في تفسيره (٣/ ٥٢) ولم يعزه للحسن البصري، وفي زاد المسير (٤/ ٢٨٨) أن الحسن قال إنها أمه. قلت: ولم يرد عن موتها شيء.
[ ١ / ٣١٦ ]
الحسن البصري «١»، أو كانت خالته وسميت أما مجازا، كما قال بعض المفسرين «٢».
وكما قد ثبت في الإنجيل: أنهم كانوا يسمون مريم ويوسف: أبوي المسيح، في غير موضع، وقالت له مريم لما تخلف عنها في أوراشليم «٣»:" يا بني لم تخلفت عنا وتركتني وأباك نطوف عليك «٤» "؟ فكما سمى يوسف أبا المسيح لكونه زوج أمه مجازا «٥»، فكذا سميت زوجة يعقوب أما ليوسف مجازا،
_________________
(١) التابعي الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، نشأ بوادي القرى، وحضر الجمعة مع عثمان﵁- وسمعه يخطب، وشهد يوم الدار، وله يومئذ أربع عشرة سنة، خرجت به أم سلمة، وهو رضيع إلى الصحابة، ومنهم عمر فدعا له، وقال:" اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس" توفي﵀- عشية يوم خميس من أول رجب سنة عشر ومائة. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣ - ٥٨٨].
(٢) كابن عباس وقتادة والسدي. [انظر تفسير الطبري ١٢/ ١٥٢، ١٣/ ٦٧، وتفسير القرطبي ٩/ ١٢١، وزاد المسير ٤/ ١٨٠]. قلت: ولا لزوم إلى هذا التكلف من المفسرين في هل هي أمه أو خالته، فالآية واضحة لا تحتاج إلى مراعاة ما عند أهل الكتاب من أنها خالته. فهم محرفون للكلم عن مواضعه، ثم قد ورد في كتبهم مرة أنها أمه وأنها حية وأخرى أنها خالته وأن أمه ماتت. أما قول بعض المفسرين إن الله أحيا له أمه حين قدومهم إلى مصر، فهو قول من غير دليل، ولا برهان عليه. وإن كانت قدرة الله أكبر من هذا.
(٣) وتروى:" شلّم" ويقال: أوريشلم، وهو اسم بيت المقدس بالعبرانية. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ١٣١، ٢/ ٨٠٩].
(٤) انجيل لوقا الأصحاح الثاني. والنص في التراجم الحديثة:" وقالت له أمه يا بني لماذا فعلت بنا هكذا هو ذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين".
(٥) قصة ولادة المسيح وتزوج مريم عند النصارى في أول إنجيل متى. وليس في هذا مجاز فإن النصارى بهذا يوافقون اليهود في أن المسيح ابن يوسف النجار زنا. لعنهم الله أنى يؤفكون.
[ ١ / ٣١٧ ]
خصوصا وكانت زوجة أبيه أخت أمه نسبا وهي" ليا/ بنت لابن" فقرب المجاز وزال الإشكال. والله أعلم بالصواب.
الثالث: أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، والعرب تسمي الخالة أما، والعم أبا كما روى أبو إسحاق «١» عن البراء «٢» عن النبي ﷺ قال: «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح «٣». وعن ابن عمر «٤»: أن رجلا قال:
_________________
(١) هو الهمداني كما صرح به الترمذي: عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد. وقيل: عمرو بن عبد الله ابن علي شيخ الكوفة وعالمها ومحدثها ينسب السّبيعي. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان﵁- ورأى عليا يخطب وروى عن معاوية وعدي بن حاتم وابن عباس والبراء، وغيرهم. وكان أعلم التابعين بحديث علي وابن مسعود﵄- توفي﵀- سنة سبع وعشرين ومائة. يوم دخل الضحاك بن قيس غالبا على الكوفة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٩٢ - ٤٠١].
(٢) أبو عمارة البراء بن عازب بن حارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة الخزرجي الأنصاري قيل إنه ممن استصغر يوم بدر وقيل يوم أحد، وقيل أول غزوة غزاها مع النبي ﷺ الخندق- والله أعلم بالصواب- وشهد﵁- مع علي الجمل وصفين، والنهروان، ثم نزل الكوفة ومات بها أيام مصعب بن الزبير- رحمه الله تعالى-. [انظر الاستيعاب ١/ ١٥٥ - ١٥٧].
(٣) " الخالة بمنزلة الأم" أخرجه البخاري عن البراء في قصة الحديبية في كتاب المغازي، باب عمرة القضاء، وفي كتاب الصلح، باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان الخ. والترمذي في كتاب البر والصلة باب ما جاء في بر الخالة وقال:" وفي الحديث قصة طويلة، وهذا حديث صحيح" اهـ. وأبو داود عن علي﵁- في كتاب الطلاق باب من أحق بالولد، والدارمي في" كتاب الفرائض، باب ميراث ذي الأرحام" عن عبد الله.
(٤) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي ولد سنة ثلاث من البعثة النبوية، وأسلم مع أبيه وهاجر وهو ابن عشر سنين وعرض يوم بدر وعمره ثلاث عشرة سنة فاستصغره رسول الله ﷺ فرده وعرض يوم أحد وعمره أربع عشرة فرده النبي ﷺ وعرض يوم الخندق وعمره خمس-
[ ١ / ٣١٨ ]
يا رسول الله إني أصبت ذنبا عظيما، فهل لي من توبة؟ قال: (هل لك من أم؟» قال: لا. قال: «هل لك من خالة؟» قال: نعم. قال: «فبرها». أخرجه الترمذي أيضا «١».
وقال الله تعالى حكاية عن بني يعقوب أنهم قالوا له: نَعْبُدُ إِلهَكَ وإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا «٢» فسموا إسماعيل أباه، وإنما هو عمه، وتكملة هذا الوجه قد سبق في الذي قبله.
الرابع: ما ذكره الحسن وهو أن الله- سبحانه- أحيا راحيل أم يوسف حتى سجدت له تحقيقا لرؤياه.
وقول القائل:" إن هذا ونحوه لم يذكر في التوراة": جهالة، وضيق عطن «٣» في العلم، فإن التوراة التي عندكم- إن صح أنها التي جاء بها موسى-
_________________
(١) - عشرة سنة فقبله النبي ﷺ وهو من أكثر الصحابة رواية عن النبي ﷺ كان لا ينام من الليل إلا قليلا. قال عنه جابر﵁-:" ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها غير عبد الله بن عمر" اشتهر بعلمه وجهاده في سبيل الله. وهو آخر من توفي من الصحابة بمكة سنة ثلاث وسبعين للهجرة في أصح الأقوال. (انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٢٠٣ - ٣٢٩، والإصابة ٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠، وطبقات ابن سعد ٤/ ١٤٢ - ١٨٨).
(٢) في كتاب: البر والصلة، باب ما جاء في بر الخالة، وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك (كتاب البر والصلة ٤/ ١٥٥) وقال:" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٤).
(٣) سورة البقرة، الآية رقم: ١٣٣.
(٤) ضيق عطن: يقال واسع العطن: أي واسع الصبر والحيلة عند الشدائد، سخي كثير المال. وضده ضيق العطن. [المعجم الوسيط ٢/ ٦٠٩]. أو يقال: رجل رحب العطن أي رحب الذراع كثير المال واسع الرحل، والعطن. [لسان العرب ١٣/ ٢٨٧]، فيكون ضيق العطن ضد ذلك. ويأتي العطن بمعان أخرى.
[ ١ / ٣١٩ ]
فهو جزء «١» يسير من علم الله، وتضمنت يسيرا مما جرى للقوم، وقد جرى لهم جزئيات وتفاصيل لم تذكر، فلعل هذا منها. والله- سبحانه- يفضل من شاء على من شاء في العلم والجسم والمال والعقل وغير ذلك «٢». فما المانع أن يكون/ الله- سبحانه- اختص محمدا من العلم بما لم يخصكم «٣» كما خصه باذلالكم وإرغام أنوفكم، وأخذ الجزية منكم، نحو ثمانمائة سنة «٤».
والجواب عن الثاني- وهو سجودهم له- من وجوه:
أحدها: هذا بعينه، وهو أن في القرآن زيادة علم لم تبلغكم، تخصيصا من الله لغيركم عليكم.
الثاني: أن السجود المذكور في القرآن ليس المراد به وضع الجباه على الأرض بل هو الإيماء بالرءوس، والانحناء على جهة التعظيم، وكانت تلك تحية الملوك عندهم، فلعله لخفاء صورته وعدم ظهور تأثيره في هيئة الإنسان الانتصابية «٥» لم يذكر في التوراة اعتبارا/ بصورته، وذكر في القرآن اعتبارا بمعناه، وهو التعظيم «٦».
_________________
(١) في (أ): فهو حرف.
(٢) قال الله تعالى: وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: ٢٤٧].
(٣) في (م): يختصكم.
(٤) هكذا في النسخ الثلاث والصحيح: أكثر من سبعمائة سنة.
(٥) كلمة" الانتصابية" غير واضحة في (أ).
(٦) انظر تفسير الطبري ١٣/ ٦٨ - ٦٩، وتفسير القرطبي ٩/ ٢٦٥.
[ ١ / ٣٢٠ ]
على أنه قد صرح في التوراة «١» بأن إخوة يوسف لما عرفهم وهم له منكرون" خروا له سجدا".
ثم لما «٢» عادوا المرة الثانية" خروا له سجدا" «٣»، وأن يوسف لما جاء بابنيه" ميشا" «٤» و" أفرايم" إلى يعقوب ليبرّك عليهما، سجدا له «٥».
وأن" إبراهيم" لما اشترى مغارة" عفرون" «٦» ليجعلها مقبرة لسارة، فقالوا له:
_________________
(١) انظر سفر التكوين الأصحاح الثاني والأربعين، والنص في التراجم الحديثة:" فأتى إخوة يوسف وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض" اهـ.
(٢) " لما" سقطت من (م).
(٣) انظر سفر التكوين الأصحاح الثالث والأربعين.
(٤) " ميشا" هكذا في النسخ الثلاث وفي ترجمة سنة ١٩٧٩ م: منسّ.
(٥) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والأربعين. قلت: والصواب أن السجود كان جائزا في شريعتهم ثم نسخ في شريعتنا، لأنه ليس في النص قرينة تصرفه عن المعنى الحقيقي- والله أعلم ومما ورد في شريعتنا من النهي عن السجود لغير الله، ما أخرجه أبو داود عن قيس بن سعد قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله أحق أن يسجد له، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: «أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له»؟ قال: قلت: لا، قال: «فلا تفعلوا لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق» وأخرج الترمذي في الرضاع باب حق الزوج على المرأة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وفي مسند أحمد وسنن النسائي نصوص أخرى غير هذه.
(٦) هي قرية من قرى فلسطين قرب بيت المقدس يقال إن فيها قبر إبراهيم﵇- واسمها حبرون. واسمها الآن الخليل. واسم مالكها قبل ذلك عفرون. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٣٧٦].
[ ١ / ٣٢١ ]
قد وهبناها لك، خر لهم ساجدا «١» على جهة الشكر حيث ياسروه ولم/ يعاسروه. وسألهم أن يأخذوا منه ثمنها. فقد كان السجود عندهم سهلا متعارفا في هذه المواطن اليسيرة الخطب، وهو من ملة أبيهم إبراهيم «٢».
وفي التوراة:" أن يعقوب لما التقى بأخيه العيص سجد له «٣» بالأرض سبع مرات" «٤»، فما ظنك بحال الدخول على يوسف من قوم متشوقين إليه، وخجلين منه بعد سنين متطاولة، فإن العقول تجزم بأن هذا المقام أولى بالسجود من كل مقام، خصوصا لشخص قد أحياهم الله به، وقد غمرهم بإحسانه بعد أن بالغوا في الإساءة إليه.
ففي السجود له فوائد «٥».
منها: إقامة رسم الملك بفعل تحيته «٦».
والثانية: التوصل إلى إزالة ما في نفسه.
_________________
(١) انظر سفر التكوين الأصحاح الثالث والعشرين.
(٢) قلت: هذا ادعاء وزعم منهم أنه حصل منه هذا، وأنهم على ملته لا أن ذلك صدقا. فالله أعلم بالصواب.
(٣) في (أ): أسجد له بالأرض.
(٤) سفر التكوين الأصحاح الثالث والثلاثين.
(٥) هذا إذا كان على سبيل الخلق كما في شريعتهم المنسوخة لا العبادة وعلى سبيل التنزل منا بصحة ذلك في شرائعهم.
(٦) روى ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٨) عن قتادة:" وكانت- أي السجود- تحية من قبلكم كان بها يحي بعضهم بعضا، فأعطى الله هذه الأمة: السلام تحية أهل الجنة، كرامة من الله ﵎ عجلها لهم، ونعمة منه" اهـ.
[ ١ / ٣٢٢ ]
والثالثة: إظهار المحبة ليوسف والطاعة له ليرضى/ عنهم يعقوب، ويطيب قلبه بتصافيهم.
الرابعة: مكافأته على بعض إحسانه.
الخامسة: تصحيح رؤياه، فإن" رؤيا الأنبياء وحي «١» ".
الثالث: أنه ذكر في التوراة «٢» أن يوسف لما قص رؤياه على يعقوب زجره لما قصها، وقال له:" ما هذه الرؤيا التي رأيت؟ أجيء أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على الأرض؟ " وكان يعقوب قد وعى معنى الرؤيا.
قلت: وإنما أراد أن يصد عنه كيد إخوته له باستبعاده ذلك وإنكاره «٣».
قلت: فهذا يعقوب قد فهم أن تأويل رؤيا يوسف: سجود إخوته وأبويه له.
وقد ثبت أن الرؤيا صحت، فكذا تأويلها، خصوصا والرؤيا رؤيا نبي، والتأويل تأويل نبي ورؤيا الأنبياء وحي، وتأويلهم إلهام.
وأيضا: فإن في التوراة «٤» أن يوسف رأى رؤيا أخرى وهي أنه رأى أنه وإخوته جمعوا حزما في المزرعة، وقد قامت حزمته، وجاءت حزم إخوته، فسجدت لها. وهذا يدل على سجودهم له، لما التقوا لأن الرؤيتين دلتا على حكم واحد، وهو السجود.
_________________
(١) طرف من حديث أخرجه البخاري في الوضوء، باب التخفيف في الوضوء وفي الأذان باب وضوء الصبيان وهو من قول عبيد بن عمير ﵁ قال هذا:" إن رؤيا الأنبياء وحي" ثم قرأ: إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ الآية (١٠٢) من سورة الصافات.
(٢) في سفر التكوين الأصحاح السابع والثلاثين.
(٣) في (ش) كيد اخوته وأبوه له وقد ثبت أن الرؤيا صحت.
(٤) في سفر التكوين الأصحاح السابع والثلاثين.
[ ١ / ٣٢٣ ]
الرابع: أنه يجوز حمل ما في القرآن على أن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «١» جملة. وقوله: وخَرُّوا جملة مختص ضميرها بإخوة يوسف لم يتناول أبويه، فيكون ذلك موافقا لرؤيا الحزم، فإنها إنما تضمنت ما يدل على سجود الإخوة فقط دون أبويه، ويصير هذا قريبا جدا «٢» لأن إخوته سجدوا له قبل ذلك مرتين بنص التوراة، وهذه تكون ثالثة ووقتها أولى بالسجود من غيره على ما سبق وإنما ترك ذكره في التوراة اكتفاء عنه بالمرتين الأوليين، وتنبيها عليه بطريق أولى.
قلت: وفي ورود/ القرآن برؤيا النجوم دون رؤيا الحزم أقوى دليل على صدق محمد﵇- وأن القرآن وحي من الله، وأنه إنما أخبر بما أوحى إليه، وإلا فلو كان ينقل ذلك من كتب/ الأولين لتتبعها/ ولظفر برؤيا الحزم، ولذكرها خشية أن يطعن عليه بالنقص والزيادة فاعلم ذلك.
_________________
(١) سورة يوسف، الآية رقم: ١٠٠.
(٢) وذكر الرازي في كتابه" عصمة الأنبياء" ص ٨٤، تفسيرا آخر وهو:" المعنى: خروا لأجله سجدا لله". وقال القرطبي في تفسيره (٩/ ٢٦٤):" الهاء في قوله (خروا له) قيل: إنها تعود على الله تعالى، المعنى وخروا شكرا لله سجدا، ويوسف كالقبلة لتحقيق رؤياه، وروي عن الحسن" اهـ. ولكن رد بعض المفسرين على هذا القول بأن الهاء راجعة إلى يوسف لقوله تعالى في أول السورة: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ وأن هذا كان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف. قلت: تعبيرهم" بالوضيع للشريف" هضم لحق نبي الله يعقوب﵇- فليس وضيعا، وإنما نقول كانت تلك تحيتهم كما تقدم.
[ ١ / ٣٢٤ ]
[رد شبهة النصراني في ورود بنات شعيب ماء مدين وعددهن واستئجار موسى ثماني حجج]
قال:" ومن ذلك في سورة القصص بعد ذكر موسى: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ إلى قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ «١» قال: الكذب في هذه القصة في مواضع:
أحدها: قوله:" وجد على الماء قوما يسقون" ولم يكن كذلك يعني بل «٢» القوم طرءوا «٣» على بنات شعيب، وقد ملأن الحياض «٤» ليسقين غنم أبيهن، فأخرجوهن فقام موسى فحماهن وسقى غنمهن كما سيأتي في لفظ التوراة.
الثانى" أن النساء كن سبعا لا اثنتين.
الثالث: أن عرض شعيب ابنته على موسى واستئجاره على نكاحها ثماني سنين لم يكن منه شيء، إنما كان هذا في زواج يعقوب براحيل بنت خاله" لابن" وإنما اختلطت لهذا الإنسان القصة، أو خلطت له بقصة زواج يعقوب النبي، ثم ذكر ما في التوراة من قصة موسى في ذلك. وهو أن قال فيها بعد ذكر قتل موسى للقبطي «٥»:" فسمع فرعون هذا الخبر وكان يطلب قتل موسى فهرب من حضرته، وأقام بأرض مدين «٦»، وجلس جوار البئر.
_________________
(١) سورة القصص من ٢٣ - ٢٧.
(٢) في (ش) يعني أن القوم.
(٣) أي وردوا على بنات شعيب، وأتوهن فجأة. [لسان العرب ١/ ١١٤].
(٤) في (م): الحوض.
(٥) القصة في سفر الخروج الأصحاح الثاني.
(٦) أرض مدين: مدينة قوم شعيب قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، قريبا من بحيرة قوم لوط، بينها وبين تبوك ست مراحل، وهي أكبر من تبوك في ذلك الوقت وبها البئر التي استقى منها موسى لغنم شعيب. ومدين قبيلة من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل﵇- وشعيب ﵇ نبيهم. ذكرت قصة عتوهم في القرآن الكريم، وكانوا يخيفون المارة ويعبدون الأيكة- شجرة من الأيك- أهلكهم الله بأنواع من العذاب. [انظر مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٤٦، والبداية والنهاية ١/ ١٨٤ - ١٩١].
[ ١ / ٣٢٥ ]
وكان لإمام مدين سبع بنات. كن أقبلن لاستقاء الماء فملأن الحياض وأحببن سقي غنم" يثرا" «١» أبيهن، فأقبل الرعاة عليهن وأخرجوهن فقام موسى وحمى الجواري وسقى نعاجهن، فلما انصرفن إلى" يثرو" أبيهن، قال لهن: لم جئتن أسرع من المعتاد «٢»؟ فأجبن: رجل مسلم «٣» مصري أنجانا من الرعاة، وبزيادة استقى الماء وسقى النعاج «٤». فقال: أين هو؟ لم خلفتن الإنسان؟ ادعونه ليأكل خبزا، فحلف «٥» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور «٦» بنته زوجة". اهـ.
قال:" هذا نص التوراة/ أن الجواري كن سبعا، لا اثنتين، وأن والدهن كان اسمه يثرو لا شعيب، ولا ذكر لاستئجاره ثماني حجج.
ثم ذكر قصة زواج يعقوب من التوراة إلى آخرها.
ثم قال:" فتأمل يا قارئ اختلاط إحدى القصتين بالأخرى".
قلت: والجواب عن هذا السؤال من وجوه:
_________________
(١) اختلف المفسرون في اسم أبي المرأتين المشار إليهما: فقال بعضهم: اسمه يثرون أو يثرى. وقال بعضهم: اسمه شعيب وهو النبي﵇- وكلا القولين لا دليل عليهما، ولسنا متعبدين بمعرفته ولا بمعرفة اسمي المرأتين بل بالإيمان والتصديق بالقصة دون معرفة الأسماء والله أعلم.
(٢) في (ش): المضاد.
(٣) كلمة" مسلم" ليست في (م)، (ش).
(٤) عبارة (أ):" وبزيادة استقى الماء وسقى النعاج" وفي التراجم الحديثة:" فقلن رجل مصري أنقذنا من أيدى الرعاة، وأنه استقى لنا أيضا وسقى الغنم فقال لبناته فأين هو ".
(٥) فحلف: ليست في (ش) وفي التراجم الحديثة:" فارتضى" موسى أن يسكن مع الرجل" والمعنى: فأقسم على موسى أن يسكن معه
(٦) في التراجم الحديثة اليونانية:" صفّورة".
[ ١ / ٣٢٦ ]
أحدها: الجواب العام بالقدح في التوراة وعدم الوثوق بها، كما تقرر في المقدمة وقد وجدنا فيها من التناقض والاختلاف/ ما بعضه يقدح في الاحتجاج بها.
ولذلك سببان ظاهران:
أحدهما: أن اليهود حرفوا منها اسم محمد﵇- «١» ودلائل نبوته «٢» لئلا يكون عليهم حجة له من كتابهم، وحرفوا مع ذلك أشياء مما جاء به محمد عن وضعه الذي في التوراة ليصير ذلك شبهة لهم في تكذيبه، ويقولون: ما نصنع به؟ لو وافق ما عندنا أو ذكر فيه، آمنا به «٣».
_________________
(١) قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ الآية [سورة الأعراف آية ١٥٧] وقال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [سورة البقرة ١٤٦، وسورة الأنعام ٢٠].
(٢) أخرج البخاري في (البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق وفي تفسير سورة الفتح ٣) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص﵄- فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن [قال في التوراة]: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبنا غلفا" اهـ.
(٣) قال الله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ الآية [سورة النساء ٤٦]، وقال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) [سورة البقرة ٧٥].
[ ١ / ٣٢٧ ]
السبب الثاني:
أن التوراة تقادم عهدها وحرفت في زمن" بختنصر «١» " وتعاورتها «٢» التغيرات والتنقلات من العبراني إلى السرياني إلى القبطي إلى العربي لفظا وخطا.
وبعيد من مثل هذه التغيرات أن لا تخل بالمعاني. ولذلك صارت التوراة التي بيد النصارى «٣» تخالف التي بيد اليهود «٤»، والتي بيد اليهود يخالف بعضها بعضا كما أن أناجيل النصارى يخالف بعضها بعضا «٥»، كما قد بينته/ في التعليق عليها «٦» لأن أهل الكتاب معتمدهم على الخط، لا على الحفظ، وعلى الرواية بالمعنى لا باللفظ.
الثاني: أن علماء المسلمين ذكروا قصة موسى، على وفق ما هي في القرآن وكان لهم اجتماع بأهل الكتاب واطلاع على علمهم، وأسلم جماعة من أهل
_________________
(١) بختنصر: أحد ملوك بني إسرائيل، ذكر ابن أبي حاتم أنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس، ويستطعمهم ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنه سار إلى بيت المقدس فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل، وذكر ابن كثير أن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن خراب بيت المقدس كان على يديه في عهد نبي الله" أرمياء" [انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٢٥، البداية والنهاية ١/ ٣٤ - ٣٩].
(٢) كلمة:" وتعاورتها" غير واضحة في (أ).
(٣) وتسمى باليونانية.
(٤) وهي نسختان: العبرانية والسامرية.
(٥) إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا وغيرها.
(٦) في كتابه:" تعاليق على الأناجيل" خ.
[ ١ / ٣٢٨ ]
الكتاب ووافقوهم على ذلك كعبد الله بن سلام/ من اليهود، والعاقب والسيد «١» رئيسي نجران من النصارى والنجاشي «٢» صاحب الحبشة «٣» في ناس كثير، فدل أن ما في القرآن موافق لما في الكتب القديمة، ولكن هذا الذي تدعونه تحريف حدث.
فإن قيل: إنما كان إسلام بعض أهل الكتاب «٤» وعدم إنكارهم ما جاء به القرآن من الوهم مخافة من سيف الإسلام، فإنه كان مشهورا منصورا، لا يقوم له أحد.
_________________
(١) العاقب: اسمه عبد المسيح، وكان صاحب مشورة قومه نصارى نجران. وأما السيد فكان اسمه: الأيهم وقيل شرحبيل، وكان صاحب رحالهم ومجتمعهم ورئيس في ذلك. وقصتهما مع وفد نجران الذي قدم إلى النبي ﷺ مشهورة. ذكرها البخاري في صحيحه- في كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران- وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٣٥٨) وذكر ابن سعد أنهما أسلما بعد ذلك وأنزلهما النبي ﷺ دار أبي أيوب الأنصاري﵁-. والله أعلم وقد ذكرها أيضا ابن تيمية في الجواب الصحيح (١/ ٢٤١ - ٢٦٥) بتحقيق د. على حسن عسيري.
(٢) أصحمة بن بحر، أحد ملوك الحبشة. والنجاشي لقب لكل من ملكوهم. كان ﵁ ذا عدل في ملكه. هاجر إليه جمع من الصحابة فسألهم عن أمر رسول الله ﷺ فأخبروه وتلوا عليه شيئا من القرآن فقال:" إن هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة" وأسلم خفية عن قومه وقال:" أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه" توفي في رجب سنة تسع من الهجرة. فقال رسول الله ﷺ حين مات، مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة. [انظر صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي، وسنن أبي داود، كتاب الجنائز باب الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك، ومسند أحمد (١/ ٢٠٣)، وفتح الباري (٣/ ١٨٧).
(٣) الحبشة: جيل معروف يرجع نسبهم إلى حبش بن كوش بن حام ابن نوح. والجمع أحبوش، وهم أمة كبيرة، ويذكرهم المؤرخون في عداد أمم السودان. ودولة الحبشة اليوم تقع في شرق إفريقيا. [انظر فتح الباري ٧/ ١٩٠ - ١٩١، تهذيب الأسماء واللغات للنووي ٢/ ٢٨٨].
(٤) عبارة «إسلام بعض أهل الكتاب» سقطت من (ش).
[ ١ / ٣٢٩ ]
قلنا: هذا مما لا يفيدكم، فإن مصنف هذا الكتاب قد أبرز فيه كل ما عنده من الطعن في دين الإسلام مع المخافة وظهور الإسلام، ولم يمنعه ذلك، فلو أمكن الأوائل من أهل الكتاب قدح لفعلوا، ولو في خفية ثم لاشتهر في ذلك العصر ثم نقل إلينا. كيف والمسيح ﷺ «١» يقول:" ما من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن «٢» ". وهو قول معصوم لا يجرم.
وأيضا فإن من الممتنع عادة أن أحدا لا «٣» ينتقل من دين إلى دين إلا بعد انشراحه لما انتقل إليه وانقباضه عما كان عليه، وأن من ينشرح صدره لدين يحتمل الذل والصغار والقتل، ولا ينتقل عنه كاليهود والنصارى في بلاد المسلمين، والمسلمين في بلاد النصارى. فمن المحال عادة أن جماعات من أحبار «٤» اليهود والنصارى ورؤسائهم ورعاعهم يتركون دينهم في/ عصر النبوة إليها إلا بعد علمهم بصحة ما جاءت به «٥»، وحينئذ يصير هؤلاء حجة على من يقدح في الإسلام من أهل الدينين.
_________________
(١) " وسلم" ليست في النسخ الثلاث.
(٢) إنجيل متى الأصحاح العاشر.
(٣) " لا" سقطت من (ش).
(٤) الأحبار جمع حبر وهو العالم. وفي حبر لغتان: بكسر الحاء وفتحها [المصباح المنير ١/ ١٤٢] والأول أصح لأن جمعه أحبار، والله تعالى يقول: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ الآية ٣١ من سورة التوبة والمراد بالأحبار علماء اليهود الذين يحبرون الكلام ويحسنونه. والفرق بينه وبين الراهب أن الراهب بمعنى المتعبد الخاشع الزاهد. وأصله عند النصارى التخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها والزهد فيها، والعزلة عن أهلها. [انظر لسان العرب ٤/ ١٥٧ - ١٥٨ وتفسير القاسمي ٨/ ١٨٤].
(٥) مثل عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، والنجاشي، وغيرهم.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وهذا" ابن جزلة" «١» صاحب" منهاج البيان" في الطب كان نصرانيا فأسلم وصنف كتابا سماه" إفحام النصارى" ولما مات وقف كتبه على تربة الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت «٢» / ببغداد «٣» وكثيرون مثله يسلمون ويحسن إسلامهم، وبعد ذلك يطعنون فيما كانوا عليه من اليهودية أو النصرانية «٤» ولم نر مسلما خرج عن الإسلام، فحمد ما انتقل إليه «٥» فإن قيل: لأن المسلمين لا يتركونه بل
_________________
(١) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٨٢.
(٢) النعمان بن ثابت بن زوطي التميمي الكوفي، مولى بني تيم الله بن ثعلبة، يقال: إنه من أبناء الفرس. إمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ولد بالكوفة، وطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والإفتاء. رأى أنس بن مالك ﵁ وسمع عطاء بن أبي رباح وغيره من التابعين، كان طويل الصمت كثير العقل، يسمى الوتد لكثرة صلابته، قال عنه الشافعي:" الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة" قدم بغداد فأقام بها حتى توفي سنة خمسين ومائة رحمه الله تعالى. [انظر سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠ - ٤٠٣، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣].
(٣) المدينة المعروفة الآن في العراق. وهي عاصمة الدولة العباسية وعاصمة دولة العراق الآن.
(٤) من أمثال السموأل بن يحي بن عباس المغربي المتوفي سنة ٥٧٠ هـ فقد كان يهوديا ثم أسلم وألف في الرد على اليهود" إفحام اليهود". وأمثال عبد الله بن عبد الله الترجمان الميورقي المتوفي سنة ٨٣٢ هـ في جزيرة ميورقة والذي كان يدعى قبل إسلامه" أنسليم تورميدا" فقد كان من أحبار النصارى ثم أسلم ورد عليهم بكتابه" تحفة الأديب في الرد على أهل الصليب" وغيرهما كثير.
(٥) قلت: وقد شهد بذلك هرقل ملك النصارى وعالمهم في عهد النبوة، حيث سأل أبا سفيان عن نبوة محمد ﷺ فقال:" وسألتكم هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقلتم: لا. وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد". وستأتي القصة بتمامها في نص الكتاب.
[ ١ / ٣٣١ ]
يقتلونه فلا يتسع له زمن النظر والترجيح، بين ما انتقل عنه وإليه، ثم انحسمت «١» مادة الردة في الإسلام خوف القتل.
قلنا: لا شك أن مصلحة الدين ومنفعته عظيمة وهي النجاة الأبدية، وعظم مصلحته توجب قوة الداعي المحرك إليه وذلك يوجب انفتاح أبواب الوسائل الموصلة إلى المقصود منه.
وهذه بلاد النصرانية ملاصقة لبلاد الإسلام، والسبل إليها آمنة مسلوكة وفي المسلمين ناس كثير وقفوا على حقيقة دين المسلمين والنصارى وهم عقلاء ألباء، فلو صح لهم ما ذكرتم من القدح في دين الإسلام لتوصلوا إلى أرض النصرانية واعتصموا بها وجعلوها هجرة دينية «٢».- والله أعلم-.
ثم لو لم يكن في هذا الجواب إلا معارضة ما نقله المسلمون لما نقلتموه لأوقف دعواكم في صناعة النظر حتى تبدوا مرجحا لما قلتموه أو دليلا آخر.
_________________
(١) في (ش): أحسمت.
(٢) قلت: لقد كان كثير من أهل الكتاب لا يرغبون بالعيش والبقاء في بلاد المسلمين بديلا، وذلك لما ينعمون به من الأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ومن العدل والحماية، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون أو تعذيبهم إذا قاموا بما فرضه الإسلام عليهم من الجزية وعدم حرب المسلمين أو التعرض لأذاهم أو محاربة دينهم بأي نوع من أنواع الحرب الفكرية أو المادية. وهذا لا يجدونه في غير بلاد المسلمين ولا تحت حكم طغاتهم. وتحدث الأئمة من السلف الصالح عن أحكام الذميين" أهل الكتاب" وموقف الإسلام منهم وما لهم من حقوق في الإسلام إذا كانوا أهل ذمة: مثل الخلال في:" أحكام أهل الملل" وابن القيم في:" أحكام أهل الذمة" وغيرهما.
[ ١ / ٣٣٢ ]
الثالث: أن ما حكاه هذا المصنف من القصة في التوراة/ لا ينافي ما في القرآن بل في القرآن «١» زيادة بيان ومناسبة للقضية «٢»، فرد تلك الزيادة لكونها لم تذكر في التوراة جهالة، لأنه إبطال للوجود المحض بالعدم المحض، وذلك عناد أو قصر باع في العلم لما بيناه في الوجه الرابع من الجواب عن قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «٣» في السؤال قبل هذا، وبيان عدم المنافاة: أما قوله:" إن موسى لما ورد ماء مدين لم يجد القوم/ يسقون بل طرءوا بعد ذلك". فهذه مناقشة باردة ممن لا يعلم مواقع الكلام خصوصا لغة العرب واتساعها، بل ولا حقائق المعقولات فإن" لما" في لغة العرب أداة زمانية: أي تدل على الوقت والزمان، فإذا قلت: قام زيد لما قعد عمرو، معناه: قام زيد وقت أو زمان قيام عمرو. فقوله: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً «٤» / أي: وقت أو زمن ورود ماء مدين وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً ولا شك أن الزمان والمكان يكونان حقيقة ومجازا، فحقيقة المكان: هو الموضع الذي يستقر فيه الجسم، ويحيط به فقط دون ما حوله، كدائرة الكرسي مثلا «٥» لمن جلس عليه، ومجاز المكان:
ما قارب مستقر الجسم وما أحاط به من مكانه الحقيقي كالبيت أو الدار بالنسبة إلى الكرسي الذي جلس عليه «٦» وحقيقة زمان الفعل: الجزء الذي يحدث فيه الفعل فقط لا يتناول شيئا مما قبله ولا بعده، كالجزء الذي كان فيه ورود موسى، ومجازه: هو ما قارب ذلك الجزء بساعة أو ساعتين أو أقل أو أكثر بحسب قرب المجاز وبعده وعظم الحقيقة وصغرها.
_________________
(١) عبارة (بل في القرآن) سقطت من (ش).
(٢) في (ش): القضية.
(٣) سورة يوسف، آية رقم: ١٠٠.
(٤) سورة القصص، آية رقم: ٢٣.
(٥) في (ش): الكرسي الذي جلس
(٦) عبارة «مثلا لمن جلس عليه ومجاز المكان: ما قارب مستقر الجسم وما أحاط به من مكانه الحقيقي كالبيت أو الدار بالنسبة إلى الكرسي» سقطت من (ش).
[ ١ / ٣٣٣ ]
وإذا ثبت هذا التقرير بان: أن لا منافاة بين قوله في القرآن: ولَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً وبين قوله في التوراة:" فأقبل الرعاة عليهن وأخرجوهن" لجواز أن يكون إقبال الرعاة، ووجدان موسى لهم جميعا في زمن وروده المجازي، الذي هو بعيد زمن وروده الحقيقي.
وكذلك قوله: ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما «١» مع قوله في التوراة:" فقام موسى، وحمى الجواري، وسقى نعاجهن" لا تنافي بين الأمرين لجواز أنهما لما أخرجهما الرعاة عن الماء وقفتا تذودان غنمها- أي تحفظانها «٢» / من الشرود «٣» - فجاء موسى" فقال ما خطبكما" فأخبرتاه، فحماهما وسقى لهما.
وأما قوله" كن سبعا لا اثنتين" فمن الجائز أن السبع حضرن لكن الذي تولى ذود الغنم منهن اثنتان، والأخر يملأن الحياض، أو ينظرن في مصلحة أخرى للغنم، فوقع الخطاب في القرآن على الذائدتين دون البواقي لأنهن حينئذ أخص بالغنم والبواقي كالأجنبيات منها، لا يعلم في الحال تعلقهن بأمرها «٤».
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٢٣، ٢٤.
(٢) في (ش) تحفظانهما.
(٣) قال الراغب الأصفهاني:" ذدته عن كذا أذوده، قال تعالى: ووَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ أي تطردان " اهـ، قلت: وهي من ذاد الإبل أو الغنم يذودها ذودا: أي منعها أو ساقها، أو دفعها، أو طردها. أو كفها. ومعنى الآية: أن المرأتين تمنعان غنمهما لئلا تختلط بغنم الناس. وهو أولى ما قيل في معناها. [انظر لسان العرب ٣/ ١٦٧، وتفسير القرطبي ١٣/ ٢٦٨].
(٤) هذا من غير دليل والأولى الإجابة بما سبق أن أجاب به في عدم الوثوق بالتوراة المحرفة في هذا وفي غيره، أو أن ذلك مما حرف في التوراة فحرف من اثنتين إلى سبع، فأهل الكتاب اشتهر عنهم ذلك. وتناقض ما بأيديهم من الكتب دليل صحيح على ذلك.
[ ١ / ٣٣٤ ]
وأما قوله:" لا ذكر لندب شعيب موسى إلى زواج ابنته، ولا لاستئجاره «١» ثماني حجج" فلا ينافي ما في القرآن من ذلك، لأن هذا مجمل وما في القرآن مفصل، ولا تنافي بين المجمل والمفصل. على أن في قوله في التوراة:" أن يثرو قال لبناته: ادعونه يأكل خبزا، فحلف على «٢» موسى أن يسكن معه وأخذ سابور «٣» بنته زوجة" «٤». تنبيها «٥» على ما فصله القرآن إذ معناه: أن يثرو عزم على موسى وأقسم عليه أن يسكن معه. وهذا قريب في العرف من قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ .. «٦» فإن الناس جرت عاداتهم أنه إذا ورد/ عليهم غريب فظهرت منه النّجابة والخير والخصال/ الحميدة والأفعال النافعة تمسكوا به وحسنوا له المقام عندهم، وعرضوا عليه المسكن والسكن ليرتبط بذلك عليهم فينتفعون به وينتفع بهم. وقد كان" يثرو" أحق الناس بمثل هذا لكبره، وكون بناته حرما «٧»، ضعفا عن القيام بأمر الغنم، وقد كان الرعاة يستضعفونهن.
وأما قوله:" كان اسم أبيهن يثرو لا شعيب" «٨»، فقد سبق جواب مثله عند قوله:" كان اسم أبي مريم أم المسيح يعقيم لا عمران" «٩» وذلك أن الأسماء ألفاظ تختلف باختلاف اللغات، ومع «١٠» اتفاق المسميات/ لا يضر اختلاف الأسماء.
_________________
(١) في (ش): ولا استجاره.
(٢) على": ليست في (م).
(٣) في (ش): لسابور.
(٤) انظر سفر الخروج الأصحاح الثاني.
(٥) في (أ): تنبيه. وتنبيها: اسم إن مؤخر.
(٦) سورة القصص، آية رقم: ٢٧.
(٧) الحرم جمع حرمة، وهي المرأة، وما يلزم الإنسان حفظه وصونه. [منال الطالب ص ٢١٤].
(٨) راجع ص: ٣٢٦ والتعليق رقم: ١ فيها.
(٩) راجع ص: ٣٠٣.
(١٠) في (أ): ومنع.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ويدل على هذا ما ذكره" وثيمة بن موسى بن الفرات" في كتاب" قصص الأنبياء" عن محمد بن إسحاق «١» قال: حدثني عبد الله بن زياد بن سمعان «٢» عن بعض من قرأ الكتب أن أهل التوراة يزعمون أن شعيبا اسمه في التوراة ميكائيل بن جزي وبالسريانية يثرن بن جزي بن يشجر. وبالعربية: شعيب بن جزي بن يشجر ابن لاوى بن يعقوب.
قال:" وحدثني الشرقي ابن القطامي «٣» - وكان عالما بالأنساب- قال: هو
_________________
(١) أبو بكر ويقال: أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، ويقال: كومان. المدني المطلبي. من أقدم المؤرخين. يقال: إنه رأى أنسا وابن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن. كان من أحفظ الناس بما قاله البخاري وروى له مسلم في المتابعات رحل إلى الإسكندرية والكوفة والجزيرة والري وبغداد وتوفي بها سنة إحدى وخمسين ومائة للهجرة على خلاف في تاريخ وفاته. وقد هذب ابن هشام كتابه السيرة النبوية واختصره. [انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨ - ٤٦، سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٣ - ٥٥].
(٢) عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المخزومي المدني، مولى أم سلمة كان ضعيف الحديث، ويغير في الرواة، ويدعي السماع من بعض الناس ولم يسمع منهم. سمعه ابن اسحاق يقول: " سمعت مجاهد" فقال:" والله أنا أكبر منه ما رأيت مجاهدا ولا سمعت منه" قلت: وهذه الرواية تدل على أنه لا يؤخذ بحديثه لأنه يقول:" عن بعض من قرأ الكتب". ولم تذكر سنة وفاته. [انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٩ - ٢٢١].
(٣) الشرقي: لقب غلب عليه واسمه: الوليد بن حصين بن جمال بن حبيب الكلبي المشهور بالشرقي ابن القطامي، عالم بالأدب والأنساب وهو من أهل الكوفة، استقدمه أبو جعفر المنصور إلى بغداد ليعلم ولده المهدي الأدب، وله رواية في الحديث لكنه ضعيف. توفي في نحو سنة خمس وخمسين ومائة للهجرة. [انظر تاريخ بغداد ٩/ ٢٧٨ - ٢٧٩، والأعلام ٨/ ١٢٠].
[ ١ / ٣٣٦ ]
يثرون بالعبرانية، وشعيب بالعربية بن عيفاء بن لوثب «١» بن مدين بن إبراهيم".
فتبين بما ذكرناه أن هذا نزاع لفظي لا يقدح في حقائق المعاني «٢».
وأما ما ذكر من أن الاستئجار إنما كان في قصة زواج يعقوب لا موسى.
فجوابه: أن احتجاجك في هذا إنما هو بسكوت التوراة عن ذكره في قصة موسى على ما قد ثبت فيها من التحريف والتبديل والزيادة والنقص والتفاوت في النسخ بالنسبة إلى ما بأيديكم وأيدي اليهود وإلى ما في أيدي طوائف اليهود «٣»، وذلك استدلال بالسكوت الصرف والعدم المحض، والقرآن جاء بزيادة بيان فليس قدح التوراة في القرآن لمجيئه بالزيادة أولى من قدح القرآن في التوراة لمجيئها
_________________
(١) في البداية والنهاية (١/ ١٨٥):" بن عيفاء بن ثابت بن مدين ".
(٢) قلت: والاختلاف بين مفسري القرآن وأهل الكتاب في اسم صالح مدين لا يبني عليه تكذيب القرآن الكريم بأي حال، لأن القصة وردت في القرآن دون ذكر اسم أبي البنتين، ولا فائدة في ذكر الأسماء إذا تحقق الغرض من القصة والحمد لله.
(٣) أجمع اليهود والنصارى على القول بوقوع التحريف والتبديل في التوراة، وكل طائفة تجعل مسئولية التحريف والتبديل في عنق الأخرى وسبب ذلك أن نصوص التوراة التي بأيدي النصارى شاهدة بإرسال المسيح﵇- في الزمن الذي أرسل فيه، ويزعمون أن اليهود بدلوا ما بأيديهم من نسخ التوراة عنادا وحذرا من الاعتراف بإرسال المسيح﵇- واليهود يزعمون أن النصارى بدلوا ما بأيديهم من النسخ، وأن المسيح إنما يأتي في آخر الزمان، وهو المسيح المنتظر على زعمهم، ويزعمون أن ما بأيديهم من نسخ التوراة موافق لما ادعوه. قال الله تعالى: وقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة: ١١٣] ثم إن التوراة التي بأيدي اليهود يعترفون بأنها غير منزلة إنما كتبها عزرا من محفوظاته ومحفوظات بعض الكهنة أيام بختنصر، وهم فرق كل فرقة تدعي أن ما بأيديهم هو الحق، فالسامرة مثلا لها توراة يدعون أنها هي الصحيحة دون ما بأيدي سائر-
[ ١ / ٣٣٧ ]
بالنقص، فما المرجح لأحد القدحين على الآخر؟ على أن ما في القرآن أولى بالاعتبار لأنه أنسب بسياق القضية لمن تدبره، ولأنه أقرب عهدا بالظهور من التوراة «١»، وأبعد عن التحريف والنقل من لغة إلى لغة، ومن ترجمة إلى ترجمة، والمسلمون أشد عناية بحفظه من أهل الكتابين بحفظهما.
_________________
(١) - اليهود. وفي الأمر ما هو أغرب من ذلك، فاليهود يدعون أن الله تعالى أوحى إلى موسى﵇- وهو بطور سيناء نوعين من الوحي: الأول: الشريعة المكتوبة" أسفار التوراة" والثاني: الشريعة المكررة، أو التعاليم الشفهية. وهذه سرية في زعمهم تتضمن التفسير الصحيح الذي يعنيه الرب سبحانه ويريده من النصوص الظاهرة المكتوبة في أسفار التوراة. كما يزعمون أن هذه التعاليم تنوقلت شفاها عن موسى﵇- عبر أربعين جيلا حتى انتهت إلى يهوذا هاناسي، فدونها خشية الضياع وسميت:" المشناة" أي: المعرفة. ثم شرح الأحبار المشناة في أورشليم وبابل وسميت الشروح:" الجمارا" أي الشرح أو الإكمال. ومن المتن وشرحيه تكون ما يسمى التلمود الأورشليمي والتلمود البابلي، على أن من يحمل كل منها يرى أنه هو الصحيح وأن الآخر باطل. فهذا التعدد دليل على التحريف والتبديل والافتراء على الله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (البقرة، آية: ٧٩) وقد بين كثير من العلماء تناقض هذه الكتب والأناجيل التي بأيدي النصارى. [انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ١/ ٩١ - ١٩٦، ومعركة الوجود بين القرآن والتلمود ص ٣٦ - ٣٨، وإفحام اليهود ص ١٣٥ - ١٤٥، ومقامع هامات الصلبان" بين المسيحية والإسلام" ص ١٧٤ - ١٩١].
(٢) من حكمة الله تعالى أن بعث في كل أمة رسولا، فإذا مات واندثرت شريعته بعث رسولا آخر فتكون الشريعة المتأخرة ناسخة للمتقدمة وهذا نلزم به النصارى حيث يدعون هم أن اليهود مخطئون في دعواهم أن شريعة موسى﵇- لم تنسخ ولا تنسخ ويثبتون النسخ- وإن كانوا ينكرون نسخ شريعة عيسى﵇- فكما أن الإنجيل عند النصارى نسخ بعض أحكام التوراة فكذلك القرآن كان ناسخا لهما جميعا لتأخره عنهما.
[ ١ / ٣٣٨ ]
ثم نقول: ما المانع من أن تكون قصة يعقوب وموسى في زواجهما اتفقتا على صفة واحدة/ كما اتفق لإبراهيم وإسحاق، في أن كل واحد منهما لما دخل أرض" أبيمالخ" «١» / ملك فلسطين «٢» ادعى أن زوجته أخته لجمالها، خشية أن يغلب عليها «٣». وقد صرحت بذلك التوراة. لكن اتفق أنها شرحت قصة يعقوب بأبسط مما شرحت قصة موسى.
_________________
(١) قيل: اسمه:" عمرو بن امرئ القيس بن سبأ" ملك مصر، وقيل: صادوق وكان على الأردن، وقيل: سنان بن علوان بن عنيد بن عريج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وقيل إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم. [انظر فتح الباري ٦/ ٣٩٢، الأنس الجليل ١/ ٣٤].
(٢) الأرض التي هاجر إليها إبراهيم ووقعت له ولسارة القصة فيها قيل: إنها مصر، قيل: إنها بعلبك. وقيل غير ذلك، والأشهر أنها مصر. قلت: والذي يظهر من كلام الطوفي أن الأرض التي هاجر إليها إبراهيم وإسحاق واحدة وأن الملك واحد- والله أعلم- (انظر فتح الباري ٦/ ٣٩٢، والأنس الجليل ١/ ٣٤).
(٣) قصة ادعاء إبراهيم﵇- بأن زوجته سارة أخته هي أنه" قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس. فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك. فإن سألك فأخبريه أنك أختي. فإنك أختي في الإسلام. فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها فأتي بها. فقام إبراهيم﵇- إلى الصلاة. فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت يده قبضة شديدة " الخ القصة. [انظر صحيح البخاري كتاب البيوع، باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه، وكتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، وكتاب الأنبياء باب قوله تعالى: واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ وغيرها من المواضع فيه. وصحيح مسلم كتاب الفضائل حديث ١٥٤، ومسند أحمد ٢/ ٤٠٤]. أما قصة إسحاق فلم أعلم بعد البحث أنه ورد في ذلك شيء. ولعل الطوفي يشير إلى ما في سفر التكوين الأصحاح السادس والعشرين من أن إسحاق ذهب إلى أبيمالخ ملك الفلسطينيين في جرار. وسأله أهل المكان عن امرأته رفقة- أو ربقة- فقال هي أختي لأنه خاف أن يقتل من أجل زوجته لأنها كانت حسنة المنظر الخ القصة.- والله أعلم-.
[ ١ / ٣٣٩ ]
[تناقض كتب النصارى التي بأيديهم]
ثم بعد هذا كله نقول لهذا النصراني: الخلاف والتناقض الذي أوردته علينا بتقدير ثبوته هو في كتابين لملتين، وهما التوراة والقرآن، ولا شك أن في إنجيل لوقا «١» في الفصل الثاني والثلاثين «٢»، أن يوحنا قال للمسيح:" يا معلم رأينا إنسانا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه لأنه لم يتبعنا. فقال: لا تمنعوه، لأن كل من ليس عليكم فهو معكم".
وفي إنجيل مرقس «٣» هذه الحكاية بعينها، وأن المسيح قال فيها:" كل من ليس معنا فهو علينا" «٤» وهذا تناقض بيّن.
وبيانه: أن كل واحد من الناس:/ إما أن يكون معك أو عليك، أو لا معك
_________________
(١) اسم لاتيني ربما كان اختصارا لاسم" لوقانوس" وهو تلميذ بولس عدو النصارى الذي أصبح رسولا لهم، ولوقا من أهل انطاكية لم ير المسيح وليس من الحواريين ولا من تلاميذهم كان طبيبا. وقيل: مصورا. كتب انجيله باليونانية كرسالة إلى صديق له في مصر. فيما بين عام ٦٠ - ٧٠. [انظر مقدمة انجيله، وتحقيق تاريخ الأناجيل للدكتور الفرت ٣٦ - ٣٧. ومحاضرات في النصرانية لأبي زهرة ص ٥٩ - ٦٠، والفصل ٢/ ٨٩].
(٢) في التراجم الحديثة: الأصحاح التاسع. فقرة (٤٩ - ٥٠).
(٣) يقال إن اسمه: يوحنا وأن مرقس لقب. ومعنى مرقس. مطرقة، وهو من السبعين الذين يقال إن المسيح اختارهم، وأرسلهم ليعلموا المسيحية، وليس كذلك، وقد طاف البلاد داعيا ثم استقر في مصر وقد كان يهوديا ثم تتلمذ على يد بطرس وألف انجيله لطلب أهل رومية كما يقال. مات مقتولا في الإسكندرية سنة ٦٨ م. [انظر نظم الجوهر لابن البطريق ص ٤٤، ومحاضرات في النصرانية ص ٥٥، وتحقيق تاريخ الأناجيل ص ٣٤، والفصل ٢/ ٨٩].
(٤) إنجيل مرقس الأصحاح التاسع.
[ ١ / ٣٤٠ ]
ولا عليك، فالطرفان «١» حكمهما معلوم. أما الواسطة وهي الذي لا لك ولا عليك فإنها «٢» على لفظ لوقا: تكون لك، لأنها ليس «٣» عليك، وعلى لفظ مرقس تكون عليك لأنها ليس «٤» لك، فهذا تناقض في انجيلكم، وهو كتاب ملة واحدة، بعضه حجة على بعض، والقدح في بعضه قدح في كله فما كان جوابك عن هذا التناقض الذي في الإنجيل، فهو جوابنا عن التناقض الذي بين التوراة والقرآن «٥». ونكون قد سامحناك في هذا، لأن ما أوردناه عليك من تناقض كتابك وارد عليك ولازم لك، وما أوردته أنت علينا من تناقض التوراة والقرآن ليس لازما لنا، لأنا نحن نقول: القرآن حق وصدق، والتوراة/ التي احتججت علينا بها- لا أقول التي أوتيها موسى- كذب وزور، ومحال وافتراء على الله ورسله «٦». وأنت لا يمكنك أن تقول: إن إنجيل لوقا حق وصدق، وإنجيل مرقس كذب وزور، أو بالعكس، لأن أناجيلكم «٧» الأربعة هي كتاب واحد وموضوعها واحد، وإنما
_________________
(١) في ش: إما إن يكون معك لا عليك والطرفان.
(٢) في (ش): وإنها.
(٣) هكذا في النسخ الثلاث، والأصح: ليست.
(٤) هكذا في النسخ الثلاث، والأصح: ليست.
(٥) التناقض بين التوراة التي بأيدي أهل الكتاب والقرآن تناقض بين محرف مبدل مكتوم بعضه وآخر صحيح منزل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد، بخلاف التناقض بين الأناجيل أو بين الإنجيل والتوراة لأن هذا بين كتب محرفة مغيرة مبدلة قد عبثت بها أيدي اليهود والنصارى.
(٦) في (ش) ورسوله. قلت: قال الله تعالى عنهم: وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة آل عمران: ٧٨].
(٧) في (ش) إنجيلكم.
[ ١ / ٣٤١ ]
اختلفت بالزيادة والنقص والرواية بالمعنى، وما فيها من الاختلاف والتناقض.
فإن قلت: إن الذي أوردته عليّ من تناقض إنجيل لوقا وإنجيل مرقس ليس تناقضا في الأصل، بل هو من قلم الناسخ فهو خطأ في صورة الخط، لا في حقيقة النبوة المسيحية «١».
قلت: هذا بعينه جوابنا عما أوردته من تناقض التوراة والقرآن في قصة موسى، وهو أن نضيف الخطأ إلى قلم الناسخ وصورة الخط في التوراة وهي أولى بذلك من القرآن لتقادم عهدها وتغير التراجم واللغات فيها، بل وأولى من الإنجيل لأنها قبله.
فإن قلت: أنا ما أوردت تناقضا بين التوراة والقرآن، بل كذبت القرآن بالتوراة/.
قلت: هذا هو معنى التناقض. ثم جوابك ما سبق من أنه ليس تكذيب القرآن بالتوراة أولى من تكذيب التوراة بالقرآن، بل هذا أولى لما بيناه غير مرة، والله أعلم.
هذا تفصيل جوابه على ما ذكر هو في كتابه. [أما ما رأيناه في التوراة مما يدل على وفاق القرآن نذكر «٢» إن طرقه- إن شاء الله تعالى «٣»].
_________________
(١) في (ش): المستحبة.
(٢) هكذا في (أ) ولعل الصحيح:" فنذكره ان طرقه ".
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (م)، (ش).
[ ١ / ٣٤٢ ]
[ابطال دعوى صلب المسيح ﵇]
قال:" وفي سورة النساء بعد ذكر اليهود: وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ (١٥٧) «١» وذكر كلاما لابن عطية في تفسير قوله: شُبِّهَ لَهُمْ وأن معناه أن شبه المسيح ألقي على/ صاحب له يقال له: سرجس «٢» باختياره على أن يكون رفيق المسيح في الجنة «٣».
قال:" ويتمسك المسلمون بهذا في القطع على أن المسيح ما صلب. وذلك باطل بالتواتر عند الأمتين: اليهود والنصارى. ومؤرخي المجوس على صلب المسيح وبنص الكتب المقدسة".
وذكر كلام أشعياء ودانيال، وما في إنجيل متى مما يدل على ذلك وأن المسيح صلب ومات وقبر وقام حيا في اليوم الثالث وظهر لتلاميذه مرارا كثيرة.
_________________
(١) سورة النساء آية: ١٥٧.
(٢) لم أجد له ترجمة إلا ما ذكر أنه من الحواريين ومن أحدثهم سنا. أو أنه شاب حضر معهم وليس منهم. وقد ذكر الإمام الطبري في تاريخه أنه كان فيمن ذكر رجل صالح من أهل فلسطين اسمه جرجس، وأنه أدرك بقايا من حواري عيسى﵇-، وله عنده ترجمة طويلة. [انظر تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٢٤ - ٣٦]، وقد ذكر ابن تيمية في الجواب الصحيح ١/ ٣١٩، ٣٢٠: أن جرجس أحد من تعظمه النصارى. ولم يذكر سبب التعظيم.
(٣) انظر تفسير ابن عطية ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣. وتفسير الطبري ٦/ ١٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٧٦. وفد روى ابن أبي حاتم نحو هذا عن ابن عباس وصحح سنده ابن كثير. [انظر منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب ص ٦٠ - ٦١].
[ ١ / ٣٤٣ ]
ولما تكلم" السّهروردي" «١» في كتاب" التنقيحات" في التواتر وشروطه في أصول الفقه تعرضت «٢» له قصة الصلب/ فقال:" ولو لم يصلب عيسى لم يبق على المحسوسات اعتماد".
قلت: هذا حاصل ما أورده على هذا السؤال.
والجواب:
أما الآية الكريمة المخبرة بنفي قتل المسيح وصلبه فنعتقد أنها حق وصدق ونتمسك بها على القطع بذلك لأنها عندنا صادرة عن الحكمة والعلم الإلهيين «٣» بواسطة العصمة النبوية وهي منقولة إلينا بالتواتر.
وأما ما حكاه عن" ابن عطية" في تفسير قوله: شُبِّهَ لَهُمْ: فذاك مما لم يختص بنقله" ابن عطية" بل ذكره جميع مفسري القرآن الكريم «٤» قديمهم وحديثهم على اختلاف بينهم في ذلك «٥». فقال ابن سمعان، ومحمد بن إسحاق:" إن
_________________
(١) الفيلسوف المتلقب بشهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك، يوصف بأنه أحد الأذكياء. برع في علم الكلام والجدل والمناظرة مستهزئا بالعلماء ظهر للعلماء منه زندقة وانحلال، فكتبوا بذلك إلى صلاح الدين الأيوبي﵀- فأمر بقلته سنة ٥٨٧ هـ. [انظر ترجمته في شذرات الذهب ٤/ ٢٩٠، والنجوم الزاهرة ٦/ ١٤٤، والأعلام ٨/ ١٤٠].
(٢) في (ش): فعرضت.
(٣) لو قال﵀-:" لأنها عندنا كلام الله الموحى به إلينا بواسطة الرسول﵇- وهي منقولة إلينا بالتواتر" لكان أولى وأصح من هذا التعبير الكلامي.- والله أعلم-.
(٤) " الكريم" ليست في (م) و(ش).
(٥) انظر في ذلك تفسير ابن عطية ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣، وتفسير الطبري ٦/ ١٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٧٦.
[ ١ / ٣٤٤ ]
الذي ألقي عليه شبه عيسى هو رجل من أصحابه يقال له" سرجس «١» " وقال وهب بن منبه «٢»:" هو يهوذا «٣» الذي أسلمه، ودل عليه، وهو الذي اسمه في الإنجيل: يهوذا الاسخريوطي «٤» ".
قلت: وهذا أشبه. لأن عادة الله- سبحانه- جرت في أنبيائه أن يرد كيد من عاداهم عليه/، كنوح إذ كاده قومه فنجا وغرقوا «٥». وإبراهيم إذ ألقي في
_________________
(١) في النسخ الثلاث: جرجيس. وما أثبته من رواية الطبري عن ابن اسحاق من طريقين، وهو الصواب وقد تقدم ذكره، ثم إن جرجيس ذكر أنه لم يدرك عيسى﵇- وإنما جرجيس هذا أدرك بعض الحواريين فقط. [انظر تفسير الطبري ٦/ ١٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٧٦].
(٢) أبو عبد الله: وهب بن منه بن كامل بن سيج بن ذي كبار الأبناوي اليماني الذماري الصنعاني التابعي الفاضل العلامة الأخباري القصصي أخو همام، ومعقل وغيلان أبناء منبه، ولد في زمن عثمان سنة أربع وثلاثين. روايته للمسند قليلة وإنما غزارة علمه في الإسرائيليات، ومن صحائف أهل الكتاب. توفي سنة عشر ومائة، وقيل: غير ذلك. [انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٤٤ - ٥٥٦، طبقات ابن سعد ٥/ ٥٤٣، البداية والنهاية ٩/ ٢٧٦، وغيرها].
(٣) في (م): يوذا.
(٤) هو الذي يدعي النصارى أنه من الحواريين، تلاميذ المسيح﵇- الاثنى عشر، وأنه ارتد ودل على المسيح﵇- حين خرج اليهود لطلبه ليقتلوه، وكانوا لا يعرفون المسيح فقال يهوذا: الذي أقبله فهو يسوع، فإذا فعلت فأنتم وذاك، فقبضوا على المسيح﵇- على زعم النصارى وصلبوه. [انظر الفصل ٢/ ٨٩، وإنجيل متى الأصحاح: ٢٦، وإنجيل مرقس الأصحاح: ١٤، وإنجيل لوقا الأصحاح: ٢٢].
(٥) قال الله تعالى: وقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا. [سورة الفرقان: ٣٧] وسورة نوح بأكملها توضح هذا الأمر.
[ ١ / ٣٤٥ ]
النار فكانت عليه بردا وسلاما ثم هلك فرعونه «١». وموسى إذ عاد مكر فرعونه عليه فأغرق «٢».
وقارون إذ قذف موسى بالزنا ليقتله، أو يغض منه فخسف به «٣». وعيسى مكر به يهوذا فعاد مكره عليه. ومحمدﷺ- «٤» إذ قال الله سبحانه له: وإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) «٥» وقال الله سبحانه: ولا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
_________________
(١) قال الله تعالى ولَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ إلى قوله تعالى: قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ. [سورة الأنبياء: ٥١ - ٧٠].
(٢) قال الله تعالى: وفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ، فَأَخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وهُوَ مُلِيمٌ [سورة الذاريات: ٣٨ - ٤٠] والآيات في هذا كثيرة جدا.
(٣) قال الله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ إلى قوله تعالى: فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الْأَرْضَ [سورة القصص: ٧٦ - ٨١]. وروي عن ابن عباس في تفسير هذه الآيات قال:" لما أمر الله تعالى برجم الزاني عمد قارون إلى امرأة بغي وأعطاها مالا وحملها على أن ادعت على موسى أنه زنى بها وأنه أحبلها فعظم على موسى ذلك وأحلفها بالله الذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت. فتداركها الله فقالت: أشهد أنك بريء، وأن قارون أعطاني مالا، وحملني على أن قلت ما قلت، وأنت الصادق وقارون الكاذب، فجعل الله أمر قارون إلى موسى وأمر الأرض أن تطيعه. فجاءه وهو يقول للأرض: يا أرض خذيه وهي تأخذه شيئا فشيئا وهو يستغيث يا موسى إلى أن ساخ في الأرض هو وداره وجلساؤه الذين كانوا على مذهبه". [انظر تفسير القرطبي ١٣/ ٣١٠ - ٣١١، والبداية والنهاية ١/ ٣١٠].
(٤) " وسلم": ليست في: (م)، (ش).
(٥) سورة الأنفال، الآية رقم: ٣٠.
[ ١ / ٣٤٦ ]
إِلَّا بِأَهْلِهِ «١» وقال في قوم صالح حين أرادوا تبييته «٢»: ومَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) «٣».
وأما قوله:" إن ذلك باطل بالتواتر عند الأمتين اليهود والنصارى ومؤرخي المجوس".
فجوابه: أن المدعى تواتره عند اليهود والنصارى: ما هو صلب إنسان مطلق؟ أو صلب إنسان مقيد بأنه «٤» المسيح؟ الأول: مسلم ونحن أيضا نوافق عليه وهو جرجيس، أو يهوذا «٥» كما سبق عن ابن إسحاق ووهب. والثاني: ممنوع وهو «٦» محل النزاع. وسنبين مستند المنع في آخر هذا الجواب «٧».
وأما مؤرخو المجوس فالجواب عن تأريخهم بذلك من وجوه:
_________________
(١) سورة فاطر، الآية: ٤٣.
(٢) التبييت: قصد العدو ليلا. [انظر مفردات الأصبهاني ص: ٥٩، وتفسير القرطبي ١٣/ ٢١٦].
(٣) سورة النمل، آية: ٥٠.
(٤) في (م): كأنه.
(٥) في (م) " أيوذا" وفي (ش) يودا وهي في (أ): مصححة من" يوذا" إلى يهوذا.
(٦) في (م): فهو.
(٧) وقد استوفى ذلك أيضا أبو عبيدة الخزرجي في مقامع هامات الصلبان" بين الإسلام والمسيحية" ص ١٩٢ - ١٩٦، والإمام القرافي في الأجوبة الفاخرة الباب الثاني: السؤال الثاني.
[ ١ / ٣٤٧ ]
أحدها: أنهم لم يكونوا حاضري قضية المسيح ولا أحد منهم. فمدار اعتقادهم صلبه على خبركم وخبر اليهود، ولا حجة فيه؛ لأن أحد الأمر اشتبه على من حضر القصة بأن أظلمت الأرض ظلمة شديدة، صرح بها الإنجيل «١» وغيره ففي تلك الظلمة أطلقت الملائكة المسيح وربطت الذي ألقي عليه شبهه مكانه فاعتقدتم أنتم: أن المسيح صلب. وقوّى ذلك الاعتقاد/ في نفوسكم: حنقكم على اليهود، وحب تقرير الظلم «٢» والعدوان عليهم، واعتقدت ذلك اليهود كما اعتقدتموه، وحملهم على ذلك الاعتقاد: حب الغلبة والظفر بمن اعتقدوه عدوا لهم ولو وفّقوا لتابعوه. فعليهم وعليكم من الله ما تستحقونه.
الوجه الثاني: أنا أجمعنا وإياكم «٣» على ضلال المجوس، وسخافة عقولهم حيث عبدوا النار التي يوجدها الحطب، ويعدمها الماء والتراب، وانقطاع مادة الوقود فعقول هذا شأنها كيف تكون حجة على العقلاء، وإن كانوا عندكم عقلاء فاعبدوا النار معهم/ وإذا كنتم أنتم أصحاب الدعوى ندعي نحن أن الأمر اشتبه عليكم والتبس، فما الظن بقوم جهال أجانب من القضية سمعوكم واليهود «٤» ترجفون بشيء فقلدوكم فيه، وتابعوكم عليه، كما قلدوا آباءهم في عبادة النار.
_________________
(١) انظر إنجيل متى الأصحاح السابع والعشرين، وإنجيل مرقس: الأصحاح الخامس عشر، وإنجيل لوقا: الأصحاح الثالث والعشرين.
(٢) في (أ): تقرير العلم.
(٣) هكذا في النسخ الثلاث والأصح:" أنا أجمعنا نحن وأنتم على ضلال المجوس".
(٤) كلمة:" اليهود" ليست في (م).
[ ١ / ٣٤٨ ]
الوجه الثالث: أن المجوس أعداء للمسلمين «١» والنصارى واليهود مثلكم.
وشأن العدو أن يطلب لعدوه العثرات، ويتبع منه العورات، ولا شك أنهم تتبعوا عثراتكم وعثرات اليهود فوجدوها، أما عثراتكم فدعواكم التثليث وإلهية المسيح، وغير ذلك من سخافاتكم. وأما عثرات اليهود فأكثر من أن تحصى على ما دلت عليه كتب الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كقتلهم الأنبياء بغير حق وتعديهم حدود الله، وإباقهم عن الانقياد/ له ولرسله «٢» وكيدهم للمسيح «٣» وتعصبهم عليه مع اظهاره العجائب والبينات. ولمعصيتهم الله- سبحانه- سلط على أوائلهم فرعون سامهم سواء العذاب «٤» خمسمائة عام «٥» حتى استنقذهم الله بموسى، ثم كان له معهم/ من التعب ما لا يخفى. وأما المسلمون فلم يجدوا لهم عثرة يقدحون بها فيهم، فوافقوكم «٦» على صلب المسيح ليوهموا بذلك القدح في القرآن كيدا للمسلمين ولو لم يكن إلا مجرد احتمال هذا القصد منهم كان ذلك تهمة لهم تقتضي عدم الالتفات إلى مقالهم.
_________________
(١) في (م): المسلمين.
(٢) قال الله تعالى عن اليهود: وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ وباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ (سورة البقرة: ٦١] والآيات فيما ذكره الطوفي كثيرة.
(٣) في (ش): المسيح.
(٤) قال الله تعالى: وإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [سورة البقرة: ٤٩].
(٥) لا دليل على حياة فرعون هذه المدة، فلعل المقصود جميع الفراعنة، فرعون موسى ومن قبله، أو أن الناس في ذلك الزمن كانوا يعمرون فالله أعلم بذلك.
(٦) في (أ): فقوكم وفي (ش): فوافقوهم.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وأما ما ذكره من نص الكتب المقدسة ككتاب" أشعياء" و" دانيال" وإنجيل متى فجوابه من وجوه:
أحدها: الجواب العام. من عدم الوثوق بهذه الكتب لتقادم عهدها ونقلها من لغة إلى لغة وتهمة اليهود والنصارى عليها خصوصا الإنجيل فإنا قد بينا في التعليق عليه «١» ما يقيم عذرنا في عدم الوثوق به من الاختلاف والتناقض.
[الوجه الثاني: أن ما ذكره من مصحف أشعياء هو قوله في صفة المسيح:
يقاد إلى القتل] «٢» مثل الضائنة «٣» ويصمت كالخروف «٤» بين يدي الجازر ولم يفتح فاه «٥» " ولا حجة فيه على وقوع القتل بل على القود إلى القتل، ونحن نقول به: فإنهم قادوه ليقتلوه فخلصه الله بما ذكرناه، وكم من قيد إلى القتل ثم نجا فلم يقع به القتل.
نعم قد ذكر أشعياء في الأصحاح الخامس والعشرين من مصحفه «٦» في النبوة في المسيح وصلبه مع الأئمة، واحتماله للذنوب ما هو أنص من هذا في قتل المسيح وهو قوله:- وهو يعني المسيح المضروب في سبب ذوات «٧» الله المتواضع
_________________
(١) أي في كتابه: تعاليق على الأناجيل، خ.
(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من (أ).
(٣) الضائنة: الأنثى من الضأن. والمعنى: لين كأنه نعجة. [انظر لسان العرب ١٣/ ٢٥١، ٢٥٢].
(٤) الخروف: ذكر الضأن، قيل: هو ما دون الجذع من الضأن. وقيل: ولد الفرس الذي ولد في فصل الخريف. والمراد به هنا الأول. والله أعلم. [انظر لسان العرب ٩/ ٦٦].
(٥) انظر الأصحاح الثاني والخمسين من مصحف أشعياء.
(٦) في الثاني والخمسين حسب التراجم الحديثة.
(٧) هكذا في النسخ الثلاث. والحق أن يقال:" في سبب ذات الله".
[ ١ / ٣٥٠ ]
من أجلها:" يقتل من أجل إثمنا، ويتواضع من أجل إثمنا وعليه أدب سلامتنا «١»، لأن بجراحه نبرأ كلّنا نهبا مثل الغنم وأقبل كل إنسان منا إلى جانبه، والرب لقّاه خطايانا أجمعين دنا متواضعا ولم يفتح فاه، وسيق مثل الحمل للذبح وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها ولم يفتح فاه وسيق من الحبس إلى القضاء.
ومن يقدر أن يحدث بما لقي من خفيّة «٢» / لأنه رفع من أرض الحياة ودنا منه قوم من أئمة شعبي «٣» وأذن المنافق بدفنه".
قلت: فهذا فيه تصريح بالإخبار بقتله ودفنه. لكن عليه اشكالان:
أحدهما: أن في أول هذا الفصل بعينه، وهو النبوة في المسيح:" ان عبدي ليفهم ويرتفع ويتعظم ويتعالى جدا، حتى يتعجب منه/ كثير من الناس" وساق صفاته إلى أن اتصل «٤» بذكر قتله ودفنه، فهذا تصريح/ بأن المسيح عبد الله، وأنتم تقولون: هو الله، أو ابن الله، كما صرح به الإنجيل. فإن قلتم بمجموع الأمرين: أعني عبوديته وقتله، فقد خالفتم دينكم في القول بالعبودية. وإن ألغيتم الأمرين ولم تعتدوا بهما فقد سقط عنا اشكال الإخبار بالقتل، وإن قلتم بأحدهما دون الآخر وهو القتل كان ذلك ترجيحا من غير مرجح، واحتجاجا بكلام تقدحون في جزءه ثم نقابلكم بمثله، فنقول بالعبودية دون القتل.
_________________
(١) في التراجم الحديثة:" تأديب سلامنا عليه".
(٢) في (م): حقيه، وفي (ش)، (أ): حقبه.
(٣) في (أ): شعيا.
(٤) هكذا في النسخ الثلاث. والمعنى: إلى أن وصل إلى ذكر قتله
[ ١ / ٣٥١ ]
فإن قيل: ذكر العبودية حق باعتبار ناسوت المسيح، وإلهيته حق باعتبار لاهوته فكلا الأمرين صحيح. فنقول بهما ويثبت ما ادعيناه من قتله.
قلنا: هذا هوس، وأنتم عند التحقيق عاجزون عن إثباته. وقد وجهت ذلك في التعليق على الإنجيل «١».
الإشكال الثاني: أن أشعياء قبل المسيح بخمسمائة عام أو نحوها وهو يحكي ما جرى للمسيح بلفظ الماضي حيث قال:" دنا متواضعا، ولم يفتح فاه، وسيق مثل الحمل للذبح، وكان صامتا كالنعجة قدام جازرها" ونحو ذلك من صيغ الماضي وحقه أن يذكر بصيغة المستقبل. وهذا يدل على اضطراب هذا الإخبار، وكونه مدخولا «٢».
_________________
(١) انظر كتابه تعاليق على الأناجيل ص ٨ - ١٤، خ. يقول ابن تيمية﵀- في الحديث عن هذه المسألة في الجواب الصحيح ١/ ٤٧٥، ٤٧٦ بتحقيق د. علي حسن عسيري:" وقولهم إنه إله بلاهوته، ورسول بناسوته، كلام باطل من وجوه: منها أن الذي كان يكلم الناس إما أن يكون هو الله أو هو رسول الله، فإن كان هو الله، بطل كونه رسول الله، وإن كان رسول الله بطل كونه هو الله الوجه الثاني: أن خطابه خطاب رسول ونبي، كما ثبت ذلك عنه في عامة المواضع. الثالث: أن مصير الشيئين شيئا واحدا مع بقائهما على حالهما بدون الاستحالة والاختلاط ممتنع في صريح العقل الرابع: أنه مع الاتحاد يصير الشيئان شيئا واحدا فيكون الإله هو الرسول والرسول هو الإله، إذ هذا هو هذا" اهـ. مختصرا.
(٢) ويمكن أن نزيد على ذلك: أن نصوص الإنجيل والكتب النصرانية متضافرة دالة على عدم صلب عيسى﵇- بخصوصه، كما ألمح الطوفي في أول الجواب، والنصوص من تلك الكتب كثيرة ذكر القرافي﵀- منها ثلاثة نصوص كأمثلة لذلك. [انظر الأجوبة الفاخرة ص ٢٥٤ - ٢٥٦ بتحقيق الباحث. وانظر إنجيل لوقا الأصحاح التاسع والأصحاح الثالث والعشرين، وإنجيل متى الأصحاح السابع والعشرين، وإنجيل مرقس الأصحاح الخامس عشر، وإنجيل يوحنا الأصحاح التاسع عشر].
[ ١ / ٣٥٢ ]
قلت: لكن عند الإنصاف، هذا الإشكال/ لا يتجه، لأن اخبارات الله- سبحانه- كثيرا ما جاءت عن المستقبل بصيغة الماضي، وقد وقع مثله في القرآن كثيرا. والمعول عليه في الجواب عما تضمنته الكتب القديمة من قبل المسيح هو الوجه الأول، وهو القدح في صحتها، ودعواهم تواترها ممنوعة وإثباته عليهم شديد «١».
الوجه الثالث: أن هذا الخصم قدح في قوله: ورَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ (١٠٠) «٢».
وفي قصة زواج موسى على أن يؤجر نفسه ثماني حجج بأن ذلك لم يذكر في التوراة فنحن أيضا نقدح في دعواه صلب المسيح وقلته بعين ذلك، وهو أنه لم يذكر في التوراة، حيث جمع" إسرائيل" «٣» بنيه بمصر قبيل موته، وأخبرهم بما
_________________
(١) قلت: دعواهم التواتر باطل لأنه جهل بحقيقة التواتر الذي تميزت به أمة محمد ﷺ. لأنه: ما أخبر به قوم يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب وأسندوه إلى شيء محسوس" وشروطه: أن يكون المخبر عنه أمرا محسوسا باشره المخبرون به لا غيرهم. واستواء الطرفين والواسطة. وهذا لم يتوفر عند النصارى واليهود والمجوس في هذه القضية. لأن أصلهم في الإخبار عنها- وهم الطرف الأول- لم يكونوا عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب. لأن الحواريين فروا عنه حين قاده الوزعة من اليهود للقتل- على زعمهم- ثم إن المباشر للصلب هم الوزعة وأعوان الولاة. وفي العادة أنهم يكونون نفرا قليلا كالثلاثة ونحوها فيجوز عليهم الكذب، مع أنهم أعداء نبي لا يصدقون فيما يقولونه في أمره. وبذلك انخرمت الثقة بالأصل فلم نثق بما يتفرع عنه. وبهذا يبطل ادعاؤهم التواتر. من اليهود والنصارى والمجوس. [انظر في هذه المسألة بتوسع: الأجوبة الفاخرة للقرافي ص ٢٤٥ - ٢٥٣] بتحقيق الباحث.
(٢) سورة يوسف، آية: ١٠٠.
(٣) يعقوب ﵇.
[ ١ / ٣٥٣ ]
يكون لكل منهم في مستقبله.
فإنه تغيظ «١» على" روبيل" «٢» وقال له:" نجست فراشي" يعني كونه وطئ سرية أبيه- وقال:" لا يفقد الملك والنبوة والكهنوت من سبط «٣» يهوذا ومن بين فخذيه. حتى يأتي من هي له، وإياه تنتظر الشعوب. الرّابط في الشجرة جحشه «٤». وفي القضيب «٥» ابن أتانه «٦» تحمر من الخمر عيناه، وأشد بياضا من اللبن أسنانه" «٧».
وهذه صفات المسيح بلا شك «٨»، ولم يذكر أنه يقتل ولا يصلب. فإن قيل: ثبت قتله بزيادة مقبولة من الأنبياء كما ذكر عن شعياء ودانيال والإنجيل.
_________________
(١) تغيظ: أي غضب. [انظر مختار الصحاح ص ٤٨٧].
(٢) أحد أبناء يعقوب﵇- الأحد عشر كما في كتب النصارى واليهود.
(٣) السبط: ولد الولد مهما نزل. كأنه امتداد للفروع [انظر المفردات للراغب ص ٢٢٢].
(٤) الجحش: ولد الأتان، أو ولد الحمار الوحشي والأهلي. [انظر المصباح المنير ١/ ١١٢، ولسان العرب ٦/ ٢٧٠].
(٥) في (أ):" جحشه في القضيب ابن أتانه ". والقضيب: نوع من الشجر ينبت في مجامع الشجر، يتخذ منه القسي والأسهم. [انظر لسان العرب ١/ ٦٧٩ - ٦٨٠].
(٦) أتانه: أنثى الحمار. [انظر لسان العرب ١٣/ ٦، والمصباح المنير ١/ ٧].
(٧) انظر أول الأصحاح التاسع والأربعين من سفر التكوين.
(٨) هذا على اعتقاد النصارى واليهود الذين يلفقون بالأنبياء﵈- ما لا يليق بهم، وإلا فإن وصف المسيح﵇- بهذا لا يليق.
[ ١ / ٣٥٤ ]
قلنا: ورفع أبوي يوسف على العرش وايجار موسى نفسه ثماني سنين ثبتت «١» بزيادة مقبولة «٢» / على لسان محمد في القرآن. وهي زيادة مقبولة «٣».
فإن قيل: لكن زيادة قتل المسيح ثبتت على لسان من اتفقنا على نبوته وصدقه، وزيادة رفع أبوي يوسف، وايجار موسى نفسه ثبتت على لسان من اختصصتم/ باعتقاد نبوته، وخالفناكم نحن فيها، ولم نوافقكم عليها.
قلنا: هو كذلك لكن عدم موافقتكم على صدقه لا يقدح في نبوته وصدقه/ لأنكم أنتم وافقتم اليهود على صدق موسى والتوراة، وخالفوكم في صدق المسيح والإنجيل. ولم يكن ذلك قادحا في صدقهما، باتفاق منا ومنكم.
فإن كان عدم وفاقكم لنا على صدق محمد قادحا فيه، لزمكم أن يكون عدم وفاق اليهود لكم على صدق المسيح قادحا فيه، والجواب مشترك «٤».
وأما ما ذكر عن" السّهروردي" من «٥» قوله:" لو لم يصلب عيسى، لم يبق على المحسوسات اعتماد" وهو من أكابر فلاسفة الإسلام. فليس صحيحا عن
_________________
(١) في (م): ثبت.
(٢) هكذا في النسخ الثلاث، والأبلغ حذف" مقبولة" الأولى. أو حذف عبارة:" وهي زيادة مقبولة".
(٣) هكذا في النسخ الثلاث، والأبلغ حذف" مقبولة" الأولى. أو حذف عبارة:" وهي زيادة مقبولة".
(٤) قلت: قولهم في الاتفاق على صدق عيسى﵇- واختصاصنا بتصديق محمد ﷺ يرد عليه بأننا نحن وإياهم اتفقنا على صدق عيسى﵇- فيما جاء به من الله ومما جاء به من الله وجوب التصديق بمحمد ﷺ، ولا يكون اتفاقنا نحن وإياهم إلا على هذا وإذا حصل الاتفاق على ذلك حصل الاتفاق على تصديق محمد ﷺ وإن خالفونا في ذلك فقد كذبوا بعيسى﵇- ولم يوافقونا على تصديقه﵇- وعند ذلك لا حجة لهم علينا. فهم مكذبون لهما معا.
(٥) في (أ): عن قوله.
[ ١ / ٣٥٥ ]
السّهروردي. وإنما حكى ذلك حكاية عن بعض من نازع في بعض أحكام التواتر.
من نظر ذلك في كتابه وجده، ولم يتفق لي حكاية لفظه «١».
وبتقدير صحته عنه. فالجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن هذا الرجل المذكور رجل غلبت عليه الفلسفة، ثم انسلخ منها إلى الزندقة «٢»، حتى قتل في" حلب" «٣» بسيف الشرع، فليس قوله حجة على الله ورسوله، والقرآن وإجماع المسلمين.
وقوله:" كان من أكابر فلاسفة الإسلام" غلط. فإن الفلسفة «٤» التي كان يتعاناها «٥» هذا وأصحابه ليست من الإسلام في شيء. وكيف يكون من الإسلام ما يقدح فيه، ويقوض مبانيه؟ وإنما الإسلام انقياد واستسلام لأحكام العزيز العلام
_________________
(١) قلت: وأنا كذلك لم يتفق لي الاطلاع على كتاب التنقيحات ولم أجده حتى أنقل النص منه.
(٢) في (أ):" إلى الزايدقة": والزندقة: فارسية معربة معناها: القول ببقاء الدهر وعدم الإيمان باليوم الآخر ووحدانية الخالق. [انظر لسان العرب ١٠/ ١٤٧].
(٣) حلب: المدينة المشهورة بالشام- سورية الآن- سميت حلب لأن إبراهيم ﵇ كان نازلا بها يحلب غنمه في الجمعات، ويتصدق به فتقول الفقراء: حلب. وهو قول فيه نظر، والله أعلم لماذا سميت بذلك. عرفت حلب في التاريخ بالخيرات الواسعة وطيب الهواء. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٤١٧].
(٤) الفلسفة: كلمة أعجمية معناها: الحكمة. فيقال للحكيم فيلسوف، ولكن أصبح المسمى بذلك أهل الحكمة، ومن يقدم العقل على الوحي، ويفسر الحوادث تفسيرا عقليا. وعلى علماء الكيمياء وأهل الطبيعة، وعلى من يتنكر للدين، وتطلق تهكما على من كان شاذ الرأي [انظر لسان العرب ١٠/ ١٤٧، المعجم الفلسفي ٢/ ١٧٣ - ١٧٤].
(٥) من التعنية وهو طول الحبس، أي حبس نفسه حتى صار حبيسا لها. [انظر هامش ص: ١٥٦].
[ ١ / ٣٥٦ ]
وسنة محمد﵇- واتباع لا ابتداع. وإنما هؤلاء قوم زنادقة، ينتمون إلى الإسلام لحفظ رياستهم ودمائهم والإسلام فسيح واسع/ يقبل «١» منهم الظاهر، والله أولى بالسرائر فهم في الظاهر منه، وفي الباطن منسلخون عنه.
الثاني: أن قول «٢» " السهروردي" إن كان حجة علينا فليكن قول كل من أسلم من النصارى، ثم عاد بالقدح على دين النصرانية حجة عليكم، وإنما تقوم الحجة بقول المعتبرين منا، كالخلفاء الأربعة، والفقهاء السبعة «٣». والأئمة الأربعة أو من هو معتبر في الإجماع من أهل الحل والعقد كما لا تقوم حجتنا عليكم إلا بمن تعتبرون قوله منكم.
الثالث: أن" السهروردي" لم يكن عالما بأصول الشرائع والنبوات على الوجه المعتبر فيها، حتى يكون قوله حجة لها وعليها. إنما كان علمه فلسفة محضة وعقليات صرفة وليس له تصنيف إلا في ذلك كاللمحات والألواح «٤» والإشراق «٥» وغيرها. وهذه" التنقيحات" لا يعتمد/ عليها من المسلمين في أصول الفقه إلا من هو على طريقه في الانحراف إلى الفلسفة، والخلو من علم النبوة وقد
_________________
(١) في (ش): فقبل.
(٢) في (أ):" أن قوله".
(٣) الفقهاء السبعة هم التابعون: سعيد بن المسيب بن حزن عالم المدينة المتوفى سنة أربع وتسعين للهجرة، وعروة بن الزبير بن العوام المتوفى سنة أربع وتسعين أيضا، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المتوفى سنة أربع وتسعين أيضا، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة المتوفى سنة ثمان وتسعين للهجرة، وخارجة بن زيد بن ثابت المتوفى سنة مائة للهجرة، وسليمان بن يسار المتوفى سنة سبع ومائة للهجرة، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المتوفى سنة سبع ومائة أيضا. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٤١٦، ٤٢١، ٤٣٧، ٤٧٥، وشذرات الذهب ١/ ١٣٤، ١٣٥، والنجوم الزاهرة ١/ ٢٢٨].
(٤) الألواح العمادية.
(٥) اسمه: حكمة الإشراق.
[ ١ / ٣٥٧ ]
رأيتها وهي كثيرة التشكيك، لا يكاد يبني شيئا إلا ويهدمه ولا ينصر قولا إلا ويخذله وأنت أيها الخصم قد قدمت عند ذكرك ضرورة الخلق إلى النبوة ومنفعتها:
إن العقل لا يستقل «١» بإدراك الأمور الإلهية بدون تأييد إلهي.
الرابع: قوله:" لو لم يصلب المسيح لم يبق على المحسوسات اعتماد" إن أراد لم يبق عليها اعتماد مع عدم المعارض لها فلا نسلم أن ذلك لازم لعدم صلب المسيح، وإن أراد مع وجود المعارض/ فهو صحيح، فإن مدارك العلم إما حس أو عقل أو مركب منهما. وكلها قد تخلف مع وجود المعارض. أما الحس فكما في التخييلات/ السحرية والشعبذية وكعدم «٢» إدراك الصوت للصمم «٣» والريح للخشم «٤» والطعم للمرة، واللمس لفساد في آلته، أو لعلة في محله، وأما العقل فكما يعرض للإنسان عند غلبة السوداء «٥» أو الحزن أو الفرح المفرطين أو السكر ونحوه من المغيّبات كالنوم والإغماء فإنه يرى الحقائق منقلبة، والأمور مضطربة، وأما المركب منهما فكخبر الواحد إذا كان في طريقه كذاب. وكالتواتر إذا فقد فيه شرط.
_________________
(١) في (ش): المستقل.
(٢) في (ش): لعدم.
(٣) الصّمم: الأصم الذي فقد حاسة السمع [انظر لسان العرب ١٢/ ٣٤٢].
(٤) الخشم: يطلق على من كسر خيشومه، وعلى الداء الذي يأخذ في جوف الأنف فتتغير رائحته، وعلى سقوط الخياشيم وانسداد المتنفس، والذي يصيبه آفة من هذه الآفات لا يكاد يشم شيئا. [انظر لسان العرب ١٢/ ١٧٨ - ١٧٩].
(٥) السوداء: أحد الأخلاط الأربعة التي زعم الأقدمون أن الجسم مهيأ عليها، بها قوامه، ومنها صلاحه وفساده وهي: الصفراء، والدم، والبلغم والسوداء، وهي عند قدماء الأطباء خليط أسود، وهي عكر الدم الطبيعي وتطلق عند المحدثين على الاضطرابات المصحوبة بالحزن العميق المزمن، والتشاؤم العام الدائم، وهبوط النشاط الحركي، وفقدان الاهتمام بالعالم الخارجي، والأرق، ورفض الغذاء. [المعجم الوسيط ١/ ٤٦١، والمعجم الفلسفي ١/ ٦٧٦].
[ ١ / ٣٥٨ ]
وأما البرهان على أن المسيح لم يصلب ولم يقتل فهو: أن قتله إن لم يكن [أشهر] «١» من ولادته من غير ذكر، فهو مثله في الشهرة، ولا بدّ. ثم إن ولادته من غير ذلك لما كان له وجود، تواتر تواترا لم يختلف فيه اثنان «٢» منا ومنكم فلما اختلفنا في قتله، دل على أنه لم يبلغ تلك المرتبة من التواتر فلم يثبت بمجرد الدعاوى أو الحجج الضعيفة «٣» وإنما كان الأمر في ذلك مشتبها «٤» كما نص عليه القرآن فاشتبه عليكم.
يؤكد «٥» ذلك: أن المسيح طبق ذكره الآفاق، لما ظهر على يده من الخوارق وقتل مثل هذا لا يقبل مثل هذا النزاع لما يجب له في مطرد العادات من الشهرة والغلبة، وإذا كان يحيى وزكريا دونه في الشهرة بكثير، ثم لم يختلف في قتلهما.
فما الظن بالمسيح الذي أجمعنا على أنه أفضل أنبياء بني إسرائيل «٦» وأنتم تدعونه إلها؟ «٧».
_________________
(١) في (أ):" إن لم يكن اسمه من ولادته "، وفي (م):" فهو أن يقال إن لم تكن ولادته من غير ذكر فهو مثله في الشهرة" ومكان العبارة في (ش) بياض وما أثبته هو الصحيح والله أعلم.
(٢) في (ش): إنسان.
(٣) عبارة:" أو الحجج الضعيفة" مكررة في (أ).
(٤) في (ش): مشبها.
(٥) في (م):" وكذلك أن المسيح ".
(٦) لا شك أن عيسى﵇- من أولو العزم من الرسل وهم أفضل من سائر الرسل، وأنه من أفضل أنبياء بني إسرائيل، ولكن لم أجد دليلا على أنه أفضلهم، فموسى﵇- أيضا من أفضل أنبياء بني إسرائيل وأيهما أفضل؟ الله أعلم. ونحن لا نفضل نبيا بعينه على آخر بعينه، ولم يرد نص يفضل أحدهما على الآخر.
(٧) قلت: الطوفي﵀- يريد أن يرد على النصراني تكذيب القرآن والمسلمين بإلقاء الشبه على عيسى﵇- والنصارى دائما يقولون إن ذلك يفضي إلى السفسطة والدخول في الجهالات. ويمكن أن يرد عليهم من وجوه أذكرها باختصار وهي:-
[ ١ / ٣٥٩ ]
[أين تغرب الشمس كل يوم وموقف النصراني من ذلك]
قال:" وفي سورة الكهف عند ذكر ذي القرنين «١». قال: حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (٨٦) «٢» قال ابن عطية: على وزن
_________________
(١) - ١ - أن الله قادر على إلقاء الشبه من غير استحالة، ولا يخالف في ذلك إلا معاند لا يعترف بقدرة الله تعالى إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة يس: ٨٢].
(٢) أن الحس إنما يعلم صورة الأمر لا حقيقته لأن ذلك إنما يعلم بقرائن الأحوال إن وجدت أو بأخبار الأنبياء﵈- عن الله تعالى، الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا.
(٣) مما يدل على أن الحس لا يفرق بين المتماثلات ما قاله القرافي﵀- في الأجوبة الفاخرة [ص ٢٤٩ - ٢٥٠ بتحقيق الباحث]:" أنا لو وضعنا في إناء رطلا من الماء أو الزيت أو نحو ذلك، ثم أريناه لإنسان ثم رفعنا ذلك المائع ووضعنا فيه رطلا آخر من ذلك المائع ثم أريناه لذلك الإنسان وقلنا له هذا الماء هو عين الماء الأول أو مثله؟ فإنه إذا أنصف يقول: الذي أدركه بحسي أن هذا ماء بالضرورة، أما أنه عين الأول أو مثله فلا أعلم لكن الحس لا يحيط بذلك " اهـ.
(٤) يجوز أن يخرق الله العادة لعيسى﵇- بخلق شبهه في غيره- كما أخرق له العادة في إحياء الموتى وغير ذلك- ثم يرفعه ويصونه عن إهانة أعدائه، وهذا لائق بالأنبياء. وهو اللائق بالآية ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: ١٥٧] والله أعلم.
(٥) أحد من ملكهم الله أمر الدنيا وحكى الله أمره في سورة الكهف من الآية رقم ٨٣ إلى ٩٨، واختلف في اسمه: فقيل هو الإسكندر المقدوني اليوناني، وقيل اسمه هرمس، وقيل: اسمه هرديس، وقيل غير ذلك، واختلف أيضا في تسميته" ذي القرنين" فقيل: كان ذا ظفيرتين من شعر فسمى بهما، وقيل: لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا، وقيل غير ذلك وهو أحد ملوك الدنيا كما قيل: ملوك الدنيا كلها أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود وذو القرنين، والكافران نمروذ وبختنصر. وقد اختلف في نبوته. [انظر تفسير القرطبي ١١/ ٤٦ - ٤٨، والبداية والنهاية ٢/ ١٠٢ - ١٠٩].
(٦) سورة الكهف، آية: ٨٦.
[ ١ / ٣٦٠ ]
فعلة أي ذات حمأة، وقرأ أبو بكر عاصم «١» والباقون: في عين حامية وذكر حديث/ أبي ذر «٢» نصا في ذلك. قال:" فدل على أن العين هناك حارة" «٣» /.
قال:" وفي سورة يس مثل هذا حيث يقول: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها «٤» الآية. وذكر حديث البخاري عن أبي ذر حيث قال له النبي- صلى
_________________
(١) في (ش)، (م): أبو بكر عن عاصم. وأبو بكر عاصم بن أبي النجود اسم أبيه: بهدلة، الأسدي قرأ على زر بن حبيش على عبد الله بن مسعود﵁- على رسول الله ﷺ وقرأ أيضا على أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي، معلم الحسن والحسين وقرأ أبو عبد الرحمن هذا على الإمام علي بن أبي طالب﵁- توفي عاصم بالكوفة سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة للهجرة. [انظر مناهل العرفان ١/ ٤٥١ - ٤٥٢، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٢٥٦ - ٢٦١، وشذرات الذهب ١/ ١٧٥].
(٢) جندب بن جنادة الغفاري رابع من أسلم. كان من أوعية العلم زاهدا. مات سنة ٣٢ هـ. بفلاة وحده. [سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٦ - ٧٨].
(٣) هذه القراءة" حامية" هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي [انظر الاقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٩٢، وتفسير القرطبي ١١/ ٤٩] ولم أجد في ذلك عن أبي ذر شيئا وسوف يشير الطوفي إلى غلط ذلك وأن الرواية عن ابن عباس. والذي وجدته عن أبي ذر هو ما رواه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات حديث رقم (٤٠٠٢) قال:" كنت رديف رسول الله ﷺ وهو على حمار والشمس عند غروبها، فقال: «هل تدري أين تغرب هذه؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تغرب في عين حامية».
(٤) سورة يس، الآية رقم: ٣٨.
[ ١ / ٣٦١ ]
الله عليه وسلم «١» -[حين غربت الشمس] «٢» أتدري أين تذهب هذه؟ قلت:
الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها» «٣».
قال:" وهذا كله بين البطلان لكل من له أدنى معرفة «٤» في الهيئة لأن الشمس تدور أبدا في فلكها، وهو الفلك الرابع، ولا تغرب في عين حامية ولا تجري لمستقر لها «٥»، لأنها ليس لها قرار".
قلت: الجواب عن هذا السؤال:
_________________
(١) كلمة" وسلم" ليست في (أ).
(٢) ما بين المعكوفتين زيادة من صحيح البخاري.
(٣) تتمة الحديث في البخاري:" فيقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها. فذلك قوله تعالى: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: ٣٨] [كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر] وأخرجه في مواضع أيضا بألفاظ، وأخرجه مسلم في الإيمان حديث رقم ٢٥٠، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان. عن أبي ذر بلفظ غير ألفاظ البخاري، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في طلوع الشمس من مغربها عنه بغير لفظ البخاري أو مسلم، وقال:" وفي الباب عن صفوان بن عسال وحذيفة بن أسيد وأنس وأبي موسى، وهذا حديث حسن صحيح" وفي التفسير: باب من سورة يس بلفظ مقارب للفظه الأول، وسيورد المؤلف لفظه قريبا، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٤٥ - ١٦٥).
(٤) كلمة:" معرفة" ليست في (أ).
(٥) في (ش): لمستقرها.
[ ١ / ٣٦٢ ]
أما القراءتان:" حمئة"، من الحماة و" حامية" من الحرارة فهما قراءتان صحيحتان «١»، والأولى «٢» قراءة نافع «٣» وابن كثير «٤» وأبي عمرو «٥»، والثانية
_________________
(١) انظر تفسير الطبري ١٦/ ١١ - ١٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٢، وتفسير الشوكاني ٣/ ٣٠٨، والإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٩٢.
(٢) أي قراءة:" حمئة".
(٣) هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني أحد القراء السبعة، وهو من الطبقة الثالثة بعد الصحابة، أخذ القراءة عن أبي جعفر القاري وعن سبعين من التابعين وهم أخذوا عن ابن عباس وأبي هريرة عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ، وقد انتهت إلى نافع رئاسة الإقراء بالمدينة وممن اشتهر بالرواية عنه. بلا واسطة قالون وورش. توفي نافع سنة تسع وستين ومائة وقيل تسع وخمسين ومائة بالمدينة. [انظر وفيات الأعيان ٥/ ٣٦٨، مناهل العرفان ١/ ٤٥٤، سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٣٦ - ٣٣٨].
(٤) أبو محمد أو أبو معبد عبد الله بن كثير بن عمرو بن عبد الله الكناني الداري- بطن من لخم أو نسبة إلى دارين بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند- وكان عطارا وأصله فارسي، كان إمام القراءة في مكة لقي من الصحابة عبد الله بن الزبير، وأبا أيوب الانصاري، وأنس بن مالك. روى القراءة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي عن رسول الله ﷺ. كانت ولادته أيام معاوية وتوفي سنة عشرين ومائة للهجرة [انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ١/ ٧٧ - ٧٩، ومناهل العرفان ١/ ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٨ - ٣٢٢].
(٥) زبان بن العلاء بن عمار بن الغربان البصري، اختلف في اسمه فقيل زبان وقيل العريان وقيل يحيى وقيل غير ذلك كان من أعلم الناس بالعربية والقرآن والشعر وأيام العرب وأيام الناس، قرأ على جماعة منهم الحسن البصري، مات سنة أربع أو سبع وخمسين ومائة. (انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ١/ ٩٢ - ٩٤، وفوات الوفيات ٢/ ٢٨ - ٢٩).
[ ١ / ٣٦٣ ]
قراءة الباقين «١». والخبط في نقل «٢» مذهب القراء فيها لا أدري هل هو من هذا الخصم أو من غيره" وقد روى ابن عباس «٣» عن أبي بن كعب «٤»: أن النبي ﷺ قرأ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ رواه أبو داود «٥» والترمذي «٦». وقال: حديث غريب.
_________________
(١) ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي.
(٢) «نقل» ليست في (ش).
(٣) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ حبر الأمة وفقيه العصر، وإمام التفسير، ولد بشعب أبي طالب أيام الحصار أيام الحصار قبل الهجرة بثلاث سنوات تقريبا، مسح النبي ﷺ على رأسه ودعا له بالحكمة، وقال ﷺ" اللهم علمه تأويل القرآن" كان عمر يدنيه من مجلسه وهو صغير السن لكثرة علمه، ذهب بصره في آخر حياته. توفي سنة ثمان أو سبع وستين للهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٣٣١ - ٣٥٨] وغيره.
(٤) أبو منذر أبي بن كعب بن قيس بن عبيد سيد القراء الأنصاري البدري ويكنى أبا الطفيل، شهد العقبة وجمع القرآن في عهد النبي ﷺ وكان رأسا في العلم والعمل، قال له النبي ﷺ: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن» وفي لفظ (أمرني أن أقرئك القرآن) قال: الله سماني لك؟ قال: (نعم) قال وذكرت عند رب العالمين؟ قال: (نعم) فذفرت عيناه. قال عمر: أقضانا علي وأقرأنا أبي " مات﵁- سنة اثنتين وعشرين في المدينة وقيل: سنة ثلاثين، وقيل غير ذلك. [انظر الاستيعاب ١/ ٦٥ - ٦٩، وسير أعلام النبلاء ١/ ٣٨٩ - ٤٠٢].
(٥) تقدمت ترجمته في ص: ١٧٥ - ١٧٦ من قسم الدراسة.
(٦) تقدمت ترجمة الترمذي والحديث. أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات بلفظ" سمعت ابن عباس يقول أقرأني أبي بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مخففة، وأخرجه الترمذي بلفظ الطوفي، في كتاب القراءات باب ومن سورة الكهف وقال:" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والصحيح ما روي عن ابن عباس قراءته. ويروى أن ابن عباس-
[ ١ / ٣٦٤ ]
قال والصحيح: أنها قراءة ابن عباس لأنه اختلف هو وعمرو بن العاص «١» فيها وترافعا إلى كعب الأحبار «٢»، ولو كان عنده فيها رواية لاكتفى بها.
ووجه الجمع بين القراءتين: أن تلك العين حارة، وهي ذات حماة، فإن اجتماع الأمرين جائز غير ممتنع. وأما حديث أبي ذر فلفظه على ما رواه الترمذي وغيره قال:" دخلت المسجد حين غابت الشمس، والنبيﷺ- «٣» جالس. فقال [النبيﷺ- «٤»] «أتدري يا أبا ذر
_________________
(١) - وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي ﷺ لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب" اهـ. قلت: أبو داود والترمذي اتصل سندهما إلى محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدّع أبي يحيى عن ابن عباس عن أبي.
(٢) عمرو بن العاصي- بالياء وبحذفها- بن وائل بن هاشم القرشي السهمي أسلم سنة ثمان من الهجرة مع خالد بن الوليد، كان من شيعة معاوية، وأحد الحكمين، وداهية قريش، ورجل العالم، يضرب به المثل في الفطنة والدهاء، فتح فلسطين ومصر، توفي سنة ثلاث وأربعين. [انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٥٤ - ٧٧، والاستيعاب ٤/ ١١٨٤ - ١١٨٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٣٠].
(٣) كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر، كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي ﷺ وقدم المدينة في خلافة عمر﵁- فجالس الصحابة، وكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويأخذ السنن عن الصحابة، وكان حسن الإسلام متين الديانة من نبلاء العلماء، طعن فيه بعض كتاب العصر الحاضر مثل أحمد أمين ومحمد رشيد رضا، ورد الطعن محمد حسين الذهبي، توفي كعب في خلافة عثمان﵁- سنة اثنتين وثلاثين بحمص (انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ٤٨٩ - ٤٩٤، والتفسير والمفسرون ١/ ١٨٧ - ١٩٤).
(٤) " وسلم" ليست في (أ).
(٥) زيادة من الترمذي في التفسير.
[ ١ / ٣٦٥ ]
أين تذهب هذه؟ " قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال/: فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها وكأنها قد قيل لها: اطلعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها" قال: ثم قرأ (ذلك مستقر لها) «١» قال: وذلك قراءة عبد الله «٢»، قال الترمذي: هو حسن صحيح «٣». وأخرجاه في الصحيحين، ورواه أبو داود والنسائي «٤».
ووصف الشمس بالسجود وخطا بها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، فيجب تلقيها عن أصحاب الشرائع بالقبول، كما سبق تقريره في المقدمة الثانية في صدر الكتاب.
_________________
(١) في (أ) وفي رواية الترمذي الأخرى في الفتن، (وذلك مستقر لها) وما أثبته من روايته الأخرى في التفسير ومن صحيح البخاري [كتاب التوحيد باب:" وكان عرشه على الماء "].
(٢) أي عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب، أبو عبد الرحمن الهذلي البدري، حليف بني زهرة، سادس من دخل في الإسلام، وفقيه الأمة وحبرها، قال له النبي ﷺ: «إنك غليّم معلم» طلب المشركون ذات يوم من النبي ﷺ أن يطرده وبعض الصحابة معه فأنزل الله تعالى: ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ الآية [الأنعام ٥٢، ٥٣] خدم النبي ﷺ، وهو من أقرأ الناس لكتاب الله. مات بالمدينة ودفن بالبقيع سنة اثنتين وثلاثين﵁-[انظر سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦١ - ٥٠٠، والاستيعاب ٣/ ٩٨٧ - ٩٩٤].
(٣) هذا اللفظ للترمذي، وأخرجه البخاري ومسلم وأحمد كما ذكرت في ص: ٣٦٢، وأما الذي أخرجه أبو داود فهو حديث أبي ذر:" هل تدري أين تغرب هذه"؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية" [انظر الهامش رقم ٣ ص ٣٦١ من هذا الكتاب، والنسائي لم يخرج حديث سجود الشمس في الصغرى، ولكن أخرجه في التفسير من السنن الكبرى وفيه اختلاف في الألفاظ وزيادات [انظر فتح الباري ٨/ ٥٤١، تحفة الأشراف ٩/ ١٨٩].
(٤) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ٦١.
[ ١ / ٣٦٦ ]
وأما معنى غروبها في عين حامية، [ففيه تأويلات:
أحدها: أنها تغرب فيها في رأي العين «١»، لا الحقيقة كما يرى كأنها تغرب في البحر أو من وراء الجبل،/ بل من وراء جدار صغير، بحسب اختلاف مناظرها وأوضاع الناظرين إليها.
الثاني: أن" في" بمعنى على: أي تغرب على عين حامية،] «٢» أي تكون مقابلة لها، وحروف الصفات يقع بعضها موقع بعض كما قال تعالى: ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «٣» أي عليها «٤»، وقال عنترة «٥»:
بطل كأن ثيابه في سرحة «٦»
أي عليها.
وعلى بمعنى" في"، كقول «٧» أبي كبير الهذلي «٨»
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ١١/ ٥٠.
(٢) ما بين المعكوفتين ليس في (ش).
(٣) سورة طه، آية: ٧١.
(٤) انظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٢٤، وتفسير الشوكاني ٣/ ٣٧٦.
(٥) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٨١.
(٦) عجز البيت: يحذى نعال السّبت ليس بتوأم وهو من معلقته الميمية المشهورة. والسرحة: شجرة لا ثمر لها إنما يستظل بها وتعرف بطول ساقها. [انظر شرح المعلقات السبع للزوزني، ولسان العرب ٢/ ٤٨٠، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٤٩٨].
(٧) في (أ): لقول.
(٨) عامر بن ثابت بن عبد شمس الهذلي، من بني سهل بن هذيل. شاعر فحل من شعراء الحماسة. قيل: إنه أدرك الإسلام وأسلم، له ديوان شعر مطبوع لم يعرف تاريخ وفاته. [انظر الإصابة قسم الكنى الترجمة (٩٦١)، والأعلام ٣/ ٢٥٠].
[ ١ / ٣٦٧ ]
ولقد سريت على الظلام بمغشم «١»
أي في الظلام.
الثالث: أنها بمعنى عند «٢». أي تغرب عند عين حامية. وقد ترد بمعنى عند، ومع في العربية. فكلام يحتمل هذه «٣» التأويلات السابقة في اللغة التي ورد بها، لا ينبغي أن يتهجم على القدح فيه.
وقد نقل بعض المفسرين عن كعب أنه قال:" في التوراة إنها تغرب في ماء وطين" «٤».
وأصحاب الهيئة يعترضون على هذا بناء على ما قرروه من أن الشمس مثل كرة الأرض مائة وإحدى «٥» وستين مرة ونصف/ وربع «٦» فكيف تسعها عين من عيون الأرض؟ والجواب بما سبق. وأما قوله:" إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى معرفة بالهيئة" فجوابه: أن علم الهيئة مبني على مقدمتين:
_________________
(١) عجز البيت: جلد من الفتيان غير مثقّل والمغشم: الجريء الماضي الذي لا يثنيه شيء عما يريد ويهوى من شجاعته. [انظر الحماسة لأبي تمام ١/ ١٣ رقم (١٢، ولسان العرب ١٢/ ٤٣٨].
(٢) انظر تفسير القرطبي ١١/ ٥٠.
(٣) في (أ): لهذه.
(٤) انظر تفسير الطبري ١٦/ ١١، وتفسير القرطبي ١١/ ٤٩.
(٥) في (أ): وأحد.
(٦) في مفتاح دار السعادة ١/ ١٩٨:" وقد اتفق أرباب الهيئة على أن الشمس بقدر الأرض مائة مرة ونيفا وستين مرة" اهـ.
[ ١ / ٣٦٨ ]
إحداهما: أن حركة «١» الأفلاك متصلة متشابهة يستحيل أن يعرض لها البطء أو السرعة «٢» أو الرجوع أو الانقطاع «٣».
والثانية: اعتبار الرصد «٤».
وقد قدح المحققون فيهما بما لا يسع هذا المكان ذكره «٥». ومنه: أن حاصل الرصد: الاعتماد على أبصار الآحاد، [والبصر لا يفيد اليقين لكثرة ما يعرض للبصر من الغلط، خصوصا مع البعد المفرط، وخبر الآحاد] «٦» إنما يفيد ظنا
_________________
(١) في (ش): حركات.
(٢) في (ش)، (أ):" والسرعة" بدون همزة.
(٣) قال الله تعالى: وهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ سورة الأنبياء: ٣٣] وقال سبحانه: وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) والْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس: ٣٧ - ٤٠].
(٤) مأخوذ من رصد أي ترقب. والراصد بالشيء: الراقب له. والمعنى رصد حركة الكواكب والأفلاك. [انظر لسان العرب ٣/ ١٧٧].
(٥) الذي يعلم بالحس حركة الأجسام المنظورة، فترى الشمس متحركة والقمر متحركا، والكواكب متحركة أما العلم بقدر حركاتها وبكسوف بعضها لبعض ونحو ذلك فليس مداره على الأرصاد. وغايته أن بعض الناس قد رأى هذا فأخبر به غيره، وليس هذا خبرا متواترا، بل غالبه خبر واحد. [انظر الرد على المنطقيين ص ٣٨٨ - ٣٨٩].
(٦) ما بين المعكوفتين ليس في (ش).
[ ١ / ٣٦٩ ]
ضعيفا «١»، ودعوى أهل الهيئة: أن علمهم ثابت بالبراهين الهندسية كذب وزور وبهتان. إذ لو كان كذلك لما وقع الخلاف العظيم بينهم في تفاصيل علمهم وجمله.
وإذا اتجه القدح في مقدمات الهيئة لم يبق بها وثوق، وصار خبر الشرع أوثق منها، على ما قدمت أنت أيها الخصم في بيان ضرورة النبوة من كلام" أرسطو" وغيره.
ثم نقول: إن علم الهيئة على تقدير صحته وثبوته لا ينفي ما فسرناه به كيفية غروب الشمس في العين الحامية.
وأما قوله:" إن الشمس تدور أبدا في فلكها،/ وهو الرابع، ولا تجري لمستقر لها" لأنه ليس لها قرار.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن يقال له: أنت إما أن تكون فيلسوفا محضا، أو مشرعا تقول
_________________
(١) هذا في غير نقل أحكام الشريعة أما في أحكامها فإن خبر الواحد المسلم المكلف العدل الذي تلقته الأمة بالقبول يعتمد عليه، وقد أخرج ابن خزيمة وصححه، وابن حبان عن ابن عباس قال:" جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إني رأيت الهلال. فقال: «أتشهد ألا إله إلا الله؟» قال: نعم. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا» وأخرجه أبو داود في الصوم، باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان حديث رقم ٢٣٤٠، ٢٣٤١، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في الصوم بالشهادة حديث رقم ٦٩١، والنسائي في الصوم، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال رمضان ..، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال، والدارمي في الصوم باب الشهادة على رؤية الهلال، وأحمد في المسند (٣/ ١١).
[ ١ / ٣٧٠ ]
بصحة الشرائع، وما جاءت به النبوات./ فإن كنت فيلسوفا ورد عليك كثير مما تقول به من أحكام التوراة والإنجيل مما تعتقد الفلاسفة فسادها.
منها: دعواك في المسيح/ أن لاهوت الله اتحد بنا سوته فصارا حقيقة واحدة، أو أن الله- سبحانه- واحد بالذات، متعدد بالأقانيم «١» التي هي الله «٢» والابن وروح القدس «٣». وإن كنت مشرعا فيلزمك تجويز أن الشمس يمكن أنها تستقر وتقف، فإنه قد ثبت باتفاقنا: أن يوشع بن نون وقفت له الشمس عن سيرها ليلة السبت، حتى فرغ من قتال الجبارين. وقد ذكرته أنت في كتابك هذا عند بيان وجود النبوة «٤».
وثبت أيضا في الأصحاح الثامن عشر «٥» من مصحف أشعياء أن الله سبحانه
_________________
(١) الأقانيم: جمع أقنوم، وهو الأصل، وهي كلمة سريانية، معناها: شخص أساسي، أو شخص رئيس، وهي الكلمة اليونانية" نوموس ومعناها قانون، ولذا فضلت الكنائس الشرقية استعمال لفظ أقنوم على لفظ شخص، لأن المقصود في التثليث بالأقنوم كيان ذاتي أو في الذات. [انظر أقانيم النصارى للدكتور أحمد السقا ص ٩، نقلا عن كتاب دراسات في الكتاب المقدس، وانظر هامش ص ٧٥ من كتاب بين الإسلام والمسيحية للخزرجي، ولسان العرب ١٢/ ٤٩٦].
(٢) في (أ): التي هي اللات والابن وفي (ش): الأب.
(٣) وهذا مذهب الملكانية واليعاقبة من النصارى. [انظر الفصل في الملل والنحل ١/ ١١٠ - ١١٢، وتاريخ ابن البطريق ص ١٥٦، ٢٠١].
(٤) انظر ص: ٢٥٢ من هذا الكتاب.
(٥) الأصحاح الثامن والثلاثون من سفر أشعياء في التراجم الحديثة.
[ ١ / ٣٧١ ]
رد الشمس إلى خلفها عشر درجات علامة لحزقيا «١» ملك بني إسرائيل على أنه ينفس له في عمره خمس عشرة سنة بعد أن حضره الموت والقصة «٢» مشهورة «٣».
ومثل هذا لا يصح في علم الهيئة بناء على المقدمة المذكورة، وأن حركة الأفلاك متصلة. ويقال: إن من حين وقوف الشمس لهذين النبيين «٤» تخبط حساب المنجمين، واختلط رأيهم فالله أعلم.
وأما أنك تكون تارة فيلسوفا وتارة مشرعا. فهذا مما لا يمكن لأن الفلسفة والتشريع لا يجتمعان. وقد حاول قوم منهم أبو الوليد بن رشد الجمع بينهما فلم يحصل إلا على الحيرة «٥»، وظهر أمره فكاد أهل المغرب يقتلونه وأحسبه مات في حبس الشرع «٦»، وأنا أحسبك أيها الخصم حائرا مترددا، لا نصرانيا ولا مسلما
_________________
(١) حزقيا: أحد الملوك في عصر النبي اشعياء ﵊ كما في كتب أهل الكتاب. والأنس الجليل ١/ ١٤٧، واسمه في الكامل لابن الأثير (١/ ١٤٣): صدقيا.
(٢) " والقصة" ليست في (أ).
(٣) انظر البداية والنهاية ٢/ ٣٢ - ٣٣، والأنس الجليل ١/ ١٤٧، والكامل في التاريخ ١/ ١٤٣ - ١٤٤.
(٤) يقصد: اشعيا وحزقيا. ولكن حزقيا ليس بنبي كما في النص الوارد في مصحف أشعياء وإنما هو ملك من ملوك بني إسرائيل في عهد أشعياء. أما النبي فهو حزقيل. [انظر البداية والنهاية ٢/ ٢].
(٥) ولذلك قال في كتابه:" تهافت التهافت" مبينا الحيرة التي وصل إليها هو وغيره من الفلاسفة: " ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟ " والغزالي لما رأى حيرته أعرض في آخر حياته عن الفلسفة وأقبل على حديث رسول الله ﷺ فمات وصحيح البخاري على صدره. واعترف الرازي والشهرستاني والجويني والخونجي وغيرهم بأنهم وصلوا إلى الحيرة، فكانوا في آخر حياتهم بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب. [انظر درء تعارض العقل والنقل ١/ ١٥٩ - ١٦٤، وشرح العقيدة الطحاوية ص ٢٢٧ - ٢٢٩].
(٦) لم أجد هذا فيما اطلعت عليه من مراجع في ترجمته.
[ ١ / ٣٧٢ ]
ولا فيلسوفا.
الوجه الثاني: أن قوله" لمستقر لها" له أربع «١» محامل صحيحة:
أحدها: أن" اللام" بمعنى في: أي تجري في مستقر لها «٢»، وهو فلكها تجري فيه ما بين/ طرفي مشارقها ومغاربها من ناحية الشمال والجنوب لا تجاوز ذلك.
الثاني: أن تكون بمعنى إلى أي تجري إلى مستقر لها «٣»، وهو حين تستقر بزوال «٤» حركتها عند قبض الله السموات والأرض وتكوير الشمس والقمر.
وانكدار النجوم عند خراب العالم على ما جاء به شرع الإسلام وأخبر به النبي الصادق﵇- وأشار إليه المسيح في الإنجيل حيث يقول:" إذا جاء ابن الإنسان في مجده علا الغمام «٥» والملائكة حوله هنالك من عرفني اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته" «٦». معنى هذا الكلام.
_________________
(١) في (ش): أربعة.
(٢) انظر تفسير الطبري ٢٣/ ٦، وتفسير القرطبي ١٥/ ٢٨. وتفسير الشوكاني ٤/ ٣٦٩.
(٣) انظر تفسير الطبري ٢٣/ ٥، وتفسير القرطبي ١٥/ ٢٨ - ٢٩، وتفسير الشوكاني ٤/ ٣٦٩.
(٤) في (ش)، (أ):" تستقر زوال".
(٥) «علا الغمام» ليست في (ش).
(٦) انظر انجيل متى الاصحاح الخامس والعشرين.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ويكون هذا معنى قوله﷾/- وسَخَّرَ الشَّمْسَ والْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى «١».
الثالث: أن بعض أئمة السلف قرأ هذه الآية: والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها أي: لا تقف ولا تفتر «٢»، وهو معنى قوله تعالى: وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والْقَمَرَ دائِبَيْنِ (٣٣) «٣» أي لا يفتران من الدأب «٤»، وهو السعي الشديد وتكون هذه القراءة مفسرة للمراد من الأخرى.
وكل هذا محتمل لا يقدح بمثله في فروع شريعة فضلا عن أصولها.
الرابع: أن يكون مستقرها موضع سجودها. كما جاء في الحديث وقد بينا جواز وقوفها عن السير، بقصة يوشع وحزقيا «٥». وأن هذا مما يجب أن يتسلم عن النبوات ويتلقى بالقبول،/ ولا يقابل بشبه العقول القاصرة عن إدراك الحقائق الإلهية. والله أعلم.
_________________
(١) بعض آية في سورة فاطر الآية رقم ١٣، وفي سورة الزمر الآية رقم (٥) وفي سورة لقمان الآية (٢٩): «إلى أجل مسمى» ..
(٢) هذه قراءة عبد الله بن مسعود، وابن عباس﵃-[انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥٧٢، وتفسير الشوكاني ٤/ ٣٦٩] وضعف القرطبي في تفسيره (١٥/ ٢٨). سند هذه القراءة إلى ابن عباس﵄- ولعلها من القراءات الشاذة- والله أعلم-.
(٣) سورة إبراهيم، آية رقم: ٣٣.
(٤) في (أ): من الذات.
(٥) في (م): حزقيال. انظر هامش ص: ٣٧٢.
[ ١ / ٣٧٤ ]
[البشارة بمحمدﷺ- في التوراة والإنجيل]
قال:" وفي سورة الصف قال: وإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ .. -
إلى قوله- .. ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ .. «١».
وفي سورة الأعراف قال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ «٢» مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ «٣».
قال: ولا أمارة لشيء من هذا لا «٤» في التوراة ولا في الإنجيل فضلا عن التصريح فيهما قال: ولعل قائلا يقول: نزع اسمه منها.
فالجواب: أن هذا من الأعذار الباطلة المضحكة لأن ظهور محمد إما أن يكون بخير أو شر، وعلى كلي التقديرين لا فائدة في نزع اسمه من الكتب بل يجب ابقاؤه ليعرف فيتابع إن جاء بخير أو يجتنب إن جاء بشر كما في الدجال والشيطان.
هذا حاصل ما ذكره في هذا السؤال.
والجواب: أما ذكره صريحا في التوراة والإنجيل وتبشير المسيح به فقد ثبت
_________________
(١) قال الله تعالى: وإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [سورة الصف، آية رقم ٦].
(٢) من هنا بداية النقص والتلفيق في طباعة السقا.
(٣) سورة الأعراف، آية: ١٥٧.
(٤) في (أ): إلا في التوراة.
[ ١ / ٣٧٥ ]
عندنا بالقرآن المعصوم المتواتر، ونقل علماء المسلمين كوهب بن منبه وغيره: أن الحواريين «١» قالوا للمسيح وهو يودعهم ويوصيهم يا روح الله هل لله نبي بعدك يفوقك؟ قال: نعم النبي العربي قالوا: يا روح الله ومن أين هو؟ قال: يبعث من أرض تهامة «٢» فقالوا: من هو؟ قال: من قريش يمسك بأصل الحكمة ويعطى فروعها. أمته حكماء علماء كأنهم الأنبياء أقرؤه مني السلام" «٣».
قلت: ويدل على صحة هذا القول أعني: قوله يمسك بأصل الحكمة ويعطى فروعها. أنك لا تكاد تجد في الإنجيل حكمة عن المسيح إلا وعن محمد ﷺ معناها أو أحسن منها، بأوجز من عبارتها، وأخصر/ من لفظها وقد ذكرت من
_________________
(١) الحواريون جمع حواري وسموا بذلك لبياض ثيابهم [انظر صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب الزبير]، وقيل: لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب، أي يغسلونها، وقيل: لأنهم خاصة الأنبياء كما في قوله ﷺ: «لكل نبي حواري، وحواريي الزبير» يعني خاصته. [انظر صحيح البخاري: الجهاد، باب فضل الطليعة رقم ٤٠، وصحيح مسلم فضائل الصحابة باب فضائل طلحة والزبير حديث رقم ٤٨. وتفسير الطبري ٣/ ٢٨٧، وتفسير القرطبي ٤/ ٩٧، ١٨/ ٨٧].
(٢) تهامة: بكسر أوله. اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تهامة سميت تهامة: من التّهم وهو شدة الحر وركود الريح، وقيل سميت بذلك لتغير هوائها، يقال: تهم الدهر إذا تغير. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٤٤].
(٣) لم أهتد إلى مكان ما قال وهب في المراجع التي استطعت الرجوع إليها.
[ ١ / ٣٧٦ ]
ذلك أمثلة كثيرة في" الفوائد" «١» وأيضا ما تواتر من أن الأحبار «٢» والرهبان «٣» والكهان «٤» أخبروا بمحمد﵇- قبل مبعثه وعرفوه لما ظهر بصفته كبحيرا «٥» الراهب «٦» وغيره، فآمن به من سبقت له السعادة وكفر من سبقت عليه الشقاوة.
_________________
(١) لم أجد هذا الكتاب في خزائن المخطوطات التي زرتها، أو اطلعت على فهارسها.
(٢) انظر هامش ص: ٣٣٠.
(٣) الرهبان: جمع راهب بمعنى: المتعبد الخاشع الزاهد، وأهل الترهب عند النصارى: التخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها، والعزلة عن أهلها. وفي الحديث:" لا رهبانية في الإسلام" وقال تعالى: ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ [الحديد ٢٧] وأصل الرهبانية من الرهب ثم صارت اسما لما زاد عن المقدار. [انظر لسان العرب ١/ ٤٣٧ وتفسير القاسمي ٨/ ١٨٤].
(٤) الكهان: جمع كاهن. وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. وقد كهن يكهن كهانة إذا تكهن. وكان في العرب كهنة منهم شق وسطيح اللذان أخبرا بأمر محمد﵇- وغيرهما، ومنهم من كان يزعم أن له تابعا من الجن ورئيا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه بالعراف، وأصل الكهانة المعرفة والفطنة بدقائق الأمور وغوامضها. [انظر منال الطالب ص ١٥٨، ١٥٩].
(٥) من أحبار اليهود، وقيل: كان نصرانيا وإن اسمه جرجيس، وقيل: نسطورا، وقيل: كان على مذهب نسطورا واسمه جرجيس بن اسكندر، كان ينكر إلهية المسيح، اتخذ صومعة بعد طرده من ديره- بقرب الطريق الموصل إلى الشام- تمر عليه العرب فينذرهم بعبادة الله وينهاهم عن عبادة الأصنام. [انظر البداية والنهاية ٢/ ٢٨٦، وهامش ص: ١٢٥ من دلائل النبوة لأبي نعيم].
(٦) خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب- بحيرا- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ وقال: هذا سيد العالمين-
[ ١ / ٣٧٧ ]
أما قوله:" لا أمارة لنبي من ذلك في الكتابين" فهو:/ إما عناد منه، أو لعدم اطلاعه على ما فيهما، وعدم تنبهه على إشاراتهما وفهمهما، فإن في التوراة من ذلك مواضع:
منها: أن إبراهيم لما فارقه لوط قال الله لإبراهيم: ارفع عينيك وانظر المكان الذي أنت فيه إلى الشمال والجنوب والمشرق والمغرب فإن جميع الأرض التي ترى كلها لك أعطها «١» ولنسلك إلى أبد الأبد" «٢» فنظرنا فرأينا ملك بني إسرائيل ارتفع عن أرض كنعان وما حولها وصار إلى العرب. وهو يدل على صحة النبوة فيهم ولا نبي فيهم إلا محمد﵇-.
ومنها:" لما هربت هاجر «٣» من
_________________
(١) - هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين " الحديث أخرجه الترمذي في المناقب، باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ وقال:" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه" والحاكم في المستدرك (٢/ ٦١٥ - ٦١٧) وقال:" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٤ - ٢٥) وأبو نعيم في دلائل النبوة ص ١٢٤ - ١٣١ بأسانيد. وأخرجها غير هؤلاء: كابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٦) ويرى بأنه من مرسلات الصحابة.
(٢) في (ش)، (أ): أعطيها.
(٣) القصة في سفر التكوين الأصحاح الثالث عشر، حسب التراجم الحديثة.
(٤) هاجر ويقال: آجر أم إسماعيل﵇- من" أم العرب" قرية كانت أمام الفرما من مصر. كانت أمة لسارة زوج إبراهيم، فأعطتها لزوجها إبراهيم﵇- ليتسرى بها لأنها لم تلد له أحدا، فولدت له هاجر إسماعيل﵇- فغارت منها سارة، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها عنها وبولدها حتى وضعهما في مكة، وقصتهما مشهورة معروفة، قال السهيلي:" وهاجر أول امرأة ثقبت أذناها، وأول من خفض- ختن- من النساء". [انظر البداية والنهاية ١/ ١٥٣ - ١٥٤، الروض الأنف للسهيلي ١/ ١٦ - ١٧].
[ ١ / ٣٧٨ ]
سارة «١» تلقاها ملك الرب فقال ارجعي إلى مولاتك فكوني تحت يدها يكثر الله نسلك، وستلدين غلاما اسمه إسماعيل لأن الله سمع تعبدك ويبارك فيه يده على الكل ويد الكل به، وعلى خد جميع إخوته «٢» ينزل «٣» ".
ومن المعلوم أن إسماعيل لم يستعل على بني إبراهيم هذا الاستعلاء ولا أحد من ولده إلا محمد ﷺ لما ظهر. فدل على أنه هو المشار إليه من هذا الكلام.
ومنها: قول الله سبحانه «٤» لإبراهيم: إن زوجتك سارة تلد لك غلاما ويدعى اسمه إسحاق وأقيم معه ميثاقا/ إلى الأبد ويخلفه «٥» من بعده. وعلى
_________________
(١) سارة بنت هاران- وقيل: بنت توبيل- بن ناحور، وقيل: بنت هاران بن تارح وهاران هو الذي تنسب إليه" حران" وهو عم إبراهيم﵇- هاجر إبراهيم بسارة من بابل إلى مصر في وقت مجدب وجوع وغلاء، وكانت ذات حسن، وبينما هما ذات يوم إذ أتيا أرض جبار من الجبابرة، فوصفت له فجرى لهما ما هو معروف، وأخدمها الله هاجر. وسارة إحدى الصديقات الثلاث:" سارة وأم موسى، ومريم" وذهب بعض العلماء إلى أنهن نبيات، والجمهور على أنهن صديقات ولسن نبيات. [انظر البداية والنهاية ١/ ١٥٠ - ١٥٢، الروض الأنف ١/ ١٦].
(٢) عند الماوردي:" وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع"، وفي التراجم الحديثة:" ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن" اهـ.
(٣) القصة في سفر التكوين الأصحاح السادس عشر، كما في التراجم الحديثة. وانظر هداية الحيارى ص ٥٤، وأعلام النبوة للماوردي ص ١١٨.
(٤) ليس هذا قول الله على القطع ولا بالنص إن كان ذلك صحيحا وإنما هو معناه إن كان صدقا وقد يكون فيه من تحريف اليهود والنصارى ما يجعلنا غير جازمين بأن هذا من عند الله كما قال النبي ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الكتاب: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم » الحديث.
(٥) في (ش): لخلفه.
[ ١ / ٣٧٩ ]
إسماعيل فقد سمعتك وباركت عليه وكثرته كثيرا جدا ويولد له اثنا عشر شريفا «١» وأجعله لشعب عظيم" «٢».
قلت: فهذا الشعب العظيم هم «٣» العرب، فوجب أن يكون فيهم رسول كسائر الشعوب لما سبق من أن عناية الله بخلقه تقتضي ذلك.
وبالجملة: الأمارات «٤» الظاهرة في التوراة وغيرها من كتب الأوائل على نبوته كثيرة، ذكر الماوردي وغيره «٥» منها جملة في/ دلائل «٦» النبوة «٧» والذي ذكرته أنا نقلته من نفس التوراة «٨».
وأما في الإنجيل. فحيث يقول في/ بشارة يوحنا:
" والفارقليط روح القدس، الذي يرسله أبي باسمي، وهو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كلما ما قلت لكم" «٩» وحيث يقول:" إنه خير لكم أني انطلق لأني
_________________
(١) «شريفا» ليست في (ش).
(٢) انظر سفر التكوين الأصحاح الحادي والعشرين، وهداية الحيارى ص: ٥٤ وأعلام النبوة للماوردي ص ١١٨، والبداية والنهاية ١/ ١٥٣.
(٣) هم: ليست في (م).
(٤) في (ش)، (أ): الآثارات.
(٥) في (ش)، (أ): وغيرها.
(٦) في (أ): في أوائل النبوة.
(٧) طبع الكتاب بعنوان:" أعلام النبوة"، وما أشار إليه الطوفي فيه هو في ص: ١١٨ - ١٢٨ منه.
(٨) إلى هنا السقط والتحريف في طباعة السقا.
(٩) انظر انجيل يوحنا الأصحاح الرابع عشر، وهداية الحيارى ص ٥٥ وأعلام النبوة للماوردي ص ١٢٧.
[ ١ / ٣٨٠ ]
إن لم أذهب لم يأتكم البرقليط «١»، فإذا انطلقت أرسلته إليكم، وإذا جاء ذلك، فهو يوبخ العالم على الخطية وعلى الحكم. أما على الخطية فلأنهم لم يؤمنوا بي وأما على الحكم فلأن [أركون] «٢» هذا العالم يدان" «٣» ثم قال:" إذا جاء روح الحق ذلك فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بما يأتي وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو فيّ ويخبركم «٤».
قلت: وإذا تأملنا هذه الإشارات «٥» وجدناها مطابقة لصفات محمدﷺ- «٦» " لأنه لم يأت بعد المسيح من ادعى النبوة ومجد عيسى وبالغ في تمجيده، وصدقه في نبوته، ووبخ العالم على خطية الكفر وقتل اليهود وغيرهم على تكذيب المسيح وعبادة الأوثان وأخبر بأن الناس يدانون يوم القيامة ويحاسبون، وعلم الناس محاسن «٧» الآداب، ومكارم الأخلاق وظهر ناموسه «٨»
_________________
(١) في (م): البارقليط. والصحيح: الفارقليط.
(٢) في النسخ الثلاث:" فلأن يكون" والصحيح ما أثبته من الجواب الصحيح (٤/ ١٧)، ومن هداية الحيارى (ص ٥٦)، وهو الذي يناسب السياق. والأركون: الرئيس أو العظيم أو السيد، أو الكبير. ومحمد ﷺ سيد العالم:" أنا سيد ولد آدم ولا فخر".
(٣) انظر إنجيل يوحنا: الأصحاح السادس عشر، وهداية الحيارى ص: ٥٥.
(٤) انظر إنجيل يوحنا: الأصحاح السادس عشر.
(٥) قلت: قد ذكر الإمام القرافي في الباب الرابع من الأجوبة الفاخرة إحدى وخمسين بشارة من ألفاظ التوراة والأناجيل ونبوات الأنبياء، وقد ذكر ابن القيم كذلك كثيرا من البشارات في كتب أهل الكتاب في" هداية الحيارى".
(٦) في (م): ﵇.
(٧) كلمتا:" الناس محاسن" ليستا في (أ).
(٨) في (ش): بناموسه.
[ ١ / ٣٨١ ]
واشتهر في البدو والحضر كظهور نواميس الأنبياء قبله إلا محمد ﷺ. وإن لم يكن محمد هو الذي أشار إليه «١» لزم القدح في صدق وعده بالبارقليط، لأن من المحال عادة أن عاد أحد يظهر بما ظهر به محمد ويتم له" «٢».
فإن قيل: قد ذكر" الفارقليط" في الإنجيل بصفات غير هذه مما لا يطابق صفات محمد فيحمل ما ذكرتموه عليه.
قلنا: مع المسامحة نقول لكم/ كل ما في الإنجيل حق عندكم فيجب اعتباره ما أمكن، وحيث ذكر" الفارقليط" تارة بما يوافق صفات محمد، وتارة بما يخالفها فاجعلوه من باب اللفظ المشترك. فالفارقليط الذي ذكرناه- محمد «٣» ﵇- والذي ذكرتموه اجعلوه من شئتم ويحصل لنا المقصود وقد بينت وجه دلالة هذا الفصل على المطلوب، وما عليه من سؤال وجواب في التعليق على الإنجيل، فاكتفيت به هناك عن تكراره هاهنا «٤». والله أعلم.
وأما قوله:" لعل قائلا يقول: نزع اسمه منهما".
فهكذا نقول.
وأما جوابه عن ذلك بأن ظهور محمد: إما أن يكون بخير أو شر، وعلى التقديرين يجب ابقاؤه ولا فائدة في نزعه".
_________________
(١) في تعاليق على الأناجيل: إليه المسيح.
(٢) ما بين علامتي التنصيص من كتابه:" تعاليق على الأناجيل ص ٧٠ - ٧١ خ.
(٣) كلمة" محمد" ليست في (أ).
(٤) بيّن ذلك في الصفحات ٧٠ - ٧٢ خ.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فجوابه:/ أن هذا إنما يصح أن يحتج به من علم منه العدل والإنصاف وطلب الحق وكمال العقل. واليهود والنصارى ليسوا كذلك حتى يصح احتجاجهم بهذا.
أما اليهود فإنهم تعدوا على أنبيائهم وبغوا عليهم وقتلوهم وكفروا «١» بالمسيح مع ظهور صدقه والخوارق على يده لكل غافل منصف. فكفرهم بمحمد ككفرهم بالمسيح، وإنكارهم «٢» لاسمه وصفته/ كانكارهم لصفة المسيح المذكورة في التوراة في كلام إسرائيل لما جمع بنيه، وأخبرهم بما يكون منهم على ما سبق بيانه آنفا في الجواب عن صلب المسيح، ولكن اليهود علموا من صفة محمد أنه يظهر بقوة وشوكة، لا يقدرون معها على قتله وصلبه- كما زعمتم وإياهم أنهم فعلوا بالمسيح- فغيروا اسمه وصفته في التوراة لئلا «٣» يتحقق عنادهم بقيام/ الحجة عليهم من كتابهم، ورأوا أن العناد بشبهة أولى منه بلا شبهة.
وأما النصارى فلأن الإنجيل الذي صرح فيه بذكر محمد ليس هذا الذي بأيديهم بل هو كتاب نزل على المسيح من السماء كتوراة موسى وقرآن محمد ولكنه عدم فلم يظهر.
وأما الأناجيل التي بأيديهم فهي سيرة المسيح وحكاية ما جرى له وفيها شيء
_________________
(١) في (م): وكفرا.
(٢) في (ش): وانكاركم.
(٣) في (أ): لا بالا يتحقق.
[ ١ / ٣٨٣ ]
من حكمه ومواعظه، فهو بمثابة ما نقل عن الأنبياء من كلام أنفسهم، كالأخبار المروية عن محمد﵇- وغيره من الأنبياء «١». وكذلك التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، على أنا قد بينا أن في فصل البارقليط من بشارة يوحنا ما يكفي في الإشارة إلى ذكر محمد بصفته.
وأيضا فإن المسيح كان من آيات الله سبحانه، أظل «٢» بها من شاء من خلقه، فعصمهم الله به مدة مقامه بين أظهرهم، فلما رفع عنهم ووقع في دينهم الدخل والتلبيس من شياطين الجن والإنس، كما بينته في" الفوائد، والتعليق على الإنجيل" «٣» وذكره هنا يطول.
وأيضا: انضم إلى ذلك في حق الطائفتين أن محمدا جاءهم بترك المألوف من دينهم وذلك شديد على النفوس لا يثبت له إلا كاملو العدل والعقل وقد بينا عدم العدل في اليهود، وعدم العقل في النصارى حيث اعتقدوا أن الله خالق السموات والأرض خرج من بطن مريم ثم أسلم نفسه للقتل والصلب ليستنقذ الخطاة من بني آدم، وقد كان قادرا على استنقاذهم بدون هذا التعب، وعقول تخيل لأهلها اختراع مثل هذا جديرة بأن تخيل/ لهم الاستمرار عليه حتى يحرفوا لأجله أسماء الأنبياء وينازعوا في الحق ويعاندوه.
_________________
(١) بل ما روي من أخبار محمد ﷺ أصح منها لأن الله تكفل بحفظ الذكر، ومنه الحديث، وأخبار المصطفى ﷺ ولم يتكفل يحفظ الكتب السابقة، ثم إن الله أخبر بأنهم حرفوا تلك الكتب ثم إن كثيرا مما في كتبهم المحرفة لا تليق بمقام الأنبياء كنسبة بعضهم إلى الزنا وغير ذلك. وليس لهم سند يروون به ما صدر عن أنبيائهم وكان هذا من خصائص الأمة الإسلامية- والحمد لله-.
(٢) في النسخ الثلاث:" أضل" بالضاد، والصواب ما أثبته.
(٣) انظر تعاليق على الأناجيل ص ٤ - ٧ مخطوط.
[ ١ / ٣٨٤ ]
وحاصل ما نقوله في جوابه: أن محمدا كان ظهوره بخير عظيم وبركة عميمة ولكنهم/ غيروه حسدا له، واستبقاء للرئاسة فيهم، وغيره عليها أن تخرج منهم وينالها غيرهم.
وإذا كان إخوة يوسف هموا بقتل أخيهم يوسف ثم لما رفقوا به باعوه على الكفار ورموه في رق العبودية حتى لقي من مرارة التهم والسجن ما لقي حسدا له على ما ظنوه من تأويل رؤيا يجوز أن تقع وأن لا تقع مع كونهم من صلب نبي معصوم، وهم معاشرون له صباح مساء، فما الظن باليهود والنصارى والبغاة الجهال، وقد مضى منهم الزّبد، وبقي منهم الغثاء والزّبد وسفلة العالم وسقطهم فيما علموه بالوحي الإلهي.
وأيضا إذا كانت" سارة" المرأة الصالحة المحفوظة بمعاشرة النبي المعصوم" إبراهيم"- صلوات الله عليه- قالت له: اخرج بابن «١» الأمة- تعني إسماعيل ابن هاجر- عني كي لا يرث مع ابني «٢» إسحاق، كما نص عليه في التوراة؛ غيرة منها أن يشارك ابنها في رئاسة أبيه، فما الظن باليهود والنصارى/ على ما عرف منهم؟ «٣».
وأما قوله:" لم لم تنزع أسماء الأنبياء الذين كان يخبر بعضهم ببعض سابقهم بلا حقهم كيحيى بن زكريا، ولم ينزع اسم الشيطان والدجال"؟
_________________
(١) في (ش): ابن.
(٢) في (ش): مع ابني تعني إسحاق.
(٣) هذا على ما يدعونه هم وأما نحن فلا نقرهم على هذا لعدم يقيننا بأن هذه القصة مما لم يحرف، ولم يرد في ديننا إلا أنها ﵍ غارة من هاجر فقط وذلك قبل ولادة اسحاق فإنه لم يولد إلا في كبر إبراهيم وسارة، فغيرتها لأنها أصبحت ضرة لها. والله أعلم. [انظر الروض الأنف ١/ ١٣٥، فتح الباري ٦/ ٤٠٠].
[ ١ / ٣٨٥ ]
فالجواب: أن الفرق بين أولئك الأنبياء ومحمد﵈- من وجهين:
أحدهما: أن موسى لم يأت بعده نبي إلا بتقرير أمر التوراة ومتابعتها فكانوا في المعنى نواب موسى وخلفاؤه/، كالتلاميذ الاثنى عشر لعيسى.
ومحمد﵇- جاء بنسخ الشرائع كلها وأحكام التوراة والإنجيل وغيرهما، واستئناف شريعة مبتدأة من عند الله. ولهذا لما جاء المسيح بإبطال السبت وأشياء مما تخالف حكم التوراة تعصبوا عليه وقتلوه،- كما زعمتم وإياهم- «١».
الوجه الثاني: أنهم كانوا يعلمون أن أولئك الأنبياء ضعفى لا شوكة لهم فلم تكن لهم حاجة إلى نزع أسمائهم، بل إن رأوا منهم ما يوافقهم وإلا قتلوهم كما فعلوا بيحيى وزكريا والمسيح «٢» وغيرهم من الأنبياء.
ومحمد﵇- علموا أنهم لا يقدرون عليه كما قدروا على غيره «٣» فنزعوا اسمه ليصير شبهة لهم في خلافه- كما سبق-.
_________________
(١) ثم إن اليهود ينكرون نبوته ويقولون إن المسيح المذكور في التوراة إنما هو المسيح المنتظر الذي سيأتي في آخر الزمان. [انظر إفحام اليهود ص ١٠٢ - ١٠٧].
(٢) على زعم اليهود.
(٣) لقد حاول اليهود- لعنهم الله- قتل محمد ﷺ رغم العهد الذي بينهما ولكن الله رد كيدهم في نحورهم. ومن ذلك ما حصل من بني النضير عند ما ذهب إليهم ﷺ من أجل الاستعانة بهم في دية الرجلين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فاستند ﷺ إلى جدار حصن لهم، فخلا بعضهم ببعض واتفقوا على طرح حجر عليه من ظهر الحصن ليقتله، فأخبره جبريل﵇- بذلك، فقام موهما لهم بأنه غير ذاهب ومعه نفر من أصحابه منهم أبو بكر وعمر وعلي﵃ أجمعين-، فسار حتى دخل المدينة ثم صبحهم بالجيش فجلاهم إلى الشام-
[ ١ / ٣٨٦ ]
[أصل خلق الإنسان واعتراض النصراني على الآيات المخبرة بذلك]
قال:" وفي سورة النور «١»: واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ وفي سورة الفرقان «٢»:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا (٥٤) / وفي سورة الروم «٣»:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وفي سورة فاطر «٤»:
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ (١١) وفي سورة الأنبياء «٥»: وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (٣٠) وهذا بين التناقض، والكذب لازم في إحدى القضيتين وخلاف هذا في التوراة، حيث يقال: إن الدواب خلقت من التراب والإنسان من الماء، وخلاف ذلك أيضا في الوجود، إذ بعض الأشياء مخلوقة من الأرض وبعضها من الماء.
قلت: الجواب: أنه لا تناقض في هذا ولا كذب- بحمد الله- عند من عرف وتبين ذلك ببيان معنى كل آية على انفرداها، ثم بيان الجمع بين الجميع.
_________________
(١) - وهم الذين نزل فيهم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ الآية [سورة الحشر: ٢]. [انظر حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ١/ ٤٧ - ٤٨، والبداية والنهاية ٤/ ٧٥، وسيرة ابن هشام المجلد الثاني ص ١٩٠، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٣١].
(٢) الآية رقم: ٤٥.
(٣) الآية رقم: ٥٤.
(٤) الآية رقم: ٢٠.
(٥) الآية رقم: ١١.
(٦) الآية رقم: ٣٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
أما قوله: واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ «١» فنقول: الدابة في وضع اللغة كل ما دب ودرج. وفي عرف الاستعمال اللغوي: مختص بذوات الأربع كالفرس ونحوه، فإن حمل لفظ الدابة على هذا المعنى العرفي فلا إشكال في أنها من ماء، وهو الماء الذي ينزله الذكر في الأنثى وتنزله هي عند الوقاع «٢».
وإن حمل على الوضع اللغوي فالجواب من وجوه:
أحدها: أن" من" في قوله مِنْ ماءٍ للسببية. بمعنى أن للماء مدخلا وتأثيرا بحقيقته أو بما هو من طبيعته في وجود كل دابة «٣».
وهذا صحيح. فإن كل دابة فهي حيوان، وكل حيوان لا بد فيه من رطوبة مائية بها تتقوم حياته، فيدخل في ذلك العقارب والخنافس ونحوها من الحشرات التي يقال إنها تتولد من التراب، لأنها وإن كانت متولدة من التراب إلا أنها لا تستغني عن رطوبة، هي من طبيعة الماء تقوّم حياتها.
الوجه الثاني: أن نقول في الدابة وضعا ما قلناه في الدابة عرفا، وهو أن سائر أشخاصها مخلوقة من" ماء" الوقاع، لأن فيها ذكورا وإناثا قطعا، ولا فائدة للصنفين المذكورين إلا التناسل المعتاد بين سائر أصناف الحيوان، وما يقال: من أن بعض الدواب تخلف من التراب، فلا شك أنه قد قيل، ولكنا لم نشاهده فلا نقلد فيه. ولا عليه دليل قاطع من جهة العقل/، فإن شاهدناه أجبنا حينئذ بحسب ما ينبغي.
_________________
(١) سورة النور، آية: ٤٥.
(٢) انظر تفسير القرطبي ١٢/ ٢٩١، وتفسير الطبري ١٨/ ١٥٥، وتفسير الشوكاني ٤/ ٤٢.
(٣) انظر تفسير القرطبي ١٢/ ٢٩١، وتفسير الشوكاني ٤/ ٤٢.
[ ١ / ٣٨٨ ]
والذي رأيته في هذا: ما ذكر في تواريخ الأولين: أن الملك" سنحاريب" «١» رأى في منامه أن عقربا صعدت سريره فلدغته، فوقع عنه.
فاستدعى بعض المعبرين فسأله عن رؤياه، فقال له: إنها تدل على أنه يغلب على ملكك/ رجل لا أصل له، لأن/ العقرب لا أصل لها، وإنما تخلق من التراب، فكان تأويله أن غلب فرعون على سنحاريب فأخذ ملكه، ولم يكن لفرعون أصل في الملك وإنما كان أبوه راعي غنم. هكذا قيل. لكن في هذا مناقشات كثيرة لا يعتمد عليها معها.
الوجه الثالث: إن ثبت أن بعض الدواب مخلوق من غير الماء كان قوله تعالى: خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ «٢» عاما مخصوصا بذلك أي أنه أطلق العام وأراد الخاص، وهو كثير كقوله: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (٦٢) «٣» وخص بالعقل:
ذاته وصفاته تعالى.
وقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ «٤» - يعني الريح العقيم- وخص بالعقل السموات والأرض وغيرهما مما لم تدمره. وقوله: وأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .. (٢٣) «٥»
- يعني بلقيس- وخص بالعقل: ما لم تؤته من ملك سليمان وغيره.
_________________
(١) سنحاريب: هو ملك بابل والموصل في زمن النبي اشعيا﵇- ولما كثرت ذنوب بني إسرائيل ومرض ملكهم حزقيا فسلط الله عليهم سنحاريب فدخل بيت المقدس وحصل منهم ضرر كبير على بني إسرائيل ثم هزم سنحاريب ومات بعد سبع سنوات من رجوعه إلى بابل. [انظر البداية والنهاية ٢/ ٣٢ - ٣٣، والأنس الجليل ١/ ١٤٧، والكامل في التاريخ ١/ ١٤٣ - ١٤٤].
(٢) سورة النور، آية: ٤٥.
(٣) سورة الزمر، آية: ٦٢.
(٤) سورة الأحقاف، آية: ٢٥.
(٥) سورة النمل، آية: ٢٣.
[ ١ / ٣٨٩ ]
والتخصيص لازم فيما حكاه الخصم من قوله في التوراة: إن الدواب خلقت من التراب، لأنا نقول:
أي الدواب تريد؟ إن أردت مجموع جنسها أولا وآخرا في جميع أزمنة الوجود فهذا يكذبه العيان، لأنا نشاهد الدواب تتكون من ماء الذكر والأنثى.
وإن أردت أنواع جنس الدواب الأول التي هي لأنواعها كآدم لنوع «١» البشر، وهو المراد لآن هذا الكلام في سفر الخليفة «٢»، وهو إنما يذكر فيه أوائل الموجودات.
وحينئذ يلزم التخصيص إن أريد باللام في" الدواب" الاستغراق.
وإن أريد العهد- يعني أوائل أنواع الدواب- لم يكن فيه حجة على مناقضة القرآن إذ يصير تقديره: بعض جنس الدواب من التراب.
والقرآن تضمن أن كل دابة خلقت من" ماء" فيخص أحد الكتابين الآخر، إن سلمنا صحة التوراة، وإلا لم/ يلزمنا ما فيها، بناء على ما سبق.
وأما قوله: خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا .. «٣» فإن حملنا لفظ (الدابة) على المعنى الوضعي دخل فيه البشر، واتفقت الآيتان. وإن حملناه على العرفي لم يتناول البشر، وكان في هذه الآية مفردا بالذكر على وفق ما ذكر في الدابة من الخلق من الماء، والمراد أنه خلق الإنسان من الماء يعني" مني" الزوجين وهو مشاهد.
_________________
(١) في (م): لأنواع.
(٢) أي سفر التكوين في التراجم الحديثة. وهو في الأصحاح الأول منه
(٣) سورة الفرقان، آية: ٥٤.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وأما قوله: وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (٣٠) «١» فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن" من" فيه للسببية والتقرير ما سبق في الوجه الأول من جواب قوله" خلق كل دابة من ماء".
وأيضا: فإن حياة كل حي إما كاملة كحياة الإنسان وغيره من الحيوانات، أو قاصرة كحياة الزرع والنبات،/ وكل ذلك لا بد في تحقق حياته من/ الماء على ما هو مشاهد.
الثاني: أن كل حي مخلوق من ماء الوقاع كما سبق في الوجه الثاني من جواب الآية المذكورة.
ويمكن أن يحمل على إرادة الخاص بالعام كما سبق في الوجه الثالث هناك على تقدير أن يثبت من الأحياء ما ليس من الماء.
وأما قوله: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ «٢» فالمراد خلق أباكم- يعني آدم- من تراب بناء على ما قص «٣» الله علينا في كتابه، وأجمع عليه المسلمون من أن آدم خلق من تراب، وإنما خاطبنا بذلك لأنا نسل آدم وولده، وحيث كنا كامنين فيه بالقوة كان خلقه من تراب كخلقنا من تراب وإذ تقرر الكلام على الآيات مفردة ظهر وجه الجمع بينها وأن لا تناقض فيها.
_________________
(١) سورة الأنبياء، آية: ٣٠.
(٢) قال الله تعالى في سورة الروم الآية (٢٠): ومِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وفي سورة فاطر الآية (١١): واللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا الآية.
(٣) في (أ): على ما نص.
[ ١ / ٣٩١ ]
فقوله في سورة الروم وفاطر: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني أصلكم وأباكم آدم، وقوله في الفرقان: .. خَلَقَ مِنَ الْماءِ .. يعني المني من الذكر والأنثى بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا (٥٤) «١» وهو لا ينافي الخلق من تراب، لأن المخلوق من الماء غير المخلوق من التراب- على ما بيناه- ويدل عليه ما في سياق آية فاطر حيث يقول: واللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ .. «٢».
أي خلق أباكم آدم من تراب ثم خلقكم منه ومن غيره من ذريته من نطفة «٣».
وكذلك قوله تعالى: ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ .. يعني آدم .. مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) «٤» أو يكون المراد بالإنسان ذريته خلقوا من سلالة وهي المني المستلّ من الأصلاب لكن أصل تلك السلالة من طين باعتبار آدم ثُمَّ جَعَلْناهُ يعني الإنسان غير آدم" نطفة" وهو المني فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) وهو الرحم ولَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا .. (١٤) «٥» الآية.
_________________
(١) سورة الفرقان، آية: ٥٤.
(٢) سورة فاطر، آية: ١١.
(٣) انظر تفسير الطبري ٢٢/ ١٢٢، وتفسير القرطبي ١٤/ ٣٣٢. وغيرهما من كتب التفسير.
(٤) سورة المؤمنون، آية: ١٢.
(٥) ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [سورة المؤمنون، آية ١٣ - ١٤]، انظر فيما ذكر المؤلف من تفسير الآيات: تفسير الطبري ١٨/ ٧ - ٩، وتفسير القرطبي ١٢/ ١٠٩، وتفسير الشوكاني ٣/ ٤٧٦ - ٤٧٧. وغيرها من كتب التفسير.
[ ١ / ٣٩٢ ]
[قصة الغرانيق، وتعرض الشياطين للأنبياء]
وقوله: خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ «١» وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (٣٠) «٢» قد سبق وجه المراد منهما. فحصل من ذلك: أنه لا تناقض في هذه الآيات ولا كذب.
وأما قوله:" هذا تناقض والكذب لازم في إحدى القضيتين" فهذا قول من لا يعلم ما التناقض؟ ولا ما الكذب؟ فإن التناقض هو تقابل القضيتين بالسلب والإيجاب مع اتفاقهما في الجزء والكل والقوة والفعل والشرط والزمان والمكان والإضافة، ومتى اختل شيء من ذلك أمكن الجمع ولم يلزم التناقض، وأين اتفاق هذه الآيات كلها في هذه الأمور. والله أعلم.
قال:" وفي سورة الحج «٣»: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢).
وذكر ما/ حكاه ابن عطية وغيره «٤» في التفسير من أن النبي﵇-
_________________
(١) سورة النور، آية: ٤٥.
(٢) سورة الأنبياء، آية: ٣٠.
(٣) الآية رقم: ٥٢.
(٤) كالطبري فقد ذكر القصة بعدد من الأسانيد مرسلة إلا واحد في اتصاله كلام: [انظر تفسير الطبري ١٧/ ١٨٦ - ١٨٩، وتفسير القرطبي ١٢/ ٨٠، وله عليها كلام سنذكره قريبا- إن شاء الله-، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٢٩].
[ ١ / ٣٩٣ ]
كان يتمنى أن يتبعه قومه ويؤثر هدايتهم، فلكثرة تمنيه ذلك ألقى الشيطان على لسانه في تلاوة سورة النجم حين قال:" ومناة الثالثة الأخرى: تلك الغرانيق العلى إن شفاعتهم لترتجى" ففرح المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا بخير فلانوا له وكفوا عن أذاه وأذى أصحابه، فاتصل بمهاجرة الحبشة/- الهجرة الأولى- إن قريشا أسلمت، فجاءوا فوجدوا ما ألقاه الشيطان قد نسخ وعادت قريش إلى غلظها وشقاقها، فعاد الذين جاءوا من الحبشة إليها. وذلك سبب الهجرة الثانية.
ولما علم النبي ﷺ أن ما كان قاله من مدح الأصنام من إلقاء الشيطان اغتم لذلك فأنزل الله- سبحانه- تسلية له: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (٥٢) «١» الآية.
قال: فتضمنت هذه القصة باطلين:
أحدهما: الافتراء على الرسل في وصفهم بهذه المثلبة «٢» من أن الشيطان تلبس عليهم في وحي الله- سبحانه- بما يقع به الغواية والإضلال للناس وحاشا الأنبياء من أن يكون للشيطان عليهم سلطان، خصوصا في تخليط الوحي عليهم.
والثاني: إخباره بأن للأصنام شفاعة، ومدحها بذلك ثم ذكر حديثا زعم أن البخاري ذكره في باب العيدين ولم أجده فيه- فلعله قلد في نقله غيره، لكن
_________________
(١) سورة الحج: آية: ٥٢.
(٢) من ثلب: لام وعاب وصرح بالعيب وقال فيه وتنقصه، والمثالب: العيوب وهي المثلبة: المسبة. والمثلبة. [انظر لسان العرب ١/ ٢٤١، والمصباح المنير ١/ ١٠٣].
[ ١ / ٣٩٤ ]
الحديث صحيح في الشريعة. عن أبي هريرة «١» عن النبي ﷺ قال: «إن الشيطان عرض لي في الصلاة ليقطعها عليّ، فأمكنني/ الله منه، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه». فذكرت قول سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي (٣٥) «٢» قال:" فمن له هذا السلطان على الشيطان، كيف يتسلط عليه الشيطان فيعبث به هذا العبث، ويخلط عليه الوحي؟ " قال:" وقد تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم. لقوله:" هممت أن أربطه إلى سارية" وهذا باطل لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة كالملائكة والنفوس.
وهذا قول الأنبياء والفلاسفة".
هذا ما ذكره في هذا السؤال.
_________________
(١) الصحابي الفقيه الإمام المجتهد الحافظ الدوسي اليماني. اختلف في اسمه واسم أبيه وأرجحها أنه: عبد الرحمن بن صخر، أسلم في أول سنة سبع من الهجرة عام خيبر، كناه الرسول ﷺ أبا هر، وكان الناس يكنونه أبا هريرة، فقد كانت له هريرة يلعب بها فكنوه بها. دعا لنفسه عند رسول الله ﷺ فقال: اللهم إني أسألك علما لا ينسى. فقال النبي ﷺ: «آمين» وحصل له ما أراد فكان سيد حفاظ السنة، كان أجرأ الصحابة على سؤال النبي ﷺ توفي﵁- سنة سبع وقيل ثمان وخمسين للهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٧٨ - ٦٣٢، والإصابة ٤/ ٢٠٢ - ٢١١].
(٢) سورة ص: ٣٥. والحديث أخرجه البخاري في (العمل في الصلاة، باب ما يجوز من العمل في الصلاة) وأطرافه. وله ألفاظ أخرى في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وفي الصلاة، باب الأسر أو الغريم يربط في المسجد)، وغيرها من المواضع. وأخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب جواز لعن الشيطان حديث (٣٩) بغير هذا اللفظ، وأحمد في المسند (٢/ ٢٩٨) بنحو لفظ مسلم، وأحد ألفاظ البخاري.
[ ١ / ٣٩٥ ]
والجواب عنه: أما قصة إلقاء الشيطان على لسانه. ما ذكر في سورة النجم فقد استفاض نقلها بين الأمة، ورواها الثقات «١» ويدل على صحتها ما رواه
_________________
(١) أخرجها ابن سعد في الطبقات ١/ ٢٠٥، وابن أبي حاتم والبزار" وقال لا نعلمه" [الشفاء ٢/ ١٠٨] وابن المنذر وابن مردويه والنحاس وابن إسحاق في السيرة وأبو معشر في سيرته. [فتح الباري ٨/ ٤٣٩] وابن جرير في تفسيره (١٧/ ١٨٦ - ١٩٠) بطرق متعددة، بعضها موصولة وأكثرها مرسلة، وابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢٩) وقد صحح هذه القصة الطوفي﵀- وغيره من العلماء ولكن اختلف الناس في صحتها على قولين. قال ابن تيمية﵀- في الجواب الصحيح (١/ ١٧٩) عن هذه القصة:" هذا فيه قولان للناس منهم من يمنع ذلك وطعن في وقوع ذلك. ومن هؤلاء من قال: إنهم سمعوا ما لم يقله فكان الخطأ في سمعهم والشيطان ألقى في سمعهم. ومن جوز ذلك قال: إذا حصل البيان ونسخ ما ألقى الشيطان لم يكن في ذلك محذور " اهـ وقال ابن حجر بعد أن أورد أقوال العلماء فيها وطرقها في الفتح (٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠):" وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمراسيل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض. وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع منها مما يستنكر وهو قوله:" ألقى الشيطان على لسانه" تلك الغرانيق " فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليهﷺ- أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته" اهـ. وقال ابن عطية:" وهذا الحديث الذي فيه الغرانيق العلى وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يعنون هذا السبب ولا غيره، ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة" اهـ[تفسير القرطبي ١٢/ ٨١]. وقال القاضي عياض في الشفاء (٢/ ١٠٧):" هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب-
[ ١ / ٣٩٦ ]
البخاري «١» والترمذي وصححه «٢» عن عكرمة عن ابن عباس قال:" سجد رسول الله ﷺ في سورة النجم فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس".
قلت: فسجود المشركين كان السبب المذكور «٣» / لأنهم ظنوا أنه قد وافقهم بمدحه آلهتهم وصار الدين واحدا، أو أنهم سجدوا لآلهتهم إعظاما لما سمعوا من مدحها.
وأما الجن فلعلهم جاءوا يستمعون القرآن كما حكى عنهم فيه.
ولا محذور في هذه القضية بوجه من الوجوه لأن الأنبياء في الحقيقة بشر
_________________
(١) - المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم" اهـ. وقد أورد عدة روايات وأقوال تدل على عدم صحة القصة. وقال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٢٢٩):" ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح والله أعلم" اهـ. وقال القرطبي في تفسيره (١٢/ ٨٠):" وليس منها شيء صحيح" اهـ قلت: مما تقدم يتبين لنا عدم صحة هذه القصة. وعلى فرض صحتها فليس للطاعنين بها متمسك إذ يكون المعنى: كان النبي ﷺ يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها. ويؤيد هذا أن تمنى في الآية بمعنى تلى." حتى إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ويحكم ما يريد" وقد قال بعض العلماء بذلك- والله أعلم-.
(٢) في كتاب: سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين، وفي كتاب التفسير" تفسير سورة ٥٣ - النجم- باب:" فاسجدوا لله واعبدون" [الآية: ٦٢] عن ابن عباس.
(٣) في كتاب الجمعة، باب ما جاء في السجدة في النجم، عن ابن عباس، قال الترمذي:" وفي الباب عن ابن مسعود، وأبي هريرة. قال: أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح".
(٤) نقل ابن حجر في الفتح (٨/ ٦١٤) عن الكرماني قوله:" وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ لا صحة له عقلا ونقلا" اهـ.
[ ١ / ٣٩٧ ]
يجري عليهم الخطأ والنسيان ويتطرق عليهم الشيطان «١».
وقد اختلف العلماء «٢» في أنهم معصومون من المعاصي مطلقا أو من الكبائر فقط أو منها عمدا أو من الصغائر كذلك؟ وجوز بعض الناس عليهم الكفر بناء على أن مطلق المعصية جائز عليهم/ وهو كفر في خلاف كبير «٣»، لكن اتفقوا على أنهم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الوحي بحيث لا يلحقهم فيه خطأ،
_________________
(١) هذا في غير ما يبلغونه للناس من الشرائع، ثم إنهم ينبهون عليه أيضا. كما في قوله تعالى: عَبَسَ وتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى الآيات. قال ابن حزم﵀- في الفصل (٤/ ٦): " ونقول: إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضا قصد الشيء يريدون به وجه الله تعالى، والتقرب به منه، فيوافق خلاف مراد الله تعالى إلا أنه تعالى لا يقر على شيء من هذين الوجهين أصلا، بل ينبه على ذلك ولا بد إثر وقوعه منهم، ويظهر ﷿ ذلك لعباده، ويبين لهم، كما فعل النبي ﷺ في سلامه من اثنتين وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام كما فعل نبيه﵇- في أمر زينب أم المؤمنين، وطلاق زيد لها﵄-، وفي قصة ابن أم مكتوم﵁- وربما يبغض المكروه في الدنيا كالذي أصاب آدم، ويونس- عليهما الصلاة والسلام-، والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بخلافنا في هذا فإننا غير مؤاخذين بما سهونا فيه، ولا بما قصدنا به وجه الله﷿- فلم يصادف مراده تعالى، بل نحن مأجورين على هذا الوجه أجرا واحد".
(٢) ليس علماء السلف بل أهل الكلام أما السلف الصالح فإنهم متفقون على عصمتهم فيما يبلغون عن الله وعن الكبائر والفواحش.
(٣) انظر الفصل في الملل والنحل لابن حزم ٤/ ٥ - ٥٩.
[ ١ / ٣٩٨ ]
وإن لحقهم فيه خطأ بسهو منهم أو تلبيس من شيطان إنسي أو جني نبهوا عليه، ولم يقروا عليه، وهكذا جرى في هذه القصة وأخبر الله أنه يحكم آياته وينسخ ما يلقي الشيطان «١».
وأما تشنيعه/ بقوله:" حاشى لله ومعاذ الله أن يتسلط الشيطان على الأنبياء بمثل هذا" فلعمري أن هذا ليس غيرة منه على الأنبياء ولا تعظيما لهم. فإن اضطرابه في هذا الكتاب بين الفلسفة والشرع يدل على أنه محلول الرابطة بالكلية أو مذبذب لا إلى هذا ولا إلى هذا. ولكن عنادا للإسلام كما قيل:
وما من حبه يحنو عليه ولكن بغض قوم آخرينا «٢»
ولعمري إن منصب الأنبياء محفوظ، ولكن هذا أمر جائز عليهم عقلا وشرعا، ولسنا نعطيهم ما ليس لهم ولا هم يرضون بذلك.
_________________
(١) اتفق السلف والأئمة وجمهور المسلمين على أن الرسل يجري عليهم من الخطأ والنسيان ما يجري على غيرهم في غير ما يبلغونه عن الله تعالى من وحي الله وشريعته، لأن عدم العصمة في ذلك مناقض لمقصود الرسالة، والخطأ فيه وإن لم يتعمد يخرج المبلغ عن الرسالة فلا يكون رسولا. لكن اختلفوا هل يجوز أن يقع من الغلط ما يستدركونه ويبينونه فلا ينافي مقصود الرسالة؟ كما نقل من ذكر" تلك الغرانيق العلى " وكما ذكره الطوفي هنا. والراجح والله أعلم أنه معصوم من الخطأ فيما يبلغه عن الله ﷿. [انظر الجواب الصحيح ١/ ١٧٨ - ١٨٠، وهامش ص: ٣٩٨ من هذا الكتاب.
(٢) لم أعرف قائل هذا البيت مما اطلعت عليه من المراجع.
[ ١ / ٣٩٩ ]
ولهذا قال نبينا ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم» «١» يعني حيث اتخذوه إلها، ولكل أحد رتبة لا يتجاوزها فرفعه عنها إفراط ووضعه عنها تفريط.
أما جواز ذلك عليهم عقلا فلأنه لا يلزم منه محال لذاته ولا لغيره.
وأما جوازه شرعا فثبت في شرعنا: أن إبليس سلط على آدم فأخرجه من الجنة «٢» وما ذكر في التوراة من أن الحية أغوته لا ينافي ذلك. لأن إبليس دخل في فم الحية إلى الجنة فأغواه «٣».
وورد في الآثار: أن موسى لما ذهب لمناجاة ربه على الجبل كان إبليس يدور حوله، فقال/ له بعض ملائكة الرب: ويحك يا إبليس بم تطمع من موسى وهو في هذا المقام؟ قال بما طمعت به من أبيه حين أخرجته من الجنة «٤».
_________________
(١) أخرجه البخاري عن عمر﵁- في كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها ولفظه: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله) وأخرجه الدارمي في كتاب الرقاق، باب قول النبي: «لا تطروني » عن عمر أيضا بلفظ: (لا تطروني كما تطرأ النصارى عيسى بن مريم، ولكن قولوا عبد الله ورسوله» وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٣، ٢٤) أحدهما بلفظ البخاري عن عمر أيضا.
(٢) قال تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ الآية [سورة البقرة، آية: ٣٦].
(٣) القصة في سفر التكوين الأصحاح الثالث. وأوردها ابن جرير في تفسيره (١/ ٢٣٥) عن وهب ابن منبه.
(٤) لم أجد هذا الأثر.
[ ١ / ٤٠٠ ]
وسلط على أيوب حتى أتلف جسده وماله امتحانا من الله له بالصبر «١» وسلط بعض الشياطين على سليمان فأخذ خاتمه وألقاه في البحر بعد أن ألقى عليه شبه/ سليمان فجلس على كرسيه أياما «٢». وذلك تأويل قوله تعالى: ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤) «٣» وكان سليمان مسلطا على أصناف العالم.
وبهذا يحصل الجواب عما ذكره في سياق حديث البخاري.
وقوله فيما سيأتي من كلامه:" هذا من الخرافات التي جاء بها القرآن" دعوى مجردة، غاية مستنده فيها سكوت التوراة وكتب الأوائل عنها، وذلك في الحقيقة استدلال على نفي العلم الوجودي بالجهل العدمي، وهو قلة معرفة بالمناظرة.
_________________
(١) هذه القصة من الإسرائيليات المروية عن وهب بن منبه أوردها المفسرون كالطبري في تفسيره (١٧/ ٥٧) وانظر سفر أيوب الأصحاح الأول والثاني والثالث. وقد ذكر الله في القرآن الكريم قصة صبر أيوب وما ابتلاه به قال تعالى: وأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وآتَيْناهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وذِكْرى لِلْعابِدِينَ [سورة الأنبياء: ٨٣ - ٨٤] وقال تعالى: واذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ (٤٢) ووَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣) وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [سورة ص، آية: ٤١ - ٤٤]، وذكر المفسرون عند تفسير هذه الآيات شيئا مما تعرض له من الابتلاء. والله المستعان.
(٢) هذه القصة من الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون منهم ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٧، ١٥٨)، وابن كثير في تفسيره أيضا (٤/ ٣٤ - ٣٧) وقال:" وهو غريب جدا". اهـ.
(٣) سورة ص، آية: ٣٤.
[ ١ / ٤٠١ ]
وقد صح عندكم في الإنجيل: أن المسيح لما اعتمد من يوحنا المعمداني سلط عليه الشيطان امتحانا له. فقال له:" إن كنت محفوظا فألق نفسك من أعلى هذا الهيكل. فقال له: مكتوب لا تمتحن ربك. وقال له: اسجد لي وأعطيك ممالك العالم كلها- وكانت قد رفعت له- فقال له يسوع: مكتوب اعبد ربك وحده" «١». معنى القصة هذا.
وإذا جاز أن يتعرض الشيطان للأنبياء ويسلمون منه فما المانع من «٢» أن يتعرض لهم، وينال «٣» منهم. بل هذا ألزم عليكم. لأن المسيح عندكم هو الله أو ابن الله، وقد عارضه الشيطان حتى لقي منه شدة على ما أشار إليه الإنجيل، أو صرح به فالأنبياء لا يبعد أن ينال/ منهم ثم يتداركهم الله بعصمته. وقد سحر نبينا محمدا ﷺ بعض شياطين اليهود «٤» حتى أثر ذلك في أفعاله، ثم شفاه الله تعالى «٥» من ذلك «٦»، وأنزل عليه
_________________
(١) إنجيل متى أول الأصحاح الرابع.
(٢) من: ساقطة من (م).
(٣) في (أ): وبيان منهم.
(٤) هو من بني زريق واسمه: لبيد بن الأعصم، قيل: كان من اليهود وقيل كان من حلفاء اليهود وقيل كان يهوديا وأسلم نفاقا. والصحيح أنه يهودي من بني زريق كما صرح بذلك مسلم في روايته للحديث.
(٥) كلمة:" تعالى" ليست في (أ) و(ش).
(٦) أخرجه البخاري في الطب باب السحر عن عائشة﵂- قالت: سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله. حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي، لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند-
[ ١ / ٤٠٢ ]
المعوذات «١».
وبالجملة. الأنبياء بشر، والبشر عرضة لهذه الآفات وغيرها. ثم يتدارك الله بعصمته من شاء./ وإذا كان إلهكم المسيح سلط عليه شياطين اليهود، الذين كيدهم دون كيد الشيطان الحقيقي بكثير فصلبوه وأهانوه ودفن ثم بعث ثلاثة أيام- على زعمكم- فكيف لا يتطرق على الأنبياء- الذين هم دون رتبة الإلهية بكثير- شيطان الجن الذي هو أقوى كيدا من شياطين الإنس بكثير؟ «٢» هذا مما لا يحيله عاقل ولا عادل.
_________________
(١) - رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجفّ طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال في بئر ذروان فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءها نقاعه الحناء، وكأن رءوس نخلها رءوس الشياطين. قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ قال: قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شرا. فأمر بها فدفنت" وأخرجه أيضا في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس، وفي كتاب الأدب باب قول الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وفي الدعوات، باب تكرير الدعاء. بألفاظ غير هذا اللفظ. وأخرجه مسلم في كتاب السلام باب السحر حديث ٤٣، وأخرجه ابن ماجه في الطب، باب السحر بلفظ مسلم، وأحمد في المسند (٦/ ٥٧) بلفظ مسلم أيضا.
(٢) هكذا في النسخ الثلاث بالجمع والصواب: المعوذتين. وعبارة:" وأنزل الله عليه " في الأثر الذي أورده الإمام الثعلبي في تفسيره:" وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطه وإذا فيه وتر معقود فيه اثنا عشر عقدة مغروزة بالإبر، فأنزل الله تعالى السورتين- يعني الفلق والناس- فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة " الخ روايته [انظر تفسير ابن كثير ٤/ ٥٧٤]. وذكره الواحدي في أسباب النزول ص ٣٤٦ - ٣٤٧، من غير إسناد.
(٣) روي أثر منقطع أن النبي ﷺ قال عند ما سأله أبو ذر: «وهل للإنس من شياطين قال: نعم هم شر من شياطين الجن» ولكن الصحيح ما قاله المؤلف- والله أعلم- أن شياطين الجن أضر على الإنس لملازمتهم الناس كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في كتاب صفات-
[ ١ / ٤٠٣ ]
ثم نقول لهذا الخصم: ما نرى مثلك في تنزيهك للأنبياء عما ذكرت إلا ما حكي عن بعض النساء الخفرات «١» أنها «٢» مرت على رجال فاستحيت منهم فكشفت ثوبها عن استها حتى غطت وجهها، وكرجل قال لرسوله: إذا وصلت إلى فلان فسلم لي عليه وصك لي قفاه.
فإنك تنزه الأنبياء عن أن يتعرض لهم الشيطان تعرضا مأمون العاقبة متداركا بالعصمة الإلهية. ثم إنك تصدق ما في التوراة من أن روبيل «٣» بن يعقوب وطئ سرية أبيه، ونجس فراشه «٤».
وأن يهوذا وجد كنته- زوجة ابنه- على الطريق في صورة زانية فزنى بها بجدي ثم رهنها به «٥» خاتمه وعمامته وقضيبا كان في يده، ثم إنه لما ظهر حملها أمر برجمها «٦» فلما عرّفته أن الحمل منه وأرته العلامة أمر بتركها «٧».
_________________
(١) - المنافقين حديث ٦٩:" ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" قالوا: وإياك يا رسول الله" قال: «وإياي إلا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» أما شياطين الإنس فلا يلازمون الإنسان في كل وقت ملازمة شياطين الجن.
(٢) من الخفر وهو شدة الحياء. [لسان العرب ٤/ ٢٥٣، ومختار الصحاح ١٨٢].
(٣) أنها: ساقطة من (م) و(ش).
(٤) في التراجم الحديثة: رأوبين.
(٥) انظر سفر التكوين الأصحاح الخامس والثلاثين.
(٦) به: ليست في (م).
(٧) في التراجم الحديثة أنه أمر بحرقها.
(٨) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والثلاثين.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وأن عظيم ساليم قرية سجيم «١» زنا ببنت يعقوب ثم خطبها، وأن ذلك أغضب إخوتها حتى خدعوهم باقتراح الختان/ عليهم، ثم دخلوا وهم مرضى من ألم الختان فقتلوهم، وأخذوا أموالهم «٢».
وأن لوطا لما نجا من عذاب قومه أسقته ابنتاه الخمر، ثم ضاجعتاه فوطئهما فأحبلهما «٣».
وهذا منصوص مصرح به في التوراة التي بأيديكم وأنتم مع ذلك تحتجون علينا بما فيها. وهذه حكايات- والله- يتنزه سوقة «٤» الناس ورعاعهم وأراذلهم عنها. بل عما هو دونها. وأنتم تنسبونها إلى الأنبياء فلعن الله من قال ذلك، ومن يصدقه، فما أسرع ما نسيتم العدل والإنصاف الذي أمركم به المسيح في الإنجيل.
لقد أطعتموه في ذلك كما أطاعته اليهود حيث فعلوا به ما فعلوه من الإهانة والصلب «٥» فعليكم جميعا من الله ما تستحقونه.
فإن صدّقت بما في التوراة من هذا الهذيان فيكفيك ذلك جهلا وحمقا وقلة
_________________
(١) في التراجم الحديثة: شكيم.
(٢) انظر سفر التكوين الأصحاح الرابع والثلاثين.
(٣) انظر سفر التكوين الأصحاح التاسع عشر.
(٤) في (م):" يتنزه عنها سوقة الناس" والسّوقة: الرعية من دون الملك سموا سوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم. يقال للجماعة والواحد والمذكر والمؤنث. [انظر لسان العرب ١٠/ ١٧٠، ومختار الصحاح: ٣٢٣، والمصباح المنير ١/ ٣٥٠.
(٥) هذا على زعم النصارى واليهود.
[ ١ / ٤٠٥ ]
عقل، وسخافة رأي وزندقة؛ حيث تنسبون الأنبياء المعصومين المعظمين إلى المكر والخداع والزنا بالأجانب وبالبنات وسراري الآباء، وإن لم تصدقوه فكيف تحتجون علينا بكتب فيها مثل هذا الفشار؟ «١».
قوله:" تضمنت هذه القصة باطلين. أحدهما: نسبة الرسل إلى هذه المثلبة والافتراء عليهم بذلك".
قلنا قد بينا أن هذا لا غضاضة عليهم فيه، وليس هذا افتراء عليهم لأنه نبي معصوم مثلهم. وقد أخبر عنهم بما أوحي إليه.
وأما الباطل الثاني وهو إخباره بأن للأصنام شفاعة فليس ذلك من إخباره، وإنما الشيطان أخبر به على لسانه. وقد بينا أن لا محذور في ذلك ثم نسخه الله.
وإنما كان يتجه القدح أن لو لم ينسخ واستمر لكنه لم يستمر بحمد الله./
وفسر بعض العلماء إلقاء الشيطان في أمنيته وعلى لسانه بأنه/ نطق بما نطق به مقارنا لنطقه فاشتبه صوته بصوته «٢». وهو أولى ما يقال. وبهذا يلتغي «٣» المحذور بالأصالة جدا، ثم ننبه هاهنا لدقيقة وهي أن قوله تعالى: وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (٥٢) «٤» لا يقتضي
_________________
(١) الفشار: كغراب: عامية تستعمل بمعنى الهذيان. [انظر تاج العروس ٣/ ٤٧٠].
(٢) هذا على فرض صحة القصة وإلا فقد نقلت أقوال العلماء في بطلانها فيما سبق.
(٣) في (أ): يكتفى. وفي (ش): ينتغي.
(٤) سور الحج، آية: ٥٢.
[ ١ / ٤٠٦ ]
أن «١» كل رسول ونبي تمنى وألقى الشيطان في أمنيته،/ بل يقتضي أن من وجد منه التمني كما وجد منك" ألقى الشيطان في أمنيته" كما ألقى في أمنيتك وذلك لأن الإلقاء وقع في جواب إذا الشرطية التي ينتفي مشروطها لانتفاء شرطه، فحينئذ نقول: قد يوجد التمني من بعض الأنبياء فيوجد الإلقاء من الشيطان وقد لا يوجد التمني فلا يوجد الإلقاء. هذا مقتضى الآية لفظا «٢».
أما عقلا فيقتضي أن كلهم تمنوا وكلهم ألقي في أمنيته لأن الله سبحانه بعثهم رحمة للخلق، فمن المحال عادة أن نبيا يبعث إلى أمة، ولا يتمنى رشادها «٣» وهداها واتباع ما جاء به من الحق، وترك هواها.
وأما قوله في حديث البخاري:" من له هذا السلطان على الشيطان؟ كيف يعبث به الشيطان هذا العبث؟ " فقد سبق جوابه عند ذكر عبث الشيطان بسليمان،
_________________
(١) أن: ليست في (أ). (ش).
(٢) قلت: ثم تمنى قد جاء تفسيرها عن ابن عباس بمعنى حدّث وقرأ فيكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه أو قراءته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ، [انظر صحيح البخاري كتاب التفسير ٢٢ سورة الحج، وتفسير السعدي ٥/ ٣٠٩].
(٣) التمني له معنيان يقال: تمنى: أي: قرأ، أو قال، أو تلا، أو حدّث ويقال: تمنى: اشتهى حصول الأمر المرغوب فيه، وهو حديث النفس بما يكون وما لا يكون، وتمنى الشيء أراده، والآية على المعنى الأول، وليس على الثاني كما سار عليه المؤلف هنا، فإنه غير المقصود في الآية. [انظر لسان العرب ١٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥، وتفسير القرطبي ٢/ ٦، وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٣٠].
[ ١ / ٤٠٧ ]
ونزيد هاهنا بأن نقول: هو وإن كان له على الشيطان هذا السلطان لكن يجوز أن يسلط عليه الشيطان بإذن الله لحكمة. وقد بين الله سبحانه الحكمة في ذلك حيث يقول: لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ (٥٣) «١» يعني الكفار والمنافقين كانوا قد أيسوا من محمد أن يعبد آلهتهم،/ أو يسكت عن ذمها، وقد ضجر بعضهم وهمّ أن يدخل في الإسلام فألقى الشيطان على لسانه «٢» مدح الأصنام ليظنوا أنهم منها على شيء فيتمسكوا بعبادتها، وأن لها قدرا عند محمد، فيطمعون في إجابته إلى عبادتها أو الكف «٣» عنها، فأمسك من كان أراد الدخول في الإسلام عنه بهذا السبب حتى مات كافرا، وظنوا أن رجوع محمد عن مدحها بعد إلقائه على لسانه عناد لها ورجوع عن الحق في أمرها «٤». وهذه الآية من أكبر الأدلة على إثبات القدر. وسيأتي عند ذكر هذا الخصم له.
_________________
(١) سورة الحج، آية: ٥٣.
(٢) قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٢/ ٨٢):" والذي يظهر ويترجح في تأويلها على تسليمه أن النبي ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيا نغمة النبي ﷺ. بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي ﷺ وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ﷺ في ذم الأوثان وعيبها " اهـ.
(٣) في (ش): والكف.
(٤) كل هذا الكلام الذي ذكره الطوفي بناء على ما رآه من صحة القصة، ولذلك بنى رده على النصراني في هذه المسألة على أنها صحيحة، وليست كذلك- والله أعلم-.
[ ١ / ٤٠٨ ]
[تجسم الشياطين وإنكار النصراني ذلك]
وأما قوله:" تضمن هذا الحديث أن الشيطان متجسم":
قلنا: نعم.
قوله: هذا باطل: لأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة.
قلنا: عن المادة العنصرية الكثيفة التي هي كمواد الآدميين؟ أو عن المادة مطلقا؟.
الثاني: ممنوع. والأول: مسلم فإن لهم مادة لطيفة، وكذا الملائكة فإن الشياطين خلقوا من نار، والملائكة من نور، كما صح في السنة النبوية «١». ثم كيف تصح دعوى تجردهم عن المادة مطلقا.
وقد ذكر في الأناجيل في نحو عشرين موضعا. منها: أن المسيح كان يخرج الشياطين من الناس/ وأن بعض الشياطين استغاث منه وقال:" ما لنا ولك يا مسيح ابن الله" «٢» وأنه أخرج الشياطين في بعض المرات/ إلى قطيع خنازير فأخذوها حتى رموها في البحر فغرقت «٣»، وأنه أخرج من" مريم المجدلية" سبع شياطين، ولذلك لازمت خدمته حتى مات، وكانت أول من رآه بعد قيامه من
_________________
(١) أخرج مسلم في الزهد، باب في أحاديث متفرقة حديث رقم ٦٠، وأحمد في المسند (٦/ ١٥٣) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم» وهذا لفظ مسلم.
(٢) انظر إنجيل مرقس الأصحاح الخامس.
(٣) انظر إنجيل مرقس الأصحاح الخامس.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الأموات، وبشرت «١» به التلاميذ «٢».
فهل يصح عند عاقل/ أن يدخل في الحيوان ويخرج منه ويستغيث ويصوت إلا جسم؟.
وأما قوله: إن هذا هو قول الأنبياء والفلاسفة. فهو كذب وافتراء على الطائفتين، أما على الأنبياء فلأن إبراهيم وإسحاق ويعقوب كانوا يرون الملائكة أجساما «٣». وقد صرح في التوراة أن" يعقوب" لما عاد من" حوران" إلى" كنعان" عرض له عند قرية" بالق" «٤» رجل فصارعه إلى أن أسفر الصبح وقال له في آخر القصة:" أنت إسرائيل لأنك قاومت الملك والرجل" «٥».
فنقول: هذا: إما ملك أو شيطان، وأيهما كان بطلت دعوى هذا في أن ما ذكره مذهب الأنبياء.
لكن رأيت بعض النصارى قد تدمّغ «٦» وزعم أن المصارع ليعقوب هنا كان هو الله وهذا رأي المجانين، وهو نظير قولهم إن المسيح هو الله، وبذلك استدل على هذا.
_________________
(١) في (ش)، (أ): وبشر به التلاميذ.
(٢) انظر الأصحاح السادس عشر من إنجيل مرقس.
(٣) قال الله تعالى: ونَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ الآيات [سورة الحجر ٥١ - ٦٠].
(٤) في التراجم الحديثة: يبّوق. ولم أجد لها ذكرا.
(٥) انظر سفر التكوين الأصحاح الثاني والثلاثين.
(٦) المدمغ: الأحمق: كأن الشيطان دمغه سمى دميغ ومدموغ لوفور حمقه. فدمغ: كثر فيه الحمق وكأن الشيطان غلبه حتى قهره. فعلى هذا يكون معنى" تدمّغ" أي: بالغ في الحمق، والله أعلم. [تاج العروس ٦/ ٨ - ١٠].
[ ١ / ٤١٠ ]
يعني: أن الله سبحانه «١» لا يظهر للناس حتى يتأنس بهم ويظهر في مظاهرهم. وأما على الفلاسفة فلأنهم يزعمون: أن الملائكة قوى الأفلاك، والشياطين قوى النفوس الأمارة «٢». والله أعلم.
[بين القرآن والنصارى فيما أوتي سليمان ﵇]
قال:" ولقد قال «٣» في إخباره عن ملك سليمان خرافات. أفصح بها القرآن من ذلك في سورة النمل: ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ إلى قوله: وأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤) «٤» وذكر كلاما يتعلق بتفسير ذلك عن ابن عطية حكاه عن ابن سلام وابن عباس وغيرهما.
ثم قال:" فانظر بعقلك أيها المسترشد إلى هذه الحكاية، وما تحتوي عليه من الأمور التي لو كانت لسليمان أو بعضها لسبق ذكر ذلك في المصاحف لأنها من العجائب التي تتوفر الدواعي على نقلها. فعلم أن تلك خرافات/ موسوسة".
_________________
(١) " سبحانه" مكررة في (أ).
(٢) قال ابن القيم﵀- في إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١):" وإنما الملائكة عندهم- أي الفلاسفة- ما يتصوره النبي بزعمهم في نفسه من أشكال نورانية، هي العقول عندهم، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه" وذكر أنهم ينفون أن يعملوا شيئا أو يؤمروا بشيء ثم قال:" وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام فقال: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد. والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة" اهـ.
(٣) «قال» ليست في (أ)، (م).
(٤) سورة النمل، آية: ١٦ - ٤٤.
[ ١ / ٤١١ ]
قلت: أما ما ذكره ابن عطية وغيره من المفسرين فلسنا بصدد الجواب عنه، لأنا لسنا على يقين من صحته، وهم ليسوا معصومين. وإنما نحن بصدد الجواب عن القرآن الكريم، الصادر عن المعصوم «١» على لسان المعصوم بواسطة المعصوم «٢».
والجواب: أن ما ذكر في سورة النمل وغيرها من سور القرآن من الحكايات «٣» / والقصص والعجائب ممكن أخبر به الصادق. وكل ممكن أخبر به
_________________
(١) العصمة لغة: المنع يقال: عصمته عن الطعام: منعته عن تناوله، وعصمته من الكذب أي منعته منه، ومنه قوله تعالى: قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وحالَ [هود، آية: ٤٣] أي لا مانع. وفي الحديث الذي رواه البخاري في الإيمان باب ١٧ ومسلم في الإيمان حديث ٣٤ - ٣٦، وغيرهما" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على الله" أي منعوا مني دماءهم. وهي في الاصطلاح: حفظ الله لأنبيائه ورسله عن الوقوع في الذنوب والمعاصي وارتكاب المحرمات. [النبوة والأنبياء للصابوني ص ٥٣، ٥٤، ولسان العرب ١٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤]. قلت: ومن هذا التعريف يظهر أن لفظ" معصوم" اسم مفعول من عصم ويدل على أن غيره عصمه فاطلاقه في حق الله غير صحيح، لأنه هو العاصم لغيره سبحانه، وإن كان كثير من العلماء يطلقونه على أنه صاحب الكمال سبحانه الذي لا صدر منه كذب ولا نقص، ولكن الأولى عدم اطلاق لفظ" معصوم" على الله لما ذكرنا. والله أعلم.
(٢) جبريل ﵇.
(٣) الحكايات: جمع حكاية من حكيت الشيء حكاية إذا أتيت بمثله على الصفة التي أتى بها غيرك فأنت كالناقل. [انظر لسان العرب ١٤/ ١٩١ والمصباح المنير ١/ ١٧٦] قلت: والحكاية تستعمل عادة في الأخبار غير الصحيحة أو التي سمعت من الناس دون معرفة صحتها. وهذا لا يليق أن نعبر به عما في كتاب الله من الأخبار الموحى بها. والمؤلف هنا قال حكايات تنزلا لا موافقة للنصراني. والله أعلم.
[ ١ / ٤١٢ ]
الصادق فهو حق واقع. فما ذكر في سورة النمل وغيرها حق واقع. أما إمكانه فلا نزاع فيه عند من سمعه من العقلاء. إذ الممكن ما لا يلزم من فرض وقوعه محال.
وأما/ كون الذي أخبر به صادقا فلوجوه:
أحدها: ظهور المعجزات الخوارق على يديه. وسنذكرها، وبرهان إثباتها فيما بعد عند قدحك في القرآن في شرط المعجز.
الثاني: ما اشتهر من أن قريشا ما كانت تسميه منذ كان صبيا حتى ادعى النبوة إلا الأمين «١» وإنما كذبوه فيما بعد ذلك، لكونه أخبرهم بحقائق إلهية لم تدركها عقولهم. وذلك جهل منهم بأحكام الشرائع. وأنت قد قدمت عند بيان ضرورة النبوة: أن العقل لا يستقل بمعرفة الحقائق الإلهية بدون تأييد إلهي وكتكذيب اليهود للمسيح، وكان صادقا.
الثالث: الطريق التي استدل بها" هرقل" «٢» ملك الروم على صحة نبوته.
وأنا أسردها بكمالها تكميلا لفائدتها:
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع «٣»، قال: أخبرنا
_________________
(١) وكانوا يسمونه: الصادق.
(٢) هرقل: هو ملك الروم. وهذا اسمه ولقبه: قيصر، كما يلقب ملك الفرس كسرى. [فتح الباري ١/ ٣٢].
(٣) أبو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي، اشتهر بكنيته، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب بن أبي حمزة الآتي ذكره- وأبو اليمان ثقة ثبت، توفي﵀- سنة إحدى عشرة ومائتين، وقال البخاري وغيره سنة اثنتين وعشرين ومائتين من الهجرة. [انظر تهذيب التهذيب ٢/ ٤٤١ - ٤٤٣، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٣١٩ - ٣٢٥].
[ ١ / ٤١٣ ]
شعيب «١» عن الزهري «٢» قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود «٣» أن عبد الله بن/ عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب «٤» أخبره: أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان
_________________
(١) أبو معشر شعيب بن أبي حمزة الأموي الحمصي. أحد العبّاد، قال ابن معين:" من أثبت الناس في الزهري" توفي سنة اثنتين وستين ومائة للهجرة. وقيل: سنة ثلاث وستين ومائة. [انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٣٤٩، وسير أعلام النبلاء ٧/ ١٨٧ - ١٩١].
(٢) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، من بني زهرة بن كلاب من قريش، المدني أول من دون الحديث من كبار الحفاظ والفقهاء من التابعين، روي عنه أنه قال: " ما استودعت قلبي شيئا فنسيته قط" ومن أقواله:" العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال" كان زاهدا في الدنيا، وكانت ولادته في آخر خلافة معاوية في سنة ثمان وخمسين من الهجرة. في سنة وفاة عائشة﵂-. [انظر صفة الصفوة ٢/ ١٣٦ - ١٣٩، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦ - ٣٥٠].
(٣) أبو عبد الله الهذلي أحد فقهاء التابعين بالمدينة جده عتبة هو أخو عبد الله بن مسعود﵁- قال الزهري ما جالست عالما إلا ورأيت أني أتيت على ما عنده إلا عبيد الله فاني لم آته إلا وجدت عنده علما طريفا" توفي سنة تسع وتسعين للهجرة وقيل غير ذلك. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ١/ ٣١٢، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٥ - ٤٧٩].
(٤) ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف رأس قريش وقائدهم يوم أحد والخندق ولكن تداركه الله بالإسلام يوم الفتح فأسلم شبه مكره خائف. ثم بعد أيام صلح إسلامه. وشهد قتال الطائف فقلعت عينه حينئذ، ثم قلعت الأخرى يوم اليرموك، وكان يومئذ يحرض المسلمين على الجهاد فكان يصيح:" يا نصر الله اقترب" وكان يومها تحت راية ولده يزيد، توفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين، وقيل غير ذلك. [انظر سير أعلام النبلاء ٢/ ١٠٥ - ١٠٧].
[ ١ / ٤١٤ ]
رسول الله ﷺ مادّ «١» فيها «٢» أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء «٣» فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقلت: أنا. قال: ادنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثم قال لترجمانه: قل «٤» لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عنه.
ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب.
قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشرف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة «٥» لدينه بعد أن يدخل فيه «٦»؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في/ مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكّني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت:
_________________
(١) في (ش) هادن.
(٢) مادّ أبا سفيان: أي صالحه، وقد كان الصلح من قريش مع النبي ﷺ عشر سنين، وقيل: أربع سنين ثم نقضت قريش العهد. [انظر فتح الباري ١/ ٣٤].
(٣) ايلياء: اسم من أسماء مدينة بيت المقدس، عبري. قيل: معناه بيت الله. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢٠، ومراصد الاطلاع ١/ ١٣٨].
(٤) في (أ): قال لهم.
(٥) سخطة: ليست في (أ): والسخطة من السخط: الكراهية للشيء وعدم الرضا به. [انظر لسان العرب ٧/ ٣١٢ - ٣١٣، والمصباح المنير ١/ ٣١٩].
(٦) فيه: ليست في (أ).
[ ١ / ٤١٥ ]
الحرب بيننا وبينه سجال «١»، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول:
اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب/ وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك؟ هل أحد منكم قال هذا القول؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي «٢» بقول قيل قبله. وسألتك: هل كان من آبائه من «٣» ملك؟ فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألت: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا. فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله./ وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك: أيرتد أحد سخطه لدينه، بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا. وكذلك الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب «٤». وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا
_________________
(١) سجال: بكسر أوله: أي نوب، من ساجل الرجل الرجل: باراه، وأصله في الاستقاء بالدلو، والمساجلة: المفاخرة بأن يصنع مثل صنيعه في جري أو سقي أو غير ذلك. [انظر فتح الباري ١/ ٣٦، ولسان العرب ١١/ ٣٢٦، والمصباح المنير ١/ ٣١٧].
(٢) اتسى به: جعله أسوة، أي: اقتدى به. [انظر لسان العرب ١٤/ ٣٥ - ٣٦، ومختار الصحاح ص ١٧].
(٣) من: ليست في (م).
(٤) أي: يخالط الإيمان انشراح الصدر. [انظر فتح الباري ١/ ٣٦].
[ ١ / ٤١٦ ]
وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف. فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت «١» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدمه" «٢».
قلت: فهذا حديث صحيح ثابت بإجماع المسلمين، ويستحيل عادة اختلاق مثله. ثم لو سلم أنه مختلق، لكن هذه القضايا التي فيه مشهورة مثل أنه لم يكن في قومه/ نبي «٣» ولا ملك، وأنه غير كاذب ولا غادر ونحوها.
ووجه الاستدلال منها ظاهر جدا، فلو وفق النصارى كلهم لما وفق له هذا الملك «٤»، لأفلحوا كل الفلاح، ثم مقصودنا منه: استدلاله على صدقه بقوله:
" لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله"./
وهكذا النجاشي ملك الحبشة لما سمع ما أنزل على محمد في سورة مريم من صفة المسيح حيث يقول: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) «٥»
_________________
(١) لتجشمت: أي تكلفت الوصول إليه. [انظر فتح الباري ١/ ٣٧، ومختار الصحاح ص ١٠٥].
(٢) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، الباب السادس، وفي الجهاد، باب قوله تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا بلفظ مقارب للفظ الأول وأطرافه في مواضع أخرى من صحيحه. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل بلفظ مقارب لهذا اللفظ، وأحمد في المسند (١/ ٢٦٢) بنحوه.
(٣) كلمة:" نبي" ليست في (أ).
(٤) هذا الملك وفق لمعرفة الحق دون الانتفاع به، وليس في هذا فلاح.
(٥) سورة مريم، آية: ٣٠.
[ ١ / ٤١٧ ]
الآيات. قال:" ما عدا المسيح ما قال هذه" يعني عوده في يده «١»، وبكى في حديث طويل، وهو حديث أم سلمة «٢» عند هجرتهم إلى الحبشة، وفيه وفي أصحابه أنزل الله سبحانه «٣»: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذِينَ أَشْرَكُوا ولَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى إلى قوله: وإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ (٨٣) «٤».
_________________
(١) في (ش):" قوله في يده، وفي (أ): في يده وفي أصحابه. وفي مسند أحمد فضرب النجاشي يده على الأرض فأخذ منها عودا ثم قال:" ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود".
(٢) أم المؤمنين هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومية بنت عم خالد بن الوليد﵁- من المهاجرات الأول إلى الحبشة كانت زوجة لأخي النبي ﷺ من الرضاعة أبي سلمة عبد الأسد المخزومي﵁-. دخل بها النبي ﷺ في سنة أربع من الهجرة، وهي آخر من مات من أزواجه ﷺ بعد مقتل الحسين سنة إحدى وستين وقيل تسع وخمسين للهجرة. [انظر الاستيعاب ٤/ ١٩٣٩ - ١٩٤٠، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٢٠١ - ٢١٠].
(٣) هذه القصة في حديث أخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٠١ - ٢٠٣)، (٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢) ويسمى حديث الهجرة والقصة مشهورة قد رواها أصحاب السير كابن إسحاق وغيره، من طريق أم سلمة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤ - ٢٧) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" اهـ. وقال أحمد البنا في الفتح الرباني (٢٠/ ٢٢٩). الحديث صحيح " اهـ. قلت: والقصة ليست سبب نزول الآية كما قد يفهم من سياق المؤلف﵀- لأن الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة إلى المدينة [انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٨٥].
(٤) سورة المائدة، آية: ٨٢ - ٨٣.
[ ١ / ٤١٨ ]
فهؤلاء ملوك النصارى يعترفون بالحق، ويصيرون إليه، فلا عبرة بقدح حثالتهم ورعاعهم.
وإنما قلنا: إن كل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع لوجهين:
أحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن لأحد وثوق بإخبارات الله ورسله وليس كذلك.
الثاني: لو لم يكن كذلك لم يكن المخبر صادقا. لكنا فرضناه صادقا.
هذا خلف.
وأما قوله:" لو كانت هذه الأمور لسليمان لسبق «١» ذكرها في المصاحف" فجوابه سبق في غير موضع. وهو أن هذا استدلال «٢» على الوجود المحض بالعدم المحض وهو جهالة.
وكم من واقعة عظيمة وغيرها قد وقعت/ في ملك الله لم تذكر في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن. وقد قال الله سبحانه لمحمد﵇- في القرآن: ورُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) «٣» وقال لليهود لما سألوه عن الروح: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥) «٤».
_________________
(١) لسبق: ليست في (أ).
(٢) في (أ): أن هذا الاستدلال.
(٣) عبارة: وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا ليست في (م)، والآية في سورة النساء، آية: ١٦٤.
(٤) سورة الإسراء، آية: ٨٥.
[ ١ / ٤١٩ ]
[الرد علي النصراني في انكار الجن وتجسم الشياطين]
قال:" وفي سورة الأحقاف «١»: وإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ (٢٩) وفي سورة الجن: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) الآيات. وذكر «٢» ما ذكره ابن عطية وغيره في تفسير هذا من رمي مسترقي السمع لمبعثه ﷺ وأنهم تفرقوا ينظرون ما السبب؟ فوجدوا النبي﵇- يقرأ فعلموا أنه سبب منعهم «٣»، وذكر حديث مسلم من رواية ابن مسعود قال: فقدنا النبي ﷺ ذات ليلة فقلنا: اغتيل «٤»، أو
_________________
(١) الآية: ٢٩.
(٢) في (أ): وذكره ما ذكره
(٣) يقصد المؤلف بذلك الحديث الذي أخرجه البخاري في كتاب الآذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر، وفي كتاب التفسير، تفسير سورة: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ عن ابن عباس﵄- قال: (انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استعموا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا فأنزل الله على نبيه ﷺ: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ وانما أوحي إليه قول الجن» وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن، وأخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب سورة الجن، وفي لفظه زيادة عنهما وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٥٢).
(٤) اغتيل: أهلك سرا. واغتاله أهلكه سرا. [انظر لسان العرب ١١/ ٥٠٧، وشرح صحيح مسلم ٤/ ١٧٠].
[ ١ / ٤٢٠ ]
استطير «١»، فلما كان وجه الصبح إذا هو يجيء من قبل حراء، فقال: إنه" أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. قال/ الشعبي: سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة فقال:" كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال:" فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن" «٢» ورواه أحمد «٣».
قال:" وقد تقدم العلم بأن الشياطين بسائط مجردة عن المادة فكيف تصطلي بالنار وتركب الدواب، وتغتذي بنخر العظام؟ إن «٤» وافقك عقلك على أن هذا حق فتزحزح عن الآدميين والحق بالبهائم".
قلت: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أنا قد بينا فيما تقدم أن الشياطين/ ليست مجردة عن المادة مطلقا بل إن صح أن لها تجردا عن المادة فعن الكيفية. وحينئذ يجوز «٥» أن يرد عليها هذه
_________________
(١) افي (ش): اغتيل استطير، قلت: استيطر: طارت به الجن، من استطار إذا انتشر في أفق السماء. [انظر لسان العرب ٤/ ٥١٢ - ٥١٣، وشرح صحيح مسلم ٤/ ١٧٠].
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث ١٥٠: بسنده عن علقمة قال: سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ الخ والترمذي في تفسير سورة الأحقاف وبعضه في الطهارة باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٣٦) ولم يلتزم الطوفي عند إيراد الحديث بلفظ أحدهم.
(٣) تقدمت ترجمته ص: ٥٦ في القسم الدراسي.
(٤) إن: ليست في (أ).
(٥) «يجوز» ليست في (ش).
[ ١ / ٤٢١ ]
الأفعال بحسب مادتها. ودلالة الإنجيل قاطعة في نحو عشرين موضعا منه على عدم تجردها. كما سبق.
الثاني: أن الباري﷾- إن قلتم ليس مجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة والشياطين أكمل منه. وإن جردتموه عن المادة فقد جوزتم تأنسه بالإنس حتى يمازجهم ويظهر في مظاهرهم كظهوره في ناسوت المسيح حتى صار يأكل ويشرب ويتغوط ويقتل ويصلب ويركب «١» الحمار ويشرب الخمر ويحي العظام النخرة فيجعلها أوفر ما كانت لحما ويصلي ويتعبد، فجواز ذلك على الجن الذين هم بعض خلق الله- سبحانه- بقدرته عليهم، وتصرفه فيهم أولى، وحينئذ لا يمتنع أن الجن إذا أرادوا الطعام خلق الله لهم على ما وجدوه من العظام لحما يأكلونه «٢»، وإن كنا نحن لا نرى ذلك، إذ لا حاجة بنا إليه فلا يوجد اللحم عليها حين نراها.
فإن قيل: المسيح كان يفعل ما ذكرتم من الأفعال بناسوته لا لاهوته.
قلنا: هذا باطل. فإنكم صرحتم بأن المسيح هو مجموع اللاهوت والناسوت وأن المسيح هو الله، وأنه إنما ظهر ذلك المظهر بطريق التأنس بالإنس والانتقال من حال إلى حال.
_________________
(١) في (أ): ويرد الحمار.
(٢) أخرج البخاري في مناقب الأنصار، باب ذكر الجن (٣٢) عن أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال:" وإنه أتاني وفد جن نصيبين- ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاما" اهـ.
[ ١ / ٤٢٢ ]
كذا قرره" ابن الأمثل" «١» مطران «٢» " حمص" «٣» منكم بنحو عشرين حجة من التوراة والإنجيل.
منها أن الله- سبحانه- ظهر ليعقوب حين قدومه من عند خاله فصارعه إلى الصبح «٤». وهذه من جملة الحجج عليكم.
الثالث: أن هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل/ بدركها فيجب علينا تسلمها عن الشرائع. وإنما ينكر هذا فيلسوف لم ترض «٥» نفسه في
_________________
(١) لم أجد له ترجمة.
(٢) مطران: عند النصارى في درجة القاضي عند المسلمين، ولكن ليس في درجته في الفضل والإيمان فذاك نصراني كافر وهذا مؤمن موحد. ففي تتمة المختصر لابن الوردي: إن البطريق: إمام كبير عندهم. ومطران: قاض.، والأسقف: مفت، والقسيس: قارئ، والجاثليق: إمام الصلاة. والشماس: مؤذن ومقيم وخادم. [انظر هامش الجواب الصحيح ١/ ٣١٧ بتحقيق الدكتور علي بن حسن العسيري].
(٣) المدينة المعروفة بالشام في منتصف الطريق بين دمشق وحلب، وكانت أشهر من دمشق وهي مسماة باسم من بناها وهو: حمص بن مكنف العمليقي، قبر بها جماعة من الصحابة وحمص أيضا بلدة بالأندلس، يقال: إنها مدينة اشبيلية، يسمونها حمص أيضا. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٨٦، ومراصد الاطلاع ١/ ٤٢٥]. قلت: والذي يظهر لي أن المقصود بها اشبيلية في الأندلس والتي سماها عبد الرحمن بن معاوية: حمص حينما دخلها فاتحا كما سمى بقية المدن في الأندلس بما يشابهها من مدن الشام وافريقيا. وقد كان للنصارى فيها شأن أيام الحروب الصليبية ولعل ابن الأمثل هذا منها. (انظر الكامل في التاريخ ٤/ ٣٦١).
(٤) انظر الأصحاح الثاني والثلاثين من سفر التكوين.
(٥) أي: لم تتسع وتنبسط وتطيب، ومنه يقال: افعل ما دامت النفس مستريضة. [انظر المصباح المنير ١/ ٢٩١ - ٢٩٢، ومختار الصحاح ص ٢٦٣].
[ ١ / ٤٢٣ ]
علوم الشرائع.
على أني أراك أيها الخصم مذبذبا./ تارة فيلسوفا صلفا «١». وتارة مشرعا جلفا «٢» فأراك كما قال بعضهم لامرأته:/
إني رأيتك في الهوى ذواقة لا تصبرين على طعام واحد «٣» قال:" وانظر أيضا إلى قوله في سورة الرحمن يصف نساء الجنة، الحور العين: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (٥٦) «٤» قال ابن عطية في التفسير:
" قال مجاهد «٥»: الجن قد تجامع نساء البشر مع أزواجهن، إذا لم يذكر الزوج،
_________________
(١) صلفا: الصلف: مجاوزة القدر في الظّرف والبراعة والادعاء فوق ذلك تكبرا. وهي آفة وغلو مع تكبر. [انظر لسان العرب ٩/ ١٩٦].
(٢) الجلف: الرجل الجافي في خلقه وخلقه، شبه بجلف الشاة: أي أن جوفة هواء لا عقل فيه. [انظر لسان العرب ٩/ ٣١، وإكمال الإعلام بتثليث الكلام ١/ ١١٨].
(٣) لم أعرف قائل هذا البيت. مع كثرة البحث عنه فيما استطعت الاطلاع عليه من المراجع.
(٤) سورة الرحمن، آية: ٥٦.
(٥) مجاهد بن جبر شيخ القراء والمفسرين، أبو الحجاج المكي الأسود المخزومي. أكثر ما أخذ عن ابن عباس﵄-، وقد روى عنه قال:" عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة" وفي رواية: ثلاث عرضات أقفه عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت". ولد مجاهد في خلافة عمر بن الخطاب﵁- سنة إحدى وعشرين من الهجرة، وشهد وفاة عمر بن عبد العزيز كان يحمد الله﷿- أن منعه من الانحراف إلى الرفض والقدر أو التجهم ويقول:" ما أدري أي النعمتين أعظم، أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء». والأشهر أنه توفي سنة أربع ومائة من الهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٧، والتفسير والمفسرون ١/ ١٠٤].
[ ١ / ٤٢٤ ]
" الله تعالى" «١» فنفى في هذه الآية جميع المجامعات. قال ضمرة بن حبيب «٢»:
" الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف «٣» " يعني النساء من الجن، فنفى في هذه الآية الافتضاض في البشريات والجنيات".
قلت: هكذا وجدت كلامه، وهو مخبط لا يظهر منه وجه الإشكال لكنا نقول: أما قول مجاهد وضمرة بن حبيب فلسنا منه في شيء ولا يرد علينا لو عارض غيره، وأما معنى الآية فهو: أن لمن خاف مقام ربه في الجنة نساء أبكارا لم يفضضهن قبلهم أحد، إنسي ولا جني ثم تلك النساء يجوز أن يكن نساءهم في الدنيا، يعدن أبكارا كما قال تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ (١٠٤) «٤»
ويجوز أن يكن منشآت من الجنة.
_________________
(١) انظر تفسير القرطبي ١٠/ ٢٨٩، وتفسير الطبري ٢٧/ ١٥١، ونص كلامه فيهما:" إذا جامع الرجل ولم يسم، انطوى الجان على احليله فجامع معه".
(٢) ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي، كان مؤذن المسجد الجامع بدمشق، وثقه علماء الجرح والتعديل. توفي سنة ثلاثين ومائة من الهجرة [انظر تهذيب التهذيب ٤/ ٤٥٩].
(٣) انظر تفسير الطبري ٢٧/ ١٥١، وتفسير القرطبي ١٧/ ١٨١.
(٤) سورة الأنبياء، آية ١٠٤. وهذه الآية دليل على البعث، وأوضح في الاستدلال على ما نحن فيه قوله تعالى في سورة الواقعة (٣٥ - ٣٧): إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا فقد روي في الآثار أن المراد: نساء بني آدم يخلقهن الله ويعيدهن شبابا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. [انظر تفسير الطبري ٢٧/ ١٨٥ - ١٨٦، وتفسير القرطبي ١٧/ ٢١٠ - ٢١١، وتفسير ابن كثير ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢].
[ ١ / ٤٢٥ ]
وذكر حديث: «إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان له ضراط» الحديث «١».
وحديث: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب «٢» فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله «٣» ".
قال:" هذا كله تصريح باغتذاء/ الشياطين وجماعها".
قلت: هذا كله إشكال يورده بناء على ما قرره من أن الشياطين بسائط مجردة عن المادة، لا يتأتى منها ذلك.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب يفكر الرجل في الصلاة، وأخرجه بنحوه في الأذان، باب فضل التأذين، وفي السهو، باب إذا لم يدرك كم صلى سجد سجدتين وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس. عن أبي هريرة في كل المواضع. وأخرجه مسلم عنه بألفاظ مختلفة في كتاب الصلاة، باب فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، حديث ١٦، ١٧، ١٨، ١٩، وفي المساجد باب السهو في الصلاة .. حديث ٨٣. وأبو داود عنه في الصلاة باب رفع الصوت بالأذان، والنسائي عنه في الأذان، باب فضل الأذان، والدارمي في الصلاة، باب الشيطان إذا سمع النداء فر، ومالك عنه في باب ما جاء في النداء للصلاة، وأحمد عنه في المسند (٢/ ٣١٣، ٤٦٠، ٥٠٣، ٥٢٢).
(٢) في الأصل:" فليأكل بيمينه ويشرب " وما أثبته: لفظ مسلم وأبو داود وأحمد، وفي سنن الدارمي والموطأ:" فليأكل بيمينه وليشرب ".
(٣) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في الأشربة، باب آداب الطعام، حديث ١٠٥ عن ابن عمر، وأبو داود كذلك في الأطعمة، باب الأكل باليمين، والدارمي في الأطعمة باب الأكل باليمين، ومالك في الموطأ في صفة النبي ﷺ، باب النهي عن الأكل بالشمال، وأحمد في المسند (٢/ ٨، ٣٣، ١٣٥، ١٤٦، ٣٢٥) عن ابن عمر وأبي هريرة.
[ ١ / ٤٢٦ ]
قلت: وكأنه يورد تناقضا آخر بين قوله: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ ولا جَانٌّ (٥٦) «١» وبين قول مجاهد:" الجن تجامع نساء البشر" وقول ضمرة بن حبيب" الجن في الجنة لهم قاصرات الطرف".
قلت: وجوابه من وجهين:
أحدهما: منع التناقض بما بيناه من أن المراد بالآية أن كلا من أهل الجنة له زوجات أبكار لم يطمثهن قبله غيره. وهذا لا ينفي أن الجن يجامعون نساءهم أو نساء غيرهم في الدنيا أو في الآخرة.
الثاني: أن التناقض بين قول الله سبحانه وأقوال المفسرين لا يلزمنا. لأن الخلاف بينهم كثير. فإن التزمنا ذلك طال علينا. ولأنهم ليسوا معصومين فيجوز أن يخطئوا.
قال:" وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبيﷺ- «٢» قال:" إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثا. فإن الشيطان يبيت على خيشومه" «٣» وفيه:" لا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، فإنها
_________________
(١) سورة الرحمن، آية: ٥٦.
(٢) ﷺ: ليست في (أ).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة ابليس وجنوده، عن أبي هريرة بلفظ مقارب لهذا اللفظ، ومسلم في الطهارة، باب الإيثار في الاستنثار والاستجمار، حديث ٢٣، عنه بنحوه والنسائي في الطهارة باب الأمر بالاستنثار عند الاستيقاظ من النوم، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٢).
[ ١ / ٤٢٧ ]
تطلع/ بين قرني شيطان" «١».
قلت: وجه سؤاله من هذا ما قدمه من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فكيف يبيت على خيشوم الآدمي؟ وذلك يستدعي أن يكون جسما. وكيف يكون له قرنان؟ وأيضا: الشمس مثل الأرض مرارا كثيرة فكيف تطلع بين قرني شيطان؟.
والجواب: قد تكلمنا قبل على بساطة الشيطان وتجرده عن المادة ومنعناه مطلقا. بل هو تجرد مقيد- كما سبق-.
وحينئذ يقع «٢» منه المبيت على خيشوم الآدمي وأم رأسه/، ليزين له النوم «٣» ويثقله فيه، كي لا يستيقظ بالليل فيصلي. كما ذكر في حديث آخر:
" يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد، فكلما أراد أن يستيقظ قال له:
نم «٤». عليك ليل طويل،. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. وإن توضأ/
_________________
(١) في (أ): الشيطان، والحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، عن ابن عمر بهذا اللفظ. وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، حديث ٢٩٠، عن ابن عمر أيضا، والنسائي في المواقيت باب النهي عن الصلاة بعد العصر، عن عائشة﵂- وأول حديثها:" لا تتحروا " الحديث.
(٢) في (ش)، (أ): يصح.
(٣) في (أ): اليوم.
(٤) في (أ): ثم.
[ ١ / ٤٢٨ ]
انحلت عقدة، وإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا. وإلا أصبح خبيث النفس كسلان" «١».
وهذا من الأسرار الإلهية التي اعترف الخصم في أول كتابه: أن العقول لا تستقل بدركها.
وقد ذكر في الإنجيل: أن المسيح بعد قيامه من الأموات صار روحا مجردا يظهر لمن شاء، ويختفي عمن شاء «٢». فكذلك الملائكة والشياطين في ظهورها واستخفائها.
وأما قوله:" تطلع بين قرني شيطان" «٣» فقال بعض أهل العلم بغريب الحديث: أي ناحيتي رأسه وجانبيه «٤».
قلت: وهذا لا ينافي عظمها في نفسها كما تقول خرجت بين الجبلين والجدارين «٥»، كما سبق في قوله: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (٨٦) «٦» ومعناه: أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس ، وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، بهذا اللفظ. وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، وأبو داود في التطوع، باب قيام الليل، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار، باب الترغيب في قيام الليل، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، وأحمد في المسند (٢/ ٢٤٣)، كلهم عن أبي هريرة بألفاظ مختلفة.
(٢) انظر آخر إنجيل لوقا.
(٣) في (أ): الشيطان.
(٤) انظر كتاب غريب الحديث للخطابي ١/ ٧٢٥ - ٧٢٦، وفتح الباري ٦/ ٣٤٠.
(٥) في (ش): الجللين والجدار.
(٦) سورة الكهف، آية: ٨٦، وانظر ص: ٣٦٠ من هذا البحث.
[ ١ / ٤٢٩ ]
الشيطان يقارنها على جهة المسامتة «١» لا الملاصق كما تقارن بعض الكواكب السبعة بعضا، وإن كانت في أفلاكها متباعدة المراكز والذوات ليزيّن للكفار «٢» السجود لها.
وقال بعضهم: القرن: القوة. أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمعين لها، وقيل: بين قرنيه أي أمتيه الأولين والآخرين من الساجدين لها، المطيعين له في ذلك «٣»، أي أن عادة الكفار مستمرة في عبادة الشمس عند طلوعها وغروبها «٤»، فلا تصلوا «٥» حينئذ لئلا يصير فيكم/ شبه منهم. وهو﵇- من شرعه: بغّض الكفار والتشبه بهم جدا حتى أنه يحسم مواد ذلك بكل ممكن، كما كرّه في شرعه الصلاة إلى محراب فيه نار تتقد لئلا يشبه
_________________
(١) المسامتة: المقابلة والموازاة. [انظر المصباح المنير ١/ ٣٤٠].
(٢) في (أ): الكفار.
(٣) يقول الإمام النووي﵀- في شرح صحيح مسلم (٦/ ١١٢):" قيل المراد بقرني الشيطان حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وغلبته وانتشار فساده، وقيل: القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره، وهذا هو الأقوى. قالوا: ومعناه أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة، وحينئذ يكون له، ولبنيه تسلط ظاهر، وتمكن من أن يلبسوا على المصلين صلاتهم فكرهت الصلاة حينئذ صيانة لها " اهـ. وبقاء اللفظ على ظاهره دون تأويل هو الصحيح- والله أعلم-.
(٤) في (أ): أو غروبها.
(٥) في (أ): يصلوا.
[ ١ / ٤٣٠ ]
فعل المجوس «١». وأن لا يشد وسطه في الصلاة بما يشبه شد الزنار لئلا يشبه فعل النصارى «٢»، ولا يتعمم غير مذوب «٣» لئلا يشبه/ عمامة اليهود «٤». وأشباه ذلك كثير. قال بعضهم: وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها، فكأن الشيطان مقترن بها، يسول له ذلك.
_________________
(١) لم أجد في ذلك إلا ما ذكره ابن حجر في فتح الباري (١/ ٥٢٨) عند شرح ما قاله البخاري: " باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله" قال ابن حجر:" وإنما خصه بالذكر- أي التنور- مع كونه ذكر النار بعده اهتماما به لأن عبدة النار من المجوس لا يعبدونها إلا إذا كانت متوقدة بالجمر كالتي في التنور، وأشار به إلى ما ورد عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال هو بيت نار، أخرجه ابن أبي شيبة" اهـ.
(٢) يقول ابن قدامة في المغني (١/ ٥٨٦):" فأما شد الوسط في الصلاة فإن كان بمنطقة أو مئزر أو ثوب أو شد قباء فلا يكره رواية واحدة وإن كان بخيط أو حبل مع سرته وفوقها فهل يكره؟ على روايتين: إحداهما: يكره لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، وقد نهى النبي ﷺ عن التشبه بهم وقال: «لا تشتملوا اشتمال اليهود» رواه أبو داود اهـ. قلت: الحديث عند أبي داود في الصلاة، باب إذا كان الثوب ضيقا يتزر به. ولفظه:" ولا يشتمل اشتمال اليهود".
(٣) في (أ): غير ملله، أو غير ملكه. ليست واضحة ومكانها بياض في (ش). والمذوب: ماله طرف مرخي، وهي في الأصل: الضفيرة من الشعر. [انظر منال الطالب ص ١٤٨].
(٤) العمامة المقطعة التي لا ذؤابة لها ولا حنك يلبسها اليهود، وقد لبس النبي ﷺ العمامة ذات الذؤابة أي التي لها طرفان كما في حديث مسلم في الحج حديث ٤٥٣ عن عمرو بن حريث قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء. قد أرخى طرفيها بين كتفيه" كما أخرج مسلم أيضا في الحج حديث ٤٥٢: أن النبي ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء" ولم يذكر أنها مذوبة. والذي قال بالنهي عن لبس العمامة غير المذوبة ليس له دليل غير أن اليهود يلبسونها. والله أعلم. [انظر زاد المعاد ١/ ١٣٥ - ١٣٦، ونيل الأوطار ٢/ ١٠٥ - ١٠٧].
[ ١ / ٤٣١ ]
قلت: ومثل هذه الإشارات كثيرة في كلام العرب خصوصا في كلام هذا النبي، فإنه كان أفصح العرب وأبلغها، فليس ينبغي لعلوج النصارى وأعاجمهم أن يناقشوه في ظواهر العبارات «١»، حتى يعلموا لغته فيكونوا مثله فيها «٢». والله أعلم.
قال:" وفي كتاب مسلم عن أبي هريرة قال رسول اللهﷺ «٣»: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. قالوا: وإياك يا رسول الله «٤». قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" «٥» وقال:" إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" «٦».
_________________
(١) في (أ): العبادات.
(٢) فيها: ليست في (أ).
(٣) ﷺ: ليست في (م).
(٤) لفظ الجلالة: ليس في (م).
(٥) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان وأن مع كل إنسان قرين، حديث ٦٩، وأحمد في المسند (١/ ٢٥٧، ٣٨٥، ٤٠١، ٤٦٠) بألفاظ متقاربة.
(٦) طرف من حديث أخرجه البخاري في الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم ، وفي بدء الخلق باب صفة إبليس وجنوده، وفي الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، وباب هل يدرأ المعتكف عن نفسه؟ ومسلم في السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية. وأخرجه أبو داود في الصوم باب المعتكف يدخل البيت لحاجته، وفي السنة، باب في ذرارى المشركين، وفي الأدب، باب في حسن الظن، والترمذي في الرضاع باب ١٧، وأخرجه ابن ماجه في الصيام، باب في المعتكف يزور أهله في المسجد، وأحمد في المسند (٣/ ١٥٦، ٢٨٥، ٦/ ٣٣٧)
[ ١ / ٤٣٢ ]
قلت: ومن سبب هذا الحديث ما رواه الترمذي من حديث مجالد «١» عن الشعبي «٢» عن جابر «٣» عن النبي ﷺ قال: «لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم. قالوا: ومنك؟ قال: ومني. ولكن الله أعانني عليه فأسلم» «٤».
_________________
(١) في (أ): مخالد. وهو أبو عمر مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، راوية للحديث والأخبار، اختلفوا في توثيقه في الرواية. قال البخاري: صدوق، وقال ابن حجر، لين الحديث من السادسة، روى عنه مسلم والأربعة، مات سنة أربع وأربعين ومائة من الهجرة. [انظر تقريب التهذيب ٢/ ٢٢٩، والأعلام ٥/ ٢٧٧].
(٢) أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري الكوفي مولدا ونشأة ووفاة. راوية من التابعين يضرب المثل بحفظه. قال:" ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته" وهو من رواة الحديث الثقات، وهو جليس عبد الملك بن مروان وسميره ورسوله إلى ملك الروم، وكان قاضيا في خلافة عمر بن عبد العزيز، فقيها شاعرا، اختلف في سنة وفاته. فقيل سنة ثلاث أو أربع ومائة من الهجرة وقيل: غير ذلك. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٣٨٧، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤ - ٣١٩، والأعلام ٣/ ٢٥١].
(٣) أبو عبد الرحمن وأبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي السلمي، من أهل بيعة الرضوان والعقبة الثانية مع أبيه وهو صغير، شهد بدرا فكان ينقل الماء للصحابة لصغره ثم شهد ثماني عشرة غزوة مع النبي ﷺ، كان من المكثرين في الرواية عن النبي ﷺ، فقد بصره في آخر عمره وكانت وفاته سنة ثمان وسبعين وقيل سبع وسبعين من الهجرة. [انظر الاستيعاب ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، وسير أعلام النبلاء ٣/ ١٨٩ - ١٩٤].
(٤) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في الرضاع باب ١٧، وقال:" هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد تكلم بعضهم في مجالد بن سعيد من قبل حفظه" اهـ. وأخرجه الدارمي من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر في الرقاق، باب الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، بلفظ غير هذا اللفظ، وأحمد في المسند (٣/ ٣٠٩) بلفظ الترمذي من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر أيضا.
[ ١ / ٤٣٣ ]
والمغيبات: اللاتي غاب عنهن أزواجهن. وفي لفظ لمسلم «١»: «لا يبيتن أحد عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم» «٢».
قلت: ومستنده «٣» في إنكار هذا ما قدمه/ من أن الشيطان بسيط مجرد عن المادة فلا يوصف بأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم «٤». لأن ذلك يوجب جسميته ونحن قد منعنا ذلك عليه في موضعه. وبينا قواطع الإنجيل في جسمية الشياطين لكنها أجسام لطيفة للطافة مادتها وبذلك يصح عليها أن تجري من ابن آدم مجرى الدم وغيره، كالأرواح، والرياح،/ فإنه قد قال بعض أهل العلم:" إن الروح جسم لطيف سار في هذا الهيكل الكثيف على شكله «٥» والهوى يتخرق نواحي البدن، حتى قال بعضهم: الروح هو الهواء المتردد في مخاريق البدن «٦»، على أنه يجوز أن يكون أراد بالشيطان هنا: النفس الأمارة، أو الهوى، لأن هذين يوافقان الشيطان على ما يريده وإذا اتجه ما قلناه، واحتمل ما عليه «٧» حملناه، لم يبق للاعتراض به وجه.
وروى عبد الرزاق في تفسيره قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: «قال قرينه ربنا ما أطغيته» «٨» قال:" قرينه الشيطان" «٩».
_________________
(١) في كتاب السلام، باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها حديث: ١٩، عن أبي الزبير عن جابر.
(٢) في (أ):" أو ذو رحم محرم" والمعنى الا أن يكون الداخل أو البائت زوجا أو ذا محرم، أو أن تكون المرأة ذات زوج حاضر، أو ذات محرم حاضر. [انظر شرح صحيح مسلم ١٤/ ١٥٣].
(٣) في (أ): ومسنده.
(٤) عبارة (أ):" بأنه يجري مجرى من ابن آدم فجرى مجرى الدم".
(٥) ذكر ابن كثير﵀- في تفسيره (٣/ ٦١) عن السهيلي أنها:" ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر" اهـ.
(٦) ذكر ابن القيم﵀- في كتابه الروح (ص: ٢٣٥) وما بعدها أقوال الناس فيها واختلافاتهم.
(٧) في (ش): على ما عليه.
(٨) سورة ق، آية: ٢٧.
(٩) قلت: وهذا مروي عن مجاهد. [انظر تفسير القرطبي ١٧/ ١٦].
[ ١ / ٤٣٤ ]
[تجسم الملائكة والرد على النصراني في إنكار ذلك]
قال:" وفي سورة غافر يصف الملائكة حيث يقول: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (٧) «١».
قال ابن عطية في التفسير/: روى جابر بن عبد الله أن النبي «٢» قال: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش: بين شحمة أذنه وعاتقه «٣» مسيرة سبعمائة سنة» «٤».
قلت: إن كان إنكاره من هذا للإخبار بالعرش، أو لحملته أو لاستغفارهم للمؤمنين فهذا من الأسرار الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها، كما سبق في المقدمة، فيجب تسلمها عن/ أهل الشرائع كما تلقيتم عن المسيح «٥» أنه بعد بعثه
_________________
(١) سورة غافر، آية: ٧.
(٢) في: (ش): النبي ﷺ.
(٣) في سنن أبي داود: إلى عاتقه.
(٤) في سنن أبي داود: عام. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الجهمية، ورجاله رجال الصحيح. والسيوطي في كتاب الحبائك في أخبار الملائك ص ٥٦ - ٥٧، بلفظ غير هذا اللفظ، وابن أبي الشيخ في كتاب العظمة كما سيأتي عند المؤلف (٣/ ٩٤٩)، وقد ذكر ابن كثير في تفسيره (٤/ ٤١٤) بسند ابن أبي حاتم وقال ابن كثير:" وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات" اهـ. وذكره الذهبي في كتاب العلو، وقال:" إسناده صحيح" اهـ.
(٥) في (ش): عن المسيح قلت: تلقي النصارى عن المسيح ليس بمنزلة تلقينا عن محمد ﷺ لأنه ليس لهم سند صحيح من المسيح إلى هذا النصراني أو غيره، والإسناد من خصائص هذه الأمة المحمدية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (الحجر ٩) أما غيرها فلم يتكفل الله بحفظ كتابها فلم يكن لها إسناد يحفظ لها كتابها. ولعل قول المؤلف لهذا إنما هو على وجه التنزل لتقريرهم بكتابهم الذي يدعونه. والله أعلم.
[ ١ / ٤٣٥ ]
من الأموات صعد فجلس عن يمين أبيه. وأنه يأتي يوم القيامة في مجد أبيه على السحاب، وحوله الملائكة. «١» وإن كان انكاره لعظم خلقة هذا الملك المذكور فنقول «٢» له:
إن هذا حديث لم نعرفه إلا في كتاب" العظمة" «٣» لأبي جعفر بن حيان «٤»، وليس مثله مما تصادم «٥» به الشريعة «٦».
وثانيا: إن هذا أمر ممكن قد أضيف إلى قدرة الله، وأخبر به الصادق فما ينكر من وقوعه؟ ثم إن الجبال والبحار، بل كرة الأرض، بل كرة العالم جميعه بأفلاكه ونجومه خلق عظيم من خلق الله فلا فرق بينه وبين هذا الملك إلا الشكل والحياة.
على أن الفلاسفة يرون الأفلاك ونجومها أحياء ناطقة متحركة بالإرادة فلا فرق إذن بينها وبين الملك المذكور، وهذه مشاهدة لكل بصير متبصر، فما وجه إحالة مثل هذا حتى يقدح به في كلام الأنبياء.
_________________
(١) انظر آخر إنجيل مرقس.
(٢) في (أ): فيقول.
(٣) ج ٣ ص ٩٤٩، ط: الأولى. تحقيق رضاء الله بن محمد المبارك فوري.
(٤) انظر ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٨١ - ١٨٢.
(٥) في (ش)، (أ):" يصادم"، قال الذهبي﵀- عن أبي الشيخ:" صاحب سنة واتباع لولا ما يملأ تصانيفه بالواهيات".
(٦) قلت: الحديث أخرجه أبو داود كما تقدم والسيوطي في الحبائك في أخبار الملائك. وهو حجة ولو كان من الآحاد.
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال:" وفي سورة القصص «١»: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (٨٨) يعني الله- سبحانه- «٢» فجعل الفناء شاملا لما سوى الله تعالى من الملائكة والنفوس".
قلت: كأن وجه إيراده: أن الملائكة والنفوس مجردات عن المادة لا يتصور فناؤها بناء على ما قدم من ذلك. وقد سبق جوابه، وأن الهلاك ممكن في الجميع، ثم ينشئه الله تعالى- كما أخبر-.
ثانيا: أو نقول: ليس المراد بالهلاك العدم المحض، بل هلاك هذه الهيئة التركيبية، كما أن الوعاء من زجاج أو ذهب إذا انكسر فقد هلكت وعائيته، لا زجاجيته وذهبيته وهذان قولان مشهوران/ للمتكلمين «٣» وهو أن الأجساد تعدم عدما محضا ونفيا صرفا أو تتفرق مع بقاء أجزائها المفردة. والمسألة مبنية على مسئلة الجوهر الفرد، وهو الجزء/ الذي لا يتجزأ «٤». وهي مشهورة بين الفلاسفة والمتكلمين.
_________________
(١) الآية: ٨٨.
(٢) عبر بالوجه عن الذات. [انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٤٠٣].
(٣) ذكر ابن القيم﵀- خلاف الناس في موت الأرواح وتذوق الموت على قولين: إنها تموت وتذوق الموت لأنها نفس وكل نفس ذائقة الموت ، وإذا كانت الملائكة تموت فالنفوس من باب أولى وقال الآخرون: لا تموت وإنما الموت للأبدان، ولو ماتت الأرواح لانقطع عنها النعيم والعذاب كما دلت عليه الأحاديث والقرآن: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران: ١٦٩]، هذا مع القطع بأن الأرواح تفارق الأجساد، وتذوق الموت. والصواب أنها لا تعدم وتضمحل فتصير عدما محضا، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب، مع أنها تفارق الجسد وتذوق الموت. [انظر الروح لابن القيم ص: ٤٥ - ٤٦].
(٤) لا بالفعل ولا بالقوة. [المبين في شرح معاني ألفاظ المتكلمين ص: ١١٠].
[ ١ / ٤٣٧ ]
قال:" وفي أول سورة فاطر: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ (١).
قلت: كأنه ينكر الأجنحة للملائكة لاستلزامها الجسمية بناء/ على ما سبق من تجردها عن المادة. وقد سبق جوابه كافيا. وقد دفع الله سبحانه «١» هذه الشبهة بقوله متصلا بالكلام المذكور:" يزيد في الخلق ما يشاء" أي لا تستغربوا ملكا له جماعة أجنحة فإن لله التصرف والقدرة على ما يشاء.
قال في سورة الزمر «٢»: ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ (٦٨) وذكر قول ابن عطية عن السدي «٣»:" استثنى جبريل وميكائيل وملك الموت ثم أماتهم بعد" «٤».
قال:" فصرح في هذه المواضع: أن الملائكة مجسمة وأن لها أجنحة وهي كما يبرهن عند العلماء: عقول بسيطة مجردة. والموت مفارقة الروح الجسد، ولا أجساد للملائكة".
_________________
(١) كلمة:" سبحانه" ليست في: (م).
(٢) الآية: ٦٨.
(٣) التابعي أبو محمد إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة الإمام المفسر الحجازي ثم الكوفي الأعور السدي، أحد موالي قريش، وثقه أحمد بن حنبل، وقبل حديثه جمع آخر من العلماء، وضعفه يحيى بن معين وغيره. أخذ عن أنس بن مالك وابن عباس وغيرهما، وعنه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما، مات سنة سبع وعشرين ومائة من الهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٤ - ٢٦٥، والنجوم الزاهرة ١/ ٣٠٨].
(٤) قلت: قد ذكر نحو هذا القول ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٢٩)، عن السدي، والقرطبي (١٥/ ٢٧٩) ولم يسنده القرطبي إلى السدي قلت: والله أعلم بمن استثنى الله من خلقه.
[ ١ / ٤٣٨ ]
قلت: جواب هذا كله سبق عند أول مكان ادعى تجرد الملائكة والشياطين عن المادة «١». وبينا أن ذلك لا مذهب للأنبياء ولا الفلاسفة.
ثم يقال له: التجرد عن المادة إن كان صفة نقص وجب تنزيه الملائكة عنها لأنهم أولى بالكمال فيلزم أن يكونوا ذوي مادة، وإن كان صفة كمال. فالله سبحانه إن لم يكن/ متجردا عن المادة فقد جعلتم الملائكة أكمل منه، وإن كان متجردا عن المادة فقد جوزتم عليه التلبس بالمادة حيث اعتقدتم اتحاد لاهوته بناسوت المسيح، أو جعلتم الثلاثة واحدا. وقد سبق جميع هذا وإنما أعدناه بيانا.
[الرد على النصارى في إنكار صفات الباري سبحانه]
قال:" ومما روى عنه من أوصاف الله سبحانه".
وذكر حديث: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» «٢» وحديث جهنم:
_________________
(١) انظر ص: ٤٠٩ من هذا الكتاب.
(٢) أخرجه بنحو هذا اللفظ البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، وفي كتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل، وفي التوحيد، باب قول الله يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ [الفتح: ١٥] عن أبي هريرة: وأخرجه مسلم في الصلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في أخر الليل .. حديث ١٦٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧١، بألفاظ مختلفة، وأخرجه أبو داود في السنة، باب في الرد علي الجهمية بهذا اللفظ. والترمذي بنحوه في الصلاة، باب ما جاء في نزول الرب ، وفي الدعوات، باب ٧٩، وابن ماجه في إقامة الصلاة ، باب مما جاء في أي ساعات الليل أفضل، والدارمي في الصلاة، باب ينزل الله إلى السماء الدنيا، وأحمد في المسند (٢/ ٢٦٤، ٢٦٧، ٢٨٢) وغيرها من المواضع. وكلهم أخرجوه عن أبي هريرة.
[ ١ / ٤٣٩ ]
«فيضع الرب قدمه فيها فتقول: قط" «١» وحديث: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة» «٢» وحديث المعراج: «فدنا رب العزة حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى» «٣» وحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة، ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ» «٤» وحديث أم الطفيل «٥» امرأة أبي بن كعب
_________________
(١) جزء من الحديث الذي أخرجه البخاري في تفسير سورة (ق) عن أبي هريرة ﵁:" يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد؟ فيضع الرب ﵎ قدمه عليها فتقول قط قط" وأخرجه في مواضع أخرى بألفاظ غير هذا اللفظ وهي بمعناه. وأخرجه مسلم في الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، بألفاظ بمعناه متقاربة. وأخرجه الترمذي بنحو هذا في تفسير سورة (ق)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٦٩، ٥٠٧، ٣/ ١٣).
(٢) طرف الحديث الذي أخرجه البخاري في تفسير سورة ن والقلم.
(٣) أخرجه الطبري في تفسير سورة النجم (٢٧/ ٤٥) بسنده موقوفا على أنس بن مالك.
(٤) كلمة:" ثديي" غير واضحة في النسخ الثلاث. وأثبتها من مراجع الحديث وفي بعض الأفاظ:" صدرى" وفي بعضها" نحرى" وقد أخرج الحديث الترمذي في تفسير سورة ص، من طرق بألفاظ متعددة منها عن معاذ ﵁ وقال عن حديثه:" هذا حديث حسن صحيح، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا حديث حسن صحيح" اهـ. وأخرجه الدارمي في الرؤيا، باب في رؤية الرب تعالى في النوم، عن عبد الرحمن بن عائش، وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٤٣)، قال ابن الجوزي في العلل (١/ ٣٥) وقد رواه أحمد في مسنده، بإسناد حسن" اهـ. وقد ذكر بعض العلماء أن في بعض ألفاظه غير المذكورة هنا زيادات شاذة وأن له طرقا بعضها منكرة. [انظر العلل المتناهية ١/ ٣٠ - ٣٣، وكشف الخفاء ١/ ٥٢٦ - ٥٢٧]. واستدل بالحديث من يقول أن محمداﷺ رأى ربه ليلة المعراج ولكن ذلك مناما كما يتضح من سياق الحديث عند من أخرجه.
(٥) أم الطفيل: إحدى الصحابيات الجليلات، كنيت بابنها: الطفيل بن أبي بن كعب، وهي إحدى الروايات عن النبي ﷺ [انظر الاستيعاب ٤/ ١٩٤٤].
[ ١ / ٤٤٠ ]
أنها سمعت النبي يذكر أنه رأى ربه في صورة شاب موقر في خضر «١» على رأسه فراش من ذهب، وفي رجليه نعلان من ذهب» «٢».
قال:" فتقرر بهذا كله: أن الله جسم، وهذا مخالف للعقل ولمصاحف الأنبياء. ويمتنع أن يكون الله سبحانه جسما لوجهين:
أحدهما: لو كان جسما لكانت «٣» جملته معلولا لأجزائه ومفتقرة إليها، وما علل بغيره جاز عدمه عند عدم علته، وواجب الوجود هو ما لا يعدم لعدم/ غيره، بل لعدم ذاته.
الثانية: أن الجسم مركب من الصورة «٤» والهيولى «٥» فينعدم بانعدام كل
_________________
(١) هكذا في النسخ الثلاث، وفي بعض ألفاظ الحديث:" عليه حلة خضراء"، وفي بعضها:" في روضة خضراء" وفي بعضها:" عليه حلة حمراء".
(٢) هذا الحديث له طرق وألفاظ كلها غير صحيحة، ذكره ابن الجوزى في الأحاديث الواهية في كتابه العلل المتناهية (١/ ٢٩) والهيثمى في الزوائد (٧/ ١٧٩) والسيوطي في اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (١/ ٢٨ - ٣٠) وقال عنه: إنه منكر.
(٣) كلمتا:" جسما لكانت" سقطتا من: (أ).
(٤) الصورة في اللغة: الشكل والهيئة والصفة. وفي اصطلاح المتكلمين: أحد جزئي الجسم، وهو حال في الجزء الآخر منه. وهي بمنزلة شكل السرير بالنسبة إلى السرير. [انظر المبين للآمدي ص ١٠٩، ١١٨، والمعجم الفلسفي ١/ ٧٤١ - ٧٤٥]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" لفظ الصورة مشترك: يراد بالصورة الشكل والهيئة كصورة الخاتم والشمعة، والمادة الحاملة لهذه الصورة هي الجسم بعينه. ويراد بالصورة نفس الجسم المتصور، وهذا الجسم المتصور ليس له مادة تحمله، فإن الجسم القائم بنفسه لا يكون شائعا في جسم قائم بنفسه، لكن خلق من مادة كما خلق الإنسان من المني " اهـ.
(٥) الهيولى لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي اصطلاح أهل الكلام: أحد جزئي الجسم، وهو محل الجزء الآخر منه. أو أجسام قائمة بنفسها أو جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية" [انظر درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٨٤، والمبين للآمدي ص: ١٠٩، والمعجم الفلسفي ٢/ ٥٣٦].
[ ١ / ٤٤١ ]
منهما. والواجب لا ينعدم لانعدام غيره. كما سبق.
وأما بيان ذلك في كتب الأنبياء فإن في الإنجيل:" الله روح".
قلت: هذا حاصل ما ذكر في هذا السؤال، وقرره به. ولعمري أن هذا مما «١» لا/ يقضي منه العجب من هذا الشخص. فإن التوراة والإنجيل مملوءان من التجسيم.
فإن في أول التوراة:" وكانت روح الله ترف على الماء" «٢» والروح فيما نشاهده جسم. والحجج على جسميتها كثيرة «٣»، لكن نكتفي منها بحجة طبيعية/ ذكرها الأطباء، وهو اضطراب الصدر وحركته لها عند النزع.
فإن قال: إن روح الله ليست جسما، وإن كانت روح غيره جسما.
قلنا: فقد أجبت عنا. كذلك كل ما حكي في دين الإسلام من صفات الله تعالى ليست على المتعارف من صفات الآدميين، ويسقط هذا التشنيع خصوصا وقد ذكرت أنت في بيان ضرورة النبوة عن" أرسطو" وغيره ما ذكرت من أن الحقائق الإلهية لا بدّ فيها من التوقيف الشرعي.
وفي التوراة:" قال الله «٤»: نخلق بشرا على شبهنا قد رسمنا فضله ليكون
_________________
(١) في (م): ما لا يقضى.
(٢) انظر سفر التكوين الأصحاح الأول.
(٣) ذكر ابن القيم ﵀ شبه المنازعين في جسمية الروح والنفس ورد عليها في كتاب الروح ص ٢٦٧ - ٢٨٩.
(٤) «قال الله»: ليست في (ش).
[ ١ / ٤٤٢ ]
كصورتنا ومثالنا وأسلطه على سمك البحار وطير السماء" «١» إلى أن قال:" وخلق الله آدم بصورته، صورة الله خلقه ذكرا وأنثى، خلقهما الله وبارك عليهما" «٢».
وفيها إن آدم وامرأته:" سمعا صوت الرب يمشي في الفردوس فاستترا من بين يدي الرب بين شجر الفردوس، وقال الله لآدم: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك تمشي في الفردوس ورأيت أني عريان فاستترت فقال الله الرب: ومن أدراك أنك عريان؟ لعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها" «٣».
وهذا فيه تشانيع. منها: وصفه بالمشي حتى يسمع صوت مشيه في الفردوس، وهو من خواص الأجسام، وأصعب من النزول المذكور في السنة الإسلامية./ ومنها قوله أين أنت؟ ومنها: قوله:" من أراك أنك عريان؟ لعلك أكلت من الشجرة" فإن ذلك ظاهر في أن الله سبحانه لم يعلم أين هو؟ ولا هل أكل من الشجرة أو لا حتى أعلمه آدم".
_________________
(١) لم يناقش الطوفي هذا القول في التوراة ويبين إساءة الأدب من اليهود والنصارى مع الله وإشراكهم معه غيره فأقول: يتضح من هذا النص أنهم جعلوا آدم ﵇ إلها فقولهم: " على شبهنا" أي على مثلنا، وهذا باطل شرعا وعقلا أن يكون أحد من المخلوقات شبيها بالله ومماثلا له، وحاشا الله أن يكون له مثل أو شبيه. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [سورة الشورى: ١١] وهذا من أكبر الأدلة على تحريفهم التوراة: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [سورة البقرة: ٧٩].
(٢) انظر سفر التكوين الأصحاح الأول.
(٣) انظر سفر التكوين الأصحاح الثالث.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وفيها:" وأكمل الله أعماله في اليوم السادس، واستراح في اليوم السابع" «١». والاستراحة من لواحق الأجسام «٢». وهذا في التوراة كثير «٣».
وأما في الإنجيل فقولكم: لما اعتمد/ المسيح من يوحنا المعمداني ثم صعد من الماء جاءه روح القدس في جسد حمامة بين السماء والأرض وسمع قائلا يقول: هذا ابني الحبيب الذي به سررت" «٤».
ثم إنكم تقولون:" الأب والابن وروح القدس: إله واحد" وهذا مستلزم للجسمية لوجهين:
أحدهما: أن الصوت لا يتصور عقلا وحسا إلا من جسم إذ هو عرض لا يقوم بنفسه «٥».
_________________
(١) انظر سفر التكوين الأصحاح الثاني.
(٢) الاستراحة إنما تطلق على من يناله التعب، وأما من يقول للشيء: كن فيكون فإن ذلك ممتنع في حقه ﷾. قال الله تعالى: ولَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [سورة ق: ٣٨] أي ما مسنا من تعب.
(٣) انظر كتاب على التوراة للباجي فقد ناقش أهل التوراة فيما فيها من الانحراف الذي وضعوه بأيديهم.
(٤) انظر آخر الأصحاح الثالث من إنجيل متى.
(٥) هذا على مذهب الفلاسفة وغيرهم من الفرق التي ضلت في هذا، كالأشعرية الذين يرون أن الله لم يتكلم بصوت لأن الأصوات من خواص الأجسام والله ليس بجسم، ولكن الصوت إذا سمع وفهم فإنه يدل على أن قائله نطق به أما أنه لا يتصور إلا من جسم ففي المخلوقات من يتكلم وليس له جوارح فالجلود والأرجل وغيرهم من المخلوقات تتكلم وستتكلم بغير جوارح جسمية تدل على قدرتها على الكلام. والله ﷾ يتكلم بصوت مسموع دون أن يكون جسما مكونا من مادة وصورة كحال المخلوقات. والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٤ ]
الثاني: أن الأب والابن والروح في هذه الحال- أعني صعود المسيح من الماء- بعضهم منفصل عن بعض حسا وحقيقة وإنكاره مكابرة. فإن كان ذلك بعد اتحاد الروح والمسيح بالله فقد انفصل عنه جسمان، فيكون هو جسما لأن بعض الجسم جسم، وإن كان قبل الاتحاد، وأن اتحادهم حدث بعد ذلك فقد اتحد بذات الله جسمان: جسد الحمامة الذي هو الروح، وجسد الابن الذي هو المسيح، ولا يتحد بالجسم إلا جسم هذا على قول من يقول منكم: إن المسيح ابن الله.
أما من «١» يقول: هو الله، فالأمر فيه واضح.
وقرر ذلك" ابن الأمثل" «٢» مطران" حمص" بأن قال:" إن الله لا يمكن ظهوره إلى العالم حتى يتأنس ويتحد بهم، وله مظاهر يظهر فيها، كما ظهر في حقيقة [النار لموسى في العليقة ولإبراهيم في حقيقة] «٣» / كبش فدى به ولده، وليعقوب في حقيقة رجل فصارعه فكذلك ظهر في حقيقة المسيح".
وفي الفصل الخامس من إنجيل متى:" لا «٤» تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله ولا بالأرض فإنها موطئ قدميه".
وفي السادس والخمسين منه «٥»:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فوصفه بالقدمين والوطء بهما، وبالجلوس على الكرسي، والجلوس «٦»
_________________
(١) من: سقطت من (م).
(٢) في النسخ الثلاث: ابن الأشل. وقد سبق أن ذكرت بأن ابن الأمثل أو ابن الأشل لم أجد له ترجمة.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (أ).
(٤) في (م):" وذلك لا تحلفوا ".
(٥) في التراجم الحديثة: الأصحاح الثالث والعشرين من إنجيل متى.
(٦) في (ش)، (أ):" على الكرسي وذلك من خواص الأجسام".
[ ١ / ٤٤٥ ]
من خواص الأجسام، وإن لم يكن هذا تجسيما، فما في الوجود تجسيم أصلا. فإذا كان هذا مضمون كتبكم المعتمدة، وتقرير أئمتكم وفضلائكم، فكيف تنكرون علينا ما هو دونه في ذلك بكثير. وعذرنا فيه أوسع من عذركم على ما سيأتي ولكن في المثل:" رمتني بدائها وانسلت" «١».
وفي الشعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذ افعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم «٢» وأما الأحاديث التي ذكرت فصحيحة ثابتة إلا حديث أم الطفيل فإنه حديث موضوع «٣» لا أصل له حكم بذلك أئمة الحديث. ثم لو صح لكان محمولا على رؤية المنام كحديث: «رأيت ربي في أحسن صورة» فإنه كان مناما باتفاق علماء المسلمين. صرح الترمذي وغيره بأنه كان مناما «٤».
وأما حديث النزول والقدم/ والساق وغيرها من أحاديث الصفات فلطوائف المسلمين فيها ثلاثة أقوال:
_________________
(١) هذا المثل لإحدى ضرائر رهم بنت الخزرج امرأة سعد بن زيد مناة، رمتها رهم بعيب كان فيها، فقالت الضرة" رمتني بدائها وانسلت" فصار يضرب لمن يعير صاحبه بعيب هو فيه. [انظر مجمع الأمثال ١/ ٢٨٦].
(٢) نسب البيت الأول إلى أبي الأسود الدؤلي مع مجموعة من الأبيات، ونسب للأخطل ونسب لحسان ونسب إلى المتوكل الكناني ونسب إلى سابق البربري، ونسب إلى الطرماح بن حكيم. [انظر شذور الذهب بتحقيق محمد محي الدين ص ٢٣٨، شرح التصريح على التوضيح ٢/ ٢٣٨، التبصرة والتذكرة للصيمري النحوي ١/ ٣٩٩] والبيتان فيهما مثل يضرب لمن ينهي غيره عن أمر سيئ وهو يأتيه.
(٣) «موضوع» ليست في (ش).
(٤) انظر هامش ص: ٤٤٠ فقد نقلت أقوال العلماء فيه هناك.
[ ١ / ٤٤٦ ]
أحدها: اعتقاد مفهومها المشاهد منها «١». وهو قول المجسمة «٢» وهم عندنا في ذلك كالنصارى واليهود في ذلك.
والثاني: تأويلها «٣» على ما يصح في الشاهد، ولو كان بعيدا/ كالنزول على نزول العلم أو الرحمة، أو نزول ملك ينادي، أو فعل من أفعال الله. والقدم على قوم يقدمهم إلى النار، والساق على شدة الأمر وكرب المحشر ودنو الله سبحانه على تعطفه، ورفقه «٤» بعبده ونحو ذلك وهو مذهب الأشعرية والمعتزلة ونحوهم.
_________________
(١) أي أن الله- على مذهبهم- له يد كيد المخلوق، ورجل كرجل المخلوق، وساق كساق المخلوق الخ.
(٢) افي (ش): القسمة. والمجسمة: هم الذين يقولون إن الله جسم. واختلفوا في قدر الجسم وهل له لون أو طعم أو رائحة، إلى أقوال كثيرة ويسمون الممثلة أيضا لأنهم يقولون إن أسماء الله وصفاته كأسماء وصفات المخلوقين لا فرق في ذلك. وظنوا ألا حقيقة لها إلا ما فهموا من ظاهر النصوص. ومن أول من أفرط في ذلك السبائية- أتباع عبد الله بن سبأ من الشيعة. [انظر لوامع الأنوار ١/ ٩١، ومقالات الإسلاميين ص ٢٠٧ وما بعدها، والملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٠٣ وما بعدها، والفرق بين الفرق ص ٢٢٥].
(٣) التأويل لغة: ما يئول إليه الشيء. وفي الاصطلاح له ثلاثة معاني: الأول: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهو ما وافق القرآن والسنة وهذا هو قول السلف. الثاني: تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه. وهو اصطلاح المفسرين فهذا يؤخذ حقه ويرد باطله. الثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدلالة توجب ذلك. وهذا في اصطلاح المتأخرين. فالواجب فيه قبول ما هو الحق منه ورد الباطل. وتأويل هؤلاء هو من باطل هذا النوع وهو صرف اللفظ من معناه الظاهر إلى معناه المرجوح من غير قرينة توجب ذلك. [انظر مختصر الصواعق المرسلة ١/ ١٠، وما بعدها، شرح الطحاوية لابن أبي العز ص ٢٣٢ وما بعدها].
(٤) في (أ): وروية بعبده، وفي (ش): رقته.
[ ١ / ٤٤٧ ]
والثالث: اعتقاد ما يليق بجلال الله- سبحانه- منها «١»، مع القطع بتنزيه الله- سبحانه- عن مشابهة مخلوقاته أو بعضها، بوجه من الوجوه اعتمادا على قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) «٢» فأول الآية تنزيه، والثاني إثبات فهو أولى من الإثبات المفضي إلى التمثيل، والتنزيه المفضي إلى التعطيل وهذا هو الذي أقول به «٣»، ولي أن التزم القول قبله في هذا المقام، لأني وهذا الخصم، نبحث في دينين متقابلين، لا في مذهبي دين واحد، على أني أي القولين التزمت لا يلزمني من قبح التجسيم ما لزمك «٤».
وأما ما ذكرت من الحجتين على نفي الجسمية فقد سبقك إليه الفلاسفة والمتكلمون.
وقد قرر المسلمون في ذلك براهين كثيرة، فلم تأت أنت بغريبة ولا بشيء نازعناك فيه، بل نحن أحق به منك، فإنا نحن يمكننا الجمع بينه وبين ما عندنا من آيات الصفات وأخبارها بما قدمناه من القولين المختارين. وأنت لا يمكنك الجمع بينه وبين أن المسيح هو الله، أو القول بالثالوث إن كنت نصرانيا حقا. وإن كنت فيلسوفا فمالك ولمذهب النصارى. تكلم في رأي أرسطو ونحوه:
_________________
(١) اعتقاد أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات: اعتقاد معانيها الصحيحة المعروفة في اللغة دون تحريف لها أو تأويلها بمعنى مرجوح.
(٢) سورة الشورى، آية: ١١.
(٣) هذا هو المذهب الحق الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة.
(٤) لعل المؤلف قال هذا على وجه التنزل بأنه ولو كان يقول بما قاله أصحاب القول الثاني المتقدم على هذا فلا يلزم منه التجسيم والله أعلم.
[ ١ / ٤٤٨ ]
ودع عنك الشرائع لست منها ولو غبرت وجهك بالتراب/ «١» فإنك رجل مذبذب بين الرأيين كالشاة العائرة «٢» بين/ الغنمين.
وأما قوله:" إن هذا مخالف للعقل، ولمصاحف الأنبياء": فإن أراد أن المخالف لذلك كون الله جسما فهو صحيح ونحن نقول به، وإن أراد وصف الله سبحانه بنحو النزول والقدم والساق فباطل عن «٣» الأنبياء، فإن في أول الأصحاح الخامس عشر «٤» من كتاب أشعياء:
" هذا اسم الرب جائي من بعيد،/ يشتعل غضبه، ووجنه ماجد «٥»، شفتاه «٦» ممتلئتان غضبا، ولسانه كالنار المتقدة، وروحه كالوادي الذي يجر كلما تمر به تقطع بغضبه إلى العنق ليزجر الشعوب" «٧».
_________________
(١) لم أجد هذا البيت فيما اطلعت عليه من المراجع ولعل الطوفي نظمه على منوال قول أحد الشعراء: حمار في الكتابة يدعيها كدعوى آل حرب في زياد فدع عنك الكتابة لست منها ولو غرقت ثوبك بالمداد [انظر العقد الفريد ٤/ ٥٣].
(٢) العائرة: السائرة الساقطة التي لا يعرف لها مالك. [انظر لسان العرب ٤/ ٦٢٢] ومنه ما أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين حديث ١٧: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين. تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة" اهـ.
(٣) في (أ): من.
(٤) في التراجم الحديثة: في الأصحاح الثلاثين.
(٥) في (ش): وجيه ماجد، (م):" ووحيه ماخذ" وغير معجمة في (أ). وفي التراجم الحديثة" والحريق عظيم" ولعل ما أثبته موافق لنص المؤلف. والوجن: ما ارتفع من الخدين للشدق والماجد: الواسع. [انظر لسان العرب ١٣/ ٤٤٣، ٣/ ٣٩٥].
(٦) في (ش): شفتا.
(٧) النص في التراجم الحديثة هكذا:" هو ذا اسم الرب يأتي من بعيد غضبه مشتعل والحريق عظيم. شفتاه ممتلئتان سخطا ولسانه كنار آكلة، ونفخته كنهر غامر يبلغ الرقبة لغربلة الأمم بغربال السوء " اهـ.
[ ١ / ٤٤٩ ]
فإن قلت: هذه صفات اسم الرب، لا صفات الرب.
قلت: الاسم إن كان هو المسمى فهذه صفات الرب بلا شك، وإن كان غيره فالاسم معلوم الحقيقة «١»، وهو لا يتصف بهذه الصفات ويجب رجوعها إلى الرب «٢». ويكون ذكر الاسم صلة كقول القائل:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما «٣»
وقول الآخر:
تناديه باسم الماء وهو كثير «٤»
_________________
(١) في (م): للحقيقة.
(٢) هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ هذه المسألة من الألفاظ المجملة التي يجب التفصيل فيها، وغلط فيها كثير من الناس، وجهلوا الصواب في ذلك: فالاسم يراد به المسمى تارة ويراد به اللفظ تارة أخرى. فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، أو قال الرحمن كذا ونحو ذلك. فهذا المراد به المسمى نفسه. وإذا قلت: الله اسم عربي والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمى ولا يقال: غيره لما في لفظ الغير من الاجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا أعظم الضلال والإلحاد في أسمائه سبحانه". [شرح العقيدة الطحاوية ص ١٣١ بتصريف بسيط].
(٣) هذا البيت من قصيدة للبيد بن ربيعة العامري أوصى بها ابنتيه ومنها: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما فنوحا بالذي تعلمانه ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر وقولا: هو المرء الذي لا صديقه أضاع ولا خان العهود ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر [انظر ديوان لبيد ص ٢١٣ ط الكويت ١٩٦٢ م، ووفيات الأعيان ٦/ ٤٨].
(٤) لم أعرف قائله فيما رجعت إليه من مراجع.
[ ١ / ٤٥٠ ]
وفي الأصحاح الثالث والعشرين منه «١»:" اسمع قولي يا يعقوب وإسرائيل الذي دعوت. أنا الأول وأنا الآخر، ويدي أصلحت أساس الأرض، ويميني بسطت السماء".
وفي الأصحاح التاسع عشر منه «٢»:" هذا الله الرب، يأتي بعزه وذراعه بقوة، ثوابه «٣» معه، وعمله بين يديه" إلى أن قال:" وشبر «٤» السماء بشبره، وكال تراب الأرض بكفه، ووزن الجبال بالمثقال والآكام بالميزان".
وهذا كثير في كتب الأنبياء لو تتبعته لطال. وهذه صفات ظاهرها المتعارف التجسيم، فجوابك عنها هو جوابنا «٥» عما ذكرت من الأحاديث./
[القضاء والقدر وأفعال العباد وضلال النصارى في ذلك]
قال:" ومن هذه الأوصاف الواردة في حق الله تعالى عنها ما جاء في سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ (٧) «٦» الآية.
وفي سورة النساء «٧»: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ (٨٨) الآية.
_________________
(١) في التراجم الحديثة: في الأصحاح الرابع والأربعين.
(٢) في التراجم الحديثة: في الأصحاح الأربعين.
(٣) في (ش): وابه.
(٤) في (أ): وسير.
(٥) في (أ): جوابها.
(٦) سورة البقرة، آية: ٦، ٧.
(٧) الآية: ٨٨.
[ ١ / ٤٥١ ]
وفي الاسراء «١»: وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ.
وقال: واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ (٩٦) «٢» وقال: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .. (٧٨) «٣»،
والقرآن مصرح في مواضع كثيرة غير هذه بأن أفعال الخلق خيرها وشرها هي بإرادة الله وخلقه، لا بإرادة الخلق وفعلهم".
ثم ذكر أحاديث القدر من الصحيحين وهي مشهورة. ثم قال:" فثبت بهذه الأحاديث ما ثبت بالآيات المذكورة آنفا: من أن الله سبحانه خالق جميع أفعال العباد من الخير والشر، كالقتل والكذب والزنا وغير ذلك، وهو الذي يعاقب ويثيب. وهذا مذهب أهل سنة الإسلام.
وحجتهم عليه: ما أوردناه من الآيات والأحاديث. وإذا تبين لهم فساد هذا المذهب وشناعته، وأن هذا الذي يصفون به الله لا يوصف به إلا الشيطان، لجئوا إلى التمسك بهذه الآية: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) «٤».
قال:" والدليل على فساد هذا المذهب: الحجة والتنزيل.
أما «٥» الحجة فمن وجهين:
_________________
(١) الآية: ٦٠.
(٢) سورة الصافات، آية: ٩٦.
(٣) سورة النساء، آية: ٧٨.
(٤) سورة الأنبياء، آية: ٢٣.
(٥) عبارة:" الحجة والتنزيل. أما" سقطت من: (أ).
[ ١ / ٤٥٢ ]
أحدهما: ما تقرر في المعقول/ من أن مريد الخير خيّر ومريد الشر شرير،/ ومريد العدل عادل، ومريد الظلم ظالم، فلو كان الله سبحانه مريدا للشر والظلم لكان موصوفا بالخيرية والشرية، والعدل والظلم وذلك محال. وشنع في حق الله تعالى.
الوجه الثاني: أن كل آمر بشيء فهو مريد له، فيستحيل من الله تعالى/ أن يأمر عبده بالطاعة ثم لا يريدها. والجمع بين اقتضاء الطاعة وطلبها بالأمر بها، وبين كراهة وقوعها جمع بين نقيضين. وذلك بمثابة الأمر بالشيء والنهي عنه في حالة واحدة".
هذا تلخيص حجته. ثم ذكر كلاما بعده يرجع إليه.
وأما التنزيل: فقول الله في التوراة لقابيل «١»:" إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت سيطلع على إساءتك لأنك مالك إرادتك، وأنت مسلط عليها بالاختيار" «٢».
وقول داود النبي في الزبور «٣»: «روحي في يدي أبدا" يعني: تحت قدرتي.
وقول سليمان:" إن الله صنع الإنسان مستقيما وهو أدخل نفسه في مسائل غير متناهية" «٤» يعني بإرادته المخصوصة.
ثم شنع بأن ضرب مثلا، وهو" من أوثق إنسانا شدا وكتافا، ثم ألقاه من
_________________
(١) انظر سفر التكوين الأصحاح الرابع.
(٢) قلت: دليل هذا النصراني من التوراة فيه تناقض يدل على فساد ما ادعاه ففي النص ما يدل على أن قابيل يملك إرادته فلا إرادة لأحد عليه" لأنك مالك إرادتك" ثم آخر النص يدل على أن له اختيارا وأنه مسلط على إرادته" وأنت مسلط عليها بالاختيار" فإرادته تحت إرادة غيره.
(٣) لم أهتد إلى موضع هذا في التراجم الحديثة" مزامير داود".
(٤) لم أهتد إلى موضع هذا في التراجم الحديثة من الأمثال.
[ ١ / ٤٥٣ ]
جبل. وقال له في حال هويه: إن لم تقف أو ترجع إليّ، وإلا فعلت بك وفعلت" فهذا سفه وحمق، وتكليف ما لا يطاق.
وحكى قول الزمخشري «١» في الكشاف:" إن كان الله ينهى عن الذنب ثم يلجئ إليه، ويعاقب عليه، فأنا أول من يقول: إنه شيطان وليس بإله" «٢».
هذا ملخص «٣» ما ذكره في هذا السؤال من غير إخلال بمهم.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا الخصم بصدد القدح في النبوة. وإيرادك هذا السؤال لا يحصل لك المقصود، لأنه ليس كل طوائف المسلمين يقولون بهذه المقالة. فلو ناظرت في هذا معتزليا لخالفك في الإسلام ووافقك في القول بالقدر فانقطعت في هذا المقام. وأنا الذي قد تصديت لمناقضتك لو التزمت مذهب القدرية في هذا، لساغ لي في حكم النظر، لأن البحث بين/ مسلم ونصراني، لا بين قدري وسني.
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص ١٧٤ من قسم الدراسة وهو من نفاة القدر. زعم أن العبد يخلق فعله بنفسه ويقولون: كيف يخلق الله أفعال العباد ثم يعاقبهم عليها؟ وهذا مردود بأن الله خالق العباد وأفعالهم ولا يخرجون عن ملكه وسلطانه. لكنه جعل لهم اختيارا وقدرة لا تخرج عن قدرة الله وإرادته. يعاقبهم عليها. وله حكمة هو يعلمها فيما قدره على العبد. من خير أو شر.
(٢) النص ليس بهذا اللفظ عند الزمخشري وقد بالغ النصراني في تغليط العبارة كما سيأتي في كلام الطوفي، ولكن له كلام قريب من هذا عند تفسيره لآية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [سورة البقرة، آية: ٦، ٧].
(٣) في (أ): تلخيص.
[ ١ / ٤٥٤ ]
الوجه الثاني: أن هذه مسئلة من فروع الشريعة «١» تثبت بثبوت أصلها وتنتفي بانتفائه «٢»، فهي تابع لا مقصود، فيغنيك عنها القدح في أصل الدين «٣» / إن يثبت «٤» لك. وإنما ذكرك لمسألة القدر في هذا المقام كمن يقدح
_________________
(١) مسألة القدر هي من أصول الدين التي يجب على المسلم الإيمان بها، والقدر أحد أركان الإيمان فلا يصح الإيمان إلا به، كما قال ابن عباس﵄-:" من وحد الله وكذب بالقدر فقد نقض تكذيبه توحيده" لكن المؤلف﵀- يقصد بأن مسألة القدر فرع بالنسبة للأصل وهو شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والتي هي أول واجب، كما هو مقرر في علم أصول الدين فلا يصح أن يتكلم الإنسان في القدر أو اعتقاد القدر قبل أن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا أتى بالأصل وهو الإسلام فإنه يلزمه المرتبة الثانية من مراتب الدين وهو الإيمان الذي منه الإيمان بالقدر خيره وشره. يقول ابن تيمية﵀- في التدمرية ص ١٩٣:" والاقرار بالأمر والنهي والوعد والوعيد مع انكار القدر خير من الاقرار بالقدح مع انكار الأمر والنهي والوعد والوعيد" ثم يقول﵀- في الرد على من أهل أخل بالنبوة وما جاء فيها من الأمر والنهي ص ١٩٩:" فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبهون بالمجوس، وهؤلاء يشبهون بالمشركين الذين قالوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [الانعام ١٤٨] والمشركون شر من المجوس، فهذا أصل عظيم على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة ألا إلا إلا الله، وأن محمدا رسول الله" اهـ.
(٢) في (أ): بانتفائها.
(٣) أي: القدح في النبوة التي لا يتحقق الإيمان بالقدر إلا بها ولا يعرف الإنسان الحق إلا بها.
(٤) في (م):" إن ثبت".
[ ١ / ٤٥٥ ]
في دين النصرانية بقبح التعميد «١»، وبناء المذبح «٢»، وتقريب القربان، فإنك أنت كنت تقول له: تكلم فيما هو فوق هذا. ثم انزل إليه.
الوجه الثالث: أما الآيات والأحاديث فصحيحه. ونحن نقول بها على وجه نقرره، وهو أن المسلمين أجمعوا على أن القرآن حق وصدق، وأن بعضه يوافق بعضا، فما أوهم منه التعارض تلطفوا للجميع بينه بما أمكن من الأسباب الجائزة.
ثم إنهم رأوا الآيات المتضمنة لأفعال العباد موهمة للتعارض. تارة تضاف الأفعال فيها إلى الله، نحو واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ (٩٦) «٣» وقوله: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (٦٢) «٤»، ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) «٥»، وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى
_________________
(١) التعميد عند النصارى تغطيس المرء في الماء مرة أو مرتين أو ثلاثا على اختلاف بين طوائفهم، فهم يفعلونه للذي يريد الدخول في دينهم، أو يتوب من المعاصي ويتقدم إلى القسيسين فيمنعونه من اللحم والخمر أياما ثم يعلمونه اعتقادهم وإيمانهم فإذا تعلم ذلك اجتمع له القسيسون فتكلم بعقيدة إيمانهم أمامهم ثم يغطسونه في ماء يغمره. [انظر الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام ص ٤٠٣].
(٢) ما يذبحون فيه قرابينهم من العجول، والجزور، والخرفان، وهذا في شريعة التوراة على ما يقال، غير أن النصارى استثقلوا هذه الحيوانات لارتفاع ثمنها وبخلهم ولأنه لا يوجد فيها ما يوجد في الخمر من اللذة والطرب، فاستبدلوا الحيوانات المذكورة بالخمر زاعمين أن المسيح قال لهم:" من أكل لحمي وشرب دمي كان فيّ وأنا فيه" ولأن القسيس المنصوب من الله على زعمهم" ملكي صادق" أول من قرب الخمر والخبز. (انظر الإعلام ص ٤٢٧ - ٤٢٩).
(٣) سورة الصافات، آية: ٩٦.
(٤) سورة الزمر، آية: ٦٢.
(٥) سورة الرعد، آية: ٣٣.
[ ١ / ٤٥٦ ]
عِلْمٍ (٢٣) «١» ونحوها.
وتارة تضاف إلى العباد نحو فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا (٣٨) «٢»
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) «٣» - هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) «٤»؟
ونحوها. وهي من الطرفين كثيرة./ ففي هذا المقام انقسم المسلمون إلى ثلاث فرق، فرقة قالت بمقتضى القسم الأول، وألغت الثاني وهم الجبرية «٥»: زعموا أن الله موجد أفعال خلقه استقلالا والعباد في وقوعها على جوارحهم مضطرون إليها كاضطرار السعفة إلى الحركة في الريح العاصف وسلبوهم الاختيار.
وفرقة قالت: بمقتضى القسم الثاني وهم القدرية «٦» / زعموا أن العباد
_________________
(١) سورة الجاثية، آية: ٢٣.
(٢) سورة المائدة، آية: ٣٨.
(٣) سورة الواقعة، آية: ٢٤.
(٤) سورة المطففين، آية: ٣٦.
(٥) الجبرية: هم الذين يسندون فعل العبد إلى الله ويقولون إن العبد مجبور على فعله وهم صنفان: الجبرية الخالصة: وهي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا. كجهم بن صفوان وأصحابه. والجبرية المتوسطة: وهم الذين يثبتون للعبد قدرة ولكنها غير مؤثرة وتنسب الفعل إليه على جهة الكسب والمباشرة كالأشعرية. [انظر اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٦٨، مجموعة فتاوى ابن تيمية ٨/ ١١٨، ١٣/ ٣٧].
(٦) هم الذين قالوا بأن لا قدر وأول من قال ذلك: معبد الجهني المتوفى سنة ٨٠ هـ: فهو الذي قال: " لا قدر والأمر أنف" أي مستأنف لم يسبقه قدر. ثم تبعهم في ذلك المعتزلة أتباع واصل بن عطاء وغيرهم من الجهيمة. [انظر منهاج السنة ١/ ٣٦٢، ومجموع فتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٦ - ٣٧].
[ ١ / ٤٥٧ ]
موجدون لأفعالهم استقلالا وأن الله- تعالى- «١» لا تعلق له بها بخلق ولا إرادة.
وفرقة توسطت الطرفين المنحرفين، وقالت «٢» بمقتضى القسمين. فنسبوا الأفعال إلى الله إرادة وخلقا، وإلى العباد اجتراحا وكسبا، وفسروا الكسب بأنه أثر القدرة القديمة في محل القدرة الحادثة، وساعدهم على ذلك ظواهر نصوص الكتاب والسنة من الطرفين «٣». وورد على كل واحدة من الفرقتين الأوليين ما قالت به الأخرى، فاحتاجت إلى تأويله، والتعسف في تبطيله، فلزم الجبرية
_________________
(١) - تعالى-: زيادة من (ش).
(٢) في (أ): أو قالت.
(٣) هذا قول الأشعرية. ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد الذين يقولون: إن قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل. لكن الأشعرية يقولون: إن الله فاعل فعل العبد وإن عمل العبد ليس فعلا للعبد بل كسب له وإنما هو فعل الله فقط. وأما قول جمهور أهل السنة فغير هذا فهم يقولون: إن العبد فاعل حقيقة وإن له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية، لها تأثير لفظا ومعنى كما قال تعالى: ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ، [يس: ١٢] وهذا التأثير هو تأثير الأسباب في مسبباتها فالله تعالى خالق الأسباب، والمسببات. يقول الله تعالى: واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦]. وخلقه لفعل العبد لا يدل على أن العبد لا يفعل باختياره، وأنه لا قدرة له، وإلا فما الحكمة من خلقه؟ إنه خلقه ليعمل وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [سورة الذاريات ٥٦] " اعملوا فكل ميسر لما خلق له" [صحيح البخاري تفسير سورة والليل إذا يغشى]. ولكن عمل العبد وقدرته تحت مشيئة الله وقدرته: وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]. [من مراجع هذه الفقرة: منهاج السنة ١/ ٣٥٨ وما بعدها، شفاء العليل ص ٢٤ وما بعدها، خلق أفعال العباد للبخاري ص ٣٩ وما بعدها].
[ ١ / ٤٥٨ ]
التجوير «١»، والقدرية تعجيز القدير، والإشراك معه في آثار المقادير. ولهذا سموا مجوس الأمة، تشبيها بالمجوس القائلين بخالقين.
إذا عرفت هذا فنقول: إنا إذا اشتققنا اسم فاعل من فعل أو صفة نحو شرير وظالم وضارب وقاتل، فتارة يراد به موجد ذلك الفعل وخالقه وعلة وجوده/ وتارة يراد به كاسبه وسببه. فقولك: لو كان الله مريدا للشر، والظلم لكان شريرا ظالما، إن عنيت بالشرير والظالم كاسب الشر، وسببه. فلا نسلم، إنما ذاك الآدمي «٢».
وإن عنيت خالقه وعلته فهو صحيح، لكن يكون في اطلاق لفظ «٣» الشرير عليه إساءة أدب. إذ لم ترد الشرائع بإطلاق مثل هذا عليه «٤».
_________________
(١) من الجور: وهو نقيض العدل. والميل عن القصد. ومنه قوله تعالى في سورة النحل ٩: ومِنْها جائِرٌ أي عادل عن الحق فلا يهتدي به. وقيل: عادل عنه فلا يهتدي إليه. والمقصود أهل الأهواء المختلفة ومنهم اليهود والنصارى (انظر لسان العرب ٤/ ١٥٣، تفسير القرطبي ١٠/ ٨١) والجبرية ينسبون الله بهذا إلى الجور ضد العدل، وسلكوا فيه غير القصد.
(٢) الله سبحانه خالق الإنسان وعمله كما تقدم والآدمي فاعل حقيقة فيضاف الفعل لله من حيث الخلق وللعبد من حيث أنه فاعل له حقيقة. وإضافته إلى الله إضافة خلق لا مباشرة واضافته إلى العبد إضافة مباشرة وتحصيل.
(٣) لفظ: ليست في (أ).
(٤) قال الله تعالى: وأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (الجن ١٠) فقد أضيف الخير إلى الله صراحة، وحذف فاعل الشر وبني الفعل للمجهول تأدبا مع الله تعالى. وإضافة مثل: الشر إلى الله تعالى ووصفه بذلك فهذا فيه نقص من وجه، ولا يليق ذلك بجلاله إلا في مقابلة مثلها، لأنها تدل على أن فاعلها ليس بعاجز عن-
[ ١ / ٤٥٩ ]
والأشهر عندنا: أن أسماء الله توقيفية «١» لا قياسية وبهذا التفصيل يندفع ما ذكرته من المحال والتشنيع.
وأما قولك:" كل آمر بشيء فهو مريد له، فممنوع. فإن هذا محل وهم، ومزلة قدم. وذلك لأن الإرادة تستعمل تارة بمعنى الطلب وتارة بمعنى رجحان «٢» / وجود الممكن في نفس المرجح «٣». فالأول ترجيح طلبي بمعنى الأمر، والثاني: ترجيح وجودي، وهو: موضوع الإرادة في الأصل. وأحد الأمرين يشتبه بالآخر، لأن الأول أثر الثاني، فإنه إنما يصدر الطلب غالبا بعد
_________________
(١) - مقابلة عدوه بمثل فعله، كما قال تعالى: ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال ٣٠] وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق ١٥ - ١٦]. وقال سبحانه: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهُوَ خادِعُهُمْ [النساء ١٤٢] إلى غير ذلك (انظر تفسير الكريم المنان للسعدي ٧/ ٤٩١، وشرح لمعة الاعتقاد للعثيمين ص ١٠).
(٢) أي أن الله يسمى بما سمى به نفسه في كتبه المنزلة وبما سماه به أعلم الناس به وهم الأنبياء ﵈.
(٣) في (أ): رجوح.
(٤) الإرادة في نصوص الشرع نوعان: قدرية كونية خلقية: أي شاملة لجميع المخلوقات قال الله تعالى: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة يس، آية: ٨٢]، وقال سبحانه: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [سورة الأنعام، آية: ١٢٥]. والثانية: إرادة أمرية طلبية شرعية. قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [سورة البقرة، آية: ١٨٥] وقال سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ويَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [سورة النساء، آية: ٢٦].
[ ١ / ٤٦٠ ]
رجحان الوجود في النفس «١». وحينئذ نقول: ما تعني بقولك:" كل آمر بشيء" فهو مريد له؟ " الإرادة الطلبية أو الوجودية؟ الأول: مسلم. لكن هذا يصير كقولك كل آمر بشيء فهو أمر به، لأن الإنسان قد يقول لصاحبه أو لعبده: أطلب منك، أو آمرك أن تفعل كذا. وأريد منك أن تفعل كذا بمعنى. والثاني: ممنوع، فلا يصح قولك: كل آمر بشيء فهو مريد له، أي: مرجح لوجوده.
وقد ضرب الأصوليون لهذا مثلا، وهو: من أمر عبده بما لا يريده منه تمهيدا لعذره عند من لامه «٢» على ضربه. فإن هذا جائز عقلا. وفيه حكمة مقصودة «٣»، فجاز أن يكون/ لله سبحانه في الأمر بالشيء، وعدم إرادته «٤» حكمة، وإن لم
_________________
(١) الفرق بين الإرادة الكونية القدرية الخلقية والأمرية الشرعية: أن الأولى متعلقة بخلق فعل العبد إن شاء الله خلقه وإن لم يشأ لم يخلقه وإذا أراد الله خلق فعل العبد فلا بد من وجود المراد ووقوعه. ولا يستلزم أن تتضمن المحبة والرضا فالله يريد الكفر والمعاصي كونا وقدرا ولا يرضاهما. أما الأمرية الشرعية فهي متعلقة بأمره سبحانه فهو يريد من العبد الفعل ولا يلزم إعانته عليه. ولا يستلزم وقوع مرادها إلا إذا تعلقت بالكونية، وهذه الأمرية متضمنة للمحبة والرضا والكونية والأمرية تجتمعان في حق المطيع المؤمن البر، وتنفرد الكونية في حق العاصي والكافر، فالأمرية خاصة بحزب الله وعباده الصالحين. [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٧، ١٣٧، ١٣٨].
(٢) في (ش): لانه.
(٣) قال الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [سورة النساء: ١٦٥] وقال تعالى: وما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [سورة النساء: ٦٤].
(٤) أي عدم محبة وقوعه، وتقدير ضده.
[ ١ / ٤٦١ ]
ندركها «١».
وقد ذكر" بقطينوس الحكيم" «٢» - وهو من فضلاء النصارى وعلمائهم- من شأن الله- سبحانه- مع ملائكته ما إن صح، صلح أن يكون حكمة لهذا.
وقد أشرت إليه في التعليق على الإنجيل. ولا يسهل عليّ الآن ذكره «٣».
_________________
(١) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-:" فالذي يفعله- أي الله- لحكمة اقتضت ذلك، كما أن الذي يمتنع من فعله لحكمة تقتضي تنزيهه عنه، وعلى هذا فكل ما فعله علمنا أن له فيه حكمة، وهذا يكفينا من حيث الجملة، وإن لم نعرف التفاصيل، وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة علمنا بكيفية ذاته، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا، وأما كنه ذاته فغير معلوم لنا فلا نكذب بما علمناه وما لم نعلمه. وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به، وعدم علمنا بالحكمة في بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها " اهـ. [مجموع الفتاوى ٦/ ١٢٨].
(٢) لم أجد له ترجمة.
(٣) سئل بقطينوس الحكيم عن فائدة ظهور المسيح إلى البشر، فقال كلاما معناه:" إن الله لما خلق الملائكة جعلوا يتقربون إليه بالعبادة، ويزيد هو في إكرامهم، وكان فيهم مقدم جاهل، قال لهم: إني أرى أن الله إنما يزيد في إكرامنا خشية أن نقهره على ملكه، فهو يصانعنا، فهلموا نغلبه على ملكه ونكون مكانه، فوافقته فرقة وخالفته فرقة، فالذين خالفوا بقوا على ملكيتهم، والذين وافقوه ركب الله سبحانه أرواحهم اللطيفة النيرة في هذه الأجسام الكثيفة المظلمة، ثم كلفهم أنواع التكاليف، فمن أطاع هاهنا رفع بعد الموت إلى حيث كان من الملائكة، ومن عصى أهبط إلى أسفل، وجعل الله سبحانه مقدم الملائكة الذين أشار عليهم بذلك الرأي إبليس في دار التكليف، ومغويهم كما كان مغويهم في عالم السماء، ثم إن الله أدركته الرحمة لملائكة فظهر للبشر ليستنقذهم من حبائك شيطانهم ومغويهم" هذا كلام بقطينوس الذي ذكر الطوفي في التعليق على الأناجيل. وفيه ما ترى من التخبيط. [انظر تعاليق على الأناجيل للمؤلف ص ٣٠ - ٣١ مخطوط].
[ ١ / ٤٦٢ ]
وحينئذ لا يلزم التناقض بين اقتضاء الطاعة وطلبها وبين كراهة فعلها «١»، لأن اقتضاءها خطابي وكراهتها نفسية. وقد يوجد هذا من البخلاء كثيرا، حيث يقول أحدهم لصاحبه: إذن فكل معي، تجملا «٢» وهو يكره ذلك منه لآمة وبخلا، وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين/ الأمر بالشيء والنهي عنه. لأن الأمر والنهي خطابان محلهما اللسان، نحو افعل./ لا تفعل. بخلاف الكراهة فان محلها النفس، فلا تناقض الأمر.
وأما ما ذكر من نصوص كتب الأنبياء فحق نقول به. وقد ورد به شرعنا.
فإن الإنسان له قدرة واختيار يكتسب بهما، لكنهما تابعان لقدرة الله واختياره، فهما ناقصان نقص التبعية، وكون الشيء ناقصا لا يقدح في وجود مسماه، إنما يقدح في تمامه وكماله «٣».
_________________
(١) الله سبحانه لا يكره فعل الطاعة. بل يحب من العبد أن يفعلها، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) [الصف: ٤] [سورة الصف: ٤] وقال تعالى: وأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) [البقرة: ١٩٥] وقال سبحانه: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [سورة آل عمران: ٣١]. والآيات في هذا كثيرة تبين أن الله يحب فعل الطاعة وإن كان لا يعين المأمور بها أحيانا لحكمة يعلمها سبحانه ويعود إليه الأمر فيها.
(٢) التجمل: تكلف الجميل والحياء والمودة. [انظر لسان العرب ١١/ ١٢٦ - ١٢٧].
(٣) قلت: ذكر الفرق بين إرادة الخالق سبحانه وإرادة العبد يوضح هذا: فإرادة الله لا تعدم في وقت من الأوقات: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فإرادته وفعله متلازمان فما أراده كونا فعله وما فعله فقد أراده، أما العبد فإنه قد يريد شيئا ولا يفعله وقد يفعل شيئا ولا يريده وهذا يدل على أن إرادته تحت إرادة الله ومشيئته. [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ١٣٧ - ١٣٨، وشرح لمعة الاعتقاد للعثيمين ص ٥٤ - ٥٦].
[ ١ / ٤٦٣ ]
وأما المثل الذي شنع به من ربط الشخص وإلقائه من جبل. ثم يقال له:
ارجع وإلا عاقبتك، فليس نظير ما نحن فيه، لأن هذا «١» إلجاء محض، وقسر صرف، وصاحبه جائر قاسط، وتعالى الله وحاشاه أن يفعل هذا، وإنما الله سبحانه لطيف لما يشاء، فتلطف إلى بلوغ مراده من شقوة من أراد شقوته من خلقه على وجه لا يلجئهم إلى مراده ولا يهملهم حتى يخرجوا من تحت قهره وقدرته، وسلط «٢» على عبده نفسا أمارة، وهوى داعيا، وشيطانا مزينا للشهوات، وفي مقابلة هذه روحا وعقلا ودينا، فالقبيلان كجيشين يصطدمان على فعل الشر وتركه، ويترجح أحدهما بالتوفيق أو الخذلان.
ثم قطع حجته بأن قال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) ولِسانًا وشَفَتَيْنِ (٩) وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) «٣» يعني طريق الخير والشر، ليجتلب ويجتنب، فإذا أراد الله سبحانه شقوة عبد خذله فيرجح جيش شيطانه، وإذا أراد إسعاده وفقه فيرجح جيش عقله، والتوفيق والخذلان للإنسان في مدة عمره، كالخفير وقاطع الطريق في مسافة سفره، فكما أنك إذا استرشدك من لك به عناية عن «٤» طريق أريته جهته، ثم سيرت معه غلامك، أو سرت «٥» معه بنفسك، فخفرته فيها-/ من أن يضل عنها، أو يطأ فيها مهلكا، أو يقع في مغارة- حتى يقطعها إلى مقصده.
_________________
(١) في (ش): لانه إلجاء.
(٢) في (ش)، (م): فسلط.
(٣) سورة البلد، آية: ٨ - ١٠.
(٤) في (ش): من.
(٥) في (أ): أو شرب.
[ ١ / ٤٦٤ ]
وإن لم يكن لك به عناية، قلت له: هذا الطريق. ثم تركته بلا تخفير، فمر على عماه «١»، فوقع على سبع فافترسه، أو لص فقتله، أو مهلك فتلف فيه، أو مغارة فمات عطشا، كذلك الله- سبحانه- إذا اعتنى بعبده جعل التوفيق له إلى الموت خفيرا، يمنعه من مفارقة الطاعات، ومقارفة المعاصي، وإذا غضب عليه لم يصحبه التوفيق وذلك هو خذلانه له، فقارف «٢» المعاصي، وفارق الطاعات فكان شقيا.
فحقيقة القدر إذا حقّقت وجدت عدمية، وهي كون الله سبحانه/ لا يتفضل على عبده «٣» بالتوفيق العاصم من الهلاك، وليس عليه سبحانه ذلك بناء على أصلنا/ في أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لخلقه، بل يتفضل به تفضلا «٤»، فالله سبحانه لا يلجئ أحدا إلى شر، لكن يخلي بينه وبين الشر.
وفرق بين أنك تترك تخفير رجل في الطريق فيقتل وبين أن تقطع عليه الطريق فتقتله، وبين أنك تراه يريد أن يلقي نفسه من جبل فلا تمنعه، وبين أن تدفعه منه فيقع. فإن الأول ترك نفع، وهو عدم محض، والثاني: فعل ضرر محض، ولهذا أجمع الفقهاء على: أن من أخذ شخصا فغطه في الماء حتى اختنق
_________________
(١) من العمه وهو التحير والتردد في الطريق، فهو لا يدري أن يتوجه. [انظر لسان العرب ١٣/ ٥١٩].
(٢) في (ش)، (أ):" فقارن" وقارف المعاصي: أي لزم فعلها وخالطها. [انظر منال المطالب ص ٣٠٠، ولسان العرب ٩/ ٢٧٩ - ٢٨٠، ومختار الصحاح ص ٥٣١].
(٣) في (ش): ضده.
(٤) انظر هامش ص: ٢٥٤ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٤٦٥ ]
يقاد به «١»، وعلى أن من رأى إنسانا في الماء قد كاد يغرق، وقدر على تخليصه فلم يخلصه حتى غرق، لا يقتل. لكن في ضمانه له بالدية خلاف. الأصح أيضا النفي، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق.
وأصل هذه المسألة إذا حققت رعاية للأصلح «٢».
وقد أشير في نبوة ارمياء إلى حقيقة القدر، حيث يقول الرب سبحانه لعصاة بني إسرائيل:" كما لا يقدر/ الهندي أن يغير سواد جلده، والنمر تبقيعه، كذلك أنتم لا تقدرون على الإحسان والخير، لأنكم قد تعودتم الشر" «٣».
وتقرير هذا: أن الباري- سبحانه- ركز في طباع العالم وجبلاتهم الميل إلى أفعالهم من خير وشر، كما ركز الإحراق في طبيعة النار، والإغراق في طبيعة الماء، وكما وضع السواد في الجسم «٤»، والتبقيع في النمر والفهد والغراب الأبقع، والسم في الحية والظلم والاستيلاء في طبع السبع، لكنه أجرى فعل تلك الطبائع على كسب أهلها. فعلى الكسب يترتب الجزاء، وعلى ركز الفعل في الطبع، وتحريك الداعي له- وهو خلقه، المنسوب إلى الله سبحانه- يترتب التسليم، والله بكل شيء عليم.
_________________
(١) هذا من أنواع القتل العمد. [انظر المغني لابن قدامة ٧/ ٦٤٠ - ٦٤١، والمقنع ٣/ ٣٣٣، ٣٣٤].
(٢) في (أ): الأصل. وفي (ش): الأصلح. وانظر هامش ص: ٢٥٤ من هذا الكتاب.
(٣) انظر نبوة ارمياء: الأصحاح الثالث عشر وهذا قول الله على زعمهم.
(٤) هكذا في النسخ الثلاث، والأصح: في الجلد.
[ ١ / ٤٦٦ ]
وقد استقصيت القول في مسألة" القدر" في كتاب مفرد، سميته:" درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح" «١» على وجه بليغ لمن عقل الأسرار الإلهية.
والله أعلم.
وأما ما حكى عن الزمخشري فهو صحيح. لكنه أسرف في تغليط العبارة «٢» فإنا ننزه الله تعالى عن أن يعاقب على فعل ألجأ إليه كما بينا.
ثم نقول: إن الزمخشري رجل معتزلي غال في الاعتزال،/ حرف القرآن عن مواضعه، ليوافق مذهبه، واضطره ذلك فيما حكمى عنه السخاوي «٣» - حتى حمل قوله تعالى: ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (٢٨) «٤» على معنى:
أصبناه غافلا، كما يقال: أجبنت الرجل وأبخلته إذا وجدته كذلك «٥». وتشبث
_________________
(١) انظر عن الكتاب ص ٧٧ من قسم الدراسة.
(٢) أسرف النصراني في تغليط عبارة الزمخشري لأن العبارة ليست بهذا اللفظ الشنيع. [انظر ص: ٤٥٤ من هذا الكتاب هامش: ٢].
(٣) هو علم الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المصري الشافعي. عالم بالقراءات والتفسير والنحو، وله مصنفات كثيرة منها: المفضل شرح المفصل للزمخشري- خ في أربعة أجزاء، وله شعر كثير. قيل: إنه من أذكياء بني آدم. توفي في ثاني عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. [انظر طبقات الشافعية ٥/ ١٢٦ - ١٢٧، والأعلام ٤/ ٣٣٢].
(٤) سورة الكهف، آية: ٢٨.
(٥) عبارة الزمخشري في تفسيره (٢/ ٢٥٨):" من أغفلنا: من جعلنا قلبه غافلا عن الذكر بالخذلان، أو وجدناه غافلا عنه، كقولك: أجبنته وأفحمته وأبخلته إذا وجدته كذلك وقرئ" أغفلنا قلبه" بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين. من أغفلته إذا وجدته غافلا"، قلت: وهذا ضلال كبير، لأن الآية تدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنما هو-
[ ١ / ٤٦٧ ]
فيه بما لا حاصل له على ما بينته غير هاهنا" وأضله الله على علم" حتى نسي قوله: اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ «١» الآية ونظائرها".
بقي هاهنا سؤال إذا ضويق القدرية فزعوا إليه، وهو: أن الله ﷾ «٢» / إذا خلق الفعل، فإما أن يمكن العبد تركه، أولا، والأول: تعجيز للرب حيث لم يتم مراده، والثاني: إلجاء للعبد، إذ لا يعني بالالجاء إلا اضطراره إلى الفعل على وجه لا يمكنه التخلص منه.
فنقول: إن الله سبحانه إنما يخلق أسباب الفعل ودواعيه الأولية. ثم حقيقة الفعل توجد بكسب العبد مرتبة على تلك الأسباب. والالجاء لا نعرفه إلا بالمباشرة كما مثلتم في من/ ربط شخصا، وألقاه من جبل ثم توعده على السقوط. أما حتم وقوع الفعل بفعل الأسباب والوسائط فلا نراه إلجاء. فإن سميتموه إلجاء فهو نزاع في عبارة، ثم يلزمكم أن لا يستحق على الطاعة ثوابا لأن فاعلها ملجأ إليها، والثواب إنما هو لمن أطاع اختيارا. وذلك لأن الطاعات مترتبة بكسب الآدمي على أسبابها المخلوقة لله، كما أن المعاصي كذلك.
والقدرية يجعلون ثواب الطاعة مستحقا عليها ومعلولا لها.
_________________
(١) - بمشيئة الله إذ لا يقع شيء البتة كائنا ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية. وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [سورة الإنسان: ٣٠]، أما الزمخشري فيزعم أن العبد بقدرته وإرادته بأفعاله، مستقل بها دون مشيئة الله. وهذا لا يخفى على العاقل بطلانه. وقوله: " حسبنا قلبه غافلين" هذا على زعمه أن الله لا يعلم أفعال العباد قبل وجودها.
(٢) سورة الأحقاف، آية: ٢٣.
(٣) وتعالى: ليست في (م) و(ش).
[ ١ / ٤٦٨ ]
ثم يقال لهم: هل يلزم من خلق الفعل والعقوبة عليه غير القبح والتجوير؟
ثم هو لازم على قولكم في خلق القدرة على الفعل؟ فإن الله سبحانه يخلقها ويتسبب بها إلى إيقاع المعاصي من خلقه، ولو لم يخلق لهم قدرة عليها لم تقع منهم.
وأجمع العقلاء على أن التسبب إلى القبيح قبيح، وإذا لزم القبح على المذهبين لم يكن أحدهما أولى بالفساد من الآخر، ثم يرجع إلى نصوص الشرع وهي في طرفنا. والله أعلم.
قال:" نبذ من صحيح الحديث تنضم إلى ما نحن فيه" يعني من القدح في الصدق.
[كلام الأموات وإنكار النصارى ذلك]
ذكر منها قوله﵇-:" إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني، وإن كانت غير صالحة/ قالت:
يا ويلها، أين تذهبون بها؟ «١» / يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه لصعق" «٢».
_________________
(١) في النسخ الثلاث:" أين تذهبون بي؟ والمثبت من جميع ألفاظ الحديث.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز، باب حمل الرجال الجنازة دون النساء، وباب قول الميت وهو على الجنازة: قدموني، وباب كلام الميت على الجنازة، وأخرجه النسائي في الجنازة، باب السرعة بالجنازة، وأحمد في المسند (٣/ ٤١، ٥٨) بألفاظ متقاربة عن أبي سعيد الخدري ﵁-.
[ ١ / ٤٦٩ ]
قال:" وهذا أبين من أن يتكلم على بطلانه، إذ كيف يكون لميت صوت تسمعه البهائم والجمادات دون الإنسان، لأن شرط المسموع أن يكون صوتا خارجا، يتموج به الهواء، فيقرع صماخ الأذن «١»، فهل للبهائم والجمادات أسماع فضلا عن أن تكون أفضل فيها «٢» من الإنسان؟ ".
هذا حاصل ما قرر به «٣» هذا السؤال، مع تشنيع ذكره يسير.
قلت: الجواب العام عن كل حديث ذكره في هذا الكتاب: أنه من أخبار الآحاد التي توجب العمل لا العلم، فلا يثبت بها أصل، ولا يقدح بها في أصل وإنما يقدح في الشرائع ما تثبت بمثله الشرائع، وقد قرر هذا في المقدمات «٤»، وفي آخر شرط الصدق بعد هذا «٥». ولكنا نتبرع بالجواب «٦».
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن الكلام في هذا وأمثاله من الحقائق الإلهية التي يقصر العقل عن
_________________
(١) الصماخ من الأذن: الخرق الباطن الذي يفضي إلى الرأس، ومنه حديث أبي داود في الطهارة، باب صفة وضوء النبي ﷺ-" وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه" وهذا في لغة تميم، ويقال: السماخ بالسين المهملة، وهي لغة فيه، ويقال: أن الصماخ الأذن نفسها. (انظر لسان العرب ٣/ ٣٤)
(٢) فيها: ساقطة من (أ).
(٣) في (أ): قررته هذا.
(٤) انظر ص: ٢٤١ من هذا الكتاب، وانظر ص: ١٤٧ وما بعدها من قسم الدراسة. ونحن لا نوافق الطوفي في قوله هذا كما سبق.
(٥) انظر ص: ٥١٩ من هذا الكتاب.
(٦) في (ش): الجواب.
[ ١ / ٤٧٠ ]
ادراكها «١»، فرع على ثبوت النبوة وتابع لها، كمسألة القدر، فحق الكلام أن يكون في رتبة قبلها. وأنت فقد قدمت من كلام" أرسطو" وغيره، أن نسبة إدراكاتنا إلى المبادئ الأولى كنسبة الخفاش إلى ضوء الشمس، ثم إنك في الاعتراض على هذه الأخبار تناقض «٢» ذلك. فأنت هناك مشرع جامد، وهاهنا فيلسوف محلول، وحالك لا ينضبط.
الثاني: أن العلماء نقلوا عن موسى، أنه لما ناجاه ربه أمر الريح فأخذت على أسماع الناس، ولولا ذلك لماتوا من صوته- تعالى «٣» -، ونحن عندنا أن الكلام والادراكات ليس من شرطها الأدوات، بل يجوز أن يخلقها الله- تعالى- في الجمادات كما قال سبحانه: وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ (٤٤) «٤».
وهو عند المحققين على حقيقته التي تليق بكل شيء بحسب قوته واستعداده وما يهيئه الله له، فكذلك يجوز أن ينطق الله تعالى الميت كما أحيى الموتى لعيسى/ ويحجب صوته عن الإنسان لئلا يصير إيمانه بهذه الحقائق الغائبة ضروريا، فتبطل فائدة التكليف بالإيمان بالغيب، ويسمع صوتها «٥» غير الإنسان على حسب ما يليق بالأشياء، لأنها ليست مكلفة فلا محذور.
_________________
(١) قلت: هذا وجه من وجوه إلزام المؤلف بأن الآحاد الصحيحة التي تلقتها الأمة بالقبول حقائق إلهية يقصر العقل عن إدراك حقائقها، فيجب عليه التسليم بهذه الأحاديث وأنها تفيد العلم والعمل معا. وقد تناقض الأصوليون في هذه المسألة مع أنفسهم فتارة ينكرون إفادة الآحاد العلم وذلك عند استدلالهم بها على شيء من مذاهبهم وتارة يقولون إنها تفيد العمل لا العلم وهذا تناقض واضح. مع أنهم لا يرفضون العمل بخبر الآحاد بل يوجبون العمل دون العلم.
(٢) كلمة" تناقض" ساقطة من (أ).
(٣) لم أجده بعد البحث الكثير.
(٤) سورة الإسراء، آية: ٤٤.
(٥) «صوتها»: ليست في (ش).
[ ١ / ٤٧١ ]
وإذا كان الله سبحانه هو خالق الذوات من حيوان ناطق وصامت وجماد فهو خالق/ صفاتها وادراكاتها، وكما أخرج تلك القوى والادراكات من العدم إلى الوجود، كذلك هو قادر على أن يقوي ضعيفها ويضعف قويها، حتى يبلغ مراده، وهو بالغ أمره، وكل ما ينسب إلى قدرة الله- تعالى- من الممكنات لا ينبغي أن يصادم بالانكار، خصوصا إذا اقترن به أخبار أهل النواميس «١» الدالة على صدق أصحابها، وليس في هذا وأمثاله من الاستبعاد، إلا كونه غير مدرك لنا، ولو أدركناه لزال الاستعباد، كما أننا لو لم تثبت عندنا معجزات الأنبياء كقلب العصا حية، وتفجير الماء من الحجر «٢»، وإخراج ناقة عظيمة من جبل «٣»،
_________________
(١) نواميس: جمع ناموس. وصاحب الناموس هو صاحب السر، وقيل: صاحب سر الخير. ومن معاني الناموس: وعاء العلم. وصاحب سر الملك، أو الرجل الذي يطلعه على سره وباطن أمره، ويخصه بما يستره عن غيره وجبريل ﵇ يسمى الناموس والمقصود هنا: الذين أتاهم الوحي. والله أعلم. [انظر فتح الباري ١/ ٢٦، والروض الأنف ١/ ٢٧٣، ولسان العرب ٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤].
(٢) وهاتين المعجزتين لموسى ﵇. قال الله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [سورة طه ١٧ - ٢٠] وقد بين الله تعالى في نفس السورة أنها أصبحت تلقف ما يأفك سحرة فرعون وذلك في الآيات من ٦٤ - ٧٠. وقال الله تعالى عن المعجزة الأخرى: وإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا الآية [سورة البقرة: ٦٠].
(٣) هذه معجزة صالح في قومه ثمود فقد جعل الله لهم الناقة معجزة فقال لهم: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ سورة الأعراف: ٧٣]، وأما أنها أخرجت من جبل أو هضبة أو صخرة تسمى الكاثبة وأنهم طلبوا من صالح ذلك، فهذا لم يرد فيه نص صريح بأنها من جبل أو صخرة أو هضبة ولكن ذكر ذلك المفسرون ومنهم الطبري في تفسيره (٨/ ٢٢٤) والقرطبي في تفسيره (٧/ ٢٣٨)، وابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٢٨) وابن عطية في تفسيره (٧/ ٩٨) وابن الجوزي في زاد المسير (٣/ ٢٤).
[ ١ / ٤٧٢ ]
وإحياء الموتى «١» ونحوه، لما صدقت به العقول بادئ الرأي، إلا بعد نظر دقيق واستدلال «٢».
وهكذا ما نحن فيه، لمّا نظرنا فيه قد اتجه إمكانه، وأما وقوعه فيعتمد [على] «٣» خبر الصادق، وقد بينا صدقه، وسنبين.
ويجوز أن يحمل قوله:" سمع صوتها كل شيء إلا الإنسان" على السماع التقديري، أي لو كانت هذه الأشياء مما يسمع لسمعته، ويكون فائدة ذلك: الاخبار بصياح/ الميت عن داع وحرقه «٤»، تنبيها على أسفه وشدة ندمه «٥» ليتعظ به الأحياء، كما قال الشاعر في صفة الفرس:
وشكا إليّ بعبرة وتحمحم «٦»
_________________
(١) هذه من معجزات عيسى﵇- التي أتى بها إلى بني إسرائيل وقال لهم ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) [سورة آل عمران: ٤٩].
(٢) في (ش): واستدلالي.
(٣) كلمة [على] زدتها ليستقيم العبارة.
(٤) الأولى الوقوف عند النص، وأنه يسمع الصوت الحقيقي كل شيء إلا الإنسان، ولا حاجة إلى هذا التأويل. والله أعلم بكيفية ذلك.
(٥) في (ش): وشدة نكبته.
(٦) قائله" عنترة في معلقته: وهذا عجز البيت وصدره: فازورّ من وقع القنا بلبانه وقد فسر عنترة هذا البيت بالبيت الذي بعده: لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ولكان لو علم الكلام مكلمي [انظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٦، وجمهرة أشعار العرب ٢/ ٥٠٢، شرح المعلقات السبع للزوزني ص ٢٥٦].
[ ١ / ٤٧٣ ]
وقال في صفة الحوض:
امتلأ الحوض وقال: قطني مهلا «١» رويدا، قد ملأت بطني «٢» أي لو كان ممن يتكلم لقال ذلك، وأنتم تستبعدون هذا التقدير، لأن لغتكم وأذهانكم قلف «٣» مثلكم، مقصورة على إرادة الحقائق، وليس فيها توسع في المجاز، على أن المجازات في كتب الأنبياء كشعياء وغيره كثير «٤» جدا «٥»، وهو خفي بعيد حتى أنه في بعض المواضع رمز عقد بمرة «٦».
_________________
(١) في لسان العرب والمشوف المعلم" سلا رويدا" وسلا بمعنى أي ارفق بصب الماء لئلا يفيض.
(٢) حكى هذا البيت يعقوب بن إسحاق المشهور بابن السكيت في معنى القطن. [انظر لسان العرب ١٣/ ٣٤٤، والمشوف المعلم ٢/ ٦٥١]
(٣) هكذا في (م) وفي (أ): قلفا. والقلف: قشر الشجرة ونحوها والرجل الأقلف الذي لم يختتن [لسان العرب ٩/ ٢٩٠] والذين لم يختنوا هم: النصارى.
(٤) هكذا في النسخ الثلاث. والأصح: كثيرة.
(٥) قلت: لو ترك الطوفي هذا التقدير لكان أولى لأمور منها:
(٦) أنه أثبت المجاز في شريعة الأنبياء الذي معناه أن الألفاظ التي تكلم بها الأنبياء لا تدل على الحقيقة وإنما استعملت في غير معناها الحقيقي وهذا خطأ لا يقبل.
(٧) أن الأنبياء منزهون من أن يخبروا الناس ويأمروهم بأمور، وهم لا يريدون حقيقة ما تدل عليه الألفاظ.
(٨) أن كلام الله ووحيه للأنبياء يصير مجازا لا حقيقة وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فنقول إن الإخبار بهذه الأحاديث إخبار عن حقيقة وإن لم يدرك العقل كنهها وكيفيتها وهذه من المغيبات التي يحتاج الناس فيها إلى وحي من الله لعدم قدرتهم على إدراك ذلك بعقولهم والله أعلم.
(٩) رمز عقد بمرة: مرة الحبل: طاقته وقيل حبل طويل دقيق أجيد فتله. وهذه العبارة كناية عن حسن المجاز وكثرته في لغة العرب. [انظر لسان العرب ٥/ ١٦٨ - ١٦٩].
[ ١ / ٤٧٤ ]
[عذاب القبر ونعيمه وموقف النصارى منه]
ومنها قوله في حديث ابن عمر: «الميت يعذب ببكاء أهله عليه» وأنكرت ذلك عائشة «١» وقالت:" إنما قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه" «٢» قال:" وهذا باطل لأن الله تعالى لا يعذب أحدا بفعل غيره" «٣».
قلت: هذا اعتراض صحيح، لكنه ليس على النبي ﷺ، بل على الراوي الذي روى ذلك عنه «٤». فإن هذا الحكم على خلاف نص القرآن، وهو قوله
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في قسم الدراسة ص: ٩١.
(٢) أخرج الحديث الإمام البخاري بألفاظ مختلفة في (الجنائز، باب قول النبي ﷺ: (يعذب الميت ببكاء أهله ) وفي (المغازي، باب قتل أبي جهل). ومسلم في (الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه) بعدة ألفاظ، والترمذي في (الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت) بثلاثة ألفاظ، وابن ماجة في (الجنائز، باب ما جاء في الميت يعذب بما نيح عليه)، وأحمد في المسند (١/ ٤١، ٢/ ٣١، ٣٨).
(٣) في (ش): الغير.
(٤) أخرج البخاري في الجنائز، باب قول النبي ﷺ: (يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه) ومسلم في الجنائز، حديث ٢٣: عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال:" توفيت ابنة لعثمان﵁- بمكة وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس﵄- وإني لجالس بينهما- أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر﵄- لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإن رسول الله ﷺ قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فقال ابن عباس﵄-: قد كان عمر﵁- يقول بعض ذلك، ثم حدث قال: صدرت مع عمر ﵁ من مكة، حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة، فقال: اذهب فانظر من هؤلاء الركب قال: فنظرت فإذا صهيب، فأخبرته، فقال: ادعه لي. فرجعت إلى صهيب فقلت: ارتحل فالحق بأمير المؤمنين. فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: وأخاه وصاحباه. فقال عمر﵁- يا صهيب أتبكي عليّ وقد قال رسول الله ﷺ: (إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه). قال ابن عباس- رضي-
[ ١ / ٤٧٥ ]
تعالى: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (١٦٤) «١» ومن المحال عادة أن من يقرر ناموسا وشريعة يخالف ما يدعي أنه أنزل عليه بما يقوله، ونسبته في ذلك/ إلى الغلط والوهم ممتنع عادة، لأن هذا مما لا يخفى عن عاقل، فضلا عن ذي ناموس.
فالحاصل: أن راوي هذا الحديث وهم في روايته، وقد صح عن عائشة أنها قالت:
" وهل «٢» أبو عبد الرحمن- تعني ابن عمر-؟ إنما مر رسول الله ﷺ/ بقوم يبكون «٣» على يهودي، أو يهودية، فقال: «إنهم ليبكون عليها/ وإنها تعذب في قبرها» «٤».
_________________
(١) - الله عنهما-" فلما مات عمر﵁- ذكرت ذلك لعائشة﵂- فقالت: " رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: (إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه)، وقالت: حسبكم القرآن ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى قال ابن عباس﵄- عند ذلك: والله قال ابن أبي مليكة: والله هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكى ما قال ابن عمر ﵄ شيئا" اهـ. قلت: لقد صح من طرق عند البخاري ومسلم وغيرهما ما رواه عمر وابنه عن رسول الله ﷺ وصح قول عائشة﵂- أن ذلك يوهم معارضة الآية المذكورة، ولكن يمكن الجمع بينهما بما قاله الجمهور من العلماء والذي سيورده المؤلف قريبا وهو أن قوله ﷺ: (إن الميت يعذب ببكاء أهله أو ببكاء الحي) محمول على من وصى أن يناح عليه أو علم أنه سيناح عليه ولم ينه عن ذلك. وكان الأولى للطوفي الاقتصار على هذا في الحديث مع هذا النصراني. والله أعلم.
(٢) سورة الأنعام، آية: ١٦٤، والإسراء، آية ١٥، وفاطر، آية، ١٨، والزمر، آية: ٧.
(٣) وهل: أي أخطأ ونسي وسها. [انظر لسان العرب ١١/ ٧٣٧، وشرح مسلم للنووي- ٦/ ٢٣٤] وهذه الكلمة جاءت في نص آخر غير هذا النص.
(٤) في (ش): وهم يبكون.
(٥) أخرجه مسلم في الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله، حديث رقم ٢٥، ٢٧ وأحدهما: (عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة، وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن. أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال: (إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها).
[ ١ / ٤٧٦ ]
فالبكاء والعذاب في هذا ليس بينهما ارتباط سببي، بل هو اتفاقي اتفق أن بكاءهم عليها صادف وقت تعذيبها. هذا على أن لحديث ابن عمر وجها صحيحا في التأويل، وهو أنه محمول على من وصى أن يناح عليه «١»، أو علم من أهله أنهم ينوحون عليه فلم ينههم، وكان ذلك عادة العرب، وزجرهم عليها «٢» بهذا، لأن النوح على الميت يدل على التسخط بقضاء الله- سبحانه- فيكون الميت والحالة هذه متسببا إلى إيقاعه بوصيته به وإقراره عليه، والعذاب يترتب على التسبب كما يترتب على المباشرة، وقد قررت هذا الحكم في القواعد «٣».
ومنها: حديث عائشة أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر فسألت عائشة النبي ﷺ عن عذاب القبر، فقال لهم: «عذاب القبر حق» قالت عائشة:
" فما رأيت النبي [ﷺ] «٤» بعد «٥» صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر" «٦».
_________________
(١) هذا قول الجمهور [انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٦/ ٢٢٨، وإثبات عذاب القبر للبيهقي ص ٩١].
(٢) في (ش)، (م):" فزجرهم عنها بهذا".
(٣) هذه المسألة تحدث عنها الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين باب جواز البكاء على الميت بغير ندب ولا نياحة. وابن حجر ﵀ في فتح الباري ٣/ ١٥٢ وما بعدها. ولم أجد كتاب الطوفي لأعرف موضع هذه المسألة منه.
(٤) " ﷺ" ليست في النسخ الثلاث. وهي من ألفاظ الحديث في مظانه.
(٥) بعد: ساقطة من (أ).
(٦) أخرجه البخاري بألفاظ مختلفة في كتاب الكسوف، باب التعوذ من عذاب القبر، وباب صلاة الكسوف في المسجد، وفي كتاب الجنائز باب ما جاء في عذاب القبر ، وفي كتاب الدعوات باب التعوذ من عذاب القبر، وأخرجه مسلم، في كتاب المساجد، باب استحباب التعوذ من عذاب القبر، من طرق بألفاظ مختلفة. وأخرجه النسائي في كتاب السهو، باب التعوذ في الصلاة. وأحمد في المسند (٦/ ١٧٤) ولفظ أحمد أقرب الألفاظ لهذا اللفظ الذي ذكر المؤلف.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وذكر حديث أنس في عذاب القبر، وسؤال الملكين للميت فيه إلى قوله في الكافر:" يضرب بمطرقة [من حديد] «١» ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين" «٢».
قال: فتأمل هذا الحديث المصرح بعذاب القبر، وكيف أثبت عليه هذه الأضحوكة من كلام اليهودية مع عائشة؟ وكيف يسمع صياح الميت من يليه «٣» إلا الثقلين؟ وكيف يسمع من لا يسمع، ولا يسمع من يسمع؟ ولا «٤» يحتاج من له أدنى مسكة من تمييز إلى أن نبين له ما في هذا من الافتراء".
قلت: هذان الحديثان صحيحان، وأجمعت الأمة المحمدية على إثبات عذاب القبر إلا قليلا منهم، وهم بعض المعتزلة «٥» الموافقون للنصارى/ في ذلك وفي القدر- كما سبق-.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من صحيح البخاري.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الميت يسمع خفق النعال. بهذا اللفظ. وفي باب ما جاء في عذاب القبر ، بلفظ آخر، وأخرجه ابن ماجه في كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر. بلفظ طويل غير هذا اللفظ.
(٣) في (أ): يلائه.
(٤) لا: ساقطة من (م).
(٥) كضرار بن عمرو، وبشر المريسي ومن وافقهما، أما أكثر المعتزلة فعلى خلاف ذلك. ولكن بعضهم كالجبائي يرى عذاب القبر لأهل التخليد من الكفار والفساق دون المؤمنين، ويرى ابن حزم ﵀ أن عذاب القبر على الروح دون الجسد، ومذهب السلف أن عذاب القبر على الروح والبدن جميعا. [انظر فتح الباري/ ٢٣٣، ولوامع الأنوار ٢/ ٢٣، والفصل في الملل والنحل ٤/ ١١٧، والروح لابن القيم ص ٦٨ - ٦٩، وشرح الطحاوية ص ٤٥١].
[ ١ / ٤٧٨ ]
ويكفي أهل السنة من المسلمين فضلية: أن كلام أعداء الإسلام إنما يتجه معهم «١»، وعلى رأيهم، وأن أهل البدع لا يتجه عليهم لموافقتهم أعداء الدين «٢» فإن هذا العلج لما قدح في النبوة، إنما وجه شبهه إلى أهل الحديث./
قلت: والجواب على هذا من وجوه «٣»:
أحدها «٤»: أنك لو ناظرت في هذا معتزليا لسلمه لك، وخالفك «٥» في دعوى الإسلام، فيكون قد أجابك بالقول بالموجب فتنقطع في هذا المقام. ولنا أن نلتزم مذهبه في جدالك، لأنه على كل حال من فرق الإسلام «٦»، وإن كان مسلما نجسا «٧»، كما أنك أنت نصراني نجس، لأنك تارة تثبت الشرائع وتارة توغل في الفلسفة والتعطيل، العائدة على النبوات بالتبطيل.
الثاني: أن هذا الحكم من فروع الشريعة، ولهذا يذكره الفقهاء في كتب الفقه عند ذكر مشروعية التلقين، فهو تبع لا مقصود.
_________________
(١) بنى المؤلف هذا على موافقة اليهودية- ومن على مذهبها من اليهود- لأهل السنة في الإيمان بعذاب القبر.
(٢) أي لا يتجه كلام أهل البدع المعتزلة وغيرهم على المسلمين لموافقة المبتدعة أعداء الدين- مثل هذا النصراني- في إنكار عذاب القبر.
(٣) في: (م): من أوجه.
(٤) في (أ): إحداهما.
(٥) في (م): وخالف.
(٦) لو عبر المؤلف﵀- بتعبير غير هذا لكان أولى، لأن الإسلام ليس فرقا فلو قال:" من إحدى فرق الأمة الإسلامية" أو" من إحدى فرق أهل القبلة".
(٧) نجاسة معنوية.
[ ١ / ٤٧٩ ]
الثالث: أن جوابه التفصيلي هو جواب تكلم الجنازة بعينه من حيث التوجيه، ثم نجيب عن كلماته التي أساء بها أدبه.
قوله:" أثبت هذه الأضحوكة بكلام يهودية" قلنا: هذه أضحوكة عند عقلك. لأن الله- سبحانه- يريد ضلالك «١»، حتى يوقعك فيها، وما ينفعك السيد المسيح. ثم إنه لم يثبتها بقول يهودية، بل بالوحي الصادق النازل على سبب إخبار اليهودية./ والقرآن والوحي كان ينزل على أسباب ووقائع «٢» تقتضيه.
ودليل عذاب القبر في القرآن نحو قوله تعالى: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا «٣» سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ «٤»: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
_________________
(١) في (ش): صلاحك.
(٢) في (ش): «وقائع».
(٣) قال الله تعالى: ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [سورة طه، آية: ١٢٤]، والمعنى: أن الله يضيق على العاصي قبره حتى تختلف أضلاعه وهذا قول أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود﵄- ورواه أبو هريرة عن النبي ﷺ «فإن له معيشة ضنكا» قال" عذاب القبر" وسنده جيد، وقيل: إن المراد بالمعيشة الضنك في الدنيا، وقيل: شدة عيشه في النار. [انظر تفسير القرطبي ١١/ ٢٥٩، وزاد المسير ٥/ ٣٣٠ - ٣٣٢، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٦٨ - ١٦٩].
(٤) قال الله تعالى: ومِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ [سورة التوبة: ١٠١]، فالآية فيها دليل على وقوع العذاب على المنافقين مرتين قبل عذاب يوم القيامة. فقيل: العذاب الأول في الدنيا بفضحهم بالنفاق والثاني: عذاب القبر. وقيل: الأول: ضرب الملائكة لوجوههم ولأدبارهم عند الموت. والثاني: في القبر بمنكر ونكير. وقيل غير ذلك. وأغلب المفسرين على أن عذاب القبر أحد العذابين قبل عذاب اليوم العظيم. [انظر تفسير ابن عطية ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وتفسير القرطبي ٨/ ٢٤١، وتفسير ابن الجوزي ٣/ ٤٩٢ - ٤٩٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٥].
[ ١ / ٤٨٠ ]
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) «١».
قوله:" كيف يسمع صياح الميت «٢» من يليه إلا الثقلين؟ " قلنا: كما وجهناه فيما سبق.
قوله:" كيف يسمع من لا يسمع؟ ". قلنا: يخلق الله قوة السمع فيه.
قوله:" وكيف لا يسمع من يسمع؟ ".
قلنا: يخلق الحجاب المانع للسمع على سمعه، كما سبق في مناجاة موسى «٣».
قوله:" لا يحتاج من له أدنى تمييز إلى أن يتبين له أن هذا افتراء".
[قلنا: أما هذا فلا يشك عاقل أنه ممكن. وقد أخبر به الصادق.
وأما ما يدعيه من إلهية المسيح أو بنوته، واتحاد الأقانيم، ونحو ذلك فلا يشك عاقل أنه افتراء] «٤»، على الله ورسله، وأول خصم يكون لك يوم القيامة:
المسيح. على ذلك. وأنت شخص متحير متردد، لا مسيحي ولا فيلسوف. بل كما قال «٥» القائل:
حدا باسمك الحادي وناحت حمامة فلم أدر أي الداعيين أجيب؟ «٦»
_________________
(١) سورة غافر، آية: ٤٦.
(٢) في (أ): صياح الديك.
(٣) انظر ص: ٤٧١ من هذا البحث وقد سبق أن بينا أن ما نقله الطوفي من أن الله أمر الريح فأخذت على أسماع الناس عند مناجاة الله لموسى ولولا ذلك لماتوا من صوت الله تعالى. لم أجد له أصل فالله أعلم بصحة ذلك.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (م).
(٥) قال: ساقطة من (أ).
(٦) لم أعرف قائل هذا البيت رغم البحث الطويل. وحدا من الحدو وهو: سوق الإبل والغناء لها. والحادي سائق الإبل. ونوح الحمامة ما تبديه من سجعها على شكل النوح الذي هو البكاء بصوت حزن يبكي غيره. [انظر لسان العرب ١٤/ ١٦٨ - ١٦٩، ٢/ ٦٢٧].
[ ١ / ٤٨١ ]
[الحشر والحساب يوم القيامة والرد على النصراني في إنكاره]
ومنها: في كتاب الزكاة «١»:
حديث أبي هريرة: «ما من صاحب ذهب، ولا فضة، لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة/ صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه» «٢».
وفي الحديث الآخر: «من آتاه الله مالا، فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا «٣» يأخذ بلهزمته «٤» ثم يقول له: أنا مالك. أنا كنزك. ثم تلا: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «٥» الآية «٦».
_________________
(١) أي مما يدخل في باب الزكاة. أو المروي في كتاب الزكاة.
(٢) أخرجه مسلم بهذا اللفظ في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، حديث ٢٤.
(٣) الشجاع: ضرب من الحيات لطيف دقيق، وهو- كما زعموا- أجرؤها. وهو الذكر منها. وقيل: هو الحية مطلقا. وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس. وقيل: الأقرع من الحيات الذي ابيض رأسه من السم. [انظر فتح الباري ٣/ ٢٧٠، ولسان العرب ٨/ ١٧٤]
(٤) في صحيح البخاري ومسند أحمد والموطأ: (شجاعا له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه) يعني شدقيه. والزبيتان: زبدتان في الشدقين أو نقطتان سوداوان فوق عينيها. [انظر لسان العرب ١/ ٤٤٥، فتح البارى ٣/ ٢٧٠].
(٥) سورة آل عمران: ١٨٠، وتمامها: هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والْأَرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وفي تفسير سورة آل عمران، باب ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله " والنسائي في كتاب الزكاة، باب مانع زكاة ماله. وابن ماجه في كتاب الزكاة، باب ما جاء في منع الزكاة، ومالك في الموطأ في الزكاة، باب ما جاء في الكنز، وأحمد في المسند (٢/ ٩٨) وغيرها من المواضع. وهذا لفظ البخاري.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وفي حديث أبي ذر: «ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدي حقها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر «١»، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها حتى يقضى بين الناس» «٢». وحديث أبي سعيد «٣»: «تكون/ الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ «٤» أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة. فأتى رجل من اليهود. فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم «٥». ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة،
_________________
(١) القاع: المستوي الواسع من الأرض، والقرقر: كذلك المستوي من الأرض [انظر شرح صحيح مسلم ٧/ ٦٤، ومنال الطالب ص ٣١٤، ولسان العرب ٨/ ٣٠٤، ٥/ ٨٥].
(٢) أخرجه مسلم عن جابر في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وهو طرف من حديث عند أبي داود في الزكاة، باب في حقوق المال، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي عن أبي ذر أيضا بنحو لفظ النسائي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في منع الزكاة، وأحمد في المسند بمعناه (٢/ ٦٢، ٣٨٣) وغيرهما.
(٣) أبو سعيد الإمام المجاهد مفتي المدينة: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي الخدري مشهور بكنيته، أول مشاهده الخندق، وشهد بيعة الرضوان، وكان ممن حفظ من الرسول ﷺ- سننا كثيرة، وروى عنه علما جما. وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلائهم، عرضه أبوه يوم أحد وهو ابن ثلاث عشرة فرده النبي ﷺ، واستشهد أبوه فيها. توفي أبو سعيد﵁- سنة أربع وسبعين من الهجرة على أصح الأقوال. [انظر الاستيعاب ص ٦٠٢، وسير أعلام النبلاء ٣/ ١٦٨ - ١٧٢].
(٤) يتكفؤها: أي يميلها الجبار بيده، من كفأت الإناء إذا قلبته. كما يكفؤ المسافر خبزته أي يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها. [انظر فتح الباري ١١/ ٣٧٣، وشرح صحيح مسلم للنووي ١٧/ ١٣٥، ولسان العرب ١/ ١٤١].
(٥) في (م): القسم.
[ ١ / ٤٨٣ ]
كما قال النبي ﷺ، فنظر النبيﷺ «١» - إلينا وضحك «٢» حتى بدت نواجذه ثم ذكر أن إدامهم بالام ونون «٣» وهما ثور ونون يأكل من زائدة «٤» كبدهما سبعون ألفا» «٥».
وحديث: «يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين راهبين «٦»، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتمسى «٧» معهم حيث أمسوا» «٨» وفيه:" يقتص للشاة الجماء «٩» من القرناء «١٠»، والعود لم خدش العود؟ " «١١».
_________________
(١) ﷺ: ليست في: (م)، (ش).
(٢) في صحيح البخاري: ثم ضحك.
(٣) في (ش): نور.
(٤) في صحيح البخاري:" حتى بدت نواجذه ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون. وقالوا وما هذا؟ قال: ثور ونون يأكل " ولفظ مسلم نحوه. وبالام: لفظ عبري معناه: الثور الوحشي. والنون: الحوت. وزائدة كبدها: هي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد، وهي أطيبها. [انظر فتح الباري ١١/ ٣٧٤، شرح صحيح مسلم ١٧/ ١٣٥ - ١٣٦].
(٥) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة. ومسلم في كتاب صفات المنافقين، باب نزل أهل الجنة، حديث ٣٠.
(٦) في صحيح البخاري: وراهبين.
(٧) في الصحيحين:" حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم ".
(٨) إلى هنا لفظ البخاري في كتاب الرقاق، باب الحشر، حديث ٦٥٢٢، ومسلم في كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، حديث ٥٩، والنسائي في كتاب الجنائز، باب البعث. كلهم عن أبي هريرة.
(٩) في صحيح مسلم وسنن الترمذي: الجلحاء. وهما مترادفتان ومعناهما: التي لا قرون لها.
(١٠) القرناء: التي لها قرون.
(١١) أخرج مسلم في كتاب البر، باب تحريم الظلم، والترمذي في كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في-
[ ١ / ٤٨٤ ]
وحديث ابن عباس وعائشة: «يحشر الناس «١» حفاة عراة غرلا» «٢» وحديث أبي هريرة: «إذا كان يوم القيامة دفع الله «٣» إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول هذا فداؤك «٤» من النار» «٥».
ثم قال:" فانظر إلى هذه الأحاديث، وما تضمنته من الأخبار بأن مال الإنسان الذي يبخل به يصير صفائح من نار، ويصير أيضا شجاعا أقرع. وكيف أخبر عن حشر الحشرات والبهائم والعيدان، وأن الله يقتضي «٦» بينهن. وكيف تمشي الجمال والبقر على الناس؟ وكيف يحشر الناس «٧» على الجمال ركابا؟ ".
_________________
(١) - شأن الحساب والقصاص، وأحمد في المسند (٢/ ٢٣٥) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» وهذا لفظ مسلم، وله ألفاظ كثيرة عند أحمد. أما قوله:" والعود لم خدش العود" فلم أجده في روايات الحديث.
(٢) في سنن الترمذي وسنن النسائي:" يحشر الناس يوم القيامة حفاة ".
(٣) هذا طرف من الحديث الذي أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحشر، والنسائي في كتاب الجنائز، باب البعث. وله ألفاظ أخرى عند الإمام البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله: واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] وغيره من المواضع. وعند مسلم في كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. وغرلا: جمع أغرل وهو الأقلف الذي بقيت غرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر. [انظر فتح الباري ١١/ ٣٨٤، ولسان العرب ١١/ ٤٩٠].
(٤) لفظ الجلالة:" الله" غير موجود في: (أ)، وفي صحيح مسلم: (دفع الله ﷿ إلى كل ).
(٥) فداؤك: في ألفاظ أحمد، ولفظ مسلم: فكاكك.
(٦) أخرجه مسلم في كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل ، حديث (٤٩) بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٢، ٤٠٧) بألفاظ غير هذا اللفظ.
(٧) في (أ): يقتضي.
(٨) «الناس» ليست في (ش).
[ ١ / ٤٨٥ ]
قلت: والجواب عن هذا/ من وجوه:
أحدها: أن كل هذا ممكن، لا شك في إمكانه وقد أخبر به الصادق فيجب قبوله.
الثاني: أنه ليس عندك في إنكاره إلا كونه لم يذكر في كتابك/ ونحوه وقد قدمنا: أن هذا استناد إلى الجهالة، واعتماد على الضلالة، ونحن عندنا أن محمدا ﷺ أكمل الأنبياء وأشرفهم، فلا يمتنع أن يختص من العلم بما لم يعلموه، على أن أصول دين الإسلام مشتركة بين سائر الأديان لقوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أَنْ أَقِيمُوا/ الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ «١».
ولكن ذلك بدّل وغير في كتبكم لتطاول العهد، واعتوار «٢» اللغات والألسنة عليه «٣».
_________________
(١) سورة الشورى، آية: ١٣.
(٢) من التعوير، والعوار مصدر عور الشيء أفسده، بالتداول. [انظر إكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٤٥٦، والمصباح المنير ٢/ ٥٢٣].
(٣) لأن الله لم يتكفل بحفظها كما تكفل بحفظ القرآن الكريم وسنة محمدﷺ-. قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر: ٩] ولأن الله أكرم أمة محمد ﷺ بحفظ شريعة الله بالسند المتصل من محمد ﷺ أما اليهود والنصارى فليس عندهم ما يروونه بالسند المتصل الصحيح عن أنبيائهم، ثم إن أمة محمد ﷺ لم تغير لسان شريعتها وخاصة القرآن الكريم لأن نقل الكلام من لغة إلى لغة بمفهومات مختلفة سبب في ضياع معناه الأصلي. فهي الأمة الوحيدة التي حافظت على شريعتها حتى في رسم الكلمات وهيئتها والحمد لله الذي أكرمها بذلك ووفقها إليه.
[ ١ / ٤٨٦ ]
الثالث: أن هذا من الأمور الإلهية التي اعترفت أنت وحكيت عن أرسطو:
" أن قوتنا بالنسبة إلى ادراكها، كإبصار الخفاش إلى الشمس" «١» وأن فائدة النبوات تعريف مثل ذلك، فليس لك أن تعترف بقصور عقلك عن أمر تعود فتنكره بناء على أن عقلك لا يدركه، بل إن اعترفت بأن الشرائع وردت بما يقصر عنه العقل البشري، لزمك تسليم مثل هذا إذا أخبر به صادق، ولا يبقى لك نزاع إلا في صدقه وعلينا بيانه، وإن أنكرت ذلك فلست من أهل الشرائع حتى نتكلم معك، لأن أهل الشرائع أجمعوا على خلافك «٢».
الرابع: أن العالم بأسره لما أنكر عليكم دعواكم: أن الله هو المسيح وأنه عبارة عن ثلاثة أقانيم: الأب والابن وروح القدس، إله واحد، لجأتم إلى إمكان ذلك في قدرة الله، مع أن دعواكم إذا حققت كانت باطلة قطعا عند كل عاقل، وتمحلتم «٣» لاثباتها بتشبيهه بالشمس المتحدة في نفسها المشتملة على جرم وضوء وشعاع، وبالزبرة «٤» المحماة المشتملة/ مع وحدتها على حديد ونار وشرر، وأشباه هذا من الأشياء التي لا حاصل لها واستروحتم «٥» إلى ذلك، مع أنه مكابرة جبناء فنحن أولى أن نلجأ في هذه الأمور الغائبة عنا، الممكنة في نفسها بلا خوف إلى قدرة الله سبحانه.
_________________
(١) انظر ص: ٢٣٧ وما بعدها من هذا الكتاب.
(٢) في (ش): خلاف ذلك.
(٣) من تمحل: أى احتال. [انظر لسان العرب ١١/ ٦١٩، ومختار الصحاح ص ٦١٧، والمعجم الوسيط ٢/ ٨٥٦].
(٤) الزبرة: القطعة من الحديد. [انظر لسان العرب ٤/ ٣١٦، ومختار الصحاح ص ٢٦٧].
(٥) أي سررتم به ونشطتم، من راح الإنسان إلى الشيء يراح ويستروح إليه، وإليه سكن واطمأن". [انظر لسان العرب ٢/ ٤٦٠، والمعجم الوسيط ١/ ٣٨٠].
[ ١ / ٤٨٧ ]
الخامس: أن هذه الأحاديث ممكنة وفيها فوائد وحكم، ومن أتى بشيء ممكن فيه حكمة وفائدة وجب قبوله منه، نبيا كان أو غيره، ما لم يقم دليل على «١» بطلانه.
أما امكانها فظاهر.
وأما فائدتها:
أما في حديث الصفائح والشجاع الأقرع، فتخويف الناس وحضهم على أداء حقوق الفقراء من أموالهم «٢».
وفيها: حق لله، وهو تعبدهم بإخراج المال المحبوب، ووجه الجمع بينهما:
إما بأن يحمل على أن بعض الناس يكوى بماله، وبعضهم يمثل له شجاعا، أو بأن مال الإنسان الواحد يكوى به تارة، ويمثل له شجاعا أخرى، ومعنى تمثيله له شجاعا: أن الله- سبحانه- يرسل عليه حية يعاقبه بها على ترك الزكاة.
وقوله:" أنا مالك، أنا كنزك" أي عقاب مالك، وجزاء منع حق كنزك. أو أن الله يخلق من الذهب والفضة شكل حية، ثم ينفخ فيها الروح/ فتفعل ذلك «٣»، كما أنه نفخ الروح في خشبة بيد موسى، فصارت حية تلقف ما
_________________
(١) في (أ):" إلى بطلانه".
(٢) هذه حقائق ثابتة يجب الأيمان بها، فذكرها في السنة تخويف وإخبار بما سيكون لبعض الناس يوم القيامة.
(٣) هذا تكلف لا حاجة إليه.
[ ١ / ٤٨٨ ]
صنعوا «١».
وأما بطح صاحب الأنعام لها حتى تطأه وتنطحه فظاهر الامكان وفائدته: ما ذكر.
وأما حديث «تكون الأرض خبزة» فهو شيء قد أخبر به النبيﷺ- «٢» ووافقه عليه حبر من أحبار اليهود، ولهذا فرح النبي﵇- بموافقته لئلا يستبعد ذلك منه جلف مثلك، وذلك يدل على أن اليهود يجدون ذلك في التوراة/ وهي حجة عليك.
فإن قلت: لم نجد/ هذا في التوراة عندنا الآن، ثم يجوز أن اليهودي واطأه على ذلك، أو خاف من مخالفته لئلا يقتله.
قلت: الجواب عن الأول: أن التوراة حرفت عما كانت في ذلك العصر فلا يلزم من عدم وجدانكم له عدمه حينئذ.
وعن الثاني: بأن اليهود «٣» كانوا يوردون عليه المسائل ويمتحنونه، ويصدقونه في شيء ويكذبونه في أشياء، وما نقل عنه: أنه قتل منهم على ذلك أحدا، بل إنما كان يقتلهم في المحاربة «٤»، ولو كان قاتلا أحدا منهم على شيء من ذلك لقتل
_________________
(١) قال الله تعالى عن عصا موسى﵇-: وأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى [سورة طه: ٦٩].
(٢) ﷺ: ليست في (م)، (ش).
(٣) في (أ):" بأن اليهود بأن اليهود".
(٤) «المحاربة» ليست في (ش).
[ ١ / ٤٨٩ ]
" ابن صياد" «١» لما قال له:" أتشهد «٢» أني رسول الله؟ " قال أنت رسول الأميين. ثم قال له ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ " فقال:" آمنت بالله ورسله" فقال له عمر بن الخطاب: دعني أقتله يا رسول الله- وكانوا يرونه الدجال- فقال:" لا" إنه إن يك هو فلن «٣» تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا
_________________
(١) صبي اسمه صاف بن صياد أو ابن صائد. يهودي ادعى النبوة في عهد النبي ﷺ فخاف الصحابة أن يكون الدجال فذهب إليه النبي ﷺ وكان قد خبأ له آية: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ [سورة الدخان: ١٠] فقال له النبي ﷺ قد خبأت لك خبأ فقال: ابن صياد: هو الدخ. فقال النبي ﷺ اخسأ فلن تعدو قدرك، يعني إنما أنت كاهن، وقال ابن صياد يأتيني صادق وكاذب وأرى عرشا على الماء. فقال النبي ﷺ هو عرش الشيطان. وقد أخرج قصة الإمام البخاري وغيره في المواضع التي سأشير إليها في تخريج الحديث إن شاء الله، وقد ادعى الإسلام وسافر إلى مكة يقول أبو سعيد الخدري﵁-:" صحبت ابن صائد إلى مكة فقال لي: أما قد لقيت من الناس يزعمون أني الدجال. ألست سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه لا يولد له؟ قال: قلت بلى. قال فقد ولد لي، أو ليس سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة. قلت: بلى. قال فقد ولدت بالمدينة، وهذا أنا أريد مكة، قال: ثم قال لي في آخر قوله أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو. قال فلبسني" وفي بعض ألفاظ الحديث قال ابن صياد عن الدجال: هو كافر وأنا مسلم، وقد أورد الأحاديث في ذلك مسلم في كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد، واختلف العلماء في صحة إسلامه وحجه وجهاده واقلاعه عما كان عليه وهو صبي. والله أعلم. [انظر شرح صحيح مسلم ١٨/ ٤٦ وما بعدها].
(٢) في (م): أشهد.
(٣) في (ش)، (م): لن.
[ ١ / ٤٩٠ ]
خير في قتله" «١».
ولقتل" لبيد بن الأعصم" الذي سحره حتى اضطرب حالة السحر «٢»، ثم لما ظهر عليه عفا عنه «٣»، وكم بلغه السب والشتم من اليهود وغيرهم فعفا عنهم عن قدرة.
وأما حشر الناس على الإبل والدواب، واقتصاص بعضها من بعض فتحقيقا لإقامة العدل، في كل شيء من خلقه، والآخرة لا تقلب الحقائق، فكما يركب الناس الدواب الآن يركبونها هناك. وهذا يكون في الأرض لأن الله- سبحانه- يطوي السموات والأرض بيمينه «٤» ويبدل الأرض غير الأرض «٥».
_________________
(١) أخرج القصة الإمام البخاري في كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات وهل يعرض على الصبي الإسلام؟، وفي كتاب الجهاد، باب كيف يعرض الإسلام على الصبي؟، ومسلم في كتاب الفتن، باب ذكر ابن صياد، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في ذكر ابن صائد.
(٢) في (ش): حاله لسحره. قلت: كان ﷺ يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. وفي بعض روايات الحديث في هذا" حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن". ولم يتأثر في حالة السحر في أمر النبوة والوحي والعبادات كما أنه لا يليق إطلاق لفظ الاضطراب على رسول الله ﷺ-، أما أنه يخيل إليه فهذا صحيح وهو ما ورد في الصحيح من الحديث.
(٣) انظر ص ٤٠٢ من هذا الكتاب.
(٤) قال الله تعالى: وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة الزمر: ٦٧].
(٥) قال الله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [سورة إبراهيم: ٤٨].
[ ١ / ٤٩١ ]
وأما حشر الناس حفاة غرلا، فتحقيقا لقوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا «١».
وأما كونه يدفع إلى كل/ مسلم يهودي أو نصراني، يكون فداءه من النار، فلأن اليهود قتلوا الأنبياء وكذبوهم «٢»، وصلبوا إلهكم المسيح بعد ظهور الخوارق على يده «٣»، والنصارى «٤» ادعوا إلهيته وإنما هو نبي كريم «٥». فأولئك فرطوا فيه وهؤلاء أفرطوا فيه «٦»،/ وكفرتم جميعا بمحمدﷺ- «٧» بعد مجيئه بالبينات والهدى «٨» وما جزاء من يفعل ذلك إلا النار. وأنا أرجوا أن تكون أيها العلج فدائي من النار، لما حصل بيني وبينك من النظر والجدال في الله فنحن خصمان اختصموا في ربهم إن شاء الله تعالى «٩».
_________________
(١) سورة الأنبياء، آية: ١٠٤.
(٢) قال الله تعالى في اليهود: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [سورة البقرة: ٨٧]
(٣) هذا على زعم اليهود والنصارى.
(٤) كلمة:" والنصارى" مكررة في: (أ).
(٥) قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ومَأْواهُ النَّارُ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ إلى قوله تعالى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ [سورة المائدة: ٧٢ - ٧٥].
(٦) «أفرطوا فيه»: ليست في (ش).
(٧) ﷺ: ليست في: (م)، (ش).
(٨) قال الله تعالى عن عيسى ﵇: ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ. [سورة الصف: ٦].
(٩) كلمة «تعالى» ليست في (ش).
[ ١ / ٤٩٢ ]
ومنها: حديث: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» «١».
وفي سورة آل عمران «٢»: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩). وذكر عن تفسير ابن عطية «٣»، حديث: «إن أرواح الشهداء على باب الجنة في أجواف طير خضر» «٤» في أشياء مما يتعلق بهذا.
قلت: وذلك مما لا إشكال فيه. فإن الأرواح عندنا أجسام لطيفة فلا يمتنع أن يكرم الله الشهداء بأن يعلقها بأشكال الطيور «٥»، ليدوم نعيمها حتى القيامة جزاء على جودهم بأنفسهم في سبيل الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري بهذا اللفظ في كتاب الأذان، باب فضل التهجير إلى الظهر، وفي كتاب الجهاد، باب الشهادة سبع سوى القتل. وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الشهداء من هم؟، وأحمد في المسند (٢/ ٣٢٥، ٥٣٣).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
(٣) انظر تفسير ابن عطية ٣/ ٢٩٣.
(٤) أخرجه بألفاظ غير هذا اللفظ: مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة، والترمذي في تفسير سورة آل عمران، وابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر، والدارمي في كتاب الجهاد، باب أرواح الشهداء، وأحمد في المسند (٦/ ٣٨٦).
(٥) هذا رأى بعض العلماء، مستدلين بإحدى روايات الحديث السابق" أرواحهم كطير خضر" وأنه يطابق الحديث الذي أخرجه النسائي في الجنائز باب أرواح المؤمنين، وغيره:" إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يبعثه الله يوم القيامة". رد هذا الرأي الإمام ابن القيم في كتاب الروح ص ١٥٠ وما بعدها، وقال إنها في أجواف طير خضر أي أرواح وطير، هي في أجوافها تطير وتروح إلى قناديل مستقرة تحت العرش هي مأوى لتلك الطير. مستدلا بحديث: «إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر» وهو أصح من الحديث السابق ومن الرواية الأخرى للحديث نفسه. والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٣ ]
وأما بقية الشهداء، فهم شهداء تسمية: إما باعتبار أن لهم كأجر الشهداء في سبيل الله تفضلا «١»، أو لأن ملائكة شهداء المعركة تشهدهم [أو غير ذلك. لا حكما. بدليل أحكام شرعية افترق فيها القبيلان «٢»، كالغسل والصلاة «٣» ومغفرة الذنب بأول قطرة من دم] «٤»، حتى الدّين يعفى له عنه على مقتضى حديث روي في ذلك «٥»، دون بقية الشهداء/.
_________________
(١) انظر شرح صحيح مسلم ١٣/ ٦٣، وفتح الباري ٦/ ٤٣ - ٤٤.
(٢) القبيلان أو القتيلان: المقتول في سبيل الله- أي في الجهاد- والميت أو المقتول بغير ذلك ممن جاءت النصوص الشرعية بالاخبار بأنهم شهداء ويسمون شهداء الآخرة. أما المقتولون في حرب الكفار فهم شهداء الدنيا والآخرة.
(٣) المقتول في حرب الكفار هو الذي لا يصلى عليه ولا يغسل، فيدفن بثياب المعركة.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (م).
(٥) ورد في صحيح مسلم في كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين، عدة روايات عن قتادة وعبد الله بن عمرو، أن من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين منها: قوله ﷺ: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» ويشير المؤلف﵀- بقوله:" حديث روي في ذلك" إلى ما أخرجه ابن ماجه في كتاب الجهاد، باب فضل غزو البحر. قال: حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبيرى، حدثنا قيس بن محمد الكندي، حدثنا عفير بن معدان الشافعي، عن سليم بن عامر [الكلاعي] قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شهيد البحر مثل شهيدي البر، والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر، وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله. وإن الله ﷿ وكل ملك الموت بقبض الأرواح، إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم، ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ولشهيد البحر الذنوب والدين" قلت: في سنده عفير بن معدان وهو ضعيف جدا ضعفه ابن حجر وغيره فيكون الحديث بهذا الإسناد ضعيفا وإن كان الألبانى قال عنه:" موضوع بهذا التمام" [انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ٢/ ٢٢٢] ولو صح هذا الحديث لخصص حديث مسلم في شهيد البحر. والله أعلم.
[ ١ / ٤٩٤ ]
[الإسراء والمعراج]
ومنها: حديث المعراج والبراق «١»، وما جرى فيه/ من العجائب، وخلاف الناس في دخوله بيت المقدس أم لا؟ وأن المعراج هل كان بشخصه أم بروحه مناما؟
قلت: حديث المعراج أجمع المسلمون على صحته. والمعتمد عليه منهم على أنه كان بروحه مناما مرة، ثم كان بشخصه يقظة أخرى. وكانت الأولى تمهيدا للثانية، وأنه ﵇ دخل بيت المقدس «٢».
_________________
(١) انظر صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ، إلى السماوات وفرض الصلوات. فقد روى ثلاثة عشر حديثا فيها وما جرى في الإسراء. وصحيح البخاري كتاب بدء الخلق، الباب السابع:" إذا قال أحدكم آمين ". وكتاب التوحيد باب ٣٧:" ما جاء في قوله تعالى: وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا وغيرهما. وأحاديث الإسراء كثيرة ورد الصحيح منها في صحيح البخاري ومسلم والسنن وغيرها.
(٢) بناء على الروايات التي وردت فيها قصة الإسراء، وما فيها مما يوهم الخلاف بينها، فقد اختلف العلماء: هل كانت الإسراء مناما أم يقظة؟ أو بروح النبي ﷺ دون جسده أم بجسده وروحه معا؟ على أربعة أقوال: الأول: أنها كانت بروحه وجسده معا من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ثم إلى السماء بعد البعثة وقبل الهجرة بسنة مرة واحدة يقظة لا مناما. الثاني: أنها كانت بروحه دون جسده. ونسب هذا إلى عائشة ومعاوية ﵄-. الثالث: أنها كانت مناما وأنه رأى أنه عرج به إلى السماء. الرابع: أنها كانت مرتين مرة مناما بروحه ومرة يقظة بروحه وجسده، وأن الأولى تمهيد للثانية. وهذا ما سار عليه المؤلف رحمه الله تعالى وحجتهم في ذلك الجمع بين حديث شريك عند البخاري وفيه: «ثم استيقظت» وبين الروايات. ولكن الراجح القول الأول للأحاديث الصحيحة التى تشهد بذلك، ولأن شريكا ﵁ قد غلط في الألفاظ وقدم وأخر وزاد ونقص. كما قال مسلم ﵀-. [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٤٥ - ٢٤٩، وصحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ وفرض الصلوات].
[ ١ / ٤٩٥ ]
وحديث المعراج، وما جرى فيه مما «١» يجب تسلمه عن «٢» صاحب الشريعة إذ لا طريق إليه إلا من جهته، كما كان يخبر موسى بما يجري له مع ربه على الطور «٣»، وكما أخبر المسيح أنه يصعد إلى أبيه فيكون عن يمينه، وأنه في آخر الزمان يأتي في مجد أبيه والأملاك حوله «٤».
[الأكل والشرب في الآخرة وموقف النصارى منه]
ومنها: الآيات والأحاديث المتضمنة لذكر ما في الجنة من مأكول ومشروب ومنكوح. وذكر من الأحاديث ما هو صحيح وباطل وأنكر ذلك واستعظمه بناء على شبه:
إحداهن: ما نقل عن الإنجيل: أن المسيح قال في القيامة:" لا يتزوجون ولا يأكلون ولا يشربون، ولكنهم مثل ملائكة الله في السموات" «٥» وذكر عن جماعة من الأنبياء/ أنهم سألوا الابتهاج بوجه الله- يعني فلا يكون بغيره.
الثانية: أن الطعام والشراب في الدنيا لضرورة بقاء الأبدان، لأنها بدونهما تلهك، وهناك يصيرون كالملائكة لا يخشى عليهم الهلاك، لأنها دار السعادة الكاملة.
_________________
(١) في (م): من ما.
(٢) في (ش): من.
(٣) ذكر في سفر الخروج الأصحاح الثالث. والطور: هو الجبل الذي كان عنده موسى ﵇ عند ما كلمه الله سبحانه، وأنزل عليه فيه التوراة، واختلف في معناه. فقيل: الطور: الجبل بالسريانية. وهو طور سيناء، وطور سينين على خلاف في معنى: سيناء، وسنين. [انظر تفسير القرطبي ١/ ٤٣٦، ١٢/ ١١٤ - ١١٥، ٢٠/ ١١٢، وزاد المسير ١/ ٩٣، ٥/ ٤٦٦ - ٤٦٧، ومراصد الاطلاع ٢/ ٨٩٦].
(٤) ذكر ذلك في إنجيل متى الأصحاح الخامس والعشرين.
(٥) انظر إنجيل متى الأصحاح الثاني والعشرين.
[ ١ / ٤٩٦ ]
الثالثة: ما ذكره أبو علي ابن سينا «١» في" التنبيهات" حيث تكلم في:
" البهجة والسعادة" وحاصله: أن اللذة ليست منحصرة في الحسيات «٢» بل الإنسان قد/ يترك الحسيات «٣» لتحصيل لذة الغلبة، ولو في أمر ما خسيس كالشطرنج، أو في تحصيل ذكر جميل بعده، يقتحم لأجله الأخطار، وليس ذلك من اللذات العقلية، فما ظنك بالعقلية؟ " «٤».
هذا حاصل ما ذكره في هذا «٥» السؤال، وان كان قد أسهب «٦» فيه وأطال.
والجواب: أما اللذات الحسية من مأكل ومشرب ومنكح، وكل ما يشتهيه الإنسان من اللذات الممكنة التي لا تغذي فيها، فهو مجمع على حصوله في الآخرة بين المسلمين.
وأما شبه هذا الخصم على بطلان ذلك:
_________________
(١) الحسين بن عبد الله بن سيناء أبو علي الفيلسوف الرئيس الطبيب المشهور بالفلسفة والمناظرات. تقلد الوزارة في همذان وثار عليه عسكرها ونهبوا بيته فتوارى ثم صار إلى أصفهان، ورجع إلى همذان في آخر حياته فمرض في الطريق ومات بها سنة ٤٢٨ هـ يقول عن نفسه:" أنا وأبي من أهل دعوة الحاكم" أي من القرامطة الباطنية، الذين لا يؤمنون بمبدإ ولا معاد، ولا بخالق، ولا رسول مبعوث جاء من عند الله، وكتبه تشهد بإلحاده. [انظر الأعلام ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ٢/ ٢٦٦].
(٢) في (أ): في الحيات.
(٣) في (أ): الحيات.
(٤) انظر كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا: القسمان الثالث والرابع ص ٧٤٩ - ٧٥١.
(٥) «هذا» ليست في (ش).
(٦) في (أ):" قد انتهب".
[ ١ / ٤٩٧ ]
أما الأولى: فلا شك أنهم نقلوا في الإنجيل عن المسيح: أن الزنادقة المنكرين للقيامة سألوه عن سبعة إخوة تزوجوا امرأة واحدا بعد واحد، ويموتون عنها، فلمن تكون في الآخرة؟ «١» فأجابهم بما ذكر هاهنا، وهو: أن الناس في الآخرة كالملائكة لا يأكلون ولا يتزوجون، لكن هذا ينافيه ما في الفصل التاسع والعشرين «٢» من إنجيل مرقس: أن المسيح قال لرجل:" بع كلما لك واعطه للمساكين واكنزه في السماء" فصعب على الرجل، فقال له بطرس: ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك، فقال يسوع:" الحق أقول لكم: إنه ليس أحد ترك بيوتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو بنين أو حقلا لأجلي ولأجل بشارتي «٣» إلا وهو يأخذ مائة ضعف الآن في هذا الزمان: منازل وإخوة وأخوات وأب وأم وبنين في الشدائد وفي الدهر الآتي في الحياة المؤبدة، أولون كثيرون يكونون آخرين، وآخرون أولين".
قلت: فهذا نص في أن الناس في نعيمهم في «٤» الآخرة، كهم في الدنيا،/ وصرح بذكر المرأة. وفائدتها: النكاح، وبالحقل. وفائدته:/ الأكل، وكذا «٥» قال في آخر الفصل التاسع والعشرين «٦» من إنجيل مرقس:" من ترك شيئا لي أخذ أضعافه في الحياة الدائمة".
_________________
(١) انظر إنجيل متى الأصحاح الثاني والعشرين.
(٢) في التراجم الحديثة: الأصحاح العاشر.
(٣) في (أ):" ولأجل بشا إلا وهو".
(٤) (في) ليست في (ش).
(٥) في (أ): وكذى.
(٦) في التراجم الحديثة: الأصحاح العاشر. وانظر إنجيل متى آخر الأصحاح التاسع عشر، وإنجيل لوقا الأصحاح الثامن عشر.
[ ١ / ٤٩٨ ]
وهو عام في كل ما ترك من الدنيا، فيتناول المطعم/ والمشرب والمنكح «١».
فهذا نص المسيح، على خلاف ما ذكرتم عنه في جواب الزنادقة، فأحد النصين كذب قطعا، وحينئذ يسقط الوثوق بالانجيل لوقوع الكذب فيه.
وأما جوابه للزنادقة بما ذكرتم، فإن صح فهو محمول على قيامة الموت لأن قيامة كل أحد موته، لأنه أول منازل القيامة فكأنه «٢» يقول: إذا مات الشخص تجرّ «٣» روحه من بدنه، فكان كالملائكة، حتى يبعث جسده يوم القيامة فيعطى أضعاف ما ترك لأجلي في الدنيا، جمعا بين نصيه، وإلا فالحكاية موضوعة مختلقة، ويدل على ذلك: أن سؤال الزنادقة له إنما هو على جهة الإيراد على دينه، والإلزام له على ما أشار إليه سياق الإنجيل ولا يتم لهم ذلك إلا بعد علمهم بأن من دين موسى والمسيح ثبوت النعيم الحسي في الآخرة، فجوابه لهم بما ذكرتم عنه يكون موافقة ومساعدة لهم.
وقد استوفيت الكلام على ذلك في:" التعليق على الإنجيل" «٤».
_________________
(١) قلت: بل في الأناجيل التي بأيديهم إثبات للأكل والشرب في الآخرة منها ما في إنجيل متى الأصحاح السادس والعشرين:" وأقول لكم إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة- أي الخمر- هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت أبي"، وفي إنجيلهم أيضا أن المسيح قال لتلاميذه في وصية وصاهم بها:" لتطعمن ولتشربن في مائدتي في ملك الله" [انظر الإعلام بما في دين النصارى من الفساد ص ٤٣٥].
(٢) في (أ): مكانة وفي (ش): حكاية.
(٣) في (ش)، (أ): تجرد روحه.
(٤) أي في كتابه تعاليق على الأناجيل ص ٢٩ - ٣٠ مخطوط. وكلام الطوفي هنا تلخيص لما قاله فيه.
[ ١ / ٤٩٩ ]
[رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة]
وأما سؤال الأنبياء للابتهاج «١» بوجه الله سبحانه فلا يبقى ما يدعيه، لجواز أن تكون البهجة بالأمرين، أعني النظر إلى وجه الله، والتمتع باللذات الحسية، وهذا عين ما نقوله. وقد سأل النبي ﷺ في دعائه التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم «٢»، وأجمع على جوازه ووجوبه المسلمون.
وفي القرآن الكريم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ «٣» وأجمع المفسرون/ على أن المراد بالزيادة: النظر إلى وجه الله سبحانه «٤».
وأما الثانية: فمثبتة على التي قبلها وقد بطلت، ثم لا نسلم: أن الطعام
_________________
(١) في (ش)، (م): الابتهاج.
(٢) أخرج النسائي في كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، من طريقين عن عمار بن ياسر فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ" وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك " والحديث صحيح.
(٣) سورة يونس، آية: ٢٦.
(٤) أخرج مسلم في كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه. حديث ٢٩٧، والترمذي في كتاب الجنة، باب ما جاء في رؤية الرب ﵎، وفي تفسير سورة يونس، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في المسند (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣) عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال يقول الله ﵎: «تريدون شيئا أزيدكم» فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ [يونس ٢٦] وهذا لفظ مسلم.
[ ١ / ٥٠٠ ]
والشراب في الدنيا لضرورة بقاء الأبدان على الاطلاق، لأن ذلك إنما تصح دعواه فيما يقيم الرمق «١» ويحفظ البنية، فما قولك فيما زاد على ذلك كأنواع المآكل والمشارب من اللحوم والحلاوات وأنواع الأشربة، ولهذا من ترهب «٢» من النصارى والمسلمين يقتصر على البلغة «٣»، ويدع ما سواها مما يتناول للتنعم «٤».
وإذا كانت الدنيا مع أنها دار فناء ونفاد، فيها هذا النعيم، فالدار الآخرة الباقية الدائمة المأمونة الزوال أولى بذلك. ثم هب أن المأكول والمشروب لضرورة بقاء البدن، فما تقول في النكاح مع أن البدن يبقى بدونه؟ فهو من باب النعيم لا محالة.
[البعث والمعاد والرد على المنكر لذلك]
وأما الثالثة: فهي مبنية على رأي" أبي علي" «٥» في أن المعاد لا يكون إلا روحانيا، فلا تتصور «٦» اللذات الحسية. إذ شرط ادراكها/ تعلق النفس بالبدن وحجته على ذلك «٧»، ما حكاه الإمام فخر الدين «٨» في المباحث المشرقية:" أن
_________________
(١) الرمق: بقية الحياة، وفي الصحاح: بقية الروح، وقيل آخر النفس. والعيش الرمق: أي الضيق. [انظر لسان العرب ١٠/ ١٢٥، ومنال الطالب ص ٢٣].
(٢) في (أ): يذهب.
(٣) البلغة: الشيء اليسير، الّذي يتوصل به إلى الغرض. [منال الطالب ص ٣٦١].
(٤) في (ش)، (م): مما يتناول المتنعم.
(٥) ابن سينا. وتقدمت ترجمته.
(٦) في (أ): يتصور.
(٧) في (أ):" على ذلك علي ما حكاه".
(٨) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص ١٧٤.
[ ١ / ٥٠١ ]
البدن لو أعيد لكان إما أن يعاد في زمن ابتدائه، أو في غيره. فإن أعيد في زمن ابتدائه، لزم اتحاد الزمنين، مع ما بينهما من الفواصل الكثيرة والأزمنة المتعددة، وهو «١» محال. وإن أعيد في غيره لم يكن المعاد هو عين المبتدأ" «٢».
قلت: وهذا وهم قبيح من مثل ذلك الفاضل العلامة. لأنه كأنه يوهم أن الزمان داخل في حقيقة البدن، أو أن اتحاد الزمن شرط في صحة الإعادة. وليس كذلك، ولا دليل عليه.
ومذهب المسلمين/ قاطبة: القول بالمعاد البدني،/ وإدراك اللذات الحسية والعقلية. ولذلك مناسبة حسنة، وهي: أن العالم على ثلاثة أضرب. عقل محض كالملائكة، وشهوة محضة كالبهائم، ومركب من الأمرين وهما الثقلان. فالطرفان لا مشقة عليهم. أما البهائم فلعدم التكليف وأما الملائكة فلعدم الشهوة المعارضة لعقولهم، والثقلان واسطة، عليها المشقة لتنازع العقل والشهوة في مراديهما.
فيتعب «٣» الإنسان بينهما كالمخلص بين متخاصمين. فلا جرم أن الملائكة لما عبدوا الله بالعقل المجرد الخالي عن معارضة الشهوة كانت لهم اللذة العقلية، والبهجة
_________________
(١) في (م): وهي محال.
(٢) الذي وجدته في المباحث المشرقية للرازي بمعنى هذا وهو:" إنه لو صح إعادة المعدوم لصح إعادة الوقت الذي وقع فيه ابتداء، فيصح أن يعاد هو في ذلك الوقت بعينه فيكون وقت إعادته هو بعينه وقت ابتدائه فيكون مبتدأ من حيث أنه معاد. هذا خلف" اهـ. [المباحث المشرقية ١/ ٤٧ - ٤٨]
(٣) في (أ): فيبعث.
[ ١ / ٥٠٢ ]
الروحانية. والبهائم لما خلت عن عقل تعبد الله به تمتعت باللذات الحسية الشهوانية مدة بقائها في استعمال المكلفين لها ثم يوم القيامة، تصير ترابا بعد أن يقتص لبعضها من بعض «١»، لأنه لا عبادة لها تستحق بها يوم القيامة لذة عقلية ولا حسية.
وعند مصيرها ترابا يقول الكافر: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠) «٢» وبنو آدم لما تعبدوا فيما بين العقل والشهوة وجب بمقتضى هذه المناسبة أن يجمع لهم في الآخرة بين اللذتين العقلية بمقتضى العقل الذي عبدوا الله وعرفوه به، والحسية بمقتضى الشهوة التي صبروا على خلافها في طاعة الله- سبحانه- ولو في التوحيد وهذا معنى قوله تعالى: وجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا (١٢) «٣» أي بما صبروا على الطاعات وعن الشهوات «٤».
هذا آخر الجواب عما يستحق أن يجاب عنه من هذا السؤال من الآيات والأخبار الصحيحة، فأما ما ذكره من ضعيف الأخبار. وكلام" أبي حامد" «٥» وغيره: فلا يلزمنا/ الجواب عنه، ولا هو ممن يستحق ذلك".
_________________
(١) أخرج الطبري في تفسيره (٣٠/ ٢٦) من طرق عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة﵄- من عدة طرق أحدهما مرفوع من طريق أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يقضي الله بين خلقه الجن والانس والبهائم، وإنه ليقيد يومئذ الجماء من القرناء، حتى إذا لم يبق تبعة عند واحدة لأخرى، قال الله: (كونوا ترابا) فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا". وفي سنده راو غير مصرح به. وذكر الشوكاني﵀- أن ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور: أخرجوه عن أبي هريرة. [انظر تفسير الشوكاني ٥/ ٣٧١].
(٢) آخر سورة النبأ.
(٣) سورة الإنسان، آية: ١٢.
(٤) انظر تفسير الطبري ٢٩/ ٢١٣، وتفسير القرطبي ١٩/ ١٣٦، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٥٥.
(٥) هكذا في النسخ الثلاث" أبي حامد" ولعل لأبي حامد الغزالي كلام نقله هذا النصراني فأشار إليه الطوفي بهذه الإشارة. ولو كان المقصود أبي علي ابن سينا. لكان الجواب عن كلامه حاصل أولا.
[ ١ / ٥٠٣ ]
[الرد على اعتراض النصراني على خلق السموات والأرض في ستة أيام]
قال: وفي سورة الأعراف «١»: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
وقال في سورة السجدة «٢»: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ إلى قوله: فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها (١٢) «٣».
فمقتضى هذه الآية الثانية أن السموات والأرض خلقتا «٤» في ثمانية أيام ألا ترى أنك لو قلت:
بنيت بيتا وأسسته في يومين، وأقمت حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في يومين، لم يشك عاقل، يسمع قولك في «٥» أن مدة إقامتك البيت بجملته ثمانية أيام. ولهذا يلزم محمداﷺ- «٦» إن كان صادق الإخبار في الآية «٧» الأولى فالثانية بالضرورة كاذبة. وبالعكس. وذلك مطلوبنا.
_________________
(١) الآية: ٥٤.
(٢) هي: حم السجدة، وهي: فصلت.
(٣) قال الله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩) وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [سورة فصلت: ٩ - ١٢].
(٤) في النسخ الثلاث: خلفت.
(٥) " في" ليست في (م).
(٦) جملة: ﷺ: ليست في (م) و(ش).
(٧) كلمة" الآية" ليست في (أ).
[ ١ / ٥٠٤ ]
قلت: الجواب عن هذا: أن الآيتين لا تناقض فيهما «١»، ولكن هذا الشخص لم تكن له معرفة بالقرآن ولا لغة العرب وتنزيل الألفاظ منازلها وجدير بمن يتكلم فيما لا يعلم أن يخطئ ويتلعثم.
وبيان ذلك: أن القرآن مصرح في أكثر من ستة مواضع بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام «٢». فهذه نصوص لا تحتمل التأويل. وهذه الآيات التي في سورة السجدة «٣». فيها نوع اجمال. والمراد بها ما في تلك النصوص، ولا يبين ذلك إلا بالتأويل، والتوفيق بين الكل، ومن قواعد الأصوليين حمل المجمل على المبين،/ والظاهر على النص، والمطلق على المقيد، والعام على الخاص فهذا مجمل، أو محتمل نحمله على ذلك النص الصريح.
وبيانه: أن اليومين المذكورين في قوله: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ؟ داخلان في الأربعة المذكورة في قوله: وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) والدليل على ذلك من وجوه:
أحدها: أن الله سبحانه يقول في سجدة" الم" «٤» وغيرها: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (٤) ثم ثبت بهذه الآية المتنازع فيها أنه خلق السموات في يومين، فتعين أنه خلق الأرض بما فيها من الجبال والشجر
_________________
(١) في (ش)، (أ): فيها.
(٢) ذكر الله ذلك في سبعة مواضع هي في سورة الأعراف الآية: ٥٤، وفي يونس: ٣، وفي هود: ٧، وفي الفرقان: ٥٩، وفي السجدة: ٤، وفي ق: ٣٨، وفي الحديد: ٤.
(٣) هي سورة فصلت.
(٤) الآية: ٤.
[ ١ / ٥٠٥ ]
والبحار والأقوات وغيرها في أربعة أيام، لأن هذه الأشياء إما من حقيقة «١» الأرض، أو مما بينها وبين السماء. فتعين بما ذكرناه أنها داخلة فيما خلق في أربعة أيام التي منها اليومان الأولان «٢».
الوجه الثاني: أن قوله: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إما أن نعلقه بتقدير الأقوات فقط، أو به وبما قبله من خلق الأرض وجبالها، والبركة فيها. والأول باطل، لأنه يلزم «٣» / أن يكون فعل ما قبل ذلك، لا في زمان، وهو محال. فتعين الثاني، وهو أن أربعة الأيام متعلقة بجميع ما تقدم، من قوله: خَلَقَ الْأَرْضَ إلى قوله: أَقْواتَها «٤» وعلى هذا اعتراض لا يخفى.
الوجه الثالث: أن محمدا﵇- لم يشك أحد في حكمته وفصاحته ولهذا نسبه الأعداء إلى أنه إنما أقام ناموسه بالحكمة والسيف. ومن يكون من الحكمة في هذه الرتبة لا يناقض ما صرح به في ستة مواضع بما يقوله في موضع، ولا يخفى عليه ذلك. فدل هذا على أنه أراد بما في هذه الآية ما في تلك الآيات. وذلك إنما يصح بجعل اليومين الأولين داخلين في الأربعة الثانية ويصير/ هذا كما لو قلت: سرت من القاهرة «٥» إلى بيت المقدس «٦» في عشرة أيام، وإلى
_________________
(١) كلمة:" حقيقة" ليست في (م).
(٢) وهذا ما ذهب إليه ابن كثير في تفسيره للآية ٤/ ٩٣، ولا اعتراض على هذا التفسير فهو الصحيح.
(٣) في (ش): لزم.
(٤) ذكر هذا بمعناه الإمام الطبري في تفسيره (٢٤/ ٩٥ - ٩٧).
(٥) القاهرة: مدينة بجنب الفسطاط يجمعها سور واحد، وهي اليوم المدينة الكبيرة التي تجتمع عدة محافظات وهي عاصمة جمهورية مصر العربية، وتعرف قديما باسم القاهرة المعزية لأنها عمرت أيام المعز العلوي فصارت مدينة أعظم من مصر الذي أصبح معها مدينة واحدة الآن. [انظر مراصد الاطلاع ٣/ ١٠٦٠].
(٦) من أسمائها: أورشليم، وايليا. انظر التعريف بها في هامش ص: ٣١٧ و٤١٥ من هذا الكتاب.
[ ١ / ٥٠٦ ]
دمشق «١» في عشرين «٢». فإن «٣» العشرة داخلة في العشرين.
أما ما ذكرته من أن «٤» قول القائل: بنيت بيتا فأسسته في يومين وأقمت حيطانه في أربعة أيام، وسقفته في يومين: يفيد أن الجملة ثمانية أيام. فجوابه أن فرضك لهذه الصورة مع تقدير تقدم النص من القائل بأنه «٥» أقام جملة البيت في ستة أيام، أو مع عدم تقدير ذلك؟.
فإن قلت: مع «٦» تقدير تقدم النص المذكور كان كمسألتنا. فلا نسلم استفادة ثمانية أيام من القول المذكور «٧»، بل ستة كالمنصوص. ويكون ذلك النص قرينة في هذا التأويل، أعني حمل الثمانية الظاهرة على الستة المنصوصة.
وإن قلت: مع عدم النص فليس ذلك مثل مسئلتنا، إذ لا نص معنا يكون قرينة نحمل بها الظاهر عليه، وحينئذ لا يلزم ما ذكره من كذب إحدى الآيتين ولا يحصل له مطلوب.
_________________
(١) دمشق: البلدة المشهورة. وهي قصبة الشام، ويقال لها قديما جنة الشام، لحسن عمارتها وبقعتها وكثرة أشجارها وفواكهها، ومياهها المتدفقة في مساكنها وأسواقها وجامعها ومدارسها. قيل: سميت بذلك: لأنهم دمشقوا في بنائها. أي: أسرعوا. وقيل: اسم واضعها دمشق بن كنعان. وقيل: غير ذلك. [انظر مراصد الاطلاع ٢/ ٥٣٤].
(٢) من الأولى أن يقول في بداية المثال:" سافرت عشرين يوما، فسرت من القاهرة " ليكون أكثر دقة.
(٣) في النسخ الثلاث:" في أن العشرة".
(٤) «أن» ليست في (ش).
(٥) في (ش): فإنه.
(٦) مع: ساقطة من (أ).
(٧) في (أ): المذكورة.
[ ١ / ٥٠٧ ]
[مكان دفن الأنبياء]
ومنها: ما رواه مالك «١» في" موطئه" بسنده إلى أبي بكر «٢» في كتاب" الجنائز" قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما دفن نبي قط إلا في مكانه الذي توفي فيه» فحفر له فيه «٣».
قال:" وهذا افتراء وقول باطل. فإن" يعقوب" توفي بمصر، وحمل إلى «٤» مقبرة أبيه إبراهيم" فدفن فيها «٥»، وكذلك" إبراهيم" و" إسحاق" دفنا هناك ولم يدفنا في مكانيهما من داريهما، وكذلك" داود" و" سليمان"/ إلى غيرهما من الأنبياء ماتوا بأماكنهم، ودفنوا في غيرها.
وبالجملة: ما دفن نبي من الأنبياء في مكانه الذي توفي فيه، فضلا أن يكونوا أجمعون دفنوا حيث ماتوا".
قلت: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن ما ذكره من دفن يعقوب في غير/ موضع موته، مأثور عن التوراة، والتوراة فيها من التحريف والتهافت والتناقض ما يمنع الوثوق بها- كما سبق-.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٠٦.
(٢) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ٨٨.
(٣) أخرجه مالك في الجنائز، باب ما جاء في دفن الميت، وهو من بلاغاته﵀- وسيأتي بقية لتخريجه عند غير مالك.
(٤) إلى: سقطت من (أ).
(٥) في (م): بها.
[ ١ / ٥٠٨ ]
الثاني: أنه «١» ذكر في التوراة أن يعقوب بقي بمصر يبكي عليه سبعين يوما «٢». ولو بقي ذلك القدر غير مدفون لأنتن وأراح «٣» إذ هو بشر على كل حال وذلك إهانة للميت.
ولهذا جاء في شرعنا: أن من إكرام الميت أن يبادر بدفنه، فدل على أنهم دفنوه حتى انقضت مناحتهم «٤»، ثم استخرجوه فنقلوه إلى آبائه. وحينئذ لا يكون نقله منافيا لدفنه حيث مات.
فإن قيل: لعلهم صبروه «٥» حتى مكث تلك المدة ولم يحتج إلى دفن.
قلنا: هذا لم ينقل في صورة التوراة ولا غيرها ومجرد احتماله لا يكفي في التصديق به. وما ذكر فيها من تحنيطه لا يدل على تصبيره، إذ كل الموتى يحنطون عند الإمكان «٦».
_________________
(١) أنه: سقطت من (أ).
(٢) القصة في سفر التكوين آخر اصحاح منه حسب التراجم الحديثة، وفيها أنه بقي يبكي عليه أربعين يوما. وهذا دليل على تحريفهم التوراة بعد زمن المؤلف أيضا.
(٣) أراح: من راح: أي وجد ريحه. [انظر مختار الصحاح ص ٢٦٢].
(٤) المناحة: الاجتماع للحزن. [انظر لسان العرب ٢/ ٦٢٧، ومختار الصحاح ص ٦٨٤].
(٥) هو من التصبير: وهو وضع الصّبر: أو الصّبر، على جسد الميت لتجفيف الرطوبات وتنشيفها. والصّبر: نبات كثير الماء في خضرته غبرة ويقال: إن ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع- نوع من الأدم- وتحنطوا بالصّبر لئلا يجيفوا وينتنوا، وتضمد به العينان. [انظر لسان العرب ٤/ ٤٤٢، ٧/ ٢٧٨، وشرح صحيح مسلم ٨/ ١٢٤].
(٦) التحنيط: وضع الحنوط على جسد الميت: والحنوط: طيب يخلط للميت خاصة، وقيل: الكافور. استدل بعض العلماء على تحنيط الميت بمفهوم الحديث الذي أخرجه البخاري في الجنائز، باب الحنوط للميت، ومسلم في الحج حديث ٩٤ وغيرهما في قصة المحرم الذي سقط-
[ ١ / ٥٠٩ ]
الثالث: أنك ناف ونحن مثبتون، والإثبات مقدم على النفي، إذا استوى المخبران، فكيف والمخبر بالإثبات ذو ناموس عظيم. وأنت فيلسوف علج.
الرابع:- وهو المختار عندي في الجواب- منع صحة الحديث «١»، فإني كشفت عنه في كتاب" الجنائز" من الموطأ فلم أجده «٢»، ولم أعلم أحدا رواه إلا أحمد قال: حدثنا عبد الرزاق «٣» قال: أنا «٤» ابن جريج «٥»، قال: أخبرني أبي «٦»:
_________________
(١) - من فوق دابته فقال النبي ﷺ: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيا» وبصريح الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في غسل الميت حديث ١٤٦٢" من غسل ميتا وكفنه وحنطه وحمله وصلى عليه ولم يفش عليه ما رأى خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه" وإسناده ضعيف. [انظر فتح الباري ٣/ ١٣٦، وما قال صاحب الزوائد على سنن ابن ماجه في الموضع المتقدم].
(٢) أرى أن درجة الحديث والاعتماد عليه أقوى من درجة ما يدعونه من التوراة والإنجيل. وأن صحة أو ضعف هذا الحديث لا يهمنا ما دام اعتمادهم على ما هو أضعف كما بينه المؤلف في الوجه الأول.
(٣) الحديث رواه مالك في الموضع المشار إليه والترمذي وابن ماجه كما سيأتي قريبا.
(٤) عبد الرزاق بن همام ثقة تقدمت ترجمته ص: ١٧٤ من قسم الدراسة.
(٥) في المسند: أخبرني.
(٦) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد وأبو خالد: فقيه المسجد الحرام، كان إمام أهل الحجاز في عصره. وهو أول من صنف التصانيف في العلم بمكة، رومي الأصل، من موالي قريش، مكي المولد والوفاة. كان ثبتا لكنه يدلس ويرسل، روى له أصحاب الكتب الستة توفي سنة خمسين ومائة من الهجرة، وقد جاوز السبعين. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٥٢٠، وتاريخ بغداد ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠٧].
(٧) أبوه هو: عبد العزيز بن جريج، مولى قريش، قال البخاري: لا يتابع في حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: لم يسمع من عائشة. وقال الدارقطني: مجهول. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال ابن حجر: لين. [انظر تهذيب التهذيب ٦/ ٣٣٣، والتقريب ١/ ٨٠٥، وتاريخ الثقات ص ٣٠٤].
[ ١ / ٥١٠ ]
أن أصحاب النبي ﷺ لم يدروا أين يقبروه؟ «١» حتى قال أبو بكر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لم يقبر نبي إلا حيث يموت» «٢» فأخروا فراشه «٣» وحفروا له تحته» «٤».
قلت: وفي هذا الحديث جهالة وإرسال، لأن أبا ابن جريج لا يعلم حاله في الرواية، وقد أرسله عن الصحابة، فلا نعلم هل سمعه منهم أو من غيرهم عنهم؟.
وهاتان/ علتان لا يبنى «٥» على ما كانتا فيه من الحديث فرع فضلا عن أن نلتزم تسليمه، والجواب عنه فيما يقدح في أصل الشريعة.
ورواه ابن هشام «٦» في السيرة من وجه لا يسكن إليه أيضا. وروى الترمذي من حديث عائشة قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه. فقال أبو بكر سمعت من «٧» رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال:" ما قبض الله نبيا إلا في
_________________
(١) في المسند:" أين يقبرون النبيﷺ- حتى
(٢) في (أ):" الا خبث بموت" وهذا تصحيف.
(٣) في (م): فرشه.
(٤) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٧) بسند منقطع. [انظر الفتح الرباني ٢١/ ٢٥٥].
(٥) في (أ):" لا يبنا" بالممدودة.
(٦) انظر الجزء الأخير من سيرة ابن هشام بتحقيق السقا والأبياري وشلبي ص ٦٦٣، وقد تقدمت ترجمة ابن هشام في الدراسة ص: ١٧٨.
(٧) من: سقطت من (أ).
[ ١ / ٥١١ ]
الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه/ في موضع فراشه «١»، وهو حديث غريب. وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي «٢» وهو يضعف «٣». كيف وقد روى ابن مكة «٤» في" أماليه" والسهيلي «٥» في" الروض": أن النبي ﷺ لما مات قالوا له: كيف نصلي عليك؟ قال: «إذا وضعتموني على شفير قبري في بيتي فاخرجوا عني، فإن الملائكة تصلي عليّ أولا» «٦». وساق الحديث. فمع هذا النص كيف يكون الخلاف في موضع دفنه؟ فهذا مما يدل على ضعف ذلك الحديث.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب ٣٣ حديث ١٠١٨.
(٢) في (ش): الملكي، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي ملكية المدني. ضعيف. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٤٧٤].
(٣) قال الترمذي:" هذا حديث غريب، وعبد الرحمن بن أبي بكر المليكي يضعف من قبل حفظه. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه. فرواه ابن عباس عن أبي بكر الصديق، عن النبي ﷺ أيضا" اهـ. قلت: أخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ من طريق ابن عباس عن أبي بكر. قال في الزوائد في نفس الموضع" وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي تركه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني والنسائي، وقال البخاري: " يقال: أنه كان يتهم بالزندقة" وقواه ابن عدي، وباقي رجال الإسناد ثقات" اهـ. وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٩٢) من طرق منها ما هو موقوف على أبي بكر، وطريق مرفوع وفيه محمد بن عمر شيخ ابن سعد: متروك وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة: ضعيف. قلت: ولعله بمجموع طرقه يكون حسنا لغيره. والله أعلم.
(٤) لم أجد له ترجمة.
(٥) انظر ص ١٧٨ من هذا البحث ..
(٦) انظر الروض الأنف للسهيلي ٤/ ٢٧٤. وهو بنحو هذا اللفظ.
[ ١ / ٥١٢ ]
[الجزء الثاني]
[علامات الساعة وموقف النصارى منها]
قال: ومن هذا القبيل من الأخبار عما يستقبل ما خرّجه مسلم عن أبي سعيد عنه «١» قال:" لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة [اليوم] " «٢» وهذا باطل للعيان، وها نحن على وجه الأرض أكثر من العالم في ذلك الزمان. وقد أتت المائة سنة التي ذكر، وبعدها مئون"/.
قلت: هذا جهل بمراد هذا الحديث، وإنما المراد به ما تبين في حديث أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما على الأرض نفس منفوسة- يعني اليوم «٣» - تأتي عليها مائة سنة» / رواه مسلم «٤» والترمذي «٥».
وعن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قال: «أرأيتم ليلتكم هذه؟ على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد».
_________________
(١) أي عن النبيﷺ-.
(٢) كلمة:" اليوم" زيادة من صحيح مسلم. والحديث في صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب قوله: لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض ، حديث ٢١٩.
(٣) الجملة التفسيرية:" يعني اليوم". عند الترمذي، وفي ألفاظ مسلم الأخرى كلمة اليوم من صلب كلام الرسول ﷺ. وهي توضيح ما يريد الطوفي الوصول إليه في إيراد هذه الأحاديث.
(٤) في كتاب فضائل الصحابة، باب قوله: لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض ، حديث ٢١٨، بلفظ غير هذا.
(٥) في الفتن، باب ٦٤ بتحقيق إبراهيم عطوة، بهذا اللفظ وقال الترمذي:" هذا حديث حسن" وبنحو لفظ مسلم أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٤٥) وبلفظ آخر في (٣/ ٣٧٩).
[ ٢ / ٥١٣ ]
قال ابن عمر: فوهل «١» الناس في ذلك فيما «٢» يتحدثونه من هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول اللهﷺ- «٣»:
«لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» يريد أن «٤» ينخرم ذلك القرن".
أخرجاه في الصحيحين «٥»، ورواه أبو داود «٦» والنسائي «٧» والترمذي «٨». وقال حديث حسن «٩» صحيح. فحديث أبي سعيد إن لم يكن فيه هذا التقييد فهو محمول عليه بهذين النصين «١٠».
_________________
(١) انظر هامش ص: ٤٧٦ من هذا الكتاب.
(٢) في م:" فوهل الناس في الناس فيما يتحدثونه " وفي صحيح البخاري:" فوهل الناس في مقالة رسول اللهﷺ- إلى ما يتحدثون من هذه " وفي صحيح مسلم نحوه.
(٣) ﷺ: ليست في (أ)، (ش).
(٤) في مواطن الحديث من الصحاح والسنن:" يريد بذلك.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب السمر في العلم، وفي مواقيت الصلاة، باب ذكر العشاء والعتمة وباب السمر في الفقه والخير بعد العشاء، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ: «لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض » حديث ٢١٧.
(٦) في كتاب الملاحم، باب قيام الساعة.
(٧) لم أجده في سنن النسائي ولعله في الكبرى.
(٨) في الفتن، باب ٦٤ بتحقيق إبراهيم عطوة ٤/ ٥٢٠. وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٨٨، ١٢١).
(٩) كلمة" حسن" ليست في جامع الترمذي. نشر المكتبة الإسلامية.
(١٠) قلت: والحديث مقيد بهذا التقييد بحمد الله فيكون أصرح الأحاديث. وأظن أن الطوفي لم يطلع على التقييد الذي زدته من صحيح مسلم، أو سها عنه.
[ ٢ / ٥١٤ ]
قال العلماء: وفائدة إخبارهم بذلك: أن يبادروا بالعمل ويغتنموا مدة المهل.
ولعمري إن هذا النصراني معذور في سوء فهمه لهذا الحديث، إذ كان بعض الصحابة وهم فيه. ثم العجب ممن يفهم من هذا الحديث غير ما ذكرناه مع أنه﵇- وعد بأشياء تكون عند اقتراب الساعة كالدجال ويأجوج ونحوها «١» من نفخ الصعق، والقواطع الدالة على بقاء العالم، لكن الوهم لم يسقط عن أحد. والله أعلم.
قال/: وفي كتاب" الطلاق" «٢» من البخاري «٣» عن سهل بن سعد الساعدي «٤» قال: قال رسول اللهﷺ- «٥»: «بعثت أنا
_________________
(١) أخرج مسلم في صحيحه (كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الآيات التي تكون قبل الساعة، حديث ٣٩، ٤٠) عن حذيفة بن أسيد الأنصاري﵁- قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. فقال: «وما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة. قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات». فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريمﷺ- ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
(٢) باب اللعان
(٣) من البخاري: مكررة في (أ).
(٤) أبو العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد الخزرجي الأنصاري، الساعدي من بني ساعدة الصحابي المعمر بقية أصحاب رسول الله ﷺ توفي أبوه﵄- في حياة النبي ﷺ وسهل له من الرواية في كتب الأحاديث ثمانية وثمانون ومائة حديث. وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة سنة إحدى وتسعين على الأشهر. [انظر الإصابة ٢/ ٨٨ ت ٣٥٣٣، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٤٢٢ - ٤٢٤].
(٥) ﷺ: ليست فى: (أ).
[ ٢ / ٥١٥ ]
والساعة كهاتين» مشيرا بالسبابة والوسطى «١». ومن باب قرب الساعة من البخاري ومسلم عن عائشة: أن رجالا من الأعراب كانوا يأتون النبيﷺ- «٢» فيسألونه عن الساعة فكان ينظر إلى أصغرهم/ فيقول: «إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم" «٣».
قلت: أما الحديث الأول فصحيح المعنى، إذ معناه أنه بعث قريبا من قيام الساعة، لكن البعد والقرب إضافيان، فقد يكون الشيء قريبا بالنسبة إلى أبعد منه، بعيدا بالنسبة إلى أقرب منه، والتفاوت بين الوسطى والسبابة نحو سبعها تقريبا، ومنذ بعث «٤» آدم إلى حينئذ نحو سبعة آلاف سنة- على خلاف في ذلك- «٥».
_________________
(١) في الموضع السابق من صحيح البخاري:" كهذه من هذه، أو كهاتين وقرن بين السبابة والوسطى". وقد أخرج الحديث أيضا في تفسير سورة النازعات، وفي كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين» بألفاظ متقاربة. وأخرجه مسلم في كتاب الفتن، باب قرب الساعة. بعدة ألفاظ، وفي كتاب الجمعة حديث ٤٣، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل، وفي كتاب الفتن، باب أشراط الساعة. والدارمي في كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وأحمد في مواضع من المسند منها (٤/ ٣٠٩).
(٢) ﷺ: ليست في (م)، (ش).
(٣) قال هشام أحد رواة الحديث:" يعني موتهم" والحديث في صحيح البخاري في كتاب الرقاق باب سكرات الموت، وفي كتاب الأدب، باب قول الرجل ويلك. بنحوه عن أنس. وفي صحيح مسلم عن عائشة في كتاب الفتن، باب قرب الساعة، حديث ١٣٦، وأخرجه أحمد في المسند في مواضع منها (٣/ ٢٢٨) عن أنس.
(٤) أي: خلق.
(٥) روي عن ابن عباس سبعة آلاف سنة، وعن وهب بن منبه ستة آلاف سنة. وقال الطبري: والصحيح من ذلك ما دل على صحته الخبر الذي رواه ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «أجلكم في أجل من كان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس» وقد أورد ابن حجر في الفتح أقوالا كثيرة في هذا الموضوع. وأخرج ابن الأثير في منال الطالب في شرح طوال الغرائب في-
[ ٢ / ٥١٦ ]
ومن عهد النبوة إلى الآن قريب من ألف سنة «١»، فهذا تقريب صحيح.
ووقت القدح في هذا الحديث لم يأت بعد. فإن تمادي العالم نحو ألف أو ألفي سنة أخرى قد يتجه «٢» للقادح أن يقدح أو نجيب نحن «٣» بجواب آخر. وأما الحديث فصحيح أيضا، والمراد بقيام ساعتهم فيه موتهم لأن من مات فقد قامت قيامته، لأنه يصير إلى أوائل أوقات القيامة، إذ" القبر أول منازل الآخرة" «٤». ثم هذا معارض بما في آخر الفصل الرابع والعشرين «٥» من إنجيل مرقس. والتاسع والعشرين «٦» من إنجيل لوقا: حيث يقول المسيح:" إن هاهنا قوما من القيام لا يموتون «٧» حتى يعاينوا ملكوت الله" «٨».
_________________
(١) - حديث ابن زمل الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: «فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا» قال ابن الأثير: هذا حديث حسن، شامي الإسناد، وقد أخرجه الأئمة في كتبهم " (انظر فتح الباري ١١/ ٣٥٠ - ٣٥٢، والكامل في التاريخ ١/ ١١، ومنال الطالب ص: ٢٤٩ - ٢٥٠).
(٢) المؤلف يقول هذا في سنة سبع وسبعمائة من الهجرة. فيكون التقريب نحو ثمانمائة سنة من عهد النبوة، وما قاله فيه مبالغة.
(٣) هكذا في النسخ الثلاث، ولعل الصواب:" قد لا يتجه" والله أعلم.
(٤) نحن: ليست في (أ).
(٥) هذا طرف من حديث الترمذي في كتاب الزهد، باب ٥، وابن ماجه في كتاب الزهد باب ذكر القبر والبلى، وقال الترمذي:" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن يوسف" قلت: وهو ثقة، وبقية السندين ثقات. والله أعلم.
(٦) في الثالث عشر في التراجم الحديثة.
(٧) في الواحد والعشرين من التراجم الحديثة.
(٨) في (م): فيموتون.
(٩) نص مرقس في التراجم الحديثة بعد أن أخبر عن أمر الساعة قال:" الحق أقول لكم لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله" اه. وفي لوقا:" فاعلموا أن ملكوت الله قريب، الحق أقول لكم إنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون الكل " اه.
[ ٢ / ٥١٧ ]
ومراده بملكوت الرب: القيامة، كما في سائر المواضع من الإنجيل ولا يصح حمل ملكوت الله هاهنا على الآيات والمعجزات، لأنهم كانوا قد عاينوها.
قال: وفي تفسير ابن عطية لسورة القمر، قال أنس: خطب رسول الله/ وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقى من هذا اليوم فيما مضى» «١» وقال: «إني لأرجو أن/ يؤخر الله أمتي نصف يوم» «٢».
قلت: هذا حديث له أصل في الرواية لكنا لا نحقق صحته كغيره، لكن قد «٣» رواه النسائي وابن ماجه «٤» والترمذي وحسنه، فلا يلزمنا الجواب عنه، بل
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة، عن أبي سعيد بلفظ نحو هذا اللفظ ثم قال:" وفي الباب عن حذيفة وأبي مريم، وأبي زيد بن أخطب، والمغيرة بن شعبة، وذكروا أن النبي ﷺ حدثهم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. وهذا حديث حسن صحيح" اهـ. وأخرجه ابن كثير في تفسير سورة القمر عن البزار. وقال ابن كثير: " مداره على خلف بن موسى بن خلف عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات" وقال:" ربما أخطأ" وقال الهيثمي عنه وعن أبيه:" وقد وثقا". قلت: وهذا سند غير سند الترمذي. وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٩) عن أبي سعيد بسند رجاله رجال الصحيح. [انظر مجمع الزوائد ١٠/ ٣١٤].
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب قيام الساعة، عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم» قيل لسعد وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمسمائة سنة. قال ابن حجر:" ورواته موثوقون إلا أن فيها انقطاعا" [فتح الباري ١١/ ٣٥١] وأخرجه أحمد في المسند (١/ ١٧٠) من طريق آخر عن سعد بنحو لفظ أبي داود. بسند موصول فيه أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم: ضعيف.
(٣) قد: ليست في (أ).
(٤) لم أجد الحديثين في غير المواضع السابقة من الكتب المشهورة. وقد جعلهما المؤلف عفا الله عنه حديثا واحدا، وهما حديثان.
[ ٢ / ٥١٨ ]
الأحاديث الثابتة في الرواية كأحاديث البخاري ومسلم لا يلزمنا الجواب عنها في هذا المقام، لأنها آحاد، والآحاد غايتها أن تثبت بها أحكام الفروع لا أن تورد نقضا على أصول/ الشرائع «١». ولهذا قال أكثر طوائف المسلمين:" لا تثبت بأخبار الآحاد صفة لله، لأن مسائل الأصول القطعية لا تثبت إلا بقاطع" «٢» وإنما نحن تبرعنا بالجواب عن تفاصيل هذه الأحاديث تبرعا.
وهذه قاعدة نافعة في هذا الباب- وقد سبقت في أول الكتاب- ثم إن «٣» تبرعنا بالجواب عن هذا كما تبرعنا به عن غيره «٤». فمعنى قوله:" ما بقي من الدنيا فيما مضى إلا كمثل ما بقي «٥» من هذا اليوم فيما مضى" هو قريب من قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين».
والمعنى الجامع بين الحديثين تقليل «٦» ما بقي من الدنيا بالإضافة إلى ما مضى منها، وهذا صحيح، فإنه﵇- أخبر بجملة من أشراط الساعة وقد ظهر
_________________
(١) سبق الكلام عن حجية حديث الآحاد والرد على من أنكر ذلك ورد قول الطوفي في هذه المسألة ص: ١٤٧ - ١٥٣. وليس له حاجة هنا إلى ما ذهب إليه في خبر الآحاد، وهو في العمل به على غير ما قاله. بل يستند أحيانا إلى حديث ضعيف ويدافع عنه. كما في قصة الغرانيق وغيرها.
(٢) القائلون بذلك هم: الجهمية والمعتزلة والشيعة، وبعض الطوائف التي لا يعتد بقولها. وإلا فإن جمهور المسلمين: إذا صح الحديث تلقوه بالقبول، وإن كان آحادا، ويثبتون به صفات الله تعالى وأسماءه وليس المخالفون لهم بأكثر طوائف المسلمين إلا في بعض العصور التي كثرت فيها الفتن وترأس فيه أهل البدع والضلال، كما حدث في عصر الطوفي. ثم إن الأمر لا يلزمه هذه التنازلات للنصراني، والله الموفق.
(٣) هكذا في النسخ الثلاث. والأصح:" إنا تبرعنا".
(٤) لا نوافق الطوفي ومن وافقه من الأصوليين على هذه القاعدة كما تقدم في الدراسة.
(٥) ما بقي: سقطت من: (أ).
(٦) في (أ): بقليل.
[ ٢ / ٥١٩ ]
كثير منها، فما عادت تتأخر، ولو عاش هذا الخصم لأبصر.
وأما قوله: «إني «١» لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» فالمراد باليوم من أيام الآخرة «٢» وهو ألف سنة لقوله تعالى: وإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) «٣» ولا شك أن علم وقت الساعة من كنوز الغيب الذي استبد «٤» الله بعلمه لقوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (٣٤) «٥» وقوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ (١٨٧) «٦».
فالنبي- صلى/ الله عليه وسلم- ما كان يعلم عين وقت الساعة، لأنا لم نعتقده إلها، كما اعتقدتم إلهية المسيح، بل هو رسول كريم يعلم ما أعلمه «٧» الله سبحانه كما قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (٢٧) «٨» فكان يعلم أمارات الساعة وقد أخبر بها ووقع بعضها ونحن ننتظر الباقي لا عين وقتها، ولذلك قال: «اني لأرجو أن يؤخر الله أمتي نصف يوم» يعني خمسمائة «٩»، وها قد أعطاه الله رجاءه وزيادة فهذا اليوم سبعمائة سنة وسبع سنين". وفي الزمان تراخي.
_________________
(١) في (م): واني.
(٢) هذا مروي عن عكرمة، وقال ابن عباس ومجاهد: يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه الطبري في تاريخه والسهيلي بسند ضعيف وللعلماء في ذلك أقوال ليس عليها أدلة. [انظر فتح الباري ١١/ ٣٥١، وتفسير القرطبي ١٢/ ٧٨].
(٣) سورة الحج، آية: ٤٧.
(٤) الاستبداد بالشيء: الانفراد به، والاختصاص. [انظر منال الطالب ص ٤٠٢، ومختار الصحاح ص ٤٣].
(٥) سورة لقمان، آية: ٣٤.
(٦) سورة الأعراف، آية: ١٨٧.
(٧) في (أ):" ما علمه" بدون همزة.
(٨) سورة الجن، آية: ٢٦ - ٢٧.
(٩) أي خمسمائة سنة.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
[منافع الحبة السوداء]
قال: وفي كتاب الطب من البخاري «١» عن عائشة قالت: سمعت النبي يقول: «إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام» «٢».
قلت: هذا الحديث صحيح متفق عليه «٣»، وفي لفظ البخاري عن ابن أبي عتيق «٤» قال: (عليكم بهذه الحبة السوداء، خذوا «٥» منها خمسا أو سبعا فاسحقوها ثم اقطروها في أنفه- يعني المريض- بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب «٦» فإن عائشة حدثتني أنها سمعت النبي ﷺ يقول: الحديث «٧».
_________________
(١) باب الحبة السوداء: عن عائشة وعن أبي هريرة﵄-.
(٢) وتكملته:" قلت: وما السام؟ قال: الموت" وفي الرواية الأخرى عن أبي هريرة:" قال ابن شهاب: والسام الموت، والحبة السوداء الشونيز".
(٣) أخرجه البخاري في الموضع السابق، ومسلم في كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء حديث ٨٨، عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الحبة السوداء عنه، وابن ماجه في الطب، باب الحبة السوداء، وأحمد في المسند بعدة روايات في مواضع منها (٢/ ٢٤١، ٢٦١، ٢٦٨).
(٤) هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، المعروف بابن أبي عتيق، ويكنى بأبي بكر روى عن عمة أبيه عائشة﵄- وعن ابن عمر. اشتهر بالمزاح، وقيل: إنه معدود في الصحابة لأنه ولد في عهد النبي ﷺ وأبوه وجده وجد أبيه صحابة مشهورون. [انظر تهذيب التهذيب ٦/ ١١، وفتح الباري ١٠/ ١٤٤].
(٥) في صحيح البخاري: فخذوا.
(٦) وفي هذا الجانب: سقطت من (أ).
(٧) وهذا أيضا في لفظ ابن ماجه في المواضع السابقة.
[ ٢ / ٥٢١ ]
وعن قتادة قال: حدثت/ أن أبا هريرة قال:" الشونيز «١» دواء من كل داء إلا السام" قال قتادة: يأخذ كل يوم إحدى وعشرين حبة، فيجعلهن في خرقة، فلينقعه، فليستعط به كل يوم في منخره الأيمن قطرتين، وفي الأيسر قطرة، والثاني: في الأيسر قطرتين وفي الأيمن قطرة./ والثالث: في الأيمن قطرتين وفي الأيسر قطرة «٢».
قلت: فالظاهر أن هذا عن توقيف فلا ينبغي أن يقدح في هذا الخبر حتى يجرب على هذه الصفة، فإن صح فقد حصل المقصود، وإلا أمكن الجواب من وجوه:
أحدها: أن أثر الشيء/ قد يتخلف لمانع، فربما تخلف أثر الشونيز لعدم خلوص نية المستشفي به في تلقي خبر الشارع «٣»، ولا شك أن الشارع لم يبعث طبائعيا «٤» ولا طبيبا، وإنما يصف ما يصف من هذا على جهة التبرك باختياره فيصير كالأدعية التي أمر بها، وقد صح عنه أنه قال:" إذا دعوتم «٥» الله فادعوه وأنتم
_________________
(١) الشونيز: لفظ فارسي. وهو الحبة السوداء، وهي الكمون الأسود، وتسمى الكمون الهندي. وقيل فيها غير ذلك. والصحيح ما ذكر. [انظر زاد المعاد ٤/ ٢٩٧، وفتح الباري ١٠/ ١٤٥].
(٢) لم أهتد إلى موضع قول قتادة هذا، رغم البحث عنه.
(٣) يمكن استشفاء الكافر به، ويشفى بإذن الله الذي وسعت رحمته كل شيء كما في قصة اللديغ، ولكن مقصود الطوفي على جهة التبرك كما اتضح من كلامه بعد هذه العبارة.
(٤) أي: لم يكن ذلك طبيعة أو سجية له، ولم تكن صنعته، ولا تعلمها. [انظر لسان العرب ٨/ ٢٣٢].
(٥) في (ش)، (أ): دعيتم.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
موقنون بالإجابة، فإن الله لا يسمع دعاء من قلب غافل لاه" «١» أو لغير ذلك من الموانع.
الثاني: حمل الخبر على التقييد بما إذا كان المعالج به النبي ﷺ كرامة له وإعجازا.
الثالث: تقييده بما إذا ركب مع أدوية خاصة «٢» تركيبا خاصا أو في زمن خاص أو في مزاج خاص. وليس هذا بأول لفظ قيد من ألفاظ الأنبياء، فإن الاطلاقات في كلامهم كثيرة والعلماء يقيدونها. ثم ماذا ينكر من الخبر. وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة؟.
قال ابن جزلة «٣» في المنهاج «٤»:
_________________
(١) في النسخ الثلاث: لا هي. والحديث. أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب ٦٦، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» قال أبو عيسى:" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، سمعت عباسا العنبري يقول: اكتبوا عن عبد الله بن معاوية الجمحي فإنه ثقة" اهـ. قلت: وثقه ابن حجر في التقريب. ولكن ضعف شيخه" صالح المري". وأخرج أحمد في المسند (٢/ ١٧٧) عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: «القلوب أوعية بعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله ﷿ أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل». ويقول المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٢٩٤): " إسناده حسن" ويقول الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥١):" رواه أحمد وإسناده حسن" اهـ.
(٢) في: (أ) " أدوية خاصا تركيبا خاصا".
(٣) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٨٢.
(٤) حسب ما في الأعلام للزركلي (٨/ ٦١) أن الكتاب ما يزال مخطوطا.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
«الشونيز حار يابس في الثالثة مقطع للبلغم، جلّاء، محلل للرياح والنفخ ويقطع الثئاليل «١» والخيلان «٢» والبهق «٣» والبرص «٤» والجرب «٥»، وينفع من الزكام البارد، وخصوصا مقلوا مجموعا على «٦» خرقة كتان ويطلى به جبهة من به صداع بارد ويفتح السدد، والسعوط به ينفع ابتداء الماء، وشربه ينفع من انتصاب النفس «٧» ويقتل الديدان، ولو طلي على السرة، وبذر الحيض، والماء والعسل للحصاة، ويحل الحميات البلغمية والسوداوية، ودخانه يطرد «٨» الهوام، وهو ينفع من لسع الرتيلا «٩»، وقدر ما يؤخذ منه إلى درهم «١٠» ".
_________________
(١) الثآليل: جمع ثؤلول، وهو داء يشبه الجنون. وقيل داء يأخذ الغنم كالجنوب يلتوي منه عنقها أو ما نبت في الجلد من المشاهد الآن [المصباح المنير ١/ ١٠٨ ولسان العرب ١١/ ٩٥].
(٢) الخيلان: جمع خال، وهي الشامة في الجسد. [منال الطالب ص ٣٥٢].
(٣) البهق: بياض في الجسم مخالف للونه. دون البرص. [المصباح المنير ١/ ٨٠، ولسان العرب ١٠/ ٢٩].
(٤) البرص: داء معروف نسأل الله العافية منه، وهو بياض يقع في الجسد. [لسان العرب ٧/ ٥، وانظر مختار الصحاح ص ٤٨].
(٥) الجرب: خلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالطة البلغم الملحم للدم يكون معه بثور على جلد الإنسان والإبل والماعز من الغنم وربما حصل معه هزال لكثرته. [انظر المصباح المنير ١/ ١١٦، ولسان العرب ١/ ٢٥٩].
(٦) في (م):" في خرقة كتان".
(٧) انتصاب: من نصب: أي تعب. [انظر مختار الصحاح ص ٦٦١، والمشوف المعلم ٢/ ٧٧٢] وفي زاد المعاد (٤/ ٢٩٨): أن شربه ينفع من ضيق النفس. فيكون المعنى مقارب.
(٨) في (أ): مطرد.
(٩) الرتيلا: عدها الجاحظ في الحيوان (٢/ ٢٣٧، ٤/ ٢٢٦) من العناكب التي لها سموم في خراطيمها وفيها ما يقتل.
(١٠) ذكر هذا وأكثر منه الإمام ابن القيم في زاد المعاد ٤/ ٢٩٦ - ٣٠٠.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وذكر غيره له غير ذلك من المنافع. ثم إنه إذا كان حارا يابسا في الثالثة فاتجاه مضمون الحديث منه معقول. وذلك لأنه متمكن في طبع الحياة/ وهو الحرارة. فهذا أصل يبنى عليه، ثم المرض ينقسم بانقسام العناصر/ الأربعة في كيفياته، وهي معروفة.
وتقرر أن العلاج قمع الشيء بضده، فإن كان المرض باردا رطبا، فالشونيز مضاد له فيصلح دواء له. وإن كان باردا يابسا فقد تضادا في الحرارة واشتراكهما في اليبوسة يعدل بالمرطبات، وكذلك إن كان المرض حارا رطبا أو يابسا تضادا في الحرارة. وما اشتركا فيه يعدل على ما شرحته الصناعة.
وبهذا التقرير يصح «١» أن فيه دواء من كل داء.
بقي أن يقال: فعلى هذا تبطل فائدة التخصيص بالشونيز، لأن هذا متجه في كل حار يابس أو رطب فيقال: يجوز أنه خصه بالذكر لما اختص به من خواص لا يشارك فيها، أو أنه كان «٢» أعم وجودا عندهم أو أن هذا مفهوم لقب «٣» فلا يكون حجة على انتفاء الحكم في غيره «٤».
_________________
(١) في (ش): نص.
(٢) في (م):" أو إذا كان ".
(٣) مكان:" مفهوم لقب" بياض في (م).
(٤) لو كان قوله: «مفهوم لقب فلا يكون حجة على انتفاء الحكم في غيره» بياض في (ش). ولو اقتصر المؤلف في هذا على أنه قد يكون هناك أشياء لم يهتد الناس إليها حتى الآن لكان أولى. والله أعلم.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
(الشرط الثاني الطهارة)
[طهارة محمدﷺ- وعلو همته]
قال:" وإذ قد فرغنا من امتحان الشرط الأول وهو الصدق. وحصلنا من «١» ذلك على ما اتضح «٢» وظهر. فلندخل إلى امتحان الشرط الثاني وهو: الطهارة فنتأمل ما صح عنه من ذلك".
قلت:" قوله: وحصلنا من ذلك على ما اتضح وظهر" يوهم أنه/ حصل على مطلوب. ولم يحصل مع «٣» ما أجبنا به على شيء فليجمع خاطره «٤».
قال:" فمن ذلك حديث البخاري عن أنس قال: كان النبي يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة «٥» قيل له «٦»: وكان يطيقه؟ قال: كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين «٧» ".
_________________
(١) في (ش): في.
(٢) في (أ): يصح.
(٣) مع: سقطت من (أ).
(٤) أي يجعل الأمر في نفسه ولا ينشره لأنه ليس بشيء. قال ابن منظور:" يقال: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا". [انظر لسان العرب ٨/ ٥٧].
(٥) في بعض الروايات عند البخاري:" وهن يومئذ تسع نسوة".
(٦) في صحيح البخاري: قال قلت لأنس: وكان يطيقه؟.
(٧) أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد. ومن دار على نسائه وطرف منه في باب الجنب يخرج ويمشي في السوق من نفس الكتاب. وفي كتاب النكاح باب كثرة النساء، وباب من طاف على نسائه في غسل واحد، وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٣٩) بلفظ: (كان النبي ﷺ يطوف على تسع نسوة في ضحوه".
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ثم ساق أحاديث عشرة النبي﵇- لنسائه واستمتاعه بهن، نحو ماروت عائشة:" أن رسول اللهﷺ- «١» كان يقبلها/ وهو صائم ويمص لسانها «٢» "، وقولها:" خالط ريقي ريقه في آخر أيام الدنيا" «٣»،" وكان يأمرني وأنا حائض فأتزر ويباشرني «٤» " وقصة تزوجه زينب «٥». وقوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها (٣٧) «٦».
_________________
(١) ﷺ: ليست في (أ)، (ش).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في كتاب الصوم، باب الصائم يبلع الريق، وقال ابن الأعرابي في هذا الموضع من سنن أبي داود:" بلغني عن أبي داود أنه قال: هذا الإسناد ليس بصحيح" اهـ. وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٢٣، ٢٣٤) والتقى في إسناديه مع أبي داود في محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع عن عائشة. قلت: وتقبيله ﷺ لنسائه- وهو صائم- صحيح ورد في أحاديث صحيحة غير هذا. أما قوله:" ويمص لسانها" فيقول ابن القيم ﵀:" وقال عبد الحق: لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس، ولا يحتج بهما" اهـ. وبنحوه هذا قال الخطابي. [انظر مختصر سنن أبي داود، ومعالم السنن، وتهذيبه لابن القيم ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤].
(٣) هذا طرف من حديث أخرجه البخاري بألفاظ ومن طرق في كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، وفي كتاب النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه في أن يمرض في بيت بعضهن
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الحيض، باب مباشرة الحائض، ومسلم بمعناه في أول كتاب الحيض، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في مباشرة الحائض، والدارمي في كتاب الوضوء، باب مباشرة الحائض.
(٥) زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وأمها أميمة عمة النبي ﷺ تزوجها سنة ثلاث وقيل: خمس من الهجرة، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها وكانت تفخر بذلك وبأنها ابنة عمته. توفيت سنة عشرين من الهجرة﵂-[انظر الإصابة كتاب النساء (ت: ٤٧٠)].
(٦) سورة الأحزاب، آية: ٣٧.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
وقول عائشة حين نزلت: تُرْجِي «١» مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ «٢» ما أرى ربك إلا يسارع في هواك «٣». وما ذكره المسلمون من أن من «٤» خصائصه أنه كان إذا وقع بصره على امرأة ورغب فيها وجب على الزوج طلاقها، وأنه لما رأى زينب حاسرة قال: (سبحان مقلب القلوب) «٥» وأن
_________________
(١) ترجي: تؤخر. ومعنى الآية:" ترجى من تشاء من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القسم لهن فتقدم من شئت وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت وتترك من شئت". [انظر تفسير ابن كثير ٣/ ٥٠١].
(٢) سورة الأحزاب، آية: ٥١.
(٣) أخرج البخاري في تفسير سورة الأحزاب عن عائشة﵂- قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل الله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ قلت:" ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" وأخرجه أيضا في كتاب النكاح، باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد؟ ومسلم في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها، حديث ٤٩، ٥٠، ٥١، والنسائي في أول النكاح، وابن ماجه في كتاب النكاح، باب التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وأحمد في المسند (٦/ ١٣٤، ١٥٨، ٢٦١).
(٤) في (م): من أن خصائصه.
(٥) هذه القصة أوردها ابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/ ١٠١) مرسلة من طريق محمد بن عمر بن يحيى بن حبان: وهي قصة طويلة لا يتسع المقام لسردها كاملة، غير أنها باطلة لعدة أمور منها:
(٦) أنها مرسلة. ٢ - أن في سندها محمد بن عمر الواقدي متروك الحديث، ويقلبه. وفيه أيضا عبد الله بن عامر الأسلمي ضعيف ومتروك الحديث، وكان يقلب الأسانيد والمتون ويرفع المراسيل. [انظر مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي ﷺ بزينب بنت جحش، للدكتور زاهر الألمعي ص ١٩] ولابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣ - ١٤) روايات في زواجه ﷺ بزينب كلها موقوفة على بعض التابعين وفيها ضعف.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
صفية «١» صارت لدحية «٢» فوصفت لرسول اللهﷺ- «٣» فبعث إلى دحية فأعطاه ما أراد ثم أخذها فقال لأم «٤» أنس «٥»:" أصلحيها" «٦».
_________________
(١) صفية بنت حيي بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة من بني النضير من سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉، صارت من السبي اليهودي يوم خيبر فأخذها دحية ثم استعادها النبي ﷺ فأعتقها وتزوجها وحسن إسلامها وكانت من أجمل نسائه ﷺ عاقلة حليمة فاضلة، توفيت﵂- سنة اثنتين وخمسين من الهجرة. [انظر الإصابة، كتاب النساء (ت ٦٥٠)].
(٢) دحية بن خليفة بن فروة الكلبي من كلب في قضاعة، وهو من كبار الصحابة، وهو الذي بعثه النبي ﷺ إلى قيصر في الهدنة سنة ست، فآمن به قيصر وأبت بطارقته فأخبر دحية النبي ﷺ فقال: ثبت الله ملكه " كان جبريل﵇- يأتي النبي﵇- في صورة دحية وكان جميلا. توفي في زمن معاوية﵄. [انظر سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٥٠ - ٥٥٦، والاستيعاب ٢/ ٤٦١].
(٣) ﷺ: ليست في (م)، (ش).
(٤) هي أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد الأنصارية، اختلف في اسمها فقيل: سهلة. وقيل: رملة. وقيل غير ذلك. وهي من السابقين للإسلام، عرضت الإسلام على زوجها فغضب عليها وخرج الشام فهلك هناك ثم تزوجها أبو طلحة﵄- وكان صداقها منه أن أسلم. [انظر الاستيعاب ٤/ ١٩٤٠، والإصابة كتاب النساء (ت ١٣٢١)].
(٥) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد الأنصاري خادم رسول الله ﷺ شهد بدرا وهو لم يبلغ، وخدم الرسول ﷺ عشر سنين، فكان من المكثرين لرواية الحديث دعا له الرسول ﷺ بكثرة المال والولد ودخول الجنة، واستعمله أبو بكر وعمر وعلي على عمالة البحرين، ثم استقر بالبصرة حتى توفي بها سنة ثلاث وتسعين للهجرة، وعمره أكثر من مائة سنة. [انظر البداية والنهاية ٩/ ٨٨ - ٩٢، والإصابة ت ٢٧٧].
(٦) روي هذا الحديث بألفاظ متعددة. وقد أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ، وفي مواضع أخرى من صحيحه، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب فضيلة اعتاقه-
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وذكر السبب في قوله تعالى: لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ (١) «١» وأشباه هذا. ولم يذكر في هذا الشرط تشنيعا بناء على ما قدم في أول الكتاب من كلام موسى بن عبيد الله وغيره: أن حاسة/ النكاح عار فهذه مقدمة. ثم أثبت هنا أن محمدا كان مولعا بحاسة النكاح فانتظم له الدليل «٢» فصار في التقدير تقريره هكذا «٣»:
محمد كان مولعا بحاسة النكاح، وحاسة النكاح عار، فمحمد كان مولعا بالعار ومن كان مولعا بالعار لا يكون طاهرا. والنبي من شرطه أن يكون طاهرا، فمحمد ليس بطاهر فلا يصلح أن يكون نبيا.
والجواب عن هذا قد سبق أول الكتاب تاما كاملا «٤»، لكن نبين هنا وجه بطلان شبهته، وذلك بمنع أن حاسة النكاح عار، بل هو من أحسن الأفعال، وجيد القرب، لأن فيه مصلحتين عظيمتين:/
إحداهما: وجودية، وهي إقامة النوع الإنساني بتكثير العباد والعبادة «٥».
والثانية: عدمية، وهي إعدام الزنا بالاكتفاء بالحلال، ولهذا قال النبي ﷺ
_________________
(١) - أمة ثم يتزوجها، حديث ٨٨، وله عنده عدة روايات. وأخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة باب ما جاء في سهم الصفي، والنسائي في النكاح، باب البناء في السفر، وأحمد في المسند (٣/ ١٠٢).
(٢) أول سورة التحريم.
(٣) على زعم النصراني.
(٤) في (أ): هكذى.
(٥) انظر ص: ٢٦٥ - ٢٨٥ من هذا الكتاب.
(٦) في (ش)، (أ):" والعباد"، قلت: والتعبير الأدق:" العباد العباد".
[ ٢ / ٥٣٠ ]
لأصحابه: «في فعل كذا صدقة، وفي كذا صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ثم يثاب؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يعاقب؟» قالوا: نعم. قال: (فكذلك) «١».
ثم يقال: إن كان هذا عارا فالأنبياء المتقدمون أولى به، فقد كان لسليمان ألف من بين زوجة وسرية وطاف في ليلة واحدة على سبعين امرأة «٢» " وكانت له
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف عن أبى ذر﵁- أن أناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم. ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة. وكل تهليلة صدقة. وأمر بالمعروف صدقة. ونهي عن المنكر صدقة. وفي بضع أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر). وأخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٨).
(٢) أخرج البخاري في كتاب النكاح، باب قول الرجل لأطوفن الليلة على نسائي عن أبي هريرة قال: قال: سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، تلد كل واحدة غلاما يقاتل في سبيل الله. فقال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل فنسي، فأطاف بهن، ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان. قال النبي ﷺ لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته" وأخرجه في مواضع أخرى في بعضها" على تسعين امرأة" وفي بعضها:" كان له ستون امرأة " وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الاستثناء، حديث ٢٢، ٢٣، ٢٤، ٢٥. وفي بعضها" على سبعين" وفي بعضها:" على تسعين" وفي أخرى:" كان لسليمان ستون امرأة " وأخرجه الترمذي في كتاب النذور، والإيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين، والنسائي في-
[ ٢ / ٥٣١ ]
امرأة يحبها فعبدت صورة ابنها في داره بغير علمه، فعاقبه الله عن ذلك بأن نزع عنه الملك أربعين يوما «١» ".
وكان لداود تسع وتسعون امرأة ثم صعد يوما السطح فرأى امرأة أوريا بن حنان «٢» تغتسل، وكان من فرسانه وقواده فأرسل فشدد عليه في الجهاد حتى قتل ثم تزوج امرأته فكانت هي أم سليمان، وكانت تلك خطيئة «٣». ومحمد﵇- إنما أخذ امرأة من زوجها باختياره بإذن الله «٤».
_________________
(١) - الأيمان والنذور، باب إذا حلف فقال له رجل إن شاء الله هل له استثناء؟. وفي باب الاستثناء. وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٩، ٢٧٥، ٥٠٦) ومدار الاختلاف في العدد على ما في البخاري ومسلم. ولم يرد ألف. أو أكثر من مائة.
(٢) هذه حكاية من الإسرائيليات التي أوردها بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى في سورة ص الآية ٣٤:" ولَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ عن وهب بن منبه، وكعب الأحبار، وغيرهما. ومنها: ما ذكره القرطبي عند تفسير هذه الآية: أن سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون أعجب بها فعرض عليها الإسلام فأبت فتزوجها وهي مشركة فكانت تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية من سليمان إلى أن أسلمت فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما.
(٣) من التراجم الحديثة: أوريا الحثّي.
(٤) هذه القصة مذكورة في الأصحاح الحادي عشر من سفر صموئيل الثاني من التراجم الحديثة.
(٥) عبارة المؤلف توحي بأنه يميل إلى رأي ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٢) عند ما أورد الروايات المرسلة، والموقوفة على بعض التابعين، وأن النبي ﷺ دخل على زينب فأعجبته-
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وفي التوراة أن" أبيمالخ" أشرف يوما على" إسحاق"/ وهو يلاعب امرأته" رفقا" «١» وأن لوطا" أسكرته ابنتاه حتى أحبلهما «٢». وأن" روبيل" ابن يعقوب وطئ سرية أبيه ونجس فراشه «٣»، وأن" يهوذا ابن يعقوب" زنا بكنته على الطريق ورهنها عمامته وخاتمه وقضيبه على جدي يعطيها إياه «٤».
فأي العارين أشد؟ من ينكح النساء حلالا أم من ينكحهن زنا؟.
على أننا لا نصدق هذا في الأنبياء، بل هو عندنا محرف مبدل، لكنه لازم/ لكم لأنه في التوراة، وأنتم تحتجون علينا بها.
ثم إنا نقول لهذا النصراني: إن أول من نكح النساء" آدم" ثم تتابع بنوه في النكاح، الأنبياء والأولياء والصالحون والطالحون. فكيف يكون هذا/ عارا في حق بعضهم دون بعض؟ وهل هذا إلا عناد؟.
ولأجل هذا السؤال الفاسد أنزل الله على نبيه﵇-: ولَقَدْ أَرْسَلْنا
_________________
(١) - فعلم ذلك زيد فطلقها، وتزوجها النبي ﷺ وهذا غير صحيح وإنما أعلم الله سبحانه محمد ﷺ بأن زيد سيطلق زينب ويزوجه الله بها، فأخفى ذلك فعاتبه الله عليه، وقد تحقق ما أخبر الله به رسوله فوقع خلاف بين زيد وزينب كان نتيجته الطلاق وبعد ذلك حقق الله ما كان قد أوحى به إلى رسوله محمد ﷺ فزوجه زينب. والله أعلم.
(٢) انظر سفر التكوين الأصحاح السادس والعشرين.
(٣) انظر سفر التكوين الأصحاح التاسع عشر.
(٤) انظر سفر التكوين الأصحاح الخامس والثلاثين.
(٥) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والثلاثين.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وذُرِّيَّةً (٣٨) «١».
ولعلك حيث إن المسيح لم ينكح النساء تلزم العار جميع الأنبياء. وذلك لا يلزم، فإن المسيح- على رأيك- كان هو الله، أو ابن الله، فلا يجوز عليه النكاح.
وعلى رأينا: أن «٢» ذلك كان منه زهدا وعزوفا عن الدنيا، ولو تزوج وأولد لكان أكمل له، وعلى رأي بعض الناس: إنه كان حصورا كيحيى بن زكريا، لا يقدر على إتيان النساء «٣». وعلى رأي آخرين أن ذلك كان آية كما كان «٤» وجوده لا من بشر آية. فإلزامك على طريق المسيح ما يعود بالقدح على النوع الإنساني على الإطلاق لا يجوز ولا يسمع.
_________________
(١) سورة الرعد: ٣٨. يقول القرطبي عند تفسير هذه الآية (٩/ ٣٢٧). " قيل: إن اليهود عابوا على النبي ﷺ الأزواج، وعيرته بذلك وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء والنكاح، ولو كان نبيا لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله هذه الآية وذكرهم أمر داود وسليمان" اهـ. [انظر أيضا أسباب النزول للواحدي ص ٢٠٧].
(٢) «أن»: ليست في (ش).
(٣) الحصور: أصله من الحصر، وهو الحبس. والحصور الذي لا يأتي النساء كأنه محجم عنهن، ويحيى ﵇ كان حصورا، بمعنى يحصر نفسه عن الشهوات: أي لا يأتيها كأنه حصور عنها، وهذا ما يليق بمقام الأنبياء ﵈. [انظر تفسير القرطبي ٤/ ٧٧ - ٧٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٦١].
(٤) «آية كما كان»: ليست في (ش).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
(الشرط الثالث الإعجاز)
[معجزات محمدﷺ- وموقف النصراني منها]
قال:" الشرط الثالث" الإعجاز ولم يأت محمد بمعجز، ولا خارق من خوارق العادة.
قال: والدليل على ذلك: ما جاء في كتاب «١» السير أن أشراف قريش اجتمعوا عند الكعبة. فقالوا: يا محمد ما أدخل أحد على قومه ما أدخلت علينا لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسببت الآلهة فإن كنت تريد السيادة سودناك، أو المال أغنيناك أو كان بك جنون بذلنا أموالنا وأبرأناك. فقال:" لا شيء من ذلك كله، بل الله أرسلني إليكم بشيرا ونذيرا" قالوا: فإن كنت غير قابل/ ما عرضناه عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا منا، ولا أشد عيشا، فسل ربك- إن كنت نبيا- فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليخرق فيها «٢» أنهارا، كأنهار الشام والعراق «٣»، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن في من مضى منهم «٤»
_________________
(١) هكذا في النسخ الثلاث والصحيح: كتب.
(٢) في (م): منها.
(٣) العراق: البلد المشهور ما بين حديثة الموصل إلى عبّادان طولا، وما بين عذيب القادسية إلى حلوان عرضا، وسميت بذلك لأن اسمها بالفارسية إيران فعربتها العرب وقالوا: عراق. لاستواء أرضها وخلوها من الجبال وقيل غير ذلك. [انظر مراصد الاطلاع ٢/ ٩٢٦].
(٤) منهم: ليست في (م).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
" قصي بن كلاب" «١» فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا لك منزلتك من الله. وأنك رسوله.
فقال لهم:" ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من الله بالذي «٢» بعثني به" قالوا: فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك فيما تقول، ويراجعنا «٣» عنك، وسله فليجعل لك خياما وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي بالأسواق وتلتمس المعايش «٤» كما نلتمسها.
قال:" ما أنا بفاعل. ولا أسأل ربي هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا".
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا. وقالوا كثيرا حتى انتهى مقالهم إلى أن قالوا:/ أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك عنه فعلمك بما تراجعنا به «٥»،
_________________
(١) قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي: سيد قريش في عصره ورئيسهم ويقال: بأنه أول من كان له ملك من بني كنانة. وهو الأب الخامس في نسب النبي ﷺ، مات أبوه وهو طفل فتزوجت أمه رجلا من بني عذرة، انتقل بها إلى أطراف الشام فشب في حجره، وسمى قصيا لبعده عن قومه. ويرى المؤرخون بأن اسمه: زيد أو يزيد، ولما كبر عاد إلى بلده. وقد عرف بالدهاء. هدم الكعبة وجدد بناءها. وكانت له الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء. لا ينازع ولا يفخر عليه فاخر. مات بمكة ودفن بالحجون. [انظر الأعلام ٥/ ١٩٨ - ١٩٩، طبقات ابن سعد ١/ ٦٦ - ٧٣].
(٢) في (أ): الذي.
(٣) في (أ): وتراجعنا.
(٤) في (ش): المعاش.
(٥) «به»: ليست في (ش)، وعبارة (أ): أنا سنسألك عنه فيعلمك بما تراجعنا ".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
ويخبرك بما هو صانع بنا «١»، إذ لم نقبل منك/ ما جئتنا به «٢».
قد بلغنا: أنه إنما يعلمك بهذا رجل باليمامة «٣» يقال له: الرحمن «٤» وإنا- والله- لا نؤمن بالرحمن أبدا.
ثم انصرف محمد حزينا إلى أهله «٥».
قال:" أفلا ترى كيف سألوه عن جملة معجزات، فلم يأت بواحدة، فظهر أنه إنما كان يعلمه القرآن: الرحمن الذي ذكروه، لا غير".
_________________
(١) " بنا" سقطت من (أ)، (ش).
(٢) في (أ):" ما جبيتنا له .. ".
(٣) اليمامة: بلد كبير في نجد فيه قرى وحصون وعيون ونخل، كان اسمها أولا: جوا، [مراصد الاطلاع ٣/ ١٤٨٣]، قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ٢٠١) " مدينة من اليمن على مرحلتين من الطائف وأربع من مكة سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الركب من مسيرة ثلاثة أيام، يقال: أبصر من زرقاء اليمامة فسميت اليمامة لكثرة ما أضيف إليها والنسبة إليها يمامي" اهـ. والصحيح أنها في نجد وليست في اليمن كما سيأتي في التعليق التالي لهذا.
(٤) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي- من بني حنيفة- الوائلي المتنبّئ الكذاب من المعمرين، اشتهر بالكذب فصار في الأمثال:" أكذب من مسيلمة" ولد ونشأ باليمامة المسماة اليوم بالجبيلة بقرب العيينة بوادي حنيفة في نجد. وتلقب في الجاهلية بالرحمن وعرف برحمن اليمامة، قدم قومه إلى مكة فأسلموا ولم يسلم وكتب للنبي ﷺ أنه أشركه معه في الرسالة، فرد عليه النبي ﷺ بكتابه المشهور. ظهرت فتنته في عهد النبي ﷺ ولم يقض عليها إلا في خلافة أبي بكر بقيادة خالد بن الوليد، فقتل مسيلمة، وذلك في سنة ثنتي عشرة من الهجرة. [الكامل في التاريخ ٢/ ٢٠٣، ٢٠٤، ٢٤٣، والأعلام ٧/ ٢٢٦].
(٥) ذكر القصة كاملة ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ١٦٤ - ١٦٦) والقرطبي في تفسيره (١٠/ ٣٢٨ - ٣٢٩) وابن كثير في تفسيره (٣/ ٦٣ - ٦٤)، وابن هشام في السيرة (١/ ٢٩٧)، وذكر السهيلي أن ابن إسحاق ذكر هذه القصة [انظر الروض الأنف ٢/ ٥٠].
[ ٢ / ٥٣٧ ]
قلت:/ أما قوله: إن محمدا لم يأت بمعجز فسنذكر من معجزاته ما يكتفي ببعضه العاقل، وأما ما ذكر من أنه لم يجب قريشا إلى ما سألوه من المعجزات فجوابه من أربعة أوجه:
أحدها: أنه علم أنهم معاندون، وأنه لو أتاهم بذلك لم يؤمنوا «١» ..
والدليل على ذلك في كلامهم. فإنهم قالوا له: أزل عنا هذه الجبال، وخرق لنا الأنهار في أرضنا، وأوسعها «٢» علينا، وابعث لنا آباءنا مع" قصي «٣» " فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك.
فعلقوا تصديقهم له على شريطين: إزالة الجبال ونحوها، وتصديق الموتى [له، ولم يكتفوا بأحد الشرطين. ولا شك أن من له نية في متابعة الحق يكتفي ببعض ذلك. فإن بعد تصديق الموتى] «٤» له في ذلك لا يبقى إلا العناد. فلما علم
_________________
(١) قال الله تعالى في سورة الأنعام (٤): وما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وقال تعالى في نفس السورة: ٢٥ ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها الآية. وقال في نفس السورة أيضا ١٢٣ - ١٢٤: وكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ (١٢٣) وإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في هذه السورة وفي غيرها.
(٢) في (أ): ولوسعها.
(٣) في (ش): قصي بن كلاب.
(٤) ما بين المعكوفتين ساقط من (ش).
[ ٢ / ٥٣٨ ]
عنادهم لم يجبهم إلى ذلك. ولهذا أوحى الله إليه: ولَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ (١١١) «١».
وكذلك كان. فإنه لم يؤمن من قريش إلى يسير أول الأمر.
الوجه الثاني: أنه علم باستقراء أحوال الأمم الخالية مع أنبيائهم أنه إن «٢» عاجلهم بإظهار الآيات مع ما علمه منهم من العناد، أنهم يهلكون كما هلك قوم فرعون «٣» بعد إظهار موسى آياته وعاد «٤» وثمود «٥» وغيرهم، وكما مسخ قوم
_________________
(١) سورة الأنعام، آية: ١١١.
(٢) «أن» سقطت من (أ).
(٣) فرعون: هو الوليد بن مصعب (فرعون موسى) قيل: إنه من العمالقة. وقيل: إنه فرعون يوسف عمّر إلى أيام موسى. وقيل: هو من القبط، وهو الذي ادعى الربوبية كما حكى ذلك عنه القرآن: فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] وكان له دولة عظيمة، وكان وزيره هامان. قتل الأطفال الذكور من بني إسرائيل بأمر منه عند ما أخبره بظهور موسى الذي أنجاه الله وألقته أمه في اليم بأمر من الله والتقطه آل فرعون وتحقق أمر الله وهلك فرعون بالغرق وجنوده. والقصة معروفة لكل مسلم. [انظر البداية والنهاية ١/ ٢٦٨ وما بعدها وتاريخ ابن جرير ١/ ٤٠٥ فما بعدها].
(٤) عاد: قبيلة من القبائل أرسل الله إليهم نبيه هود ﵊ بعد أن كان الرجل منهم ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلّوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. ولكنهم لما كذبوا بآيات الله وجحدوا فأهلكوا بريح صرصر عاتية. [انظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٤٤].
(٥) ثمود: قوم صالح ﵇ اشتهروا بقوتهم، وهم أول من نحت الجبال والصور والرخام. بنوا من المدائن ألفا وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومن الدور والمنازل ألفي ألف وسبعمائة ألف كلها من الحجارة أيضا. قال الله تعالى عنهم: وكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ [سورة الحجر ٨٢] وكانوا لقوتهم يخرجون الصخور، وينقبون الجبال، ويجعلونها بيوتا لأنفسهم. [انظر تفسير القرطبى ٢٠/ ٤٨].
[ ٢ / ٥٣٩ ]
من قوم المسيح: خنازير، لما لم يؤمنوا بعد نزول المائدة «١»، ونحو ذلك فأراد التمادي بهم رجاء أن يفيئوا إلى الحق.
وقد جاء في الحديث أنه﵇- قال: «خيرت بين أن يجعل الله لي الصفا/ ذهبا ثم إن لم يؤمنوا هلكوا، وبين أن ينظروا حتى أدعوهم إلى الإسلام فاخترت أن ينظروا» «٢» معنى الحديث هذا، فهو «٣» - ﵇- كان
_________________
(١) انظر تفسير الطبري ٧/ ١٣٦، وتفسير القرطبي ٦/ ٣٦٩، عند تفسير قوله تعالى: إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأَوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنْكَ وارْزُقْنا وأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) [سورة المائدة ١١٢ - ١١٥]. وأخرج الترمذي في تفسير سورة المائدة عن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير" وقال الترمذي: إن هذا الحديث موقوف على عمار، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة.
(٢) أخرج الإمام أحمد ﵀ في المسند (١/ ٢٥٨) عن ابن عباس ﵁ قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا فقيل له إن شئت أن تستأني بهم أي: تتأخر وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم، قال بل أستأني بهم فأنزل الله ﷿ هذه الآية: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: ٥٩] ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٢) بنحو لفظ أحمد وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي في التلخيص فقال: صحيح.
(٣) في (أ): وهو.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
حريصا على إسلامهم، لا على تعجيل هلاكهم، ولهذا قال الله سبحانه: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩) «١»./
أي إلا أن كذب بها الأولون فأهلكناهم، وأنت استأنيت «٢» بقومك فأجبناك إلى ذلك. ولهذا- لما أتاهم بعد ذلك بالخوارق كانشقاق القمر «٣». وتسليم الشجر «٤» وعجزوا عن معارضة القرآن، ولم يؤمنوا- جاءهم العذاب فاستؤصلوا بالسيف يوم بدر «٥» وغيره.
_________________
(١) سورة الإسراء، آية: ٥٩.
(٢) استأنيت: من التأني وهو الانتظار. يقال تأنى إذا رفق، واستأنيت بكم انتظرت وتربصت، ولم أعجلكم. فالمعنى هنا: انتظرت وتربصت فلم يعاجلهم بطلب الهلاك. [انظر لسان العرب ١٤/ ٤٨ - ٤٩، والفتح الرباني ١٨/ ١٩٣].
(٣) انظر هامش ص: ٢٥٧ من هذا الكتاب.
(٤) أخرج الترمذي في المناقب، باب ٦، حديث ٣٦٢٦. عن علي بن أبي طالب﵁- قال:" كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله". قال:" وهذا حديث غريب. وروى غير واحد عن الوليد بن أبي ثور، وقال: عن عباد بن أبي زيد" اهـ ورجال سنده فيهم الصدوق المتهم بالرفض والضعيف والمجهول. وانظر: ص ٥٧٢ ففيها زيادة بيان عنه.
(٥) بدر: موضع الغزوة العظمى لرسول الله ﷺ نصر الله فيه المسلمين كما قال تعالى: ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [سورة آل عمران، آية: ١٢٣] وهو ماء وقرية عامرة على نحو أربع مراحل من المدينة النبوية من الجنوب الغربي. وسميت بذلك نسبة إلى رجل من غفار كانت بدر له، وكان يوم بدر يوم الجمعة، وكان يوما حارا. وقد سماه الله يوم الفرقان لأنه فرق الله فيه بين الحق والباطل كما قال تعالى: وما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [سورة الأنفال، آية: ٤١] وهي أول غزوة شهدها الرسول ﷺ. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٣٧، وتفاسير سورة الأنفال].
[ ٢ / ٥٤١ ]
الوجه الثالث: أنهم سألوه ما يسقط فائدة التكليف بالإيمان بالغيب وبيانه أنهم سألوه إحياء الموتى. فلو بعثهم لهم لأخبروهم بصحة ما وعدهم وأوعدهم من ثواب وعقاب، وجنة ونار، فكان يحصل لهم بذلك العلم الضروري بما هناك فيصير إيمانهم كإيمان فرعون، لما عاين الملك ليقبض روحه قال:" آمنت «١» " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «٢».
والمقصود: أنما هو الإيمان الاختيارى، لا الضروري. وما يفضي إلى سقوط فائدة التكليف. لا تجوز الإجابة إليه،/ وكذلك إنزال الملك عليهم يسقط فائدة التكليف.
الرابع: المعارضة بما في الفصل الحادي والعشرين من انجيل مرقس «٣»: أنهم سألوا المسيح آية فلم يأت بها. والجواب مشترك.
ومما يدل على جهلهم وعنادهم في سؤالهم له: أنهم أنكروا./ عليه فقره، وابتغاءه الرزق بالأسواق. وقالوا: قل لربك يجعل لك خياما «٤» وقصورا وكنوزا من ذهب يغنيك عن ذلك «٥».
وهل في ابتغاء الرزق عيب عند أحد من العقلاء؟ وقد كان الأنبياء يبتغونه
_________________
(١) قال الله تعالى في سورة يونس: ٩٠ - ٩١: وجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
(٢) آخر آية في سورة غافر.
(٣) في التراجم الحديثة: أول الأصحاح السادس عشر من انجيل متى.
(٤) في (ش): جنانا.
(٥) قال الله تعالى في سورة الفرقان: ٧، ٨: وقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
برعاية الغنم وغيرها، وهل علم من حال أحد من الأنبياء أن الله جعل له خياما «١» وقصورا وكنوزا من ذهب «٢». إنما فعل ذلك بالفراعنة لطغيهم كقارون «٣» وفرعون وهامان «٤» ونظرائهم. ولذلك عاب الله عليهم قولهم حيث قال:
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) الآيات إلى قوله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) «٥» ثم قال «٦»: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ
_________________
(١) في (ش): جنانا.
(٢) قال الله تعالى: وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان: ٢٠].
(٣) قارون: قيل: إنه ابن عم موسى﵇-، وأن اسمه: قارون بن يصهر ابن قاهت. وهو قول أكثر المؤرخين، وقيل: إنه كان عم موسى﵇- ورد هذا القول. وكان يسمى النور لحسن صوته بالتوراة، ولكنه نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي لكثرة ماله. [البداية والنهاية ١/ ٣٠٩] قال الله تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ولا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَولَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وأَكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [سورة القصص، الآيات: ٧٦ - ٧٩].
(٤) هامان: وزير فرعون، المنفذ لما يأمر به، فهو الذي بنى الصرح من الآجر المشوي بالنار، وأعلاه حتى أصبح لم ير بناء أعلى منه. كما قال الله تعالى: وقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا الآية [سورة غافر: ٣٦ - ٣٧]. وقال تعالى: وقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ [القصص: ٣٨].
(٥) سورة الإسراء، آية: ٩٠ - ٩٣.
(٦) الأصح أن يقول: (وقال)، لأن (ثم) تقتضي العطف مع الترتيب ولا ترتيب بينهما فإحداهما في سورة الإسراء، والتالية في سورة الفرقان.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ (١١) «١» وأما قولهم: أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك فيخبرك بما تراجعنا به، وبما يفعل بنا إذ لم نقبل منك؟ فإنا نقول: تحذيره «٢» الذي راجعهم به، هو الذي أمر به، إذ كان لا ينطق عن الهوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) «٣» وقد كان يتوعدهم بما سيجري لهم كقوله: ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) «٤» وقوله:
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) «٥» / ونحو ذلك كثير.
وقولهم: وقوله:" إنما يخبره بذلك ويعلمه رحمن اليمامة".
الجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه لم يصح لنا عن محمدﷺ- «٦» أنه دخل اليمامة ليجتمع برحمانها «٧» ولا جالس أحدا من علماء الأولين، ولا الكهان بمكة ولا غيرها. فهذا كذب منهم وافتراء، وإنما هذا منهم كان على جهة الاستهزاء لما قال لهم: «اسجدوا/ للرحمن «٨»» يعني: الله. قالوا: لا رحمن إلا رحمن اليمامة. أنسجد له «٩».
_________________
(١) سورة الفرقان، آية: ١٠ - ١١.
(٢) تحذيره: ليست في (م) و(ش).
(٣) سورة النجم، آية: ٤.
(٤) سورة ص، آية: ٨٨.
(٥) سورة سبأ، آية: ٤٦.
(٦) " وسلم": ليست في (أ)، (ش).
(٧) في (أ): ترجمانها.
(٨) سورة الفرقان، آية: ٦٠.
(٩) انظر تفسير القرطبي ١٣/ ٦٤.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
كما أنه لما توعدهم بالزقوم، قال لهم أبو جهل «١»: أتدرون ما الزقوم الذي يتوعدكم به محمد؟ إنما هو الزبد بالعسل. أما والله لئن رأيناه لنتزقمنه تزقما «٢» ولذلك يقول الله له: وكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ .. (١٠٥) «٣» وقال:
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) «٤».
الثاني: أن محمدا ﷺ كان أميا لا يكتب، يتيما لا أب له مستضعفا بين قريش وجبابرتها، فكيف يختصه رحمن اليمامة بالتعليم دون غيره من أصحاب الكتابة والقوة؟.
الثالث: أن الذي نسبه إلى التعليم من رحمن اليمامة إنما هم نفر يسير من قريش، من جبابرتها وجهالها، على ما ظهر من جبروتهم وجهلهم في سؤالهم فكيف اختص هؤلاء بعلم ذلك دون بقية سادات العرب الذين اتبعوه من سائر القبائل كأبي بكر وعمر «٥» وعثمان «٦» وعلي وغيرهم؟، مع أن المسيح يقول في
_________________
(١) أبو جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي. أشد الناس عداوة للنبي ﷺ في صدر الإسلام، وأحد رؤساء قريش ودهاتها في الجاهلية، وأسيادها منذ صغر سنه، يكنى بأبي الحكم فدعاه المسلمون أبا جهل، فغلب عليه. اشتهر بعناده، واثارة الناس على النبي ﷺ وأصحابه حتى قتله معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء واحتز رأسه ابن مسعود﵃- في غزوة بدر الكبرى. [انظر الأعلام ٥/ ٨٧، والبداية والنهاية ٣/ ٢٨٧ - ٢٩١].
(٢) انظر تفسير القرطبي ١٥/ ٨٥.
(٣) سورة الأنعام، آية: ١٠٥.
(٤) سورة العنكبوت، آية: ٤٨.
(٥) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ٨٨.
(٦) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ٩٤
[ ٢ / ٥٤٥ ]
الإنجيل «١»:" ما من خفي إلا سيظهر ولا مكتوم/ إلا سيعلن" فلو علم بقية العرب ذلك وصح عندهم لما بايعوه ولكانوا «٢» مع الذين خالفوه وهذا مما تتوفر «٣» الدواعي على نقله وظهوره، فاختصاص نفر يسير به دون سائر العرب محال عادة.
الرابع: أن علماء العرب وعقلاءهم كانوا يصدقونه في دعواه، كورقة بن نوفل «٤» وأبي طالب «٥» حيث يقول:
وعرضت دينا لا محالة أنه من خير أديان البرية دينا إلى أن قال:
ولقد صدقت وكنت قدم أمينا «٦»
_________________
(١) انظر إنجيل متى الأصحاح العاشر.
(٢) في (أ): ولكان.
(٣) في (أ): وهذا في ما يتوفر.
(٤) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشي، حكيم جاهلي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام وامتنع من أكل ذبائحها، وهو ابن عم خديجة، كان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، وكان قد عمي في آخر أمره عند نزول الوحي على رسول الله ﷺ وهو الذي يقول عند ما ذهبت خديجة بالنبي ﷺ إليه لما نزل عليه الوحي في حراء وخاف على نفسه:" هذا الناموس الذي أنزل على موسىﷺ-. [انظر صحيح البخاري الحديث الثالث من أوله، وصحيح مسلم كتاب الإيمان، باب بدء الوحي حديث ٢٥٢، والأعلام ٨/ ١١٤ - ١١٥].
(٥) تقدمت ترجمته في الدراسة ص ١١٨.
(٦) حين طلبت قريش من أبي طالب التخلي عن رسول الله ﷺ طلب منه أبو طالب أن يترك ما جاء به وتأرجح في الاستمرار في نصرته فقال له النبي ﷺ: يا عم. والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيه فقال له عمه: يا ابن أخي قل ما أحببت فو الله ما اسلمك لشيء أبدا وفي ذلك يقول أبو طالب:-
[ ٢ / ٥٤٦ ]
ورأى ابنه عليا يصلي مع رسول الله فقال: يا بني ما هذا؟ قال:/ علمنيه محمد. فقال: يا بنى تابع ابن عمك، فإنه لا يرشدك إلا إلى خير. وإنما منع أبا طالب من الإسلام، ما ذكره في شعره حيث يقول:
لولا الملامة أو حذاري سبة «١» لوجدتني سمحا بذاك مبينا/ وكزيد بن عمرو بن نفيل «٢».
_________________
(١) - والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقرّ منه عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دنيا وقد رويت الأبيات باختلاف بعض الألفاظ [انظر حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار، لابن الديبع ١/ ٣٠٥ - ٣٠٧، والبداية والنهاية ٣/ ٤٢].
(٢) في المراجع السابقة:" مسبة".
(٣) زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي والد سعيد بن زيد أحد العشرة، وأحد الحكماء، وهو ابن عم عمر بن الخطاب، لم يدرك الإسلام على الصحيح، ولكنه كان يعبد الله على دين إبراهيم﵇-. جاهر بعدائه لعبادة الأوثان فتألبت عليه قريش ومنعته من دخول مكة فكان يتعبد في غار حراء. وكان يحارب وأد البنات ويذهب إلى آبائهن فيأخذهن ويربيهن حتى يكبرن ثم يعرضهن على آبائهن فإن قبلوهن وإلا زوجهن الكفء وكان ينتظر ظهور محمد ﷺ مؤمنا بذلك. ولهذا ذكره الطوفي هنا. توفي قبل البعثة بخمس سنين، وقيل سئل عنه النبي ﷺ فقال: يبعث يوم القيامة أمة واحدة. [انظر الاصابة (ت ٢٩٢٣) وسير أعلام النبلاء ١/ ١٢٦ وما بعدها، والأعلام ٣/ ٦٠] ..
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ومن الكهان الذين بشروا بنبوته:" سطيح" «١» و" شق «٢» " و" خطر" «٣»
_________________
(١) سطيح: اسمه: ربيع بن ربيعة من الأزد، سمى سطيحا لأنه كان لا عظم له والسطيح المستلقي على قفاه من الزمانة. وملخص خبره بمحمد ﷺ:" لما كانت ليلة ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وخمدت نار فارس وطلب كسرى من النعمان بن المنذر ملك العرب أن يبعث له رجلا يخبر بما سأله عنه، فأرسل عبد المسيح بن حيان فعجز عن إجابة كسرى ورحل إلى سطيح فسأله فقال سطيح: إذا ظهرت التلاوة وغارت بحيرة سارة، وخرج صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، فليست الشام لسطيح بشام، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، ثم تكون هنات وهنات، وكل ما هو آت آت. ثم قضى سطيح مكانه وعاد عبد المسيح إلى كسرى فأخبره بما قال سطيح فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا تكون أمور. قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان﵁-" اهـ. قلت: هذا ملخص القصة قال ابن الأثير في منال الطالب ص ١٥٤ - ١٥٨:" حديث سطيح هذا مشهور بين الرواة، مذكور في دلائل النبوة" اهـ. وقال البيهقي بعد إيراده القصة في دلائل النبوة (١/ ١٢٦ - ١٢٩) قلت ولسطيح قصة أخرى في أخباره حين قدم مكة من لقيه من قريش- منهم عبد مناف بن قصي- بأحوال النبي ﷺ، وخلفائه بعده" اهـ. وذكر ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩): مثله. وقد ضعف الدكتور عبد المعطي قلعجي في تحقيق دلائل النبوة للبيهقي قصة سطيح المشار إليها. وقد ذكرها أيضا أبو نعيم في دلائل النبوة ص ٩٧ - ٩٩، والماوردي في أعلام النبوة ص ١٤٩ - ١٥١.
(٢) شق بن صعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن، ولد هو وسطيح في يوم واحد فحملا إلى الكاهنة: طريفة بنت الحسين الحميدية، فتفلت في فيهيهما، فورثا منها الكهانة وماتت من يومها. وكان نصف إنسان، ويقال: إن خالد بن عبد الله القسري من سلالته وقد مات شق قبل سطيح بدهر. وقد أورد ابن كثير﵀- قصة اخباره هو وسطيح بوجود رسول الله ﷺ. [انظر البداية والنهاية ٢/ ١٦٢ - ٢٧١].
(٣) الكاهن خطر بن مالك الثقفي كان شيخا كبيرا، فلما كثر الرمي بالنجوم- قبل مبعث النبي ﷺ- للشياطين فبين لهم الخبر وما حدث من أمر النبوة ومن قوله في ذلك: يا معشر بني قحطان أخبركم بالحق والبيان -
[ ٢ / ٥٤٨ ]
كاهن ذكره الديار بكرى «١» في تفسير قوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ (١٨) «٢»
وذكر له حكاية عجيبة «٣».
ومن الرهبان: بحيرا «٤» وسلمان «٥» وأصحابه وغير هؤلاء كثير.
الخامس: أن رحمن اليمامة إن كان قد كان عالما بمثل هذا العلم الغزير كيف لم يدع به النبوة، ويستغني عن واسطة غيره؟ مع أن مثل منصب النبوة مما لا يؤثر به أحد غيره، ويجتهد أن لا يدعه يستقر لغيره، لما علم من حب النفوس للرئاسة.
_________________
(١) - أقسمت بالكعبة والأركان والبلد المؤتمن السدان لقد منع السمع عتاة الجن بثاقب بكف ذي سلطان من أجل مبعوث عظيم الشأن تبطل به عبادة الأوثان وذكر كلاما كثيرا في ذلك ثم قال:" هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان ثم قال: الله أكبر ثم سكت وأغمي عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاثة، فقال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ لمن حكى له القصة- لقد نطق عن مثل النبوة وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده. [انظر الروض الأنف للسهيلي ١/ ٢٣٩ - ٢٤١]. قلت: والله أعلم بصحة هذا.
(٢) لم أجد من يطلق عليه الديار البكري: إلا حسين بن محمد بن الحسن، مؤرخ نسبته إلى ديار بكر. ولي قضاء مكة وتوفي فيها وقد اختلف في وفاة هذا الرجل فقيل: توفي سنة ٩٦٦ هـ وقيل: بعيد ٩٨٢ هـ ولم أجد ترجمة بهذه النسبة لمن ألف في السيرة أو التفسير غيره، فلعله هو ولكن لم تضبط سنة وفاته والله أعلم. [انظر الأعلام ٢/ ٢٥٦، ومعجم المؤلفين ٤/ ٤٧].
(٣) سورة الحجر، آية: ١٨.
(٤) ذكرها السهيلي في الروض كما سبق.
(٥) بحيرا: تقدم خبره وترجمته في هامش ص: ٣٧٧.
(٦) أبو عبد الله سلمان الخير، أصله من فارس من رام هرمز، وقيل: من أصبهان، وكان إذا قيل: ابن من أنت؟ قال: أنا سلمان بن الإسلام من بني آدم، وقصة تنصره ثم دلالة الرهبان له بأنه يخرج في العرب نبي ثم معرفته علامات نبوة النبي ﷺ ثم إسلامه مذكورة في حديث طويل أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٤٤١) وابن سعد في الطبقات الكبرى ٤/ ٧٥ - ٨٠، وترجمته في الاستيعاب ٢/ ٦٣٤. وغيره.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
وقد كان أمية بن أبي الصلت «١» يطمع في النبوة، فلما لم تحصل له مات غيظا وحسدا، ولم يتابع محمدا على أن المعروف أن رحمن اليمامة هو مسيلمة وقد أظهر الله فضيحته يوم الحديقة فقتل، ولما رهقته السيوف قال له أصحابه ما أوحى إليك ربك؟ فقال: قاتلوا عن أحسابكم «٢» وحريمكم، واعترف بالكذب على الله.
السادس: أن هذا السؤال ألزم للنصارى «٣» منه للمسلمين، لأن محمدا كان أميا، لا يختلف في ذلك اثنان: فإتيانه بمثل هذا العلم والناموس إن سلمتم أنه لم يستفده من بشر «٤» غيره فهو معجز في نفسه، وإن اتهمتموه بأنه تعلمه «٥» من غيره فالمسيح أولى بالتهمة لأنه تعلم الكتابة صغيرا وجالس العلماء وسمع منهم وكانوا يتعجبون من فرط ذكائه وإدراكه في هيكل أورشليم «٦»،
_________________
(١) أمية بن عبد الله بن أبي الصلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي، شاعر حكيم من أهل الطائف، قدم دمشق قبل الإسلام، وكان مطلعا على الكتب القديمة، وهو ممن حرموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية، ورحل إلى البحرين فأقام بها ثماني سنين في أثناءها ظهر الإسلام. ثم قدم الطائف وسأل عن محمد ثم ذهب إليه فسمع منه آيات فلما انصرف لحقته قريش وسألته عن رأيه فيه. فقال:" أشهد أنه على الحق" وهو أول من جعل في أول الكتب باسمك اللهم، فكتبتها قريش. توفي سنة خمس من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية. [انظر الأعلام ٢/ ٢٣].
(٢) انظر الكامل في التاريخ ١/ ٢٤٦.
(٣) في (أ): النصارى.
(٤) في (أ): يسير.
(٥) في (أ): يعلمه.
(٦) في (أ): أوراشلم.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
وغيره، كما ذكر في الإنجيل «١».
وحينئذ يتسع/ لقائل أن يقول: إن حكمة المسيح كانت من العلماء والكتب، ومعجزاته كانت شعبذة وتخييلا، كما نسبه إلى ذلك اليهود. فأنتم في الطعن على محمد كاليهود في الطعن على المسيح، فإن صدقوا صدقتم. وأن كذبوا كذبتم، والفرق عليكم متعذر عسير «٢».
قال: ومن الأدلة على كونه لم يظهر معجزة: ما قال في سورة الإسراء «٣»:
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) إلى قوله سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) «٤» وقوله: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ (٥٩) «٥» وحسبك شهادة أنه لم يرسل بالآيات.
قلت: لقد أبان هذا السائل في هذا السؤال عن بلادة عظيمة وسوء فهم مع أنه متفلسف، والمعهود من الفلاسفة جودة الذهن وحسن الفهم.
أما قوله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) «٦» / فليس فيه ما يدل على أنه/ لم يأت بمعجز، بل فيه اعتراف بالبشرية والرسالة والعبودية بين
_________________
(١) انظر إنجيل لوقا: الأصحاح الثاني.
(٢) فى (أ): غير اليسير.
(٣) فى (أ): الأسرى.
(٤) سورة الإسراء، آية: ٩٠ - ٩٣.
(٥) سورة الإسراء، آية: ٥٩.
(٦) سورة الإسراء، آية: ٩٣.
[ ٢ / ٥٥١ ]
يدي ربه﷿-.
ونحن «١» نقول:" إن المعجز يخلقه الله على يدى أنبيائه لا أنهم هم يخلقونه على أيديهم".
وقد روى وثيمة في القصص «٢» قال: قال سعيد «٣» عن قتادة عن الحسن «٤»: إن موسى لما غشيه فرعون تقدم إلى البحر فقال له: إن الله أمرني أن أسلك فيك طريقا، وضرب بعصاه البحر من غير أن يوحى إليه، فأنطق الله البحر فقال له يا موسى أنا أعظم منك سلطانا وأشد منك قوة. وأنا أول منك خلقا وكان عليّ عرش ربنا وأنا لا يدرك «٥» قعري ولا أترك أحدا يمر عليّ إلا بإذن/ ربي وأنا عبد مأمور ولم يوح إلي فيك شيء. ولم ينفرق له حتى أوحى الله إليه بذلك «٦».
_________________
(١) فى (أ): ونحسن.
(٢) تقدمت ترجمته في هامش ص: ١٨٠ من قسم الدراسة. ولم أجد كتابه هذا.
(٣) لعله سعيد بن المسيب فقد روى سعيد عن قتادة، أو لعله سعيد بن بشير أو سعيد بن زربي وهما ممن روى عن قتادة.
(٤) هو الحسن البصري. وقد تقدمت ترجمته ص ٣١٧.
(٥) فى (أ): لا ندري.
(٦) أورد القصة أيضا ابن جرير الطبري في تفسيره (١/ ٢٧٨) موقوفا على ابن زيد.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وذكر أيضا قال: قال خارجة بن مصعب «١» عن أبي إلياس «٢» عن وهب:
أن موسى كان يضرب الحجر بالعصا فتنفجر الأنهار لبني إسرائيل، فقالوا يوما: لو ضاعت العصا أو الحجر متنا عطشا. فأراد الله أن يريهم قدرته وسوء ظنهم فأوحى إلى موسى فأخبره بذلك وقال: الآن لا تضرب الحجر بالعصا ولكن كلمه واعزم «٣» عليه باسمي فإنه يطيعك، فغضب موسى من كلام بني إسرائيل، ونسي ما قال له ربه، فضرب الحجر بالعصا فلم تنفجر الأنهار على عادتها. فذكر عهد ربه فأقسم على الحجر باسمه فأجاب وقال: أما تستحي يا موسى أن تنسى عهد ربك؟ هلا كان هذا قبل الآن؟ ثم تفجرت منه الأنهار «٤».
فالأنبياء بشر وليسوا- كما اعتقدتم في المسيح أنه يفعل الأشياء بنفسه،
_________________
(١) أبو الحجاج خارجة بن مصعب بن خارجة الضبعي السرخسي الإمام العالم المحدث، شيخ خراسان، وثقه العلماء في نفسه، وبعضهم قال: يرمى بالارجاء، وبعضهم يقول: متروك الحديث، توفي سنة ثمان وستين ومائة، وله ثمان وسبعون سنة. [انظر تقريب التهذيب ١/ ٢١٠، وسير أعلام النبلاء ٧/ ٣٢٦ - ٣٢٨، وشذرات الذهب ١/ ٢٦٥].
(٢) لم أقف له على نسب ولا نسبة ولم أجد من ذكر هذه الكنية لأحد شيوخ خارجة أو تلاميذ وهب ابن منبه، ولكن خارجة اشتهر بالتدليس فلعله دلس عن أحد شيوخه فكناه بهذه الكنية الخفية حتى لا يعرف، وقد كان خارجة يدلس كثيرا عن شيخه الكذاب الوضاع غياث بن إبراهيم، فلعله كناه بهذه الكنية. والله أعلم.
(٣) في (أ): واغرم.
(٤) لم أجد هذه القصة فيما بين يدي من مراجع.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
فمعنى قوله: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) «١» أي: لا آتي بالمعجز إلا أن يأذن فيه ربي «٢»، وأنه لم يأذن له في ذلك الوقت، للوجوه التي بيناها قبل.
وهذا أيضا معنى قوله تعالى: وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ (١٠٩) «٣» أي أن إظهارها متوقف على إرادته.
وأما قوله: وما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ (٥٩) «٤» فليس إخبار بنفي الإرسال في عموم الأوقات، حتى انقضى عهد النبوة، بل ينفيه في وقت خاص وهو في أول الأمر ثم أرسل بها بعد ذلك «٥» بدليل قوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) إلى قوله: ولَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) «٦».
_________________
(١) سورة الإسراء، آية: ٩٣.
(٢) قال ابن جرير الطبري في تفسيره (١٥/ ١٦٤):" يقول: هل أنا إلا عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، والذي سألتموني أن أفعله بيد الله الذي أنا وأنتم عبيد له، لا يقدر على ذلك غيره: اهـ. وقال القرطبي في تفسيره أيضا (١٠/ ٣٣١):" أتبع ما يوحى إليّ من ربي، ويفعل الله ما يشاء من هذه الأشياء التي ليست في قدرة البشر فهل سمعتم أحدا من البشر أتى بهذه الآيات" اهـ.
(٣) سورة الأنعام، آية: ١٠٩.
(٤) سورة الإسراء، آية: ٥٩.
(٥) قال المفسرون: وما منعنا من إرسال الآيات التي سألوها إلا تكذيب الأولين فإن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا كما هو سنة الله في عباده (انظر تفسير الطبري ١٥/ ١٠٧، وتفسير الشوكاني ٣/ ٢٣٧).
(٦) الآيات الخمس الأولى من سورة القمر.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
قال:" ولما أسرف «١» عليهم في طلب اعترافهم له بالنبوة، وألحوا عليه في طلب الآيات، وهو لا يظهر منه غير تلاوة القرآن عليهم، عظم ضجرهم حتى ضجوا منه واستغاثوا، فقالوا في صياحهم: .. اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) «٢».
قال: فلم يأتهم بآية ولا لحقهم ضرر، فلما رأى ذلك اعتذر بأن تلى عليهم: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ (٣٣) «٣» الآية.
قلت: وهم في هذه الحكاية،/ وهي حجة عليه.
والصواب فيها: أن قريشا والنبي ﷺ لما التقوا يوم بدر استفتح عليه المشركون: أبو جهل والنضر بن الحرث «٤» وغيرهما. فقالوا: اللهم إنا لا نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه. وقال أبو جهل: اللهم انصر أحب الطائفتين إليك اللهم أقطعنا للرحم، وأفسدنا للجماعة فاحنه «٥» اليوم. فقتل أبو جهل
_________________
(١) في (أ): أشرف.
(٢) سورة الأنفال، آية: ٣٢.
(٣) سورة الأنفال، آية: ٣٣.
(٤) النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف صاحب لواء المشركين يوم بدر، له اطلاع على كتب الفرس وغيرهم، وقيل أول من غنى على العود بألحان الفرس، وهو ابن خالة النبي ﷺ آذى الرسول كثيرا، كان يقول لقومه: إنما يأتيكم محمد بأساطير الأولين، فنزل فيه آيات. قيل: قتل في بدر، وقيل بعدها من أثر ضربة في الموقعة في السنة الثانية من الهجرة. وقيل: قتل صبرا. [انظر الكامل في التاريخ ٢/ ٤٩، والأعلام ٨/ ٣٣].
(٥) من حنى القوس إذا عطفها. [انظر منال الطالب ص ٥٦٧].
[ ٢ / ٥٥٥ ]
والنضر في السبعين قتيلا، وأسر مثل ذلك في ذلك اليوم، فكان استفتاحهم عليهم «١».
ثم لو سلمنا من أنهم قالوا ذلك لضجرهم منه، لكن قد أتاهم العذاب الأليم يوم بدر وغيره، وأي عذاب يكون أشد من أن يقتل الشخص ذليلا حقيرا، ثم يصير إلى العذاب الأليم؟ «٢».
وأما قوله: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ (٣٣) «٣» قال الكلبي «٤»:
" معناه لو أراد أن يعذبهم أخرجك من بينهم" «٥».
قلت: لأن الأنبياء رحمة، لا عذاب. فلا يعذب من هم فيه. ألا ترى أن لوطا لم يعذب قومه، حتى خرج عنهم، وصالح ونوح وموسى وغيرهم من الأنبياء كذلك. فهكذا. محمد لم يعذب أهل/ مكة حتى خرج منها.
_________________
(١) القصة أوردها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٢٠٧ - ٢٠٩)، بعدة طرق وألفاظ بمعنى هذا اللفظ، وكذلك ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٩٦)، وقال أخرجه النسائي في التفسير ، وكذا الحاكم في المستدرك بمعنى هذه القصة (٢/ ٣٢٨) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأحمد في المسند (٥/ ٤٣١).
(٢) في (ش)، (م): الدائم.
(٣) سورة الأنفال، آية: ٣٣.
(٤) أبو النصر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث النسابة المفسر، ولد بالكرفة وهو من كلب بن وبرة من قضاعة. وهو ضعيف الحديث، متهم بالرفض. قال النسائي:" حدث عنه ثقات من الناس، ورضوه في التفسير أما في الحديث ففيه مناكير" صنف كتابا في تفسير القرآن توفي بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. [انظر تهذيب التهذيب ٩/ ١٧٨، والأعلام ٦/ ١٣٣].
(٥) انظر تفسير الطبري ٩/ ٢٣٤.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
وقوله: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) «١» فيه قولان:
أحدهما: وفي أصلابهم من سبق في علم الله، أنه سيوجد فيكون من المؤمنين المستغفرين.
والثاني: وبين أظهرهم مؤمنون مستخفون يستغفرون، فلما خرجوا من بينهم عذبوا بفتح مكة، وقيل: بيوم بدر «٢».
قال:" فإذا كان أعداؤه المكذبون لا يعذبهم وهو فيهم. فكيف عذب أصحابه يوم" أحد" وهزموا. وقتل منهم جماعة".
والجواب: أن ما جرى لهم يوم أحد ليس عذابا، بل شهادة. بدليل قوله تعالى: وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) «٣» وقوله: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) «٤» وهي في شهداء أحد «٥»، ولئن كان قتل المؤمنين في سبيل الله عذابا فليكن قتل يحيى وزكريا «٦» وصلب المسيح عذابا، ونعم الله- سبحانه- على خلقه تارة تكون بأسباب سهلة كالأكل والشرب والنكاح. وتارة
_________________
(١) سورة الأنفال، آية: ٣٣.
(٢) ذكر القولين الإمام القرطبي﵀- في تفسيره (٧/ ٣٩٩).
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٤٠.
(٤) سورة آل عمران، آية: ١٦٩.
(٥) انظر تفسير الطبري ٤/ ١٧٠ - ١٧١.
(٦) اختلف الناس في أمر زكريا هل مات أو قتل. ورجح ابن اسحاق أنه مات موتا. والله أعلم. [انظر البداية والنهاية ٢/ ٥٢، ٥٣ - ٥٥].
[ ٢ / ٥٥٧ ]
تكون بأسباب شاقة كالشهادة والعبادات والرياضات. كما أن صحة البدن تارة تكون بتناول الأغذية والأشربة المستلذة وتارة بتناول الأدوية المستكرهة كالصّبر «١» ونحوه.
قال:" وجاء في السير «٢» ": أن زينب بنت الحرث «٣» أهدت لمحمد شاة
_________________
(١) الصّبر: بكسر الباء: نبات كنبات السوسن الأخضر، غير أن ورق الصّبر أطول وأعرض وأثخن كثيرا، وهو كثير الماء جدا. وقال الليث: الصّبر: عصارة شجر ورقها كقرب السكاكين طوال غلاظ، في خضرتها غبرة، وكمدة مقشعرة المنظر، يخرج من وسطها ساق عليه نور أصفر ، وقال الرازي:" هو الدواء المر" اهـ. وهو نوعان: هندي وفارسي فالهندي ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر، وإذا طلي على الجبهة والصدغ بدهن الورد، نفع من الصداع، وينفع من قروح الأنف والفم، ويسهل السوداء، وغير ذلك. والفارسي يذكي العقل ويمدّ الفؤاد، وينقي الفصول الصفراوية والبلغمية من المعدة ويرد الشهوة الباطلة والفاسدة وإذا شرب في البرد خيف أن يسهل دما. [انظر لسان العرب ٤/ ٤٤٢، ومختار الصحاح ص ٣٥٥، وزاد المعاد ٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤].
(٢) انظر سيرة ابن هشام المجلد الثاني ص ٣٣٧ - ٣٣٨، وقد ذكر ابن كثير القصة، وجميع من خرجها بألفاظ مختلفة في البداية والنهاية ٤/ ٢٠٨ - ٢١١، وأخرجها الدارمي في المقدمة، باب ما أكرم النبي ﷺ من كلام الموتى" والقصة صحيحة، وطرفها في صحيح البخاري. كتاب الهبة، باب قبول الهدية من المشركين، وفي كتاب الجزية، باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟، وطرف آخر منها في كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ وموته، والقصة أيضا مختصرة في صحيح مسلم: كتاب السلام باب السم، حديث ٤٥.
(٣) هي زينب بنت الحرث بن سلام الإسرائيلية. وذكر معمر في جامعة عن الزهري:" أنها اليهودية التي دست الشاة المسمومة للنبي ﷺ فأسلمت فتركها النبي ﷺ" اهـ. وقال غيره: إنه قتلها، وقيل: إنما قتلها قصاصا لبشر بن البراء لأنه كان أكل معه من الشاة فمات بعد حول. [الإصابة ٤/ ٣١٤، كتاب النساء ت: ٤٧٢].
[ ٢ / ٥٥٨ ]
مصلية وأكثرت من السم في الذراع، لأنه كان يحبها، فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور «١» فأساغ «٢» منها لقمة فهلك. ولفظ محمد لقمته. وقال:" إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم" وساق القصة. قال:" وقد كان/ هذا الموضع أحق المواضع بالمعجز، وأن يعلم بالحال فيجتنب الأكل ويخبر صاحبه. قال" وأما قوله: إن هذا العظم ليخبرني بأنه مسموم" فليس بصحيح لأنه إما أن يكون أخبره قبل أن يسيغ بشر لقمته أو بعد ذلك فإن كان الأول/ فلم لم يخبر بشرا حتى مات بأكلته. وإن كان الثاني فالمخبر له موت بشر في الحال وانزعاج روحه هو حين لاك اللقمة المسمومة وكانت سبب موته بدليل قوله:
" ما زالت أكلة خيبر تعادني «٣» حتى كان هذا أوان قطعت أبهرى" «٤».
_________________
(١) بشر بن البراء بن معرور الأنصاري الخزرجي، من بني سلمة، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق، ومات بخيبر سنة سبع من الهجرة من الأكلة المذكورة. قيل: إنه لم يبرح من مكانه حين أكل منها حتى مات. وقيل: لازمه وجعه ذلك سنة ثم مات منه. [انظر الاستيعاب ١/ ١٦٧ - ١٦٩، وسيرة ابن هشام المجلد الأول ص: ٤٦١].
(٢) أساغ الطعام ويسيغه سوغا وساغه يسوغه اساغة: أي ابتلعه. فمعنى أساغ منها لقمة: أي ابتلع منها لقمة (انظر لسان العرب ٨/ ٤٣٥، والمصباح المنير ١/ ٣٤٩).
(٣) تعادّني: هكذا في النسخ وفي منال الطالب ص ٣٦٣، ومعناه: تعاودني تفسره رواية ابن سعد: " ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري.
(٤) الأبهر: أحد عرقان في الظهر. وقيل: الأبهر: عرق مستوطن القلب، فإذا انقطع لم تبق معه حياة. [منال الطالب في طوال الغرائب ص ٣٦٣]. وفي سنن الدارمي (المقدمة باب ١١) العبارة هكذا:" فقال في مرضه: ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري" اهـ. وضبطت العبارة في النص كما في منال الطالب. وقد أخرج الحديث الإمام البخاري- من غير وصل- في المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، وأحمد في المسند (٦/ ١٨) ولهما غير هذا اللفظ. وانظر القصة في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٠١ - ٢٠٣).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قلت: أما هذه القصة فصحيحة. وأما قوله هذا الوقت كان أحق بإظهار المعجز فقد بينا أن المعجز وجوده إلى الله لا إلى الأنبياء والله بالغ أمره بأسبابه، ثم هذا يرد عليكم في المسيح، حيث صلبه اليهود فإنكم زعمتم أنه كان إلها وأنه كان يزجر الريح فتسكن والبحر فيركد وكان يحيي الموتى ويستخفي عن أعين الناس إذا أراد، فلما صار في الخشبة صاح صيحة عظيمة وسلم الروح" وقد كان هذا الوقت أحق بإظهار المعجز.
فإن قلتم كان ذلك باختياره.
قلنا: هذا كذب، ومحال، فإن في الإنجيل «١» أنه جمع التلاميذ وصعد بهم إلى الجبل وقال: اسهروا معي الليلة لأسأل أبي أن يغير عني هذه الكأس. وسأل ذلك فلم يجب وجاء أعداؤه فأخذوه من هناك إلى حكم الموت.
وأما إخبار العظم للنبي﵇- بأنه «٢» مسموم فهو حق كما أخبر، وماذا يستبعد منه وقد سبح في يديه الحصى «٣»، وحن إليه/ الجذع «٤»،/ وسلم
_________________
(١) انظر إنجيل متى، الأصحاح السادس والعشرين، وإنجيل مرقس الأصحاح الرابع عشر.
(٢) في (أ): فانه.
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٦٤ - ٦٥، وأعلام النبوة للماوردي ص ١١٥ والبداية والنهاية ٦/ ١٣٢، ويقول محقق دلائل النبوة للبيهقي:" وذكره السيوطي في الخصائص ٢/ ٧٤، وعزاه للبزار، والطبراني في الأوسط وأبي نعيم والبيهقي، والخبر كما ترى فيه ضعيف، ووضاع" اهـ. قلت: الضعيف هو: صالح بن أبي الأخضر اليمامي مولى هشام بن عبد الملك. قال عنه ابن حجر:" ضعيف يعتبر به" اهـ، وأما الوضاع فهو: محمد بن يونس بن موسى الكديمي، جعله الدارقطني في الضعفاء والمتروكين وقال عنه ابن حجر في التقريب:" ضعيف" وفي المغني أنه" هالك يضع الحديث على الثقات".
(٤) سيأتي تخريجه بإذن الله في هامش ص: ٥٧٢.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
عليه الحجر «١»، وأطاعه الشجر «٢».
قوله:" إما أن يكون أخبره قبل اساغة بشر لقمته أو بعدها".
فجوابه من وجوه:
أحدها: أن هذه قسمة غير حاصرة لجواز أنه أخبره بعد اساغة بشر لقمته، وقبل تغيره فإن السم بالغا ما بلغ ليس صاعقة تحرق بمجرد ملابستها «٣» الجسم بل لا بدّ من نفوذه إلى الروح ثم سريانه إلى القلب.
الثاني: أنه من الجائز أن بشرا سبق بلقمته فابتلعها، ثم صبر على ما وجده من ألمها ظنا أن ذلك لعارض «٤» يزول «٥»، أو أن «٦» لقمته كانت من الموضع الذي سمه قليل، فإن في القصة أنها أكثرت السم في الذراع وسمت سائر الشاة فلم يحس به سريعا، وأن النبي﵇- اشتغل يأكل ولم يميز إلى بشر لما عرف من أدبه على الأكل أنه لا ينظر إلى جليسه فأخبره الذراع حينئذ، ثم ظهر بعد ذلك تأثير السم في بشر.
_________________
(١) سيأتي تخريجه بإذن الله في هامش ص: ٥٧٢.
(٢) سيأتي تخريجه بإذن الله في هامش ص: ٥٧٣، ٥٧٥.
(٣) في (أ): ملابسها.
(٤) في (ش): العارض.
(٥) قلت: هذا من سياق القصة عند ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٠٢).
(٦) في (م):" اذ أن" وكلاهما صحيح.
[ ٢ / ٥٦١ ]
الثالث: لو حملنا أخبار الذراع هاهنا على مجازه وهو الاستدلال بانزعاج الروح بالسم كما يقال:" أخبرني السيف بما لقي من الوقائع" استدلالا بفلول مضاربه على ذلك. و" أخبرني المنزل برحيل أهله منذ حين" لدروس رسمه، ونسخ الرياح آثاره- لما كان فيه محذور.
فإن لمحمد﵇- من المعجزات المحققة ما يغنينا عن المنازعة في هذه.
وحينئذ يكون الإخبار صحيحا بلا نزاع.
قال:" فها نحن قد بينا لك بنص القرآن على طريق الاختصار أنه لم يأت بمعجزة وتبين ذلك من الحديث الصحيح عندهم" وذكر حديث مسلم: «ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي/ من الآيات ما آمن على مثله البشر/ وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحى الله إلى وأرجوا أن أكون «١» أكثرهم تابعا يوم القيامة «٢» ".
قال:" فمن حاول التعصب له، ورام الانتصار بشهوة نفسه بالتمسك بنقل الآحاد للمعجزات المردودة عند علماء المسلمين فقال: إنه فعل وصنع شيئا من المعجزات، فهو مكذب لقرآنه، وحديثه الصحيح.
_________________
(١) لفظ مسلم: (ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إليّ فأرجو أن أكون ) الحديث.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد ﷺ حديث ٢٣٩، والبخاري في أول فضائل القرآن وفي أول الاعتصام. وأحمد في المسند ٦/ ١٥٢
[ ٢ / ٥٦٢ ]
قال:" وقوله في الحديث:" إني لأرجو «١» أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" مسلم له. فإن جميع أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة.
وأهل الحق الذين هم قليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة"./
قلت: قوله:؛ قد بينا بنص القرآن أنه لم يأت بمعجز" قد بينا لمن أنصف أنه لم يبين شيئا من ذلك. وإنما مادة كلامه أمران: هوى وقصر باع في العلم وسوء فهم.
وأما قوله في حديث مسلم:" وإنما كان الذي أوتيته وحيا" فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه يجوز أن هذا الحديث قاله في أول الإسلام قبل تكامل معجزاته.
الثاني: أن الأصوليين اختلفوا في" إنما" هل تقتضي الحصر أم لا؟. بل الإثبات المؤكد وهو الذي يدل عليه الدليل، وحينئذ لا يفيد هذا الحديث انحصار معجزه في القرآن «٢» على أنه لو أفاد
_________________
(١) في (ش): لأني أرجو.
(٢) فيكون معنى الحديث: أي أن معجزتي التي تحديت بها: الوحي الذي أنزل عليّ وهو القرآن. فهو معجزته العظمى التي اختص بها دون غيره وكانت مناسبة لحال قومه لأن معجزة كل نبي مناسبة لحال قومه. وقد أفرد بالذكر هنا لعظمته ولأهميته ولأنه لا يساويه معجزة أخرى. [انظر فتح الباري ٩/ ٦ - ٧]. قلت: ومعجزاته كلها من الوحي أيضا لأنه لا يعلمها ولا يفعلها إلا بالوحي وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم، آية ٣ - ٤).
[ ٢ / ٥٦٣ ]
لكان فيه كفاية «١»، كما سنبين «٢».
فتقدير الكلام إذن: وأن الذي أوتيته كان وحيا، وإنما خصه بالذكر لأنه أول ما ظهر على يديه ورأى بسببه الملائكة، وهو قديم على أصل أهل السنة «٣» وسائر معجزات الأنبياء مخلوقة، وهو المتواتر اللفظي، فلهذه الخصائص خصه بالذكر.
_________________
(١) قال المازري:" ومعجزات النبي ﷺ ضربان: أحدهما: القرآن، وهو منقول تواترا. والثاني: مثل تكثير الطعام والشراب ونحو ذلك ولك فيه طريقان: أحدهما: تواترت على المعنى كتواتر جود حاتم طيئ وحلم الأحنف بن قيس، فإنه لا ينقل في ذلك قصة بعينها متواترة ولكن تكاثرت أرفادها بالآحاد حتى أفاد مجموعها تواتر الكرم والحلم وكذلك تواتر انخراق العادة للنبي ﷺ بغير القرآن. والطريق الثاني: أن تقول: إذا روى الصحابي مثل هذا الأمر العجيب- تكثير الطعام والشراب- وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة، وهم يسمعون روايته ودعواه، أو بلغهم ذلك ولا ينكرون عليه: كان ذلك تصديقا له يوجب العلم بصحة ما قال والله أعلم" اهـ. [شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٣٥].
(٢) في ص: ٥٨٧ وما بعدها.
(٣) قلت: مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله تعالى أنه صفة ذاتية فعلية، وهو قديم النوع حادث الآحاد. أو قديم النوع وإن لم يكن الصوت المعين قديما. وليس مخلوقا لأنه صفة الله والصفة تابعة للموصوف فليست مخلوقة كما زعمت الجهمية والمعتزلة، وليس بعضه مخلوقا كما قالت الكلابية والأشاعرة، فهؤلاء يقولون إن الحروف والأصوات مخلوقة. والمعاني غير مخلوقة وهي قائمة بنفس الله. وعبرت عنها أو حكتها الحروف والأصوات المخلوقة. ولا أنه صفة قديمة في الأزل لا يقبل الحدث، كقول السالمية وبعض أتباع الأئمة الأربعة. ولا أنه حادث بعد أن لم يكن كما زعمت الكرامية. وقول الطوفي" وهو قديم على أصل أهل السنة" هذا على مذهب السالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمة الأربعة أو على قول الأشاعرة فهم يقولون إن كلام الله صفة قديمة.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
وقوله:/" فمن حاول التعصب له بالتمسك بنقل الآحاد للمعجزات المردودة عند علماء المسلمين [فقال: إنه فعل وصنع فهو مكذب لقرآنه «١» وحديثه الصحيح.
فجوابه: أنا قد بينا أن القرآن والحديث الصحيح لا يد لان على أنه لم يأت بمعجز. وأما قوله:" نقل الآحاد المردودة «٢» عند علماء المسلمين"] «٣» فهذا عدم علم بأصول المسلمين واصطلاحهم في دينهم، فيحتاج أن «٤» نشرح ذلك بيّنا، ليعرفه من وقف عليه ممن لم يعرفه. فنقول: اعلم أن الخبر إما متواتر أو آحاد والمتواتر لفظي «٥» أو معنوي.
فالمتواتر هو: الخبر الّذي ينقله عدد لا يتواطأ مثلهم على الكذب لكثرتهم عن مثلهم عن مثلهم إلى محل صدوره، يستوي طرفاه وواسطته في ذلك، ويستند في أصله إلى حس، لا إلى نظر، واللفظي منه: ما كان الاتفاق فيه على قضية واحدة معينة" يخبر بها هؤلاء القوم بالشرط المذكور، كطوفان نوح، وإغراق «٦» فرعون. وقلب «٧» عصا موسى حية، وإحياء المسيح الموتى «٨». وقول محمد: إني
_________________
(١) في (أ): لقراءته.
(٢) في (م): المردود.
(٣) ما بين المعكوفتين ساقط من (ش).
(٤) في (م): إلى أن.
(٥) في (ش)، (م): اما لفظي.
(٦) في (أ): واغتراف.
(٧) في (أ): وقلت.
(٨) بإذن الله.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
رسول الله، وتحديه العرب بالقرآن، ونحو ذلك.
والمعنوي: ما كان إخبار المخبرين فيه عن عدة «١» قضايا جزئية تشترك في كلي واحد، كسخاء حاتم «٢»، وشجاعة علي. فإن التواتر لم يوجد في قضية واحدة/ من مكارم حاتم، ولا من شجاعة علي. بل نقل قوم: أن حاتما وهب يوما فرسا ويوما قطعة إبل، ويوما قطيع غنم، ويوما باع نفسه ببعيرين نحرهما لضيفه. في قضايا كثيرة/ حصل التواتر بمجموعها لا بواحدة منها.
وكذلك في شجاعة" علي": صح عنه أنه كان يوم بدر أول مبارز «٣». ويوم أحد أول مقاتل «٤»، ويوم الخندق بارز
_________________
(١) في (ش): هذه.
(٢) حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، أبو عدي، فارس شاعر جواد جاهلي يضرب المثل بجوده، كان من أهل نجد وزار الشام فتزوج من الغساسنة، ومات في جبل من بلاد طيئ اسمه عوارض، وذلك بعد ولادة النبي ﷺ بثمان سنوات تقريبا. [انظر الأعلام ٢/ ١٥١].
(٣) أخرج البخاري﵀- في تفسير سورة الحج، باب:" هذان خصمان اختصموا في ربهم" عن قيس بن عباد عن علي ﵁ قال:" أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة" قال قيس: وفيهم نزلت: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة" وأخرجه بنحوه في المغازي، باب قتل أبي جهل، وأخرجه مسلم في آخر كتاب التفسير، وهو آخر حديث في صحيحه.
(٤) أبلي الصحابة﵃- يوم أحد بلاء حسنا كحمزة وأبي دجانة ومصعب بن عمير، الذي كان يحمل راية المسلمين، فلما قتل دفعها رسول الله ﷺ إلى علي﵁-، ولما حمي القتال أمره الرسول ﷺ أن قدم الراية، فتقدم علي فناداه أبو سعد بن أبي طلحة، وهو-
[ ٢ / ٥٦٦ ]
عمرا «١»، وقد نكل عنه الناس، ويوم خيبر/ خصه النبيﷺ- «٢» بالراية، بعد رجوع الشيخين بها «٣» لم يفتح عليهما، فقتل مرحبا «٤» في
_________________
(١) - صاحب لواء المشركين أن يبارزه فبارزه علي فقتله. [انظر سيرة ابن هشام المجلد الثاني ص ٧٣ - ٧٤، وزاد المعاد ٣/ ١٩٧] قلت: ولم أجد ما يدل على أن عليا أول من قاتل، فلعله أول من بارز كما سبق. والله أعلم.
(٢) عمرو بن عبد ود العامري من بني لؤي، من قريش: فارس قريش وشجاعها في الجاهلية حضر غزوة الخندق مع المشركين، وقد تجاوز الثمانين. [انظر الأعلام ٥/ ٨١] وخبر مبارزة علي له في مستدرك الحاكم ٣/ ٣٢ - ٣٣، وسيرة ابن هشام المجلد الثاني ص ٢٢٥.
(٣) في (ش)، (م): ﵇.
(٤) أخرج الحاكم في مستدركه (٣/ ٣٧) عن علي أنه قال: يا أبا ليلى أما كنت معنا بخيبر قال بلى: والله. كنت معكم. قال فإن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر إلى خيبر فسار بالناس، وانهزم حتى رجع" قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي في التلخيص. وأخرج الحاكم أيضا في نفس الموضع عن علي قال: سار النبي ﷺ إلى خيبر فلما أتاها بعث عمر﵁- وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم فقاتلوهم، فلم يلبثوا أن هزموا عمر وأصحابه فجاءوا يجبنونه ويجبنهم فسار النبي ﷺ. الحديث. هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قلت وتبعه الذهبي فقال صحيح. وأما اعطاءه الراية يوم خيبر. فخبره مشهور. قلت: ما تقدم لا ينقص من قدر الشيخين﵄- ولا يقلل من فضلهما، بل تقديم النبي ﷺ لهما في حمل الراية يدل على فضلهما أما الفتح فهذا بيد الله سبحانه وقد كان في الوقت الذي حمل علي فيه الراية.
(٥) مرحب اليهودي الذي برز في غزوة خيبر فخرج له عامر بن الأكوع فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر﵁- ولما أخذ الراية علي﵁- برز مرحب، وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب فبرز له علي﵁- فضرب رأسه ففلقه فقتله وكان الفتح [انظر صحيح مسلم كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد وغيرها، حديث ١٣٢، ومسند أحمد (٤/ ٥١، ٥٢].
[ ٢ / ٥٦٧ ]
جماعة، من اليهود «١»، وكان الفتح على يده «٢»: وفي يوم حنين قتل ذا الخمار برازا «٣». وفر الناس عن النبي﵇- فلم يبق معه إلا هو «٤» سابع سبعة «٥»، وأنه لم يرجع عن مقبل، ولا تبع مدبرا ونحو ذلك مما حصل بمجموعه العلم بشجاعته.
وإن شئت فسم الأول تواترا منفردا «٦» والثاني تواترا مركبا، أعني من
_________________
(١) في (أ): واليهود، وفي (ش) جماعة اليهود.
(٢) حديث اعطاء الرسول ﷺ الراية لعلي يوم خيبر وفتح الله على يديه: أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب غزوة خيبر، في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي، وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب غزوة ذي قرد وغيرها، حديث ١٣٢، والترمذي في كتاب المناقب، باب مناقب علي، وأحمد في المسند (١/ ١٨٥، ٤/ ٥٢).
(٣) ذو الخمار: عوف بن الربيع بن سماعة. شجاع يعرف بذي الخمار، لأنه لبس خمار امرأته في معركة فطعن الكثيرين من مقاتليه فيها، فكانوا إذا سئل أحدهم: من طعنك؟ قال: ذو الخمار فاشتهر بهذا اللقب. وكان حامل راية المشركين في غزوة حنين. فقدم إليه علي﵁- وأحد الأنصار، وذو الخمار على جمل فضرب علي عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصاري فضربه ضربة طيرت قدمه بنصف ساقه، فسقط عن رحله. [انظر سيرة ابن هشام المجلد الثاني ص ٤٤٥، والأعلام ٥/ ٩٥] قلت: ولم يكن في القصة أنهما تبارزا. والله أعلم.
(٤) في (أ): الا وهو.
(٥) اختلف الناس في عدد من بقي مع رسول الله ﷺ يوم حنين فقيل: أربعة نفر، وقيل: سبعة، وقيل: عشرة، وقيل: اثنا عشر، وقيل: ثمانون، وقيل: مائة. وليس في الروايات ما يدل على حصر العدد [انظر مسند الإمام أحمد ١/ ٤٥٣، وجامع الترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٤٤].
(٦) في (أ): مفرادا.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
مجموع قضايا. وإن شئت سم الأول كليا، والثاني جزئيا لا حجر في شيء من ذلك «١».
وأما الآحاد: فما رواه العدل الضابط عن مثله عن مثله «٢» إلى محل صدوره، ثم ينقسم إلى مستفيض وغيره، فالمستفيض أعلى من الآحادي، ودون التواتر «٣».
_________________
(١) المتواتر- عند كثير من المحدثين والأصوليين- لغة: التتابع، نقول: تواتر المطر، أي تتابع نزوله. واصطلاحا: ما رواه جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه. وهو لفظي كما ذكر المؤلف ومعنوي. ويفيد القطع بصدقه أي يفيد العلم ويوجب العمل به، ولابن تيمية رأي طيب فيما يفيد العلم وملاحظة على التعريف المتقدم فهو يقول:" والصحيح ما عليه الأكثرون: أن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة، وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم، وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر يحصل العلم بمجموع ذلك، وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة. وأيضا فالخبر الذي تلقاه الأئمة بالقبول تصديقا له أو عملا بموجبه يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف، وهذا في معنى التواتر، لكن من الناس من يسميه المشهور والمستفيض، ويقسمون الخبر إلى متواتر، ومشهور وخبر واحد " اهـ. ثم مثل على ذلك بحديث (إنما الأعمال بالنيات) الذي هو من غرائب الحديث وليس أصله متواترا ولكن تلقته الأمة بالقبول والتصديق وصار مقطوعا به لا أحد يشك في صحته. وبين أن مما يبين عدم انضباط هذا التقسيم للحديث أن عدد التواتر غير منضبط فهم مختلفون فيه من أربعة إلى ثلاثمائة وستة عشر، وهذا مما يدل على بطلان هذا التقسيم. [انظر فتاوى ابن تيمية ١٨/ ٤٨ - ٥١، ونزهة النظر لابن حجر ص ٢٦، والمغني في أصول الفقه للخبازي ص ١٩١، وتيسير مصطلح الحديث للطحان ص ١٨، ١٩].
(٢) في (أ):" الضابط عن مثله إلى محل ".
(٣) المستفيض هو: المشهور على رأي جماعة. وعلى رأي آخرين: الحديث الذي روته الجماعة وكان في ابتدائه وانتهائه سواء. والمشهور أعم من ذلك. ومن الأصوليين من يجعل المستفيض قسم مستقل على حدة دون المتواتر وفوق المشهور عند المحدثين. [انظر نزهة النظر ص ٢٣، ٢٤، ومقدمة ابن الصلاح ص ٢٣٨ - ٢٤٢، والحديث النبوي للصباغ ص ١٨٨] قلت: وهو حجة يفيد العلم ويوجب العمل كما تقدم في قسم الدراسة.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
فإذا عرفت هذا فمعجزات النبي ﷺ متواترة «١».
لكن القرآن تواتره لفظي: وما عداه منها تواتره معنوي، على ما بينا وسنبين، بضرب المثال وحينئذ يتبين أن قوله:" إن «٢» ما عدا القرآن من معجزاته آحاد مردودة، عند علماء المسلمين" كلام شخص غير محصل وإنما المردود عندهم هو إخبار الواحد عن الواحد أو الاثنين «٣» في قضية واحدة فهذا يوجب العمل، ولا يفيد العلم، ولا يثبت به أصل من أصول الشريعة ولا يرد به عليها «٤» قدح «٥».
_________________
(١) ليست كل معجزات النبي ﷺ وردت إلينا بالتواتر على اصطلاح المحدثين والفقهاء. وإنما منها ما ورد بطريق التواتر ومنها ما جاء بطريق المشهور والمستفيض ومنها ما هو خبر واحد تلقته الأمة بالقبول كحديث تسليم الحجر على النبي ﷺ كما سيأتي ص: ٥٧٢ من هذا الكتاب. ولكن يحمل كلام المؤلف﵀- على ما قاله المازري:" إذا روى الصحابي مثل هذا الأمر العجيب وأحال على حضوره فيه مع سائر الصحابة، وهم يسمعون روايته ودعواه، أو بلغهم ذلك ولا ينكرون عليه: كان ذلك تصديقا له يوجب العلم بصحة ما قال". [انظر هامش ص ٥٦٤ من هذا الكتاب] وأيضا: فإن مجموع ما روي من معجزات محمد ﷺ يحصل منه التواتر بأن له معجزات غير القرآن كما مثل الطوفي﵀-.
(٢) ان: ليست في (م).
(٣) في (م): والاثنين.
(٤) في (أ): علينا وفي (ش): ولا يرد عليها.
(٥) خبر الواحد لغة: ما يرويه شخص واحد، وفي اصطلاح المحدثين: ما لم يجمع شروط المتواتر. وعند الأصوليين: الذي يرويه الواحد أو الاثنان فصاعدا بعد أن يكون دون المشهور- المستفيض- والمتواتر. [انظر نزهة النظر ص ٢٦، والمغني في أصول الفقه للخبازي ص ١٩٤]. قلت: وخبر الواحد حجة شرعية في أصول الشريعة الإسلامية إذا رواه مسلم عاقل عدل تام الضبط عن مثله إلى محل صدوره، كما سبق بيان ذلك في قسم الدراسة من هذا البحث.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وقد بينا- فيما سبق «١» - أن جميع ما أورده هذا الخصم من أخبار «٢» الآحاد التي زعمها قادحة في الشريعة لا ترد علينا ولا يلزمنا الجواب عنها، وإنما أجبنا عنها في أماكنها تبرعا.
إذا عرفت هذا. فالقرآن معجز ثابت بالتواتر اللفظي، كما سنبين، وباقي المعجزات بالتواتر المعنوي. وقد صنف الناس فيها كتبا ضخمة كالشفاء للقاضي/ عياض، والوفاء بفضائل المصطفى، لأبي الفرج ابن الجوزي «٣»، ودلائل النبوة، للبيهقي «٤»، والبشر بخير البشر، لابن ظفر «٥».
ورأيت لبعض المغاربة: دلائل النبوة ومعجزاتها عشر مجلدات، وغير ذلك مما لم أقف عليه كثير. وإنما أذكر منها هنا جملة منبهة على غيرها:
فمنها: ما أخرجاه/ في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله ﷺ «٦»: اشهدوا.
والروايات بانشقاق القمر في الصحيح عن ابن عمر، وابن عباس وأنس «٧».
_________________
(١) انظر ص: ٢٤٣ - ٢٤٥ من هذا البحث.
(٢) في (أ): من جميع الآحاد.
(٣) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٧٩.
(٤) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٨٠.
(٥) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٧٩.
(٦) ﷺ: ليست في (أ).
(٧) انظر هامش ص: ٢٥٧ من هذا البحث.
[ ٢ / ٥٧١ ]
ومنها: ما روى جابر بن سمرة «١». قال: قال رسول الله ﷺ: إن بمكة حجرا كان يسلم عليّ ليالي بعثت إني لأعرفه الآن. رواه مسلم «٢» والترمذي «٣» وقال: حسن غريب.
ومنها: ما روى علي بن أبي طالب قال:" كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله" رواه الترمذي «٤». وقال: حديث غريب.
ومنها: ما روى أنس/ أن رسول الله ﷺ خطب إلى لزق «٥» جذع، واتخذوا له منبرا، فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي ﷺ فمسكه «٦»
_________________
(١) جابر بن سمرة بن جنادة السوائي، حليف بني زهرة، نزل الكوفة، والبصرة وكان زياد بن أبيه يستخلفه على البصرة إذا سار إلى الكوفة، وكان شديدا على الخوارج. قتل منهم جماعة. توفي سنة ٥٨، وقيل: ٥٩ هـ. [انظر سير أعلام النبلاء ٣/ ١٨٣ - ١٨٦].
(٢) في صحيح مسلم كتاب الفضائل حديث ٢.
(٣) في كتاب المناقب، باب في آيات إثبات نبوة النبي ﷺ واللفظ له، وأخرجه الدارمي في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن، وأحمد في المسند (٥/ ٨٩، ٩٥، ١٠٥، وأبو نعيم في دلائل النبوة ص ٣٤٠.
(٤) في كتاب المناقب، باب رقم ٦ بترقيم إبراهيم عطوة. وأخرجه الدارمي في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم والجن والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢) وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وصححه الذهبي في التلخيص بهامش المستدرك.
(٥) في (ش): ابرق. والترمذي:" إلى عذق جذع" ومعنى إلى لزق جذع: أي بجانبه. [انظر لسان العرب ١٠/ ٣٢٩]. والصحيح أن الكلمة" عذق" لما سيأتي من تفسير الطوفي له.
(٦) " فمسكه" سقطت من (أ)، وفي الترمذي فمسه.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فسكن". رواه الترمذي «١» وقال:" حسن صحيح"، ورواه أحمد «٢» والبخاري بألفاظ متعددة «٣».
ومنها: ما روى ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال:
بم «٤» أعرف أنك نبي؟ قال: «إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة تشهد أني رسول الله؟ فدعاه «٥» رسول اللهﷺ- «٦» فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ، ثم قال له:" ارجع، فعاد. فأسلم الأعرابي. رواه/ الترمذي «٧» وقال:" حسن صحيح «٨» " والعذق: شمراخ النخل الذي فيه الرطب «٩».
_________________
(١) في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الخطبة على المنبر، وفي كتاب المناقب باب ٦ بترقيم إبراهيم عطوة، وهذا لفظ الترمذي في المناقب.
(٢) في المسند (١/ ٢٤٩، ٢٦٧، ٣٦٣ - ٣/ ٢٩٥، ٣٠٠، ٣٠٦، ٣٢٤).
(٣) في كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر، وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام. قلت: وأخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب مقام الإمام في الخطبة، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في بدء شأن المنبر، والدارمي في كتاب الصلاة، باب مقام الإمام إذا خطب والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٦٦.
(٤) في (أ): بما.
(٥) في (أ): فدعى، وفي (ش): فدعا.
(٦) ﷺ: ليست في (أ).
(٧) في كتاب المناقب، باب ٦ بترقيم إبراهيم عطوة، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٠) وقال: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وسكت عنه الذهبي في التلخيص موافقة له في حكمه.
(٨) عبارة الترمذي:" حديث حسن غريب صحيح".
(٩) العثكال الذي عليه الثمر. [انظر غريب الحديث للخطابي ١/ ٤٨٢، ولسان العرب ٣/ ٣١، والمصباح المنير ١/ ٣٨١].
[ ٢ / ٥٧٣ ]
ومنها ما روى يعلى بن مرة «١» قال: خرجت مع النبيﷺ- «٢» ذات يوم إلى الجبانة «٣»، حتى إذا أبرزنا «٤»، قال: انظر ويحك «٥» هل ترى من شيء يواريني «٦» "؟ قلت: ما أرى شيئا يواريك «٧» إلا شجرة، ما أراها
_________________
(١) أبو المرازم يعلى بن مرة بن وهب بن جابر الثقفي. ويقال: العامري. اسم أمه: سيّابة، فنسب إليها، فقيل: يعلى بن سيّابة. شهد الحديبية، وخيبر، والفتح، وحنينا، والطائف. وكان من أفاضل الصحابة. ولم تذكر سنة وفاته. [انظر الاستيعاب ٤/ ١٥٨٧، والإصابة ٣/ ٦٦٩، (ت: ٩٣٦١)].
(٢) ﷺ: ليست في (م)، (ش).
(٣) الجبانة: الجبّان والجبّانة الصحراء، وهي المراد هنا، وتسمى المقابر أيضا: جبّانة لأنها تكون في الصحراء، تسمية للشيء بموضعه. [انظر الفتح الرباني ٢٢/ ٤٤، والمصباح المنير ١/ ١١١، ومراصد الاطلاع ١/ ٣١٠].
(٤) وفي المسند: برزنا. وبرزنا: من البراز بالفتح: الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وقيل: البراز: الصحراء البارزة. فيكون معنى الجملة هنا: حتى إذا كنا في الفضاء الخالي من الشجر، أو في الصحراء البارزة. [انظر المصباح المنير ١/ ٥٦، وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٢٥].
(٥) ويحك: كلمة ترحم وتوجع. تقال لمن وقع في بلية يرحم ويدعى له بالتخلص منها. وهي مقابل كلمة ويل التي هي كلمة عذاب تقال لمن وقع في هلكة أو بلية لا يترحم عليه. قال ﷺ: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية" [أخرجه البخاري، في الصلاة، باب: ٦٣، ومسلم: في الفتن حديث: ٧] وقال ﷺ: «ويلك من يعدل إذا لم أعدل» [اخرجه البخاري في الأدب، باب ٩٥]، وانظر لسان العرب ٢/ ٦٣٨ - ٦٣٩].
(٦) أي يسترني. [الفتح الرباني ٢٢/ ٤٤].
(٧) يواريك: سقطت من: (م)، (ش).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
تواريك قال:؛ فما قربها «١»؟ " قلت: شجرة مثلها أو قريب منها. قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول اللهﷺ- «٢» يأمركما أن تجتمعا بإذن الله" قال: فاجتمعنا، فبرز لحاجته ثم رجع فقال:" اذهب إليهما فقل لهما" إن رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها فرجعت «٣».
قال: وكنت معه ذات يوم جالسا إذ جاء جمل يخب حتى برك بين يديه ثم ذرفت «٤» عيناه فقال:" ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا"/ قال: فسألت فوجدته «٥» لرجل من الأنصار، فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ قال:
لا أدري، عملنا «٦» عليه ونضحنا عليه «٧» حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال:" فلا تفعل هبة لي، أو بعنيه" قال «٨»: بل هو لك يا
_________________
(١) في المسند:" فما بقربها".
(٢) ﷺ: ليست في (أ)، (ش).
(٣) إلى هنا أخرجه مسلم بمعناه: في كتاب الزهد، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر حديث ٧٤، وبنحوه أخرجه ابن ماجه في كتاب الطهارة، باب الارتياد للغائط والبول، وأبو نعيم في دلائل النبوة ص ٣٣٣ - ٣٣٧.
(٤) عبارة المسند:" قال: وكنت عنده جالسا ذات يوم إذ جاءه جمل يخبب حتى صوب بجرانه بين يديه " وبجرانه: أي باطن عنقه [انظر الفتح الرباني ٢٢/ ٤٤].
(٥) عبارة المسند:" قال: فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته ".
(٦) في مسند أحمد:" لا أدري والله ما شأنه، عملنا ".
(٧) عليه: ليست في (أ).
(٨) في مسند أحمد: فقال.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
رسول الله. قال: فوسمه بسمة الصدقة «١» ثم بعث به «٢».
ومنها: أنه صح أن قتادة بن النعمان قلعت عينه في حرب فقال: يا رسول الله إن لي امرأة وأنا أحبها وأخاف أن تبغضني لعوري أو كما قال «٣»، وكانت قد سالت على خده. فأعادها النبي ﷺ إلى مكانها فكانت أحسن عينيه بعد «٤».
وروى البكري «٥» في سيرته: أن جابر بن عبد الله الأنصاري دعا النبي ﷺ إلى بيته في حفر «٦» الخندق" وقد ذبح له شاة وطبخها وكان له ابنان صغيران،/
_________________
(١) في (أ): للصدقة.
(٢) أخرجه بكامله بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٧٠ - ١٧١) والدارمي بمعناه في المقدمة، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم، والحاكم بغير هذا اللفظ في المستدرك (٢/ ٦١٧ - ٦١٨) وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة" وتبعه الذهبي في التلخيص فقال:" صحيح". وأخرجه البيهقي من طرق بألفاظ في دلائل النبوة (٦/ ١٨ - ٢٧)، وله شواهد عديدة متفرقة في كتب السنة.
(٣) في (م):" قال قال".
(٤) سبق تخرجه في هامش ص: ٢٦١ من هذا الكتاب.
(٥) أبو الحسن: أحمد بن عبد الله بن محمد البكري، تقدمت ترجمته في ص ١٧٨ من قسم الدراسة. وهو:" طرقي مفتر، لا يستحي من كثرة الكذب، شحن به مجاميعه وتواليفه، هو أكذب من مسيلمة". قلت: وهو غير العلامة أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز البكري الذي صنف في أعلام النبوة، وفي فنون شتى.
(٦) في حفر: سقطت من: (م).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فقال أحدهما للآخر: قم حتى أفعل بك، كما فعل أبونا بالشاة، فذبحه ثم جاء «١» ليجعله في التنور، وهو مسجور، فوقع الآخر على رأسه فيه فاحترق، فوقع الصائح في دار جابر. فأخبر النبي بذلك فدعا بهما، فشملهما بكساء أو نحوه، ثم توضأ وصلى ودعا الله، فقاما حيين «٢».
إلا أن هذا لم يثبت ثبوت غيره من الخوارق «٣».
ومنها: أنه﵇- يوم حنين لما ولى أصحابه نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم فقال:" شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله.
وقسم رسول الله غنائمهم «٤» بين المسلمين" رواه مسلم «٥»./
_________________
(١) فى (أ): ثم جاز.
(٢) لم أجد أن أحدا أخرج هذه القصة غير البكرى الكذاب، ولو كانت صحيحة لما تركها المحدثون وأهل السير، ولكانت مشهورة لأنها من الأمور ذات الشأن العظيم، وهو إعادة الأموات أحياء، وهذا لا يكون إلا لله ﷿ فهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. وهذه معجزة لعيسى ﵇ ولم تذكر لأحد من الأنبياء غيره. والله أعلم.
(٣) قلت: لا يليق بالطوفي إخراج مثل هذه الحكاية الكاذبة التي من طريق البكري وأمثاله ممن اشتهروا بالوضع والكذب.
(٤) فى صحيح مسلم:" فهزمهم الله﷿- وقسم رسول اللهﷺ- غنائمهم .. ".
(٥) فى كتاب الجهاد، باب غزوة حنين، حديث ٨١، وأخرجه أيضا في نفس الباب بألفاظ غير هذا. وأخرجه البيهقى فى دلائل النبوة (٥/ ١٣٧ - ١٤٥) من طرق متعددة وبألفاظ مقاربة لألفاظ مسلم. وأخرج القصة الإمام أحمد في المسند (١/ ٤٥٣ - ٤٥٤) ونقلها ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٣٢٢ - ٣٣٢ عن مسند الطيالسي، وعن مسدد في مسنده وابن عساكر، وذكر كل ما يتعلق بغزوة حنين من هذه الروايات.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وفي بعض الروايات أنه قال لبغلته: الصقي بالأرض فلصقت، فأخذ ترابا ثم قامت. وهذا لا ينافي قوله في رواية مسلم: نزل عن البغلة، لأنها لما لصقت بالأرض صار كالنازل عنها بالأرض، فشبه على الراوي فظنه نزولا حقيقيا خصوصا في ذلك الوقت الذي تشتبه الحقائق فيه على الإنسان لاشتغاله بالحرب والقتال «١».
ومنها: قوله لأصحابه:" إني لأراكم من وراء ظهري «٢» ".
ومنها: ما تواتر عنه من نبع «٣» الماء من بين أصابعه كالعيون في مرات كثيرة يطول- عليّ- ذكرها «٤».
ومنها: ما أخرج مسلم في أفراده من حديث أبي هريرة قال: كنا مع
_________________
(١) لم أجد هذه الرواية التي أشار إليها في كتب السنة، ولو كانت صحيحة لاستفاض خبرها مع أنها كما قال لا تنافي النزول بل في بعض روايات مسلم:" فأخذ حصيات" ولم يذكر أنه نزل ليأخذ، وفي بعض روايات البيهقى ورواية أحمد بل قال لابن عباس: ناولني كفا من تراب فناوله.
(٢) أخرجه البخاري فى كتاب الصلاة، باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة، وفي كتاب الأذان باب الخشوع في الصلاة، وأخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الأمر بتحسين الصلاة وإتمامها والخشوع فيها، بألفاظ متعددة. والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٧٣).
(٣) في (أ): من بيع.
(٤) انظر في ذلك ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، وفي كتاب المناقب، باب علامات النبوة، وفي الأشربة، باب شرب البركة، والماء المبارك، وفي كتاب الوضوء باب الوضوء من التور، وباب الغسل والوضوء في المخضب والقدح ، وما أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب في معجزات النبي ﷺ حديث ٤، ٥، ٦، ٧، والترمذي في كتاب المناقب باب ٦ بترقيم إبراهيم عطوة، والنسائي في كتاب الطهارة، باب التسمية عند الوضوء، والدارمي في المقدمة، باب ما أكرم الله النبي ﷺ من تفجير الماء بين أصابعه، وأحمد في المسند (٣/ ١٣٢، ١٤٧، ١٧٠، ٢١٥، ٢٨٩، ٣٤٣) وما أخرج غير هؤلاء في ذلك.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
النبي ﷺ في «١» مسير،/ فنفدت أزواد القوم، حتى هموا بنحر بعض جمالهم.
فقال عمر: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها ففعل. قال: فجاء ذو البر ببره وذو التمر بتمره، فدعا عليها/ حتى ملأ القوم أزودتهم. فقال عند ذلك:" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما «٢» إلا دخل الجنة" «٣».
وفي أفراده أيضا: من حديث سلمة بن الأكوع قال: خرجنا مع رسول الله في غزاة فأصابنا جهد، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا، فأمر نبي الله فجمعنا تزوادنا «٤» فبسطنا له نطعا فاجتمع زاد القوم «٥» فإذا هو كربضة العنز ونحن أربع
_________________
(١) في (ش): مع رسول الله صلى الله عليه.
(٢) فيها: ليست في: (م).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل عن أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا حديث ٤٤ عن أبي هريرة قال كنا مع النبيﷺ- في مسير، قال فنفدت أزواد القوم. حتى هم بنحر بعض حمائلهم. قال: فقال عمر: يا رسول الله: لو جمعت ما بقي من ازواد القوم فدعوت الله عليها. قال ففعل. قال فجاء ذو البر ببره، وذو التمر بتمره. قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواته. قلت: وما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. قال فدعا عليها. حتى ملاء القوم أزودتهم. قال فقال عند ذلك" أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" وأخرجه في نفس الموضع بغير هذا اللفظ حديث: ٤٥. وأخرجه البخاري أيضا بغير هذا اللفظ عن سلمة في أول كتاب الشركة وفي كتاب الجهاد، باب حمل الزاد في الغزو.
(٤) في صحيح مسلم:" فأمر نبي الله ﷺ فجمعنا مزاودنا" وقال النووي في شرح صحيح مسلم:" هكذا في بعض النسخ أو أكثرها. وفي بعضها: أزوادنا. وفي بعضها: تزوادنا" اهـ. قلت: هو من تزود تزويد وتزوادا. اهـ. ومعنى: فجمعنا: أي ما تزودناه. [انظر لسان العرب ٣/ ١٩٨].
(٥) في صحيح مسلم:" فاجتمع زاد القوم على النطع. قال فتطاولت لأحرزه كم هو؟ فحرزته كربضة العنز ". والنطع: وعاء من الأدم. [لسان العرب ٨/ ٣٥٧].
[ ٢ / ٥٧٩ ]
عشرة مائة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جربنا .. «١» ".
قلت: وهاتان قضيتان لوجهين:
أحدهما: أن الحديث الأول كان بإشارة عمر، وهذا كان ابتداء من النبيﷺ- «٢» على ظاهر الحديث.
الثاني: أنه تبين في غير هذا الطريق أن إشارة عمر كانت «٣» في غزوة تبوك وكان عسكرهم فيها فوق ثلاثين ألفا «٤»، وهذا الحديث أخبر أنهم كانوا أربع عشرة مائة. إلى قضايا كثيرة غير «٥» هذه، حصل لنا من مجموعها العلم الجازم
_________________
(١) الجرب: الوعاء من الجلد. [انظر المشوف المعلم ١/ ١٥١، لسان العرب ١/ ٢٦١]. قلت: وهذا آخر حديث في كتاب اللقطة في صحيح مسلم. وتمامه:" فقال نبي الله ﷺ-: (فهل من وضوء؟ قال فجاء رجل بإداوة له فيها نطفة- قليل من الماء- فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة- نصبه صبا- أربع عشرة مائة ) اهـ. قلت: ففيه معجزتان: الأولى: تكثير الطعام. والثانية: تكثير الماء.
(٢) في (أ): من النبي عليه وسلم، وفي (ش): ﵇.
(٣) " عمر كانت" مكررة في (أ).
(٤) اختلفت الروايات في عدد جيش المسلمين في تبوك، ففي صحيح مسلم: كتاب التوبة، باب حديث كعب بن مالك: حديث ٥٥:" وغزا بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان"، وذكر ابن حجر في الفتح أن الحاكم في الاكليل روى من حديث معاذ أنهم أكثر من ثلاثين ألفا، وهذا ما ذكره الواقدي في المغازي (٣/ ٩٩٦) وابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ١٦٦) وقد نقل عن أبي زرعة الرازي أنهم كانوا أربعين ألفا. (فتح الباري ٨/ ١١٧ - ١١٨) قلت: ويمكن الجمع بين الأقوال بأن العشرة آلاف هم فرسان والثلاثين غير الفرسان فيكون جميعهم أربعين ألفا. والله أعلم.
(٥) في (أ): عين.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
بظهور الخارق المطلق على يديه، وإن لم يحصل العلم بوجود كل واحدة واحدة من هذه القضايا الجزئية بعينها، فهذا هو التواتر المعنوي. وهذا المذكور في إطعام الخلق الكثير من زاد قليل، أعظم مما حكاه النصارى في الإنجيل عن المسيح أنه أطعم أربعة آلاف رجل وامرأة من خمس خبزات وحوتين، وفضل اثنتا «١» عشرة سلة «٢»، لأن العسكر كان في تبوك فوق ثلاثين ألفا.
فإن قيل: هذا إنما تواتر عند المسلمين، ولم يتواتر عندنا.
قلنا: لا يخلوا إما أن تشترطوا في التواتر ما اشترطه اليهود من أن المخبرين به لا يجمعهم دين واحد أولا تشترطوا ذلك،/
فإن اشترطتموه لئلا يلزمكم تواتر هذه الخوارق لمحمد، لزمكم مثله لليهود فإنهم يقولون: ما تواترت عندنا خوارق المسيح. والنصارى متهمون.
وإن لم تشترطوه فهذه خوارق قد تواترت عند المسلمين في شرق الأرض وغربها، فيلزمكم التصديق بها.
ثم نفرض الكلام معكم في هذا الخارق الخاص: وهو إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير.
فنقول: كما لم يتواتر ذلك/ عندكم عن محمد، كذلك/ لم يتواتر عندنا عن المسيح، بل إنجيلكم رأيناه، فإن سلمتم سلمنا، وإن منعتم منعنا.
فإن قلتم: نمنع وتمنعون، ثم نرجع إلى ما سلمتموه من إحياء الموتى ونحوه فأنتم إلى ماذا ترجعون؟.
_________________
(١) في (أ):" اثنتي" بالنصب أو الجر. وهو خطأ نحوى.
(٢) انظر إنجيل يوحنا الأصحاح السادس.
[ ٢ / ٥٨١ ]
قلنا: أما أولا «١»: فنحن ما سلمنا معجزات المسيح المطلق الذي تعتقدونه أنتم إلها أو ابن إله. وتعتقده اليهود: ابن يوسف النجار، أو لبغيّة «٢»، وإنما سلمنا معجزات المسيح، الذي بشر بمحمد وشهد له بالرسالة، وأمر من أدركه منكم باتباعه. أما مسيحكم «٣» الذي تعنونه فلا نسلم أنه كان له وجود فضلا عن أنه أتى بمعجز أو غيره «٤».
ولو سلمنا ذلك لكم للزمنا أن نعتقد إلهيته كما اعتقدتم. وذلك خروج عن دين الإسلام والسلام.
وأما ثانيا: فإنا نرجع إلى القرآن، وسنبين وجه كونه معجزا.
وقوله:" إن أهل الباطل والكذب متبعوه إلى جهنم يوم القيامة".
_________________
(١) فى (م): أما الأول.
(٢) في (أ)، (م): لغية. والصحيح ما أثبته. ومعنى بغية: زانية. [انظر تفسير القرطبي ١١/ ٩١].
(٣) فى (أ): مستحم.
(٤) ورد إلى مصر نصراني في زمن العز بن عبد السلام فناظره فكان مما قال النصراني: إذا أجبتني على هذه المسألة دخلت الإسلام ثم قال:" أيهما أفضل المتفق عليه أو المختلف فيه، فقال الشيخ عز الدين: المتفق عليه. قال النصراني: فقد اتفقنا نحن وأنتم على نبوة عيسى واختلفنا في محمد، فيلزم أن يكون عيسى أفضل وأن تتبعوه فقال العز: أي عيسى تعني؟ إن كنت تعني عيسى الذي قال لبني إسرائيل: ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] فهو الذي نوافق على نبوته ويلزمك أن تتبعه فيما قال، وتؤمن بأحمد الذي بشر به، وإن كنت تعني عيسى لم يقل ذلك فهذا لا نؤمن به، ولا نوافق عليه، فقامت الحجة وأسلم النصراني". اهـ. (انظر دراسة المحقق للأجوبة الفاخرة للقرافي ص ٤٤).
[ ٢ / ٥٨٢ ]
قلنا: هذا سوء أدب لا يليق على عامة الناس، بل أشرافهم، فضلا عن الأنبياء أرباب الأديان العامة والنواميس المشهورة. ولكن هذا النصراني قد يعذر طبعا في هذا السفه، فإنه قد عاش في أرض الإسلام عمره ذليلا مهانا عليه الجزية، ملتزما أحكام الملة،/ لم يقدر على شفاء غيظ، ولا إراقة فيض، فشفى غيظه بالسفه خفية، كما قال بعضهم:
" أوسعتهم سبا، وراحوا بالإبل «١» "
وكما قالت العامة في المثل: ألستم في الهوى، والصفع في القفا؟ «٢»
قوله:" وأهل الحق القليلون بالنسبة إلى هؤلاء يتبعون سيدنا المسيح إلى الحياة الدائمة".
قلنا: هذا مستدرك من وجهين:
أحدهما: قولك: إنكم قليلون بالنسبة إلى المسلمين. إن عنيت في دار
_________________
(١) قيل: إن رجلا من العرب أغير على إبله فأخذت، فصعد أكمة وجعل يشتم من أخذها فلما رجع إلى قومه سألوه فقال:" أوسعتهم سبا وأودوا بالإبل" وقيل: أن أول من قال ذلك: كعب بن زهير. وذلك أن الحارث بن ورقاء أغار على بني عبد الله بن غطفان، واستاق إبل زهير وراعيه فقال قصيدة وأرسلها إلى الحارث فلم يرد الإبل، فهجاه فقال كعب: أو سعتهم سبا وأودوا بالإبل فذهبت مثلا. [انظر مجمع الأمثال ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤].
(٢) لم أعرف من قاله. وقد أورد الميدانى في مجمع الأمثال (٢/ ٢٥٧) مثلا للمولدين قريبا منه وهو:" لو وقعت من السماء صفعة ما سقطت إلا على قفاه".
[ ٢ / ٥٨٣ ]
الإسلام فهو صحيح. لكن مرادك خلافه بمقتضى كلامك: يتبعون سيدنا المسيح، فإن هذا يعم- بزعمك- كل نصراني ينتحل دين المسيح، فيكون التهافت على هذا التقدير بين لفظك ومرادك. وإن عنيت مطلقا، فالنصارى أكثر الأمم فإنهم استقلوا بالبلاد الشامية «١»، وأطراف السواحل، وهم أهل الحبشة وملاكها، وبهم وبيأجوج ومأجوج «٢» تمتلئ جهنم إن شاء الله.
الوجه الثاني: قولك:" سيدنا المسيح".
من سيدك المسيح؟ لعمري إن مع التحقيق سيدك المسيح ضاع. لأن المسلمين قالوا: ما قتل ولا صلب، بل رفعه الله إليه. وأنتم تقولون: قتل وصلب ودفن وقام «٣» بعد ثلاث من الأموات، واليهود وافقوكم على صلبه، وخالفوكم في قيامه. فعلى قولهم سيدكم المسيح قد صار رميما، ثم إذا كان يوم القيامة كان لكم أشد
_________________
(١) فى (م): الشمالية.
(٢) يقال: إنهم من نسل يافث، أمتان كل أمة أربعمائة ألف أمة، كل أمة لا يعلم عددها إلا الله، لا يموت رجل منهم حتى يولد لصلبه ألف رجل وهم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع. وصنف: عرضه وطوله سواء، وصنف يفترش أذنه ويلتحف الأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم وقيل: صنف منهم بطول شبر سيفسدون في الأرض بالظلم والقتل وسائر وجوه الإفساد من البشر، يمنعهم الله من الدخول إلى مكة والمدينة وقد ورد من النقول ما يضيق المقام بذكرها والحكم عليها. (انظر تفسير الطبري ١٦/ ١٧ - ٢٢، وتفسير القرطبي ١١/ ٥٦ - ٥٨، وتفسير ابن كثير ٣/ ١٠٣ - ١٠٤).
(٣) وقام: ليست في (م).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الناس خصما لكذبكم وافترائكم عليه واتخاذه إلها،/ ومخالفتكم لوصاياه من بعده.
ثم يلزمه من هذا الكلام تناقض آخر: وهو أنه قد سبق منه انكار النعيم الحسي في الآخرة من الأكل والشرب والنكاح «١».
ثم قد/ أثبت هاهنا جهنم، وذكرت في الإنجيل في مواضع كثيرة، تارة بلفظها وتارة بمعناها، فيقول:" هنالك تكون الظلمة، وصرير الأسنان «٢» " وهذا عذاب حسي. فالحكمة تقتضي اتحاد جنس الثواب والعذاب. فإما أن يكونا حسيين، وهو نقض لما سبق منه من إنكار النعيم الحسي، وإما عقليين، كما احتج عليه في طرف «٣» النعيم بقول" ابن سينا" في" الإشارات" فيلزمه أن يكون العذاب عقليا، كما قرره الفلاسفة. وفي ذلك ترك ما صرح به الإنجيل من العذاب الحسي.
[المعجزة الخالدة، والرد على النصراني في إنكاره إعجاز القرآن وبلاغته]
قال:" وإذ فرغنا من الكلام في أنه لم يتحل بمعجزة قدمها بين يدي دعواه/ ولا أظهرها بعد ذلك، فلا متمسك لمنازع إلا أن يقول: القرآن معجزة لفصاحته".
قال:" ولا حجة في ذلك، لأن الفصاحة هي التقرب من البغية، والتباعد من حشو الكلام. وقيل: دلالة اللفظ على المعنى بشرط إيضاح وجه المعنى «٤» ونظامه،
_________________
(١) انظر ص: ٥٠١ من هذا الكتاب.
(٢) انظر الأصحاح الخامس والعشرين من انجيل متى.
(٣) هكذا في النسخ الثلاث:" طرف" ولعل الأصح:" طرفي" أي الحسي والعقلي.
(٤) في (أ): المعني.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وقلة «١» الألفاظ واختصارها، وإذا تأملت جميع القرآن وجدت أكثر عباراته لا توضح وجه المعنى، ولا تتأتى معانيه على نظام مناسب «٢» والدليل على ذلك:
أن المفسرين مع كثرة عددهم يفنون أعمارهم في الاختلاف في تأويله ويصنفون فيه التصانيف الطويلة، ويقع بينهم الشر والمخالفات، ولا ينفصلون عن معارك النزاع والتضاد في تفسيره، ويتفرقون فرقا ملقبة كالعلوية «٣» والبكرية «٤»،
_________________
(١) في (أ): وقبله.
(٢) مناسب: ليست في (أ).
(٣) العلوية: كل من كان من نسل علي بن أبي طالب﵁- يقال له علوي، وهم كثيرون، إلى عصرنا هذا، وباسمهم قامت الدولة العلوية نسبة إلى مؤسسها الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل الحسني العلوي المتوفى سنة خمسين ومائتين من الهجرة في طبرستان وكان آخر رجالها الحسن بن قاسم العلوي الذي قتل سنة ٣١٦ هـ. ولكن توسع في إطلاق اسم" العلويين" على كل من ناصر دولتهم من الشيعة عموما. وهؤلاء يؤلهون عليا﵁- ويقولون بالحلول والتناسخ في أئمتهم وهم أكفر من اليهود والنصارى كما ذكر ابن تيمية﵀- وغيره من علماء المسلمين، لا يصلون ولا يصومون. وهم ينتسبون إلى رئيسهم محمد بن نصير. ومن كفرهم أنهم إذا سمعوا المؤذن في مساجد المسلمين يقولون:" لا تنهق علفك يأتيك". [انظر الكامل في التاريخ ٦/ ٣١٦، والأعلام ٢/ ١٩١، ٢١٠، ورحلة ابن بطوطة ١/ ٩٦ - ٩٧، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص ٦١، والملل والنحل ١/ ١٨٨ - ١٨٩، والجزء الأول من الجواب الصحيح- رسالة دكتوراه- للدكتور علي بن حسن العسيري ص ١٧٧].
(٤) البكرية: أصحاب بكر بن أخت عبد الواحد بن يزيد، ويقال له: بكر بن زياد الباهلي. الدجال الوضاع. من مذهبه أن الكبائر من أهل القبلة نفاق، ومرتكبها عابد للشيطان مكذب لله منافق، وهو مع ذلك مسلم مؤمن والقاتل لا توبة له وقتال علي وطلحة بن الزبير كفر وشرك لكن مغفور لهم. وأن الله يرى يوم القيامة في صورة يخلقها ويكلم عباده منها. [انظر مقالات الإسلاميين ص ٢٨٦ - ٢٨٧، والفرق بين الفرق ص ٢١٢].
[ ٢ / ٥٨٦ ]
والمعتزلة «١»، والأشعرية «٢»، وغيرهم من طوائف عديدة، يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ويقبح قوم مذهب قوم ولا يقعون على تفسير يتفق أهل الملة بجملتهم عليه ولا شطرها ويكفيك في ذلك شهادة القرآن لما قلناه./ حيث يقول:" وما يعلم تأويله إلا الله «٣» ".
قلت: قد بينا: أن محمدا ﷺ تحلى بالمعجزات. وأما القرآن فهو معجز عظيم لفصاحته، واشتماله على الأخبار بالغيوب، وإفحامه العرب العاربة «٤»:
أهل الفصاحة.
وأما ما ذكره من حد الفصاحة أولا، فهو جيد، وهو موجود في القرآن فإن معانيه إلى الفهم تسبق ألفاظه إلى السمع.
وأما ما ذكره ثانيا ففاسد. لأنه لا خلاف عند أحد من العالم أن العرب كانوا فصحاء في نثرهم ونظامهم./ مع أن في كلامهم الفصيح ما هو مجمل لا يتضح فيه وجه المعنى.
_________________
(١) تقدم التعريف بهم في الدراسة ص: ٨٤.
(٢) تقدم التعريف بها في قسم الدراسة ص: ٨٥.
(٣) سورة آل عمران، آية: ٧.
(٤) العرب العاربة: العرب جيل من الناس معروف، خلاف العجم. والعرب العاربة هم الخلص منهم وأخذ من لفظه فأكد به، كقولك: ليل لائل، وتقول: عرب عاربة وعرباء: أي صرحاء، ومتعربة ومستعربة: دخلاء ليسوا بخلص. والنبي ﷺ بعث في قريش وهم من العرب الخلص الفصحاء فكان القرآن معجزة من جنس ما برعوا فيه. [انظر لسان العرب ١/ ٥٨٦، وسيرة ابن هشام المجلد الأول ص ٧ - ١٢].
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ثم إنك أنت نصراني علج، أقلف اللسان، ما لك وللفصاحة، والبلاغة «١» لها قوم تكلموا فيها.
فقالوا: الفصاحة: خلوص اللفظ من التعقيد، الموجب لقرب فهمه، ولذاذة «٢» استماعه. وذلك باشتماله على صفات ذكرت في مواضعها «٣»، والبلاغة: كون الكلام الفصيح موصلا للمتكلم إلى أقصى مراده «٤»، وقال أمير المؤمنين علي﵇-: البلاغة: ما رضيته الخاصة، وفهمته العامة" «٥».
وقال في لفظ آخر: البلاغة: أن تقول فلا تبطىء، وتصيب فلا تخطئ «٦» وهذا «٧» كله موجود في القرآن.
وقوله:" عبارة القرآن لا توضح وجه المعنى، ولا تأتي على نظام مناسب.
سوء فهم وقصور في النظر «٨»، ويكفي في بطلان قوله أن عامة الناس وخاصتهم يفهمونه إذا سمعوه «٩».
_________________
(١) الفصاحة لغة: البيان. نقول: رجل فصيح وكلام فصيح: أي بليغ. والبلاغة: الفصاحة. [انظر لسان العرب ٢/ ٥٤٤، ٨/ ٤٢٠].
(٢) في (م): وإرادة.
(٣) الإكسير في علم التفسير، للمؤلف ص ١٠٧ ط مكتبة الآداب.
(٤) الإكسير في علم التفسير ص ١٠٧ ط السابقة.
(٥) لم أجدها في نهج البلاغة المنسوب إلى علي ﵁.
(٦) لم أجدها في نهج البلاغة المنسوب إلى علي ﵁.
(٧) في (أ): ولهذا.
(٨) في (أ): اللنظر.
(٩) يكفي في الرد على النصراني في هذا قصة النجاشي﵀- وأساقفة النصارى في مملكته حين قرأ جعفر بن أبي طالب﵁- أول سورة مريم فبكوا حتى أخضلوا لحاهم. وذكر أن نصرانيا لما سمع قوله تعالى: ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللَّهَ ويَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [سورة النور، آية: ٥٢] قال:" جمعت هذه الآية ما أنزل على عيسى من أمر الدنيا والآخرة". [انظر منحة القريب المجيب ص ١٨٥].
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وأما اختلاف المفسرين في بعضه فليس لما «١» ذكر، بل تارة للخلاف في أسبابه، وتارة لاختلاف مذاهبهم، فيطلبون تأويله عليها، وتارة لإجمال في ألفاظه/ وذلك من وجوه إعجازه حيث كان فصيحا، بالنسبة إلى كل قوم يفهمون منه ما يدعونه، وليس من شرط الفصاحة النصوصية على المراد ألا ترى إلى شعر امرئ القيس «٢» ونحوه من الشعراء الجاهلين، لا خلاف في فصاحته مع كثرة احتمالاته واجمالاته «٣».
وأما تكفير بعض الطوائف بعضا «٤» فليس سببه اشتباه القرآن، بل ذلك لمواد عقلية وفلسفية دخيلة على الإسلام، كما عرف من مذهب المعتزلة ونحوهم.
وأما قوله:" لم يتفقوا على تفسير شيء منه" فباطل. بل قد اتفقوا على كثير منه، والخلاف فيما اختلفوا فيه منه، ليس لأمر عائد إلى لفظه ولا بدّ بل وإلى أمور خارجة.
_________________
(١) في (ش): كما.
(٢) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من بني أكل المرار، أشهر شعراء العرب في الجاهلية. يماني الأصل. قيل: ولد بنجد، وقيل: باليمن. اشتهر بلقبه:" امرئ القيس" واختلف في اسمه: فقيل: حندج وقيل: مليكة، وقيل: عدي. أبوه ملك أسد وغطفان، وأمه أخت المهلهل الشاعر المشهور. كان امرؤ القيس من الغارقين في اللهو والمجون يشبب بالنساء، ويشرب الخمر، وشعره يشهد بذلك. مات قبل الهجرة بنحو ثمانين عاما. [انظر الأعلام ٢/ ١١ - ١٢].
(٣) «واجمالاته»: ليست في (ش).
(٤) بعضا: ليست في (أ).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وبالجملة فإن توقف الأمر معك على ثبوت فصاحة القرآن، استرحنا لأن الفصاحة يرجع فيها إلى أهلها. وقد اتفقوا على فصاحته./
وقوله:" وما يعلم تأويله إلا الله" ليس في جميع القرآن. كيف؟ وقد ادعى أن الناس صنفوا في تأويله التصانيف الكثيرة. وهل يصنف أحد فيما لا يعلمه؟
وإنما ذلك في ما تشابه منه حيث قال سبحانه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ (٧) «١».
يعنى تأويل المتشابه «٢». اتفق العلماء على أن هذا مراده.
_________________
(١) سورة آل عمران، آية: ٧.
(٢) اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات:" فقال بعضهم: المحكمات ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره. والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل فما استأثر الله تعالى بعلمه" مثل وقت قيام الساعة ونحو ذلك ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور. وهذا أحسن ما قيل في ذلك وليس المجال مجال تعدادها. والقرآن الكريم يحتوي على المحكم والمتشابه. والمتشابه منه يحمل على المحكم. وأهل العلم الراسخون فيه يعلمون المحكمات التي في غاية البيان والصراحة ويردون إليها المشتبهات التي تحصل فيها الحيرة لناقص العلم والمعرفة. ومعنى قوله تعالى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ إن أريد بالتأويل معرفة عاقبة الأمور، وما تنتهي إليه، فإن العالم بذلك إنما هو الله تعالى. وإن أريد بالتأويل التفسير ومعنى الكلام على ما يفهم من كلام العرب كان العالم بذلك الله تعالى والعلماء الراسخون في العلم. أما المتشابه بغير اضافته إلى المحكم ومعرفة ما يؤول إليه الأمر فيه فاتفق العلماء على أن الله هو الذي يعلمه دون غيره كما ذكر المؤلف﵀-. [انظر تفسير الطبري ٣/ ١٨٢ - ١٨٤، وتفسير القرطبي ٤/ ٩ وما بعدها وتفسير ابن كثير ١/ ٣٤٤ - ٣٤٨، وتفسير السعدي ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨].
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ثم إن ما ذكره في القرآن والمسلمين لازم عليه في الإنجيل والنصارى. فإن في الإنجيل إجمالات كثيرة تتوجه إليها الاحتمالات،/ ولذلك اختلفت النصارى حتى كانوا يعقوبية «١»، وملكانية «٢» ونسطورية «٣»، وغير ذلك، يكفر بعضهم بعضا.
_________________
(١) اليعقوبية: أتباع يعقوب البراذعي الذي ظهر في وسط القرن السادس الميلادي. ويقولون إن المسيح طبيعة واحدة، وقد امتزج فيه عنصر الإله بعنصر الإنسان، وتكوّن من الاتحاد طبيعة واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت. فصار المسيح هو الله، وأن الله مات وصلب وقتل. فبقي العالم ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع حادثا وعاد قديما. [انظر الملل والنحل ١/ ٢٢٥ - ٢٢٨، والفصل ١/ ١١١]، قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الآية: ١٧ من سورة المائدة، والآية: ٧٢ أيضا.
(٢) الملكانية: قيل: نسبة إلى" ملكا" الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها، وقيل: سموا بذلك لوقوفهم في صف الملك الذي أعلن أن عيسى طبيعة واحدة فلقبهم مخالفوهم بذلك ازدراء. وهم القائلون: إن الله عبارة عن ثلاثة أشياء: أب وابن وروح القدس. وإن عيسى إله تام كله، وإنسان تام كله، ليس أحدهما غير الآخر. وإن الإنسان منه هو الذي صلب وقتل، والإله منه لم ينله شيء من ذلك، وأن مريم ولدت الإله والإنسان، وأنهما شيء واحد. [انظر الفصل ١/ ١١٠ - ١١١، والموسوعة العربية الميسرة ص ١٧٤٢]. قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ الآية ٧٣ من سورة المائدة.
(٣) النسطورية: أتباع نسطور الذي كان بطريركا على القسطنطينية في أوائل القرن الثاني الميلادي، وقد زعم أن المسيح إله تام وإنسان تام ليس أحدهما غير الآخر غير أن مريم ولدت الإنسان وأن الله لم يلد الإنسان إنما ولد الإله، فالإله ليس مولودا لمريم. [انظر الفصل ١/ ١١١] قال الله تعالى: وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ ورُهْبانَهُمْ -
[ ٢ / ٥٩١ ]
قال:" ووجدت أيضا ألفاظه قليلة الاختصار، كثيرة التكرار في إيراده القصص وغير ذلك كسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)، وسورة الرَّحْمنُ فإنك تجد فيها ما يعنيك وتقمع به معاديك".
قلت: هذا كلام من لا يعلم، وهو جدير أن يتعلم ثم يتكلم «١».
أما تكرار القصص فله فائدتان:
إحداهما: أن القرآن كان ينزل شيئا فشيئا «٢»، ويحتاج أن يحمل إلى أقطار الأرض لينتفع الناس بما فيه من أمر ونهي، ووعد ووعيد، ووعظ وأخبار ونحوه وكان المهم دعاءهم إلى الإسلام، وذلك بترهيبهم مما جرى لمخالفين من الأمم قبلهم وترغيبهم فيما فاز به المؤمنون، فكررت القصص وكانت مختلفة الألفاظ ليتفرق في البلاد كذلك، فيسمعها الناس في الأقطار وتكون باختلاف ألفاظها ادعى إلى القبول، لأن النفوس مشغوفة بمعاداة المعادات، كما قد أنكرت أنت التكرار.
_________________
(١) - أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة: ٣٠ - ٣١].
(٢) قلت: وقريش وهم من العرب الخلص أهل الفصاحة والبلاغة والعناد للنبي ﷺ، قد كانوا يلتمسون أي مطعن في القرآن ويسلكون كل طريق لرده، ولو وجدوا زورا لقالوه، ومع ذلك لم يطعنوا في القرآن بما طعن به هذا الأعجمي وهذا دليل على جهله، ووقوف أهل الفصاحة والبلاغة أمامه مشدوهين وخاصة أمام قصصه التي كلما سمعوها في أسلوب غير الأول بهروا وخرسوا أمامه لأن ذلك زاد القرآن فصاحة وبلاغة وإعجازا.
(٣) أي ينزل منجما يقول الله تعالى: وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [سورة الفرقان: ٣٢ - ٣٣].
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الفائدة الثانية: أن إعادة القصة الطويلة في مواضع مع اتحاد معناها، واختلاف لفظها طولا وقصرا، أدل على الإعجاز وقدرة المتكلم على الكلام. وأما ما ذكر من التكرار في بقية السور، فالقول المفصل فيه قد ذكرته في" الاكسير" مستوفى «١»، وذكره الناس كثيرا، فلا يخف علي ذكره «٢» هنا.
ولكن أذكر فيه قولا مجملا، وهو أن التكرار كما يستغنى عنه في بعض المواطن قد يحتاج إليه في بعضها للتأكيد والتقرير والتنبيه على الاهتمام بالأمر،/ فيكون تركه، حيث ينبغي كذكره حيث لا ينبغي. والله أعلم.
قال:" ونجده أيضا غير خارج على نظام متناسب كقوله في سورة النساء:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ (٣) «٣».
قال:" ولا مناسبة بين العدل في اليتامى «٤»، وبين نكاح النساء، ولهذا وغيره يتبين أنه كلام منثور، لا نظام له، ولا تأليف".
_________________
(١) تحدث﵀- في الاكسير ص ٢٤٥ - ٢٥٨، عن التكرير في القرآن وهو ذكر الشيء مرتين فصاعدا وبين فائدة ذلك سواء تكرار اللفظ والمعنى جميعا أو تكرار المعنى دون اللفظ وما يفيد كل منهما. وشمل حديثه التكرار في المواضيع كالقصة وغيرها أو التكرار في السور كسورة الكافرون، وسورة الرحمن وغيرهما.
(٢) في (م): ذكرها.
(٣) سورة النساء، آية: ٣.
(٤) عبارة: (أ):" قال: ولا مناسبة بين العدل في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم ورباع" قال ولا مناسبة بين العدل الخ".
[ ٢ / ٥٩٣ ]
قلت: هذا الخصم معذور في استشكاله هذا الكلام، لأنه من/ المشكلات التي تخفى على كثير من علماء الإسلام، لكنه ملوم في إيراده طعنا على القرآن قبل أن يبحث هل له محمل على الصواب أم لا؟ ولا شك أن العلماء ذكروا لارتباط بعض هذا الكلام ببعض وجوها صحيحة مناسبة:
أحدها: ما روي عن عائشة أنها قالت: نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها فينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن حتى يقسطوا في الصداق، وأمروا أن ينكحوا من شاءوا من النساء غيرهن" «١».
الثاني: ما روي عن ابن عباس قال: كان الرجل في الجاهلية/ يتزوج العشر من النساء فما زاد، فإذا أعدم مال على مال اليتيم فأنفقه، فأمروا بالاقتصار على العدد الخاص لئلا يحتاجوا إلى الميل على مال اليتيم «٢».
الثالث: ما روي عن سعيد بن جبير «٣» أنه قال: كانوا يخافون ألا يقسطوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه منها: كتاب الشركة، باب شركة اليتيم وأهل الميراث، وفي تفسير سورة النساء. وأخرجه مسلم في كتاب التفسير الحديث السادس، وأبو داود في كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهن من النساء، والنسائي في كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة، وقد أورده المؤلف هنا بمعناه، ولم يلتزم أحد ألفاظ هؤلاء المحدثين.
(٢) هذا القول مروى عن عكرمة، [انظر زاد المسير ٢/ ٦، وتفسير ابن عطية ٤/ ١٤، وتفسير الطبري ٤/ ٢٣٣).
(٣) أبو محمد ويقال: أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي الحافظ المقرئ المفسر-
[ ٢ / ٥٩٤ ]
في اليتامى، ويتحرجون من ذلك، فنزلت الآية ومعناها: خافوا من عدم القسط في/ النساء ما خفتم منه في اليتامى «١».
قلت: هو من باب قوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله «٢»
_________________
(١) - الشهيد، أصله حبشي، كان أعلم التابعين على الاطلاق، عابدا خاشعا لله لا تأخذه في الله لومة لائم، أخذ العلم عن حبر الأمة ابن عباس وابن عمر، ومع ذلك يقول ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه: أتسألونني وفيكم ابن دهماء؟ يعني سعيدا. قتله الحجاج سنة خمس وتسعين للهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢١ - ٣٤٢، وتهذيب التهذيب ٤/ ١١ - ١٤ وطبقات ابن سعد ٦/ ٢٥٦ - ٢٦٧].
(٢) وهذا مروي عن ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي، ومقاتل. [انظر تفسير الطبري ٤/ ٢٣٣، ٢٣٤، وتفسير ابن عطية ٤/ ١٤، وزاد المسير ٢/ ٦].
(٣) يقال إنه للمتوكل بن عبد الله بن نهشل الليثي الكناني أبو جهمة من شعراء الحماسة، كان على عهد معاوية بن أبي سفيان، ونزل الكوفة. وقبل هذا البيت يقول: ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك تعدل إن وعظت ويقتدى بالقول منك ويقبل التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم [انظر المستقصي في أمثال العرب ٢/ ٢٦٠، والأعلام ٥/ ٢٧٥، وهامش ص ٤٤٦ من هذا الكتاب].
[ ٢ / ٥٩٥ ]
أي لا تتحرجوا من الجور على اليتامى، وتجورون على النساء، فهو كما تقول لصاحبك: إن كنت تخشى الله في ظلم زيد، فلا تظلم عمرا. وإن تحرجت من أخذ أموال الناس، فلا تأخذ أعراضهم. كذلك هذا.
الرابع: ما ذكره الحسن البصري، وهو أن معنى الكلام: إن تحرجتم من الميل على اليتامى فتحرجوا من الزنا بنكاح ما أحل الله لكم من امرأة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، لتقمعوا داعية الزنا الحرام بالنكاح الحلال «١».
قلت: والمعنى، لا تتحرجوا عن معصية، وتواقعوا أخرى، فتكونوا كالذي تسامح في الزنا، وتحرج من العزل، أو ترك الغسل.
فهذه أربعة أوجه محتملة احتمالا ظاهرا مناسبة «٢» مناسبة صحيحة معقولة فالمبادهة بإنكار ما له هذا التوجيه، قبل استيفاء النظر فيه إما جهل أو عناد، والله أعلم.
وقد استقريت الأناجيل الأربعة، وأوردت عليها من الأسئلة ما لا أظن أن على وجه الأرض نصرانيا يقدر على أن يجيب عن شيء منها بمثل هذه
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ عن الحسن فيما بين يدي من مراجع ولكن أخرج الطبري في تفسيره (٤/ ٢٣٥) عن الربيع وعن مجاهد نحوه. وأخرج السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١١٨) عن مجاهد نحوه وهو ما أخرجه ابن جرير عنه. والمذكور عن الحسن قول آخر وهو" وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا في نكاحهن، وحذرتم سوء الصحبة لهن، وقلة الرغبة فيهن، فانكحوا غيرهن" اهـ. وآخر:" وإن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهن فانكحوهن، ولا تزيدوا على أربع لتعدلوا، فإن خفتم أن لا تعدلوا فيهن فواحدة" اهـ. [زاد المسير ٢/ ٧].
(٢) مناسبة: ليست في (أ).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
الأجوبة «١» عن آية النساء، فضلا عن أوضح منها. فإن لزم بذلك الطعن على القرآن فهو على الإنجيل ألزم.
قال:" ثم هو متناقض. ينقض بعضه بعضا، ولكن مع وقوفك على هذا الإلماع «٢» تقول:/ أي جهل أعظم من جهل من ادعى أن إعجاز هذا الكتاب في إثبات النبوة كانقلاب الجماد حيوانا «٣»، والبحر يبسا «٤»، والحجر الصلد عينا لموسى «٥» وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص للمسيح «٦». إن هذا لجاهل مائق".
قلت:/ أما دعواه التناقض في القرآن، فوهم، وقد أورد الزنادقة صورا كثيرة ظنوها تناقضا، فأجيبوا عنها.
_________________
(١) في كتابه تعاليق على الأناجيل.
(٢) من ألمع. أي أشار. [انظر لسان العرب ٨/ ٣٢٤].
(٣) قال الله تعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [طه:
(٤) ٢٠] [سورة طه، آية: ١٧ - ٢٠].
(٥) قال الله تعالى: ولَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى [سورة طه، آية: ٧٧].
(٦) قال الله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا الآية [سورة البقرة، آية: ٦٠].
(٧) قال الله تعالى: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ إلى قوله تعالى: ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [سورة آل عمران، آية: ٤٥ - ٤٩].
[ ٢ / ٥٩٧ ]
صنف في ذلك الإمام أحمد وغيره «١»، فمن جملتها:
قوله «٢»: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) «٣» مع قوله: وأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) «٤».
قالوا: هذا تناقض، وذلك جهل منهم لأنه يقال في لغة العرب: أقسط فهو مقسط إذا عدل، وقسط فهو قاسط إذا جار، وهذا يكفي في السخرية بهم «٥».
وأما هذا الخصم فما أورد شيئا من التناقض حتى نجيبه عليه.
وأما قوله:" إن إعجاز هذا الكتاب لا يساوي إعجاز بقية المعجزات لموسى وعيسى".
فنقول له: قد بينا لك أول الكتاب: أن المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارضة «٦»، والقرآن يشارك جميع
_________________
(١) صنف الإمام أحمد في ذلك كتابه:" الرد على الجهمية والزنادقة" وأبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن محمد بن يحيى بن منده المتوفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة للهجرة في كتابه الرد على الجهمية. والإمام عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ثمانين ومائتين للهجرة في كتابه الرد على الجهمية. والإمام ابن تيمية المعاصر للطوفي المتوفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة. وغير هؤلاء.
(٢) «قوله» ليست في (ش).
(٣) سورة المائدة: ٤٢، وسورة الحجرات: ٩، وسورة الممتحنة: ٨.
(٤) سورة الجن، آية: ١٥.
(٥) انظر الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد ص: ٩٨.
(٦) تقدم تعريف المعجزة في ص: ٢٨٦، ٥٥٢ من هذا الكتاب. ولها عدة تعريفات عند السلف وأهل الكلام منها:" انها ما خرق العادة من قول أو فعل إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداء بحيث لا يقدر أحد على مثلها، ولا على ما يقاربها". [لوامع الأنوار البهية ٢/ ٢٩٠].
[ ٢ / ٥٩٨ ]
المعجزات في هذا، لأنه كما عجز فرعون عن قلب عصا حية حتى عدل إلى تجييش الجيوش وإيقاد الحرب، كذلك العرب عجزت عن معارضة القرآن بعد أن تحداهم بمثله «١»، ثم خفف عنهم فتحداهم بعشر سور مثله «٢»، ثم خفف عنهم فقال بسورة من مثله «٣» وينزل معهم هذا التنزيل، فعدلت إلى الحرب، والتحام الطعن، والضرب، وزاد القرآن على ما ذكرتم/ من المعجزات بوجهين:
أحدهما: أنه صفة قديمة من صفات الله تعالى «٤»، وتلك المعجزات محدثة بلا خلاف ولو لم يكن إلا وقوع الخلاف في قدم القرآن وحدوثه بين المسلمين لكان له مزية على سائر المعجزات.
_________________
(١) قال الله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء، آية: ٨٨]. وقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [سورة الطور: ٣٣ - ٣٤].
(٢) قال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) [سورة هود، آية: ١٣].
(٣) في (أ): بسورة مثله. قال﷿-: وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [سورة البقرة: ٢٣ - ٢٤]، وقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) [سورة يونس، آية: ٣٨].
(٤) سبق أن قلنا: إن نوع كلام الله قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديما، أي أنه قديم النوع حادث الآحاد. فالقرآن ليس قديما كقدم التوراة مثلا أو الإنجيل فقد تكلم الله بالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السابقة قبل القرآن.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الثاني: أنه كلام بريء من «١» أن ينسب إلى أنه سحر، لأنا لم نعلم أن السحر كلام قط. نعم يكون بالكلام،/ فلا يلتبس عليك، وإنما عرفنا السحر أفعالا محسوسة، فتطرق نسبة السحر إلى ما أتى به موسى وعيسى أقرب من تطرقها إلى ما أتى به محمد، ولهذا قال فرعون:" إن هذا لساحر عليم" «٢» وفي موضع: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٣» وفي موضع: قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا (٤٨) «٤»
يعني موسى وهارون «٥» وقالوا للسحرة حين اعترفوا بالغلبة: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ «٦» وكان أكثر السحرة من بني إسرائيل فنسبوهم/ إلى مواطأته،
_________________
(١) «من» ليست في (ش).
(٢) في سورة الأعراف: ١٠٩: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ١٠٩] يقصد موسى. وفى سورة الشعراء: ٣٤: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يقصد موسى أيضا.
(٣) سورة طه، آية: ٦٣.
(٤) سورة القصص: ٤٨ - ٤٩: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَولَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩).
(٥) اختلف المفسرون في الضمير في قوله تعالى: سِحْرانِ تَظاهَرا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد بهما موسى ومحمد ﵉. وهذا على أن القول من مشركي العرب. وثانيها: المراد بهما موسى وهارون ﵉. وهذا قول اليهود لهما في ابتداء الرسالة وثالثهما-: أنهما عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وهذا قول اليهود فيما بعد عصر النبي ﷺ- وهذا على قراءة ساحران" وقوى ابن كثير ما ذكره الطوفي- رحمهما الله- أما على قراءة" سحران" فقيل المراد التوراة والقرآن، وقيل المراد التوراة والإنجيل. وقيل المراد القرآن والإنجيل واختار ابن جرير أن المراد: التوراة والإنجيل ومال ابن كثير إلى أن المراد التوراة والإنجيل. (انظر تفسير ابن جرير ٢٠/ ٨٣ - ٨٦، وتفسير القرطبي ١٣/ ٢٩٤، وتفسير ابن كثير ٣/ ٣٩٢).
(٦) سورة طه، آية: ٧١.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
لكونه منهم، وإنما يظهر الفرق بين القرآن وغيره من المعجزات «١» من حيث أنه مسموع وهي مبصرة على حسب «٢» التفاوت بين المسموعات والمبصرات، وذلك لا تأثير له في حقيقة الإعجاز «٣».
والسبب الموجب لهذا التفاوت:
هو أن الله- سبحانه- أرسل كلا من رسله، بما كان غالبا على قومه تحقيقا لإعجازهم، فبعث موسى إلى قوم مهروا في السحر، فأعجزهم بالعصا ونحوها، والمسيح إلى قوم أهل كهانة وطب وحكمة فأعجزهم بما أيده به، وصالحا إلى قوم أهل إبل فأعجزهم بناقة خرجت من جبل «٤». فكذلك لما أرسل محمدا إلى قوم أهل فصاحة يعدون الفصاحة والخطابة من أكبر مآثرهم، ويتنافسون فيها، وكانت الفصاحة بعيدة عن نسبة السحر، بعثه بالقرآن الفصيح، ويكفي الطاعن في فصاحة القرآن بعد عجز العرب عن معارضته: أن" الوليد بن المغيرة" حكيم قريش وفيلسوفها «٥» لما سمعه أنصت له ثم استعاده فأعيد عليه.
_________________
(١) من المعجزات: ليست في: (أ).
(٢) في (ش): حيث.
(٣) في (ش): الأصحار.
(٤) انظر تفسير القرطبي ٧/ ٢٣٨، وهامش ص: ٤٧٢ من هذا الكتاب.
(٥) الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، يكنى أبا عبد شمس وهو العدل- على زعمهم- أو أنه يسمى العدل لأنه كان عدل قريش كلها. فقد كان يكسو الكعبة وحده وتكسوها قريش جميعا. هلك بعد الهجرة بثلاثة أشهر. [انظر الكامل لابن الأثير ٢/ ٤٨، والأعلام ٨/ ١٢٢].
[ ٢ / ٦٠١ ]
ثم قال: والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، ولقد سمعنا ذلك كله وما هو بشيء منه، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر، ثم قال له الكفار: فما ترى أن تقول فيه؟ قال: قولوا: إنه ساحر.
فأنزل الله- سبحانه- «١»: ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) إلى قوله: إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) «٢».
قال:" وإن بقي التباس في هذا على مسكين ناقص الفطرة. قلنا له: تعال نفرض أن القرآن فصيح. لا تكرار فيه ولا تناقض، وأنه جار على نظام واحد في معانيه، ونجعل ذلك إعجازا له، أليس من شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة؟ إذ هو كلام لا يفضل جميع الكلام، وإنما يختلف بالأقل والأكثر، وتقع فيه المماثلة والمفاضلة فهو جنس واحد، وبحسب التفاضل بينه وبين كلام سائر الخطباء والبلغاء من العرب والمجيدين تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبة من الفصاحة فينال من النبوة ما تستوجبه فصاحته.
قلت: الجواب عن هذا:
أما أولا: فإنه ناقض في كلامه. لأنه طلب شرط الإعجاز على تقدير ثبوت الإعجاز، والمشروط لا يثبت إلا بعد تكامل شروطه. فمن هذه الحيثية يلزم وجود
_________________
(١) أخرج القصة ابن جرير الطبري في تفسيره (٢٩/ ١٥٦) والقرطبي في تفسيره (١٩/ ٤٧، ١٠/ ١٦٥)، وابن كثير في تفسيره ٤/ ٤٤٢، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ١٩٨ - ٢٠٠) من طريقين، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٠٦) وقال:" هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه" اهـ.
(٢) سورة المدثر: ١١ - ٢٦.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
شرطه، ومن حيث طلب شرطه. يلزم/ أن شرطه لم يوجد، وذلك تناقض لا محالة.
لكن لا يستبعد مثل هذا ممن يقول: إن الله هو المسيح، وأنه في السماء/ حالة كونه في الأرض.
وأما ثانيا: فقوله:" شرط المعجز أن يكون من غير جنس الأفعال المعتادة" فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنا نقول: من شرط هذا الشرط؟ ومن سلمه لك؟ أنت شرطته وبحثته مع نفسك تقريرا لعنادك وهواك، وفساد دعواك. ونحن قد بينا آنفا وفي مقدمة الكتاب، حيث ذكرت أن الذي اتفق عليه/ المحققون في المعجز: أنه الأمر الممكن الخارق للعادة المقرون بالتحدي، الخالي عن المعارض. وبينا ما فيه من القيود والاحترازات وبينا أنه موجود في القرآن.
الثاني: أن الإعجاز بالمعتاد أبلغ من الإعجاز بغير المعتاد بالضرورة لأنه إذا عجز عما هو من عادته، وهو متدرب فيه عارف بأصوله وقواعده، فهو عمالا أنسة له به أعجز «١»، وذلك كما إذا قيل للنجار: اعمل مثل هذا الباب. فلم يقدر.
_________________
(١) يقول القاضي عياض﵀- عن وجوه إعجاز القرآن:" فأولها حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب " ثم بين أنهم كانوا على مقدرة بلاغية وفصاحة بيانية لم يصل إليها أحد فقال:" منهم البدوي ذو اللفظ الجزل والقول الفصل، والكلام الفخم والطبع الجوهري والمنزع القوي. ومنهم الحضري ذو البلاغة-
[ ٢ / ٦٠٣ ]
فإنا نعلم بالضرورة أنه عن صناعة الزركش «١»، وخياطة الثياب الرفيعة، ونسخ الخط المحرر، إذا لم يكن ذلك من صناعته أعجز، وأعجز.
ولهذا لما تحداهم بسورة منه فعجزوا. دل على أنهم عن معارضة سورتين فأكثر أعجز.
وأما ثالثا: فقوله:" هو كلام لا يفضل جميع الكلام فهو جنس واحد"
قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أنه لا يفضل جميع الكلام، بل يفضله بخصيصة الإعجاز كما بينا وذلك مدرك بالحس والاستدلال. أما الحس فإن كل من سمعه يحس من نفسه إدراك أنه ليس بكلام «٢» آدمي، وأما الاستدلال فبعجز «٣» العرب عن معارضته.
_________________
(١) - البارعة والألفاظ الناصعة والكلمات الجامعة والطبع السهل والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق الرقيق الحاشية وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة والقوة الدامغة لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم والبلاغة ملك قيادهم قد حووا فنونها واستنبطوا عيونها ودخلوا كل باب من أبوابها وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته وفصلت كلماته وبهرت بلاغته العقول وفصاحته على كل مقول ". [الشفاء ١/ ١٦٦ - ١٦٧]: قلت: فهذا كما قال الطوفي إعجاز بمعتاد عندهم كان أبلغ مما لو أعجزهم بغير المعتاد عندهم.
(٢) الزركشة: كلمة فارسية مركبة من" زر" أي الذهب و" كش" أى: ذو. والمقصود بها نسج الحرير بالذهب. [معنى لا إله إلا الله، لمحمد بن عبد الله الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ هامش ص: ١٩ بتحقيق علي محي الدين القره داغي].
(٣) فى (م): كلام.
(٤) في (ش): فعجز.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
الوجه الثاني: إن سلمنا أنه مع الكلام جنس واحد. فكذلك قلب العصا، وإحياء الموتى مع جنس الفعل جنس واحد، وإنما اختصا «١» عليه بخصيصة الإعجاز كذلك القرآن. والله أعلم.
وأما رابعا: فقوله:" تتوزع النبوة على كل فصيح بليغ بمرتبته من الفصاحة فينال من النبوة ما يستوجبه".
جوابه من وجوه:
أحدها: أنا لا نسلم إيجاد الجنس في القرآن وسائر الكلام/ لأن هذا صفة الإله القديم «٢» وذاك صفة المخلوق المحدث،/ وإنما يطلق عليها كلام، وكلام.
كما يطلق على الباري- سبحانه- وما سواه «٣» موجود وموجود، وحينئذ لا يلزم التماثل فلا يلزم التوزيع.
_________________
(١) فى (أ): اختصنا.
(٢) القديم في اللغة: هو المتقدم على غيره. فيقال: هذا قديم للعتيق وهذا حديث للجديد. وهذا الاسم يستعمل في المتقدم على غيره. كما قال تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [سورة يس: ٣٩] والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول قديم، قال تعالى: وإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [سورة الأحقاف: ١١] أي متقدم في الزمان ويأتي على صيغة المبالغة:" الأقدم" كما في سورة الشعراء: ٧٦: أَنْتُمْ وآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ وهذا الاسم ليس من أسماء الله الحسنى لأنه مطلق لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها. وقد جاء الشرع بما أحسن منه وهو اسم الأول. والأول هو الذي ليس قبله شيء. وقد كره بعض السلف اطلاق لفظ القديم على الله لما ذكر هنا. ولكن إذا استعمل بمعنى أنه المتقدم على المخلوقات والحوادث كلها فلا حرج في ذلك وإن لم يكن من الأسماء الحسنى. والله أعلم. [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٤ - ١١٥].
(٣) «وما سواه» ليست في (ش).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
الثاني: أن المسيح عندكم إله، أو ابن الإله، وأجمعنا على أن الأنبياء شاركوه «١» في جنس الخارق فلزمكم على «٢» هذا المساق أن توزعوا الإلهية أو البنوة عليه وعليهم فيحصل لكل نبي قسط من الإلهية، أو بنوة الإله في مقابلة قسط من ظهور الخارق على يديه.
الثالث: أن آدم شارك المسيح في أنه ليس من بشر ذكر، وسائر بني آدم شاركوه في أنهم من أم. فيجب أن توزع الإلهية أو البنوة بينهم فيحصل لكل من بني آدم منها بحسب ما شاركه فيه.
الرابع: أن إعجاز القرآن ليس بمجموع مفهوم الفصاحة، ولا بالقدر المشترك منها بينه وبين سائر الكلام وإنما إعجازه بفصاحته/ الخاصة به، وهي القدر الزائد على نهاية فصاحة البشر، وذلك ليس مشتركا بينه وبين غيره حتى يتجه التوزيع في النبوة بحسبه، وهذا كما تقولون أنتم: إن خصوصية المسيح على سائر الأنبياء هو اتحاد كلمة الله به أو ظهور اللاهوت في ناسوته، وليس ذلك لأحد غيره «٣».
_________________
(١) فى (أ): ساكوه.
(٢) على: سقطت من (أ).
(٣) قلت: ذكر القاضي عياض ﵀ أربعة أوجه لإعجاز القرآن تتلخص فيما يلي: الأول: حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب. وأشرت إليه فيما سبق. الثاني: صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب فلم يوجد قبله ولا بعده نظير له ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه بل حارت فيه عقولهم وقصة الوليد ابن المغيرة وعتبة بن ربيعة تدلان على هذا الوجه.-
[ ٢ / ٦٠٦ ]
قال:" فإن «١» قلت: إعجازه من جهة أنه لم يعارضه أحد من الناس ولم يأت بسورة من مثله. قلنا: إن محمدا لم يقل للناس في قرآنه: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ والْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ (٨٨) «٢» وقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٢٣) «٣»: إلا بعد أن تأسست رئاسته، وظهر سلطانه فمن كان يقدم على معارضته وأسيافه تقطر دما؟ ولذلك لما شرع النضر بن الحرث في معارضته أنهض إليه علي بن/ أبي طالب فقتله شر قتلة «٤».
وأما بعد موته فالحماية عنه بسيوف ملوك المسلمين عظيمة لا يقدم أحد معها
_________________
(١) - الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر به. كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ الآية [سورة الفتح: ٢٧] وغير هذا كثير. الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة والشرائع المنسوخة مما كان لا يعلم منه الفذ من أحبار أهل الكتاب فيورده على وجهه ويأتي به على نصه فيتعرف العالم بذلك بصحته وصدقه وأن مثله لم ينله بتعليم. [انظر الشفاء ١/ ١٦٦ - ١٧٧، وفتح الباري ٩/ ٧].
(٢) في (ش): وإن.
(٣) سورة الإسراء، آية: ٨٨.
(٤) سورة البقرة، آية: ٢٣.
(٥) انظر طبقات ابن سعد ٥/ ٤٤٨. وانظر ص: ٥٥٥ - ٥٥٦ من هذا الكتاب.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
على ذلك، وقد عارضه أبو العلاء المعري «١»، والعنسي «٢» بعد موته عارضه ومن معارضته له:" إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وهاجر، ولا تطع كل كافر وساحر" ولأجل ذلك صلب على العود. وقيل له، وهو/ في الصلب:" إنا أعطيناك العمود، فصل لربك على العود، وأنا ضامن عنك أن لا تعود" «٣».
_________________
(١) أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري الفيلسوف الشاعر المشهور. أصابه الجدري في صغره فعمي في الرابعة من عمره، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة. اتهم بالزندقة ومما يؤخذ عليه ويدل على كفره ما ينسب إليه: أتى عيسى فأبطل شرع موسى وجاء محمد بصلاة خمس وقالوا لا نبي بعد هذا فضل القوم بين غد وأمس ومهما عشت من دنياك هذي فما تخليك من قمر وشمس وأما كتابه الذي عارض به القرآن فهو:" الفصول والغايات في محاذاة السور والآيات" وقد طبع فسماه محققه: محمود حسن زناتي:" الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ". [انظر سير أعلام النبلاء وهامشة ١٨/ ٢٣ - ٣٩، والبداية والنهاية ١٢/ ٧٢ - ٧٦، والأعلام ١/ ١٥٧].
(٢) عبهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، ذو الخمار. متنبئ مشعوذ من اليمن كان باطشا جبارا، أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبي ﷺ وكان أول مرتد في الإسلام، كان له شيطان يخبره بالمغيبات فضل به كثير من الناس، وكان بين ظهوره وقتله نحو أربعة أشهر، ولكن استطارت فتنته استطارة النار، وتطابقت عليه اليمن والسواحل وعدن وامتد إلى الطائف، وبلغ جيشه سبعمائة فارس. فأمر النبي ﷺ بقتاله فقتل غيلة زمن مرض موت النبي ﷺ فأرسل المسلمون الخبر من اليمن إليه بالمدينة فجاءه خبر السماء ليلة قتل الأسود، ووصلت البشارة أبا بكر بعد موت النبي ﷺ وذلك سنة إحدى عشرة من الهجرة. [انظر الكامل في التاريخ ٢/ ٢٢٧ - ٢٣١، شذرات الذهب ١/ ١٣ - ١٤، وفتح الباري ٨/ ٩٣].
(٣) فى (م):" ألا تتعود" ولم أجد هذه النصوص فيما استطعت مراجعته من المراجع.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
قلت: الجواب عن هذا:
أما قوله:" إن محمدا لم يتحد الناس بالقرآن إلا بعد تأسيس رئاسته فلم يقدم أحد على معارضته" فهو كذب وافتراء، بل هذه سورة البقرة من أوائل ما نزل من القرآن، وفي أولها «١»: وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ (٢٣) إلى قوله: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا (٢٤) «٢» وتلا حم السجدة على" عتبة بن ربيعة" «٣» حتى بلغ قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ (١٣) «٤» فقال له «٥»: حسبك يا ابن أخي. نشدتك الله والرحم إلا سكت، ثم رجع إلى أصحابه، وكانوا بعثوه إليه. ليستنزله عما يقول، فقالوا: نقسم بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي فارقكم به، وكان ذلك
_________________
(١) فى (أ):" وفي ألها".
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٣ - ٢٤.
(٣) عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد. كبير قريش وأحد سادتها في الجاهلية خطيبا نافذ القول. أول ما عرف بذلك عند ما توسط للصلح في حرب الفجار بين هوزان وكنانة. فرضي الفريقان بحكمه، وانقضت الحرب على يديه، أدرك الإسلام فطغى وتكبر عن الدخول فيه، وكان من عتاة المحاربين للنبي ﷺ بارزه عبيدة﵁- في بدر فاختلفا ضربتين أصيب عبيدة بضربة مات منها بعد الغزوة فمال علي وحمزة﵄- على عتبة فقتلاه. [انظر فتح الباري ٧/ ٢٩٧، والأعلام ٤/ ٢٠٠].
(٤) سورة فصلت (حم، السجدة) الآية: ١٣.
(٥) له: سقطت من (م).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
انبهارا منه بالقرآن، وخشية أن تأخذه الصاعقة «١».
وسمعه الوليد بن المغيرة يقرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسانِ «٢» الآية فقال فيه ما قدمنا ذكره «٣». وقال: وما هو قول بشر، وكلهم كانوا يعرفون عجزهم عن مثله. وهو بينهم وحيد مستضعف، حتى إنهم أخرجوه إلى الطائف، ثم عاد فاستجار بالمطعم بن عدي «٤»، حتى بلّغ القرآن، وكان يقول:" من يمنعني/ من قريش. فإنهم قد منعوني أن أبلغ كلام ربي"؟ «٥».
_________________
(١) انظر القصة في دلائل النبوة للبيهقى بثلاث طرق (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٦)، وأوردها ابن كثير في تفسيره (٤/ ٩٠ - ٩١) عن عبد بن حمي، د وأبو يعلي في مسنده، والبزار، وابن اسحاق في السيرة، والبغوي في التفسير، وانظر سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ٢٩٢.
(٢) سورة النحل، آية: ٩.
(٣) انظر ص: ٦٠١ من هذا الكتاب. وقد خرجت القصة هناك.
(٤) المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، رئيس بني نوفل في الجاهلية وقائدهم في حرب الفجار، أجار النبي ﷺ لما انصرف من الطائف إلى مكة لما طلب منه النبي ذلك فتسلح المطعم وأهل بيته وخرج بهم حتى أتوا المسجد الحرام وأرسل على النبي ﷺ أن يدخل فدخل وطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله آمنا، وكان أحد الذين مزقوا الصحفية، عمي في كبره ومات قبل وقعة بدر، رثاه حسان بن ثابت وفيه الحديث الذي أخرجه البخاري في" فرض الخمس، باب ما منّ النبي ﷺ على الأسارى ":؛ لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء- يعني أسارى بدر- لتركتهم له"، وقصة جواره للنبي ﷺ أخرجها ابن اسحاق وابن هشام في السيرة (المجلد الأول ص ٣٨١) وابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢١١ - ٢١٢) وانظر فتح الباري ٧/ ٣٢٤، والبداية والنهاية ٣/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٥) أخرج أبو داود في كتاب السنة، باب في القرآن، عن جابر﵁- قال:" كان رسول اللهﷺ- يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال:" ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا-
[ ٢ / ٦١٠ ]
فلو أمكنهم معارضته لما كان لهم منه مانع. ثم سلمنا أنه لم يتحدّ به إلا بعد ظهور سلطانه فقد كانت طوائف العرب كثيرة، وأكاسرة «١» الفرس وقياصرة الروم «٢» موجودين. فقد كان لمن له قوة المعارضة أن يأوى إلى منعه منهم، ثم يعارضه فإذا أتى بمثله بطل كونه معجزا، ثم كان من تابعه يتخلى عنه، ومن خالفه يشتد عليه حتى يؤول أمره إلى الانحلال والاضمحلال كما آل أمر" مسيلمة الكذاب" و" الأسود العنسي" و" طليحة الأسدي" «٣» والأنبياء الكذبة من بني إسرائيل وما رأينا الأمر كذلك. بل لم يزل الناس يدخلون في دينه حتى طبق المشرق والمغرب.
_________________
(١) - منعوني أن أبلغ كلام ربي" وأخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب حرص النبي ﷺ على تبليغ القرآن. بلفظ أبي داود. وقال الترمذي:" هذا حديث غريب صحيح" وأخرجه ابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية، بلفظهما، وأحمد في المسند (٣/ ٣٩٠) وفي آخره زيادة عنده.
(٢) أكاسرة: جمع كسرى: اسم ملك الفرس، معرب وهو بالفارسية: خسرو أي: واسع الملك، فعربته العرب فقالت: كسرى. وورد في الحديث كثيرا. [انظر لسان العرب ٥/ ١٤٢].
(٣) قياصرة: جمع قيصر: اسم ملك الروم يسمى به كل من ملكهم. [انظر لسان العرب ٥/ ١٠٤].
(٤) طليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر الأسدي الفقعسي. أسلم، في وفد بني أسد سنة تسع للهجرة، ولما رجعوا ارتد طليحة وادعى النبوة في حياة النبي ﷺ فبعث إليه ضرار بن الأوزر فضربه بالسيف فشاع بين الناس أن السلاح لا يؤثر فيه، وبعث إليه أبو بكر بعد موت النبي ﷺ خالد بن الوليد في جيش فانهزم طليحة وفر إلى الشام وبقي حتى أسلمت أسد وغطفان فأسلم ووفد على عمر بالمدينة فبايعه وأبلى في الفتوح بلاء حسنا واستشهد في نهاوند. [انظر الإصابة ٢/ ٢٣٤ (ت: ٤٢٩٠)، والأعلام ٣/ ٢٣٠].
[ ٢ / ٦١١ ]
وأما قوله:" قتل النضر بن الحرث، حيث شرع في معارضته"/ فليس بصحيح أيضا، بل إنما قتله بعد أن أسره يوم بدر في جملة الكفار «١»، ولا شك أنه كان يرد على الفرس في بلادهم فحفظ شيئا من أخبار رستم «٢» "/ و" اسفنديار" «٣» فكان يقول لقريش أنا أحدثكم كما يحدثكم به محمد «٤»، ويحدثهم بذلك، وهو في عزة ومنعة من أهله بمكة قبل بدر بحين، ومحمد بينهم مستضعف فلو كان ما عنده مما يصلح معارضا لاستفاض واشتهر، وملأ البدو والحضر، ومع هذا فإنه أساء إلى النبي﵇- غير ذلك كثيرا «٥»، ثم لما
_________________
(١) قتل في معركة بدر مع أبي جهل كما قال المؤلف سابقا أو مات بعدها من أثر ضربة فيها. [انظر ص ٥٥٥ - ٥٥٦ من هذا الكتاب].
(٢) رستم الشديد أو السنديد بن داستان بن زيمان بن جوذنك بن كرشاسب صاحب العلوم والآداب الفارسية، كان رقيقا وأعتق وأعطي ولاية بعض بلاد فارس. من قبل الفرس في وقته. [انظر سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ٣٥٨، الكامل في التاريخ ١/ ١٣٧].
(٣) اسفنديار أخو رستم المتقدم وأحد قادة الفرس ضد المسلمين وله قتال معهم في الفتوح أيام عمر﵁- وأسر في فتح أذربيجان. [انظر الكامل في التاريخ ٣/ ١٠، ١٣].
(٤) انظر سيرة ابن هشام المجلد الأول ص ٣٠٠ - ٣٥٨، وتفسير الطبري ١٨/ ١٨٢، عن ابن عباس بسند ضعيف.
(٥) انظر مغازي الواقدي ١/ ١٠٦.
[ ٢ / ٦١٢ ]
قتله وسمع ما قالت أخته" قتيلة بنت الحرث" «١» في مرثيته واستعطاف النبي عليه. قال:" لو سمعت شعرها قبل أن أقتله لما قتلته" «٢».
وأما حماية ملوك المسلمين عنه، فلا تمنع من معارضته المعارضين لجواز أن يعارضوه سرا، ثم يموتوا فتظهر معارضتهم كما ظهرت معارضات/ المعري والمتنبي" «٣» وغيرهم من الزنادقة، بل هذا الخصم بعينه صنف هذا الكتاب في
_________________
(١) قتيلة بنت الحارث. هكذا ذكر بعض المؤرخين. وقيل: بنته قتيلة بنت النضر بن الحارث شاعرة كانت زوجة عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر. قيل: إنها أسلمت. وقيل: لم تسلم لله وهي التي جذبت رداء النبي ﷺ وهو يطوف وأنشدت الأبيات التي أشار إليها الطوفي ولم يذكرها ومنها: أمحمد يا خير ضنء كريمة في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلينفق بأعز ما يغلو به ما ينفق [انظر الإصابة ٤/ ٤٩٠ ت: ٨٨٩، والأعلام ٥/ ١٩٠، والروض الأنف ٣/ ١٣٤، والبداية والنهاية ٣/ ٣٠٦، وديوان الحماسة ١/ ٤٧٧، وسيرة ابن هشام المجلد الثانى ص ٤٢].
(٢) ذكر هذا ابن حجر في الإصابة الموضع السابق نقلا عن الواقدي. وقال ابن هشام في الموضع السابق أيضا ص ٤٣:؛ فيقال والله أعلم: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه"، اهـ. فهذا وصيغة نقل ابن حجر أيضا وفى قول الزبير فيما نقله عن ابن حجر:" سمعت بعض أهل العلم يغمز هذه الأبيات ويقول إنها مصنوعة"- ما يدل على ضعفها وأن ما ذكر عن النبي ﷺ من بكاء وندم على قتل النضر غير صحيح. وأنه قول باطل. وإلا لكان منقولا نقلا موثوقا ومشهورا. والله أعلم.
(٣) أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي، الشاعر الحكيم المتنبّئ لقب بذلك لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة- أرض بحيال الكوفة مما يلي الشام- ولما-
[ ٢ / ٦١٣ ]
الطعن على الإسلام مستخفيا، ثم إنه على طول الأيام ظهر ونوقض، وليس عند أحد من رؤساء الإسلام منه خبر حتى الآن.
وهذا الكلام يحققه قول المسيح في الإنجيل:" ما من مكتوم إلا سيظهر ولا خفي إلا سيعلن" «١».
وأما معارضة المعري وأضرابه من الزنادقة، فهي ركيكة تشبه لحاهم. ولو كانت مساوية للقرآن في صفاته لظهر لها عصابة من المسلمين ينصرونها ثم اختلفت كلمة الإسلام.
كما أن مناقب أبي بكر وعلي لما كانا متساويين أو متقاربين اختلفت الأمة فيهما على قولين: أيهما أفضل؟ «٢» وفضائل
_________________
(١) - فشا أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيد فاعتقله زمانا ثم استتابه وأطلقه. وله شهرة واسعة في الشعر والحكم والأدب واللغة مدح كثيرا من الأمراء من أجل الولاية وهجا بعضهم لأنه لم يوله. مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. [انظر ترجمته في تاريخ بغداد ٤/ ١٠٢ - ١٠٥، مقدمة ديوانه بشرح اليازجي].
(٢) انظر إنجيل متى الأصحاح العاشر.
(٣) القولان هما: قول أهل السنة والجماعة وقول الشيعة: فالشيعة يفضلون عليا على أبي بكر وعمر﵄- يقولون: إنه أحق بالإمامة منهما. والشيعة أيضا مختلفون في شأن علي﵁- فمنهم من يرى أنه إله، ومنهم من يرى أن الإله حل فيه، ومنهم من يقول إن عليا رفع إلى السماء وسينزل ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما إلى غير ذلك مما ذهب إليه الشيعة من الباطل. أما القول الثاني: فهو قول أهل السنة والجماعة أن أبا بكر ﵁ أفضل الصحابة وأحق بالخلافة بعد النبي ﷺ وهذا هو الحق. أخرج البخاري﵀- في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر﵁-: عن محمد ابن الحنيفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر.-
[ ٢ / ٦١٤ ]
مروان بن الحكم «١» ومعاوية «٢» وعمرو بن العاص، بل سلمان «٣»، وعمار «٤»،
_________________
(١) - وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت. قال: وما أنا إلا رجل من المسلمين وهذا تواضع منه ﵁- ومعرفة بالفضل لأهله. ولكن التفاضل بين الصحابة﵃- ليس من باب العصبية والحمية. وقد فضل أبو بكر على الصحابة لسبقه للإسلام وزيادة تقواه وإيمانه. والله أعلم.
(٢) أبو الحكم وأبو عبد الملك وأبو القاسم: مروان بن الحكم بن أبي العاصي ابن أمية بن شمس بن عبد مناف القرشي الأموي. صحابي عند طائفة كثيرة لأنه ولد في حياة النبي ﷺ وروى عنه في صلح الحديبية، كان كاتب عثمان بن عفان أيام خلافته، وعده ابن سعد والواقدي من التابعين لأن النبي ﷺ مات وعمر مروان ثماني سنين. عايش مروان فتنة مقتل عثمان وكان له دور فيها، وقاتل في وقعة الجمل، وانهزم هو وأصحابه ثم سار إلى معاوية فقاتل معه في صفين ثم أمنه عليّ﵁- فبايعه وانصرف إلى المدينة فأقام بها حتى خلافة معاوية فولاه المدينة. كان يكثر السؤال عنه الإمام علي يوم الجمل، ويقال له: سيد شباب قريش. قيل لمعاوية: من تركت لهذا الأمر بعدك فقال:" أما القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، الشديد في حدود الله، مروان بن الحكم" وأثنى عليه الإمام أحمد ومالك. وقيل روي عن أحمد ضد هذا. ويروى أن مروان لعن عليا عند توليه المدينة في عهد معاوية- والله أعلم- وهو أول خلفاء بني أمية بعد معاوية بن يزيد، مات بدمشق سنة خمس وستين للهجرة. [انظر البداية والنهاية ٨/ ٢٥٧ - ٢٦٠، والإصابة ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨، ت: ٨٣١٨].
(٣) تقدمت ترجمته في ص: ٩٩ من قسم الدراسة.
(٤) تقدمت ترجمته في هامش ص: ٥٤٩.
(٥) عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس العنسي المذحجي، يكنى أبا اليقظان، كان من السابقين للإسلام وممن عذب في الله، هاجر إلى الحبشة وصلى القبلتين. وشهد بدرا والمشاهد كلها، وشهد اليمامة فأبلى فيها، وفيها قطعت أذنه. وكان يقول فيها وهو على صخرة:" يا معشر المسلمين أمن الجنة تفرون، أنا عمار بن ياسر هلموا إليّ" وقد تذبذبت أذنه وهو يقاتل أشد القتال. قتل في صفين سنة سبع وثلاثين، ودفنه علي﵁-. [انظر الاستيعاب ٣/ ١١٣٥ - ١١٤٠، وصفة الصفوة ١/ ٤٤٢ - ٤٤٦].
[ ٢ / ٦١٥ ]
بل غالب الصحابة. لما لم تقارب مناقب هذين الرجلين لم تختلف الأمة فيهم «١» فكما أنه ليس كل فضيلة توجب النزاع في صاحبها وغيره. كذلك كل معارض لا يصلح أن يكون معارضا مفرقا للناس.
وأيضا: فإن كل من عارض القرآن إنما سرق بعض ألفاظه، وتابع أسلوبه فلم يلحق به لأنه مادته، كما أن التلاميذ لما كانت مادتهم في التأبيد من جهة المسيح لم يفضلهم أحد عليه، ولم يسوهم به.
وأما" العنسي" الذي صلب على العود فلا أحقق لفظه لأنه مشتبه الصورة في الكتاب الذي نقلت منه.
فإن أراد الأسود العنسي- بعين مهملة ونون وسين مهملة- فذاك قتل غيلة «٢»، ولم/ نعلم أنه صلب، وإن أراد القيسي أو غيره من الألفاظ فلا نعلم من هو إلا أن «٣» يكون مسيلمة الكذاب، ولم نعلم أنه صلب أيضا، ومن قرآنه «٤»:" ضفدع بنت «٥» ضفدعين/. نقي كم «٦» تنقين. أعلاك في الماء
_________________
(١) قال الله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ إلى قوله: رَؤُفٌ رَحِيمٌ [سورة الحشر، آية: ٨ - ١٠].
(٢) خبر مقتل الأسود العنسي في صحيح البخاري (كتاب المغازي، باب قصة الأسود العنسي) وهل كان مقتله في حياة النبي ﷺ كما سبق في ترجمته ص: ٦٠٨، أم بعد وفاته؟ الأرجح أن قتله كان قبل وفاة النبي ﷺ وأنه أتاه خبره وهو في مرض موته الذي مات فيه- والله أعلم-. [انظر فتح الباري ٨/ ٩٣، والاستيعاب ٣/ ١٢٦٥، والبداية والنهاية ٦/ ٣١٠].
(٣) في (ش): من هو الآن يكون.
(٤) فى (أ):" ومن قراءة".
(٥) في تاريخ الطبرى:" ابنة".
(٦) في تاريخ الطبري:" ما".
[ ٢ / ٦١٦ ]
وأسفلك في الطين" «١»." والزارعات زرعا، فالحاصدات حصدا،
فالطاحنات طحنا، فالخابزات خبزا، فالآكلات أكلا، فاللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون" «٢».
وهذا مع كونه منسوجا على أسلوب سورة" والمرسلات عرفا" فهو ضحكة مثل قائله.
وكذا قول القائل:" إنا أعطيناك الجماهر" وقول بعضهم:" إنا أعطيناك اللقلق، فصل لربك وازعق، إن شانئك هو الأبلق" فإن هذا منسوج على منوال:
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١).
ولقد عدم أهله من يضحك عليهم، فضحكوا على أنفسهم ولعمري إن قول القائل:" إنا أعطيناك العمود" إلخ خير وأفصح وأرشق من هذا كله وشعر الشعراء المجيدين كجرير «٣»
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ٣/ ٢٨٤، ومقامع هامات الصلبان" بين الإسلام والمسيحية" ص ٢٣٢، على اختلاف بين المصادر في الألفاظ المنسوبة إلى مسيلمة الكذاب.
(٢) انظر تاريخ الطبري ٣/ ٢٨٤، ومقامع هامات الصلبان ص ٢٣٢، وألفاظ النص مختلفة عندهما.
(٣) أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي بن بدر التميمى البصري من فحول الشعراء، وهو أشعر أهل عصره، ولد باليمامة، وكانت بينه وبين الفرزدق مهجاة ونقائض ففاق عليه جرير، وهجا الأخطل النصراني أيضا. توفي باليمامة سنة إحدى عشرة ومائة وعمره نيف وثمانون سنة [انظر وفيات الأعيان ١/ ٣٢١ - ٣٢٧، وسير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٠ - ٥٩١، والبداية والنهاية ٩/ ٢٦٠].
[ ٢ / ٦١٧ ]
والفرزدق «١» وذي الرمة «٢»، ومن المحدثين أبو تمام «٣» والبحتري «٤» والمتنبّئ خير من هذه المعارضات/ بما لا يتناهى، وهي دون القرآن بما لا يتناهى، والله أعلم.
_________________
(١) أبو فراس همام بن صعصعة بن ناحية بن عقال التميمي البصري المعروف بالفرزدق الشاعر المشهور، صاحب جرير، من شعراء الدولة الأموية ولشعره أثر في حفظ اللغة، حتى قيل: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث اللغة. قلت: وهذه مبالغة فقد حفظها الله بحفظ هذا القرآن والسنة المطهرة. توفي بالبصرة سنة عشر ومائة وقد قارب المائة عام. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٩٠، ووفيات الأعيان ٦/ ٨٦ - ١٠٠، وشذرات الذهب ١/ ١٤١ - ١٤٤].
(٢) ذو الرمة: غيلان بن عقبة بن مسعود أو نهيس بن الحارث بن عمرو المضري. والرمة: الحبل. من فحول الشعراء في عصر بني أمية، كان يشبب النساء مقلدا في ذلك الشعراء الجاهلين. توفي سنة سبع عشرة ومائة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٦٧، والبداية والنهاية ٩/ ٣١٩، والأعلام ٥/ ١٢٤].
(٣) أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، ولد في أيام الرشيد في قرية جاسم من قرى الشام كان نصرانيا ثم أسلم، وكان شعره متميزا عن غيره، تصدر شعراء عصره وأصبحت له الزعامة بينهم، وكان لا يتكسب بشعر يخافه الشعراء أن يتكسبوا بشعرهم حتى مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين على الأرجح. [انظر تاريخ بغداد ٨/ ٢٤٨، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٦٣ - ٦٨، والنجوم الزاهرة ٢/ ٢٦١].
(٤) الوليد بن عبيد بن يحيى الطائي أبو عبادة البحتري، شاعر كبير يقال لشعره:" سلاسل الذهب" وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم. المتنبئ، وأبو تمام، والبحتري. اتصل بالمتوكل العباسي في بغداد ثم عاد إلى الشام. توفي سنة أربع وقيل خمس وثمانين ومائتين للهجرة. [انظر تاريخ بغداد ١٣/ ٤٧٦ - ٤٨١، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧، وشذرات الذهب ٢/ ١٨٦ - ١٩٠].
[ ٢ / ٦١٨ ]
(الشرط الرابع حسن الشريعة)
قال:" ومن لم يقنع بهذه الأدلة التي أوردناها، وبقي له نزاع أو جدل في شيء من دين محمد مع إيضاح فساده وبيانه وتمسك بعلاقة منازعه فهو كالحية قطع رأسها وبقي ذنبها يتحرك".
قلت: قد بينا أن ما أورده شبه صادرة عن سوء فهم، وضيق علم، وأنها كحبل سحرة فرعون، وما تكلمنا به عليها كعصا موسى تلقف ما يأفكون.
قال:" الشرط الرابع: حسن الشريعة والدين، وكمالهما «١» في الخير والفضل والمعدلة، وذلك أن يتضمن دينه حض الأمة على حب الله وتوحيده والعمل الصالح وحسن العبادة وموالاتهما،/ وأن يحب الإنسان لغيره ما يحب لنفسه. فلنختبر دين هذا الرجل هل هو موافق للدين الطبيعي المذكور وشرائع الله التي أرسل بها رسله كموسى وغيره؟ وهل هي جارية على هذا المنزع أم لا؟ ".
قلت:/ أما هذه الخصال التي ذكرها فهي منصوص عليها وعلى غيرها من خصال الخير في دين الإسلام، والكتاب والسنة بها مملوءان، ولولا أن ذكر ذلك يستدعى كتبا ويخرجنا عما نحن بصدده من مناقضة هذا الخصم لذكرته.
وأما قوله:" حض الأمة على حب الله وتوحيده" فهو تمويه وزور، أين النصراني من التوحيد مع قوله بالتثليث؟، أما اشتماله على مصالح العباد العامة والخاصة، الضروريات وغيرها، فأمر لا شك فيه، على ما أشرنا إليه في القاعدة الأولى من القواعد الفروعية في" القواعد الدمشقية".
_________________
(١) في (أ): وكمالها.
[ ٢ / ٦١٩ ]
[نسخ شريعة محمدﷺ- لشرائع الأنبياء قبله]
وأما شرائع الأنبياء المتقدمين. فأحكامها قسمان:
ما ورد شرعنا بنسخه فليس حجة علينا، ولا شرعا لنا.
وما لم يرد شرعنا بنسخه، فهل هو شرع لنا أم لا؟ فيه قولان للمسلمين «١».
_________________
(١) شرائع من قبلنا ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يعلم إلا بقولهم كما في لفظ ما بأيديهم من الكتب، فلا يلزمنا لأنه غير مأمون من التحريف،:" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ". الثاني: ما علم بشرعنا وأمرنا به وشرع لنا، فهذا لا خلاف في أنه شرع لنا، كما في قوله تعالى: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الآية [سورة المائدة: ٤٥]. الثالث: ما دل شرعنا على أنه كان مشروعا لهم ولم يأمرنا به ولم يرد في شريعتنا ما يناقضه، مثل قوله تعالى: ولِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [سورة يوسف: ٧٢]. فيستدل به على جواز الضمان، وكذلك قوله: عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ [سورة القصص: ٢٧] يستدل بها على جواز الإجارة. وهذا للأصوليين فيه قولان: أحدهما: أنه شرع لنا، واستدل أصحابه بقوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى الآية [سورة الشورى: ١٣] وقوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [سورة الحج: ٧٨] تقديره اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم بالإضافة إلى ما سبق. ورد هذا الاستدلال بأن المقصود قواعد العقائد لا جزئيات الفروع، لأنها هي التي وقع الاشتراك فيها بين الأنبياء كلهم، وكذلك القواعد الكلية من الفروع أما جزئيات المسائل فلا اشتراك فيها، بل هي مختلفة في الشرائع. ثانيهما: أنه ليس شرعا لنا. واحتجوا بأنه لو كان﵇- متعبدا بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة تلك الكتب، ولا يتوقف إلى نزول الوحي لكنه لم يفعل ذلك. بل عاب-
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ومن أصل شرعنا: جواز نسخ الشرائع بعضها ببعض، وأن شريعتنا ناسخة لما قبلها في الجملة. فمن نازعنا في جواز النسخ أو وقوعه أو شيء من أحكامه فقد بينه الأصوليون في كتب الأصول «١».
_________________
(١) - على عمر﵁- عند ما رآه يطالع ورقة من التوراة. ثم إنه صوب معاذا في حكمه بالاجتهاد إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة. وهذا يقتضي أنه لا يلزمه اتباع الشرائع المتقدمة. وأجيب عن أدلتهم: بأن شرع من قبلنا إنما يلزمنا إذا علمناه من قبل نبينا﵇- بوحي، ولا يلزم مراجعة كتبهم لأنها لم تصل إلينا بسند مقطوع به كحال شريعتنا، ثم إن القرآن دل على اتباع الشرائع المتقدمة. والصواب: أن كل ما ذكر من شرع في شريعتنا مما كان شرعا لهم هو شرع لنا لأنه ورد في شرعنا، لا لأنه شرع لهم وهذا هو ما عليه الجمهور. والله أعلم. [انظر شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول للقرافي ص ٢٩٥ - ٣٠٠، وتفسير القاسمي ٦/ ٢١٩، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/ ٦٣ وما بعدها].
(٢) نازع في النسخ اليهود والنصارى فيقال لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ فإن جحدوا كذبوا بما فيها من الإخبار بذلك. وإن أقروا قلنا لهم: هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أم لا؟ فإن لم تكن أتت بزيادة فقد صارت عبثا ولم تغن شيئا فلا تكون من عند الله، وهذا كفر وإن أتت بزيادة فهل في الزيادة تحريم ما كان مباحا أم لا؟ فإن أنكروا ذلك بطل قولهم من وجهين: أحدهما: أن التوراة حرمت الأعمال الصناعية يوم السبت بعد أن كان ذلك مباحا، وهذا بعينه النسخ. وثانيهما: أنه لا معنى للزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته أو إباحة ما تقدم تحريمه. هذا بالنسبة لليهود. أما النصارى فإن عامة علمائهم فضلا عن عامتهم لا يعرفون ما نسخه الإنجيل من شريعة التوراة مما أقره، مع اتفاقهم على أن المسيح لم ينسخها كلها، ولم يقرها كلها، بل أخبر أنه إنما جاء ليتمها لا ليبطلها، وقد أحل بعض ما حرم فيها كالعمل في السبت. [انظر افحام اليهود ص ٨٦ - ١٠٢، والجواب الصحيح ٣/ ٢٢٧، والأجوبة الفاخرة ص ٢٦٦ - ٢٧١] ومن كتب الأصول التي تحدثت عن النسخ وجوازه: المغني للخبازي ص ٢٥٠ وما بعدها، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص ٣٠١ وما بعدها وقد أجاد القرافي ﵀ في بيان المقصود الذي يريده الطوفي هنا ويتصل بهذا الموضوع.
[ ٢ / ٦٢١ ]
[تعدد الزوجات، والطلاق بين الإسلام والنصرانية]
قال:" فرأيناه قد ذكر في سورة النساء: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ (٣) إلى قوله: .. أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ «١» فأجاز نكاح أربع نسوة والتسري بملك اليمين إلى غير عدد محصور: على أي دين كن من الأديان وأن يطلق الرجل ما شاء ويستبدل ما شاء كذلك ما عاش".
قلت:/ هذا نقل صحيح عن دين الإسلام. إلا قوله في ملك «٢» اليمين:
" على أي دين كن من الأديان" فليس بجيد، بل إنما تباح الكتابية دون الوثنية والمجوسية ونحوهما. وإن كان قد ذهب إلى ذلك أحد من المسلمين فليس معتقدنا «٣».
_________________
(١) سورة النساء، آية: ٣.
(٢) هكذا العبارة عند المؤلف والأولى أن يقال:" إلا قوله في غير ملك اليمين" لأن ملك اليمين يباح التسري بها ولو كانت وثنية أو غير ذلك.
(٣) اتفق علماء الأمة على تحريم نكاح سائر النساء الكوافر، ما عدا الكتابيات، وخالف بعضهم في المجوسيات فقط. فقال عامة العلماء بتحريم الزواج بهن وخالف في ذلك أبو ثور فقال باباحة الزواج من المجوسيات لأنهن من قوم يقرون بالجزية فأشبهوا أهل الكتاب. ولأنه يروى أن حذيفة تزوج مجوسية، وأن النبي ﷺ قال:؛ سنوا بهم سنة أهل الكتاب". والراجح عدم جواز التزوج منهن كسائر المشركات والأصح أن حذيفة تزوج يهودية لا مجوسية، وقيل: نصرانية، وأما قول النبي ﷺ إنما كان في أمر الجزية والقتل. [انظر المغني لابن قدامة ٦/ ٥٩١ - ٥٩٢، وموطأ مالك كتاب الزكاة باب جزية أهل الكتاب والمجوس].
[ ٢ / ٦٢٢ ]
قال:" ونبين بطلان هذا بحجج كثيرة:
أولها: أن الله تعالى لم يعط آدم إلا زوجة واحدة وهي التي خلقها من الضلع ليتبين بذلك تأييد الصحبة والمحبة «١» بينهما كتأبيد المحبة بين أعضاء الجسد، ولهذا «٢» حكي عن آدم في التوراة أنه قال:" هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي سميت امرأة لأنها أخذت من المرء، فلذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلزم زوجته" «٣».
وبهذا يتبين أنه بحسب الفطرة تكون واحدة لواحد، إذ لو كان في كثرة الزوجات فضيلة لكان/ آدم أولى بها، لأنه كان واحدا في العالم ليكثر نسله".
قلت: أما كون آدم لم تكن له إلا زوجة واحدة،/ فلا يدل ذلك على وجوب الاقتصار على الواحدة.
قوله:" لو كان في كثرة النساء فضيلة لكان أولى بها إذ كان مفردا وليكثر نسله". قلنا: أما من نسله، فما كان يجوز له أن ينكح لو عاش «٤» إلى يوم القيامة لأنهن بناته وإن سفلن، ونكاح البنات حرام فيما علمناه، ولم نعلم نبيا وطئ بنته إلا ما حكي في التوراة عن لوط أنه أحبل ابنتيه وهو سكران «٥». فعلى من قال هذا «٦» أو صدقه لعنة الله.
_________________
(١) كلمة:" والمحبة" مكررة في: (أ).
(٢) في (ش): وهذا.
(٣) انظر سفر التكوين الأصحاح الثاني.
(٤) في (ش): ولو عاش، وفي (أ):" أن ينكح ولو كان عاش إلى يوم القيامة".
(٥) انظر سفر التكوين الأصحاح التاسع عشر.
(٦) قال هذا: مكررة في: (أ).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وأما من غير نسله بأن يخلق الله له مثل حواء فلجواز أن حواء كانت تكفيه فلم يحتج إلى غيرها، لأنها خلقت في الجنة. وقد ملأ الله من نسلهما الدنيا مفردين فلو كان له غيرها لما وسعتهم الأرض.
فإن قيل: كيف تمنعون آدم من نكاح بناته وقد زوجه الله حواء، وهي/ خلقت من ذاته من ضلعه.
قلنا: لأن بناته منه على جهة الولادة، وحواء ليست على جهة الولادة وقد فرقتم أنتم بين آدم وحواء والمسيح بهذا بعينه، فقلتم: المسيح خرج من رحم فكان ابن الله، بخلاف حواء وآدم «١».
قوله:" خلقت من ضلعه ليتبين بذلك تأبيد الصحبة «٢» بينهما كتأبيدها بين أعضاء الجسد".
قلنا: ليس ذلك لهذه العلة بل لما ذكر في القرآن من قوله تعالى: ومِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً (٢١) «٣» وهذا لا يقتضي تأبيد الصحبة، وترك الرجل أباه وأمه، ولزوم زوجته لا يقتضي أيضا ذلك، بل سببه المودة والرحمة بينهما، وذلك مشترك بين المرأة الواحدة والزوجات «٤».
_________________
(١) " بخلاف حواء وآدم" ليست في (م)، (ش).
(٢) في (أ): الضحية.
(٣) سورة الروم، آية: ٢١.
(٤) قلت: والمودة والرحمة قد لا تدوم بين الزوج وزوجته أو زوجاته. وعند ذلك تسوء معيشتهما فلا يطيقا الاستمرار في حياتهما الزوجية. وهذا متفق عليه بين العقلاء. وهذا يرد قول النصراني بتأبيد الصحبة بين الزوجين.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وأما إنكاره جواز الطلاق حيث شاء «١» الإنسان، فإنما استفادوه مما حكوه عن المسيح في الإنجيل في الفصل الأربعين «٢» من إنجيل متى: أن الفريسين قالوا للمسيح ليجربوه:" هل يحل للإنسان يطلق «٣» امرأته لأجل كل علة؟ فقال لهم:
أما قرأتم: أن الذي خلق في البدء خلقهما ذكرا وأنثى؟.
ومن أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه، ويلصق «٤» بامرأته، ويكونا كلاهما جسدا واحدا؟ وما جمعه الله لا يفرقه الإنسان. قالوا له: لماذا موسى أوصى أن تعطى كتاب طلاق وتخلّى؟ «٥» قال: لأن موسى علم قساوة قلوبكم فأوصاكم «٦» / أن تطلقوا نساءكم، ومن البدء لم يكن هذا، وأقول لكم من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا، ومن تزوج مطلقة فقد زنا" اهـ.
لكن الجواب عنه من وجوه:
أحدها: الجواب العام، وهو عدم الوثوق بالإنجيل.
الثاني: بتقدير الاحتجاج بالإنجيل. لكن هذا الكلام بعينه متهافت/ بين التهافت «٧» فلا تليق نسبته إلى المسيح، وسنبين وجه تهافته.
_________________
(١) شاء: سقطت من (أ).
(٢) في التراجم الحديثة: الأصحاح" الفصل" التاسع عشر.
(٣) في التراجم الحديثة:" أن يطلق".
(٤) في التراجم الحديثة:" ويلتصق".
(٥) في التراجم الحديثة: فتطلق.
(٦) في التراجم الحديثة: فأذن لكم.
(٧) بين التهافت: ساقطة من (أ).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
الثالث: الجواب من حيث التفصيل.
أما كونه خلقهما ذكرا وأنثى، وأن الإنسان شديد الألفة بامرأته، فلا يقتضي عدم جواز الطلاق ولا يناسبه، وأما قوله:" ما جمعه الله لا يفرقه الإنسان" فنقول:
أولا: الجمع بين الزوجين ليس حقيقيا كاجتماع بدن الإنسان ونحوه، وإن سلمناه فهو عام مخصوص بصور كثيرة كتفريق أعضاء البدن لمصلحة العقوبة وغيرها، وأما قوله:" لم يكن هذا في البدء" فلا يدل على ذلك أيضا لجواز النسخ.
وأما اعتذاره عن تجويز موسى الطلاق بعلمه بقساوة قلوبهم. إلى آخره فالمناقشة عليه من وجوه:
أحدها: أن قساوة قلوبهم/ إن كانت مقتضية لجواز الطلاق، فلم لم يجزه المسيح أيضا لذلك، ولعل محمدا﵇- أجاز الطلاق توسيعا على قساة «١» القلوب من أمته.
فإن قلتم: نسخ ذلك في دين المسيح.
قلنا: ونسخ ما في دين المسيح في دين محمد.
وإن لم تكن مقتضية لجواز الطلاق لزم أن يكون موسى شرع غير الحق لغير موجب.
_________________
(١) في (ش)، (م):" قساوة.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
الثاني: أن ما جاز أن يكون حقا في دين موسى فما المانع أن يكون حقا في دين محمد؟.
الثالث: أن قوله: «من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا" كلام مستدرك بأن ذلك غير لازم من طلاقها. لأنا إذا ألجأناها أن تتزوج بغيره لم يحصل من طلاقه لها الالجاء إلى الزنا، ثم إن مفهومه جواز طلاقها إذا زنت، وعموم قوله:" من تزوج مطلقة فقد زنا" يقتضي أن أحدا لا يتزوج مطلقة سواء طلقت لكونها زنت أو مع عدم الزنا، وذلك يلزم منه إلجاؤها إلى/ الزنا- أعني جواز طلاقها- إذا زنت. والمنع من تزوج المطلقة مطلقا على ظاهر هذا العموم. لأنها حينئذ تبقى مطلقة بطالة فتحملها البطالة على التشاغل بالزنا، كما حكي في التوراة عن كنة «١»." يهوذا" لما مات/ زوجها أحوجتها البطالة إلى أن تعرضت ليهوذا على الطريق حتى زنا بها «٢»، ونحن نتبرأ إلى الله من هذا.
وبهذا بان ما في هذا الكلام من التهافت، وعدم التناسب، بحيث يجب تبرئة السيد المسيح عن مثله. والله أعلم «٣».
قال:" وأيضا. فإن الطبيعة لا تجمع إلا اثنين في فعل التناسل. فينبغي أن لا يكون للرجل إلا زوجة واحدة".
_________________
(١) زوجة ابنه.
(٢) انظر الأصحاح الثامن والثلاثين من سفر التكوين.
(٣) والله أعلم: ليست في (أ).
[ ٢ / ٦٢٧ ]
قلت: هذا خلف من الكلام. فإنه إن أراد أنها لا تجمع إلا اثنين في حالة واحدة فهو مسلم. لكن لا يقتضي ذلك الاقتصار على واحدة، وإن أراد في وقتين فصاعدا فممنوع، وحينئذ يجوز أن يطوف الإنسان في ساعة على جماعة من النساء واحدة بعد واحدة.
قال:" وأيضا. فإن كثيرا من الحيوانات ليس للذكر منها إلا أنثى واحدة كالأسد والدب وغيرهما من البهائم، وكأكثر الطيور فالإنسان لخصيصة عقله أولى بذلك قمعا للشهوة".
قلت: جواب هذا من وجهين:
أحدهما: أنه معارض بما يتخذ من الحيوانات عدة إناث، فلم كان التأسي بأحد القبيلين أولى من التأسي بالآخر؟.
الثاني: أن اقتصار هذه الحيوانات على أنثى واحدة هل هو على جهة قمع الشهوة، أو على جهة الحيوانية والطبيعة، وعدم الشعور بحقائق الأمور؟ فإن كان الأول لزم أن تكون هذه الحيوانات عقلاء كاملي العقل/ حتى قمعت شهوتها بعقلها، وأن الدب «١» أعقل من" إبراهيم" حيث كان في فراشه" سارة" و" هاجر"، ومن" يعقوب" حيث جمع بين ابنتي خاله" ليا" و" راحيل" وجاريتهما في فراش واحد، فضلا عن أن تكون هذه الحيوانات أعقل من بقية عقلاء الآدميين. وإن كان الثاني لم تصح الأولوية ولا القياس. والتنظير بم يكون؟
قد اجتمعتم أنتم وبعض الحيوان البهيم على رأي. ونحن وبقية العالم على رأي،
_________________
(١) في (م): وأن الدواب.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وموافقة الأكثر أولى من موافقة شرذمة قليلة، تقلد في دينها ودنياها ومعاشها ومعادها حيوانا بهيما، خصوصا السّبع والدّب اللذين هما من أدمغ الحيوانات وأبلده «١».
ولعل هذا من جملة الأسباب الموجبة لاطباق الحمى على الأسد، لأن طبيعته في الأصل حارة، وباقتصاره على أنثى واحدة يقل نزوه، فتحتقن الحرارة في بدنه، فيبثها القلب/ إلى سائر نواحيه. وهذه حقيقة الحمى.
وقد بينا في أول الكتاب: أن منافع النكاح تخفيف البدن وتنشيطه.
فإن قلت: فالأسد في الشجاعة والنشاط على الغاية بخلاف سائر الحيوان/ وما ذكرته يقتضي تثبطه لثقل بدنه.
قلت: وما يدريك لعله لو أكثر «٢» من النزو بحسب ما تقتضيه حاله، كان يكون أشجع وأنشط.
قال:" وأيضا فإن فائدة آلة التناسل في الزوجين: الذرية لا اللذة ثم اللذة وإن كانت تصحبها تبعا، لا بالقصد الوضعي، لكن استعمال الآلة للذة فقط استعمال سوء «٣» مائل عن الاستعمال المستقيم. ولذلك هو ذنب".
قلت: هذا ممنوع، بل المقصود من آلة التناسل الذرية واللذة جميعا بالقصد/ الأول. أما الذرية فبالاتفاق، وأما اللذة فلأن الباري- سبحانه- ابتلى خلقه بتركيب الشهوات فيهم خصوصا هذه الشهوة فإنها أشدها.
_________________
(١) هكذا في النسخ الثلاث. ولعل الأصح:" وأبلدها".
(٢) في (أ): أو أكثر.
(٣) في (ش)، (أ): سور.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
فلو لم يجعل إلى قضائها طريقا مباحا للزم منه تكليف ما لا يطاق، إذ كان يكون مثال «١» الشخص في الدنيا «٢» مع كثرة نسائها مثل شخص حبس في دار مملوءة حيات بحيث لا يطأ إلا على جماعة منهن. ثم يقال له: إياك أن تطأ منهن شيئا، واحترس أن يلدغنك.
ثم قد أجمع الناس على جواز نكاح العاقر والصغيرة التي لا تلد، ومن ارتفع حيضها ونحوهن، فلو لم تكن اللذة مقصودا أصليا، لما جاز ذلك.
وأما «٣» قوله:" إنه ذنب".
فجوابه: أن يقال: هو ذنب إذا كان حراما أو مطلقا؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع، ولو كان كذلك لم يفعله الأنبياء. وأيضا لو كان استعمال الآلة للذة فقط ذنبا واستعمال سوء، مع أن حصول الذرية منه غير مقطوع به لكان في تجويزه لأجل الذرية إقدام على ذنب محقق «٤» لتحصيل فائدة غير محققة وذلك ينافي «٥» السياسة العقلية.
قال:" وأيضا لذة اللحم ليس شأنها اجتلاب فائدة، بل تدفع الفوائد الروحانية وهي في نفسها خسيسة ردية مهلكة، فإنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته، وكالضباب يصيّر العيون مظلمة".
_________________
(١) في (ش): مال.
(٢) العبارة في (م):" اذ كان يكون ماءل الشخص في النساء مع ".
(٣) في (أ): فأما.
(٤) في (أ): لعقق.
(٥) في (ش): لما في.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
قلت: قد بينا فوائد هذه الحاسة أول الكتاب «١»، ونص عليها الأطباء وعلى مضار تركها. ولو صح ما قاله من دفعها الفوائد الروحانية،/ لوجب أن تكون مخاييس النصارى وغيرهم الذين لم ينكحوا قط، أفضل من الأنبياء كإبراهيم وموسى وهارون/ ويوشع بن نون، والأنبياء الاثني عشر، وأشعياء ودانيال، وأكثر «٢» روحانية منهم.
ولقد حيرني هذا العلج في أمري بتلونه، فإنه تارة نصراني مثلث أو غيره وتارة فيلسوف معطل، وتارة عامي جلف، فنعود بالله من التلون.
قوله:" هي في نفسها خسيسة ردية مهلكة" إن «٣» أراد بخستها قبح صورتها طبعا، ورد عليه حالة البول والتغوط، بل حالة الأكل لأنها سببها. لا يقال هذه الأحوال ضرورية طبعا، لأنا نقول مثله هناك، إذ النكاح ضروري من حيث الطبيعة والشهوة، يتأذى بتركه الدين والبدن كما سبق.
وقوله:" مهلكة «٤» " إن أراد هلاك «٥» الدين بالتتابع فيها فذاك إنما هو في الحرام والحلال وإن أراد هلاك البدن بإضعافه فذلك يتقدر بحسب اختلاف المروءات والعقول «٦» والمحمود منه: القدر المتوسط، الذي لا ينهك البدن بكثرته ولا يفضي إلى إنهاك الدين بالإقلال منه.
_________________
(١) انظر ص: ٢٨١ - ٢٨٣ من هذا الكتاب.
(٢) وأكثر: سقطت من (أ).
(٣) «إن»: ليست في (ش).
(٤) مهلكة: سقطت من (أ).
(٥) في (أ): اهلاك.
(٦) في (أ): والعقود وفي (ش): للعقول.
[ ٢ / ٦٣١ ]
ويحكى:" أن أبا مسلم الخراساني «١» كان لا يأتي النساء في/ السنة أكثر من مرة. ويقول: هذا جنون. فأكثر من مرة لا يكون «٢» ".
قلت: ويغلب على ظني أنه قد كان به علة مانعة، أو فكرة شاغلة.
فإن قيل: فمحمد كان أولى بهذا التماسك من أبي مسلم لفضيلة منصب النبوة وفكرته في الجهاد، وإقامة الدين، وكمال معرفته بأحكام الآخرة.
قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة: كان أملككم لإربه «٣» " لكنه لو بالغ في التماسك عن هذه الشهوة لشق على أمته التأسي به. فإنه كان يطيق ما لا يطيقون
_________________
(١) اختلف في اسمه ونسبه، ويقال: إنه سمى نفسه عبد الرحمن، واشتهر بعبد الرحمن بن مسلم الخرساني وهو صاحب الدعوة للعباسيين، ابتدأ دعوته من مرو، وكان يدعو إلى رجل من بني هاشم غير معين ثم أظهرها وخطب باسم السفاح العباسي عند ما استولى على نيسابور، ثم سير جيشا لمقاتلة مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فانهزمت جيوش مروان فصفا الجو للسفاح حتى مات، وخلفه أخوه المنصور فرأى من أبي مسلم ما أخافه أن يطمع في الملك، وكانت بينهما ضغينة فقتله سنة سبع وثلاثين ومائة. [انظر تاريخ بغداد ١٠/ ٢٠٧ - ٢١١، وشذرات الذهب ١/ ١٧٩ - ١٨١].
(٢) انظر وفيات الأعيان ٣/ ١٤٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب المباشرة للصائم، ومسلم في الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة ، حديث ٦٦، ٦٨، والترمذي في الصوم، باب ما جاء في مباشرة الصائم، وابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في المباشرة للصائم (٢٠)، ومالك في الموطأ كتاب الصيام، باب ما جاء في الرخصة في القبلة للصائم، وأحمد في عدة مواضع في المسند منها (٦/ ٤٠، ٤٢، ١١٣). ومعنى أملككم لاربه: أي حاجته أو عضوه. [انظر فتح الباري ٤/ ١٥١، وغريب الحديث للخطابي ٢/ ٢٧٠، ٤٨٤].
[ ٢ / ٦٣٢ ]
فكان يلزمهم الحرج وذلك ينافي نصوص الشريعة برفع الحرج فأكثر منه رفعا/ للحرج عن أمته، وأيضا فإنه كان مشرعا معلما كما قال:" إنما بعثت معلما «١» " وعلم أن في صورة هذا الفعل ما تحتشمه النفوس وتنجبه منه فجرأهم عليه بإكثاره منه فعلا وقولا لئلا يتقاصروا عنه حياء «٢» أو يقدموا عليه على وهم وانحاش «٣» فيحرجوا بذلك، فأراد أن يوسع عليهم المجال في الحلال ويخالف أهل الزور والمحال والنصارى الضّلال./.
قوله:" إنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته".
قلنا: إن صح هذا فهو الإكثار «٤» منها لا مطلقها، على أن الإنسان إذا داوم تركه بعد اعتياده يجد لذلك ثقل بدن وكرب وانقباض يورثه بلادة ووسواسا ويحصل له بفعله انشراح وانبساط، ولذلك هو أكبر دواء العشاق كما ذكره الأطباء.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم وقال في الزوائد:" إسناده ضعيف. داود وبكر وعبد الرحمن كلهم ضعفاء" أي رجال السند وأخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٨) ومسلم في الطلاق حديث ٢٩ من حديث جابر في سبب نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا [الأحزاب: ٢٨] الآية [سورة الأحزاب: ٢٨] بلفظ:" ولكن بعثني معلما ميسرا".
(٢) في (أ): حيانا.
(٣) انحاش: أي نفر، والحواشة: ما يستحيا منه. [انظر لسان العرب ٦/ ٢٩٠].
(٤) في (م): للإكثار.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
قال:" ولأنها مضادة لأنواع السرور الروحانية العلية، فهي تصرف النفس بالكلية عنها، إذ يفسد ذوق القلب، فلا يستطيب شيئا من الخير، كما في العكس، وهو أن الذين يستطيبون الأمور الروحانية الأزلية لا يستطيبون اللذات الجسدانية بل يكرهونها ويهربون عنها".
قلت: أما قوله:" إنها مضادة للروحانيات" فباطل بالأنبياء، إذ هم أعظم البشر روحانية، وكانوا يستعملون هذه اللذة، وكل ما ذكره في هذا الفصل باطل والحق خلافه، بل هذه اللذة إذا استعملت على الوجه الحلال قصدا لا إفراط «١» ولا تفريط، وقصد بها اعفاف الدين وتحصين الدّين والفرج والتفرغ من قلق الشبق، لطاعة الباري في النهار والغسق «٢»، كانت أفضل من عبادات كثيرة.
ولهذا قال بعض علماء المسلمين:" إن التشاغل" بالنكاح أفضل من التخلي/ لنوافل العبادة، حسما لمادة فساد الدين بالزنا ونحوه «٣» ".
وأما ترجيح الروحانيات عند أصحابها، فلأنهم لا يحصلونها إلا بعد قهر
_________________
(١) في (أ): لافراط.
(٢) الغسق: الليل المظلم، يقال: غسق الليل يغسق: أي أظلم. [انظر تفسير القرطبي ٢٠/ ٢٥٦، والمفردات في غريب القرآن ص ٣٦٠].
(٣) هذا مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي وبعض أصحاب مالك. [انظر شرح صحيح مسلم للإمام النووي ٩/ ١٧٤].
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الطبيعة برياضة البدن وكسر شرته «١»، وإضعاف قوته بصيام الهواجر «٢»، وقيام الدياجر «٣»، حتى تقوى قوى النفس على البدن، وحينئذ يصير تركهم له «٤» لضعفهم عنه لا لما أراد.
ولو كان ما ذكر صحيحا لوجب حين استعلن «٥» الله لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وتجلى لموسى وناجاه، أن كانوا يطلقون نساءهم، ثم لا يجتمعون بهن أبدا.
قال:" فقد بان بأن اللذة اللحمية ينبغى أن تبقى بحسب استطاعة الطبيعة وإذا كان الواجب أن تبقى، فأولى أن لا تعمل شيئا لاجتلابها،/ فينبغى أن تعدل وتقمع حيث لا يستطاع أن تبقى على كل حال".
قلت: المسلم له من هذا وجوب إبقاء الحرام، وما ينهك البدن أما غيره فلا،
_________________
(١) الشره: النشاط والرغبة. [انظر لسان العرب ٤/ ٤٠١].
(٢) من الهاجرة: وهو اشتداد الحر في النهار. [انظر مختار الصحاح ص ١٩٩، والمصباح المنير ٢/ ٧٧٩].
(٣) الدياجر: جمع ديجور، وهو الظلام. [انظر مختار الصحاح ص ١٩٩، ولسان العرب ٤/ ٢٧٨].
(٤) له: سقطت من (أ).
(٥) استعلن: ظهر. كما في التراجم الحديث للتوراة التي بأيدي النصارى. قال عن إبراهيم:" وظهر له الرب عند بلوط" [سفر التكوين الأصحاح الثامن] وقال عن إسحاق:" وظهر له الرب وقال لا تنزل إلى مصر " [التكوين الأصحاح السادس والعشرين] وقال عن يعقوب:" واصنع هناك مذبحا لله الذي ظهر حين هربت من وجه عيسو أخيك ".
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وهذا كلام في الريح.
قال:" فينبغي أن لا يكثر الزوجات والجواري، بل يقتصر على واحدة ويكون قصده تحصيل/ الروحانيات".
قلت: هذا حاصل ما ذكره بعد ما سبق في كلام مخبط متهافت.
واعلم: أن النكاح بالغا ما بلغ منه الإنسان لا يشغل عن الروحانيات لمن له نية صادقة، ونفس صافية وهمة عالية.
قال:" ويقال أيضا: الشهوة اللحمية إما أن يقال: ينبغي أن تقمع، أو لا يقال؟ فإن قيل لا ينبغي أن تقمع، لزم أن تبقى الطبيعة الإنسانية ذاهبة في كل نجاسة ولواط وبهيمية. وإن قيل: ينبغي أن تقمع لكن لاستعمال النساء والجواري الكثيرة كما قال محمد، فهو مردود بوجوه:
الأول: أن الشهوة مشتركة بين القبيلين، فينبغي أن يكون للمرأة أزواج/ كما للرجل زوجات، ولم يقل به أحد.
الثاني: أن المرأة إلى الزنا أقرب إلى الرجل لوفور شهوتها ونقصان عقلها فمن احتاط للرجل بكثرة النساء بحيث إن كانت واحدة مريضة أو عاقرا لا تحمل، وجد الأخرى صحيحة تحمل، لزمه أن يجعل للمرأة أزواجا بحيث إن كان أحدهم مريضا أو غائبا وجدت الآخر يصونها عن الزنا.
الثالث: أن في الباب الثاني «١» من كتاب أيوب:" سل البهائم تعلمك وطيور السماء تريك".
_________________
(١) في التراجم الحديثة: الأصحاح الثاني عشر.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
قال:" والبهائم وطيور السماء تتبع عادة آباءها، فينبغى لنا أن نتبع عادة أبينا ولم يكن له إلا زوجة واحدة".
الرابع: أن تكثير الزوجات والجواري موجب لتحاسدهن، وتشتيت قلوبهن «١»، والغضب والقطيعة وذلك شر، والله خير محض، فلا يفعل الشر، ولا يأمر به".
قلت: الجواب عن هذا بأنا نقول: يجب قمع هذه الشهوة بالطريق الشرعي وهو النكاح والتسري أو الصوم لمن لا يقدر على ذلك.
قوله:" الشهوة مشتركة بين القبيلين" قلنا: نعم.
قوله:" ينبغى أن يكون للمرأة أزواج كما للرجل زوجات".
قلنا: هذا قد كان مقتضى العدل، لكن منع منه مانع أقوى منه وهو اختلاط المياه واشتباه الأنساب، ونحن شرعنا مبني على مراعاة المصالح والمفاسد، فإذا تحررت «٢» المصلحة حصلناها، أو المفسدة نفيناها. وإن تعارضتا فإن ترجحت المصلحة حصلت، أو المفسدة نفيت. وإن تساوتا تخيرنا وهاهنا تعارضت مصلحة العدل في النساء بتسويتهن بالرجال في تعدد الأزواج ومفسدة/ اختلاط الأنساب/ لكن ترجحت هذه المفسدة فنفاها الشرع وحفظ المرأة.
وتحصينها من الزنا يحصل باحتجابها في البيت على حسب الإمكان على
_________________
(١) في (أ): قلوبهم.
(٢) في (ش)، (م): تجردت.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
أنها لو كان لها أزواج لما تركت الزنا بالكلية، كما أن الرجل على ما هو مشاهد- وإن كان له زوجات لا يتركه بالكلية، بل يطمح إلى غيرها من ذكر وأنثى لواطا وزنا.
لكن غاية ما يقال على تقدير «١» كثرة أزواجها كأن يكون داعيها إلى الزنا أضعف فيكون وقوعه منها أقل لكن يعارضه مفسدة اختلاط النسب وتغاير الرجال الذين نفوسهم أقوى، وهممهم أعلى من همم النساء، ثم أنتم لم تقولوا بذلك في جانب الرجل «٢».؟
وهذا سؤال قد أحكمت الجواب عنه في أوائل" الفوائد" وما ظننت أن أحدا أورده. لكن فرضته/ وأجبت عنه. وبهذا حصل الجواب عن سؤاله الثاني.
أما الثالث: فقوله في كتاب أيوب على تقدير الوثوق بصحته، فليس المراد به: أن الطيور تعلمه أمر دينه والأحكام الشرعية.
_________________
(١) في (ش)، (م): أن على.
(٢) ويزاد على ذلك أن التوراة تبيح ذلك ولم ينسخ ذلك المسيح وهم يعملون بشرع التوراة فيلزمهم القول بالتعدد. وقد ذكر لي من أثق به وسافر إلى أمريكا وأقام بها أن فرقة من النصارى هناك تبيح التعدد بل تبيح الجمع بين أكثر من أربع زوجات. وتسمى هذه الطائفة" المورمن" وقد كانت إلى وقت قريب محاربة من بقية الطوائف. حتى أظهرت هذه الطائفة التنازل عن بعض معتقداتها ومنها تعدد الزوجات وذلك علنا، ليكون لها من الحقوق ما لبقية النصارى أما في السر فهم متمسكون بما عندهم من معتقدات وشرائع.
[ ٢ / ٦٣٨ ]
ثم هو مطلق لا عموم له. فلم قلت: إن سؤالها يتعين أن يكون عين «١» هذا الحكم؟ بل لعله التوكل من حيث أنها لصدق توكلها" تغدو «٢» خماصا، وتروح بطانا «٣» فيأمره أن يكون في التوكل مثلها أو غير ذلك. فقد قال الله تعالى في القرآن: وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ (٣٨) «٤».
وأما قوله:" ينبغى أن نتبع عادة أبينا في الاقتصار على واحدة" فجوابه من وجهين:
أحدهما: أن نقول له: هات لنا مثل حواء حتى نقتصر عليها.
الثاني: أن شرعنا أمرنا بمتابعة/ الحق بالحجة، ونهانا عن تقليد الآباء بقوله قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا (٢١) «٥» في آيات كثيرة.
وأما السؤال الرابع: فإن تكثير النساء وإن كان موجبا للتغاير بينهن وتقاطعهن. لكن هذه مفسدة عارضتها مصلحة أرجح منها، وهو تحصين فروج
_________________
(١) عين: ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): بعد خماصا.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب في التوكل على الله. عن عمر قال قال رسول اللهﷺ-:" لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا" وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب التوكل واليقين. بنحو لفظ الترمذي عن عمر، وأحمد في المسند (١/ ٣٠، ٥٢).
(٤) سورة الأنعام، آية: ٣٨.
(٥) سورة لقمان، آية: ٢١.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
الرجال وأديانهم، ولم يعارض هذه المصلحة مانع اختلاط النسب كما عارضها «١» في حق النساء، فحصلت هذه المصلحة الراجحة لما قررناه من مراعاة شرعنا للمصالح.
وأعلم أننا بحمد الله أهل صدق وعدل وانصاف، وعلى ذلك تأسيس دين الإسلام، ولا شك/ أنا نرى غالب الناس من المسلمين وغيرهم مع إباحة التزوج والتسري لهم قد استحوذ عليهم الشيطان، حتى يترك أحدهم ما يحل له من ذلك وإن كثر ويعدل إلى الزنا بالنسوان، واللواط بالغلمان. فلو حصروا في واحدة كما أشار به هذا الخصم، لعمري لقد كانوا يدبون على الشيوخ والكهول والشباب والبهائم في البر والحيتان في البحر، فكان فيما جاء به دين الإسلام من تكثير مجال النكاح عليهم تقليل لهذه المفسدة.
ولعل هذا النصراني غره احتباس رهبانه في البيع «٢» والديارات «٣» فيظن أن ذلك يمنعهم عن الفجور، ولو علم أنهم يدبون على
_________________
(١) في (م): عارضتها.
(٢) جمع بيعة. وهي كنيسة النصارى، وقيل كنيسة اليهود. [انظر لسان العرب ٨/ ٢٦].
(٣) ديارات: جمعها: أديار، ومفرد: دير. وهو خان النصارى. ومكان عبّادهم. قال النووي﵀-:" قول الشافعي﵁- في الجزية وأصحاب الديارات. وقد أنكره جماعة وقالوا: إن أرادوا جمع دير فصوابه: ديور كعين وعيون، قال البيهقي: قال أبو منصور الخمشادي: هي لغة صحيحة تستعمل في نواحي الشام وبلاد الروم وهي جمع الجمع يقال: دار وديار، وديارات كجمل وجمالات. وروى البيهقي بإسناده أن رسول الله ﷺ قال: «إنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات». [تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٠٨، وانظر لسان العرب ٤/ ٣٠٠ - ٣٠١].
[ ٢ / ٦٤٠ ]
الشماسة «١» وكل صبي وشيخ يدخل إليهم. لأجاز لهم التزوج بعشرين، ولولا ما هم فيه من الرياضة ونحوها لدبوا على أطعمة المذبح.
[الرد على النصراني في ادعائه أن الإسلام أجاز إتيان المرأة في دبرها]
قال:" وفي سورة البقرة: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (٢٢٣) «٢» قال في التفسير: يعني من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة" قال: وهذا تعليم تستنكف «٣» / منه البهائم، فضلا عن أن الله يعلمه خلقه".
قلت: هذا غباوة أو عناد. فإن لهذه الآية أسبابا تقتضي ما تضمنته من الحكم:
منها: أن اليهود كانت تقول: إذا جامع الرجل زوجته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فبين الله تعالى بهذه الآية أن لا أثر لذلك، بل للرجل أن يأتي امرأته مقبلة ومدبرة بشرط أن يكون في القبل «٤».
_________________
(١) الشماسة: جمع شماس. وهو خادم الكنيسة، ومرتبته دون القس والكلمة سريانيّة. قال ابن منظور:" والشماس من رءوس النصارى الذي يحلق وسط رأسه ويلزم البيعة. والجمع شماسه، الحقوا الهاء للعجمة أو للعوض" اهـ. [لسان العرب ٦/ ١١٤، وانظر أسرار الكنيسة السبعة ص ١٨٤].
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٢٣.
(٣) تستنكف: تأنف وتحتشم. [تفسير القرطبي ٦/ ٢٦، وتفسير ابن كثير ١/ ٥٩١].
(٤) أخرج البخاري في تفسير سورة البقرة، باب:" نساؤكم حرث لكم " عن جابر﵁- قال:" كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وأخرجه مسلم في النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها من غير تعرض للدبر، حديث ١١٧، وأبو داود في كتاب النكاح، باب جامع في النكاح، حديث ٢١٦٣، والترمذي في تفسير سورة البقرة ٢ حديث ٢٩٧٨، وابن ماجه في كتاب النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن، والدارمي في الوضوء، باب إتيان النساء في أدبارهن.
[ ٢ / ٦٤١ ]
الثاني: أن المهاجرين كانوا يجبون نساءهم، يعني يأتونهن «١» مدبرات في القبل فلما جاءوا المدينة جعلوا يفعلون ذلك بأزواجهم من الأنصار. ولم يكن لهن به عادة فأخبرن بذلك النبي﵇- ووقع فيه الكلام فبين الله حكمه «٢».
الثالث: ما روى ابن عباس قال: جاء عمر، فقال يا رسول الله هلكت، قال:" ما أهلكك"؟ قال: حولت رحلي الليلة فأنزل «٣» الله هذه الآية: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة. رواه الترمذي «٤» والنسائي «٥».
وحينئذ نقول: ما المحذور في أن الله- سبحانه- بين له في كيفية الوطء ما ينبغي مما لا ينبغي؟ وإنما استقبح/ هذا الخصم هذا بناء على رأيه الفاسد في أن اللذة ليست مقصودة لذاتها من الجماع، وقد تقدم منعه، وما جعل النساء إلا للمتعة./
_________________
(١) في (م): يأتوهن.
(٢) انظر مسند أحمد (٦/ ٣٠٥، ٣١٠، ٣١٨، ٣١٩) بأسانيد مختلفة، وسنن الدارمي (المقدمة: باب إتيان النساء في أدبارهن) وصحيح مسلم (النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر، حديث ١١٩).
(٣) لفظ الترمذي:" حولت رحلي الليلة، قال فلم ير عليه رسول- الله ﷺ- شيئا فأنزل الله ".
(٤) أخرجه الترمذي في تفسير سورة البقرة. قال:" هذا حديث حسن غريب" وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٩٧) وورد في ذلك أحاديث كثيرة في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي كلها تنهى عن الإتيان في الدبر والحيض.
(٥) لم أجده في الصغرى وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى النسائي أيضا، فلعله في السنن الكبرى للنسائي.
[ ٢ / ٦٤٢ ]
على أن النسائي قد روى في سننه الكثير عن ابن عمر: أن رجلا أتى امرأته في دبرها على عهد النبي ﷺ فوجد النبيﷺ «١» - وجدا شديدا. فأنزل الله- سبحانه-: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ «٢».
ويحتج بهذا من أجاز وطء المرأة في دبرها، ويعزى إلى مذهب مالك وأهل الحجاز «٣»، وهذا أشد وأغلظ على النصارى «٤».
_________________
(١) ﷺ: ليست في: (م)، (ش).
(٢) إن صحت هذه الرواية فليست صريحة في الوطء في الدبر فتحمل على أنه يأتيها في قبلها من دبرها لما رواه النسائي أيضا بسنده أن أبا النضر قال لنافع مولى ابن عمر:" إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن. قال: كذبوا عليّ ولكن سأحدثك كيف كان الأمر. إن ابن عمر﵁- عرض المصحف يوما وأنا عنده حتى بلغ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ فقال: يا نافع هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهن مثل ما كنا نريد فآذاهن ذلك وأعظمنه. وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن فأنزل الله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ قال ابن كثير بعد إيراد هذا الحديث في تفسير الآية وهذا إسناد صحيح وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني " وقد روى عن ابن عمر خلاف ذلك صريحا كما في قصة التحميض وهي: عن سعيد بن يسار قال قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض قلت: نأتيهن في أدبارهن. فقال: أف أف أو يعمل هذا مسلم؟ [انظر تفسير ابن كثير ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥].
(٣) ما يروى عن مالك وبعض فقهاء أهل الحجاز غير صحيح وقد قيل للإمام مالك: أنه روي عنك ذلك. فنفر وبادر إلى تكذيب الناقل وقال: كذبوا عليّ " الخ. [انظر تفسير القرطبي ٣/ ٩٤ - ٩٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٢٦٥].
(٤) من الأولى أن يرد هذا الطوفي صراحة. لا بصيغة التمريض التي استعملها. عفا الله عنا وعنه.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
[كراهة الطلاق وإباحته لمصلحة الزوجين]
قال:/" وفي هذه السورة «١»: الطَّلاقُ مَرَّتانِ (٢٢٩) إلى قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (٢٣٠) «٢» وذكر حديث امرأة رفاعة القرظي «٣»: (لا. حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) «٤» وكأن حاصل ما ذكره: انكار فراق المرأة بالطلاق أو المرض أو العيب ونحوه. قال:" ولو جاز ترك المرأة لأجل شيء من العيوب، لجاز للمرأة ترك الرجل لذلك. لأنها أحوج إلى الرفق بها لضعفها".
_________________
(١) في (أ):" قال هذه السورة".
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٢٩، ٢٣٠.
(٣) رفاعة بن سموأل، ويقال: رفاعة بن رفاعة القرظي، من بنى قريظة. روي عنه أنه قال:" نزلت هذه الآية: ولَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ [سورة القصص: ٥١] في عشرة أنا أحدهم" [الاستيعاب: ٢/ ٥٠٠] وامرأته: تميمة بنت وهب، وقيل: سهيمة، وقيل: أميمة بنت الحارث، ورجح ابن حجر في الفتح (٩/ ٤٦٤) الأول. وهو الذي صرح به مالك في روايته.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب شهادة المختبي، وفي الطلاق باب من جوز الطلاق الثلاث، وباب إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت وفي مواضع أخرى من صحيحه. كما أخرجه مسلم في النكاح حديث ١١٢ - ١١٥، باب لا تحل المطلقة ثلاثا لمطلقها حتى تنكح ، وأبو داود في الطلاق، باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره. والترمذي في النكاح. باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيطلقها قبل أن يدخل بها، والنسائي في النكاح باب إحلال المطلقة ثلاثا، وابن ماجه في النكاح، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا ، والدارمي في الطلاق باب ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها ، ومالك في الموطأ في النكاح، باب نكاح المحلل مرسلا. وأحمد في عدة مواضع من المسند منها (٦/ ٣٤).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
قال: بل ينبغي أن تمان «١» المرأة ذات العيب لأجل الضرورة ولا تفارق لأن أحد المتعاهدين إذا فارق صاحبه حال المرض والضرورة عدّ قاسيا خائنا".
قلت: أما الطلاق فجائز بإجماع المسلمين، وقد تقدم البحث معه فيه «٢»، وأن النكاح عقد معاوضة في الحقيقة فجاز فسخه كالبيع، نعم جاء في الحديث عن النبي ﷺ «أبغض المباح إلى الله الطلاق» «٣» وعليه اشكال، وهو أن البغضة تقتضي الكراهة والإباحة تقتضي التسوية، فالجمع بينهما متعذر.
وأجيب: بأن المباح قد يراد به تساوى الطرفين وقد يراد به القدر المشترك بين المتساوي الطرفين وراجح الترك وراجح من غير جزم وبهذا يستقيم معنى الحديث، لأنه يصير تقديره: أبغض ما للإنسان فعله: الطلاق. وهو أعم من المتساوي وغيره «٤».
_________________
(١) تمان: أى يقام عليها. [انظر لسان العرب ١٣/ ٣٩٦].
(٢) انظر ص: ٦٢٦ من هذا الكتاب.
(٣) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب كراهية الطلاق، وابن ماجة في الطلاق الباب الأول منه. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٦٣٨):" هذا حديث لا يصح" وقيل إنه مرسل [المقاصد الحسنة ص ١٢] وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الطلاق ٢/ ١٩٦ بلفظ:" ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق" وقال: هذا حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه" وقال الذهبي في التلخيص بهامش المستدرك:" صحيح على شرط مسلم".
(٤) قلت: لعل الكراهة في الحديث منصرفة إلى السبب الجالب للطلاق، وهو سوء العشرة، وقلة الموافقة لا إلى نفس الطلاق، فقد أباح الله الطلاق وثبت عن رسول اللهﷺ- أنه" طلق حفصة ثم راجعها" [رواه أبو داود في الطلاق، باب في الرجعة]، وكانت لابن عمر امرأة يحبها وأبوه يكرهها فقال له النبي ﷺ-:" يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك" [أخرجه الترمذي في الطلاق باب ما جاء في الرجل يسأله أبوه أن يطلق زوجته]. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٤٥ ]
قوله:" لو جاز ترك المرأة لعيب ونحوه، لجاز لها ترك الرجل".
قلنا: هكذا نقول على تفصيل فيه.
تقريره مختصرا: إن العيب في أحد الزوجين: إما أن لا يخل بمقصود النكاح أو كماله، فلا يثبت به الفسخ، أو يخل بذلك فيثبت به إقامة/ للعدل وإزالة للمكروه عن المكلف.
ثم العيوب الموجبة للفسخ: إما خاص «١» بالرجل كالجب «٢» والعنة «٣»، أو بالمرأة كالقرن «٤» / والرتق «٥». أو مشترك بينهما كالجنون والجذام والبرص، ولكل من الزوجين فسخ نكاح صاحبه، لما يخل بمقصود «٦» نكاحه من ذلك.
_________________
(١) هكذا في النسخ الثلاث: والأصح: خاصة.
(٢) الجب: القطع. جبه أي استأصله. والمقصود به: مقطوع الذكر [انظر لسان العرب ١/ ٢٤٩، والمصباح المنير ١/ ١٠٩].
(٣) العنة: وصف للرجل الّذي لا يأتي النساء، أو منع من ذلك بالسحر أو غيره. وسمي بذلك لأنه يعنّ ذكره لقبل المرأة عن يمينه وشماله فلا يقصده. [انظر لسان العرب ١٣/ ٢٩١، وإكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٤٥٤، وتهذيب الأسماء واللغات ٤/ ٤٨].
(٤) في (م): كالعتق، وفي (ش): كالفتق. والقرن: عظم في الفرج يمنع الوطء، أو لحم ينبت في الفرج فيسده. [انظر لسان العرب ١٣/ ٣٣٥، وإكمال الإعلام ٢/ ٥٠٨، وتهذيب الأسماء واللغات ٤/ ٩١، والمغني لابن قدامة ٦/ ٦٥١].
(٥) الرتق: أن يكون الفرج ملتصقا لا يدخل الذكر فيه. [انظر لسان العرب ١٠/ ١١٤، والمصباح المنير ١/ ٢٥٩]
(٦) في (أ): مقصود.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
قوله:؛ تمان المرأة للضرورة ولا تفارق".
قلنا: فيه إلزام للرجل مكروها، له عنه مندوحة، وذلك ينافي العدل.
قوله:" أحد المتعاهدين إذا فارق صاحبه حال الضرورة عدّ قاسيا خائنا".
قلنا: النكاح من باب العقود العوضية «١»، لا من باب العهود.
والعقود العوضية «٢» يجوز فسخها بعيب وإقالة، فكذلك النكاح يفسخ بالعيوب والخلع، وهو نظير الإقالة في البيع ونحوه، والفرق بين العقد والعهد أن العقد «٣» يتضمن عوضا، والعهد لا يتضمن عوضا، وقد أمر الله بالوفاء بالأمرين ومن الوفاء بالعقد، الفسخ عند قيام المقتضى له، ولو كان اجتماع الزوجين على جهة العهد على ما ذكرنا لكان زنا حراما بإجماع المسلمين.
وحينئذ نقول: فسخ العقد لا قسوة فيه ولا جناية، بل إنما ذلك في العهد.
فأما قوله تعالى: وأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا «٤» فقال المفسرون/ عقدا مؤكدا. وهي كلمة الله التي أخذها «٥» للنساء على الرجال، وهي الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، قال قتادة:" وكان ذلك يؤخذ عند عقدة النكاح «٦» ".
_________________
(١) في (أ): العوضة.
(٢) في (أ): العوضة.
(٣) في (أ): أن عقد.
(٤) سورة النساء، آية: ٢١.
(٥) في (ش): أخذها الله.
(٦) تفسير القرطبي ٥/ ١٠٣، وتفسير الطبري ٤/ ٣١٥.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
نعم: إن شرط في العقد ألا يفسخ أحد من الزوجين بعيب ظهر بصاحبه.
فإن قلنا: لا فسخ بالعيب الحادث، كان هذا الشرط مؤكدا للحكم وإن قلنا يثبت به الفسخ احتمل/ أن يلزمهما بموجب الشرط لقوله ﵇: «المسلمون على شروطهم «١»» واحتمل أن يبطل النكاح من أصله، بناء على الشروط الفاسدة في العقود. وأحكام الأنكحة الفاسدة معلومة.
ثم ما ذكره ينتقض بالتلاميذ «٢» مع المسيح، حيث آمنوا به وبايعوه على دينه، ثم لما قبض اليهود عليه فروا عنه، خصوصا بطرس التلاميذ الكبير «٣» الذي قال له:" لو أنكرك كل واحد «٤» لما أنكرتك" ثم أنكره قبل صياح الديك ثلاث مرات «٥» ".
فهذا هو ترك العهد لا طلاق الزوجة. فإن قيل: إن تفرقهم عنه كان بإذنه.
_________________
(١) أخرجه البخارى معلقا بصيغة الجزم فقال:" وقال النبيﷺ- المسلمون عند شروطهم" في كتاب الإجارة، باب أجر السمسرة. وأخرجه أبو داود في كتاب الأقضية، باب في الصلح، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما ذكر عن رسول اللهﷺ- في الصلح بين الناس، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٢) الحواريون الاثنا عشر الذين آمنوا وتتلمذوا على المسيح بإجماع النصارى [انظر الفارق بين المخلوق والخالق ص: ١٩].
(٣) ويسمى بطرس الرسول.
(٤) في (م): أحد.
(٥) ذكرت القصة في إنجيل متى الأصحاح السادس والعشرين، وفي إنجيل مرقس الأصحاح الرابع عشر، وفي إنجيل لوقا الأصحاح الثاني والعشرين.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
قلنا: وطلاق الزوجة وفراق الزوج بإذن الشارع الذي هو إله المسيح والزوجين وغيرهما من العالم.
فإن منعوا أن ذلك بإذن الله/، عدنا إلى النزاع في تصديق الرسول، وخرجنا عن مسألة إنكار الطلاق.
قال:" ثم إن جاز أن تترك المرأة بلا سبب أو بسبب ضعيف، كما في ملة المسلمين أفضى ذلك بسبب الهجرة والغضب إلى تبديل الزوجات الكثيرة وتنجيسهن واحدة بعد أخرى، وافتضاض الأبكار وتركهن. وذلك يورث البغض بين النساء وأزواجهن وأقربائهن، وذلك خلاف الدين الطبيعي والصيانة والمروءة".
قلت: أما إفضاء ذلك إلى تبديل النساء فلا محذور فيه، بناء على ما ذكرنا من أن النكاح عقد، والمرأة معقود عليه، كالفرس والشاة، لا فرق بينهما إلا أن هذه من الجنس بخلاف الفرس.
وأما تنجيسهن فالجماع لا نجاسة فيه، وإنما هذه لفظة استفادتها النصارى من قول" يعقوب" لابنه/ روبيل:" وطئت سريتي ونجست فراشي «١» " وهذه حكاية باطلة، ثم لو صحت لكان التنجيس هنا مجازا عن انتهاك حرمة فراشه وإلحاق العار به بذلك، والعلاقة المجوزة فيه تأذي الإنسان بلحوق العار، كما يتأذى بلحوق النجاسة، وإن تفاوت «٢» الأديان أو يكون أراد نجاسة الفعل يعني قبحه، لاشتراك النجاسة والفعل القبيح في القبح.
_________________
(١) انظر سفر التكوين الأصحاح التاسع والأربعين.
(٢) هكذا في النسخ الثلاث. والأصح: تفاوتت.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
وأما افتضاض الأبكار وتركهن فتلك متعة أمتع الله بها خلقه، فالمانع منها متحجر فضولي. والدليل على ذلك صريح العقل، فإن الخلق كلهم ذكرهم وأنثاهم عباد الله وإماؤه، فإذا سمح لعبيده بوطء إمائه على وجه مخصوص جاز، كما أن الواحد «١» من الخلق يجوز أن يهب لعبده ألف جارية له، يقول افعل بهن ما شئت، فإنه يجوز أن يتصرف فيهن بسائر التصرفات من بيع وعتق ووطء للبعض دون البعض أو للكل.
والانتقال من واحدة إلى واحدة وغير ذلك، فإن نازعتمونا في أن الله سبحانه أذن لنا في ذلك خرجنا عن المسألة «٢» كما سبق.
وأما قوله:" ذلك يورث البغض بين الرجال ونسائهم وأزواجهن" «٣» فممنوع. بيانه:
هو أن الشرائع قوانين متبعة لا يخرج عنها من هو من أهلها، فإذا علم الناس من شرعهم جواز التزوج والطلاق، وافتضاض الأبكار وتركهن، وجب عليهم أن لا/ يتباغضوا لذلك ولا يتحاقدوا، كما يجب عليهم أن لا يتباغضوا/ لتأدية الحقوق المالية، كالديون ونحوها، وإن كان أداؤها على خلاف الطبع.
_________________
(١) في (أ): للواحد.
(٢) هكذا في النسخ الثلاث. وصحيح العبارة:" يورث البغض بين النساء وأزواجهن وأقربائهن" كما تقدم في عبارة النصراني قريبا.
(٣) في (ش): الملة.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وما فائدة الشرع إلا كف الطباع عن الشر الذي جبلت عليه- وهذا منه- فإن غلبتهم النفوس/ على البغضاء والحقد بالطبع كان ذلك مراغمة للشرع فيعصي فاعله ولا يكون بفعله اعتبار، كما أنه لما حرم أخذ المال بغير حق كان فعل قطاع الطريق ونحوهم إثما عليهم يستحقون به العقوبة، وهو ساقط الاعتبار، لا يفيد ملكا ولا يجيز تصرفا، وتصرفات الطبائع لا يلزم موافقتها للشرائع، فما وافق الشرع منها كان حقا كالنكاح، وما خالفه كان باطلا كالسفاح ثم هذا معارض بأن الطلاق إن كان يفضي إلى التباغض فلزوم النكاح أبدا والحبس على زوجة واحدة يفضي إلى تكره كل منهما بالآخر وتبرمه به، وتضجره منه، وقل أن يطيب مع ذلك عيش لبهيمتين، فضلا عن إنسانين فتدوم المفسدة، وربما انتفى لذلك مقصود النكاح، وربما أفضى إلى مفارقة الدين.
كما حكي أن بعض النصارى تزوج امرأة فلما دخلت عليه رآها عوراء فقال: عورتا، قالت: بلستا «١». قال:" محمد بن عبد الله" على الباب، ثم خرج فأسلم.
فحجز الدين ما بينهما «٢»، فلو كان في دين النصارى فسحة في الطلاق
_________________
(١) هكذا في (م)، وفي (أ): بلشتا. والإبلاس: الانكسار والانقطاع والسكوت، يقال: أبلس فلان إذا سكت غما. [انظر مختار الصحاح ص ٦٣، والمصباح المنير ١/ ٧٦، ولسان العرب ٦/ ٣٠].
(٢) قلت: لا يحجز الدين بين المسلم والكتابية بل يجوز للمسلم أن يتزوج النصرانية بالعقد الصحيح. إلا أن يكون مراد المؤلف أنه أسلم فطلق فحصل الطلاق بخروجه من دين النصارى الذين يحرمون الطلاق.
[ ٢ / ٦٥١ ]
لقال عوض كلمة الإسلام: أنت طالق، ثم استراح منها، ولم يحتج إلى فراق دين يعتقدونه حقا إلى دين يعتقدونه باطلا. مع أن فراق كل من في الدنيا أهون من فراق الدين.
فإن قلت: نحن مع قولنا بلزوم النكاح أبدا، وارتباط الرجل على زوجته يوجب على كل منهما احتمال صاحبه وعشرته بالمعروف، وأن لا يتبرم به، ولا يتضجر منه، فإن خالف ذلك كان فعله خلاف الشرع «١»، وهو غير معتبر.
قلنا: فقل في الطرف الآخر هكذا، وهو أنا/ إذا اخترنا الطلاق والفراق أوجبنا على الرجال والنساء أن لا يغضبوا، ولا يحقد بعضهم على بعض فإن خالفوا ذلك كان فعلهم على خلاف الشرع، وهو غير معتبر.
ثم يترجح ما قلناه بوجهين:
أحدهما: أنه إذا لم يكن بد من البغضة الطبيعية، فتباغض الزوجين بعد أن يصيرا أجنبيين أسهل من تباغضهما في عصمة النكاح مجتمعين لافضاء ذلك إلى تكدر عيشهما باجتماعهما، وربما/ غلبت المرأة لوفور شهوتها وقلة دينها وعقلها على أن تقتل زوجها بسم أو غيره لتستريح منه وتصير إلى غيره، وكم قد وقع مثل هذا، وذلك مأمون بعد الفراق.
الثاني: أن الفرقة عذاب، والعذاب مؤدب. فإذا افترقا ربما استقام أحدهما للآخر، فعادا بعد نكاح جديد أو قبله بخلاف ما إذا داما مجتمعين فإنه لا يرجى لهما استقامة، بل كلما جاءا في سآمة وملل وتضجر وتبرم- والله أعلم-.
_________________
(١) في (أ) للشرع.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال:" وأيضا ما أشد ما يكون ظلم النساء بوقوع الطلاق عليهن بلا ذنب".
قلت: هذه غفلة عن الصواب. فإن الطلاق فسخ عقد معاملة لا إيقاع معاقبة، وإنما يكون ظلما إيقاع العقوبة بلا ذنب، ولو كان الطلاق عقوبة/ لوجب أنها إذا زنت ونجست فراشه تكون استدامة نكاحها أفضل في حقه، للإجماع من عقلاء العالم، على «١» أن الحلم عن الذنب أفضل من العقوبة عليه، وهذا لا يقول به عاقل، اللهم إلا أن تكون رياضة النفوس قد بلغت بالنصارى إلى رتبة القيادة، والصبر على الدياثة «٢». فقد قال بعض الحكماء: إن أربعا من الأمم أكثروا «٣» من أكل أربع، فأورثتهم أربعا: فالترك/ أكثروا من لحم الخيل فأورثهم القوة والقسوة، والعرب أكثروا من لحم الإبل فأورثهم الحقد والكرم، والحبشة أكثروا من لحم القردة فأورثهم الرفض «٤»، والنصارى أكثروا من لحم الخنزير فأورثهم الدياثة وعدم الغيرة «٥».
_________________
(١) على: سقطت من (م).
(٢) القيادة: المطاوعة في الدياثة، والدياثة: هي أن يرى الرجل العار فى امرأته وقريباته. ومنه ما أخرجه أحمد﵀- في مواضع من المسند عن عبد الله بن عمر أن رسول اللهﷺ- قال:" ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث" [انظر المسند (١/ ٦٩، ١٢٨)].
(٣) في (أ): أكثر.
(٤) الرفض: الترك والتفرق. [انظر لسان العرب ٧/ ١٥٦].
(٥) لم أقف على قائل هذا القول فيما اطلعت عليه من المراجع مثل: الحيوان للجاحظ، وحياة الحيوان للدميري، وعجائب المخلوقات والحيوانات للقزويني.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
ونقل القرطبي في تفسيره «١» عن محمد بن سيرين «٢» أنه قال:" ليس شيء من الدواب يعمل عمل قوم لوط إلا الخنزير والحمار".
فلعل النصارى ورثوا من أكل لحم الخنزير اللواط بصبيانهم، حتى اكتفوا بالواحدة من نسائهم، وعدم الغيرة حتى صبروا معهن على القيادة.
قال:" وأيضا فإن هذا يفضي إلى انقطاع النسل الذي هو أعظم خير في الزواج إذ يجوز لكل واحد منهم في اليوم أن يتزوج أربعا ويطلقهن، ويأخذ أربعا غيرهن كذلك في جميع زمانه، وهذه ليست سنة العقلاء والأعفاء بل سنة الفجار والعواهر، بل سنة الكلاب والحمير".
قلت: هذا جهل منه بحكم دين الإسلام. فإن الرجل لو تزوج أربعا وطلقهن في يوم واحد جاز ذلك له، والنسب محفوظ بوجوب العدة/ إذ به يتبين
_________________
(١) ج ٧/ ٢٤٥. ط وزارة الثقافة بمصر سنة ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م.
(٢) شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن سيرين الأنصارى الآنسي: مولى أنس بن مالك خادم رسول اللهﷺ-، كان أبو محمد من سبي جرجرايا- من أعمال النهروان بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي- تملكه أنس ثم كاتبه على ألوف فوفاه قبل حلوله، فتمنع أنس من أخذه لما رأى سيرين قد كثر ماله من التجارة، فاحتكما عند عمر﵁- فألزم أنس بالتعجيل. ولد محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان﵁- كان ثقة مأمونا عالما رفيعا فقيها، وكان به صمم امتدحه كثير من علماء الجرح والتعديل. توفي﵀- سنة عشر ومائة من الهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٦٠٦ - ٦٢٢، والبداية والنهاية ٩/ ٢٦٧].
[ ٢ / ٦٥٤ ]
الحمل فيلحق بأبيه، وإن لم يكن حمل فلا محذور، وحينئذ يكون فهمه: هو فهم الكلاب والحمير، لا سنة المسلمين «١».
قال:" وأيضا. ما أقبح وأشنع توقف رجوع المرأة بعد طلاقها إلى زوجها على نكاح غيره، إذ تأبى ذلك نفس الرجل والمرأة، وذلك خلاف الطبيعة بالنسبة إلى الناس بل إلى كثير من الدواب والطيور كالأسد والدب، فإن كل واحد من أشخاص هذه الأنواع لا يتعدى إلى أنثى الآخر".
قلت: لو عقل هذا العلج لكفاه هذا الحكم في الدلالة/ على حكمة شريعة الإسلام وصحتها ولكن:
لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي «٢»
_________________
(١) قلت: ثم إن كلام النصراني مبالغة فليس ما قاله مع حله حاصلا من المسلمين، فإنه كما تقدم- لا يلجأ المسلمون إلى الطلاق إلا في حالة تعذر استمرار الحياة الطيبة والألفة بين الزوجين، وليس الطلاق عند المسلمين كما يفهم من كلام النصراني وهو الطواف على عدة نساء في فترة وجيزة بعقد النكاح، وليس كذلك. فإن الطلاق عند المسلمين نادر لا يلجئون إليه إلا عند تعذر دوام المحبة والرحمة.
(٢) نسبه الحسن بن مسعود بن محمد اليوسفي المتوفى سنة ١١٠٢ هـ. في كتابه" زهر الأكم في الأمثال والحكم (٢/ ٢٤٩) إلى عز الدين المقدسي، وهو عبد السلام بن أحمد بن غانم الواعظ الشاعر الفصيح الذي نسج على منوال ابن الجوزي وأمثاله. ذكر ذلك ابن كثير في البداية والنهاية (١٣/ ٢٨٩) يقول اليوسي: إن مجموعة الأبيات التي أوردها عنه ومنها هذا البيت في كتاب ابن غانم" كلام الطيور والأزهار" قلت: وله كتاب مطبوع اسمه:" كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار" فلعله هذا الكتاب.
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وبيان ذلك: أن الشارع لما علم من طبيعة البشر كراهة ذلك، والنفور منه جعله شرطا في جواز ارتجاع الرجل زوجته، ليكون ذلك مانعا له من المبادرة بطلاقها، وحاملا لكل من الزوجين على عشرة الآخر بالمعروف، واحتمال بوادره وسوء أخلاقه. فكان اشتراط نكاح المرأة زوجا غير مطلقها مفضيا إلى نفيه وتقليله جدا، حتى أن هذا إنما يقع في النادر بالنسبة إلى كثرة الأنكحة وللطلاق «١»، ونظيره القتل بالقصاص ناف للقتل بالعدوان ومقلل له، وإليه الإشارة بقوله تعالى:
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا (١٧٩) «٢» وتقول العرب:" القتل أنفى للقتل «٣» " ويقول الشاعر:
بسفك الدما يا جارتي تحقن الدما وبالقتل تنجو كل نفس من القتل «٤» وأما الأسد والدب ونحوهما فليسوا مكلفين،/ حتى يشرع في حقهم ما يمنعهم من المبادرة إلى الطلاق، وإنما كان ذلك فيهم طبيعة.
_________________
(١) في (ش)، (م): والطلاق.
(٢) سورة البقرة، آية: ١٧٩.
(٣) في كلمة" أنفى" عدة روايات. قيل: أنقى. وقيل: أنقى. وقيل: أوقى. [انظر تفسير القرطبي ٢/ ٢٤٥. وتفسير ابن عطية ٢/ ٦٥، وتفسير القاسمي ٣/ ٦٢].
(٤) لم أقف على اسم قائله، ولعله من شعر المؤلف.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
[نكاح المتعة وموقف الإسلام منه]
قال:" وفي كتاب المناسك من مسلم. قال: سئل ابن عباس عن متعة الحج فرخص فيها «١»، وفي كتاب النكاح منه «٢» عن أبي الزبير «٣» عن جابر، قال: كنا نستمتع بالقبضة من التمر «٤» والدقيق، على عهد رسول الله «٥» " وذكر حديث الربيع بن سبرة الجهني «٦»، وحديث عمران بن
_________________
(١) أخرج مسلم في كتاب الحج، باب في المتعة بالحج والعمرة، حديث ١٤٥ عن شعبة أنه سمع قتادة يحدث عن أبي نضر قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان الزبير ينهى عنها. قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدى دار الحديث. تمتعنا مع رسول اللهﷺ- فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء. وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم، وأبتوا نكاح هذه النساء. فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة".
(٢) منه: ليست في (م)، (ش).
(٣) أبو الزبير: محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي المكي عالم بالحديث، روى عن العبادلة، وعائشة وجابر وخلق، وعنه عطاء والزهري، وابن جريج وغيرهم، مات سنة ١٢٦ هـ. [انظر تهذيب التهذيب ٩/ ٤٤٠ - ٤٤٣، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٨٠ - ٣٨٦].
(٤) في (ش): البر.
(٥) صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة ، حديث ١٦، وأخرجه أبو داود في النكاح، باب قلة المهر (٣٠)، عن جابر بلفظ:" كنا على عهد رسول اللهﷺ- نستمتع بالقبضة من الطعام على معنى المتعة".
(٦) الربيع بن سبرة بن معبد، ويقال: ابن عوسجة الجهني المدني، راوي الحديث عن أبيه وعمر بن-
[ ٢ / ٦٥٧ ]
حصين «١» قال: أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ولم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات «٢» " قال:" فهل فاحشة أو نجاسة أقذر من هذا الفعل في الكلاب؟ / دع الإنسان يعطى المرأة ما ترضى به فيزنى بها. هذا منزع
_________________
(١) - عبد العزيز وعمرو بن مرة الجهني وغيرهم، وممن روى عنه الليث وغيره [انظر تهذيب التهذيب ٣/ ٢٤٤]. وحديثه في صحيح مسلم: كتاب النكاح، باب نكاح المتعة ، عن سبرة الجهني أنه قال:" أذن لنا رسول اللهﷺ- بالمتعة. فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بنى عامر. كأنها بكرة عيطاء- طويلة العنق في اعتدال وحسن قوام- فعرضنا عليها أنفسنا فقالت: ما تعطي؟ فقلت: ردائي. وقال صاحبي ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي. وكنت أشب منه. فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها. وإذا نظرت إليّ أعجبتها. ثم قالت: أنت ورداء يكفيني. فمكثت معها ثلاثا. ثم إن رسول اللهﷺ- قال: (من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع فليخل سبيلها) حديث ١٩ وله ألفاظ متعددة في نفس الباب.
(٢) هو الصحابى الجليل: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي الكعبي أسلم عام خيبر وغزا مع النبيﷺ- عدة غزوات، وبعثه عمر إلى البصرة ليفقه الناس، وتولى القضاء فيها في عهد عبد الله بن عامر ثم استعفى فأعفاه. وكان مجاب الدعوة، ولم يشهد الفتنة. توفي سنة ثنتين وخمسين للهجرة. [انظر الاستيعاب ٣/ ١٢٠٨، والإصابة ٣/ ٢٧].
(٣) حديث عمران هذا أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع، حديث: ١٧٢، بلفظ:" نزلت آية المتعة في كتاب الله (يعني متعة الحج) وأمرنا بها رسول الله ﷺ ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول اللهﷺ- حتى مات" وقد ورد الحديث في الباب بألفاظ أخرى كلها مصرحة بأنها متعة الحج.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
الزنا لا غير، هذا أمر الشيطان لا أمر الله. وهذا هو المتعة. والعقلاء من المسلمين/ يستنكفون «١» من ذلك، وكثير من أهل الحجاز «٢» ومكة باقون عليها إلى الآن".
قلت: هذا غلط منه على الشريعة حيث جعل المتعتين واحدة.
وإنما المتعة في حديث ابن عباس: هي نسك من أنساك الحج وهو قرينة الإفراد والقران. وصورتها: أن يعتمر أولا ثم يحل ثم يحرم بالحج.
وأما المتعة في الأحاديث الأخر، فلا شك أنها ثبتت في أول الإسلام لضرورة، وهو غربتهم عن أوطانهم في الجهاد وحاجتهم إلى النساء، فرخص لهم فيها بشبهة عقد وصورته فكان ذلك خيرا مما يفعلونه زنا محضا. ثم نسخ ذلك في عهد النبوة، وليس عليه اليوم من المسلمين إلا شرذمة قليلة، وأكثر من يقول به الرافضة «٣».
_________________
(١) يستنكفون: يمنعون من ذلك، ومنه قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ [سورة النساء، آية: ١٧٢] أي لن يمتنع من عبودية الله. [انظر لسان العرب ٩/ ٣٤٠ - ٣٤١].
(٢) الحجاز: اسم للجبال الممتدة من قعر اليمن جنوبا وتنتهي عند أطراف الشام شمالا. سميت بذلك لأنها تحجز غور تهامة وصحارى نجد. [انظر مراصد الاطلاع ١/ ٣٨٠ - ٣٨١].
(٣) تقول الشيعة: إن نكاح المتعة جائز لأنه قد ثبت أن النبيﷺ- أذن فيها وقالوا: إن عمر قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أفا أنهى عنهما وأعاقب عليهما؟ متعة النساء ومتعة الحج" وقالوا: إنه عقد على منفعة فيكون مؤقتا كالإجارة [انظر المغنى لابن قدامة ٦/ ٦٤٤]، قلت: نقلهم عن رسول اللهﷺ- أنه أذن فيها حق لكنه نهى عنها بعد ذلك فيلزم اتباع نهيه عنها الذي هو آخر الأمرين. وأما نقلهم عن عمر فكذلك لو صح عن عمر هذا فإنه تابع النبيﷺ- أول-
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وأما حديث عمران بن حصين:" ولم ينه عنها حتى مات «١» " فلأنه لم يبلغه النهي عنها وقد بلغ غيره فنقله على أن القياس شرعا وعقلا: جواز المتعة وإنما منع الشرع منها تعبدا. أما شرعا: فلأن الله إنما حرم الزنا، والمتعة ليست زنا لأن الحد فيها ساقط والنسب لاحق، والزنا ليس كذلك، وأما عقلا فلأنها منفعة من منافعها، فجاز معاوضتها عليها مطلقا كالخدمة، بل الزنا ليس قبيحا عقلا إذ ليس فيه إلا انتفاع كل من بشرين بآخر وإنما قبح شرعا، ثم تلقت العقول قبحه من الشرع ونفرة الطبع.
_________________
(١) - الأمر وتابعه أيضا آخر الأمر في النهي عن نكاح المتعة بدليل ما سبق في حديث ابن عباس وجابر السابق ص: ٦٥٧ وقد شارك الشيعة في هذا الرأي نفر يسير ممن لم يعلم بالنسخ لنكاح المتعة. والله أعلم.
(٢) هذا الحديث أخرجه مسلم- كما سبق- في الحج، باب جواز التمتع حديث ١٧٢، وهو في متعة الحج وليس في نكاح المتعة كما ادعى النصراني، وغفل عنه الطوفي هنا. ويدل على أنه في متعة الحج أنه ورد بعدة ألفاظ مصرحة بذلك، منها ما رواه ابن الشخير عن ابن حصين:" إني لأحدثك بالحديث اليوم ينفعك الله به بعد اليوم. واعلم أن رسول اللهﷺ- قد أعمر طائفة من أهله في العشر. فلم تنزل آية تنسخ ذلك ولم ينه عنه حتى مضى لوجهه. ارتأى كل امرئ بعد ما شاء أن يرتئ" [حديث ١٦٥] وقال عمران:" اعلم أن رسول اللهﷺ- جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب. ولم ينهنا عنهما رسول الله ﷺ. قال فيها رجل برأيه ما شاء" [حديث رقم ١٦٩] قلت: وبهذا تزول الشبهة ولا نحتاج إلى ما ذكره الطوفي عن هذا الحديث لأن فيه تكلفا لا داعي له بعد وضوح المقصود منه. والله الموفق.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وأما تشنيعه بالمتعة فقد بينا في غير موضع أن في التوراة أن يهوذا بن يعقوب/ لقي كنته- زوجة ابنه- على الطريق في «١» صورة زانية فوطئها على أن يعطيها «٢» جديا من الغنم ثم رهنها عليه عمامته وقضيبا معه «٣» " وهذه صورة المتعة بل صورة الزنا. والجواب مشترك.
وأيضا المتعة أحسن حالا من وطء روبيل بن يعقوب جارية أبيه لأنه زنا محض «٤».
قال:" وفي كتاب العتق من البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبيﷺ- «٥»: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدورها، ما لم تعمل به أو تكلم) «٦».
_________________
(١) في (أ): في غير.
(٢) في (م): يعطها.
(٣) انظر سفر التكوين الأصحاح الثامن والثلاثين.
(٤) انظر سفر التكوين الأصحاح التاسع والأربعين.
(٥) ﷺ: ليست في (م)، (ش).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب العتق، باب الخطا والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه ، وفي الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والغلط والنسيان في الطلاق ، وفي الأيمان، باب إذا حنث ناسيا في الأيمان. وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان باب تجاوز الله عن حديث النفس. وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب في الوسوسة بالطلاق، والترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته. وابن ماجه في كتاب الطلاق باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به، وأحمد في المسند (٢/ ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١).
[ ٢ / ٦٦١ ]
قلت: لا أعلم ما وجه إيراده لهذا الحديث، إلا أن يكون انكارا لوسوسة الشياطين أو للعفو عنها، بناء على أنه لم يذكر في كتبهم. فأما الشياطين ووساوسهم «١» فثابتان وأما عدم ذكر ذلك في كتبهم فاحتجاج بالعدم./ وقد سبق في غير موضع: أنه اعتماد على الجهل.
وذكر أحاديث العزل عن النساء «٢».
[العزل وإباحته في غير معارضة القدر]
قال:" وهو أن يجامع الرجل ثم يعزل ذكره عن فرجها، فيلقى المني خارجا"، قال:" وهو قبيح/ رذل عار على فاعله".
قلت: المأخذ في مشروعية النكاح في دين الإسلام هو تحصين الدين والفرج والعفاف عن الزنا، وذلك حاصل مع العزل وعدمه، «٣» وعندهم مأخذه تحصيل الذرية، فلعلهم لذلك قبحوه، ولا شك أن هذه المسألة من فروع الشريعة وفيها خلاف: فقيل: يجوز مطلقا «٤»، وقيل: لا يجوز مطلقا «٥». وقيل: يجوز بإذن
_________________
(١) في (ش ٩، (أ): ووسواسهم.
(٢) الأحاديث الواردة في العزل كثيرة ومنها ما أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب العزل، عن جابر:" كنا نعزل على عهد رسول اللهﷺ-" وقوله:" كنا نعزل والقرآن ينزل".
(٣) سقطت الواو من (م) وفي (ش): أو.
(٤) رويت الرخصة فيه عن عشرة من الصحابة هم: علي وسعد بن أبي وقاص وأبو أيوب، وزيد وجابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب وأبو سعيد وابن مسعود. [زاد المعاد ٣/ ١٦].
(٥) ممن قال بتحريمه أبو محمد ابن حزم وغيره. [انظر زاد المعاد ٣/ ١٦] وتبعه المصنف فيما سيأتي بعد قليل.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
الزوجة وإذن سيد الأمة «١»، ومسئلة فيها هذا الخلاف في الحكم والدليل، لا ترد هادمة لشريعة.
ثم إذا حاققناهم: فإما أن نمنع قبح العزل وتحريمه ونطالبهم بالدليل على ذلك فلا يستطيعونه،/ وليس فيه إلا وهم الاحتشام الطبيعي. ولو كان ذلك موجبا للعار لوجب أن يكون نفس الجماع عارا، وقد بينا بطلانه «٢» وإما أن نسلم تحريمه ونحتج عليه بما روى أبو سعيد قال:" ذكر العزل عند رسول الله ﷺ فقال: «لم يفعل أحدكم؟ فإنها ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها» أخرجاه في الصحيحين «٣»، ورواه أبو داود «٤» والنسائي «٥» والترمذي وصححه «٦».
_________________
(١) وهذا منصوص عن الإمام أحمد﵀- وأصحابه ثلاث طوائف في هذه المسألة. [انظر زاد المعاد ٣/ ١٦].
(٢) انظر ص: ٢٧٤ من هذا الكتاب.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب العزل، ومسلم في النكاح أيضا، باب حكم العزل. وهو عند مسلم بألفاظ متعددة متقاربة.
(٤) في كتاب النكاح، باب ما جاء في العزل.
(٥) في كتاب النكاح، باب العزل.
(٦) في كتاب النكاح، باب ما جاء في كراهية العزل عن أبي سعيد. وقال:" حديث أبي سعيد حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد" اهـ.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فقوله:" لم يفعل؟ " استفهام انكار، وذلك يوجب المنع «١»، ولأن فيه فرارا من القدر وهو حرام «٢»، ونوع عبث إذ لا فائدة له إذا كان لا مانع لما أراد الله خلقه، ثم نجعل هذا ناسخا لأحاديث إباحته «٣»، فلا يمكنهم النزاع في ذلك «٤». والله أعلم.
_________________
(١) الحديث لا يدل دلالة قطعية على المنع لأنه لم يقل ﷺ: «فلا يفعل ذلك أحدكم» كما صرح بذلك في بعض طرق الحديث. كما أن الحديث نفسه ورد بعدة ألفاظ منها:" لا عليكم أن لا تفعلوا. فإنما هو القدر" ثم إن الصحابة كانوا يعزلون في عهد النبيﷺ- ولم يزجرهم ويمنعهم من ذلك. ولو كان المؤلف﵀- ذهب إلى القول الآخر وهو كراهة العزل وأن في الأحاديث ما يدل على كراهته لغير حاجة إليه لكان أولى والله أعلم.
(٢) إذا كان العازل يعزل من غير اضطرار إليه كمخافة من الولد أو نحو ذلك مما يعارض القدر أو الشرع فإن ذلك لا ينبغى بدليل قول النبيﷺ- لصاحب الجارية الذي يعزل عنها: (إن ذلك لن يمنع شيئا أراده الله) [صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب حكم العزل. حديث ١٣٥]. ومخالفة لقولهﷺ-: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» أخرجه أبو داود في النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء. والنسائي في النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، وأحمد في المسند (٣/ ١٥٨، ٢٤٥) وفي مواضع أخرى. قال العجلوني صححه ابن حبان.
(٣) لا بدّ من معرفة الناسخ بتأخره ولم يثبت ما يدل على تأخر هذا الحديث كما ذكر ذلك ابن حجر﵀- في الفتح (٩/ ٣٠٩) وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ١٧ - ١٨) والله أعلم.
(٤) قلت: يمكن الجمع بين الأحاديث والأقوال بأنه إن أراد الزوجان من العزل عدم الرغبة في الولد لغير عذر شرعي أو أراد الرجل أن يحرم المرأة ذلك فإنه مكروه بناء على أدلة الفريق الثاني. وإن كان لضرورة تلحق المرأة أو الرجل وليس فرارا عن قضاء الله وقدره وخوف الفقر فهذا جائز لأدلة الفريق الأول والله أعلم.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
[حد الزنا وحرص الإسلام على الستر والإغضاء]
قال:" وفي سورة النساء: واللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ (١٥) إلى قوله: والَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما (١٦) «١» وذكر ما قاله «٢» المفسرون في الأذى: أنه التعيير «٣» والتوبيخ، أو السب والجفاء أو النيل «٤» باللسان واليد، والضرب بالنعال، ونحوه «٥».
قال:" وفي هذا تكثير للزنا لطمع الزانيين بتعذر اجتماع أربعة شهود غالبا، حتى يقضيا وطرهما، ولضعف هذه العقوبة إذ لا يزجر «٦» مثلها عن هذا الفعل وشرعية الزنا وقوعه في الخلق أمر مغضب للرب، وموجب حلول نقمته وسخطه فينبغي أن يحسم تشديد العقاب، حتى لا يقع «٧» إلا نادرا".
قلت: قد تبين بهذا السؤال أن هذا الشخص قد كان يأخذ ما يورده على الشريعة من كتب التفسير والحديث من غير أن ينظر في كتب/ الفقهاء، إذ لو نظر فيها لعرف أحكام/ الشرع، ولم «٨» يورد هذا الزور والمحال، ولعمري أن الكتاب
_________________
(١) سورة النساء، آية: ١٥، ١٦.
(٢) في (أ):" لما قاله".
(٣) في (ش): انباء للتعيير.
(٤) في (أ): والنيل.
(٥) انظر تفسير الطبري ٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧، وتفسير القرطبي ٥/ ٨٦، وغيرهما من كتب التفسير.
(٦) في (أ): يؤخر.
(٧) في (ش)، (م): حتى لا يقع أو لا تقع إلا نادرا.
(٨) في (أ): فلم.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
والسنة، وإن كانا أصل الشريعة ومادتها لكن اقتناص الأحكام منها يحتاج إلى تصرف في التركيب، كما أن مفردات الدواء مادته، ولا بدّ في الانتفاع بها من تصرف في التركيب، وكذلك مقدمات الدليل مادته ولا ينتفع بها في إثبات الحكم إلا بمعرفة تركيب الدليل منها، وكذا الكلام في مفردات كل مركب. وإذا عرفت هذا فحكم دين الإسلام في الزاني إن كان محصنا الرجم حتى يموت، وهل يجلد قبله مائة جلدة؟ على قولين «١». وإن كان بكرا
_________________
(١) الأول: ما فعله علي﵁- وهو الجمع بين الجلد والرجم وقال بعد إقامته الحد على شراحة الهمدانية:" جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول اللهﷺ-" وبهذا قال الحسن البصري وغيره وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وهذا مقتضى حديث عبادة بن الصامت الذي سيورده المؤلف. ومن أدلة هذا القول قوله تعالى: الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [سورة النور: ٢]. القول الثاني: أن على الثيب الرجم فقط دون الجلد وهو قول عمر والزهري ومالك والثوري والشافعي. وهو الرواية الثانية عن أحمد: متمسكين بأن النبيﷺ- رجم ما عزا والغامدية ولم يجلدهما. وبقوله لأنيس: «اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ولم يذكر الجلد، فلو كان مشروعا لما سكت عنه. [انظر المغني لابن قدامة ٨/ ١٦٠، وتفسير القرطبي ٥/ ٧٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٦٢]. قلت: ولعل الراجح هو القول الثاني، ويحمل حديث عبادة بأنه منسوخ بفعل النبيﷺ- بماعز والغامدية واليهوديين وقصة أنيس. والآية تحمل على حكم الزاني البكر لأن الرجم لم يذكر فيها. أو أنها كانت ناسخة لآية النساء التي ذكرها المؤلف. ثم نسخت هي أيضا بحديث عبادة، ونسخ حكم الثيب في حديث عبادة بالأحاديث المذكورة. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
جلد مائة وتغريب عام «١» إلى مسافة القصر «٢» لأن قوله تعالى: فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) «٣» السبيل
_________________
(١) هذا مذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد مستدلين بحديث عبادة وبحديث العسيف وفيه قال النبيﷺ-: «لأقضين بينكما بكتاب الله. أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» [رواه البخاري في الصلح، باب إذا أصلحوا على صلح جور فالصلح مردود، وفي عدة مواضع من صحيحه. ورواه أيضا مسلم في الحدود وغيرهما]. وقال بترك التغريب أبو حنيفة ونفر يسير، واحتجوا بحديث الأمة الذي رواه أبو هريرة أن رسول اللهﷺ- سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال:" إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير" قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. [أخرجه البخاري في الحدود باب إذا زنت الأمة، ومسلم في الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي ومالك في الموطأ كلهم في كتاب الحدود] فقد ذكر فيه الحد دون النفي. والصواب أن الذكر الحر إذا زنى يجلد ويغرب إذا كان غير محصن، أما الأمة فلا تغرب لهذا الحديث، وأما المرأة الحرة ففي تغريبها خلاف على نحو ما سبق من الأحاديث فالجمهور على أنها تغرب ومالك والأوزاعي على أنها لا تغرب. والصواب والله أعلم أن المرأة لا تغرب إلا إذا أمنت الفتنة، وكانت مع ذي محرم يرعاها. [انظر في هذه المسألة: في المغني لابن قدامة ٨/ ١٦٦ - ١٧٠، وتفسير القرطبي ٥/ ٨٧، وغيرهما من كتب الفقه والتفسير].
(٢) وقيل: من قرية إلى أخرى ولو كان بينهما ميل واحد. [المغني لابن قدامة ٨/ ١٦٩].
(٣) سورة النساء، آية: ١٥.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
هاهنا: مجمل تبينه السنة فيما روى عبادة بن الصامت «١» قال:" قال رسول الله ﷺ: «خذوا عني. قد «٢» جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب جلد مائة ثم الرجم،/ والبكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة» رواه مسلم «٣» وأبو داود «٤» والنسائي «٥» وابن ماجه «٦» والترمذي، وقال: حسن صحيح «٧». وفيه أحاديث غير هذا.
وبهذا يتبين: أن ما ذكر في تفسير الأذى ضعيف لا يثبت، أو منسوخ بهذا الحديث «٨»، أو محمول على البكر، أو على أنه يفعل بالزانيين ولا يقتصر لهما عليه، بل يقام عليهما من الحد ما أتت به السنة في بيان السبيل.
_________________
(١) الصحابي الجليل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الخزرجي الأنصاري أحد نقباء الأنصار، يكنى أبا الوليد، شهد المشاهد كلها مع رسول اللهﷺ- واستعمله على بعض الصدقات وكان ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ، وكان يعلم أهل الصفة القرآن، أرسله عمر﵁- إلى الشام ليعلم القرآن ويفقه أهلها- هو وبعض الصحابة- في الدين، توفي بالرملة. وقيل: ببيت المقدس سنة أربع وثلاثين للهجرة. [انظر الإصابة ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والاستيعاب ٢/ ٨٠٧ - ٨٠٨].
(٢) في (ش)، (أ): فقد.
(٣) في كتاب الحدود، باب حد الزنا، حديث ١٢، ١٣.
(٤) في كتاب الحدود، باب في الرجم.
(٥) لم أجده في الصغرى ولعله في الكبرى.
(٦) في كتاب الحدود، باب حد الزنا.
(٧) في كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب.
(٨) وبقوله تعالى في أول سورة النور: الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ، ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وهذا أمر متفق عليه بين الجمهور. [انظر تفسير القرطبي ٥/ ٨٤، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٦٢].
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وأما قوله: في اعتبار الأربعة تكثير الزنا للطمع في تعذرهم. فجوابه: أنا قد بينا أن بناء شرعنا على مراعاة المصالح والمفاسد،/ وترجيح بعضها على بعض، ولا شك أن اعتبار الأربعة في الزنا، وإن كان مفضيا إلى تكثيره بما ذكرت لكن الزنا يتبعه مفاسد عظيمة:
منها: ضياع النسب.
ومنها: لحوق العار بالزانيين وأهلهما «١».
ومنها: وجوب القتل عليهما أو الجلد الذي يفضي إلى القتل.
ومنها: سلب العدالة فيترتب عليه رد الشهادة وسلب أهلية الولايات الدينية والدنيوية.
وهذه المفاسد كلها راجعة إلى حقوق الآدميين، فكان في تقليل ثبوت الزنا بتكثير الشهود، تقليل لهذه المفاسد في الحكم.
وأما معصية الزنا الواقع في نفس الأمر، فالعقوبة عليها/ حق الله، والدنيا ليست دار جزاء، إنما هي دار تكليف، فيتأخر حق الله إلى حين المصير إليه، فيعاقب أو يعفو. ولهذا غالب المعاصي لم يشرع فيها عقوبة في الدنيا إلا فيما كان فيه إفساد لنظام العالم فشرع فيه العقوبة لذلك، وأخر حقوقه في سائر المعاصي إلى الدار الآخرة، دار الجزاء، ولهذا لا يوجد في كلام المسيح ترتيب عقوبة دنيوية على شيء من المعاصي، بل إنما يتوعد بجهنم وبالظلمة وصرير الأسنان على ما تضمنه الإنجيل.
_________________
(١) في (أ): وأهلها.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وما تضمنه دين النصارى من العقوبات «١» الدنيوية فهو إما متناول من التوراة أو من جهة علمائهم على جهة السياسة، بناء على قول المسيح:
" ما حللتموه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطتموه في الأرض فهو مربوط في السماء «٢» ".
مع أن دين الإسلام مبني على إيثار الستر والإغضاء «٣» ومكارم الأخلاق، لطفا من الله بخلقه، ولولا ما في المعاصي ذوات الحدود من المفاسد الدنيوية لما شرع فيها حد «٤»./
والجواب عن هذا السؤال ذكرته مبسوطا في القواعد الدمشقية وإنما أشرت إليه هنا إشارة.
_________________
(١) في (م): من الأحكام.
(٢) انظر انجيل متى الأصحاح السادس عشر.
(٣) الإغضاء: ادناء الجفون، ثم استعمل في الحلم، فقيل أغضى على القذى: إذا أمسك عفوا عنه. [انظر مختار الصحاح ص ٤٧٦، والمصباح المنير ٢/ ٥٣٧].
(٤) قلت: ويمكن أن يرد عليه من وجه آخر، وهو أن هذا هو حكم التوراة في مثل هذا وقد اعترف اليهود بذلك فيما أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين عن جابر بن عبد الله﵁- قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال:" ائتوني بأعلم رجلين منكم" فأتوا بابني صوريا، فنشدهما" كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ " قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما، قال:" فما يمنعكما أن ترجموهما؟ " قالا ذهب سلطاننا فكرهنا القتل فدعا رسول اللهﷺ- بالشهود، فجاءوا بأربعة فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول اللهﷺ- برجمهما" وهذا يدل على جهل النصراني بأحكام كتابهم الذي أمروا بتحكيمه. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
[الاستمتاع بالحائض في زمن الحيض]
قال:" وفي الموطأ عن زيد بن أسلم «١» أن رجلا سأل رسول الله فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله: لتشد إزارها ثم شأنك بأعلاها «٢» ".
قلت: كأنه يستعظم مقاربة الحائض.
قلت: وهذا لا محذور فيه، لأنا أجمعنا على جواز وطء المرأة إذا كانت طاهرا. والحيض إنما اختص بالفرج. وقضية العقل: أن المانع يختص تأثيره بمحله، بما لم يقم دليل على تعدي حكمه. وذلك يقتضي اختصاص الفرج فقط بالاجتناب
_________________
(١) أبو أسامة أو أبو عبد الله زيد بن أسلم العدوي العمري، مولاهم، المدني، فقيه مفسر، كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، كان يجلس في حلقته إلى أربعين فقيها في مسجد رسول اللهﷺ- حدث عن عبد الله بن عمر وجابر وسلمة بن الأكوع. توفي﵀- سنة ست وثلاثين ومائة للهجرة. [انظر سير أعلام النبلاء ٥/ ٣١٦، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٥ - ٣٩٧، وشذرات الذهب ١/ ١٩٤].
(٢) الموطأ: باب ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض. قال السيوطي في تنوير الحوالك بهامش الموطأ (١/ ٥٩):" قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا روى هذا مسندا بهذا اللفظ ومعناه صحيح ثابت". قلت: وأخرجه مالك عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض فقالت:" لتشد إزارها على أسفلها ثم يباشرها إن شاء" وأخرج الدارمي الحديث باللفظ السابق عن خالد بن مخلد عن مالك عن زيد بن أسلم. وستأتي بعض الأحاديث التي هي أصح وأوضح من هذا الحديث في هذه المسألة.
[ ٢ / ٦٧١ ]
في زمن الحيض، وبقية البدن يجوز الاستمتاع به «١». وكذلك نص القرآن:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ «٢» يعني: موضع الحيض «٣»، وهو الفرج.
وفي حديث صحيح:" اصنعوا كل شيء ما خلا النكاح «٤» " وفي/ حديث
_________________
(١) وردت أحاديث في جواز الاستمتاع بما دون الفرج من الحائض منها ما أخرجه مسلم في أول كتاب الحيض، عن عائشة﵂- قالت: كان إحدانا إذا كانت حائضا، أمرها رسول اللهﷺ- فتأتزر بإزار، ثم يباشرها" وقد أورد ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) بعض تلك الأحاديث.
(٢) سورة البقرة، آية: ٢٢٢.
(٣) يعني موضع الحيض: مكررة في (أ).
(٤) هذا جزء من حديث في سبب نزول الآية السابقة، وهو عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت. فسألت أصحاب النبيﷺ-. فأنزل الله تعالى: ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ إلى آخر الآية. فقال رسول اللهﷺ-: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول: كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول اللهﷺ- حتى ظننا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبيﷺ- فأرسل في آثارهما، فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما". أخرجه مسلم في الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ، وأبو داود في النكاح، باب إتيان الحائض ومباشرتها، والترمذي في تفسير سورة البقرة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطهارة، باب تأويل قول الله﷿-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ، والدارمي في الوضوء، باب مباشرة الحائض، وأحمد في المسند (٣/ ١٣٢، ٢٤٦) وابن ماجه في الطهارة، باب مؤاكلة الحائض، وهذا لفظ مسلم.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
عمر:" اتق الحيضة والدبر «١» " اللهم إلا أن تنكر هذا، لكون غير الفرج ليس محلا لزرع الولد فيضع الماء ويصير بمثابة العزل، بناء على أن مقصود النكاح الأصلي إنما هو الولد، لكن هذا شيء قد منعناه، وسبق الجواب عنه «٢».
قال:" وفي كتاب الرجم «٣» من مسلم: أن سعد بن عبادة «٤» قال لرسول الله: أرأيت لو أني وجدت مع امرأتي رجلا. أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال له رسول الله:" نعم «٥» ".
قلت:/ وقد قدم هو وجه السؤال من هذا، وهو تكثير الزنا، وقدمنا جوابه.
_________________
(١) سبق تخريجه ص: ٦٤٢.
(٢) انظر ص: ٦٦٢ من هذا الكتاب.
(٣) في كتاب اللعان حديث: ١٥، وله عنده ألفاظ أخرى في نفس الموضع.
(٤) الصحابي الجليل سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الخزرجي الأنصاري. يكنى أبا ثابت. كان سيد الخزرج، وأحد الأمراء الأشراف في الجاهلية والإسلام. كان يلقب في الجاهلية بالكامل لمعرفته الكتاب والرمي والسباحة- شهد العقبة مع الأنصار، وكان أحد النقباء الاثني عشر. كان كريما، خرج إلى الشام فمات بحوران سنة خمس عشرة، وقيل: ست عشرة من الهجرة. [انظر صفة الصفوة ١/ ٥٠٣، والإصابة ٢/ ٣٠ ت: ٣١٧٣].
(٥) أخرج الحديث غير مسلم: أبو داود في كتاب الديات، باب في من وجد مع أهله رجلا أيقتله؟ وأحمد في المسند (٢/ ٤٦٥)، ومالك في الموطأ في الأقضية، باب القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلا.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
[حكم الحنث فى اليمين وجمعة بين تعظيم الله ورفع الحرج عن المكلفين]
قال: وفي حديث أبي موسى «١» حيث جاء يستحمله «٢» فقال:" والله لا أحملكم" ثم حملهم. فسألوه فقال:/ ما أنا حملتكم، بل الله حملكم، وأنا والله- إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها أحسن منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير «٣» ".
قلت: وجه سؤاله من هذا: أن الحنث في اليمين استخفاف بحق الله، وتهوين بعظمته، بناء على ما عندهم في الإنجيل عن المسيح أنه قال:" سمعتم ما قيل للأولين: لا تحنث في يمينك، وأوف الرب قسمك «٤» وأنا أقول لكم:
لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه ولا
_________________
(١) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري التميمي الفقيه المقرئ قال النبيﷺ-: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما» [أخرجاه في الصحيحين] كان ممن هاجر إلى الحبشة تولى عدة إمارات، وكان أحد القضاة من الصحابة توفي سنة ٤٤ هـ على الصحيح. [انظر سير أعلام النبلاء ٢/ ٣٨٠ - ٤٠٢، والاستيعاب ٣/ ٩٧٩].
(٢) يستحمله: أى يطلب منه ابلا تحمله، وذلك في غزوة تبوك.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في عشرة مواضع من صحيحه منها: في كتاب الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ، وأخرجه مسلم بألفاظ في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها.
(٤) في (أ): وسمك.
[ ٢ / ٦٧٤ ]
ببروشليم «١» فإنها مدينة الملك العظيم، ولا برأسك تحلف ولتكن كلمتكم: نعم.
نعم. ولا. لا. وما زاد على ذلك فهو من الشرير «٢» ".
والجواب: أن دين الإسلام مبني على رفع الحرج والضيق بناء على أن الغرض من تكليف الخلق تعظيم الله والانقياد له، لا لحوق «٣» المشقة لهم بذلك فمتى أمكن الجمع بين تعظيمه تعالى ورفع الحرج عن المكلفين كان ذلك حسنا جائزا، وتعظيم الله سبحانه في باب الأيمان يحصل إما بالتزام العقد معه بأن لا يحنث فيها، مثل أن يحلف أن يفعل فيفعل أو لا يفعل فلا يفعل، أو بالتكفير إن خالف ما حلف «٤» عليه «٥»، لأن في التزام التكفير بجزء من المال المحبوب طبعا، أو بالتعبد بإلحاق المشقة بالصوم للبدن تعظيما لله سبحانه ولا بدّ، وقد نص عليه
_________________
(١) في التراجم الحديثة: ولا بأورشليم. وسبق التعريف بها في هامش ص: ٣١٧ من هذا الكتاب.
(٢) انظر انجيل متى: الأصحاح الخامس.
(٣) في (م): في لحوق.
(٤) حلف: سقطت من (أ).
(٥) قلت: هذا إذا لم يكن حلف على أن يفعل طاعة، فعليه أن يفعلها ولا يحنث في ذلك لقولهﷺ- في الحديث الذي أخرجه البخاري في الأيمان، باب النذر في الطاعة:" من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه" ثم إن قوله" فأرى غيرها أحسن منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" وأحاديث أخرى بهذا المعنى تدل على وجوب الإبرار بالقسم في غير معصية أو مخالفة للسنة كما في قصة من نذر من الصحابة أن يصوم الدهر والآخر أن لا يتزوج النساء والثالث ألا ينام الليل فإن ذلك مخالفة لسنة النبيﷺ- فيجب الحنث في ذلك والله أعلم.
[ ٢ / ٦٧٥ ]
القرآن «١»، ولعل التعظيم بذلك أشد من التعظيم بالتزام ما حلف عليه، إذ قد يحلف أن لا يأكل هذه اللقمة فتركها عليه يسير غالبا، فإذا أكلها لمصلحة دينية وأعتق عوض ذلك رقبة «٢» أو أطعم أو كسى عشرة مساكين أو صام ثلاثة أيام متتابعة «٣» / كان ذلك لا شك أبلغ في تعظيم اللهﷻ وتبارك اسمه-.
وأما ما ذكروه عن المسيح من قوله:" لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله" فكلام متهافت لا تليق نسبته إلى المسيح. وبيان تهافته: أنه فاسد الاعتبار، إذ النهي عن الحلف بالسماء يقتضي عدم تعظيمها، وكونها كرسي الله يقتضي تعظيمها، وجواز الحلف بها، ثم إن هذا الكلام في الفصل الخامس من إنجيل متى، وهو
_________________
(١) قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ واحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [سورة المائدة ٨٩].
(٢) مؤمنة إلا عند أبي حنيفة ورواية لأحمد فتجزئ الذمية. استدلالا بالآية المتقدمة أما الجمهور فاستدلوا بآية سورة النساء (٩٢): فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وهي مقيدة لآية المائدة المتقدمة، وهو الراجح والله أعلم (انظر الإفصاح لابن هبيرة ٢/ ٣٣٤، والمغني لابن قدامة ٨/ ٧٤٣، وتفسير القرطبي ٦/ ٢٨٠ - ٢٨١).
(٣) كفارة اليمين، ثلاث خصال على التخيير: العتق، أو الإطعام، أو الكسوة. فإن عجز عن الثلاث فالصيام. فيكون الترتيب في هذه الحالة. فإن عجز عن الصيام بقيت في ذمته. [انظر نيل المرام شرح عمدة الأحكام ٢/ ١٨٨] وذكر ابن هبيرة في الإفصاح ٢/ ٣٣٤: الاتفاق على ذلك. أما تتابع الصيام فيجب عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك لا يجب وعن الشافعي قولان الجديد منهما: لا يجب. والأولى التتابع لقراءة ابن مسعود: فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ إلا لعذر مرضى أو حيض أو نحوهما فلا يجب. والله أعلم. [انظر حاشية المقنع ٤/ ٢٠٩].
[ ٢ / ٦٧٦ ]
[متى يباح الكذب وتنزيه الأنبياء منه]
مناقض لما في الفصل السادس والخمسين «١» منه حيث يقول:" من حلف بالسماء فهو يحلف بكرسي الله والجالس عليه" فإنه يقتضي صحة الحلف بالسماء/ وجوازه «٢»، وأن الحالف بها حالف بالله سبحانه.
فانظر أيها العاقل إلى هؤلاء الذين يقدحون في دين الإسلام بهذا الكلام المتناقض المتهافت.
وذكر حديث قتل كعب بن الأشرف «٣»، وأن محمد بن مسلمة «٤» خدعه
_________________
(١) في التراجم الحديثة: الأصحاح" الفصل" الثالث والعشرين.
(٢) قلت: لا يجوز الحلف بغير الله لأن حلف المخلوق بغيره سبحانه يقتضي تعظيم المخلوق به ولا أعظم منه سبحانه. ومن النهي عن الحلف بغيره (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) [أخرجه الترمذي في النذور، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله، وأحمد في المسند (٢/ ١٢٥) وقال الترمذي:" هو حديث حسن"]. قلت: ودين الأنبياء جميعهم لا يجيز تعظيم غير الله ولا الحلف به، لأن ملتهم التوحيد، والنصارى يفترون على الله ورسله، والمسيح بريء من هذا القول الذي وضعوه في أناجيلهم.
(٣) كعب بن الأشرف الطائي من بني نبهان، وهم بطن من طيئ، كان أبوه أصاب دما في الجاهلية فأتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى قريش بمكة وحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين ثم رجع إلى المدينة، وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، وأكثر من هجو النبي ﷺ وأصحابه واستعلن بعداوة دين الله، والنبي ﷺ فأهدر النبي ﷺ دمه، فانطلق إليه خمسة من المسلمين منهم محمد بن مسلمة فقتلوه في ظاهر حصنه الذي كان يقيم فيه قرب المدينة سنة ثلاث من الهجرة. [انظر فتح الباري ٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨، والأعلام ٥/ ٢٢٥].
(٤) أبو عبد الرحمن محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة الأوسي الأنصاري شهد-
[ ٢ / ٦٧٧ ]
حتى استمكن منه فقتله، وذلك بإذن النبي﵇- «١».
قلت: ووجه السؤال منه: أنهم خدعوه بإذن محمد حتى أمن وسلم نفسه إليهم ثم قتلوه وهذا غدر.
قلت: وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن هذا من باب الخديعة في الحرب، وهو جائز في دين الإسلام وقد قال النبي﵇- (الحرب خدعة) «٢» وغاية ما في الباب: أنه كذب.
_________________
(١) - بدرا وما بعدها إلا تبوك فيقال إن النبيﷺ- استخلفه على المدينة، كان ممن سارعوا بمالهم في العسرة، ورغّب الصحابة في ذلك، بعثه النبيﷺ- إلى بني النضير ليتحدث معهم في أمر جلائهم، له قصص تدل على قوته في الحق وزهده في الدنيا، وله قصص مع عمر بن الخطاب. حمد الله على أن جعل في رعيته من هو مثل محمد. ضرب بسيفه الحجر حتى كسره أيام الفتنة تنفيذا لوصية النبيﷺ- له بذلك، ولزم المدينة حتى مات في صفر سنة ثلاث وأربعين للهجرة. [انظر حياة الصحابة ١/ ٣٩١، ٤٠٣، ٤٠٤، ٤٢١، ٢/ ٧٥، ٨١، ٤٠٤، وشذرات الذهب ١/ ٥٣، وسير أعلام النبلاء ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٣].
(٢) أخرجه البخاري عن جابر في كتاب الرهن، باب رهن السلاح، وفي كتاب الجهاد، باب الكذب في الحرب، وفي كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف. وأخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب في العدو يؤتى على غرة ويتشبه بهم.
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الحرب خدعة، عن أبي هريرة وعن جابر، وأخرجه مسلم في الجهاد، باب جواز الخداع في الحرب، عنهما حديث ١٧، ١٨، وأبو داود في الجهاد، باب المكر في الحرب، عن جابر وكعب بن مالك. وأخرجه الترمذي في الجهاد، باب الرخصة في الكذب والخديعة في الحرب، عن جابر، وقال:" وفي الباب عن علي وزيد بن ثابت وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وأسماء بنت يزيد بن السكن، وكعب بن مالك وأنس، وهذا حديث حسن صحيح". وأخرجه ابن ماجه في الجهاد، باب الخديعة في الحرب عن عائشة، وأخرجه أحمد في المسند في عدة مواضع منها: (١/ ٨١، ٩٠).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
لكن الكذب ليس قبيحا لذاته عندنا بل «١» لما فيه من المفسدة. فإذا تضمن مصلحة راجحة على مفسدته تعينت. وكان من قبيل اعتبار المصالح. ولا شك أن قتل كعب ابن الأشرف تضمن مصلحة دينية، وهو أنه كان يهجو النبي﵇- والمسلمين ويقذف نساءهم في شعره، ويأخذ أعراضهم، وهو يهودى ملعون من أعداء المسيح وقتلته/- على زعمك «٢» - وبعض هذا يوجب قتله وقتل كل يهودي على وجه الأرض.
وأجمع «٣» العقلاء على أن الكذب واجب على من رأى ظالما يتبع نبينا أو وليا أو مظلوما بالجملة ليقتله. إذا سأله فليصده عنه «٤» بالكذب، ولو صدق حتى قتل ذلك المظلوم لأثم بالصدق.
قال العلماء: الكذب: واجب، ومندوب، ومباح، وحرام.
فالواجب: كالصورة المذكورة آنفا. والمندوب: الكذب للإصلاح «٥» بين
_________________
(١) بل: سقطت من (م).
(٢) في (م) على زعمكم. قلت: قال الله تعالى: وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦) وقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨). [سورة النساء: ١٥٥ - ١٥٨].
(٣) في (أ): واجمعوا.
(٤) في (ش)، (م): إذا سأله عنه فليصده عنه بالكذب.
(٥) في (أ): الإصلاح.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
المؤمنين. وفي الحديث الصحيح: (ليس بالكاذب من أصلح بين اثنين فقال خيرا، أو نمى «١» خيرا «٢» والمباح: كذب الرجل لامرأته في الوعد والتأميل «٣»، ليكف شرها عنه أو لا تكدر «٤» عليه. والحرام: ما سوى ذلك وهو كل كذب لم يتضمن مصلحة راجحة على مفسدته «٥».
_________________
(١) من نميت الحديث أنميه إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير. فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نميّته بالتشديد. [انظر فتح الباري ٥/ ٢٩٩].
(٢) أخرجه البخاري عن أم كلثوم بنت عقبة في الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس. ومسلم في البر، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، حديث ١٠١، وزاد:" ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها" وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين. والترمذي في البر، باب في اصلاح ذات البين، وأحمد في المسند (٦/ ٤٠٣، ٤٠٤) وهذا لفظ أبو داود والترمذي.
(٣) من أملته تأميلا: والأمل رجاء حصول المطلوب. [انظر المصباح المنير ١/ ٣٠، ومختار الصحاح ص ٢٥].
(٤) من الكدر: وهو ضد الصفو. [انظر مختار الصحاح ص ٥٦٤، والمصباح المنير ٢/ ٦٣٧].
(٥) قال الإمام النووي في رياض الصالحين، باب بيان ما يجوز من الكذب:" اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرما، فيجوز في بعض الأحوال بشروط ومختصر ذلك: أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب: يحرم الكذب فيه وإن لم يكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب. ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا، وإن كان واجبا كان الكذب واجبا: فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وأخفى ماله وسئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه والأحوط في هذا كله أن يورّى ولو ترك التورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا الحال، واستدل العلماء بجواز الكذب في هذا الحال بحديث أم كلثوم﵂" اهـ.
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وقد صرحت التوراة بأن إبراهيم وإسحاق جميعا قال كل منهما عن زوجته:
إنها أخته «١» حين خشي عليها من" أبيمالخ" ملك الأردن وفلسطين، ولما تضمن ذلك مصلحة لم يقبح منهما. فهذا مثله سواء، لأن محمدا وأصحابه كانوا مظلومين مع كعب في هجائه لهم وقذفه لنسائهم، كما كان إبراهيم مظلوما بتغلب" أبيمالخ" ملك الأردن «٢» على زوجته، لولا عصمة الله لها منه.
الوجه الثاني: أن عظيم ساليم قرية «٣» سجيم لما فضح «٤» بنت يعقوب وأراد أن يتزوجها صعب على بني يعقوب ذلك. فقالوا له: إن من ديننا الختان، فإن اختتنت أنت وأهل قريتك زوجناك. فلما اختتنوا جميعا دخلوا عليهم، وهم في ألم الختان لا يستطيعون الدفع عن أنفسهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، وهذا غدر صريح، والجواب عنه مشترك لأن/ الجميع أنبياء، وقد نصت التوراة على هذه الحكاية «٥».
وذكر حديث: أعطيت/ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل
_________________
(١) قصة إبراهيم في سفر التكوين الأصحاح العشرين، أما قصة اسحاق فلم أجدها في التراجم الحديثة كما سبق. [انظر ص: ٣٣٩ من هذا الكتاب]. وهذا من الأدلة على تأثر التوراة بالترجمة من لغة إلى لغة والتحريف فيها من قبل اليهود والنصارى، فوجود هذا النص في التوراة في التراجم التي نقل منها الطوفي وعدم وجوده في التراجم التي بأيديهم الآن دليل على تحريفهم لها. والله أعلم.
(٢) ملك الأردن: ليست في (م)، (ش).
(٣) في (ش): هوبة.
(٤) في التراجم الحديثة:" أن عظيم قرية شكيم واسمه شكيم لما فضح "
(٥) انظر سفر التكوين: الأصحاح الرابع والثلاثين.
[ ٢ / ٦٨١ ]
لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة «١»، وكل نبي يبعث إلى قومه خاصة. وبعثت إلى الناس عامة «٢» ".
قلت: لا أعلم ما «٣» وجه السؤال من هذا، إلا أن يكون يكذب بالإخبار بهذه الأشياء بناء على عدم علمه بها، أو على مناقضة محرفة في كتبهم، ولو ذكر وجه سؤاله منه لأجبته بحسبه «٤».
[حسن العطاس وكراهة التثاؤب]
وذكر قوله﵇-:" إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب" إلى قوله:" وأما التثاؤب فهو من الشيطان. فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإنه إذا تثاءب «٥» ضحك منه الشيطان «٦» ".
_________________
(١) في (أ): للشفاعة.
(٢) أخرجه البخاري في أول التيمم، وفي الصلاة، باب قول النبيﷺ-:" جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ومسلم في أول كتاب المساجد، حديث ٣، والنسائي في كتاب الغسل (١/ ٢٠٩ - ٢١١)، والدارمي فى كتاب السير، باب الغنيمة لا تحل لأحد قبلنا عن أبي ذر وألفاظهم متقاربة.
(٣) «ما» ليست في (ش).
(٤) لعله يقصد أن الشفاعة في الآخرة كالشفاعة في الدنيا، أو انكاره شفاعة محمد ﷺ .. [انظر شرح الطحاوية ص ٢٦٠].
(٥) فى (أ): اذا شاب.
(٦) أخرجه البخاري عن أبي هريرة في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده وفي كتاب الأدب، باب ما يستحب من العطاس ويكره من التثاؤب، وباب إذا تثاءب فليضع يده على فيه، وطرف الحديث في صحيح مسلم: كتاب الزهد، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب وأخرجه أبو داود في الأدب، باب إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب. وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٥٦) وفي مواضع أخرى.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
قلت: قد سبق ذكرنا لقواطع الإنجيل على جسمية الشيطان «١»، ومناقشتنا له في قوله: الشياطين بسائط مجردة عن المائدة" ومع جسميتهم لا يمتنع الضحك والأكل وسائر خواص الأجسام منهم. وأما قوله:" إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب" ومعنى كونه من الشيطان فله تأولان:
أحدهما: ذكره الخطابي «٢»، وهو أن العطاس يكون عن خفة البدن من الطعام، والتثاؤب عن ثقله به «٣». فالحب والكراهة راجعان إلي سببيهما «٤»، وهما قلة الأكل وكثرته الموجبان لخفته وثقله «٥» لا إلى ذاتيهما «٦».
الثاني: أن العطاس يتعقبه حمد الله. وذكره بخلاف التثاؤب، فلذلك فرّق بينهما في الحب والكراهة، وعدم ذكر الله من أخلاق الشيطان، وما يؤثره، فلذلك قيل في التثاؤب: إنه من الشيطان.
_________________
(١) انظر ص: ٤٠٩ من هذا الكتاب.
(٢) تقدمت ترجمته ص: ١٧٦ من قسم الدراسة.
(٣) به: ليست في (م).
(٤) في (م): إلى سببهما.
(٥) قال ابن بطال:" إضافة التثاؤب إلى الشيطان: بمعنى إضافة الرضى والإرادة. أي: الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائبا، لأنها حالة تتغير فيها صورته فيضحك منه. وقال ابن العربي:" إن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى الشيطان لأنه واسطته. وإن كل فعل حسن نسبه الشرع إلى الملك، لأنه واسطته، والتثاؤب إنما يحدث عن الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل. وذلك بواسطة الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء، وينشأ عنه النشاط، وذلك بواسطة الملك. والله أعلم" [مختصر سنن أبي داود وتهذيب ابن القيم ٧/ ٣٠٣].
(٦) انظر معالم السنن للخطابي بهامش مختصر سنن أبي داود، ومعه تهذيب ابن القيم (٧/ ٣٠٣). والطوفي نقل كلام الخطابي بمعناه لا بلفظه.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
[آدب الأكل فى الإسلام وجهل النصارى بها]
وذكر أن رسول الله أمر بلعق الأصابع والصحفة. وقال:" إنكم لا تدرون في أيّه البركة «١» ".
وقوله:" إذا أكل أحدكم فلا/ يمسح يده حتى يلعقها، أو يلعقها «٢» " وأنه كان" يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها" «٣».
وقوله:" إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء حتى يحضره عند أكل طعامه «٤»، فإذا سقط «٥» من أحدكم اللقمة فليمط ما بها «٦» من أذى، ثم
_________________
(١) أخرجه مسلم بهذا اللفظ عن جابر في كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة حديث: ١٣٣، وأخرجه بغيره أبو داود في الأطعمة باب في اللقمة تسقط (٥٠)، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء فى اللقمة تسقط (١١).
(٢) أخرجه البخاري بهذا اللفظ عن ابن عباس في كتاب الأطعمة باب لعق الأصابع ومصها ومسلم في الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة حديث رقم ١٢٩، ١٣٠، وأبو داود في الأطعمة، باب في المنديل، وابن ماجه في الأطعمة باب لعق الأصابع، والدارمي في الأطعمة، باب في المنديل عند الطعام، وأحمد في المسند (١/ ٢٢١).
(٣) أخرجه مسلم بهذا اللفظ عن ابن عباس في كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع حديث ١٣١، وأبو داود عن كعب بن مالك في كتاب الأطعمة، باب في المنديل.
(٤) في صحيح مسلم:" عند كل شيء من شأنه يحضره عند طعامه".
(٥) في صحيح مسلم: سقطت.
(٦) في صحيح مسلم: ما كان بها.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
ليأكلها، ولا يدعها للشيطان وإذا «١» فرغ فليلعق أصابعه «٢» ".
[حكم مرور الكلب الأسود بين يدي المصلي، والرد على النصراني في اعتراضه على ذلك]
قلت: هذه آداب حسنة من آداب الأكل، فإن في لعق الأصابع والصحفة تعظيم ما عليهما من بقية الطعام بأكله وتنظيف الإصبع «٣» والصحفة، ولعله علم في ذلك سرا آخر من خصائص النبوة، وإليه أشار بقوله/" لا تدرون في أيّه البركة" وقد سبق في أول الكتاب قول أرسطو وغيره" أنه لا بدّ في معرفة الشرائع من «٤» توقيف إلهي يبين للعقل ما يقصر عنه، وليس من شأنه إدراكه" «٥».
وذكر حديث أبي ذر:" يقطع الصلاة: الحمار والمرأة والكلب الأسود"
وقال:" الكلب الأسود شيطان" «٦».
_________________
(١) في صحيح مسلم: فإذا.
(٢) تمام الحديث:" فإنه لا يدري في أي طعامه تكون البركة" اهـ. أخرجه مسلم عن جابر في كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع ، وأحمد في المسند (٣/ ٣٩٤) عن جابر وفيه عنده تقديم وتأخير.
(٣) فى (م): الأصابع.
(٤) في (ش): عن.
(٥) انظر ص: ٢٣٧، ٢٥٨ من هذا الكتاب
(٦) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلى، وأبو داود في كتاب الصلاة باب ما يقطع الصلاة، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة. وقال:" حديث حسن صحيح" وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما يقطع الصلاة، وأحمد في مسند أبي ذر (٥/ ١٤٩).
[ ٢ / ٦٨٥ ]
قلت: الجواب من وجوه:
أحدها: أن الشيطان لا يمتنع أن يختص بالدخول في الكلب الأسود لخصيصة فيه من شدة خبثه أو نحو ذلك، كما ذكر في الإنجيل: أن المسيح أخرج الشياطين من الناس فدخلت في قطيع خنازير ثم ألقتها في البحر فغرقت «١».
وقد ذكر ابن الأشل «٢» مطران حمص في تقرير الثالوث:" أن الله سبحانه ظهر في كبش إبراهيم" فإذا جاز في عقولكم أن خالق السماوات والأرض يظهر في كبش فكيف يمتنع ذلك في بعض مخلوقاته أن يظهر في كلب.
الثاني: قال الجاحظ «٣»:" معنى قوله: الكلب الأسود شيطان:/ أن فعله فعل الشيطان لأنه أخبث الكلاب، وأكثرها عقرا للحيوان «٤» ".
_________________
(١) انظر انجيل مرقس: الأصحاح الخامس.
(٢) هكذا في (أ)، (م). وقد تقدمت الإشارة إلى أنني لم أجد له ترجمة فيما رجعت إليه من مراجع.
(٣) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٨٤.
(٤) لم أجده في كتاب الحيوان. والشيطان الجني يتشكل في صورة إنسان، كما حدث في غزوة بدر. فقد تشكل في صورة سراقة بن مالك، ووعد المشركين بالنصر، وفيه أنزل الله: وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. [الأنفال: ٤٨]، وفي صورة حيوان: جمل أو حمار أو كلب أو قط، خاصة الكلاب السود. وفي هذا الحديث" الكلب الأسود شيطان" ما يدل على ذلك يقول ابن تيمية﵀-:" الكلب الأسود شيطان الكلاب، والجن تتصور بصورته كثيرا، وكذلك بصورة القط الأسود لأن الأسود أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وفيه قوة الحرارة". [عالم الجن والشياطين لعمر الأشقر ص ٢٩].
[ ٢ / ٦٨٦ ]
قلت أنا: لكن هذا لا يناسب قطعه للصلاة، فيحتمل أن يكون لكثرة خبثه، ويدل على خبثه، سواده كما استدلوا على خبث الأسود من الحيات بسواده، وحيث اشتد خبثه قاربت طبيعة الشيطان في الشر، فاستأنس به- والشكول أقارب «١» - فدخل فيه وقارب المصلي، لينتهز منه فرصة، كما دخل إبليس في في الحية إلى الجنة/ حتى أغوى آدم «٢».
_________________
(١) الشكول: جمع شكل وهو الشبه والمثل: يقال هذا من شكل هذا أي من ضربه ونحوه. [انظر لسان العرب ١١/ ٣٥٦ - ٣٥٧، والمصباح المنير ١/ ٣٨٠]. والمعنى الأشكال متقاربة. والله أعلم.
(٢) هذه الحكاية ذكرت في التوراة في سفر التكوين الأصحاح الثالث. قلت: مما ثبت في تمثل الجن بالحيات، ما في صحيح مسلم [كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها]: أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، فوجده يصلي، قال: فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت فالتفت فإذا حية. فوثبت لأقتلها. فأشار إليّ: أن اجلس فجلست. فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار. فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق. فكان ذلك الفتى يستأذن رسول اللهﷺ- بانصراف النهار فيرجع إلى أهله فاستأذن يوما فقال له ﷺ: " خذ عليك سلاحك. فإني أخشى عليك قريظة" فأخذ الرجل سلاحه. ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى إليها الرمح ليطعنها به. وأصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش. فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه في الدار. فاضطربت عليه. فما يدرى أيهما كان أسرع موتا. الحية أم الفتى؟ قال: فجئنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له. وقلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال:" استغفروا لصاحبكم" ثم قال:" إن بالمدينة جنّا قد أسلموا. فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام. فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" اهـ.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وقد ذكر بعض أهل التاريخ- أحسبه الشيخ أبا الفرج في المنتظم- أن آدم لما كان فخارا، كان إبليس يطوف به ويتعجب منه، ففي بعض الأيام بصق عليه، فوقع بصاقه في موضع السرة منه، فقطع موضع البصقة منه فألقي، فخلق منه الكلب الأسود «١».
فإن ثبت هذا صح أن في الكلب الأسود طبيعة من الشيطان، لأجل تلك البصقة، وإن كان المخلوق من بصقة إبليس كلبا غير أسود، فلعله انضم إلى الأسود خصيصة كملت بها شيطنته، فاختص بما ذكر من قطع الصلاة وتحريم صيده «٢»، ونحوه.
الثالث: قال الخطابي: في قوله:" تطلع الشمس بين قرني الشيطان" «٣» هذا
_________________
(١) لم تطبع الأجزاء الأربعة الأولى من المنتظم، وأظن أن مخطوطاتها مفقودة.
(٢) هذا مذهب الحنابلة: الطوفي وابن قدامة وغيرهما. وهو مذهب أحمد، لما سبق من أن الكلب الأسود شيطان، وأباح أبو حنيفة ومالك والشافعي صيده لعموم قوله تعالى: وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. [المائدة: ٤]. ولعموم حديث: (وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل). [أخرجه البخاري في الذبائح، باب صيد القوس]. وللقياس على غيره من الكلاب. [انظر المغني ٨/ ٤٤٧، ونيل الأوطار ٩/ ٤ - ٦].
(٣) الحديث أخرجه البخاري فى كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ومسلم في كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، وفي كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التى نهى عن الصلاة فيها. وأبو داود في كتاب الصلاة (التطوع)، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة. والنسائي في المواقيت، باب إباحة الصلاة إلى أن يصلى الصبح، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة، وأحمد في المسند (٢/ ١٣).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
[التورية والمعاريض مندوحة عن الكذب]
من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد هو بمعانيها، ويجب علينا «١» التصديق بها والوقوف عند الإقرار بأحكامها والعمل بها «٢».
قلت أنا"/ والاختلاف في أن هذا «٣» معقول المعنى، أو هو تعبد، اختلف الفقهاء فيما لو اتفق أن مر بين يدي المصلي شيطان حقيقى. هل يقطع الصلاة أم لا؟ «٤» على وجهين:
أحدهما: يقطعها «٥»، لمقتضى تعليله أن/ الكلب الأسود شيطان.
والثاني: لا. لأنا لا نعقل ما معنى شيطنته فهو إذن تعبد نتلقاه بالتسليم.
والتعبدية «٦» فرع المعقولية، وحيث لا معقولية فلا تعبدية «٧».
وذكر عن ابن قتيبة «٨» في مختلف الحديث قال «٩»:" وقد رخّص في
_________________
(١) فى (أ): عليها.
(٢) بها: سقطت من (أ). والكلام في معالم السنن بهامش سنن أبي داود (٢/ ٥٧) وقد نقله المؤلف بمعناه.
(٣) في (أ):" والاختلاف في أنها معقول المعنى".
(٤) أم لا: سقطت من (أ).
(٥) في (أ): يقضيها.
(٦) في (م): والتعدية.
(٧) في (أ)، (م): فلا تعدية. وما أثبته من (ش).
(٨) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٧٧.
(٩) تأويل مختلف الحديث ص ٣٤ - ٣٥.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
الكذب في الحرب لأنه «١» خدعة، وفى الإصلاح «٢» بين الناس، وفي إرضاء الرجل أهله، ورخص «٣» أن يوري في يمينه إلى شيء، إذا ظلم، أو خاف على نفسه. والتورية: أن ينوي غير ما نوى مستحلفه: وجاءت الرخصة في المعاريض وقيل:" إن فيها مندوحة عن الكذب" «٤».
قلت: هذه أحكام صحيحة في الإسلام. وقد سبق الكلام على أنواع الكذب «٥».
وأما التورية والمعاريض فكما قال إبراهيم عن زوجته: إنها أختي. وعني باعتبار الأب الأبعد، أو في الإسلام. وكذلك إسحاق.
وفي الحديث النبوي الصحيح قال:" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات" ما حل «٦» بهن عن دين الله. ذكر قوله عن زوجته:" إنها أختي" وقوله لقومه:" إني سقيم" أي سأسقم. وقوله: «بل فعله كبيرهم هذا» «٧» وهذه معاريض وسماها كذبا مجازا.
_________________
(١) في تأويل مختلف الحديث: لأنها. وهو الأصح.
(٢) فى (م): وفي الاصطلاع.
(٣) في تأويل مختلف الحديث: ورخص له.
(٤) مثل يضرب في هذا المعنى. قاله عمران بن حصين﵁-، ونصه:" إن في المعارض لمندوحة عن الكذب" اهـ. [مجمع الأمثال ١/ ١٣]. وجعله البخاري عنوانا لما ورد في معناه من النصوص، فقال:" باب المعاريض مندوحة عن الكذب". وذكره الطبري فى تهذيب الآثار (١/ ١٢١) أنه من قول عمر بن الخطاب. والله أعلم بالصواب.
(٥) انظر ص: ٦٧٩ من هذا الكتاب.
(٦) ما حل: أي دافع وجادل ومن معانيه: المكر بالحق [انظر: لسان العرب ١١/ ٦١٩، وإكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٥٩٦]
(٧) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب واتخذ الله إبراهيم خليلا، ومسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم، حديث ١٥٤، وأبو داود في كتاب الطلاق باب في الرجل يقول لامرأته" يا أختي"، والترمذي في تفسير سورة الأنبياء، وأحمد في المسند (٢/ ٤٠٣) ولم يذكره المؤلف بأحد ألفاظهم. إنما ذكره بمعناه.
[ ٢ / ٦٩٠ ]
[جسمية الشيطان والرد على النصراني في انكار ذلك]
قال:" حديث يكذبه النظر، والخبر:" إن الشمس تطلع على قرني شيطان فلا تصلوا لطلوعها «١» " فجعلوا للشيطان قرونا تبلغ «٢» إلى السماء وجعلوا الشمس التي هي مثل الأرض مرات تجري بين قرنيه، وهم مع هذا يزعمون أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فهو في هذه الحال ألطف من كل شيء وفي تلك الحال أعظم من كل شيء، وجعلوا علة ترك الصلاة، في وقت طلوع الشمس طلوعها من بين قرنيه، وما على المصلي لله إذا/ خرجت الشمس بين قرني الشيطان؟ وما في هذا مما يمنع من الصلاة لله؟.
قلت: الجواب عن هذا الحديث قد سبق «٣»، لكنه لم يوجه السؤال منه هناك كما وجهه هاهنا فيحتاج أن نعيده فنقول: الجواب من وجوه:
أحدها: ما ذكر عن" إبراهيم الحربي «٤» " وحسبك به إماما في معرفة
_________________
(١) انظر تخريجه في هامش ص: ٦٨٨ من هذا الكتاب.
(٢) فى (أ): فبلغ.
(٣) انظر ص: ٦٨٩ من هذا الكتاب.
(٤) أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن بشير الحربي، سمي بذلك لأنه جاوز قنطرة العتيقة من الحربية، وهو من تلاميذ الإمام أحمد، كان إماما في العلوم، زاهدا في الدنيا، كان يقول: من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه ويقول: ما شكوت لأحد قط حمّى، وكان برأسي شقيقة خمسا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، لي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين للهجرة ببغداد، وكان قبره ظاهرا يتبرك به الناس وهذا من ضلال القبوريين. [انظر صفة الصفوة ٢/ ٤٠٥ - ٤١٠، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٥٦ - ٣٧٢].
[ ٢ / ٦٩١ ]
الحديث ومعانيه- قال:" هذا تمثيل أي حينئذ يتحرك/ الشيطان ويتسلط، يعني حيث يرى الكفار قد أشركوا/ بالله وسجدوا للشمس في الشرق والغرب، وهم المراد بقرنيه" قال:" كذلك الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، أي يتسلط عليه، فيوسوس له، لا أنه يدخل جوفه" «١».
الوجه الثاني: جواب مفصل:
قوله:" جعلوا للشيطان قرونا تبلغ إلى السماء".
أما جعل القرون له فمبني على جسميته وقد أثبتناها قبل هذا، وإن كانت مادته لطيفة. وعندكم «٢» أن الملائكة منهم على صور البقر وعلى صور الأسد، وعلى صور النسور وعلى صور الناس. وإذا جاز هذا في الملائكة كان في الشياطين أجوز، لأن الجميع مشترك في التجرد عن المادة عند الفلاسفة «٣» وفي لطافتها عندنا. وأما كون قرونه تبلغ إلى السماء فلم نقل به، ولا هو لازم لقولنا، بل يجوز في رأي العين أن تخرج الشمس بين جبلين، بل أكمتين، بل جدارين صغيرين بل انسانين بل من بين قرني ثور متباعدين قليلا، كما تقرر في قوله «٤»:
تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (٨٦) «٥».
_________________
(١) لم أجد هذا القول في كتاب الحربي: غريب الحديث، فلعله من أقواله التي سمعت منه ولم يذكرها في كتابه، أو فيما لم يطبع منه أو أنه ليس من قول الحربي، لأن المؤلف ليس جاز ما في نسبته له. وقد ذكر الخطابي نحوه في غريب الحديث (١/ ٧٢٥ - ٧٢٦).
(٢) في (ش)، (م): وعندنا.
(٣) انظر هامش ص ٤١١، وص ٤٣٩ من هذا الكتاب.
(٤) انظر ص: ٣٦٠ - ٣٦٤ من هذا الكتاب.
(٥) في (ش)، (أ):" حامية" والآية في سورة الكهف: ٨٦.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
قوله:" وهم مع ذلك يزعمون: أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم".
قلنا: نعم ولذلك توجيهان:
أحدهما:/ أن الشياطين كثيرة فالذي يجري من ابن آدم مجرى الدم هو قرينه الملازم له، كما سبق في قوله﵇-:" ما منكم أحد إلا معه شيطان «١» ".
والذي تطلع الشمس بين قرينه شيطان آخر أكبر منه، فإن جنود إبليس كثيرون على أنواع وصفات مختلفة بينهم في أشغاله ومهامه، ولا يمتنع أنه يبعث بعض سحرة الشياطين العظيمي الخلقة أو غيرهم، فيقارن الشمس ويزينها في أعين الكفار بزينة صنم أو آلهة على جهة الشعبذة والتخييل فيسجدون لها لزينتها في أعينهم فإنا قد علمنا في بني آدم من يأتي من التخييلات بما لا يشك الرائي في ثبوته في الأعيان، وهو سيماء «٢» وتخييل، لا حقيقة له في الخارج، وإنما هي خيالات ذهنية تغلب وتقوى وتستولي حتى تغلب الأحكام الخارجية، فيبقى الإنسان كأنه نائم يقظان، وقد علم هذا بفعل سحرة فرعون حيث خيلوا أن حبالهم حيات تسعى.
الوجه الثاني: أن مادة الشيطان لطيفة، وقد جعل له من القابلية، والقوة ما أنه/ يتشكل في أشكال مختلفة ويتصور في صور متباينة، فإن سلمنا أن الشيطان المقارن للشمس هو الجاري من ابن آدم مجرى الدم وأنه كبير عظيم هائل الخلقة،
_________________
(١) سبق تخريجه في هامش ص: ٤٣٢ من هذا الكتاب.
(٢) السيماء أو السيمياء مثل الكيمياء وهو علم ظني معروف [لسان العرب ١٢/ ٥٣٠].
[ ٢ / ٦٩٣ ]
فلا يمتنع أن يكون يتشكل عند مقارنتها بشكل عظيم وعند جريانه من ابن آدم بشكل صغير كما قرره" ابن الأشل" مطران" حمص"- وهو من فضلاء النصارى- في أن خالق السموات والأرض ظهر لإبراهيم في صورة كبش، ولإسرائيل في صورة رجل صارعه إلى الصبح ولموسى في صورة نار في عليقة «١» وظهر للناس في صورة/ المسيح فهذا- وإن كنا ننكره عليكم- لكنه يلزمكم لتجويزكم إياه أو بعضكم ممن هو موافق لكم على مقالتكم أو بعضها، فما ذكرناه في الشيطان أولى بالجواز، وأما الملائكة، فثبت ذلك فيهم في دين الإسلام فملك الموت: الدنيا بين عينيه كدارة درهم «٢»، ثم إنه جاء إلى موسى في صورة رجل فأراد قبض روحه،
_________________
(١) العليق: نبات يتعلق بالشجر ويلتوي عليه. وقيل: شجر من شجر الشوك لا يعظم، وإذا نشب فيه شيء لم يكد يتخلص من كثرة شوكه وشوكه حجز شداد. ولذلك سمي عليقا. وزعم بعض الناس أنها الشجرة التي آنس الله موسى ﵇ فيها النار وليس مع أحد دليل قاطع بذلك والله أعلم. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٤/ ٣٨، ولسان العرب ١٠/ ٢٦٥، ومختار الصحاح ص: ٤٥٠].
(٢) لم أجد هذا الأثر فيما اطلعت عليه من كتب السنة، ولكن وجدت عند السيوطي في كتابه الحبائك في أخبار الملائك ص ٤٢ - ٤٣، عددا من الأخبار قريبة المعنى بهذا ومنها ما أخرجه عن ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة، وفيه:" فقال يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب ووقع الوباء بأرض والتقى الزحفان فكيف تصنع قال أدعو الأرواح بإذن الله فتكون بين إصبعي هاتين. قال: ودحيت له الأرض فتركت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء" والذي يظهر أنه وكل الآثار في ذلك من الإسرائيليات المردودة. والله أعلم.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
ففقأ موسى عينه «١»، وجبريل تراءى للنبيﷺ- في أول الأمر، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب «٢». ثم كان يأتيه بعد ذلك في صورة دحية الكلبي «٣» - رجل أعرابي-/ وجاءه مرة في صورة شاب أبيض الثياب، يسأله عن معالم الدين
_________________
(١) أخرج مسلم في كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى﵇- حديث ١٥٧، عن أبي هريرة﵁- قال:" أرسل الله ملك الموت إلى موسى﵇-، فلما جاءه صكه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. قال فرد الله إليه عينه وقال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور، فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال أي رب! ثم مه؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية الحجر. فقال رسول الله ﷺ: (فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر). وأخرجه كذلك البخاري في كتاب الجنائز، باب من أحب أن يدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، وفي الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد، وأخرجه النسائي في آخر الجنائز. وأحمد في المسند (٢/ ٣١٥، ٣٥١، ٣٥٥).
(٢) أخرج البخاري في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم" آمين" والملائكة في السماء ، عن عائشة﵂- قالت:" من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادا ما بين الأفق" وأخرجه مسلم بنحوه في الأيمان، باب معنى قول الله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣]، حديث ٢٨٧، ٢٩٠، والترمذي في تفسير سورة النجم، بألفاظ متعددة. وأحمد في المسند (١/ ٣٩٥) ولفظه:" رأى رسول اللهﷺ- جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق " وفي (١/ ٤٠٧) بمعنى ألفاظ البخاري ومسلم والترمذي، وفي الموضوع أحاديث كثيرة غير هذه.
(٣) ترجمته في هامش ص ٥٢٩، وقصة مجيء جبريل بصورته في صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء ، حديث ٢٧١، عن جابر:" ورأيت جبريل ﵇. فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية، وفي رواية:" حبة بن خليفة" وفي مسند أحمد (٣/ ٣٣٤) بلفظ مسلم وفي (٢/ ١٠٧) عن ابن عمر بلفظ:" وكان جبريل يأتي النبيﷺ- في صورة دحية".
[ ٢ / ٦٩٥ ]
ليتعلمها المسلمون «١».
ثم هذا مما لا يمتنع عقلا أن تكون المادة منطبعة لطيفة تقبل توارد الأشكال عليها، كبندقة شمع «٢»، إن شئت صورتها فرسا أو فيلا أو خنزيرا أو شجرة، كبيرا ذلك أو صغيرا، وكالنور والماء إذا وجدا محلا فسيحا انبسطا فيه كشعاع الشمس في الفضاء، والماء في البحار، وإذا اكتنفتهما الأجرام الكثيفة انقبضا كالنور في كوة البيت «٣»، يرى دقيقا ضئيلا، والماء في ساقية الدولاب «٤»، وأنبوب القصب «٥» ونحوه يرى دقيقا قليلا. فهذا أنهى ما تصل إليه عقول البشر «٦» في هذا من التقريب والتمثيل ووراء ذلك أمر لا يرام جليل.
_________________
(١) تمثل جبريل﵇- بصورة رجل أعرابي أو في صورة رجل من المسلمين، أو في صورة شاب أبيض الثياب. جاء في أحاديث متعددة منها: ما أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل للنبيﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة ، ومسلم في كتاب الإيمان، الحديث الأول والخامس والسابع منه، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل﵇- للنبيﷺ الإيمان والإسلام، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب صفة الإيمان والإسلام، وابن ماجه في المقدمة، باب الإيمان، وأحمد في المسند (١/ ٢٧، ٥١، ٥٢) وفي (٢/ ٤٢٦) وفي (٤/ ١٢٩، ١٦٤).
(٢) بندق شمع: البندق الذي يرمى به، والشمع: الّذي يستصبح به، أو المزاح واللعب. [انظر لسان العرب ١٠/ ٢٩، ٨/ ١٨٦، والمصباح المنير ١/ ٣٨٢].
(٣) الكوة: الثقب والفتحة في حائط البيت. [انظر المصباح المنير ٢/ ٦٦٠ ومختار الصحاح ص: ٥٨٥].
(٤) الدولاب: المنجنون التي تديرها الدابة، ويستقى به الماء، وهي فارسية معربة. [انظر المصباح ١/ ٢٣٦، وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٠٦].
(٥) القصب: كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبا. وكل عظم أجوف فيه مخ، وأنابيب من جوهر. [انظر المصباح المنير ٢/ ٦٠٨، ومنال الطالب ص ٢٠٧، ومختار الصحاح ص ٥٣٦].
(٦) في (ش): النبيين.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
الوجه الثالث: ما سبق من قول الخطابي «١»: أن قوله:" بين قرني الشيطان" من ألفاظ الشرع التي أكثرها ينفرد بمعانيها، ويجب علينا التصديق بها، والوقوف عند الإقرار بأحكامها، والعمل بها يعني التسليم المحض والتقليد الصرف/- بناء على ما سبق «٢» من قول" أرسطو" وغيره «٣»:" إن عقولنا عند أحكام المبادي الأولى «٤» كالخفاش عند شعاع الشمس".
قوله:" جعلوا علة ترك الصلاة لله: طلوع/ الشمس بين قرني الشيطان وليس مناسب".
[النهي عن مشابهة النصارى غيرهم في أوقات الصلوات]
قلنا: قد سبق جواب هذا بأن من أصول شريعة الإسلام المبالغة في خلاف الكفار، فيما لم يرد شرعنا بوقفه، حتى في «٥» التشبه بهم ولو أدنى مشابهة ولا شك أن عند طلوع الشمس يسجد لها الكفار فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة لهم.
قلت: وهذا سؤال يورده المسلمون على هذا الحديث ومع التحقيق لا جواب عنه إلا بنسبه إلى التعبد المتلقى بالقبول. وذلك لأنا لا نجد سببا ظاهرا نعلل به منع الصلاة عند طلوع الشمس إلا ما ذكرناه من مشابهة الكفار لكنه يعارض بأن في الصلاة حينئذ مخالفة للشيطان وحزبه ومراغمة لهم أشد من التشبه بهم.
_________________
(١) انظر ص: ٦٨٧ - ٦٨٩ من هذا الكتاب.
(٢) انظر ص: ٢٣٧ - ٢٣٩ من هذا الكتاب.
(٣) في (أ): أو غيره.
(٤) في (أ): الأول.
(٥) في (أ): حتى مات في التشبه بهم.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
وقد حكي في مناقب" معروف الكرخي «١» " أنه كان يمر عليه اليهود، يوم السبت إلى" الكنيسة" فقال في نفسه: إن هؤلاء يكفرون بالله في هذا اليوم كفرا عظيما، فلأخالفنهم بأن أقطع هذا اليوم بالصلاة والصوم فجازاه الله على ذلك بأن جعل زيارته يوم السبت، فيهرع إلى ضريحه خلق عظيم فيه على الخصوص «٢».
ولأن وفاق الكفار بالصلاة عند طلوع الشمس بالصورة الفعلية وخلافهم بالقصد والنية لأنهم يعبدون الشمس ونحن نعبد الله وقد قال الله تعالى «٣»:
_________________
(١) أبو محفوظ: معروف بن فيروز الكرخي الزاهد المتصوف، من موالي علي بن موسى الرضي الكاظم. ولد في كرخ ببغداد، ونشأ بها، وكان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدبهم فكان المؤدب يقول: قل إن الله ثالث ثلاثة. فيقول معروف: بل هو الواحد، فيضربه المؤدب ضربا شديدا ويصيح معروف: أحد أحد. حتى ضربه يوما ضربا عظيما فهرب على وجهه. فكانت أمه تبكي وتقول: لئن رد الله عليّ ابني معروفا لأتبعنه على أي دين كان. فقدم معروف بعد سنين فسألته أمه عن دينه فقال: الإسلام. فأسلمت وأسلم أبوه وإخوته. توفي﵀- ببغداد سنة مائتين وقيل غير ذلك. [انظر تاريخ بغداد ١٣/ ١٩٩، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٣٣٩، وصفة الصفوة ٢/ ٣١٨، وشذرات الذهب ١/ ٣٦٠].
(٢) لم أعثر على هذه المنقبة فيما بين يدي من المراجع، لكن لعل الطوفي نقلها مما كتبه ابن الجوزي في مناقب معروف فقد كتب في ذلك أربع كراريس. [انظر سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٤٣]. قلت: زيارة قبر معروف يوم السبت ليست منقبة له لأن زيارة قبور الصالحين للتبرك بها غير جائزة وهي فعل مذموم إلا إذا كانت الزيارة للاتعاظ والاعتبار وتذكر الموت وتذكر جهاد الصالحين منهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده والسلام عليهم والدعاء لهم. أما قصد القبور لغير ذلك فلا يجوز. والله أعلم.
(٣) عبارة:" لأنهم يعبدون قال الله تعالى" كررها الناسخ بعد قوله تعالى" ولا للقمر".
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) «١».
فالاعتبار هنا «٢» بالقصد والنية، لا بالمشابهة الصورية «٣».
فإن قيل: لما تعارض عندنا مفسدة المشابهة، ومصلحة المراغمة غلب الشارع جانب مفسدة المشابهة لأن الخطاب كان في صدر الإسلام والقوم «٤» قريبو عهد بالجاهلية. فمنعهم من الصلاة حينئذ تنفيرا عن المشابهة، مبالغة في تكريه الكفر
_________________
(١) سورة فصلت، آية: ٣٧.
(٢) فى (م): ها.
(٣) قلت: الأولى الجمع بين الأمرين: القصد والنية، والمشابهة الصورية والجمع بين الحكمة التعبدية وعدم مشابهة الكفار لما في قول النبيﷺ-:" صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى طلوع الشمس حتى ترتفع. فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفار. ثم صل. فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح. ثم اقصر عن الصلاة. فإن حينئذ تسجر جهنم. فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر. ثم اقصر عن الصلاة حين تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار". [أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين باب إسلام عمرو بن عبسة، حديث ٢٩٤، وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة" التطوع" باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة، حديث رقم ١٢٧٧، والنسائي في كتاب المواقيت باب النهي عن الصلاة بعد العصر، وأحمد في المسند (٤/ ١١١، ١١٢، ٣٨٥]. وهذا لفظ مسلم.
(٤) فى (أ): والقوة.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وشعاره إليهم، ثم صار «١» ذلك سنة متبعة، كالرمل «٢» زالت حكمته السببية وبقيت صورته السنية.
قلنا: جوابه من وجهين:
أحدهما: أن تنفيرهم من الكفر وتكريهه إليهم/ بأمرهم بمراغمته ومناقضة أهله بعبادة الله «٣» عبادة أبلغ.
الثاني: أن ذلك منقوض بصلاة الفرض. فإنه أجازها لهم، وهي جائزة بالاجماع في تلك الأوقات المنهي عن التطوع فيها. مع أن مشابهة الكفار الصورية موجودة «٤» / فإن قيل: الفرض واجب فلا يترك حق لباطل «٥» قلنا: والتطوع مندوب فلا يترك حق لباطل، وخصيصة الوجوب لا تصلح فارقا فبان بهذا البحث والتقرير: أن هذا الحكم وأمثاله مما يتلقى عن الشرع بالقبول ولا يصادم بتصرفات العقول، ولا شك أن دين الإسلام مشتمل على الأحكام التعبدية والمعقولة «٦» العلية كما قررته في" القواعد الصغرى" وبنيت الحكمة فيه على الوجه الأجل.
_________________
(١) فى (م):" وشعاره، لكنهم بمرصاد ذلك ".
(٢) الرمل: إسراع المشي مع تقارب الخطا دون الوثوب والعدو، وهو الخبب. [انظر تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٢٨].
(٣) في (ش)، (م):" بعبادة الله حين عبادة غيره أبلغ".
(٤) في (م): موجودية، وفي (ش): لموجودة.
(٥) في (أ): الباطل.
(٦) في (ش): المعقولية.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
[إثبات نصوص الصفات على ما يليق بالله سبحانه]
وذكر حديث أبي هريرة وأبي ذر:" من تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هروله «١» ".
قلت: ووجه سؤاله منه: أن ظاهره/ التجسيم.
قلت: وقد سبق تقرير قاعدة هذه الأحاديث.
ثم الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن الحديث مؤول عندنا على التقرب بالرحمة واللطف والإكرام، كما يقال: فلان قريب من السلطان، والأمير «٢» قريب من فلان يعنى تقارب القلوب والمنزلة «٣»، وأنا وإن كنت أثريا في آيات الصفات وأخبارها، إلا أن
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران: ٢٨] وباب ذكر النبيﷺ- وروايته عن ربه، وأخرجه مسلم في كتاب الذكر، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى، حديث ٢٠، ٢١، ٢٢، وفي أول كتاب التوبة حديث ١ وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب حسن الظن بالله، وابن ماجه في كتاب الأدب، باب فضل العمل، وأحمد في المسند (٢/ ٤١٣، ٤٨٠، ٤٨٢، ٥٠٩، ٥٢٤، ٥٣٤) وفي مواضع أخرى.
(٢) فى (أ): والأمر.
(٣) هذا ما ذهب إليه النووي في شرح صحيح مسلم ١٧/ ٢، بل ذهب إلى أنه تستحيل إرادة الظاهر، وابن حجر في الفتح (١٣/ ٥١٣) وغيرهما من العلماء الذين وافقوا الأشاعرة في تأويل هذه الصفة: والذي عليه أهل السنة أن الصفة لا تنفك عن الذات-
[ ٢ / ٧٠١ ]
المجاز «١» عندي في هذا الحديث ظاهر غالب، فلا يتوقف في تأويله إلا جامد «٢».
وتحقيق الكلام في هذا المقام: أن النصوص في الصفات من حيث السند على ثلاث طبقات: صحيح مجمع على صحته بين أهل النقل، وضعيف متفق على ضعفه، ومختلف في صحته.
_________________
(١) - فقرب الرحمة من العباد معناه أنه سبحانه قريب بذاته وصفته، كما أنه سبحانه ينزل في الثلث الأخير من الليل، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة، وكل ذلك على ما يليق به ﷾ ولا يلزم منه خلو عرشه سبحانه، ولا اتحاده بهم ولا مخالطته لهم ولا يعلو شيء من المخلوقات عليه بل مع نزوله أو قربه لا ينفك عن كمال علوه ومعلوم أنه لا يلزم في حق الرب وصفاته ما يلزم في حق العباد بصفاتهم، ومثال الطوفي غير مسلم فلا يلزم من قولنا: فلان قريب من السلطان: تقارب القلوب، وتقارب القلوب مما لا يظهر لنا نحن المخلوقين لكن إذا قلنا: فلان قريب من السلطان فإنه يتبادر إلى الأذهان تقارب الذوات، والله قريب من العبد المؤمن بلطفه وإحسانه ورحمته وذاته على ما يليق به سبحانه. [انظر للاستزادة: مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٢٦٥ - ٢٧٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٥/ ٢٢٦ - ٥١٣].
(٢) فى (م): المختار.
(٣) هذا بناء على ظن أن التقرب والهرولة قطع المسافة كما هو الحال في حق المخلوقين، والحديث يدل بظاهره على تقرب الله من عبده الصالح ليس بقطع المسافة بدليل أنه ذكر مقابلة مشي العبد وتقربه بأنواع العبادة والقرب وليس ذلك بقطع المسافة إلى الله. فهو تعبير عن قرب الله إلى عبده وتقرب العبد إلى ربه فهو قريب سبحانه ممن تقرب إليه بالدعاء وغيره من الطاعات.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
فالأول مما تثبت «١» به الصفات، والآخرين لا يعول عليهما في ذلك، في وقت من الأوقات «٢».
ثم الحديث المجمع على صحته من حيث دلالة المتن على ثلاث طبقات:
ما ترجح فيه إرادة الحقيقة، وما ترجح فيه إرادة المجاز، وما استوى فيه الأمران.
فالأول: كحديث الساق «٣» والقدم «٤» والأصابع «٥» ونحوه فهذه إرادة المجاز فيها مرجوحة فحكمها أن تحمل على حقائق لائقة بالباريﷻ- ولا يلزمنا تعيين كيفيتها كذاته سبحانه أثبتنا وجودها ونحن عن تفاصيل أحكامها بمعزل، والثاني: كهذا الحديث قوله:" من تقرب مني تقربت منه" وقوله:" قلوب
_________________
(١) في (ش): ثبت.
(٢) قلت: ما اختلف في صحته يتوقف فيه حتى تعرف صحته أو ضعفه فما تبينت صحته عولنا عليه في باب الصفات، وما عرف ضعفه لم نعول عليه في شيء من ذلك والله أعلم.
(٣) أخرج البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] عن أبي سعيد في حديث طويل:" فيأتيهم الجبار في صورة غير صورتة التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فلا يكلمه إلا الأنبياء، فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: الساق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن " اهـ.
(٤) أخرج البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلماته عن أنس﵁- عن النبيﷺ-:" لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول: قط قط. وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض". وأخرجه مسلم بنحوه في كتاب الجنة باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء. حديث ٣٧، والترمذي في تفسير سورة (ق)، وأحمد في (٢/ ٣٦٩، ٥٠٧)، (٣/ ١٣).
(٥) سيأتي ذكر حديث الأصابع وتخريجه قريبا- إن شاء الله-.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
الخلق بين اصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء «١» " و" الحجر الأسود يمين الله فى الأرض «٢» " وقوله:" ساعد الله أشد" وموسى الله أحد «٣» " ونحوه. فإن المجاز فيه راجح وحكمه: التأويل على ما ترجح فيه «٤»، كقوله: ويَبْقى وَجْهُ
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، حديث ١٧، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع النبيﷺ- يقول:" إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" وأخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء أن القلوب بين اصبعي الرحمن، بنحو لفظ الطوفي، وفي كتاب الدعوات، باب ٩٠ بترقيم إبراهيم عطوة بغير اللفظين، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٨، ١٧٣) وفى (٦/ ٢٥١، ٣٠٢، ٣١٥) بألفاظ مختلفة. والحديث فيه إثبات الأصابع لله على ما يليق به كما تقدم فى قول الطوفي قريبا.
(٢) رواه الطبراني في معجمه، وابن عدي وابن خلاد وغيرهم، وذكره ابن الجوزي في العلل وقال:" حديث لا يصح" والعجلوني في كشف الخفاء، وقال: موقوف على ابن عباس، والألباني في الضعيفة، وبين وجه ضعفه وأقوال أهل الحديث في سنده. وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٧) وابن خزيمة في صحيحه بلفظ:" يأتي الركن اليماني يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان يتكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه" وقال الذهبي فى التلخيص:" في سنده عبد الله بن المؤمل: واه". [انظر العلل المتناهية ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦، وكشف الخفاء ١/ ٤١٧، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٦/ ٣٩٧، ٥٨٠، والترغيب والترهيب ٣/ ٣١، وسلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٢٥٧].
(٣) انظر هامش ص ١٢٧ من قسم الدراسة.
(٤) بيّنت في قسم الدراسة ص ١٢٥ وما بعدها أنه لا مجاز في هذه الأحاديث، وأن حكمها أن تحمل على حقائق لائقة بالباري سبحانه. ولا ندرك كيفيتها فالحديث الأول قد سبق الكلام عنه قريبا، وأما حديث" الحجر الأسود يمين الله" فهو ضعيف لا يحتج به ولو صح ففيه من القرائن ما يصرفه عن ظاهره. أما حديث:" قلوب الخلق بين اصبعين من أصابع الرحمن" فلا يلزم منه المماسة-
[ ٢ / ٧٠٤ ]
رَبِّكَ (٢٧) «١» فإنه متردد «٢» بين الصفة الوجيهة اللائقة بمنصب الإلهية/ وبين/ الرتبة الجاهية الراجعة إلى العظمة الذاتية فحكم مثل هذا راجع إلى ترجيح المجتهد في أحكام العقائد فإن غالب مسائلها من هذا وأشباهه اجتهادية لكنها أعلى رتبة من مسائل الفروع فهذا هو الطريق الذي أراه قصدا بين الإفراط والتفريط سالما من الخبط والتخليط واللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ.
_________________
(١) - كما أن السحاب بين السماء والأرض من غير مماسة فليس فيه ما يوجب التأويل واعتبار المجاز. أما حديث:" ساعد الله أشد " فإنه يتضح من سبب الحديث وهو ما أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣٦ - ١٣٧) عن أبي الأحوص عن أبيه قال:" أتيت النبيﷺ- فصعّد فيّ النظر وصوّب وقال أرب إبل أو رب غنم؟ قال من كل قد آتاني الله فأكثر وأطيب، قال فتنتجها وافية أعينها وآذاها فتجدع هذه فتقول صرماء. ثم تكلم سفيان بكلمة لم أفهمها- وتقول: بحيرة الله فساعد الله أشد وموساه أحد، ولو شاء أن يأتيك بها صرماء أتاك " الحديث. قال البنا: رجاله ثقات، وقال في شرحه: " معناه: لو شاء الله أن يخلقها ناقصة الأذن أو مشقوقتها لفعل، ولكنه خلقها كاملة الأعضاء فلا يجوز أن تعمد إلى تشويهها وقطع عضو منها. وهذا موضع الدلالة من الحديث"، [الفتح الرباني ١٦/ ٢٩]. قلت: فلو أثبتنا له سبحانه ساعدا على ما يليق بجلاله كما أثبتنا له يدا" ورجلا وعينا" فلا محذور في ذلك خاصة وقد ثبت النص بذلك أما قوله:" موساه أحد " فهو على المعنى المتقدم عند البناء. والله أعلم.
(٢) سورة الرحمن، آية: ٢٧.
(٣) فى (أ):" منزل ددبين".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
الوجه الثاني: أنه قد ثبت في التوراة أن آدم لما أكل من الشجرة انفتحت عينه وبان له أنه عريان فاستتر بالشجر وجعل يخصف عليه الورق وسمع «١» حس الله يمشي في الجنة فاختفى منه فقال له، الله الرب: ما لك يا آدم؟ قال: أنا عريان أستحي منك وسمعت حسك تمشي فاستحيت/ فقال:" لعلك أكلت من شجرة معرفة الخير والشر؟ قال: نعم" «٢»، وقد سبق ذلك «٣». فهذا تصريح بأن الله يمشي والمجاز فيه مرجوح جدا، فما تنكر «٤» علينا من حديث المجاز فيه راجح جدا، هذا ما هو إلا عناد ولو وقع لارتفع الخلاف.
[حث محمدﷺ- لأمته على طاعة الله والرد على إنكار النصراني لمغفرة الله لذنوب عباده]
قال: وفى حديث أبي هريرة:" من يقم ليلة القدر إيمانا واحتسابا «٥» غفر له ما تقدم من ذنبه «٦» " وذكر حديث:" من صام رمضان إيمانا واحتسابا «٧» غفر له
_________________
(١) في (أ): وشمع.
(٢) انظر سفر التكوين، الأصحاح الثاني.
(٣) «وقد سبق ذلك» ليست في (ش).
(٤) في (أ): ينكر.
(٥) في (أ): واحتشاما.
(٦) أخرجه البخاري في أول فضل ليلة القدر، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث: ١٧٥، ١٧٦.
(٧) في (أ): واحتساما.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
ما تقدم من ذنبه «١» "، وقوله:" إذا أمّن الإمام فأمّنوا، فمن وافق تأمينه تامين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه «٢» " وحديث سلمان:" من اغتسل يوم الجمعة، وتطهر بما استطاع من طهر" الحديث إلى قوله:" غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى «٣» " وقوله:" حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده «٤» " وحديث أبي عبس: «٥» " سمعت النبي يقول:" من
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا، وفي أول فضل ليلة القدر، وفي أول التراويح. ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح، حديث ١٧٥، ١٧٦، والترمذي فى أول باب في الصوم والنسائي في الصيام، باب ثواب من قام رمضان وصامه ، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام شهر رمضان، وأحمد في المسند (٢/ ٢٨٩، ٥٠٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأذان. باب جهر الإمام بالتأمين (١١١)، وفي كتاب الدعوات، باب التأمين، ومسلم في كتاب الصلاة، باب التسميع والتحميد والتأمين، حديث ٧٢، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب التأمين وراء الإمام، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل التأمين، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب جهر الإمام بالتأمين، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، باب الجهر بآمين، وأحمد في المسند (٢/ ٢٣٨، ٤٥٩).
(٣) أخرجه البخاري فى كتاب الجمعة، باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة (١٩) والدارمي فى الصلاة، باب فضل الجمعة والغسل والطيب فيها، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء فى الزينة يوم الجمعة، وقال في الزوائد:" إسناده صحيح، ورجاله ثقات"، وأحمد بمعناه في المسند (٣/ ٨١)، (٥/ ١٨١، ١٩٨، ٤٢٠).
(٤) أخرجه البخاري في الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان؟، ومسلم في كتاب الجمعة، باب الطيب والسواك يوم الجمعة، حديث: ٩، وأحمد في المسند (٢/ ٣٤٢).
(٥) هو الصحابي أبو عبس: عبد الرحمن بن جبر بن عمرو بن زيد الأوسي الحارثي، المدني البدري. مات سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان﵁- وصلى عليه. يقال: إنه كان فيمن قتل كعب بن الأشرف. [انظر الإصابة ٢/ ٣٩٤، ت (٩٥٠٩٦)، ٣/ ١٥٠، ت (٨٨٠)، والاستيعاب ٢/ ٨٢٧].
[ ٢ / ٧٠٧ ]
اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه/ الله على النار «١» ".
وقوله:" من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه «٢» " وحديث أبي ذر قال: قال النبي ﷺ: «أخبرني جبريل بالحرة، قال: بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: نعم». كررها ثلاثا «٣»، حتى قال في الثالثة: (وإن شرب الخمر «٤»).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة (١٨)، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من اغبرت قدماه في سبيل الله، والنسائي في كتاب الجهاد، باب ثواب من اغبرت قدماه في سبيل الله، والدارمي في كتاب الجهاد، باب فضل الغبار في سبيل الله، وأحمد في المسند (٣/ ٣٧٩)، (٥/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، (٦/ ٤٤٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، (٩٤، وفي كتاب المحصر، باب قول الله فَلا رَفَثَ [البقرة: ١٩٧] (٩)، وباب قول الله﷿-: ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ فِي الْحَجِ، وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة، ويوم عرفة، حديث: ٤٣٧، والترمذي فى كتاب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة، حديث: ٨١١، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب فضل الحج، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب فضل الحج والعمرة، والدارمي في كتاب المناسك، باب في فضل الحج والعمرة، وأحمد في المسند (٢/ ٢٢٩، ٢٤٨، ٤١٠، ٤٨٤، ٤٩٤).
(٣) أخرجه بألفاظ متعددة غير هذا اللفظ الإمام البخاري في مواضع متعددة من صحيحه منها: أول الجنائز، وكتاب اللباس، باب الثياب البيض، حديث: ٥٨٢٧، وكتاب الرقاق، باب المكثرون هم المقلون، ومسلم في كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، حديث: ١٥٣، ١٥٤ وفي كتاب الزكاة، باب الترغيب في الصدقة، حديث: ٣٣، ٣٤، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، حديث: ٢٦٤٤، وأحمد في مواضع من المسند منها (٥/ ١٥٩، ١٦١)، (٦/ ٤٤٢).
(٤) قوله: (وإن شرب الخمر) لم يخرج هذه الزيادة غير مسلم في الموضع السابق من الزكاة حديث: ٣٣.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وذكر النصراني: في لفظ آخر للحديث" قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «١» يدخل النار «٢» " وقوله:" لكل نبي دعوة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة «٣» ".
وقوله:" لله تسعة وتسعون اسما، مائة إلا واحدا،/ لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة «٤» " وقوله:" من صلى البردين دخل الجنة «٥» " وقوله:" من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين" الحديث إلى قوله:" كفرت عنه خطاياه «٦» وإن كانت
_________________
(١) في صحيح البخاري:" أو لم يدخل النار".
(٢) هذا اللفظ أخرج نحوه البخاري. وسيأتي تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب اختباء النبي دعوة الشفاعة لأمته، حديث: ٣٣٤، ٣٣٥، وله ألفاظ أخرى عنده في نفس الباب، والترمذي في الدعوات، باب فضل لا حول ولا قوة إلا بالله، حديث: ٣٦٠٢، والدارمي في كتاب الرقائق، باب إن لكل نبي دعوة، وأحمد في مواضع من المسند منها (٢/ ٢٧٥، ٣٨١، ٣٩٦) وله ألفاظ أخرى عنده.
(٤) هذا الحديث مؤخر في (ش) بعد الحديثين بعده. أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحدة (٦٨)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها حديث: ٥، ٦، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب في أسماء الله﷿-، حديث: ٣٨٦٠، ٣٨٦١.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة الفجر (٢٦)، ومسلم في كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث: ٢١٥، والدارمي في كتاب الصلاة، باب فضل صلاة الغداة وصلاة العصر، وأحمد في المسند (٤/ ٨٠).
(٦) في صحيح مسلم ومسند أحمد:" غفرت خطاياه ".
[ ٢ / ٧٠٩ ]
مثل زبد البحر «١» " وقوله:" قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله. يبتغي بذلك وجه الله «٢» ".
ثم قال النصراني:" فقد ظهر أنه لم يوجد فيه شيء من الشروط الأربعة «٣» التي ينبغي- ولا بد- أن توجد في النبي".
قلت: سرد هذا «٤» الخصم هذه الأحاديث، ولم يبين وجه سؤاله منها والذي فهمته من ذلك أنه أوردها إشكالا على وعد النبي أمته على الطاعات المذكورة مغفرة الذنب، ودخول الجنة، والتحريم على النار. إما استبعادا من هذا الخصم لذلك بناء على اعتقاده في المسلمين أنهم عنده كفار، أو على ما صح في السنة من دخول عصاة الأمة النار وإخراجهم بالرحمة والشفاعة، فيكون ذلك تناقضا في الأخبار «٥».
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، حديث: ١٤٦، وأبو داود بغير هذا اللفظ في كتاب الصلاة، باب التسبيح بالحصى، حديث: ١٥٠٤، والنسائي بنحوه في كتاب السهو، باب نوع آخر من التسبيح بعد الصلاة، وأحمد في المسند (٢/ ٣٧١، ٤٨٣) والبخاري بمعناه في كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (٦٥).
(٢) طرف من حديث أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت (٤٦)، وفي كتاب التهجد، باب صلاة النوافل جماعة (٣٦)، وفي كتاب الرقاق، باب العمل الذي يبتغى به وجه الله (٦).
(٣) الصدق والطهارة والإعجاز وحسن الشريعة وكمالها.
(٤) هذا: سقطت من (أ).
(٥) قلت: ويجوز أن يكون مراده بذلك ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [سورة البقرة: ١١١] فاليهود يدعون بأن لا يدخل الجنة إلا من كان يهوديا. والنصارى تقول لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا.
[ ٢ / ٧١٠ ]
والجواب: أن هذه الأحاديث صحيحة وأحكامها ثابتة عندنا ولا/ مطعن فيها لطاعن. أما استبعاده لما وعدت به هذه الأمة بناء على سوء اعتقاده فيهم، فلا وجه له «١» إذ لا اعتبار به. إنما الاعتبار بالحجة. ثم هو معارض باستبعاد المسلمين ما يزعم النصارى: أن المسيح وعدهم به في قوله:" من عرفني وآمن بي كان معي عند أبي الذي في السموات «٢» " ونحوه.
فإن من آمن بالمسيح كإيمان النصارى/ به في أنه: الله، أو ابن الله فهو كافر عند المسلمين، خالد في النار، قد حرم الله عليه الجنة «٣». فلم كان اعتبار أحد الاعتقادين أولى من الآخر؟.
وأما دعواه التناقض فمردودة بأن هذه ظواهر وعمومات كانت في أول الإسلام وآخره قبل أن يكمل الإسلام وتتم أركانه وشروطه ومتقوماته. ثم لما كمل الإسلام صار غفران الذنوب ودخول الجنة والتحريم على النار متوقفا على كماله وتمامه، فمن أخل بجميع حقيقته كان كافرا، ومن أخل بشيء منه جوزي بحسبه، كما قال الزهري في قوله ﵇ «٤»:" من قال لا إله إلا الله
_________________
(١) له: سقطت من (أ).
(٢) انظر انجيل يوحنا الأصحاح الثاني عشر.
(٣) قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ومَأْواهُ النَّارُ وما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [المائدة: ٧٢] [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠].
(٤) «﵇» زيادة من (ش).
[ ٢ / ٧١١ ]
حرمه الله على النار) «١»:" كان ذلك فى أول الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي «٢» ".
قلت: وقد قال بعض أهل العلم:" إن المراد تحريم الخلود لا تحريم الدخول «٣» " جمعا بين الأحاديث. فأما اللفظ الذي ذكره وهو قوله:" من مات
_________________
(١) فى صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، حديث ٥٣،" ما من عبد شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه على النار" اهـ، وفي صحيح البخاري كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم " ٤٩":" ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار" اهـ.
(٢) وهو مروي عن جماعة منهم ابن المسيب﵀-[انظر شرح صحيح مسلم ١/ ٢١٩] ولكنه مردود بأنه مروي عن أبي هريرة﵁- وصحبته متأخرة وكانت الفرائض قد فرضت كالصلاة والحج والزكاة لأن إسلامه كان بعد خيبر سنة سبع من الهجرة. [انظر شرح مسلم ١/ ٢٢٠، وفتح الباري ١/ ٢٢٦].
(٣) انظر شرح صحيح مسلم ١/ ٢٢٠، وفتح الباري ١/ ٢٢٦. وقد ذكر العلماء وجوها وتأويلات أخرى غير ما تقدم، منها: أن ذلك خارج مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية. ومنها: أن المراد النار التي أعدت للكافرين لا الطبقة التي أفردت لعصاة الموحدين. ومنها: أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته لا تأكل مواضع السجود من المسلم كما ثبت في حديث الشفاعة أن ذلك محرم عليها. وكذا لسانه الناطق بالتوحيد. [فتح الباري ١/ ٢٢٦ - ٢٢٧]. قلت: يفسر هذا اللفظ الأحاديث الأخرى المشتملة على الصدق والإخلاص من قائلها. وتحريم النار على قائلها على حسب حاله عند الموت، فإن كان ذلك قبل نزول الفرائض فعلى ظاهر الحديث، وإن كان بعد نزول بعض الفرائض أو الفرائض وكمال الدين، فإن قوله لها لا بد أن يتبعه العمل بمقتضاها. وهو ما كلف به من الدين. والله أعلم بذلك.
[ ٢ / ٧١٢ ]
لا يشرك بالله شيئا سيدخل الجنة ولم «١» يدخل النار" فهذه الزيادة لا نعرفها في شيء من دواوين «٢» السنة، بل الذي صح في السنة: إثبات دخول الجنة لا نفي دخول النار «٣»، ولا تنافي/ بينهما لجواز أن يدخل النار بمعصيته «٤»، ثم يخرج منها فيدخل الجنة بطاعته «٥»، كما تواترت به أحاديث الشفاعة تحقيقا لقول «٦» الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) «٧».
على أن هذا اللفظ إن صح وجب تأويله على أنه لم يدخل النار دخول خلود بخلاف المشركين فإنهم يدخلونها دخول خلود، وحينئذ رد الله كيد هذا الخصم، وتبين أن شروط النبوة الأربعة موجودة في محمدﷺ-.
_________________
(١) في صحيح البخاري: أو لم يدخل
(٢) في (م): من داووين.
(٣) أخرج البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة حديث: ٣٢٢٢ عن أبي ذر﵁- قال: قال النبيﷺ-: «قال لي جبريل: من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة أو لم يدخل النار. قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن. قلت: فلا داعي لانكار هذا اللفظ من الحديث. ويمكن الجمع بين الأحاديث بأنه لا يدخل النار دخول خلود كما سيأتي. والله أعلم.
(٤) قال الله تعالى: وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا. [سورة مريم: ٧١، ٧٢].
(٥) في (ش)، (أ): فيدخل النار بطاعته.
(٦) في (ش)، (أ): لقوله تعالى.
(٧) سورة الزلزلة: ٧ - ٨.
[ ٢ / ٧١٣ ]
[زيارة النبيﷺ- لقبر أمه. وأنه لا محذور في ذلك]
قال:" وينضم إلى ذلك فى حقه ما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال:
" زار النبي قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي «١» " وقال:" جاء رجل إلى رسول اللهﷺ «٢» - فقال: يا رسول الله: أين أبي؟ قال: «إن أبي وأباك في النار «٣»».
قلت: ولا محذور في هذا، فإن إبراهيم الخليل- صلوات الله عليه- كان أبوه كافرا، ولأن من قاعدة الإسلام وغيره من الأديان «٤» أن الكفار في النار، وأبوا «٥» النبي كانا كافرين فحكم لهما بحكم الله فيهما. وهذا من أكبر الأدلة على صدقه لوجهين:
أحدهما: أنه ظهر من قول كفار يدعو إلى الناموس الأعظم، فلو لم يكن صادقا لا تبع دين آبائه كغيره.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب استئذان النبيﷺ- ربه ﷿ في زيارة قبر أمه، حديث: ١٠٨، والنسائي فى كتاب الجنائز، باب زيارة قبر المشرك، وابن ماجة في الجنائز، باب ما جاء في زيارة قبور المشركين حديث ١٥٧٢، وأحمد فى المسند (٢/ ٤٤١).
(٢) ﷺ: ليست فى (م)، (ش).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار ، حديث: ٣٤٧.
(٤) في (أ): من الأوثان.
(٥) في (أ): وأبو.
[ ٢ / ٧١٤ ]
الثاني: أنه حكم لأبويه بالنار ولجده وعمه وكل قريب له، فلو لم يكن في غاية الصدق والأمانة والعدل حتى أنه يخبر بالحق على نفسه ولها لتعصب لقومه وقال: هم في الجنة ببركتي لاختصاصي عند ربي، وكان يصدق في ذلك كما صدق في غيره.
قال: وقال أيضا:" ليت شعري ما فعل أبواي؟ فأنزل عليه «١»: ولا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) «٢».
قلت: هذا إن صح فجوابه ما سبق قبله، لكنه لا يصح لسياق «٣» الكلام وهو قوله تعالى في سياق ذم اليهود والنصارى والكفار:/ إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) بضم التاء «٤» المثناة من تسأل على ما لم يسم فاعله، فهو معنى قوله: .. ولا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) «٥» وقوله:
قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا ولا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) «٦» وقوله: فَإِنَّما عَلَيْهِ ما
_________________
(١) أخرجه الطبري في التفسير (١/ ٥١٦) من ثلاث طرق مرسلة، وذكر القرطبي في تفسيره (٢/ ٩٢) عن ابن عباس ومحمد بن كعب، وابن كثير في تفسيره أيضا (١/ ١٦٢) وقد تكلم العلماء في سند هذا الحديث.
(٢) سورة البقرة، آية: ١١٩.
(٣) في (أ): اسباق، وفي (ش): لا يصح لنا والكلام.
(٤) هذه قراءة الجمهور، وقرأ بعضهم ولا تُسْئَلُ بفتح التاء. [انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٠٢، وتفسير ابن كثير ١/ ١٦٢].
(٥) سورة البقرة، آية: ١٣٤، ١٤١.
(٦) سورة سبأ. آية: ٢٥.
[ ٢ / ٧١٥ ]
حُمِّلَ وعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ (٥٤) «١» وقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) «٢» وقوله: ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (١٦٤) «٣» ومعنى ذلك كله: أن عليك إنذارهم وليس عليك شيء من «٤» عقابهم، كما قال: ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ (٥٢) «٥» وهذا عام فى جميع الكفار.
نعم. قد قرئ لا تُسْئَلُ على النهي له عن السؤال،/ وهو محتمل لما ذكره هذا الخصم «٦». والجواب عنه ما سبق.
[الرد على زعم النصراني بأن النبيﷺ- لا بدّ أن يعلم الغيب]
وذكر النصوص التي تضمنت أنه لا يعلم الغيب كقوله «٧»: وما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ (٩) «٨» وقوله: ولَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ (١٨٨) «٩».
_________________
(١) سورة النور، آية: ٥٤.
(٢) سورة الرعد، آية: ٧.
(٣) سورة الأنعام، آية: ١٦٤، وسورة الإسراء، آية: ١٥، وسورة فاطر، آية: ١٨، وسورة الزمر، آية: ٧.
(٤) «شيء من» ليست في (ش).
(٥) سورة الأنعام، آية: ٥٢.
(٦) انظر تفسير الطبري (١/ ٥١٥ - ٥١٦). وتفسير القرطبي (٢/ ٩٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٦٢).
(٧) في (أ): لقوله.
(٨) سورة الأحقاف، آية: ٩.
(٩) سورة الأعراف، آية: ١٨٨.
[ ٢ / ٧١٦ ]
قال:" فأخبر أنه لو كان يعلم الغيب لاجتلب الخير، واجتنب الشر، واستعد لكل أمر بما ينبغي له. وكقوله «١»: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا (١٨٨) «٢» وقوله: ولا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الْغَيْبَ (٣١) «٣»
وقوله: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ولا رَشَدًا (٢١) «٤» وقول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون فقد أعظم الفرية على الله «٥». والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (٦٥) «٦».
قلت: هذا غير وارد بحمد الله- تعالى- فإن محمدا لم يدع أنه يعلم الغيب كله ولا أنه يعلم ما علم منه بنفسه، بل بإخبار الله له بذلك، كما قال الله سبحانه: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) «٧».
_________________
(١) في (ش)، (أ): لقوله.
(٢) سورة الأعراف، آية: ١٨٨.
(٣) سورة هود، آية: ٣١.
(٤) سورة الجن. آية: ٢١.
(٥) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب معنى قول الله: ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: ١٣] حديث: ٢٨٧، والترمذي بنحوه في تفسير سورة الأنعام، حديث ٣٠٦٨.
(٦) سورة النمل، آية: ٦٥.
(٧) سورة الجن. آية: ٢٦.
[ ٢ / ٧١٧ ]
وأما قول عائشة:" من زعم أن محمدا يخبر بما يكون" فلا أعرف هذا اللفظ إنما المشهور من رواية الترمذي وغيره أنها قالت:" ومن زعم أن محمدا يعلم ما في غد «١» " والمعنى متقارب، وكلامها محمول على ما ذكرناه من التقييد، أي لا يعلم ما في غد ولا يخبر بما يكون من عند نفسه بل بإخبار الله له وهل كان النبيﷺ- إلا عبدا مأمورا «٢»؟.
ولم يكن إلها معبودا كما اعتقدتم في المسيح، ثم خفي عنكم ما تضمنه اعتقادكم الفاسد، من جهلكم المتزايد، فإن المسيح إن كان يعلم الغيب فكيف لم «٣» يعلم أنه يؤخذ فيقتل،/ فيختفي عنهم، لئلا يقع في الصلب والقتل؟.
فإن قلتم: كان يعلم ذلك لكن هو سلم نفسه ليفتدي الخلق من العذاب بنفسه.
قلنا: نتابعكم على جهلكم في هذا، ونسلمه لكم، لكنه لما بات ليلة في الجبل ساهرا يصلي ويدعو أباه من الموت، ويعبر عنه كأسه.
_________________
(١) لفظ مسلم في الموضع المشار إليه سابقا:" قالت ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية " الحديث.
(٢) قال ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" [أخرجه البخاري في عدة مواضع منها: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: واذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها [سورة مريم ١٦]. وأحمد فى المسند (١/ ٢٣، ٢٤، ٥٥)].
(٣) لم: سقطت من (م).
[ ٢ / ٧١٨ ]
يرد عليكم إذ من يجود بنفسه هذا الجود، كيف يجزع هذا الجزع ويشح بنفسه هذا الشح، ويستسعد بالتلاميذ أن يساهروه، ويسألوا معه تعبير «١» كأس الموت عنه؟.
سامحناكم في هذه، لكنه لو كان يعلم الغيب- كما زعمتم- فلا يخلو في سؤاله تعبير كأس الموت عنه، إما أن يكون علم أنه يجاب في سؤاله أو لا يجاب/ والأول باطل لوقوع الأمر بخلافه، فما علم الغيب في هذه القضية «٢».
والثاني: يوجب أن سؤاله كان عبثا لا يليق برعاع الناس فضلا عن الأنبياء على رأينا فيه. فضلا عن ابن الله أو الله، خالق السموات والأرض على رأيكم الفاسد فيه.
ثم نقول لكم: من «٣» من الأنبياء/ علم الغيب لذاته؟ آدم لما أخرج من الجنة؟
أو إبراهيم لما امتحن بذبح ولده؟ أو إسحاق لما أوهمه ابنه يعقوب أنه ابنه العيص، فأخذ بكوريته وجعل يخبر «٤» في أمره، ويقول:" الصوت صوت يعقوب واللمس لمس العيص" «٥»؟ أو يعقوب لما جرى ليوسف ما جرى وهو يظنه ميتا؟ أو موسى لما
_________________
(١) في (ش): للقضية.
(٢) في (م): في تعبير.
(٣) (أ):" لكم من الأنبياء".
(٤) في (أ):" يخير في أمره". وغير واضحة في (م). وما أثبته من (ش) ولعل الصواب يتحير.
(٥) في التراجم الحديثة:" عيسو" انظر سفر التكوين الأصحاح السابع والعشرين.
[ ٢ / ٧١٩ ]
أرسل فرعون الذّبّاحين خلفه «١» ليقتلوه؟ فلو لم يبادر رجل مؤمن فأنذره حتى هرب لفات فيه الفائت.
ما أقل عقل هؤلاء القوم الضلال، بل ما أقل من يتعجب من قلة عقولهم بعد ما يعلم منهم ما هم عليه. إنما الأنبياء عبيد الله يعلمهم ما لا يعلمون وما لا يعلمهموه لا يعلموه.
قال:" وينضم إلى ذلك وعده للمسلمين يوم أحد بالنصر على عدوهم، فكان بخلاف ما أخبرهم. فقتلوا وهزموا وجرح هو وانكسرت رباعيته، ودخل حلق المغفر «٢» في وجهه ثم لما تبين كذبه اعتذر إليهم بقوله: وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا (١٤٦) «٣» الآية.
قال:" واعتذاره أقبح من خلف وعده، لأنه باطل. فإن الأنبياء المتقدمين على نوعين:
أحدهما: جاءوا باللين والملاطفة والخشوع مثل حزقيال وارمياء وأشعياء ونحوهم لم يحاربوا أحدا، ولا خاصموه، بل أعداؤهم الكفار استضعفوهم فعذبوهم وقتلوهم ولم يقتل/ أحد منهم في حرب ولا قتل معه حبر.
_________________
(١) خلفه: ليست في (م).
(٢) المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. [انظر لسان العرب ٥/ ٢٦، ومختار الصحاح ص ٤٧٦ - ٤٧٧].
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٤٦.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
الثاني: جاءوا بالتأييد من عند الله، والظهور على الأعداء والقهر لهم فقمعوا المشركين، ولم يقتل أحد منهم في حرب ولا هزم يوما واحدا، ولا قتل معه ربي «١» ولا حبر مثل موسى وداود وسليمان".
قال:" وأنت إذا تأملت أحوال/ محمد، علمت أنه ليس من أحد هذين النوعين، لأنه لم يأت بخشوع ولا خضوع فيكون من النوع الأول ولا أيد بمعجزة يقهر بها أعداءه فيكون من النوع الثاني.
نعم. هو من النوع الذي حذر عنه سيدنا/ المسيح حيث قال في إنجيله الطاهر:" تحذروا عن الأنبياء الكذابين، الذين يأتونكم في لباس الضأن وهم في الباطن ذئاب خاطفة، ومن ثمراتهم تعرفونهم" «٢».
قلت: أما خروج النبيﷺ- إلى أحد فلم يكن منشرحا له، ولا اختاره بادئ الرأي. وإنما كان رأيه: أن يتحصن في المدينة فإن دخل العدو عليه قاتله بالسلاح والحجارة وإن بقي خارج المدينة بقي بشر، ولم يلق كيدا.
_________________
(١) الربي كالرباني: جمعه ربيون، والربيون الجماعات الكثيرة، ويقال: عشرة آلاف. ومنه قوله تعالى: وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [سورة آل عمران: ١٤٦] قال القرطبي﵀-:" وقد روي عن ابن عباس بفتح الراء منسوب إلى الرب. قال الخليل: الرّبي الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء. وهم الربانيون، نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله تعالى. [انظر مختار الصحاح ص ٢٢٨، والمفردات في غريب القرآن ص ١٨٤، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٣٠، وتفسير ابن عطية ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦]. وسيأتي زيادة بيان بعد صفحات قليلة.
(٢) انظر إنجيل متى الأصحاح السابع.
[ ٢ / ٧٢١ ]
لكن رجالا من المسلمين ممن لم يشهدوا بدرا تأسفوا على فوات حضورها فأشاروا بالخروج إلى أحد وألحوا على ذلك لما أراد الله لهم من الإكرام بالشهادة وتصديقا لرؤيا النبيﷺ- حيث رأى في منامه كأنه في درع حصينة، وكأن في سيفه فلولا، وكأن بقرا تذبح. فأول الدرع الحصينة بالمدينة، والفلول في سيفه بأنه يصاب أصحابه، والبقر بمن قتل من الكفار يومئذ «١».
وأما وعده إياهم بالنصر فصحيح. وقد نصروا في أول الحرب وهزم الله الكفار، لكن لما خالف الرماة ما أمرهم به، وتركوا مراكزهم التي «٢» وكلوا
_________________
(١) أخرج الدارمي في كتاب الرؤيا، باب في القمص والبير واللبن وغير ذلك في النوم. قال: أخبرنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ، قال: (رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا ينحر فأولت أن الدرع: المدينة، وأن البقر: نفر والله خير، ولو أقمنا بالمدينة، فإذا دخلوا علينا قاتلناهم، فقالوا: والله ما دخلت علينا في الجاهلية، أفتدخل علينا في الإسلام، قال: فشأنكم إذا. وقالت الأنصار بعضها لبعض: رددنا على النبي ﷺ رأيه، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله شأنك فقال: الآن إنه ليس لنبي إذا لبس لامته أن يضعه حتى يقاتل». قلت: ورجاله رجال الصحيح. وقد أخرجه أحمد بنحو هذا اللفظ في المسند (٣/ ٣٥١)، ورجال إسناده رجال الصحيح أيضا. وأخرج أحمد في المسند (١/ ٢٧١) عن ابن عباس قال: تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، فقال: «رأيت في سيفي ذي الفقار فلا فأولته فلا يكون فيكم، ورأيت أني مردف كبشا فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة ورأيت بقرا تذبح، فبقر والله خير، فبقر والله خير، فكان الذي قال رسول اللهﷺ-" اهـ.
(٢) في (م): للتى.
[ ٢ / ٧٢٢ ]
بحفظها وطلبوا «١» الغنيمة من أموال المشركين، عاقبهم الله بالمخالفة فخرج عليهم الكمين فنال منهم ما نال «٢».
وقد شرح الله هذه القصة في القرآن حيث يقول: ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ - أي تقتلونهم «٣» - بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍ الآيات «٤».
فقد صدقهم في/ الوعد لكنهم خالفوا فعوقبوا بذنبهم. ثم يقال: إنما وعدهم بالنصر الكلي ذلك اليوم بشرط أن يسمعوا له ويطيعوا لكنهم خالفوا فانتفى المشروط لانتفاء شرطه.
وأما ما أصابه من ذلك في نفسه: فهو كالذي أصاب الأنبياء قبله من القتل والضرب، بل من النشر بالمناشير، كما جرى لجرجيس النبي﵇ «٥» -.
_________________
(١) في (ش)، (أ): فطلبوا.
(٢) فى (أ): مآبان.
(٣) انظر تفسير الطبري ٤/ ١٢٧، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٣٥.
(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) تقدمت الإشارة إلى الرجل الصالح" سرجس" أو جرجيس ص: ٣٧٤. وأنه أحد من أدرك بعض حواري عيسى﵇-، ومما ذكره عنه الطبري أنه كان كذلك ثم أوحي إليه فصار نبيا، وذكر كثيرا من قصص تعذيبه وسجنه وصبره على ذلك، وذكر شيئا من معجزاته. [انظر تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٢٤ - ٣٤] قلت: ولا نبي بعد عيسى ﵇ لقول محمد ﷺ: ( وليس بينى وبينه نبي) أخرجه البخاري وغيره.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
وأما قوله: وكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ «١» مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ (١٤٦) فهو إخبار صحيح لكن قوله قاتَلَ مَعَهُ/ رِبِّيُّونَ فيه تقديران مناسبان لسياق القصة.
أحدهما: أن الكلام تم على قوله: «قتل» وفيه ضمير النبي، أي كائن. أي كم من نبي قتل، وهو صحيح، فإن الخصم قد اعترف بأن كثيرا من الأنبياء قتلوا كيحيى وزكريا والمسيح- على زعمه- وغيرهم كثير. وقوله: مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ جملة حالية، أي قتل حال كونه ذا أصحاب كثيرين فما أوجب قتله لهم أن تزلزلوا في دينه، بل ثبتوا عليه بعده «٢».
ووجه مناسبة هذا التقدير: أن الشيطان صاح يوم أحد:" قتل محمد" فاضطربت قلوب أصحابه. وقالوا: عمن عدنا نقاتل؟ ولمن نتبع؟ فعاتبهم الله على هذا «٣» بقوله: وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ومَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) إلى قوله:
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ (١٤٦) «٤» أي ما ضعف أحد بعد نبيه ورجع عن دينه، كما هممتم أنتم أن/ تفعلوا.
_________________
(١) هذه قراءة جماعة من قراء الحجاز والبصرة. وجميع القراء ما عدا ابن عامر. ورجح ابن جرير هذه القراءة. [انظر كتاب الإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٢٢، وتفسير ابن جرير ٤/ ١١٦، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٠، وتفسير ابن عطية ٣/ ٢٥١ - ٢٥٦].
(٢) انظر تفسير الطبري ٤/ ١١٦، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٠، وتفسير ابن عطية ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٧.
(٣) انظر تفسير القرطبي ٤/ ٢٢٨، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٠٩.
(٤) سورة آل عمران، آية: ١٤٤ - ١٤٦.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
التقدير الثاني: أن" قتل" مسند إلى" ربيون" وهم جمع" ربي" والربي منسوب إلى الربة وهي الجماعة كأنه قال: قتل معه قوم رؤساء ذوو جماعات كالقواد والأمراء «١». وقيل الربيون: الأتقياء العلماء «٢»، وهذا مناسب لقوله قبل ذلك: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) «٣».
ولكونهم وجدوا لما أصابهم يوم أحد من قتل الإخوان والأقارب فكأنه يسليهم بذلك ويأسيهم بمن سبق منهم.
ولا شك أن من الأنبياء المتقدمين من كان ذا حروب ومغازى كداود وسليمان وموسى ويوشع بن نون، ولم يزل بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ «٤» يكون لهم ملك للحرب، ونبي يعرّفه بأمر الله بالوحي.
والجهاد فيهم دائم، وكانوا/ يقدمون التابوت بين أيديهم، وكان من حمله لا يرجع به حتى يفتح عليه أو يقتل «٥». وقد غزا يوشع بن نون مدينة الجبارين
_________________
(١) في (أ): الإسراء.
(٢) انظر في معنى الوجهين: تفسير الطبري ٤/ ١١٦ - ١٢٠، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٨ - ٢٢٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٤٠٩ - ٤١٠، وتفسير ابن عطية ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٣) سورة آل عمران، آية: ١٤٢ - ١٤٣.
(٤) «﵇» من (ش).
(٥) قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ -
[ ٢ / ٧٢٥ ]
ليلة السبت، ثم سأل الله. أن يحبس عليه الشمس حتى يفرغ منهم قبل أن يدخل السبت ففعل «١».
وكان غزاة بني إسرائيل أكثرهم أو كثير منهم علماء أتقياء بررة أخيار أحبار لأنهم أوتوا الكتاب والحكم والنبوة وفضلوا على العالمين، كما نص عليه القرآن «٢».
ومن المحال عادة أن يكون فيهم هذا الجهاد ولا يقتل منهم أحد ومتى ثبت أنه قتل منهم ثلاثة فصاعدا ثبت صحة ما أخبر به محمد﵇- كيف؟ وقد ثبت أنه قتل منهم في الحروب والمغازي ما لا يحصى كثرة على ما دلت عليه الكتب والتواريخ والسير، وحينئذ انكار هذا الخصم أن يكون قتل مع الأنبياء المحاربين منهم أحد لا/ يسمع.
وقد بينا أن الربيين لا يختصون بالأخبار/ والعلماء على القول المذكور أولا، بل عام في غيرهم من المقاتلة. فنقول:
إنك ذكرت للأنبياء نوعين، ونحن ذكرنا للآية تقديرين. فتقديرنا الأول «٣» يصح في نوع الأنبياء الأول، وتقديرنا الثاني يصح في نوعهم الثانى، وأيضا صح
_________________
(١) - أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ الآيات. [سورة البقرة ٢٤٦ - ٢٥١].
(٢) انظر تخريج القصة في هامش ص: ٢٥٤، ٢٨٢ من هذا الكتاب.
(٣) كما في سورة البقرة من الآية ٢٤٦ إلى ٢٥١. كما تقدم في الهامش السابق قريبا.
(٤) في (م): للأول.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
[عندكم «١»] في التوراة: أن إبراهيم قاتل الذين أغاروا على أموال لوط، فاستاقوها فتبعهم إبراهيم بعبيده وغلمانه حتى قتلهم واسترد ما أخذوه «٢»، على أن الآية قرئت على وجهين: «قتل معه» و«قاتل معه «٣»».
لكن يقال- لنا «٤»: إن القرآن نزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف فيلزمكم الجواب عن القراءتين.
فنقول: قد دلت القراءتان على أن جمعا كثيرا من الأنبياء قتلوا، وعلى أن جمعا كثيرا منهم قاتل معه أصحابه، وقتل معه أصحابه، وقد بينا صحة ذلك إذ العادة في الغزوات والحروب: أن الناس يقاتلون ويقتلون «٥».
قوله:" ليس من أحد النوعين. إنما هو رجل هزم وهزم، وأصيب وأصاب".
قلنا: قد بينا بما ذكرنا من معجزاته قبل هذا، أنه من الأنبياء. وأنه بما «٦» علم من حسن سيرته وآدابه ولينه وتواضعه وخشوعه وتحديه وشجاعته وفصاحته وغير ذلك من أخلاقه الكاملة، وصفاته الجميلة متخلق بأخلاق النوعين من الأنبياء، وأنه اجتمع فيه ما لم يجتمع في واحد منهم.
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من المحقق ليستقيم المعنى الحق من العبارة.
(٢) انظر معنى هذه القصة في التراجم الحديثة سفر التكوين الأصحاح الرابع عشر.
(٣) القراءة الثانية:" قاتل" هي قراءة الكوفيين وابن عامر، والأولى" قتل" قراءة الباقين. [انظر الإقناع في القراءات السبع ٢/ ٦٢٢، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠].
(٤) في (أ): أما.
(٥) انظر تفسير الطبري ٤/ ١١٦ - ١١٩، وتفسير القرطبي ٤/ ٢٢٨ - ٢٣٠، وتفسير ابن كثير ١/ ٤١٠.
(٦) بما: ليست في (أ).
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وأنت لو نظرت حق النظر في سيرته لعلمت ذلك لكنك عدو أخذت/ الشبه التي زعمت أن لك فيها متعلقا، وتركت ما عليك فيه المتعلق على عادة الأعداء «١» في إظهار القبيح، وإخفاء المليح. على أنه لا قبيح في سيرة النبيﷺ-.
وأما قولك:" هزم وهزم،/ وأصاب وأصيب «٢» ":
فالنوع الثاني من الأنبياء الذين ذكرتهم. هكذا كانوا. وقد هزمت «٣» بنو إسرائيل وأخذ منهم التابوت إلى أرض أعدائهم، حتى رد عليهم في زمن طالوت الملك «٤».
وأما النوع الأول منهم فكانوا تارة يثبتون، وتارة يهربون، كما كان المسيح يفر من اليهود من مكان إلى مكان «٥» لخوفه منهم، حتى كان منه ومنهم ما كان.
وقد أخبر الله تعالى بذلك في القرآن حيث يقول: وتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ (١٤٠) «٦» والله أعلم.
_________________
(١) في (ش) على العادة من الأعداء.
(٢) فى (أ): وأصبت.
(٣) في (ش): هربت.
(٤) انظر تفسير الطبري ٢/ ٦٠٧، وتفسير القرطبي ٣/ ٢٤٧، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٠١، عند تفسير قول الله تعالى: وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ الآية. [سورة البقرة: ٢٤٨].
(٥) «إلى مكان» مكررة في (ش).
(٦) سورة آل عمران، آية: ١٤٠.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
ثم يقال له: هل رأيت ملكا يهزم ويهزم ويصيب ويصاب يبقى ناموسه بعده قريب ألف سنة، وهو كلما «١» جاء في رسوخ/ وثبوت؟ هذا عقل فاسد «٢».
وأما ما حكاه عن سيده المسيح في إنجيله الطاهر: فقد بينا في أول الكتاب:
أنه لا حجة فيه، ولعمري أن في الإنجيل الذي يعتمد عليه من التناقض والمحال ما يمنعه أن يتصف بصفة الطهارة
وذكر حديث عائشة: أن النبيﷺ- سحر، حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله «٣».
قلت: هذا صحيح، وقد بينا عند قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ (٥٢) «٤» أن السحر ونحوه جائز على الأنبياء وأنهم معصومون فيما يوحى إليهم، بمعنى أنهم لا يقرون فيه على خطأ «٥».
وذكر حديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت:" فلولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ قبره مسجدا «٦» ".
_________________
(١) وهو كلما: مكررة في (أ).
(٢) «هذا عقل فاسد» ليست في (ش).
(٣) انظر تخريجه في هامش ص: ٤٠٢ من هذا الكتاب.
(٤) سورة الحج، آية: ٥٢.
(٥) انظر ص: ٤٠١، ٤٠٢ من هذا الكتاب.
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور (٦١)، وباب ما جاء في قبر النبيﷺ- وأبي بكر وعمر (٩٦)، ومسلم في كتاب المساجد، باب النهي عن بناء-
[ ٢ / ٧٢٩ ]
قلت: وهذا صحيح مشهور عنهم. فإنهم لغلوهم في أنبيائهم كما غلوتم في المسيح فجعلتموه إلها، كانوا يتعبدون عند قبور أنبيائهم/، ذلك منهي عنه في دين الإسلام لئلا يصير النبي بالصلاة عنده شبيه المعبود، وإن كانت النية تميز العبادة لمن «١»؟.
لكن لمجرد الشبه تكره، وأيضا فإن الأنبياء معظمون، فإذا عبد الله عندهم «٢» لم يؤمن أن يجيء من بعد ذلك العصر فتظن العبادة لهم لتعظيمهم «٣» في النفوس كما يقال: إن إدريس لما رفع إلى السماء «٤» جاء إبليس إلى أخ له فقال له: أصنع لك تمثالا على صورة إدريس تتسلى بها؟ قال: نعم./ فصنع له تمثالا كان يدخل عليه كل يوم يبكي عنده، ويتذكر إدريس به فيحصل «٥» له بعض السلوة، وكان التمثال في خزانة لا يدخلها غيره، فلما مات أخو إدريس- أو أنه
_________________
(١) - المساجد على القبور، حديث ١٩، وأبو داود بنحوه في كتاب الجنائز، باب في البناء على القبر (٧٦)، والنسائي بنحوه أيضا في كتاب المساجد، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وفي كتاب الجنائز، باب اتخاذ القبور مساجد، والدارمي بلفظ غير هذا في كتاب الصلاة، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وأحمد في عدة مواضع من المسند منها: (٦/ ٨٠، ١٢١، ٢٥٥).
(٢) لمن: سقطت من (م).
(٣) عندهم: سقطت من (أ).
(٤) في (ش)، (أ): لتعظمهم.
(٥) قال الله تعالى: واذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا [سورة مريم: ٥٦ - ٥٧] وثبت في حديث الإسراء أن رسول اللهﷺ- مر به وهو في السماء الرابعة. [انظر صحيح البخاري كتاب: بدء الخلق، باب ذكر الملائكة وباب المعراج، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات].
(٦) في (ش): فحصل.
[ ٢ / ٧٣٠ ]
كان صاحبه وخليله- جاء من بعده فوجدوا التمثال في الخزانة، فجاءهم إبليس، فقال: أتعرفون هذا التمثال؟ هذا إله إدريس وأخيه فاعبدوه فعبدوه، فكان ذلك أصل الجاهلية الأولى «١».
وأما الجاهلية الثانية: فإن البيت الحرام كان عظيما عند أهل مكة، فكانوا إذا سافروا حملوا من حجارة الحرم معهم في أسفارهم يحتمون ويتبركون بها، ثم تدرجوا إلى أن عادوا يضعونها، ويطوفون بها حيث/ حلوا من الأرض، كما يطوفون
_________________
(١) لم أجد هذه القصة فيما استطعت الاطلاع عليه من المراجع. أما أول شرك حدث من بني آدم، أو أول جاهلية، فإن الله تعالى خلق آدم وبنيه على الفطرة وبقوا عليها عشرة قرون، ثم اختلف الناس كما قال الله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ومَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ الآية [البقرة: ٢١٣] وكان نوح﵇- أول الرسل، وقد جاء والناس يعبدون الأصنام كما في قوله تعالى: قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إِلَّا خَسارًا (٢١) ومَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا (٢٣) وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا [نوح: ٢١ - ٢٤]. وقال ابن عباس﵄-: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعده، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير؛ لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت". [صحيح البخاري: تفسير سورة نوح]. فالصحيح ما أشارت إليه هذه الأدلة، أما ما ذكر من قصة أخو إدريس﵇- فلو صحت فإن وقوعها قبل نوح﵇- على أنه قبله وأنه نبي بعد آدم وشيث﵉- وعندئذ فلا إشكال- والله أعلم.
[ ٢ / ٧٣١ ]
بالبيت، ثم تدرجوا من عصر إلى عصر، حتى عبدوها، ونشأت عبادة الأصنام بهذا السبب، فكان ذلك أصل الجاهلية الأخرى التي أزالها الله بمحمدﷺ- «١».
وذكر قوله﵇- في مرضه:" ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر. فهذا أوان قطع أبهري «٢» ".
قلت: قد بينا أن الأنبياء بشر، تجوز عليهم الآفات والموت وأسبابه، وليسوا/ كما يعتقدون في المسيح أنه إله ثم هو مع ذلك قتل وصلب ودفن ولم تنفعه الإلهية.
والأبهر: عرق ينزل من الدماغ، فهو في العنق الوريد، وفي الصلب الأبهر، وفي القلب الوتين. ومن أي مواضعه انقطع هلك صاحبه والوريد والوتين مذكوران في القرآن «٣».
_________________
(١) ابتدأت عبادة الأصنام في مكة على أيدي خزاعة التي كان لها الأمر فعبدت الأحجار، وكما في صحيح البخاري. [كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة (٧٠): قال أبو رجا:" كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرا هو أخير منه ألقيناه أخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به، فإذا دخل شهر رجب قلنا: منصّل الأسنة فلا ندع رمحا فيه حديدة " الحديث. وقصة عبادة الأحجار مذكورة أيضا في البداية والنهاية ٢/ ١٨٥، ١٨٧ وما بعدها.
(٢) تقدم ذكر القصة وتخريجها ص: ٥٥٨ - ٥٥٩ من هذا الكتاب.
(٣) قال الله تعالى في سورة ق الآية (١٦): ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وقال تعالى فى سورة الحاقة الآية (٤٦): ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
[نفي الضلال عن أمة محمدﷺ- وشدة الموت عليه والرد على شبهة النصراني في ذلك]
وذكر حديث البخاري عن ابن عباس قال: لما حضر رسول اللهﷺ- الموت.
وفي البيت رجال. قال:" هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده" فقال بعضهم:
إن «١» رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثر اللغط والاختلاف قال رسول اللهﷺ- «٢»: (قوموا) فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حيل بين رسول اللهﷺ- وبين أن يكتب لنا ذلك الكتاب «٣».
_________________
(١) أن: سقطت من (أ)، (ش).
(٢) ﷺ: ليست فى (أ)، (ش).
(٣) أخرجه بألفاظ قريبة منه الإمام البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم وفي كتاب الجزية، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب (٦)، وفي كتاب المرضى، باب قول المريض: قوموا عني (١٧)، وفي الاعتصام، باب كراهية الاختلاف (٢٦)، وأخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، حديث: ٢٢، وقد أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب جوائز الوفد (١٧٦) عن ابن عباس. وفي الموضع السابق من الجزية عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. قلت: يا ابن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول اللهﷺ- وجعه فقال: «ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا» فتنازعوا. ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ما له؟ أهجر؟ استفهموه. فقال: ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. فأمرهم بثلاث قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب: وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة إما أن سكت عنها، وإما أن قالها فنسيتها" اهـ. قال البخاري﵀-:" قال سفيان: هذا من قول سليمان" قلت: هو أحد رجال الإسناد وهو سليمان بن أبي مسلم الأحوال الذي سمع الحديث من سعيد بن جبير. وأخرجه مسلم في الموضع السابق بنحو لفظ البخاري هذا" حديث ٢٠".
[ ٢ / ٧٣٣ ]
قلت: لم يوجه سؤاله من هذا الكتاب. وأنا يخطر لي توجيهه من وجهين:
أحدهما: القدح «١» في جميع المسلمين. وتقريره: أنه علق عدم ضلالهم على/ كتب الكتاب. ومن المعلوم أن المشروط ينتفي لانتفاء شرطه، والكتاب لم يكتب فنفي الضلال لم يحصل، فيكون الضلال بعده ثابتا، إذ لا واسطة بين النفي والإثبات «٢».
الثاني: قول القائل:" قد غلبه الوجع" يعني: فهو لا يدري ما يقول وكان هذا القائل عمر بن الخطاب. وفي لفظ الصحيح:" أنه قال «٣» إن الرجل تهجر" يعني تخلط في كلامه. لأن الهجر: الكلام الذي لا معنى له «٤»، ولا فائدة.
والجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما:/ أن المراد بالضلال الذي علق نفيه على كتابة الكتاب هو الاختلاف في الإمامة لمن هي بعده «٥». بدليل قوله تعالى: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
_________________
(١) فى (أ): للقدح.
(٢) هذه هي الشبهة التي يطرحها أعداء الإسلام دائما وخاصة النصارى ويستشهدون بالحديث السابق، وكذلك الرافضة للوصول إلى سب عمر﵁-. [انظر الأجوبة الفاخرة للقرافي ص ٣٤٤ - ٣٤٥ بتحقيق المحقق].
(٣) فى (أ): إنه يقال.
(٤) من الهجر: الهذيان، هجر المريض في كلامه هجرا أي: خلط وهذى، واختلف كلامه لأجل ما به من مرض. [انظر لسان العرب ٥/ ٢٥٣ - ٢٥٤، والمصباح المنير ٢/ ٧٧٩، ومختار الصحاح ص ٦٩٠، وفتح الباري ٨/ ١٣٣].
(٥) يوضح ذلك ما أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، حديث ١١، أنه ﷺ- قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة:" ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر".
[ ٢ / ٧٣٤ ]
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا (٣) «١» وبدليل قوله/ ﵇ قبل «٢» موته:" لقد تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها «٣» "، وقوله:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من عاندهم إلى يوم القيامة «٤» " في نصوص كثيرة، فنفى ضلال الأمة بعده، فتعين حمل الضلال في هذا الحديث على النزاع في الخلافة «٥».
_________________
(١) سورة المائدة، آية: ٣.
(٢) في (أ): قبيل.
(٣) طرف من حديث أخرجه ابن ماجه في الباب الأول من المقدمة، حديث: ٥، وقد انفرد به عن أبي الدرداء:" وأيم الله لقد تركتم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء" وفي سنده:" محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ ويدلس، رمي بالقدر" ورواه أيضا في باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين من المقدمة حديث: ٤٢، عن العرباض بن سارية:" قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك " ورجال سنده رجال الصحيح. وقد أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٢٦).
(٤) أخرجه البخاري بألفاظ غير هذا اللفظ في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (١٣) وفي كتاب فرض الخمس، باب قول الله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ [الأنفال: ٤١] (٧)، وفي كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين
(٥) وفي كتاب التوحيد، باب قوله الله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ [النحل: ٤٠] (٢٩)، وأخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب قوله ﷺ:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " بألفاظ متعددة. وهو طرف من حديث عند أبي داود في أول الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين، وهو طرف من حديث عند ابن ماجه في الفتن، باب ما يكون من الفتن، حديث ٣٩٥٢، وأخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٠١).
(٦) يقول الإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي﵀- في الرد عن هذه الشبهة: " ولم يصرح ﵇ بأن نضل في الدين إذا لم يكتب، ولا أنا نضل في شيء البتة. بل صرح بأنه يكتب ما ينفي معه الضلال، ولا يلزم من عدم سبب معين لنفي الضلال أن يقع الضلال، بل جاز أن ينتفي الضلال بالهداية الإلهية والعناية الربانية، كما إذا قلنا للمسافر: إن أخذت هذا الخفير لا تضل، يحتمل أنه إذا لم يأخذه أن يهتدي من تلقاء نفسه بإلهام ربه أو بسبب آخر، مع أن العلماء قد نقلوا أن ذلك الكتاب كان المقصود به نفي الضلال فيمن يعين للخلافة بعده [الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة. بتحقيق الباحث ص ٣٤٥ - ٣٤٦].
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ولا شك أنهم تنازعوها بعده: علي وسعد بن عبادة وأبو بكر «١» فكانت له بمقتضى وعد النبي ﷺ حيث قال:" يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر «٢» " وقوله:" الخلافة بعدي ثلاثون ثم يصير ملكا" «٣» وكانت أيام أبي بكر من جملة الثلاثين «٤».
_________________
(١) لا أعلم في ذلك نصا صريحا إلا ما ذكر من انحياز علي وطائفة من الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ في بيت فاطمة﵂- وانحياز عمر وطائفة أخرى إلى أبي بكر، وانحياز الأنصار في سقيفة بني ساعدة لاستخلاف سعد بن عبادة، وهذا فيما رواه البخاري في كتاب الحدود، باب رجم الحبلى إذا أحصنت (٣١) من قول عمر﵁-" وأنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا عليّ والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، " ثم ذكر قصة مبايعة أبي بكر﵁-، والقصة في مسند أحمد (١/ ٥٥ - ٥٦) وسيرة ابن هشام المجلد الثاني ص ٦٥٦.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر، حديث: ١١، وأحمد في المسند (٦/ ٤٤) وتقدم ذكر لفظه عند مسلم في هامش ص: ٧٣٤.
(٣) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب في الخلفاء، حديث ٤٦٤٦، ٤٦٤٧ بلفظ خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء" والترمذي في الفتن باب ما جاء في الخلافة، بلفظ: " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك " وقال: حديث حسن ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٢٠، ٢٢١) بلفظ:" الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك "،" الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملكا بعد ذلك ".
(٤) يقول القرافي﵀-:" والخلافة ليست من قواعد الأديان، ولا شرط في صحة الإيمان. مع أنا ما أثبتنا الخلافة بعده﵇- إلا بنصه، وإيحائه، وذلك في معنى الكتاب، لقوله﵇-:" الأئمة من قريش" [مسند أحمد ٣/ ١٢٩] وقد ولينا قرشيا. وبقوله ﵇ لما وعد المرأة بعده، فقالت له ﵇:" فإن لم أجدك"؟ قال لها ﵇: " ائت أبا بكر" [مسلم، فضائل الصحابة حديث ١٠] فصرح بأنه يتولى أعباء المسلمين بعده،-
[ ٢ / ٧٣٦ ]
الوجه الثاني: أن محمداﷺ- في أيام حياته. إما أن تدعوا أنه كان على هدى أو ضلال؟.
فإن قلتم: على هدى، فأمته بعده على ملته وسنته ومنهاجه. وإذا اختلفوا في أمر لجئوا إلى ما أنزل عليه، وإلى ما قاله من السنة، فهم أيضا مهتدون مثله.
وإن قلتم على ضلال فأمته- على زعمكم- قد ضلوا عما كان عليه، والضلال عن الضلال هدى، إذ نقيض الضلال الرشاد فهم إذن مهتدون.
فعلى التقديرين القدح «١» في أمته لا يتجه من هذا الحديث، والقدح فيه قد سبق جوابه.
والجواب عن الثاني: أن عمر﵁- ليس معصوما، فهو وهم في هذا وظن الأمر على خلاف ما هو عليه حيث نسب النبيﷺ «٢» - إلى التخليط في الكلام «٣» كما وهم في قوله:/" إن محمدا لم يمت،
_________________
(١) - وهذا هو الخلافة، وما ولينا غير أبي بكر، فما ضللنا والحمد لله في الخلافة ولا في غيرها" [الأجوبة الفاخرة ص: ٣٤٦ - ٣٤٧ بتحقيق الباحث] قلت: وقال سفيان بن عيينة في شأن الكتاب:" أراد أن ينص على أسامي الخلفاء بعده حتى لا يقع بينهم اختلاف [فتح الباري ١/ ٢٠٩].
(٢) في (أ): للقدح.
(٣) ﷺ: ليست في (م).
(٤) قلت: أجاب العلماء عن قول عمر﵁- بأجوبة منها:
(٥) ظهر لعمر مع طائفة أن كتابة الكتاب ليس على الوجوب، إنما هو على الاختيار، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه، مع استحضار قول الله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام: ٢٨] وقوله: تِبْيانًا لِكُلِ -
[ ٢ / ٧٣٧ ]
وإنما ذهب إلى مناجاة ربه بروحه، كما ذهب موسى للمناجاة ببدنه" «١».
_________________
(١) - شَيْءٍ [النحل: ٨٩] ولهذا قال عمر:" حسبنا كتاب ربنا" ولو كان على الوجوب لما أخر ذلك النبي ﷺ وقد عاش بعد ذلك أياما.
(٢) - أن عمر خاف أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض سبيلا للمنافقين إلى الطعن في ذلك المكتوب.
(٣) - أن عمر لو قال ذلك عن شك عرض له لأنكره كبار الصحابة ولنقل إلينا.
(٤) - يحتمل صدوره عن عمر ومن معه عن دهش وحيرة. كما أصاب كثير منهم عند موته ﷺ. وهذا ما ذهب إلى الطوفي.
(٥) - يحتمل أن يكون قائل ذلك أراد أنه اشتد وجعه فأطلق اللازم على الملزوم، لأن الهذيان الذي يقع للمريض ينشأ عن شدة وجعه. ورجح ابن حجر هذا في الفتح.
(٦) - وقيل: قال ذلك لإرادة سكوت اللغط ورفع الأصوات عنده، ولئلا يؤذى.
(٧) - قول عمر:" حسبنا كتاب الله من قوة فقهه ودقيق نظره﵁- لأنه خشي أن يكتب أمورا ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يفسد باب الاجتهاد. وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر إشارة إلى تصويب رأيه.
(٨) - أن عمر من أشفق الناس على هذه الأمة فلولا أنه في النصوص ما ينوب عن الكتاب لما أهمله، وهو ﷺ أشفق منه وعليه التبليغ واجب، فلو كان قد بقي ما يضلنا في ديننا لما تركه ﵇ لا سيما وقد قال في حجة الوداع:" ألا قد بلغت ألا قد بلغت" والله يقول حينئذ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وحينئذ يتعين أن ذلك الكتاب كان من باب الاحتياطات التي لا يضر الإخلال بها، فلا يلزم من عدمه مفسدة في شيء من الدين. [انظر فتح الباري ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، ٨/ ١٣٣ - ١٣٤، والأجوبة الفاخرة للقرافي ص: ٣٤٧ بتحقيق الباحث].
(٩) أخرج البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ:" لو كنت متخذا خليلا"،" فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم" وأخرج ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه ﷺ. حديث ١٦٢٧، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٦) وفي (٦/ ٢٢٠)، والدارمي في المقدمة، باب وفاة النبي ﷺ وابن هشام في السيرة المجلد الثاني ص ٦٥٥: قول عمر:" إن محمدا لم يمت وإنما عرج بروحه كما ذهب موسى أربعين ليلة عن قومه لمناجاة ربه ثم رجع إليهم". ولكن بألفاظ مختلفة.
[ ٢ / ٧٣٨ ]
وأحسب أن عمر عوقب على هذه الكلمة/ عقوبة دائمة «١» من جهة أن الرافضة تعلقت عليه بها ونسبته إلى أنه علم أن النبيﷺ- إن كتب لهم كتابا نص فيه على عليّ بن أبي طالب" وعلم أنها إن صارت إلى" عليّ" تداولها بنو هاشم فلا تخرج عنهم، فلا تحصل له، وهو كان يرجوها بعد أبي بكر، كما وقع، فصدهم «٢» عن كتابة الكتاب حتى مات النبيﷺ- ثم بادر بالبيعة لأبي بكر مخالسة «٣» كما قال:؛ كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها" «٤» ثم مات سريعا فتناولها بعده.
_________________
(١) ليس قول الرافضة ولا من انتقص عمر﵁- عقوبة له دائمة، لأن ذلك لم ينقص من قدر عمر﵁- الذي نزل برأيه القرآن الكريم وأخبر عنه النبي ﷺ أنه عدو للشياطين في قوله لعمر: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجّا إلا سلك فجّا غير فجك» [أخرجه البخاري في عدة مواضع منها: كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر، حديث ٢٢، وأحمد في المسند (١/ ١٧١، ١٨٢، ١٨٧]. وليس نيل أحد من المنحرفين والضلال الرافضة أو غيرهم من عمر﵁- عقوبة له بل هي عقوبة لهم يستحقون بذلك الخزي والعار في الدنيا والآخرة. ولا يليق بالطوفي أن يعبر عما حدث من الرافضة بهذا الأسلوب.
(٢) فصدهم: مكررة في (أ).
(٣) مخالسة: من الخلس وهو الأخذ في نهزة ومخاتلة. والخامس: الذي يأخذ صاحبه على غفلة. [انظر لسان العرب ٦/ ٦٥، ومنال الطالب ص ٣٦٥].
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت (٣١) في حديث طويل قال عمر:" ثم إنه قد بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها. وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير-
[ ٢ / ٧٣٩ ]
فهم يشنعون عليه بذلك، ويتهمونه به، ويسبونه، ويشتمونه لأجله، ولعمري إن هذا شبهة «١». ولكن لما كانت خلافة عمر على السداد والرشاد، وما فيه صلاح البلاد والعباد، وكانت/ أيامه غرة في وجه الدهر، ودولته واسطة في عقد نحر دول العصر لم يضرنا ذلك ولو ثبت تحققه «٢».
_________________
(١) - مشورة المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا وأنه كان من خيرنا حين توفى الله نبيه ﷺ" الحديث. وأخرجه أيضا الإمام أحمد في المسند (١/ ٥٥ - ٥٦) قال ابن تيمية﵀-:" ومعنى ذلك أنها وقعت فجأة لم تكن قد استعددنا لها، ولا تهيأنا، لأن أبا بكر كان متعينا لذلك، فلم يكن يحتاج في ذلك إلى أن يجتمع لها الناس إذ كلهم يعلمون أنه أحق بها، وليس بعد أبي بكر من يجتمع الناس على تفضيله واستحقاقه كما اجتمعوا على ذلك في أبي بكر " [منهاج السنة ٤/ ٢١٦ - ٢١٧].
(٢) قلت: لم تكن بيعة أبي بكر بمبايعة عمر له لوحده، وإنما كان أول من سبق إلى بيعته وإلا فإن إجماع الصحابة العقد على بيعته- رضي الله عن الجميع- لأنه أحق الناس بها، فهو أفضل الأمة بعد نبيها محمد ﷺ وهو" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" ولو لم يجمع عليه الصحابة ولم ينص عليه النبي ﷺ لم تنعقد له البيعة بالخلافة بمجرد بيعة عمر، وكذلك عمر﵁- نص على خلافته أبو بكر، ثم بايعه المسلمون وأجمعوا على بيعته وخلافته، ولو لم يجمعوا لم تتم البيعة ولا الخلافة لعمر، وكذلك عثمان﵁- أما الكتاب، فقد دلت النصوص على أنه يريد أن ينص على خلافة أبي بكر كما سبق في ذكرنا لبعضها أما قول الطوفي:" إن هذا شبهة" فهو كذلك على من أعمى الله بصيرته، ولم يتدبر نصوص الكتاب والسنة يعرف منزلة عمر﵁- التي ترفعه عن أقل مما قاله فيه الرافضة، وموقفه﵁- من مبايعة أبي بكر﵁- يدل على فهمه وسعة أفقه ودقيق نظره وشفقته على أمته، وأنه يريد جمع شملها وعدم تفرقها، وكان بذلك موافقا للنصوص الشرعية وإلا لما أجمع الصحابة على ذلك. وكان الأولى بالطوفي أن يفند شبهة الرافضة هذه فليست مما يحتار في ردها المسلم- والله أعلم-.
(٣) لو قال الطوفي عفى الله عنا وعنه: إن ذلك دليل على فضل عمر وأهليته للخلافة بعد أبي بكر﵁- إضافة إلى أنه أفضل الأمة بعد أبي بكر، وأن أبا بكر نص على خلافته وأن الإجماع انعقد عليه بعد أبي بكر لكان أحق وأصوب. والله الموفق.
[ ٢ / ٧٤٠ ]
[مكان قبض النبي ﷺ وشدة الموت عليه، والرد على شبهة النصراني في ذلك]
وذكر حديث عائشة «١»: أن النبيﷺ- كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: (أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟) يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه «٢» يكون حيث شاء فكان في بيتي حتى مات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه، فقبضه الله، وإن رأسه لبين سحري «٣» ونحري، وخالط ريقي ريقه في آخر أيامه من الدنيا «٤» " ولقد اشتد عليه الموت حتى لا أكره شدة الموت لأحد بعده «٥» ".
_________________
(١) كلمة:" عائشة" ليست في (أ).
(٢) في (أ): أزواجا.
(٣) سحري: السحر: هو الصدر. [انظر فتح الباري ٨/ ١٣٩].
(٤) هذا الحديث أخرجه البخاري بعدة ألفاظ في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي ﷺ (٩٦)، وفي كتاب فرض الخمس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ (٤)، وفي كتاب المغازي باب مرض النبي ﷺ ووفاته (٨٣)، وفي النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه أن يمرض في بيت بعضهن فأذن له (١٠٤)، وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة، حديث (٨٤)، بلفظ مختصر.
(٥) هذه الزيادة أخرجها الترمذي فى حديث مستقل بلفظ غير هذا، في كتاب الجنائز، باب ما جاء فى التشديد عند الموت، حديث ٩٧٩، عن عائشة قالت:" ما أغبط أحدا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول اللهﷺ-"، وفي سنده ضعف. وأخرجه النسائي في كتاب الجنائز، باب شدة الموت، قالت:" مات رسول اللهﷺ- وأنه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدا بعد ما رأيت رسول اللهﷺ-" قلت: ورجاله ثقات. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول اللهﷺ-، حديث ١٦٢٢، بلفظ:" ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول اللهﷺ-" وأحمد في المسند (٦/ ٦٤) بلفظ النسائي، ورجاله ثقات. وروى البخاري فى كتاب المرضى، باب شدة المرض. (٢) قالت:" ما رأيت أحدا أشد عليه الوجع من رسول اللهﷺ-".
[ ٢ / ٧٤١ ]
قلت: ووجه السؤال فيه من وجهين:
أحدهما: أنه لم يغفل عن لذة النكاح التي هي عار عند الخصم حتى في مرض الموت./
الثاني: أن شدة الموت عليه عقوبة، فدل «١» أنه كان يستحقها.
قلت: والجواب عن الأول من وجهين:
أحدهما: أن النكاح قد بينا أنه عبادة وهو من سنن المرسلين، والقول بأنه عار سفه.
الثاني: أنه كان يحب عائشة ويألفها أكثر من غيرها، ولهذا كان يقول: (هذا قسمي فيما أملك فهب لي ما لا أملك «٢»)، ولا يلزم من ألف الشخص صاحبه أن يكون يستمتع به من جهة اللذة المشهورة، بل يصير الميل إليه خلقا للنفس حتى مع الغفلة عن اللذة.
_________________
(١) لو كانت العبارة:" فدل على أنه يستحقها" لكانت أوضح وأصح.
(٢) هكذا لفظه عند المؤلف، ولفظه عند أبي داود في كتاب النكاح، باب في القسم بين النساء:" اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، وهو عنده موصول ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. ورجاله ثقات، والترمذي في النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، وقال:" حديث عائشة هكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة أن النبي ، ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا أن النبي ..، وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة" اهـ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٨٧) وقال:" هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" اهـ، وألفاظهم نحو لفظ أبي داود.
[ ٢ / ٧٤٢ ]
والجواب عن الثاني: أن لحوق المشاق في الدنيا من أسباب النعم الأخروية، خصوصا شدة الموت فإنه آخر ما يكفر به عن العبد المؤمن ذنوبه إن كان له ذنوب، وإلا رفع به درجات في الجنة، ولهذا يرى غالب المؤمنين أهل بلاء في الدنيا، وغالب/ الكفار أهل عافية.
وفي الحديث النبوي الصحيح: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر «١»» وفي المثل العامي:" المؤمن ملقى، والفاجر موقى «٢» " ثم لو كان لحوق المشقة في الدنيا عقوبة لوجب أن يكون إلقاء إبراهيم في النار، وعمى إسحاق ويعقوب، وما جرى ليوسف، وحزن أبيه عليه، وبلاء أيوب، وما قاساه موسى وهارون من بني إسرائيل وقوم فرعون، وقتل يحيى وزكريا وغيرهم من الأنبياء، وإهانة اليهود للمسيح، ثم قتله وصلبه «٣»، وما جرى لتلاميذه بعده وقتل" جرجيس «٤» " أربع مرات ثم يعيش، وحبس يونس في جوف الحوت ونحو ذلك عقوبات في حقهم، واحد لا يقول بذلك.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ الإمام مسلم في أول الزهد، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، حديث ٢٣٢٤، وقال:" هذا حديث صحيح"، وابن ماجه في الزهد، باب مثل الدنيا حديث ٤١١٣، وأحمد في المسند (٢/ ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥).
(٢) هذا المثل العامي لم أجده فيما بين يدي من المراجع.
(٣) علي زعم النصارى.
(٤) انظر فيما حصل لجرجيس. تاريخ الطبري ٢/ ٢٤ - ٣٦.
[ ٢ / ٧٤٣ ]
وأما قول عائشة:" خالط/ ريقي ريقه" فليس ذلك بمباشرة استمتاعية، بل لأن النبيﷺ- كان مستندا/ إلى صدرها فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة ومعه سواك يستاك به فأتبعه النبيﷺ- بصره، فقالت له عائشة: آخذه لك يا رسول الله، فأومأ برأسه، أي نعم- وكان يحب السواك لأنه كما قال﵇-: (مطهرة للفم، مرضاة للرب «١») - فأخذته من أخيها فمضغته بفمها حتى لان، ثم أعطته النبي «٢» ﷺ فاستاك به «٣». فذلك هو المراد باجتماع ريقهما.
_________________
(١) قوله: (مطهرة للفم مرضاة للرب) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الصوم، باب سواك الرطب واليابس للصائم (٢٧)، معلقا بصيغة الجزم عن عائشة، والنسائي موصولا في كتاب الطهارة، باب الترغيب في السواك وفي سنده من ليس بالقوي، وابن ماجه في كتاب الطهارة، باب السواك، حديث ٢٨٩، وفي سنده ضعف، والدارمي في كتاب الوضوء، باب السواك مطهرة للفم، وفي سنده ضعف، وأحمد في المسند (٢/ ٣، ١٠) وفي (٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، ٢٣٨) من طرق كلها عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه، وهما مقبولا الحديث. قلت: ولعل الحديث بمجموع طرقه حسن لغيره. والله أعلم.
(٢) في (ش): للنبي.
(٣) قصة دخول عبد الرحمن بالسواك وإعطاء عائشة للنبيﷺ- في آخر أيامه أخرجها البخارى فى المغازي، باب مرض النبيﷺ- ووفاته (٨٣) بلفظين مختلفين، وأحمد في المسند (٦/ ٤٨، ٢٠٠، ٢٧٤).
[ ٢ / ٧٤٤ ]