١- البدع لغة:
قال ابن منظور: «بدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه: أنشأه وبدأه. وبدع الركيَّة: استنبطها وأحداثها والبديع والبدع: الشيء الذي يكون أولًا» .
وفي التنزيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١) أي: ما كنت أول من أُرسِل، قد أرسل قبلي رسلٌ كثير
وفلان بدع في هذا الأمر أي أول لم يسبقه أحد وأبدع وابتدع وتبدَّع: أتى ببدعةٍ، قال الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ (٢) .
قال رؤبة:
إن كنت للهِ التقيّ الأطوعا فليس وجه الحقِّ أن تبدعا
وبدّعه: نسبة إلى البدعةِ.
والبديع: المحدث العجيب، والبديع: المبدع.
وأبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال.
والبديع: من أسماء الله تعالى لإبداعهِ الأشياء وإحداثه إياها. وهو البديع الأول قبل كل شيءٍ، ويجوز أن يكون بمعنى مبدع، أو يكون من بدع الخلق أي بدأه، والله
_________________
(١) -سورة الاحقاف: الآية٩.
(٢) -سورة الحديد: الآية٢٧.
[ ١٧ ]
تعالى كما قال سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) . أي: خالقها ومبدعها، فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق
وسقاء بديع: أي جديد
وأبدعت الإبل: بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال.
وأبدعت هي: كلت أو عطبت، وقيل: لا يكون الإبداع إلا بظلع.
وأبدع وأبدع به وأبدع: كلَّت راحلته أو عطبت وبقي منقطعًا به، وحسر عليه ظهره أو قام به أي وقف به. وفي الحديث: أن رجلًا أتي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أبدع بي فاحملني (٢) . أي: انقطع بي لكلال راحلتي كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعًا أي إنشاء أمر خارج عما أعتيد منها (٣) .
فتبين لنا مما تقدَّم أن معنى (بدع) يقصد به غالبًا الإحداث والاختراع على غير مثال سابق.
وإبداع الإبل - أي تعبها وكللها - أمر حادث أيضًا، فالمعتاد منها الاستمرار في السير.
فالبدعة: اسم هيئة من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع، وهي كل شيء أحدث على غير مثال سابق (٤) .
٢- البدعة في الاصطلاح:
اختلف العلماء في تحديد معنى البدعة في الاصطلاح، فمنهم من جعلها مقابل السنة، ومنهم من جعلها عامة تشمل كل ما حدث بعد عصر الرسول ﷺ سواء كان محمودًا أو
_________________
(١) -سورة البقرة: الآية١١٧.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٥٠٦)، كتاب الإمارة، حديث رقم (١٨٩٣) .
(٣) - يراجع: لسان العرب، لابن منظور: مادة (بدع) (٨/٦- ٨) .
(٤) - يراجع: كتاب البدعة، للدكتور عزة عطية ص (١٥٧) .
[ ١٨ ]
مذمومًا، ونبين ذلك فيما يلي:
القول الأول:
أن كل ما حدث بعد عصر الرسول الله ﷺ فهو بدعة، سواء كان محمودًا أو مذمومًا. وقال به الشافعي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، والغزالي في الإحياء، وابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (١)، والنووي في شرح
_________________
(١) - يُراجع النهاية في غريب الحديث والأثر (١/١٠٦، ١٠٧) .
[ ١٩ ]
صحيح مسلم (١) .
قال الإمام الشافعي - ﵀ - فيما روي عن حرملة بن يحي قال: سمعت الإمام الشافعي - ﵀ - يقول: (البدعة بدعتان: بدعة محمود وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم) (٢) .
وقال العز بن عبد السلام في تعريف البدعة هي: (فعل ما لم يعهد في عهد رسول الله ﷺ) (٣) .
وقد اعتمدوا في ذلك على ما ورد عن عمر بن الخطاب - ﵁ - حيث قال
_________________
(١) - يُراجع: شرح مسلم للنووي (٦/١٥٤، ١٥٥) .
(٢) - يُراجع: حلية الأولياء، لأبي نعيم (٩/١١٣)، ويراجع - أيضًا -: فتح الباري (١٣/٢٥٣) .
(٣) - يراجع: قواعد الأحكام (٢/١١٣) .
[ ٢٠ ]
في صلاة التراويح: «نعم البدعة هذه» (١) .
القول الثاني:
أن البدعة لا تطلق على ما خالف السنة
وبه قال الشاطبي، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، وابن رجب الحنبلي،
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٥٠) كتاب صلاة التراويح، حديث (٢٠١٠) . ورواه مالك في الموطأ (١/١١٤) بلفظ: نعمت البدعة هذه» .
[ ٢١ ]
وشيخ الإسلام ابن تيمية، والزركشي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وقد قررنا في قاعدة السنة والبدعة: أن البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب، فأما ما أمر به أمر إيجاب أو استحباب، وعلم الأمر به بالأدلة الشرعية: فهو من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعض ذلك. وسواء كان هذا مفعولًا على عهد النبي ﷺ أو لم يكن. فما فعل بعده بأمره؛ من قتال المرتدين، والخوارج (١) المارقين، وفارس، والترك، والروم، وإخراج اليهود والنصارى من
_________________
(١) - الخوارج: هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع المارقين، القائلون بتكفير عثمان وعلي -﵄ -، ويقدمون ذلك على كل طاعة، وكذلك تكفير الحكمين، وكل من رضي بالتحكيم، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا، وينقسمون إلى عدة فرق. يُراجع: الفرق بين الفرق للبغدادي ص (٥٥)، والملل والنحل للشهرستاني ص (١١٤- ١٣٧)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٤٩) .
[ ٢٢ ]
جزيرة العرب، وغير ذلك - هو من سنته (١) .
وقال الشاطبي في تعريف البدعة: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) .
وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنَّما يخصّها بالعبادات.
وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة فيقول: (البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية) (٢) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
أ- من السنة:
ما رواه جابر بن عبد الله - ﵄- قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا وصوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول «صبحكم ومساكم»، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، ويقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، ويقول: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»، ثم يقول: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي» (٣) .
ما رواه ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا وموقوفًا أنه كان يقول: «إنما هما اثنتان الكلام
_________________
(١) - يُراجع: مجموعة الفتاوى (٤/١٠٧، ١٠٨) .
(٢) - يُراجع: الاعتصام للشاطبي (١/٣٧) .
(٣) - رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٦/١٥٣-١٥٤)، كتاب الجمعة. ورواه النسائي في سننه (٣/١٨٩)، كتاب صلاة العيدين. ورواه ابن ماجه في سننه (١/١٧)، المقدمة.
[ ٢٣ ]
والهدي، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله» (١)
ما رواه العرباض بن سارية - رض الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم فسير اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢)
ب- ومن الآثار:
ما ورد عن ابن العباس - ﵄ - أنه قال: «ما أتى على الناس عام، إلا
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨) المقدمة. وفي سنده عبيده بن ميمون الدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦، ١٢٧) . ورواه أبو داود في سننه المطبوع مع شرحه عون المعبود (١٢/٣٥٨- ٣٦٠) كتاب الفتن، واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي (٧/ ٤٣٨-٤٤٢) . وقال هذا حديث حسن صحيح، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٥، ١٦)، المقدمة.
[ ٢٤ ]
أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنَّة، حتى تحيا البدع وتموت السنن» (١) .
وورد عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (٢) .
فما تقدم من الأحاديث والآثار، يدلُّ على أنَّ البدعة لم ترد في الشرع إلا مذمومة.
فالراجح- والله أعلم - أن البدعة لا تطلق إلا على ما خالف السنة، فليس في البدع محمود.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (واعلم أن هذه القاعدة وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته، قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة. بدليل قول عمر ﵁ - في صلاة الترويح: «نعمت البدعة هذه» (٣) .
وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة.
والجواب: أما القول «أن شر الأمور محدثاتها، وأن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في
_________________
(١) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون» . مجمع الزوائد (١/١٨٨)، باب في البدع والأهواء. ورواه ابن وضَّاح في كتاب البدع ص (٣٩) .
(٢) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد: «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح» . مجمع الزوائد (١/١٨١)، باب الاقتداء بالسلف.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٥٠) كتاب صلاة التراويح، حديث (٢٠١٠) . ورواه مالك في الموطأ (١/١١٤) بلفظ: نعمت البدعة هذه» .
[ ٢٥ ]
النار»، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نصُّ رسول الله ﷺ، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذمّ البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم
(ولا يحلُّ لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله ﷺ، وهي قوله: «كل بدعة ضلالة» . بسلب عمومها، وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة رسول الله ﷺ أقرب منه إلى التأويل) (١) .
فأمَّا صلاة الترويح فليست بدعة في الشريعة، بل سنة بقول رسول الله ﷺ وفعله في الجماعة. ولا صلاتها في الجماعة بدعة، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاَّها رسول الله ﷺ في الجماعة، في أول شهر رمضان ثلاث ليال، وقال في الرابعة: «أمَّا بعد: فإنه لم يخف على مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» (٢) .
فعلَّل ﷺ عدم الخروج بخشية الافتراض، فعلم بذلك أن المقتضي للخروج قائم، وأنه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم، فلما كان في عهد عمر بن الخطاب - ﵁ - جمعهم على قارئ واحد (٣)، وأسرج المسجد، فصارت هذه الهيئة، وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمام واحد مع الإسراج عملًا لم يكونوا يعملونه من قبل، فسُمِّي بدعة؛ لأنَّهُ في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعة شرعية؛ لأنَّ السنَّة اقتضت أنه عمل صالح، لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته ﷺ، فانتفى المعارض (٤) .
وأما قولُ عمر﵁-: «نعمت البدعة هذه» فأكثر المحتجِّين بهذا لو أردنا أن نثبت حكمًا بقول عمر - ﵁- الذين لم يُخالف فيه، لقالوا: قول الصاحب ليس بحجة، فكيف يكون حجة لهم في خلاف قول رسول الله ﷺ، ومن اعتقد أن قول الصاحب حجَّة، فلا يعتقده إذا خالف الحديث.
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/٥٨٢-٥٨٨)
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٥١) كتاب صلاة التراويح، حديث (٢٠١٢) وفي مواضع أخرى. ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٢٤)، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٦١) (١٧٨) .
(٣) - وهو: الصحابي الجليل أبي بن كعب. يراجع: الموطأ (١/١١٤) .
(٤) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢/٥٨٨-٥٩١)
[ ٢٦ ]
وتسمية عمر - ﵁- صلاة التراويح بدعة، تسمية لغوية، لا تسمية شرعية؛ لأن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثال سابق.
وأما البدعة الشرعية: فما لم يدل عليه دليل شرعي. فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دلَّ على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقًا، ولم يعمل به إلا بعد موته ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر - ﵁ -، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صحَّ أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنَّه عمل مبتدأ، وكذلك صلاة التراويح، ومثلها جمع القرآن الكريم، ونفي عمر - ﵁ - ليهود خيبر (١) ونصارى نجران (٢)
، ونحوهما من جزيرة العرب (٣) .
ثانيًا: حكم البدع في الإسلام:
يختلف حكم البدعة باختلاف تقسيمها، فالعلماء الذين قسَّمُوا البدعة إلى خمسة
_________________
(١) - وهي ناحية على ثمانية برد من المدينة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية وهي مشتملة على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير، وخبير بلسان اليهود: الحصن، وقد فتحها النبي ﷺ في سنة سبع أو ثمان للهجرة، وفي خلافة عمر - ﵁ -، نفى أهلها إلى الشام. يُراجع: معجم البلدان (٢/٤٠٩- ٤١٠)، وهي الآن تابعة لإمارة المدينة النبوية.
(٢) - نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة، وسمي بذلك نسبة إلى نجران بن يعرب بن قحطان؛ لأنه أول من عمرها، وبها واد عظيم، وكان بها على زمن النبي ﷺ كعبة وبها أساقفة وهم الذين دعاهم ﷺ للمباهلة. وبها خُد الأخدود ولا زالت آثاره باقية. وهي الآن تابعة للمملكة العربية السعودية، وبها إمارة خاصة بمنطقة نجران وتبعد عن الرياض حوالي تسعمائة كيلوا متر عن طريق وادي الدواسر، وتشتهر بالزراعة. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٦٦ - ٢٧٠) .
(٣) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٥٨٩-٥٩٢) .
[ ٢٧ ]
أقسام بحسب الأحكام التكليفية- كالعز بن عبد السلام وغيره-لا إشكال عندهم﵏- في حكم البدعة، فهي عندهم تنقسم إلى بدعة واجبة وبدعة مندوبة، وبدعة مباحة وبدعة مكروهة وبدعة محرمة.
فالبدعة الواجبة حكمها الوجوب، والبدعة المندوبة حكمها الندب وهكذا باقي أقسام البدعة عندهم.
وأما على قول من قال إن البدع كلها مذمومة - وهو القول الراجح من أقوال العلماء -فإنهم قالوا بأن البدع حرام، ولكنها تتفاوت في التحريم:
أ- فمنها ما هو كفر لا يحتمل التأويل، كبدعة الجاهلية التي نبَّه عليها القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ (٢) .
وقوله تعالى: ﴿َا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ (٣) .
وكذلك بدعة المنافقين في اتخاذ الدين ذريعة لحفظ النفس والمال وما أشبه ذلك من أنواع الكفر
ب- ومنها ما هو من المعاصي التي ليست بكفر، أو مختلف فيها هل هي كفر أم لا؟؛ كبدعة الخوارج، والقدرية (٤)،
_________________
(١) - سورة الأنعام: الآية١٣٦.
(٢) - سورة الأنعام: الآية١٣٩.
(٣) -سورة المائدة: الآية١٠٣.
(٤) - القدرية: فرقة ضالة تنفي صفات الله الأزلية كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه ليس لله اسم ولا صفة، وأن الله لا يُرى، وأن كلام الله حادث مخلوق، وأن الله غير خالق لأكساب الناس، وأن الناس هم الذين يقدرون كسبهم، فهم ينكرون القدر فلذلك سمُّو قدرية. وبدعتهم هذه حدثت في آخر عصر الصحابة وكان أكثرهم في الشام والبصرة وفي المدينة أيضًا، وأصل هذه البدعة أحدثها مجوسي من البصرة ثم تلقَّاها عنه معبد الحهني. وقد أنكر الصحابة عليهم ذلك. يراجع: الفرق بين الفرق ص (٩٣- ٩٤)، ومجموع الفتاوى (٧/٣٨٤- ٣٨٦)، وكذلك (١٣/٣٦، ٣٧) .
[ ٢٨ ]
والمرجئة (١)، ومن أشبههم من الفرق الضَّالة.
ج- ومنها ما هو معصية؛ كبدعة التبتل، والصيام قائمًا في الشمس، والخصاء بقصد قطع شهوة الجماع.
د-ومنها ما هو مكروه، كبدعة التعريف - وهو اجتماع الناس في المساجد للدعاء عشية عرفة - وذكر السلاطين في خطبة الجمعة، ونحو ذلك.
فهذه البدع ليست في رتبة واحدة، وليس حكمها واحد.
وكما أن المعاصي منها ما هو صغيرة، ومنها ما هو كبيرة ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو التكميليات - التحسينات - فإن كانت الضروريات- وهي الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال - فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينات فهي أدنى رتبة بلا إشكال، وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين.
والبدع من جملة المعاصي، وقد ثبت التفاوت في المعاصي، فكذلك يتصور مثله في البدع:
فمنها ما يقع في الضروريات، ومنها ما يقع في الحاجيات، ومنها ما يقع في التحسينات.
وما يقع في رتبة الضروريات: منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال.
_________________
(١) - المرجئة: من الفرق الضَّلَّة التي تقوم: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، والإرجاء هو: التأخير، وسمُّوا مرجئة لتأخيرهم العمل عن النية، أو لتأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، ويقولون: إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وإنه يكون في القلب واللسان. يراجع: الفرق بين الفرق (١٩٠- ١٩٥)، والملل والنِّحل للشهرستاني ص (١٣٩-١٤٦) .
[ ٢٩ ]
فمثال وقوعه في الدين: ما تقدم من اختراع الكفار، وتغييرهم ملة إبراهيم - ﵇ - من نحوه قول تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ (١) .
قال سعيد بن المسيب﵀-: البحيرة: التي يمنح درّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس.
والسَّائبة: كانوا يسبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء.
والوصيلة: الناقة البكر، تُبكّر في أول نتاج الإبل بأنثى، ثم تثنى بعد بأنثى، وكانوا يُسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر.
والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه، ودعوه للطواغيت، وأعفوه من الحمل فلم يُحمل عليه شيء، وسموه الحامي (٢) .
ففي الآية السابقة نفي لفعل أهل الجاهلية وتغييرهم ملة إبراهيم - ﵇-، حيث اخترعوا أشياء من أنفسهم، ونسبوه إلى الدين، وجعلوها من شعائرهم.
ومثال ما يقع في النفس: ما ذكر من نحل الهند في تعذيبها أنفسها بأنواع العذاب الشنيع والقتل بالأصناف التي تفزع منها القلوب، كل ذلك على استعجاب الموت لنيل الدرجات العلى بزعمهم. ومنها قتل العرب أولادهم في الجاهلية خشية الفقر أو العار، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ (٣) .
وقال تعالى ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ*بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٤) .
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية١٠٣.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٢٨٣)، كتاب التفسير، حديث (٤٦٢٣) .
(٣) -سورة الاسراء: الآية٣١.
(٤) -سورة التكوير: الآيتان ٨، ٩.
[ ٣٠ ]
ومثال ما يقع في النسل: نكاحات الجاهلية، فجاء عن عائشة أم المؤمنين - ﵂ -: «أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليّته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها. ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنَّما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت ووضعت ومرّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تُسمي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل. ونكاح الرابع: يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهنَّ، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، ج معوا لها ودعوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطته به (١)
ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعث محمد ﷺ بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم» (٢) .
ومثال ما يقع في العقل: أن الشريعة بَّينت أن حكم الله على العباد لا يكون إلا بما شرع في دينه على ألسِنة أنبيائه ورسله، ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ
_________________
(١) - فالتاطته به: أي استلحقته به، وأصل اللوط - بفتح اللام -: اللصوق. يراجع: النهاية لابن الأثير (٤/٢٧٧) باب اللام مع الواو، وفتح الباري (٩/١٨٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/١٨٢، ١٨٣)، كتاب النكاح، حديث رقم (٥١٢٧)، ورواه أبو داود في سننه (٢/٧٠٢) كتاب الطلاق، حديث رقم (٢٢٧٢) .
[ ٣١ ]
إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٢) .
فخرجت أقوام عن هذا الأصل فزعموا أن العقل له مجال في التشريع وأنه مُحسن ومُقبح، فابتدعوا في دين الله ما ليس فيه.
ومثال ما يقع في المال: أالكفار قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ (٣) .
فإنهم لما استحلوا العمل به احتجُّوا بقياس فاسد، فقالوا: إذا فسخ العشرة التي اشترى بها إلى شهر في خمسة عشر إلى شهر، فهو كما لو باع بخمسة عشر إلى شهرين فأكذبهم الله تعالى ورد عليهم فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (٤)؛ أي: ليس البيع مثل الربا، فهذه محدثة أخذوا بها مستندين إلى رأي فاسد، فكان من جملة المحدثات كسائر ما حدثوا في البيوع الجارية بينهم المبنية على الخطر والغرر.
ومن ذلك أيضًا ما شرعوه في الأموال كالحظوظ التي كانوا يخصُّون بها الأمير، وسموها بأسماء مختلفة بينها شاعرهم بقول:
لك المرباع فيها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول (٥)
فلما أنزل الله القرآن بقسمة الغنيمة في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية (٦)، ارتفع حكم هذه البدعة (٧) .
ويرى الشاطبي أن البدعة لا تكون صغيرة إلا إذا توفرت فيها عدة شروط؛ منها:
_________________
(١) -سورة النساء: لآية٥٩.
(٢) -سورة الأنعام: الآية٥٧.
(٣) - سورة البقرة: الآية٢٧٥.
(٤) - سورة البقرة: الآية٢٧٥.
(٥) - المرباع: ربع المغنم. والصفايا: ما يصفيه الأمير لنفسه من المغنم. والنشيطة: ما يغنمه الغزاة في الطريق. والفضول: ما عجز عن أن يُقسم لقتله وخص به. يراجع: لسان العرب (٨/١٠١)، مادة (ربع) .
(٦) - سورة لأنفال: الآية٤١.
(٧) - يراجع: الاعتصام للشاطبي (٢/٣٧-٤٨) .
[ ٣٢ ]
١- أن لا يداوم عليها، فإنَّ الصغيرة من المعاصي لمن داوم عليها تكبر بالنسبة إليه؛ لأن ذلك ناشئ عن الإصرار عليها، والإصرار على الصغيرة يُصيِّرها كبيرة.
٢- أن لا يدعو المبتدع إلى بدعته، فإن البدعة قد تكون صغيرة بالإضافة ثم يدعو مبتدعها إلى القول بها والعمل على مقتضاها، فيكون إثم ذلك كله عليه.
٣- أن لا يفعلها في المواضع التي هي مجتمعات الناس أو المواضع التي تقام فيها السنن، وتظهر فيها أعلام الشريعة، فأما إظهارها في المجتمعات ممن يُقتدى به أو ممن يحسن الظن به، فذلك من أضر الأشياء على سنة الإسلام؛ لأنه إما أن يقتدي العوام بصاحبها فيها، وإذا اقتدى بصاحب البدعة الصغيرة كبرت بالنسبة إليه، أو أن يتوهم الناس أن ما أظهره هو من شعائر الإسلام فكأنه بإظهاره لها يقول: هذه سنة فاتبعوها.
٤-أن لا يستصغرها ولا يستحقرها، فإن ذلك استهانة بها، والاستهانة بالذنب أعظم من الذنب فكان ذلك سببًا لعظم ما هو صغير
فإذا تحققت هذه الشروط، فإن ذلك يرجى أن تكون صغيرتها صغيرة، فإذا تخلف شرط منها أو أكثر، صارت كبيرة، أو خيف أن تكون كبيرة، كما أن المعاصي كذلك (١) .
وبعد أن تكلمنا عن حكم البدع نورد بشكل موجز موقف السلف الصالح من البدع عمومًا وتحذيرهم منها، فمن ذلك:
قول ابن مسعود -﵁ -: «الاقتصاد في السنة، أحسن من الاجتهاد في البدعة» (٢) .
وقول ابن عباس﵄ -: «ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة حتى تحيا البدع، وتموت السنن» (٣) .
_________________
(١) - يراجع: الاعتصام للشاطبي (٢/٦٥- ٧٢) .
(٢) - رواه الحاكم في مستدركه (١/١٠٣) كتاب العلم. وقال: هذا حديث مسند صحيح على شروطهما ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٣) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨): رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثّقون. ورواه ابن وضاح في كتابه البدع والنهي عنها ص (٣٨) .
[ ٣٣ ]
وكذلك قول ابن مسعود -﵁ -: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (١) .
وقال معاذ بن جبل - ﵁ -: «إن من ورائكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم (٢)، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق» (٣) .
فموقف السلف من البدع صريح وواضح، وهو التحذير من البدع والحرص الشديد على التمسك بالسنة والاعتصام بها، ولهذا قال أئمة الإسلام؛ كسفيان الثوري وغيره، أن البدع أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها، والمعصية يتاب منها.
ومعنى قولهم أن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ولا
_________________
(١) - رواه الدارمي في سننه (١/٦٩) . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨١)، وقال: رواه الطبراني في الكبير رجال الصحيح.
(٢) - أي انحراف العالم عن الحق، فإذا انحرف العالم عن الحق فلا يُتبع. يراجع: عون المعبود (١٢/٣٦٤)، باب لزوم السنة.
(٣) - رواه أبو داود في سننه (٥/١٧)، كتاب السنة موقوفًا على معاذ.
[ ٣٤ ]
رسوله، قد زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو بأنه ترك حسنًا مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيء في نفسه الأمر فإنه لا يتوب.
ولكن التوبة منه ممكنة وواقعة، بأن يهديه الله ويرشده حتى يتبين له الحق كما هدى ﷾ من هدى من الكفار والمنافقين، وطوائف من أهل البدع والضلال (١) .
وسئل الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: (الرجل يصوم ويعتكف أحب إليك، أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل) (٢) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (أن تحذير الأمة من البدع والقائلين بها واجب باتفاق المسلمين) (٣) .
وقال أيضًا - ﵀ -: (إن أهل البدع شر من أهل المعاصي الشهوانية بالسنة والإجماع، فإن النبي ﷺ أمر بقتال الخوارج ونهى عن قتال أئمة الظلم، وقال في الذي يشرب الخمر: «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» (٤) .
_________________
(١) - يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/٢٣١) .
(٢) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/٢٣١) .
(٣) - يراجع مجموعة الفتاوى (٢٨/٢٣١) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٢/٧٥) كتاب الحدود، حديث رقم (٦٧٨٠) . ولفظه «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله»
[ ٣٥ ]
وقال في ذي الخويصرة: «يخرج من ضئضيء هذا أقوام يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين- وفي رواية: «من الإسلام» - كما يمرق السهم من الرمية، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة» (١)
ثم إن أهل المعاصي ذنوبهم: فعل بعض ما نُهوا عنه: من سرقة، أو زنا، أو شرب خمر، أو أكل مال بالباطل.
وأهل البدع ذنوبهم: ترك ما أمروا به من اتباع السنة وجماعة المؤمنين، فإن الخوارج أصل بدعتهم أنهم لا يرون طاعة الرسول ﷺ واتباعه فيما خالف ظاهر القرآن عندهم، وهذا ترك واجب. وكذلك الرافضة (٢) لا يرونه عدالة الصحابة ومحبتهم، والاستغفار لهم، وهذا ترك واجب ) (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري مع اختلاف بسيط في بعض الألفاظ في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/٣٧٦)، كتاب الأنبياء، حديث (٣٣٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٧/١٦٠-١٦٧) بألفاظ وطرق مختلفة.
(٢) - الرافضة: فرقة من فرق الضلال تقول إن النبي ﷺ نص على خلافة علي نصًا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين وغيروا الشريعة، وكفروا الصحابة، وقالوا: إن أبا بكر وعمر - ﵄ - ما زالا منافقين، أو آمنوا ثم كفروا - والعياذ بالله-. والرافضة توالي النصارى واليهود والمشركين على جمهور المسلمين، ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة بعض القرامطة والباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم شر من الخوارج. وهم فرق عدة. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٥٦، ٣٥٧)، والفرق بين الفِرَق ص (١٥- ١٧) .
(٣) - يراجع: مجموعة الفتاوى (٢٠/ ١٠٣-١٠٥) .
[ ٣٦ ]
ثالثًا: أسباب نشأة البدع:
الابتداع هو الإحداث في الدين، والإحداث في الدين له أسباب عدة، منها:
الجهل بأدوات الفهم.
الجهل بالمقاصد.
تحسين الظن بالعقل.
اتباع الهوى.
القول في الدين بغير علم وقبول ذلك من قائله.
الجهل بالسنة، ويشمل:
الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها.
الجهل بمكانة السنة من التشريع.
٧. اتباع المتشابه.
الأخذ بغير ما اعتبره الشارع طريقًا لإثبات الأحكام.
الغلو في بعض الأشخاص.
وقد تجتمع هذه الأسباب، وقد تنفصل، فإذا اجتمعت، فتارة يجتمع منها اثنان، وتارة يجتمع ثلاثة.
وبذلك تتحدد الأسباب المؤدية إلى حدوث البدعة، وهي:
السبب الأول: الجهل بأدوات الفهم.
لقد أنزل الله ﷾ القرآن عربيًا، جار في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب، وقد أخبر الله بذلك فقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ
_________________
(١) - سورة يوسف، الآية: ٢.
(٢) -سورة الزمر: الآية٢٨.
(٣) - سورة الشعراء، الآيات: ١٩٣-١٩٥.
[ ٣٧ ]
بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١) .
فمن هذا نعلم أن القرآن نزل عربيًا على رسول عربي لينذر العرب أولًا، ثم ينذر الأمم كافة، وأن الشريعة لا تفهم إلا إذا فهم اللسان العربي، ويعبر عن هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ (٢) .
وإن كان الرسول ﷺ بعث للناس كافة فإن الله جعل جميع الأمم، وعامة الألسنة في هذا الأمر، تبعًا للِّسان العربي، وإذا كان كذلك، فلا يُفهم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عليه، وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها.
وأنها فيما فطرت عليه من لسانها، لها دلالات وأدوات لفهم أدوات المقاصد والمعاني، وهي:
الخطاب بالعام يرادُ به الظاهر، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (٣) . فهذا من العام الظاهر الذي لا خصوص فيه.
الخطاب بالعام يراد به العام من وجه والخاص من وجه، مثاله: قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (٤) . فهذا عام لم يخرج عن أحد من الناس؛ لأنَّ كل إنسان خلق من ذكر وأنثى، عدا عيسى - ﵇-. ثم قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥)، فهذا خاص؛ لأنَّ التقوى إنما تكون من المكلف العاقل، فكان في الآية عام وهو خلق الناس والشعوب والقبائل، وكان فيها خاص وهو إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
الخطاب بالعام يُراد به الخاص، ومثاله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ (٦) . فالمراد بالناس الآخرين الخصوص لا العموم، وإلا فالمجموع لهم الناس ناس أيضًا، وهم قد خرجوا، لكن لفظ الناس يقع على ثلاثة
_________________
(١) - سورة النحل، الآية:١٠٣.
(٢) - سورة الرعد، الآية ٣٧.
(٣) - سورة هود: الآية٦.
(٤) - سورة الحجرات: الآية١٣.
(٥) -سورة الحجرات: الآية١٣.
(٦) - سورة آل عمران: الآية١٧٣.
[ ٣٨ ]
منهم، وعلى جميع الناس، وعلى ما بين ذلك.
الخطاب بالظاهر يًُراد به غير الظاهر، مثاله: قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (١)، فإنهُ لمَّا قال: ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ دلَّ على أن المراد أهلها.
فإذا ثبت هذا، فيجب على الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا أمران:
أحدهما:
أن لا يتكلم في شيء من ذلك حتى عربيًا أوكالعربي، عالمًا بلسان العرب بالغًا فيه ما بلغ العرب، أو ما بلغ أئمة اللغة المتقدمون (٢)، وليس المراد أن يكون حافظًا كحفظهم وجامعًا كجمعهم، وأنَّما المراد أن يصير فهمه عربيًا في الجملة.
ثانيهما:
إذا أشكل عليه لفظ في الكتاب أو في السنة، فلا يقدمُ على القول فيه دون أن يستظهر بغيره، ممن له علم بالعربية، فقد يكون إمامًا فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات، فالأولى في حقه الاحتياط؛ إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصَّة حتى يسأل عنها، كما خفي على ابن عباس - ﵄ - معنى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ حتى قال أحد الأعراب في خصومة في بئر: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها (٣) .
ومن الأمثلة على تحريف المعاني القرآنية للقصور في اللغة وفي فهم أساليها:
قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع من الحلائل، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٤)، حيث جمع أربعة إلى ثلاثة إلى اثنين فنتج تسعًا ولم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب وأن معنى الآية: (فانكحوا إن شئتم اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا (٥) . (٦)
_________________
(١) - سورة الانبياء: الآية١١.
(٢) - مثل الخليل بن أحمد، وسيبويه، والكسائي، والفرَّاء.
(٣) - يراجع: تفسير ابن كثير (٣/٥٤٦)، تفسير سور فاطر.
(٤) - سورة النساء، الآية: ٣.
(٥) - يراجع: تفسير ابن كثير (١/٤٥٠)، تفسير سورة النساء.
(٦) - يراجع: الاعتصام للشاطبي (٢/٢٩٣- ٣٠٤)، ويراجع: البدعة والمصالح المرسلة ص (١٢٥- ١٣١) .
[ ٣٩ ]
السبب الثاني: الجهل بالمقاصد.
مما يجب على الناظر في الشريعة الإسلامية أمران:
الأمر الأول:
أن يعتقد فيها الكمال لا النقصان، وأن يرتبط بها ارتباط طاعة وثقة وإيمان في عباداتها وعاداتها ومعاملاتها، وأن لا يخرج عنها؛ لأن الخروج عنها مروق من الدين، لأنه قد ثبت كمالها وتمامها، فالزائد عليها أو المنقص منها هو المبتدع.
فالشريعة قد جاءت كاملة، والدين قد أتمه الله ورضية لنا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ (١) .
والرسول ﷺ هو خاتم النبيين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) . وقد جاء بالرسالة الجامعة الخاتمة، فيستحيل أن يترك الله الناس بغير بيان، وبغير مرشد وهو القائل سبحانه: ﴿ مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٣) . إلا إذا كان شرعه باقيًا صالحًا كافيًا كاملًا، حجَّة على هذه الدهور إلى يوم القيامة، وقد صرح ﷾ بحفظه للرسالة، حتى تكون الحجة سليمة بعيدة عن الشكوك والريب والظنون، وتظل تعاليمها صافية ناصعة، لا تمسها يد الإنسان ولا فكره السقيم وهواه الشارد، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤) .
فبعد هذا كله، يجب الانقياد لهذه الشريعة والاعتقاد الجازم بكمالها ووفائها بما تتطلبه الحياة دائمًا وأبدأً إلى ما شاء الله. واعتقاد غير هذا ضرب من المروق والابتداع.
الأمر الثاني:
أن القرآن لا تضاد بين آياته ولا بين الأحاديث النبوية، ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع يصدر من نبع واحد، ويخرج من مشكاة واحدة، وينتظمه شرع واحد، وغاية واحدة. فإذا جهل إنسان هذا، أداة جهله إلى الشذوذ والخروج والابتداع، وبيان ذلك:
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية٣.
(٢) -سورة الأحزاب: الآية٤٠.
(٣) - سورة الاسراء: الآية١٥.
(٤) - سورة الحجر:٩.
[ ٤٠ ]
أن الكفار وهم أهل الفصاحة والبلاغة، وأرباب البيان واللسان، والمتربصين برسول الله ﷺ لمحاولة إثبات أن ما جاء به من القرآن هو من عنده قد حاورا في بيان القرآن وسبكه، وقد أخبر الله سبحانه عن ذلك فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ (١) .
وكذلك ما أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير - ﵀ - قال: قال رجل لابن عباس - ﵄ -: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليَّ، قال -قوله تعالى-: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٢)، قوله تعالى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣)، قوله تعالى ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٤)، قوله تعالى ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٥) . فقد كتموا في هذه الآية، وقال تعالى: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ (٦) إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٧) . فذكر خلق السماء قبل خلق
_________________
(١) - سورة النساء:٨٢.
(٢) - سورة المؤمنون: الآية١٠١
(٣) -سورة الصافات:٢٧.
(٤) - سورة النساء، الآية: ٤٢.
(٥) -سورة الأنعام: الآية٢٣.
(٦) -سورة النازعات: الآية٢٧.
(٧) -سورة النازعات:٣٠.
[ ٤١ ]
الأرض، ثم قال: ﴿ َإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿ طَائِعِينَ﴾ (٢) . فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣)، ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٤)، ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٥) . فكأنه كان ثم مضى. فقال ابن عباس - ﵄ -: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٦)، في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور، فصعق من في السموات ومن الأرض، إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك، ولا يتساءلون. ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وأما قوله: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾: فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فخُتم على أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرِف أن الله لا يُكتمُ حديثًا، وعنده ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٧) .
وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله ﴿دَحَاهَا﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: سمى نفسه ذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله
_________________
(١) - سورة فصلت: من الآية٩.
(٢) - سورة فصلت: الآية١١.
(٣) - سورة النساء: الآية٩٦.
(٤) -سورة النساء: الآية١٦٥.
(٥) - سورة النساء: الآية١٣٤.
(٦) - سورة المؤمنون: الآية١٠١
(٧) - سورة النساء: الآية٤٢.
[ ٤٢ ]
لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله (١) . ا. هـ (٢) .
السبب الثالث: تحسين الظن بالعقل:
من أسباب حدوث البدع تحسين الظن بالعقل، وبيان ذلك من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن الله جعل للعقول في إدراكها حدًّا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلًا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري ﷾ في إدراك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون؛ إذ لو كان كيف يكون؟
فعلم الله لا ينتهي، وعلم العبد ينتهي، وما ينتهي لا يساوي ما لا ينتهي.
وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلًا، وصفاتها وأحوالها، وأفعالها وأحكامها، جملة وتفصيلًا.
فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أحواله ولا في أحكامه، بخلاف العبد؛ فإنَّ علمه بذلك الشيء قاصر ناقص، وهذا في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل.
إن المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- قسم ضروري: لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده، وأن الواحد أكثر من الاثنين.
٢- وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يُعلم به، أو يجعل له طريق إلى العلم به: وذلك كعلم المغيبات عنه، سواء كانت قريبة منه أو بعيدة عنه.
٣- قسم نظري: يمكن أن يعلمه وممكن أن لا يعلمه، وتلك هي الممكنات التي تدرك
_________________
(١) - يراج: صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري (٨/٥٥٥- ٥٥٩)، كتاب التفسير. وقد رواه البخاري تعليقًا، ثم قال في آخره: (حدثني يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بهذا) - ورواه المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -.
(٢) - يراجه: الاعتصام للشاطبي (٢/٣٠٤- ٣١٧)، وكذلك البدعة والمصالح المرسلة ص (١٣٣- ١٤٢) .
[ ٤٣ ]
بواسطة لا بنفسها إلا أن يعلم بها إخبارًا.
وقد زعم أهل العقول أنفسهم أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة؛ لاختلاف القرائح والأنظار، وإذا وقع الخلاف فيها، كان لابد من مخبر يأتي بالحق أو مجتهد يُبين الصواب، وقد تعارضت الأدلة لتعارض العقول؛ إذ لابد أن يكون أحد المجتهدين مصيبًا والآخر على شبهة، فلابد إذًا من إخبار يكون صادقًا لا يحتمل الكذب أو الضلال، ولا يكون هذا إلا في الوحي والعلم الإلهي الذي يكون على يد رسول.
إذن، لا وثوق بالعقل، ولا مناص من الرجوع إلى الوحي الإلهي.
الوجه الثاني:
لما ثبت قصور العقل في الإدراك والعلم، ثبت أنه قد يحيط بشيء دون آخر؛ لأن علمه غير محيط وشامل، فما ادَّعى علمه لم يخرج عن تلك الأحكام الشرعية التي زعم أنه أدركها؛ لإمكان أن يدركها من وجه دون وجه، وعلى حال دون حال، والدليل على ذلك: أحوال أهل الفترات فإنهم وضعوا أحكامًا على العباد بمقتضى السياسات، لا تجد فيها أصلًا منتظمًا، وقاعدة مطردة على الشرع بعد ما جاء، بل استحسنوا أمورًا تجد العقول بعد تنويرها يالشرع تنكرها، وترميها بالجهل والضلال، مع الاعتراف بأنهم أدركوا بعقولهم أشياء قد وافقت وجاء الشرع بإقرارها وتصحيحها، ومع أنهم كانوا أهل عقول باهرة، وأنظار صافية وتدبيرات لدنياهم شاملة، لكنها بالنسبة إلى ما لم يصيبوا فيه قليلة، فلأجل هذا كله وقع الإعذار والإنذار، وبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجَّةً بعد الرسل، والله الحجة البالغة، والنعمة السابغة.
فالإنسان مهما ظن أنه أتقن وأجاد وأبدع في أمر من الأمور إلا ويتبين له قصوره، ويتمنى أن يعيد هذا العمل ويلحظ فيه ما غاب عنه، وهذا يدل على القصور الذي يعتري العقل، ولكن الشرع بخلاف ذلك؛ لأنه من عند الحكيم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علمًا، وكل شيءٍ عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال.
الوجه الثالث:
أن ما ندري علمه في الحياة ينقسم كما تقدم إلى: بدهي، وضروري، وغيره وهو النظر الكسبي، والنظري لا يعرف إلا من طريق ضروري، إما بواسطة أو بغير واسطة؛
[ ٤٤ ]
إذ قد اعترف الجميع أن العلوم المكتسبة لابد في تحصيلها من توسط مقدمتين معترف بهما، فإن كانتا ضروريتين فذاك، وإن كانتا مكتسبتين، فلا بد في اكتساب كل واحدة منهما من مقدمتين، وينظر فيهما كما تقدم، وكذلك إن كانت واحدة ضرورية وأخرى مكتسبة، فلابد للمكتسبة من مقدمتين، فإن انتهينا إلى ضرورتين فهو المطلوب، وإلا لزم التسلسل أو الدور وكلاهما محال. فإذًا، لا يمكن أن نعرف غير الضروري إلا منهما مما عقلنا وعلمنا من مشاهدة باطنة كالألم واللذة، أو بديهي للعقل كعلمنا بوجودنا، وما أشبه ذلك مما هو معتاد لنا في هذه الدار؛ لأننا لم يتقدم لنا علم إلا بما هو معتاد في هذه الدار. أما الشيء غير المعتاد، فقبل النبوات لم يكن لنا به علم ولا معرفة، فلما جاءت النبوات بما ليس لنا به علم ولا عادة لم نحل ما لم نعرف إلا على ما عرفنا، ولذلك أنكر الناس هذا لأنهم لم يعرفوه، كقلب العصا ثعبانًا، وفرق البحر.
وعلى هذا ينبغي إدراك أمرين:
الأول: أن العقل ما دام على هذه الصورة لا يجعل حاكمًا بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع، بل الواجب على العاقل أن يقدم ما حقه التقديم وهو الشرع، ويؤخر ما حقه التأخير وهو نظر العاقل القاصر؛ لأنه لا يصح تقديم الناقص على الكامل؛ لأنه خلاف المعقول والمنقول.
الثاني: إذا وجد الإنسان في الشرع إخبارًا يقتضي ظاهرًا خرق العادة المألوفة التي لم يعرفها ولم يسبق له أن رآها، أو علم بها علمًا صحيحًا يصدق به، فلا يجوز أن يقدم لأول وهلة الإنكار بإطلاق، بل أمامه أحد أمرين:
إما أن يصدق به حسب ما جاء به، ويكل العلم فيه إلى عالمه، وهو ظاهر قوله تعالى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (١) .
أن يتأوله على ما يمكن حمله عليه مع الإقرار بمقتضى الظاهر.
والأمثلة على خوارق العادات كثيرة منها:
وزن الأعمال، وعذاب القبر، وإنطاق الجوارح شاهدة على صاحبها، ورؤية الله في الآخرة (٢) .
_________________
(١) -سورة آل عمران: الآية٧.
(٢) - يراجع: الاعتصام (٢/٣٢٨-٣٣١) .
[ ٤٥ ]
فالحاصل: أنه لا ينبغي للعقل أن يتقدم بين يدي الشرع فإنه من التقدم بين يدي الله ورسوله (١) .
السبب الرابع: اتباع الهوى.
يطلق الهوى على هوى النفس، وهوى النفس: إراداتها، والجمع: أهواء، والهوى: محبة الإنسان الشيء وغلبته على قلبه. قال تعالى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٢)، أي: نهاها عن شهواتها، وما تدعو إليه من معاصي الله ﷿، والهوى على إطلاقه لا يكون إلا مذمومًا (٣) .
ولذلك سمي أهل البدع، أهل الأهواء؛ لأنهم اتبعوا أهواءهم، فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك (٤) .
واتباع الهوى يتجلى في مظاهر عدة نتائجها عظيمة الخطر، من هذه المظاهر:
الانحراف عن الصراط المستقيم، يؤيد هذا قول الحق ﵎ لرسوله ﷺ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥)، وقول تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٧) .
فقد أمر الله رسوله ﷺ أن يتبع الشريعة ولا يتبع الهوى، ولا يركن إلى أهواء الناس، فإنه إذا مال إلى أهوائهم انحرف عن الصراط المستقيم.
اتباع المتشابه وترك المحكم؛ لأنَّ في المتشابه طلبتهم من التأويل، وإرضاء ما
_________________
(١) - يراجع: الاعتصام (٢/٣١٨-٣٣٧) .
(٢) -سورة النازعات: الآية٤٠.
(٣) - يراجع: لسان العرب (١٥/٣٧٢/٣٧٣)، مادة (هوا) .
(٤) - يراجع: الاعتصام (٢/١٧٦) .
(٥) - سورة الجاثية، الآية:١٨.
(٦) -سورة الشورى: الآية١٥.
(٧) - سورة الأنعام: الآية١٥٠.
[ ٤٦ ]
في قلوبهم من شهوة ومرض وفتنة وفساد، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١)
التقيد بالشهوات والعمل لها، والسير وراء مظاهر الحياة الزائفة وترك ما أمرهم الله ﷾ به، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (٢) .
صاحب الهوى أعمى أصم أبكم، لا يرى خيرًا ولا يسمع نصحًا، ولا ينطق خيرًا، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ (٣) .
أن صاحب الهوى منافق؛ لأنه يميل حيث يميل هواه فيظهر بمظهر الجد والحزم أمام الناس، ولكنه يفعل ما يمليه عليه هواه، وقد أحسن الله وصف أهل الأهواء بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ (٤) .
لهذا، فإن صاحب الهوى معرض لكل هذه المظاهر الخطيرة مهلك لنفسه ولغيره، ومن أجل ذلك ورد التحذير من اتباع الهوى في الكتاب والسنة (٥) .
والأمثلة كثيرة على كون الإعراض عن الدليل والاعتماد على أصحاب الهوى سبب في حدوث البدع، والخروج عن منهج الصحابة والتابعين والسلف الصالح، فإنهم لما اتبعوا أهواءهم بغير علم ضلوا عن سواء السبيل.
ومن هذه الأمثلة- وهو أشدها -: قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين، هو المرجوع إليه دون غيره، حتى ردُّوا بذلك براهين الرسالة، وحجَّة القرآن، ودليل العقل، فقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ (٦) .
_________________
(١) -سورة آل عمران: الآية٧.
(٢) - سورة لنجم: الآية٢٣.
(٣) - سورة الجاثية: الآية٢٣.
(٤) - سورة محمد:١٦.
(٥) - يراجع: الاعتصام (٢/٣٣٧- ٣٤٦)، والبدعة والمصالح المرسلة ص (١٤٩، ١٥٠) .
(٦) - سورة الزخرف: الآية٢٢.
[ ٤٧ ]
فحين نُبِّهُوا على وجه الحجَّة بقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ (١)، لم يكن لهم جواب إلاَّ الإنكار، اعتمادًا على اتباع الآباء، واطراحًا لما سواه ولم يزل مثل هذا مذمومًا في الشرائع، كما حكي الله ﷾ عن قوم نوح ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٢) . وعن قوم إبراهيم﵇- بقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ*أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ* قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٣) . إلى آخر ذلك مما في معناه، فكان الجميع مذمومين حين اعتبروا واعتقدوا أن الحقَّ تابع لهم، ولم يلتفتوا إلى أنَّ الحق هو المقدَّمُ (٤) .
السبب الخامس: القول في الدين بغير علم وقبول ذلك من قائله.
لقد حذَّر الله ﷾ من القول بغير علم، وجعل ذلك من المحرمات، بل من أكبرها، فقال في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥) . فقد عطف الله ﷾ القول بغير علم على الإشراك بالله وكفى بذلك ذمًّا وترهيبًا.
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ (٦) . فالقول بغير علم كذب، والكذب حرام، واستجابة لدعوة الشيطان. وقد حذرنا الله تعالى من اتباعه فقال جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧) .
وقد وردت أحاديث تحذر من الفتوى أو الحكم بغير علم، وخاصة فيها يتعلق
_________________
(١) - سورة الزخرف: الآية٢٤.
(٢) -سورة المؤمنون: الآية٢٤.
(٣) - سورة الشعراء: الآيات ٧٢ - ٧٤.
(٤) - يراجع: الاعتصام (٢/٣٤٧) .
(٥) -سورة لأعراف:٣٣.
(٦) - سورة الأنعام: الآية١٤٤.
(٧) - سورة البقرة:١٦٨- ١٦٩.
[ ٤٨ ]
بأمور الدين. قال ﷺ: «من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه» (١) . وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار. فإما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (٢) .
والقولُ في الدِّين بغير علم إضلال، وعلى من أضلَّ إثمُ من وقع في الضلال بسبب إضلاله، فضلًا عن إثمه؛ لوقوعه في الضلال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣) .
فيجب على من لا يعلم أن يقول: لا أدري، أو أن يسأل غيره، ولنا في رسول الله ﷺ أُسْوةٌ حسنة، فعندما سُئِل عن شرِّ البقاع، قال: «لا أدري» (٤) .
وقال ﵊: «ما أدري أتُبَّعٌ لعين هو أم لا، وما أدري أعزير نبي هو أم لا» (٥) .
ولَمَّا سُئِل ابن عمر﵄ - عن مسألة فقال: «لا علم لي بها، فلما
_________________
(١) - رواه أبو داود في سننه (٤/٦٦) كتاب العلم، حديث رقم (٣٦٥٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٢٦) كتاب العلم، وقال: على شرطهما ووافقه الذهبي في تلخيصه. ورواه غيرهما.
(٢) - رواه أبو داود في سننه (٤/٥)، كتاب الأقضية، حديث رقم (٣٥٧٣) . ورواه ابن ماجه في سننه (٢/٧٧٦)، كتاب الأحكام، حديث رقم (٢٣١٥) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/٢٦٤) رقم (٦١٨٩) وأشار إلى أنه صحيح.
(٣) - سورة النحل:٢٤، ٢٥.
(٤) - رواه أحمد في مسنده (١/٨١)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/٨٩)، وقال: قد احتجا جميعًا برواة هذا الحديث إلا عبد الله بن محمد بن عقيل. وسكت عنه الذهبي. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/١٢٨)، رقم (١٥٤٥، ١٥٤٦) . ورواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/١٧٠) . وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد: أنه رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني والبزار، ورجال أحمد وأبي يعلى والبزار رجال الصحيح خلا عبد الله بن محمد بن عقيل وهو حسن وفيه كلام. يراجع: مجمع الزوائد (٤/٧٦) .
(٥) - رواه أبو داود في سننه (٥/٣٤، ٣٥) . حديث رقم (٤٦٧٤) .
[ ٤٩ ]
أدبر الرجل قال ابن عمر: نِعْم ما قال ابن عمر: سئِل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به» (١) .
فإذا مارس الجاهلُ العلم، وأفتى في الدِّين، وقع في البدعة قاصدًا أو غير قاصد، وكان مبتدعًا بادِّعائهِ العلم أولًا، وبما استحدثه مما خالف الشرع بعد ذلك، وانتشار ذلك سبب في قبض العلم، وفشو الجهل والظلام، قال ﷺ: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يُقبضُ العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسُئِلُوا فأفتُوا بغير علم فضلُّوا وأضلًّوا» (٢)
على أن الجهل ليس قاصرًا على من ليس عنده علم مطلقًا، فإنه يشمل من عنده علم كثير، ولكنه يتجاوز ما يعلم إلى ما لا يعلم ويتجرأ على ما لا يعرف، بلا دليل واضح، أو اجتهاد مقبول.
وألوان الجهل كثيرة، وكلهما تؤدي إلى إحداث البدع؛
فمنها: الجهل بأساليب اللغة.
ومنها: الجهل بالسنَّةِ، وسنتكلم عنه في السبب التالي من أسباب الابتداع.
_________________
(١) - رواه الحاكم في المستدرك (٣/٥٦١) كتاب معرفة الصحابة، ولم يعلق عليه. وكذلك الذهبي. ورواه الدارمي في سننه (١/٦٣) . ورواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/٥٢) .
(٢) -رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/١٩٤) كتاب العلم، حديث (١٠٠) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٦/٢٢٣، ٢٢٤) كتاب العلم. وفي رواية مسلم: حتى إذا لم يترك عالمًا» .
[ ٥٠ ]
السبب السادس: الجهل بالسنة:
ويشمل:
أ- الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها.
ب- الجهل بمكانة السنة من التشريع.
أ- الجهل بالتمييز بين الأحاديث المقبولة وغيرها.
ومعنى ذلك: الجهل بمصطلح الحديث، وعدم التفريق بين الأحاديث الصحيحة وبين الأحاديث الضعيفة والموضوعة أيضًا، ونتيجة لهذا الجهل اعتمد المبتدعة على الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ والضعيفة، كمصدر من مصادر التشريع، والحكم على الأمور المحدثة بأنها سنن.
وقد اتفق العلماء على عدم الأخذ بالأحاديث الموضوعة على رسول الله ﷺ، وعدم اعتبارها، لا في فضائل الأعمال ولا غيرها؛ لأنها ليست من الشرع، وكذلك لما ورد في ذلك من الآثار.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال ﷺ: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٣)، وقال﵇-: «لا تكذبوا على فإنَّهُ من كذب على فليلج النار» (٤) .
وقد شدَّد العلماء في النكير على ذلك: قال الشيخ أبو محمد الجويني
_________________
(١) - سورة الاسراء: الآية٣٦.
(٢) -سورة البقرة:١٦٩.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/٢٠٢) كتاب العلم، حديث (١١٠) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/٦٧، ٦٨) المقدمة.
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/١٩٩) كتاب العلم، حديث (١٠٦) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/٦٦) المقدمة.
[ ٥١ ]
الشافعي: (يكفر من تعمد الكذب على الرسول ﷺ ولو لم يستحله، والجمهور على أنه لا يكفر بذلك، ولكنه يفسق وتُردّ رواياته كلها، ويبطل الاحتجاج بجميعها) (١) .
فكثير من البدع التي أُحدثت، قد اعتمد محدثوها على أحاديث ضعيفة بل أكثرها موضوع، كالذين اخترعوا أذكارًا وأدعية خاصة لبعض الشهور، وتخصيص بعض الشهور بالصيام أو العمرة، والتوسيع على أهل البيت في عاشوراء والاكتحال فيه والاختضاب، وغير ذلك من البدع التي هي موضوع بحثنا هذا. فلو كان لهم علم بالسنة، ما اعتمدوا على هذه الأحاديث الموضوعة التي سبق وذكرت أنه لا يعتمد عليها أبدًا لا في الفضائل ولا في غيرها.
أما من دعا إلى هذه البدع، معتمدًا على هذه الأحاديث الموضوعة مع علمه بأنها موضوعة، فهذا من أصحاب الهوى المتّبع الذين تقدم ذكرهم ومن المتبعين للمتشابه، القاصدين هدم الإسلام ومحاربة أهله، والتشويش على الناس في دينهم متخذين في ذلك أساليب مُقنَّعة، ومن ثم تركهم للسنن ثم الواجبات، مكتفين بما أحدث من هذه البدع.
ب- الجهل بمكانة السنة من التشريع.
إذا كان الجهل بقواعد الحديث- التي يتم على أساسها الحكم عليه بالقبول أو الردّ- قد أدّى إلى الوضع، ودخول ما ليس من السنة فيها، ومعارضة ما ثبت منها به، فإن الجهل بمكانة السنة من الشرع قد أدَّى إلى الخروج عن حد الاتباع، الذي وجهت الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة إليه، تحت دعوى موافقة العقل ونحو ذلك.
ومن أظهر المواقف الشائعة فيما يتصل بهذا الموضوع - موضوع إنكار ما ثبت بالسنة الصحيحة صريحًا واضحًا تحت زعم موافقة العقل - إنكار من أنكر رؤية الله في الآخرة، أو نزول المسيح آخر الزمان، أو عذاب القبر ونحو ذلك.
وانقسم المبتدعة في موقفهم من السنة كأساس تشريعي إلى قسمين:
١- قسم أنكر ما عدا القرآن جملة وتفصيلًا.
٢- وقسم أنكر أخبار الآحاد.
_________________
(١) - يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (١/٦٩)، المقدمة
[ ٥٢ ]
أما القسم الأول: فقد استدلُّوا لما قالوا بـ:
أن في القرآن بيانًا لكل شيء ولا حاجة معه إلى سواه، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١)، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) .
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٣)، ولو كانت السنة حجة لتكفَّل الله بحفظها، ولما حصر الحفظ في القرآن بتقديم الجار والمجرور.
أدلة منكري خبر الواحد (٤):
وما استدلُّوا به واهٍ لا حجة فيه؛ ذلك لأنَّ السنة إنما هي بيان للقرآن، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥)
والعمل بالسنة ليس إلا عملًا بالقرآن، واتباعًا لتوجيهه في الأخذ بها، ثم إن السنة توضح في أحيان كثيرة ما يُراد من الآيات القرآنية، وبدونها لا يمكن فهم المراد من القرآن وبالتالي لا يتيسر العمل بها.
ومثال ذلك: ورد في القرآن الأمر بإقامة الصلاة على العموم، وقد أخرجت السنة من ذلك النساء الحيض، وحددت عدد الركعات، وكيفية الأداء ونحو ذلك.
وجاء القرآن بأحكام الميراث بين المسلمين عامة، ومنعت السنة أن يرث قاتل ممن قتله.
وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود﵁- قال: «لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٦)، قال الصحابة: وأينا لم يظلم؟! فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
_________________
(١) -سورة النحل: الآية٨٩.
(٢) -سورة الأنعام: الآية٣٨.
(٣) - سورة الحجر:٩.
(٤) - ذكر هذه الأدلة: الآمدي في كتابه الإحكام (٢/٦٧-٧١)، ويراجع كذلك: كتاب السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص (١٦٨) .
(٥) -سورة النحل: الآية٤٤.
(٦) - سورة الأنعام: الآية٨٢.
[ ٥٣ ]
عَظِيمٌ﴾ (١») (٢) .
وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: «لعن الله الواشمات والمستوشمات (٣)، والمتنمصات (٤)
والمتفلجات (٥) للحسن المغيرات خلق الله تعالى، فقالت امرأة كانت تقرأ القرآن - أي تحفظه - تسمى أم يعقوب (٦): ما هذا؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعنة رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله؟ قالت: والله لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدته، فقال عبد الله: والله لئن قرأتيه وجدتيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٧») (٨) .
وعن الحسن قال: بينما عمران بن حصين يحدث عن سنة نبينا ﷺ إذ قال
_________________
(١) - سورة لقمان: الآية١٣.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٢٩٤) كتاب التفسير، حديث (٤٦٢٩) .
(٣) - الواشمات والمستوشمات: الوشم: أن يُغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره، أو يخضر. يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/١٨٩) .
(٤) - المتنمصات: النامصة: التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: التي تأمر من يفعل بها ذلك. يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/١١٩) .
(٥) - المتفلجات: الفلج: فرجة ما بين الثنايا والرباعيات، والمتفلجات: النساء اللاتي يفعلن ذلك بأسنانهن رغبة في التحسين. يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/٤٦٨) .
(٦) - قال ابن حجر العسقلاني: لا يُعرف اسمها. يراجع: فتح الباري (٨/٦٣٠) .
(٧) - سورة الحشر: الآية٧.
(٨) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الفتح الباري (٨/٦٣٠)، كتاب التفسير، حديث رقم (٤٨٨٦) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٤/١٠٥-١٠٧) كتاب اللباس والزينة.
[ ٥٤ ]
له رجل: يا أبا نجيد! حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرؤون (١) القرآن، أكنت محدثي عن الصلاة وحدودها؟ أكتب محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال، ولكن قد شهدتُ وغبت، ثم قال: فرض علينا رسول الله ﷺ في الزكاة كذا وكذا. فقال الرجل: أحييتني أحياك الله. قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين» (٢) .
وكان طاوس يصلي ركعتين بعد العصر، فقال له ابن عباس: «اتركهما. فقال: إنَّما نهى عنهما أن تُتخذا سُلَّما يوصل إلى الغرور، فقال ابن عباس: فإنَّ النبي ﷺ قد نهى عن صلاة بعد العصر، وما أدري أتعذب عليها أم تؤجر؟ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..﴾ (٣» (٤) .
وقد ورد تحذير الرسول ﷺ من هذه البدعة، وتنفيره منها:
فعن أبي رافع - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال والناس حوله: «لا أعرفن أحدكم
_________________
(١) - وهكذا وردت في المستدرك للحاكم (١/١٠٩) . لعل صحة الكلمة - والله أعلم -: تقرؤون.
(٢) - رواه الحاكم في المستدرك (١/١٠٩-١١٠) كتاب العلم، وصححه، وسكت عنه الذهبي. ورواه أبو داود بنحوه (٢/٢١١) كتاب الزكاة، حديث (١٥٦١) .
(٣) -سورة الأحزاب: الآية٣٦.
(٤) - رواه الحاكم في المستدرك (١/١١٠) كتاب العلم. وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي في تلخيصه. ورواه الشافعي في الرسالة ص (٤٤٣) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/١٨٩) .
[ ٥٥ ]
يأتيه أمر من أمري قد أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكئ على أريكته، فيقول: ما وجدنا في كتاب الله عملنا به وإلا فلا» (١) .
وأما ما استدلَّ به القائلون بهذه البدعة - إنكار السن - من الآيات، فلا يفيد ما ادعَّوه؛ لأنَّ بيان الكتاب لكل شيء إنما هو بحسب ما أشار إليه من أصول الأدلة، التي يمكن معها فهم ما أجمله القرآن، ومعرفة حكم ما لم يرد النص القرآني بحكمه صراحة. وأول هذه الأصول: السنة النبوية الشريفة.
والمراد بالكتاب في قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢): هو اللوح المحفوظ (٣) .
والحصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٤)، ليس حقيقًا؛ لأنّ الله حفظ أشياء غير القرآن، وقال تعالى: ﴿يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٥)، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٦)، أي: يحفظك.
وأما استدلُّوا به من أدلة منكري خبر الواحد: فأدلة المنكرين لخبر الواحد والرد عليها تطول في مقامنا هذا، ولاسيما أنه لا علاقة له بموضوع بحثنا، ولكن من باب الفائدة نذكر خلاصة الرد عليهم:
* قال الخطيب البغدادي: (وعلى العمل بخبر الواحد كان كافة التابعين،
_________________
(١) - رواه أبو داود في سننه (٥/١٢) كتاب السنة، وقال: حديث (٤٦٠٥) . رواه الترمذي في سننه (٤/١٤٤) أبواب العلم، حديث (٢٨٠٠)، وقال: حديث حسن. ورواه بعضهم مرسلًا. ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٠٨) كتاب العلم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. ورواه الآجري في كتاب الشريعة ص (٥٠) .
(٢) - سورة الأنعام: الآية٣٨.
(٣) - يراجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/٤٢٠) .
(٤) - سورة الحجر:٩.
(٥) - سورة البقرة: الآية٢٥٥.
(٦) -سورة المائدة: الآية٦٧.
[ ٥٦ ]
ومن بعدهم من الفقهاء الخالفين، في سائر أمصار المسلمين إلى وقتنا هذا، ولم يبلغنا عن أحد منهم إنكار لذلك، ولا اعتراض عليه فثبت أن من دين جميعهم وجوبه؛ إذ لو كان فيهم من كان لا يرى العمل به لنقل إلينا الخبر عنه بمذهبه فيه، والله أعلم) (١) ا. هـ.
ومن الجهل بمكانة السنة من التشريع:
تقديم غيرهم مما لا يثبت إلا بها عليها، أو معارضتها به، كالقياس والاستحسان ونحو ذلك، أي: تقديم الرأي على النص.
والاجتهاد في الشريعة الإسلامية لابد من اعتماده على النصِّ وتقديمه على كل ما سواه، فإذا ما وجد نص في مسألة وجب المصير إليه.
وقد أرشدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكذلك الآثار عن السلف الصالح إلى هذا الأمر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤) .
وفي الحديث: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى بدا فيهم أبناء سبايًا الأمم، فأفتوا بالرأي فضلُّوا وأضلُّوا» (٥) .
_________________
(١) - يراجع: الكفاية في علم الرواية ص (٧٢) .
(٢) - سورة المائدة: الآية٤٤.
(٣) - سورة المائدة: الآية٤٥.
(٤) - سورة المائدة: الآية٤٧.
(٥) - رواه ابن ماجه (١/٢١) المقدمة، حديث (٥٦)، قال في الزوائد: إسناده ضعيف. يُراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/١١) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٠)، باب في القياس والتقليد: رواه البزار وفيه قيس بن الربيع، وثقة شعبة والثوري، وضعفه جماعة. وقال ابن القطان: هذا إسناد حسن. ا. هـ.
[ ٥٧ ]
وعن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر الصديق - ﵁ - إذا ورد عليه حكم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به، وإن لم يجد في كتاب الله نظر في سنة رسول الله ﷺ، فإن وجد فيها ما يقضي به قضى، فإن أعياه ذلك سأل الناس: هل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فيه بقضاء؟ فربما قام إليه القوم فيقولون: قضى فيه بكذا وكذا. فإن لم يجد سنة سنها النبي ﷺ، جمع رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وكان عمر - ﵁ - يفعل ذلك، فإذا أعياه أن يجد ذلك في الكتاب والسنة سأل: هل كان أبو بكر قضى فيه بقضاء؟ فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به (١) .
وفي حديث قبض العلم قال ﷺ: « فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضِلون» (٢) .
وقال ابن مسعود - ﵁ -: «لا يأتي عليكم زمان إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفًا ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم» (٣) .
_________________
(١) - رواه الدارمي في سننه (١/٥٨) باب الفتيا وما فيه من الشدة. ويراجع أيضًا: إعلام الموقعين (١/٦٢) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٢٨٢) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث رقم (٧٣٠٧) . ورواه مسلم بنحوه في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٦/٢٢٥) كتاب العلم.
(٣) - رواه الدارمي في سننه (١/٦٥) باب تغير الزمان. ورواه ابن عبد البر في بيان العلم (٢/١٣٥) باب ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٠): «رواه الطبراني في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وقد اختلط» ا. هـ. ورواه البخاري أوله مرفوعًا إلى النبي ﷺ في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/١٩) كتاب الفتن، حديث (٧٠٦٨) .
[ ٥٨ ]
وقد اختلف العلماء في الرأي المقصود إليه بالذمِّ في الآثار المتقدمة فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد بمخالفة السنن؛ لأنهم استعملوا آراءهم وأقيستهم في ردِّ الأحاديث، حتى طعنوا في المشهور منها الذي بلغ التواتر؛ كأحاديث الشفاعة، وأنكروا أن يخرج أحد من النار بعد أن يدخلها، وأنكروا الحوض، والميزان، وعذاب القبرإلى غير ذلك من كلامهم في الصفات والعلم والنظر.
وقال أكثر أهل العلم: الرأي المذموم الذي لا يجوز النظر فيه ولا الاشتغال به، هو ما كان في نحو ذلك من ضروب البدع.
قال أحمد بن حنبل - ﵀ -: (لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل) (١) .
وقال جمهور أهل العلم: الرأي المذموم في الآثار المذكورة، هو القول في الأحكام بالاستحسان، والتشاغل بالأغلوطات، ورد الفروع بعضها إلى بعض، دون ردّها إلى أصول السنن. والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن تنزل وفرعت وشققت قبل أن تقع، وتكلم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن.
ففي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل للسنن والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها ومن كتاب الله ﷿ ومعانيه (٢) .
السبب السابع: اتباع المتشابه:
من أسباب الابتداع القوية: اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة من العلماء المبتدعين، وابتغاء تأويله من الجهلة المتعالمين.
_________________
(١) - الدغل - بالتحريك -: الفساد. والداغل: الذي ينبغي أصحابه الشر، يدغل لهم الشر، أي يبغيهم الشر ويحسبونه يريد لهم الخير. يراجع: لسان العرب (١١/٢٤٤، ٢٤٥) مادة (دغل) .
(٢) - يراجع: بيان العلم وفضله (٢/١٣٨-١٣٩) النهي عن كثرة المسائل. وذكره ابن حجر في فتح الباري (١٣/٢٨٩، ٢٩٠) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.
[ ٥٩ ]
والأصل في بيان هذا السبب قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) .
وقسَّم الشاطبيّ المتشابه إلى قسمين:
١- حقيقي: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ . وهو ما لم يجعل لنا سبيل إلى فهم معناه، ولا نصب لنا دليل على المراد منه، فإذا نظر المجتهد في أصول الشريعة وتقصاها وجمع أطرافها لم يجد فيها ما يحكم له معناه، ولا ما يدل على مقصوده ومغزاه، ولا يكون إلا فيما لا يتعلق به تكليف سوى مجرد الإيمان به.
٢- إضافي: وتشابهه من جهة أن الناظر قصر في الاجتهاد أو زاغ عن طريق البيان، اتباعًا للهوى فلا يصحّ أن ينسب الاشتباه إلى الأدلة، وإنَّما ينسب إلى الناظرين التقصير أو الجهل بمواقع الأدلة، فيطلق عليهم أنهم متبعون للمتشابه؛ لأنهم إذا كانوا على ذلك مع حصول البيان فما الظن بهم مع عدمه
ومن هؤلاء: المعتزلة (٢)، والخوارج (٣)، وغيرهم (٤) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (والذي اقتضى شهرة القول عن أهل السنة، بأن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ظهور التأويلات الباطلة من أهل البدع؛
_________________
(١) - سورة آل عمران:٧.
(٢) - المعتزلة: هم القائلون بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف لذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا، فقالوا: هو عالم بذاته قادر بذاته حيٌّ بذاته، لا بعلم ولا قدرة ولا حياة، وهي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنَّه لو شاركته الصفات في القدم لشاركته في الإلهية. وقالوا بأن كلام الله محدث مخلوق، وما في المصحف حكاية عنه. وسُمُّوا بهذا الاسم؛ لأنهم اعتزلوا مجلس الحسن البصري بعد قولهم بالمنزلة بين المنزلتين. يراجع: الملل والنِّحل للشهرستاني ص (٤٣-٤٨) .
(٣) - الخوارج: هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع المارقين، القائلون بتكفير عثمان وعلي -﵄ -، ويقدمون ذلك على كل طاعة، وكذلك تكفير الحكمين، وكل من رضي بالتحكيم، ويكفّرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا، وينقسمون إلى عدة فرق. يُراجع: الفرق بين الفرق للبغدادي ص (٥٥)، والملل والنحل للشهرستاني ص (١١٤- ١٣٧)، ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٤٩) .
(٤) - يراجع: الموافقات (٣/٥٥، ٥٦) .
[ ٦٠ ]
كالجهمية (١)، والقدرية (٢) من المعتزلة وغيرهم، فصار أولئك يتكلمون في تأويل القرآن برأيهم الفاسد، وهذا أصل معروف لأهل البدع، أنهم يفسرون القرآن برأيهم العقلي، وتأويلهم اللغوي، فتفاسير المعتزلة مملوءة بتأويل النصوص المثبتة للصفات والقدر على غير ما أراده الله ورسوله فإنكار السلف والأئمة هو لهذه التأويلات الفاسدة، كما قال الإمام أحمد بن حنبل في ما كتبه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن وتأوَّلته على غير تأويله، فهذا الذي أنكره السلف والأئمة من التأويل.
فجاء بعدهم قوم انتسبوا إلى السنة بغير خبرة تامة بها، وبما يخالفها ظنُّوا أن المتشابه لا يعلم معناها إلا الله، فظنُّوا أن معنى التأويل هو معناه في اصطلاح المتأخرين، وهو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح، فصاروا في موضع يقولون وينصرون أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله ثم يتناقضون في ذلك من وجوه:
أحدهما: أنهم يقولون: النصوص تجري على ظواهرها، ولا يزيدون على المعنى الظاهر منها، ولهذا يبطلون كل تأويل يخالف الظاهر، ويقرون المعنى الظاهر، ويقولون مع هذا، إنَّ له تأويلًا لا يعلمه إلا الله، والتأويل عندهم ما يناقض الظاهر، فكيف يكون له تأويل يخالف الظاهر، وقد قرر معناه الظاهر؟! .
ومنها: أنا وجدنا هؤلاء كلهم لا يحتج عليهم بنص يخالف قولهم، لا في مسألة أصلية، ولا فرعية، إلا تأوَّلُوا ذلك النص بتأويلات متكلفة مستخرجة من جنس تحريف الكلم عن مواضعه، من جنس تأويلات الجهمية والقدرية للنصوص التي تخالفهم، فأين هذا من قولهم: لا يعلم معاني النصوص المتشابهة إلا الله تعالى؟!.
وهذا أحمد بن حنبل إمام أهل السنة الصابر في المحنة. لما صنف كتابه في الرد
_________________
(١) - الجهمية: أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر الجهل به، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز، وأن علم الله حادث، وأنكر صفات الله، وأن كلام الله حادث. يراجع: الفرقُ بين الفِرق ص (١٩٩، ٢٠٠) .
(٢) - القدرية: فرقة ضالة تنفي صفات الله الأزلية كالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر وأنه ليس لله اسم ولا صفة، وأن الله لا يُرى، وأن كلام الله حادث مخلوق، وأن الله غير خالق لأكساب الناس، وأن الناس هم الذين يقدرون كسبهم، فهم ينكرون القدر فلذلك سمُّو قدرية. وبدعتهم هذه حدثت في آخر عصر الصحابة وكان أكثرهم في الشام والبصرة وفي المدينة أيضًا، وأصل هذه البدعة أحدثها مجوسي من البصرة ثم تلقَّاها عنه معبد الحهني. وقد أنكر الصحابة عليهم ذلك. يراجع: الفرق بين الفرق ص (٩٣- ٩٤)، ومجموع الفتاوى (٧/٣٨٤- ٣٨٦)، وكذلك (١٣/٣٦، ٣٧) .
[ ٦١ ]
على الزنادقة والجهمية، فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويله، تكلِّم على معاني المتشابه، الذي اتبعه الزائغون، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله، آية آية، وبين معناها، وفسَّرها ليبين فساد تأويل الزائغين، واحتجَّ على أن الله يُرى، وأن القرآن غير مخلوق، وأن الله فوق العرش، بالحجج العقلية والسمعية، ورد ما احتجَّ به النفاة من الحجج العقلية والسمعية، وبين معاني الآيات التي سمَّاها هو متشابهة، وفسرها آية آية، وحديثًا حديثًا، وبين فساد ما تأولها عليه الزائغون، وبين هو معناها، ولم يقل أحمد﵀-: أن هذه الآيات والأحاديث لا يفهم معناها إلا الله، ولا قال أحد له ذلك، بل الطوائف كلها مجتمعة على إمكان معرفة معناها، لكن يتنازعون في المراد كما يتنازعون في آيات الأمر والنهي
وكان الإمام أحمد﵀ينكر طريقة أهل البدع الذين يفسِّرون القرآن برأيهم وتأويلهم من غير استدلال بسنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة، والتابعين، الذين بلَّغهم الصحابة معاني القرآن، كما بلَّغُوهم ألفاظه، ونقلوا هذا كما نقلوا هذا، لكن أهل البدع يتأوَّلُون النصوص بتأويلات تخالف مراد الله ورسوله، ويدعون أن هذا هو التأويل الذي يعلمه الراسخون، وهم مبطلون في ذلك، لاسيما تأوّلات القرامطة والباطنية (١)
الملاحدة،
_________________
(١) - القرامطة والباطنية: من الفرق الخارجة عن الإسلام، وعقيدتهم أن أحد الصانعين قديم هو الإله الفاعل، والإله خلق النفس، فالإله هو الأول والنفس هو الثاني وهما مدبرا هذا العالم، وربما سموهما العقل والنفس، ثم إنهم قالوا إنهما يدبران العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأولى، وقولهم هذا بعينه قول المجوس؛ لأنَّ مؤسس الباطنية مجوسي وهو ميمون بن ديصان المعروف بالقداح - جد العبيديين -. وممن استجاب لدعوته: حمدان قرمط، وإليه تنسب القرامطة فهم من الباطنية. وهؤلاء المجوس كانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفًا من سيوف المسلمين، فكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وأسسوا مذهبهم على أمور سموها (السابق) و(التالي) و(الأساس) و(الحجج) و(الدعاوى) وأمثال ذلك من المراتب، وترتيب الدعوة سبع درجات، آخرها البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، وتأوَّلُوا آيات القرآن والأحاديث على هذه الأسس، وكذلك تأولوا أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة أو إلى مثل أحكام المجوس، فأباحوا لأتباعهم نكاح البنات والأخوات وشرب الخمر وجميع اللذات، ويدَّعُون أن الملك سيزول عن المسلمين ويرجع إلى المجوس، فهم ينتظرون رجوعه إليهم، ووجدوا أن أسهل الطرق لاستمالة المسلمين لاتباعهم هو إظهار التشيع لآل البيت فكان منهم حكام مصر وهم العبيديين الذين يزعمون أنهم من سلالة فاطمة بنت الرسول ﷺ. فغرض الباطنية هو الدعوة إلى دين المجوس بتأويلات يتأولون عليها القرآن والسنة. يُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٢٠-١٤٤)، والفرق بين الفرق ص (٢٦٥-٢٩٩)، وفضائح الباطنية ص (١١-١٤) .
[ ٦٢ ]
وكذلك أهل الكلام المحدث من الجهمية والقدرية وغيرهم.
ولكن هؤلاء يعترفون بأنهم لا يعلمون التأويل، وإنما غايتهم أن يقولوا: ظاهر هذه الآية غير مراد، ولكن يحتمل أن يُراد كذا، وأن يُراد كذا. ولو تأولها الواحد منهم بتأويل معين، فهو لا يعلم أنه مُراد الله ورسوله، بل يجوز أن يكون مراد الله ورسوله عندهم غير ذلك؛ كالتأويلات التي يذكرونها في نصوص الكتاب والسنة كما يذكرونه في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (١)، و﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، و﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣)، و﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٤) . وقوله ﷺ: «وينزل ربنا» (٥» (٦) .
السبب الثامن: الأخذ بغير ما اعتبره الشرع طريقًا لإثبات الأحكام:
ومن أسباب حدوث البدع، الأخذ بغير ما اعتبره الشرع طريقًا لإثبات الأحكام، ويتمثل هذا في الاستناد إلى رؤيا الرسول ﷺ في النوم، وأخذ الأحكام عنه، ونشرها بين الناس، أو العمل بها دون نظر إلى موافقتها للشريعة أو عدم الموافقة، وهذا خطأ؛ لأنَّ الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، حتى تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها، عُمِل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنَّما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا
_________________
(١) - سورة الفجر:٢٢.
(٢) -سورة طه:٥.
(٣) - سورة النساء:١٦٤.
(٤) - سورة الفتح: الآية٦.
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/٢٩) كتاب التهجد، حديث رقم (١١٤٥)، ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٢١) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٥٨) .
(٦) - يُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٧/ ٤١٢-٤١٦) .
[ ٦٣ ]
فإن قيل: إن الرؤيا من أجزاء النبوة، فلا ينبغي أن تهمل، وأيضًا إن المخبر في المنام قد يكون النبي ﷺ، وهو قد قال: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (١) . وإذا كان كذلك، فإخباره في النوم كإخباره في اليقظة.
فالجواب على ذلك بما يأتي: إن كانت الرؤيا من أجزاء النبوة فليست إلينا من كمال الوحي، بل جزء من أجزائه، والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وقد صرفت إلى وجه البشارة والنذارة وهذا كاف.
وأيضًا: فإنَّ الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة من شروطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشرط مما ينظر فيه، فقد تتوفر وقد لا تتوفر.
وأيضًا: فهي منقسمة إلى الحلم، وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، وتترك غير الصالحة؟ .
ويلزم أيضًا على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي ﷺ، وهو منهي عنه بالإجماع (٢) .
قال النووي - ﵀ - في معنى حديث «من رآني في المنام فقد رآني»:
معنى الحديث: أن رؤيته صحيحة، وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي بها؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا- جمهور المحدثين- على أن من شرط من تُقْبَلْ روايته وشهادته أن يكون متيقظًا، لا مغفلًا ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، مختلّ الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته، لاختلال ضبطه. هذا كله في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة.
أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأنَّ ذلك ليس
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٢/٣٨٣) كتاب التعبير، حديث (٦٩٩٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/٢٦٠، ٢٦١) .
(٢) - يراجع: الاعتصام للشاطبي (١/٢٦٠، ٢٦١) .
[ ٦٤ ]
حكمًا بمجرد المنام، بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم (١) .
فمما يجب الحذر منه ما يقع لبعض الناس وهو أن يرى النبي ﷺ في منامه، فيأمره بشيء أو ينهاه عن شيء فينتبه من نومه فيُقْدمِ على فعله أو تركه بمجرد المنام دون أن يعرضه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلى قواعد السلف - ﵏ - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢) . ومعنى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتاب الله، ومعنى قوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾، أي: إلى الرسول في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، على ما قاله العلماء - ﵏ -، وإن كانت رؤيا النبي ﷺ حقًا لا شك فيها لقوله ﵊: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي» (٣) . لكن لم يكلف الله تعالى عباده بشيء مما يقع لهم في منامهم. قال ﵊: «رُفِع القلم عن ثلاثة..» (٤) وعدَّ فيهم النائم حتى يستيقظ؛ لأنَّه إذا كان نائمًا فليس من أهل التكليف، فلا يعمل بشيء يراه في نومه
وجهٌ.
الوجه الثاني: أن العلم والرواية لا يؤخذان إلا من متيقظ حاضر العقل، والنائم ليس كذلك.
الوجه الثالث: أن العمل بالمنام مخالف لقول صاحب الشريعة ﷺ: «تركتُ فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» (٥) . فجعل - ﵇ - النجاة من الضلالة في التمسك بهذين الثقلين فقط لا ثالث لهما، ومن اعتمد على ما يراه في نومه فقد زاد
_________________
(١) - يُراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (١/١١٥) المقدمة.
(٢) - سورة النساء: الآية٥٩.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٢/٣٨٣) كتاب التعبير، حديث (٦٩٩٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/٢٦٠، ٢٦١) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/١٠٠) عن عائشة - ﵂ -. ورواه أبو داود في سننه (٤/٥٥٨) كتاب الحدود، حديث (٤٣٩٨) عن عائشة. ورواه الترمذي في سننه (٢/٤٣٨) أبواب الحدود، حديث (١٤٤٦) عن علي، وقال حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٦٥٨) كتاب الطلاق، حديث (٢٠٤١) عن عائشة.
(٥) - رواه الحاكم في المستدرك (١/٩٣) كتاب العلم، وسكت عنه ولم يعلق عليه الذهبي. ورواه ابن عبد البر في بيان العلم وفضله (٢/٢٤) باب معرفة أصول العلم. ولم ترد في روايتيهما كلمة (الثقلين) . ورواه مالك في الموطأ يلاغًا (٢/٨٩٩) كتاب القدر. وقال الألباني - ﵀ -: صحيح. يراجع: صحيح الجامع الصغير (٣/ ٣٩) حديث (٢٩٣٤)، وسلسلة الأحاديث الصحيحه (٤/٣٥٥- ٣٦١)، حديث (١٧٦١) .
[ ٦٥ ]
لهما ثالثًا.
فعلى هذا من رأى النبي ﷺ في منامه وأمَرهُ بشيءٍ أو نهاهُ عن شيءٍ فيتعين عليه عرض ذلك على الكتاب والسنة؛ إذ أنه ﵊ إنما كلف أمته باتباعهما. فإذا عرض رؤياه على شريعته ﷺ فإن وافقتها علم أن الرؤيا حق، وأن الكلام حق وتبقى الرؤيا تأنيسًا له، وإن خالفتها، عَلِم أن الرؤيا حق، وأن الكلام الذي وقع له فيها ألقاه الشيطان له في ذهنه والنفس الأمارة؛ لأنهما يوسوسان له في حال يقظته، فكيف في حال نومه! .
ولو كان المنام مما يتعبد به لبيَّنهُ ﷺ، أو نبَّه عليه أو أشار إليه ولو مرة واحدة كما فعل في غيره (١) .
ويحكى أن شُريك بن عبد الله القاضي، دخل على المهدي، فلما رآه قال: علي بالسيف والنطع، قال: ولِم يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت في منامي كأنك تطأ بساطي وأنت معرض عني، فقصصت رؤياي على من عبرها، فقال لي: يُظهر لك طاعة ويضمر معصية، فقال له شُريك: والله ما رؤياك برؤيا إبراهيم الخليل﵇- ولا أن معبرك بيوسف الصديق -﵇ -، فبالأحلام الكاذبة تضرب أعناق المؤمنين؟ فاستحيا المهدي، وقال: اخرج عني (٢) .
السبب التاسع: الغلو في بعض الأشخاص.
ومن أسباب الابتداع أيضًا التغالي في تعظيم الشيوخ والأشخاص إلى درجة
_________________
(١) - يراجع: المدخل لابن الحاج (٤/٢٨٦-٢٨٨) .
(٢) - يراجع: الاعتصام (١/٢٦١، ٢٦٢) .
[ ٦٦ ]
إلحاقهم بما لا يستحقونه، فيزعم بعض الناس أنه لا ولي لله أعظم من فلان، وربما أغلقوا باب الولاية دون سائر الأمة إلا هذا المذكور، وهذا باطل محض، وبدعة فاحشة؛ لأنَّهُ لا يمكن أن يبلغ المتأخرون أبدًا مبالغ المتقدمين، فخير القرون الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به، ثم الذين يلونهم، وهكذا يكون الأمر أبدًا إلى قيام الساعة، فأقوى ما كان أهل الإسلام في دينهم وأعمالهم ويقينهم وأحوالهم في أول الإسلام، ثم لا زال ينقص شيئًا فشيئًا إلى آخر الدنيا، لكن لا يذهب الحق جملة، بل لابد من طائفة تقوم به وتعتقده، وتعمل بمقتضاه على حسبهم في إيمانهم لا ما كان عليه الأولون من كل وجه؛ لأنه لو أنفق أحد المتأخرين وزن أُحُد (١) ذهبًا ما بلغ مدّ أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نصيفه، وإذا كان كذلك في المال فكذلك في سائر شُعب الإيمان.
ومن الناس من يزعم أن فلانًا من الناس مساوٍ للنبي ﷺ، إلا أنه لا يأتيه الوحي ومن هؤلاء الشيعة الإمامية (٢)
. ولولا الغلو في الدين والتكالب على نصر المذهب، والتهالك في محبة المبتدع، لما وسع ذلك عقل أحد، ولكن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع » (٣) الحديث. فهؤلاء غلوا كما غلت النصارى
_________________
(١) - اسم الجبل الذي وقعت عنده غزوة أحد المشهور سنة ٣هـ، وهو جبل أجمر، وبينه وبين المدينة قرابة ميل في شماليها. يراجع: معجم البلدان (١/١٠٩) .
(٢) - هم القائلون باتباع الاثنى عشر إمامًا، ويدخل في عمومهم أكثر مذاهب الشيعة في العالم الإسلامي، ويقولون إن الإمامة ثبتت لعلي بن أبي طالب - ﵁ - بالنص، وكذلك نص علي على الحسن، والحسن على الحسين، وهكذا كل إمام ينص على من بعده، وتفرقوا إلى حوالي أربع وعشرين فرقة، والإمامة عندهم ركن من أركان الإسلام وهي منصب إلهي كاختيار الله سبحانه للرسالة من يشاء من عباده، ويعتقدون أن الإمام معصوم عن الخطأ والنسيان والمعاصي في الظاهر والباطن، ويجوزون أن تجري خوارق العادات على يد الإمام، وأن الإمام أحاط علمًا بكل شيء، ويزعمون أنه أكثر الصحابة ضلُّوا بتركهم الاقتداء بعد النبي ﷺ فهم كفار وبعض فرقهم تعتقد ألوهية علي - ﵁ -، وأنه يسكن السحاب، وأن الرعد صوته، فإذا سمعوا الرعد قالوا: عليك السلام يا أمير المؤمنين. وبعض فرقهم خرجت عن الإسلام كالسبأية والبنانية والحطابية وغيرهم. يُراجع: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص (٥٢- ٦٦)، والفرق بين الفِرق ص (٣٨- ٥٤)، والملل والنحل للشهرستاني ص (١٦٢-١٧٣) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٣٠٠) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث (٧٣٢) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٦/٢١٩) كتاب العلم واللفظ له. .
[ ٦٧ ]
في عيسى﵇ -، حيث قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (١) .
وقال ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله» (٢) . فالغلو في الأشخاص هو الذي جعل النصارى تقول إن عيسى هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣) قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٤) قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٥) قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (٦) . والغلو هو الذي جعل اليهود تقول عزير ابن الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٧)، الغلو والتغالي في الأشخاص من أسباب حدوث البدع ظهرت سابقًا وما زالت حتى عصرتنا الحاضر (٨)
رابعًا: أول بدعة ظهرت في الإسلام:
وأمَّا أوّل التفرق والابتداع في الإسلام، فكان بعد مقتل عثمان بن عفان
_________________
(١) - سورة المائدة:٧٧.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الفتح الباري (٦/٤٧٨)، كتاب الأنبياء، حديث (٣٤٤٥) ورواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٣، ٢٤، ٥٥) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٣٢٠) كتاب الرقائق. ورواه البغوي في شرح السنة (١٣/٢٤٦) كتاب الفضائل، وقال: هذا حديث صحيح.
(٣) -سورة المائدة: الآية٧٢.
(٤) -سورة التوبة: الآية٣١.
(٥) - سورة التوبة: الآية٣٠.
(٦) -سورة المائدة: الآية٧٣.
(٧) -سورة التوبة: الآية٣٠.
(٨) - يراجع: الاعتصام (١/٢٥٨، ٢٥٩) .
[ ٦٨ ]
-﵁-، وافتراق المسلمين، فلما اتفق علي بن أبي طالب ومعاوية﵄على التحكيم، أنكرت الخوارج، وقالوا: لا حكم إلا الله، وفارقوا جماعة المسلمين، فأرسل إليهم ابن عباس﵄- فناظرهم فرجع نصفهم، والآخرون أغاروا على ماشية الناس، واستحلوا دماءهم، فقتلوا ابن خباب،
[ ٦٩ ]
وقالوا: كنا قتله، فقاتلهم على﵁-.
وأصل مذهبهم -الخوارج - تعظيم القرآن وطلب اتباعه، لكن خرجوا عن السنة والجماعة، فهم لا يرون اتباع السنة، التي يظنون أنها تخالف القرآن، كالرجم ونصاب السرقة وغير ذلك فضلُّوا، فإن الرسول ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، والله قد أنزل عليه الكتاب والحكمة، وجوزوا على النبي ﷺ أن يكون ظالمًا، فلم ينقادوا لحكم النبي ﷺ، ولا لحكم الأئمة بعده، بل قالوا: إن عثمان وعليًا ومن والاهما قد حكموا بغير ما أنزل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١) فكفَّروا المسلمين بهذا وبغيره، وتكفيرهم وتكفير سائر أهل البدع مبني على مقدمتين باطلتين:
إحداهما: أن هذا يخالف القرآن.
والثانية: أن من خالف القرآن يكفر، ولو كان مخطئًا، أو مذنبًا معتقداَ للوجوب والتحريم، وبإزاء الخوارج ظهرت الشيعة. غلوا في الأئمة وجعلوهم معصومين، يعلمون كل شيء، وأوجبوا الرجوع إليهم في جميع ما جاءت به الرسل، فلا يعرجون لا على القرآن ولا على السنة، بل على قول من ظنوه معصومًا.
وانتهى الأمر إلى الائتمام بإمام معدوم لا حقيقة له، فكانوا أضل من الخوارج. فإن أولئك يرجعون إلى القرآن وهو حق وإن غلطوا فيه، وهؤلاء لا يرجعون إلى شيء بل إلى معدوم لا حقيقة له، ثم إنما يتمسكون بما ينقل لهم عن بعض الموتى، فيتمسكون بنقل غير مصدق، عن قائل غير معصوم، ولهذا كانوا أكذب الطوائف.
والخوارج صادقون فحديثهم من أصح الحديث، وحديث الشيعة من أكذب الحديث (٢)
_________________
(١) - سورة المائدة: الآية٤٤.
(٢) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٣/٢٠٨، ٢٠٩)، وكتاب الفرقان بين الحق والباطل لابن تيمية ص (٢٢٦، ٢٢٧) .
[ ٧٠ ]
خامسًا: أسباب انتشار البدع:
انتشار البدع له أسباب عدة، منها:
١- سكوت كثير من العلماء على تلك المبتدعات الضآلة، والعوام إذا رأوا سكوت العالم على أمر حسبوا أن ذلك الأمر لا يخالف الشرع.
وأدهى من ذلك، أن بعض العلماء الذين فسدت نياتهم، آثروا الدنيا على الآخرة، فأخذوا يروِّجون تلك البدع ويحسنونها للمسلمين، لينالوا الشهرة بينهم، وتكون هذه الشهرة طريقًا لجمع المال وتحصيله منهم من طرق عدة، ومن ثم الوصول إلى رئاستهم على أولئك المغفلين السذَّج الذين يحسبون أن كل بيضاء شحمة، وكل سوداء تمرة.
٢- عمل العالم بالبدعة وتقليد الناس له، لوثوقهم بأنه لا يفعل إلا ما فيه الصواب، وربما كان عمله على وجه المخالفة، فيظن الناس أن ذلك مشروعًا. ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك.
٣- تبني الحكام للبدعة، وتأييدهم لها، وعملهم على انتشارها، لموافقتها أهواءهم، كما حدث من المأمون ومن بعده في القول بخلق القرآن؛ وذلك أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق إلى الباطل، وزيَّنُوا له القول بخلق القرآن، ونفي الصفات عن الله ﷿، ولم يكن في الخلفاء قبله من بني أمية،
[ ٧١ ]
وبني العباس خليفة إلا على مذهب السل ومنهاجهم.
فقد قال الخليفة هارون الرشيد: (بلغني أن بشرًا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، عليَّ إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلةً ما قتلتها أحدًا قط) (١) .
فكان بشر متواريًا أيام هارون نحوًا من عشرين سنة حتى مات هارون، فظهر ودعا إلى الضلالة، وكان من المحنة ما كان (٢) .
_________________
(١) - يراجع: مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص (٣٨٥)، والمنهج الأحمد (١/٨١) .
(٢) - يراجع: مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص (٣٨٥) .
[ ٧٢ ]
فلما ولي المأمون الخلافة، اجتمع بجماعة من المعتزلة منهم بشر بن غياث المريسي، فخدعوه وأخذ عنهم المذهب الباطل، ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهرًا، فاستدعى نائبه (١) ببغداد جماعة من أئمة الحديث، فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب أكثرهم مكرهين، واستمر على الامتناع عن ذلك الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الجند يسابوري، فحملا على بعير وسُيِّرا إلى الخليفة عن أمره بذلك وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد، فلما كانا ببلاد الرحبة (٢) جاءهما رجل من الأعراب من عُبَّادهم، فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا! إنك وافد الناس فلا تكن شؤمًا عليهم، وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تحبيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدًا. قال أحمد - ﵀ -: وكان كلامه مما قوَّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع عن ذلك الذي يدعونني إليه.
_________________
(١) - وهو إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، وكان من الدعاة إلى القول بخلق القرآن، فهو الذي كان يمتحن الناس ويرسلهم إلى المأمون. توفي سنة ٢٣٥هـ يُراجع: البداية والنهاية (١٠/٣٥٦) .
(٢) - وتسمى رحبة مالك بن طوق بينها وبين دمشق ثمانية أيام، ومن حلب خمسة أيام، وإلى بغداد مائة فرسخ، وهي بين الرقة وبغداد على شاطئ الفرات، والذي أحدثها هو مالك بن طوق بن عتاب التغلبي على عهد المأمون، والرحاب هي المواضع المتواطئة ليستنقع الماء فيها وما حولها مشرف عليها، وهي أسرع الأرض نباتًا. يراجع: معجم البلدان (٣/٣٤، ٣٥) .
[ ٧٣ ]
فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة، جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه، ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله، إن المأمون قد سلّ سيفًا لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن، ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثى الإمام أحمد - ﵀ - على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غرَّ حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته، قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد: أحمد: ففرحنا. واستمرت هذه المحنة واستمر دعمها من قبل الخليفة المعتصم بل قد أسرف في تعذيب الإمام أحمد بن حنبل، وأوجعه ضربًا إلى درجة فقدان الوعي، كل ذلك لأجل أن يوافقه على القول بخلق القرآن.
واستمرت هذه المحنة حتى ولي المتوكل على الله الخلافة، فاستبشر الناس بولايته؛ لأنَّه كان محبًا للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق أن لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن (١) .
فلولا تبني هؤلاء الخلفاء لهذه البدعة لما وصلت إلى ما وصلت إليه، ولما وصل الأمر إلى تعذيب الأئمة الأعلام بسب إنكارهم لهذه البدعة.
وأمثال هؤلاء الخلفاء كثير قديمًا (٢) وحاضرًا، ممن جعلوا تبني البدع طريقًا لإبعاد
_________________
(١) - يراجع: البداية والنهاية (١٠/٣٧٤-٣٨٥) .
(٢) - ومن هؤلاء: العبيديون الذين أحدثوا من البدع ما لا يحصى من الاحتفالات والموالد إبان حكمهم لمصر، وكان قصدهم نشر مذهبهم الباطني بين الناس وإشغال الناس عن دينهم، وكان لدعمهم لهذه البدع ماديًا ومعنويًا الأثر الكبير في استمرار هذه البدع، حتى اعتبرها أكثر الناس والجهال منهم أنها سنن تجب المحافظة عليها، ومثال ذلك: الاحتفال بالمولد النبوي، والاحتفالات بأعياد النصارى وغير ذلك. فأوّل من فتح الباب على مصراعيه لهذه البدع وتبناها ودعّمها العبيديون، الذين هم سبب البلاء على الإسلام والمسلمين، وقد حصل لهم ما يريدون بسبب ضعف إيمان الناس، وسكوت العلماء عن إنكار هذه البدع. ولمعرفة ما أحدثوه من البدع والاحتفالات، وجهودهم في تكل الأمور يحسن الاطلاع على كتاب المقريزي (الخطط والآثار) . والله أعلم.
[ ٧٤ ]
الناس عن دينهم الصحيح، ومن ثم الرئاسة عليهم. ونشر مذاهبهم وعقائدهم الباطلة.
٤- تحول البدع إلى عادة يصعب الانصراف عنها إلا بعد جهد كبير.
٥- موافقة البدعة لأهواء النفوس وغرائز الناس التي حرص الدين على تنظيمها، والحد من الانطلاق معها، وعدم وجود مقاومة فعالة تمنع من انتشارها، وامتداد أخطارها وتغلغلها في النفوس (١) .
فهذه بعض أسباب انتشار البدع. ذكرناها على وجه الإيجاز؛ لأن القصد الإشارة وليس الاستيعاب. والله أعلم.
سادسًا: آثار البدع على المجتمع:
لاشك أن للبدع آثار تظهر في المجتمعات التي تُقر تلك البدع ولا تنكرها، وليست هذه الآثار تشمل المجتمع كله، بل تخص من يقرّ بالبدعة أو يعمل بها، أو يدعو إليها ويرغِّب الناس فيها، ومن يقبل ذلك منه من الناس، وتظهر هذه الآثار جليَّة على أفراد المبتدعين ومتبعيهم، الذين هم جزء من المجتمع، وعدم الإنكار عليهم ومحاربة بدعهم يجعل هذه الآثار تشمل المجتمع كله.
وهذه الآثار والظواهر منها ما يخص أفراد المبتدعين، ومنها ما يعم مجتمعهم. وهذه الآثار على سبيل الإيجاز هي:
١- اتباع المتشابه:
لأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، ويعرف ذلك
_________________
(١) - يراجع: البدعة ص (٢٥٤، ٢٥٥)، وتحذير المسلمين ص (٢١) .
[ ٧٥ ]
من سيرتهم ومن منطقهم، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١) . فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نَّبه الله ﷾ على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (٢)
ومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ (٣) .
وقد قال ﷺ: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» (٤) .
٢- إماتة السنَّة:
ومن الآثار الضارة للبدعة: إماتة السنَّة؛ لأنَّه ما ظهرت بدعة إلا وماتت سنة من السنن، لأن البدعة لا تظهر وتشيع إلا بعد تخلي الناس عن السنة الصحيحة، فظهور البدع علامة دالَّة على ترك السنة.
قال ابن عباس ﵄ «ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن» (٥)
٣- الجدل:
من الآثار المترتبة على الوقوع في البدع: الجدل بغير حق، والخصومات في الدين، وقد حذَّر الله ﷾ من ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) . فقد نهى ﷾ عن الفرقة
_________________
(١) - سورة محمد: الآية٣٠.
(٢) - سورة آل عمران: الآية٧.
(٣) - سورة الأنعام: الآية٥٧.
(٤) - البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٢٠٩) كتاب التفسير، حديث (٤٥٤٧) . بلفظ: «فإذا رأيت» . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١٦/٢١٧) كتاب العلم، بلفظ: إذا رأيتم» .
(٥) - رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨)، باب في البدع والأهواء.
(٦) - سورة آل عمران: الآية١٠٥.
[ ٧٦ ]
والاختلاف، بعد مجيء البينات، الكتاب والسنة؛ حتى لا نكون كالأمم السابقة التي تفرقت واختلفت بسبب بدعهم وأهواءهم. وقال ﷺ: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١) .
وقال ﷺ: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم» (٢) والألد الخصم: أي شديد الخصومة، واللدد: الخصومة الشديدة (٣)
٤- اتباع الهوى:
ومن آثار البدع: اتباع أهلها لأهوائهم وعدم التقيد بما شرع الله. ولاشك أن هذا عين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٥) . واتباع الهوى أمر باطن لا يظهر، ولكن يتبين بعرض أعمال صاحبه على الشرع، فعند عرضها على الشرع نرى أنها لا تمثل إلا هوى صاحبها، ولا تصدر إلا من مبتدع جاهل، يقول في الأمور بغير علم، وخاصة أمور الدين.
٥- مفارقة الجماعة:
ومن آثار البدع: مفارقة أهلها الجماعة، وشق عصا الطاعة على جماعة المسلمين؛ لأنهم اعتمدوا على أهوائهم، ومن اتبع هواه خرج عن جادة الصواب، وقد حذَّر الله من ذلك بقوله ﷿: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٦) .
_________________
(١) - رواه مالك في الموطأ (٢/٩٩٠) كتاب الكلام، حديث رقم (٢٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٠) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/١٨٠) كتاب الأحكام، حديث (٧١٨٨) . رواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٤/٢٠٥٤) كتاب العلم حديثرقم (٢٦٦٨) . .
(٣) - يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/٢٤٤)، باب (لدد) .
(٤) - سورة القصص: الآية٥٠.
(٥) - سورة الجاثية: الآية٢٣.
(٦) - سورة آل عمران: الآية١٠٥.
[ ٧٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿..وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (٣) .
وقال ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» (٤) .
وفي رواية: «كلها في النار، إلا واحدة: وهي الجماعة» (٥)
فالنبي ﷺ قد أخبر عن وقوع الفرقة في أمته، وسبب هذا الافتراق هو مخالفة أهل الأهواء الضالة؛ كالقدرية، والخوارج، والروافض وأمثالهم؛ ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، والقدر والخير والشر، والإدارة والمشيئة، والرؤية والإدراك، وصفات الله ﷿ وأسمائه.. وغير ذلك، فسبب مفارقتهم لجماعة المسلمين هو إحداثهم للبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان (٦) .
٦- ضلال الناس:
ومن آثار البدع: أن المبتدعة لا يقتصر ضلالهم على أنفسهم، وإنما يشيعونه بين الناس، ويدعون إليه قولًا وعملًا، بالحجة الباطلة والتأويل الزائغ والهوى المتسلط،
_________________
(١) - سورة الأنعام: الآية١٥٣.
(٢) - سورة الروم: الآية٣١-٣٢.
(٣) - سورة الأنعام: الآية١٥٩.
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/٣٣٢) . ورواه أبو داود في سننه (٥/٤) كتاب السنة، حديث رقم (٤٥٩٦) واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه (٤/١٣٤، ١٣٥) أبواب الإيمان، حديث (٢٧٧٨)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٢١) كتاب الفتن حديث رقم (٣٩٩١) مختصرًا
(٥) - رواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٢٢)، كتاب الفتن، حديث رقم (٣٩٩٣)، وقال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.
(٦) - يراجع: الفرق بين الفِرق ص (٤-٧) .
[ ٧٨ ]
فيتحملون إثمهم وإثم من عمل بهذه البدعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) الحديث (٢) .
والمبتدعة قد ألَّفُوا الفرق وجمعوا الجماعات، وساروا بهم في بدعهم بغير فهْم، فأول ما يظهر أهل البدع يكونون أفراد، ثم بعد ذلك يتجمع الناس حولهم مفتونين بهم، مدافعين عن ضلالهم، مشيعين ذلك بين الناس، وليس ثمة دليل لديهم إلا اتباع الظن وما تهوى الأنفس، وتقليد أئمتهم المبتدعة.
٧- الاستمرار في البدع وعدم الرجوع عنها:
ومن آثار البدع: أن صاحب البدعة إذا أصابه مرضها، لا يرجع عن بدعته، بل يستمر فيها، مبعدة إياه عن طريق الحق، حتى يصعب عليه الرجوع والتوبة، إلا من رحم الله، وقال ﷺ: «إن بعدي من أمتي، - أو سيكون بعدي من أمتي - قومًا يقرأون القرآن ولا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شرار الخلق والخليقة» (٣) .
فصاحب البدعة لا توبة له عن بدعته، وإن خرج عنها فإنه يخرج إلى ما هو شر منها، أو يُظهر الخروج عنها ويصر عليها باطنًا، وعدم توبة صاحب البدعة لها أسباب، منها:
أن الدخول تحت التكاليف في الشريعة صعب على الأنفس؛ لأنه أمر مخالف للهوى، ومحاد للشهوات، فيثقل عليها جدًا، لأن الحق ثقيل، والنفس إنما تنشط بما يوافق هواها، لا بما يخالفه، وكل بدعة للهوى فيها مدخل؛ لأنها راجعة إلى نظر مخترعها وهواه، لا إلى نظر الشارع وحجته.
_________________
(١) - سورة النحل: الآية٢٥.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسند (٤/٣٥٧، ٣٥٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٠٥) كتاب الزكاة، حديث رقم (١٠١٧) . ورواه النسائي في سننه (٥/٧٦، ٧٧)، كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة.
(٣) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٦٠)، المقدمة، حديث رقم (١٧٠) . وحديث المارقين عن الدين متفق على صحته.
[ ٧٩ ]
أن المبتدع لابد له من تعلق بشبهة دليل، ينسبها إلى الشارع، ويدّعي أن ما ذكره هو مقصود الشارع فصار هواه مقصودًا بدليل شرعي في زعمه، فكيف يمكن الخروج من ذلك، وداعي الهوى مستمسك بأحسن ما يتمسك به؟ وهو الدليل الشرعي في الجملة.
أن المبتدع يزيد في الاجتهاد لينال في الدنيا التعظيم والمال والجاه، وغير ذلك من أصناف الشهوات، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ (٢)، فسبب ما داخل أنفسهم من الهوى يجد المبتدعة في ذلك الالتزام والاجتهاد، خفة ونشاط، يستسهلون به الصعب، ويرون أعمالهم أفضل من عمل غيرهم ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣) .. (٤)
سابعًا: وسائل الوقاية من البدع:
للوقاية من البدع وسائل عدة، نذكر منها على سبيل الإيجاز:
١- الاعتصام بالكتاب والسنة، - بالإضافة إلى نشر ذلك وتبليغه للناس على أكبر قدر ممكن -:
وقد جاءت أوامر الاعتصام بالكتاب والسنة صريحة في ذلك، منها:
قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (٥) . وحبل الله هو القرآن (٦)، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً
_________________
(١) - سورة الكهف:١٠٣، ١٠٤.
(٢) - سورة الغاشية:٢- ٤
(٣) - سورة المدثر: الآية٣١.
(٤) - يراجع: الاعتصام (١/١١٤-١٢٥)، والبدعة والمصالح المرسلة ص (٢٠٩- ٢١٩) .
(٥) - سورة آل عمران: الآية١٠٣.
(٦) - يراجع: تفسير ابن كثير (١/٣٨٨، ٣٨٩) .
(٧) - سورة صّ:٢٩.
[ ٨٠ ]
لَنْ تَبُورَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢) . والآيات كثيرة في هذا الباب وحصرها ليس من السهولة بمكان، والقصد التنبيه لا الحصر.
وقال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علَّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» الحديث (٣) .
وقال ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٤) . وفي رواية: «إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه» (٥) .
وقال ﷺ: «تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو بيده لهو أشد تفصيا (٦) من الإبل في عقولها» (٧) .
وقال ﷺ: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (٨) .
_________________
(١) - سورة فاطر:٢٩.
(٢) - سورة فاطر:٣٢.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٣) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٢٦) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/٥٥٨) كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٨١٥) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٤) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٢٧) . ورواه أبو داود في سننه (٢/١٤٧) كتاب الصلاة، حديث رقم (١٤٥٢) . ورواه الترمذي في سننه (٤/٢٤٦) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٣٠٧١)، وقال حديث حسن صحيح.
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٤) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٢٨) . ورواه الترمذي في سننه (٤/٢٤٦) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٣٠٧٢)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٦) - تفصيًا: أي تفلتًا وتخلصًا. يراجع: فتح الباري (٩/٨١) .
(٧) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٧٩) كتاب فضائل القرآن، حديث رقم (٥٠٣٣) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (١/٥٤٥) كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٩١) بلفظ: «تلفتًا» .
(٨) - رواه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٧٤) كتاب الذكر والدعاء، حديث رقم (٢٦٩٩) . ورواه أبو داود في سننه (٢/١٤٨، ١٤٩) كتاب الصلاة حديث رقم (١٤٥٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٨٢) المقدمة، حديث رقم (٢٢٥) .
[ ٨١ ]
وقال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) .
والسنة بيان القرآن، فكما تجب المحافظة على الكتاب - كما تقدم من الأدلة السابقة - فكذلك تجب المحافظة على بيانه. فالسنة - وهي بيان الكتاب - لا تقل أهمية عن القرآن.
وقد بين الرسول ﷺ وجوب تبليغ السنة ونشرها على أوسع نطاق ممكن، فقال ﵊:
«بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (٢) .
وقال ﷺ: «ليبلغ الشاهد الغائب» (٣) .
وقال ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٤) .
وقال ﷺ: «نضر الله امرءًا سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره» (٥) .
فما تقدَّم من النصوص يدلُّ على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة، ونشر سنته، ونشر سنته ﷺ وتبليغها؛ لأنَّ في ذلك وقاية من إحداث البدع وظهورها.
٢- تطبيق السنة في سلوك الفرد وسلوك المجتمع:
_________________
(١) - سورة النحل: الآية٤٤.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/١٥٩) . ورواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/٤٩٦) كتاب الأنبياء، حديث رقم (٣٤٦١) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٧) أبواب العلم، حديث رقم (٢٨٠٧) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/١٥٨) كتاب العلم، حديث رقم (٦٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩٨٨) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٥٤) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦) . ورواه أبو داود في سننه (٥/١٣-١٥) كتاب السنة، حديث رقم (٤٦٠٧) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٩، ١٥٠) أبواب العلم، حديث رقم (٢٨١٦)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٦)، المقدمة، حديث رقم (٤٢، ٤٣) .
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٤٣٧) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٦٨، ٦٩) كتاب العلم، حديث رقم (٢٦٦٠) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٢) أبواب العلم، حديث رقم (٢٧٩٥)، وقال: حديث حسن ننه (١/صحيح.
[ ٨٢ ]
وذلك بتطبيق ما علمه الإنسان من السنة على سلوكه في جميع مجالات الحياة، فتطبيق السنة يجعل البدعة أمرًا منكرًا في المجتمع، تظهر ملامحها البشعة ومظهرها السيء، وتدل بنفسها على ما تحمله من قبح وتهديد للإسلام والمسلمين، فيجعل الناس ينفرون من البدع، لعدم قبول الناس وموافقتهم لمرتكب البدعة، ولما كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطبقون السنة في جميع تصرفاتهم وأفعالهم لم تظهر فيهم البدع، وإذا ظهرت قُضي عليها مباشرة؛ لأن المبتدع بفعله البدعة قد شذَّ عن المجتمع الذي يعيش فيه، فتكون مقامته سهلة، ولكن في آخر الزمان يختلف الوضع، فيكون المتمسك بدين الله وسنة رسوله ﷺ كالقابض على الجمر، ويكون حيدًا غريبًا في مجتمعه، كما قال ﵊: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» (١) .
٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
البدع في بدايتها تكون صغيرة ثم تكبر، يبدعها فرد وسرعان ما يلتف حوله أهل الأهواء، لموافقة هذه البدعة أهواءهم وشهوة أنفسهم، أو أن هذه البدعة تريحهم من بعض تكاليف الشرع. فما هو الموقف الواجب اتخاذه؟.
الجواب على ذلك هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أوجبه الله علينا بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢) . فقد أوجب الله علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الكفاية. فلا يجب على كل أحد بعينه، فإذا لم يقم به يقوم بواجبه، أثم كل قادر بحسب قدرته؛ إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته، كما قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٩٨) . ورواه مسلم في صحيحه (١/١٣٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٤٥) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٢٩) أبواب الإيمان، حديث رقم (٢٧٦٤)، وقال: حديث حسن غريب صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣١٩، ١٣٢٠) كتاب الفتن، حديث رقم (٣٩٨٦) .
(٢) - سورة آل عمران:١٠٤.
[ ٨٣ ]
الإيمان» (١) . (٢)
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات التي جعل الله بها أمة محمد ﷺ خير الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..﴾ (٣) .
قال أبو هريرة - ﵁ -: «﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلون في الإسلام» (٤) .
وفي قول أبو هريرة﵁- ما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعناهما الشامل، يدخل فيهما الجهاد في سبيل الله والعمل على تبليغ رسالة الإسلام بشتى الوسائل الممكنة.
وقد جعل الله ﷾ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات المؤمنين، ومما يتميزون به على غيرهم، كما جعل الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف من صفات المنافقين ومما يميزهم عن غيرهم.
_________________
(١) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/١٠) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٦٩) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٩) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٧، ٦٧٨) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٤٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٧، ٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٨/١١١، ١١٢) كتاب الإيمان. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٠٦) كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٢٧٥) .
(٢) - يُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/١٢٥، ١٢٦) .
(٣) - سورة آل عمران: الآية١١٠.
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٢٢٤) كتاب التفسير، حديث رقم (٤٥٥٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٨٤) كتاب معرفة الصحابة، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح.
[ ٨٤ ]
فقال تعالى في وصف المؤمنين ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) .
وقال جل وعلا واصفًا المنافقين: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (٢) .
ولا شك أن التحذير من البدع والنهي عنها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن إحداث البدع ودعوة الناس إليها من الأمر بالمنكر الذي هو من خصائص المنافقين ومن تبعهم.
وقد نص الله ﷾ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص الرسالة المحمدية، وأهدافها البارزة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣) .
وقد أرشد الرسول ﷺ في عدة أحاديث إلى عموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشموله لكل مسلم، فقال﵇-: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (٤) .
وجعل﵊- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجب الجالسين على الطريق، وبين أن ذلك من حقوق الطريق، فقال ﵊: «إياكم والجلوس على الطرقات» . فقالوا: مالنا بد، إنَّما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أتيتم إلى المجالس فأعطوا الطريق حقها» . فقالوا: وما حق الطريق؟. قال: «غض البصر، وكف الأذى، وردّ السلام، وأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» (٥) .
وقال ﷺ: «إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذاك منكم فليتق الله وليأمر
_________________
(١) - سورة التوبة: الآية٧١.
(٢) -سورة التوبة: الآية٦٧.
(٣) -سورة لأعراف: الآية١٥٧.
(٤) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/١٠) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٦٩) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٩) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٧، ٦٧٨) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٤٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٧، ٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٨/١١١، ١١٢) كتاب الإيمان. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٠٦) كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٢٧٥) .
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/١١٢) كتاب المظالم، حديث رقم (٣٤٦٥) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٣/١٦٧٥) كتاب اللباس، حديث رقم (٢١٢١) .
[ ٨٥ ]
بالمعروف ولينه عن المنكر، ومن يكذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (١) .
وقال ﵊: «مثل القائم على حدود الله، والمدهن (٢) فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء، فيصيبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها في أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا جميعًا» (٣)
ففي هذا الحديث تحذير منه ﷺ عن عاقبة السكوت عن المنكرات والبدع، وقد مثَّل النبي ﷺ بركاب السفينة - وما أحسن التمثيل - فإن سكوت المسلمين عن أهل المنكر والمبتدعة، يؤدي إلى تفشي هذه المنكرات والبدع في المجتمعات، مما يجعلهم مستحلين للعقوبة، فإذا نزلت العقوبة شملت الفاعل والراضي بالفعل، فالأول لمباشرته المنكر، والثاني لسكوته عن الإنكار.
وقد قال ﵊: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه فتدعونه فلا يستجيب لكم» (٤) .
ولكن قد يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥)، على أن الإنسان ليس مسئولًا إلا عن نفسه وتصرفاته، ولا شأن له بالآخرين وما يفعلونه.
فالجواب على ذلك ما قاله أبو بكر الصديق - ﵁- قال: «يا أيها الناس! إنكم
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٨٩) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣٥٧) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٣٥٨)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٢) - المدهن - بضم الميم وسكون الدال وكسر الهاء -: المراد به من يرائي ويضيع الحقوق ولا يغير المنكر، والمدهن والمداهن واحد. يراجع: تحفة الأحوذي (٣٩٤)، ولسان العرب (١٣/١٦٢) مادة (دهن) .
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٦٨) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٤)، وقال: حديث حسن صحيح.
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٨٨، ٣٨٩) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٦، ٣١٧) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٥٩)، وقال: حديث حسن.
(٥) -سورة المائدة: الآية١٠٥.
[ ٨٦ ]
تقرأون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (١)، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (٢) .
فما تقدَّم من الآيات والأحاديث يدلُّ على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل شخص؛ لا بعينه وإنَّما على الكفاية على حسب قدرته وطاقته، وأنه من خصائص أمة محمد ﷺ وأن تركه من خصائص المنافقين، وإذا ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جنوا على أنفسهم، وصاروا مستحقين للعقوبة.
ولا شك أن البدع من أكبر المنكرات التي يجب النهي عنها، وأن التهاون في ذلك يساعد على انتشار البدع، وتمسك الناس بها، واعتقادهم أن هذه البدع لو كانت أمرًا منكرًا لنهى عنه الناس عامة والعلماء خاصة، وأن سكوت العلماء عن الإنكار دليل على موافقة هذا الأمر المبتدع للشرع، إذ لو كان مخالفًا لحصل الإنكار.
فالأمر بالمعروف وهو لزوم الكتاب والسنة، والنهي عن المنكر من البدع والمعاصي؛ من أهم أسباب الوقاية من البدع، وله دور كبير في ذلك. جعلنا الله وإياكم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، مخلصين ذلك لله وحده، والله أعلم.
٤- القضاء على أسباب البدع:
وأسباب البدع سبق وتكلمنا عنها، ويكون القضاء عليها بأمور عدة، منها:
أ- منع العامة من القول في الدين، وعدم اعتبار آرائهم مهما كانت مناصبهم فيه.
ب- الرد على ما يوجه إلى الدين من حملات ظاهرة أو خفية، وكشف مظاهر الابتداع، وتسليط الضوء عليها من القرآن والسنة لمنعها من التغلغل والانتشار.
جـ- الاحتراز من كل خروج عن حدود السنة مهما قلّ أثره أو صغر أمره.
د- صدّ تيارات الفكر العقائدي والتي لا حاجة للمسلم فيها، بل وردّ النصّ بالتحذير
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية١٠٥.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٧) . ورواه الترمذي في سننه (٤/٣٢٢) أبواب تفسير القرآن، حديث رقم (٥٠٥٠)، وقال: حديث حسن صحيح. وقد رواه غير واحد، عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعًا، وروى بعضهم عن إسماعيل عن قيس عن أبي بكر قوله ولم يرفعوه. ورواه أبو داود في سننه (٤/٥٠٩، ٥١٠) كتاب الملاحم، حديث رقم (٤٣٣٨) .
[ ٨٧ ]
منها، كآراء غير المسلمين فيها يتصل بالعقيدة، أو الأمور الغيبة ونحوها.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (١)
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.﴾ (٢)
وقال ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضبِّ (٣) تبعتموهم» قلنا: يا رسول! اليهود والنصارى؟. قال: «فمن؟» (٤) . فحذر النبي ﷺ من اتباع سننهم والوقوع فيما وقعوا فيه، وتقليدهم من غير تبصر، وهذا علم من أعلام نبوته. فواقع الحال يشهد بأنا أصبحنا نقلدهم في كثير من الأشياء، حتى صار المسلمون يقيمون الاحتفالات بأعياد النصارى، ونحو ذلك من التقليد الأعمى في كثير من الأمور، وقد ألف بعض العلماء المعاصرين كتابًا ذكر فيه جملة من الأمور التي وقع فيها المسلمون من مشابهة المشركين (٥) . فكثير من البدع إنما أحدثت تقليدًا لليهود والنصارى وغيرهم (٦) .
هـ- الاعتماد على الكتاب والسنة فقط في أمور العقيدة التي لا مجال للاجتهاد والاستحسان والقياس فيها. وعدم الاعتماد على ما يعده بعض أهل الضلال مستندًا كالعقل ونحوه. وما هو أوهى من ذلك كالمنامات ونحوها.
وترك الخوض في المتشابه؛ لأن الخوض فيه علامة على أهل الزيغ والبدع. وسبب كل بلاء ومصيبة دخلت على المسلمين.
فما ذكرناه هو بعض الأمور التي في اتباعها أثر كبير في القضاء على أسباب
_________________
(١) - سورة آل عمران:١٠٠.
(٢) - سورة البقرة: الآية١٠٩.
(٣) - الضب: دويبة أحرش الذنب، خشنُهُ، مُفقره، ذو عقد، ولونه إلى الصُّحْمة، وهي غُبرة مشربة سوادًا، وإذا سمن اصفر صدره. يُراجع: لسان العرب (١/٥٣٩) مادة (ضبب)
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٣٠٠) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، حديث رقم (٧٣٢٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٥٤) كتاب العلم، حديث رقم (٢٦٦٩) .
(٥) - الكتاب هو: الإيضاح والتبين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين. ومؤلفه هو: فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري - أثابه الله -. وطبع الطبعة الأولى سنة ١٣٨٤هـ، ثم طبع طبعة ثانية مصححة ومنقحة سنة ١٤٠٥هـ.
(٦) - يراجع: البدعة ص (٤٢٤، ٤٢٥) .
[ ٨٨ ]
البدع، وهذه الأمور لا تحقيق الهدف لوحدها، وإنما لا من احتساب العلماء وطلاب العلم وبذل وسعهم، في تطبيقها والدعوة إليها، وحثّ على الالتزام بها. لكي تؤدي الغرض المطلوب، والهدف المقصود، والله الهادي إلى سواء السبيل.
سابعًا: البدع الحولية:
المراد بالبدع الحولية: هي البدع التي تقام كل حول مرة، وفي نفس الميعاد، ولا يمكن أن تتكرر في سنة واحدة. فمثلًا: بدعة الحزن عند الرافضة في يوم عاشوراء - العاشر من محرم - تقام كل سنة في هذا اليوم ولا علاقة لها بفرق الأيام بين سنة وأخرى، فلا يمكن أن يجعلوا موسمهم هذا يوم التاسع من محرم ولا العشرين منه، وإنما يقيمونه كل سنة في العشر من محرم.
وكذلك بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فإنه يحتفل بها في هذه الليلة بالذات من كل عام.
وكذلك بالنسبة لبدعة صلاة الرغائب التي لا تتعلق بتاريخ معين، وإنما هي متعلقة بليلة أول جمعة من رجب، فربما كانت تلك الليلة ليلة اليوم الأول من رجب وربما كانت ليلة الثاني أو الثالث أو الرابعمن شهر رجب فهي تتكرر كل عام في ليلة أول جمعة من رجب.
والحول والسنة والعام، معناها واحد. وقد وردت هذه الأسماء الثلاثة في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١)، فأتى بذكر السنة والعام في آية واحدة، وقال عز من قائل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ (٢) .
وقد تختص بالجدب، والعام بالخصب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٣)، فعبَّر بالسنين عن الجدب. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤)، فعبَّر بالعام عن الخصب، وقد وقع التعبير
_________________
(١) - سورة العنكبوت: الآية١٤.
(٢) - سورة البقرة: الآية٢٣٣.
(٣) - سورة لأعراف: الآية١٣٠.
(٤) - سورة يوسف:٤٩.
[ ٨٩ ]
عن الخصب بالسنين أيضًا في قوله تعالى: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ (١) .
أما الحول فإنه يقع على الخصب والجدب جميعًا.
والسنة - الحول - على قسمين: طبيعة، واصطلاحية.
فالطبيعة: هي القمرية، وأولها استهلال القمر في غرة المحرم وآخرها سلخ ذي الحجة من تلك السنة. وهي اثنا عشر شهرًا هلاليًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (٢) .
وعدد أيامها: ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، وخمس وسدس يوم تقريبًا، ويجتمع من هذا الخمس والسدس يوم في كل ثلاث سنين، فتصير السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسون يومًا، ويبقى من ذلك بعد اليوم الذي اجتمع شيء، فيجتمع منه ومن خمس اليوم وسدسه في السنة السادسة يوم واحد وهكذا إلى أن يبقى الكسر أصلًا، بأحد عشر يومًا عند تمام ثلاثين سنة، وتسمى تلك السنين كبائس العرب.
والاصطلاحية: هي الشمسية، وشهورها اثنا عشر شهرًا كما في السنة الطبيعية، إلا أن كل طائفة راعت عدم دوران سنيها، جعلت في أشهرها زيادة في الأيام إما جملة وإما متفرقة وسمتها نسيئًا.
وعدد أيامها عند جميع الطوائف (٣)، ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يومًا وربع يوم، فتكون زيادتها على العربية-الطبيعة-عشرة أيام وثمانية أعشار يوم، وخمسة أسداس يوم (٤) .
وفي كتابنا هذا سنتطرق للبدع التي تحدث في كل شهر من شهور السنة الهجرية؛ مبتدئين بشهر محرم إلى شهر ذي الحجة، وهناك بعض الشهور لم نطلع- حسب وسعنا- فيها على بدع، فلذلك لم نوردها كشهر ربيع الثاني، وشهري جمادى الأولى والثانية، وذي القعدة. فنسأل الله العون والتوفيق، إنه على كل شيء قدير.
_________________
(١) -سورة يوسف: الآية٤٧.
(٢) - سورة التوبة: الآية٣٦.
(٣) - المراد بهذه الطوائف: الفرس، والقبط، والسريان.
(٤) - يراجع: صبح الأعشى (٢/٣٩٦-٣٩٧) . وكذلك: نهاية الأرب (١/١٦٤) .
[ ٩٠ ]
الفصل الأول