أولًا: الأدلة من الكتاب:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ* ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ*إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١)
وجه الدلالة من الآيات:
أخبر الله -﷾- في هذه الآيات أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض، ثم جعل الرسول ﷺ على شريعة شرعها له وأمره باتباعها، ونهاه عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
وأهواؤهم: ما يهوونه، وما كان عليه المشركون من هديهم الظاهر الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، وموافقتهم فيه، اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم وموافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه (٢) .
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ*وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ﴾ (٣) .
وجه الدلالة من الآيات:
أن الضمير في أهوائهم يعود -والله أعلم- إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئًا من القرآن: من يهودي ونصراني وغيرهما، وقد قال جلَّ وعلا: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع
_________________
(١) - سورة الجاثية، الآيات:١٦- ١٩.
(٢) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٤، ٨٥) .
(٣) - سورة الرعد، الآيتان:٣٦، ٣٧
[ ٤٠٨ ]
أهوائهم بما هو دون ذلك (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٢) .
وجه الدلالة من الآيات:
أن الله- سبحان وتعالى- قال في الخبر ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وقال في النهي ﴿هْوَاءَهُمْ﴾؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقًا والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه (٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٤) .
وجه الدلالة من الآيات:
قال غير واحد من السلف (٥): معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة: إذ الحجَّة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل. ﴿إِلَّا
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٥، ٨٦) .
(٢) - (البقرة:١٢٠)
(٣) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٥) .
(٤) - سورة البقرة، الآيات: ١٤٥-١٥٠.
(٥) - منهم: مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي. يُراجع: تفسير ابن كثير (١/١٩٥) . ونسبه القرطبي إلى ابن عطية. يُراجع: الجامع لأحكام القرآن (٢/١٦٩، ١٧٠) .
[ ٤٠٩ ]
الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا فيوشك أن يعودوا إلى ديننا.
فبين الله ﷾ أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذا اتُبع في شيء من أمره، كان له من الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة (١) .
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ (٢)
وجه الدلالة من الآية:
أن المراد بالذين تفرَّقوا هم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولذلك نهى النبي ﷺ عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه ﷺ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، مع أن قوله: لا تكن مثل فلان. قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى، وإن لم يعم دلّ على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع، ودلَّ على أنه كلما بَعُدَ الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا، كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة (٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ* وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (٤) .
وجه الدلالة من الآيات:
أن متابعتهم في هديهم، هي من اتباع ما يهوونه، أو مظنة لاتباع ما يهوونه،
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٧) .
(٢) - سورة آل عمران، الآية:١٠٥.
(٣) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٧، ٨٨) .
(٤) -سورة المائدة، الآيتان: ٤٨، ٤٩.
[ ٤١٠ ]
وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (واعلم أن كتاب الله من النهي عن مشابهة الأمم الكافرة، وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه كثير، مثل قوله تعالى؛ لما ذكر ما فعله بأهل الكتاب من المثلات (٢): ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٤) . وأمثال ذلك، ومنه ما يدلُّ على مقصودنا ومنه ما فيه إشارة وتتميم للمقصود.
ثم متى كان المقصود بيان أن مخالفتهم في عامة أمورهم أصلح لنا، فجميع الآيات دالَّة على ذلك، وإن كان المقصود أن مخالفتهم واجبة علينا، فهذا إنَّما يدلُّ عليه بعض الآيات دون بعض، ونحن ذكرنا ما يدلُّ على أن مخالفتهم مشروعة في الجملة، كان هو المقصود هنا) ا. هـ (٥) .
ثانيًا: الأدلة من السنة:
قوله ﷺ: «إنَّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٦)
وجه الدلالة من الحديث:
أن الرسول ﷺ أمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع؛ لأنَّه إن كان الأمر بجنس المخالفة حصل المقصود، وإن كان الأمر بالمخالفة في تغيير الشعر فقط، فهو لأجل ما فيه من المخالفة.
فالمخالفة إما علّة مفردة - أي أن المخالفة هي وحدها تكون علَّة للنهي- أو علة
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٩) .
(٢) - المثلاث: المثلة - بفتح الميم، وضم الثاء -: العقوبة، والجمع: المثلاث. يُراجع: لسان العرب (١١/٦١٥)، مادة (مثل) .
(٣) -سورة الحشر: الآية٢.
(٤) -سورة يوسف: الآية١١١.
(٥) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٨٩) .
(٦) -رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الفتح الباري (٦/٤٩٦)، كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم (٣٤٦٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٦٣) كتاب اللباس والزينة، حديث رقم (٢١٠٣) .
[ ٤١١ ]
أخرى، أو بعض علة، وعلى هذه التقديرات تكون مأمورًا بها مطلوبة من الشارع (١) .
قوله ﷺ: «خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» (٢)
وجه الدلالة من الحديث:
أن الرسول ﷺ أمر بمخالفة المشركين مطلقًا، ثم قال «أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى» . وهذه الجملة بدلًا من الأولى، فإن الإبدال يقع في الجمل، كما يقع في المفردات، كقوله تعالى: ﴿َسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ (٣) . فهذا الذبح والاستحياء هو سوم العذاب، فكذلك هنا: هذا هو المخالفة للمشركين المأمور بها هنا، لكن الأمر بها أولًا بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع وإن عنيت هنا في هذا الفعل فإن تقديم المخالفة علة تقديم العام على الخاص، وفي رواية لمسلم: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، وخالفوا المجوس» (٤) . (٥) .
قوله ﷺ: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم» (٦)
وجه الدلالة من الحديث:
(كالحديث السابق) .
قوله ﷺ: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر» (٧) .
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/١٦٠، ١٧٦) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الفتح الباري (١٠/٣٥١) كتاب اللباس، حديث رقم (٥٨٩٣) . بلفظ «انهكوا الشوارب واعفوا اللحى» . ورواه مسلم في صحيحه (١/٢٢٢) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٥٩) (٥٤) واللفظ له.
(٣) - سورة البقرة، الآية:٤٩.
(٤) - ورواه مسلم في صحيحه (١/٢٢٢) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٦٠) .
(٥) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/١٧٦، ١٨١) .
(٦) - رواه أبو داود في سنن (١/٤٢٧) كتاب الصلاة، حديث رقم (٦٥٢) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٦٠) كتاب الصلاة، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (١/٥٩٨) رقم (٣٨٧٩) وصححه.
(٧) - رواه أحمد في مسنده (٤/١٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٧٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١٠٩٦) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٦) كتاب الصوم، باب في فصل السحور. ورواه النسائي في سننه (٤/١٤٦) كتاب الصيام، باب رقم (٢٧) .
[ ٤١٢ ]
وجه الدلالة من الحديث:
أن الفصل بين عبادة المسلمين وعبادة أهل الكتاب: أمر مقصود للشارع، وقد صرح بذلك فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة -رضي الله عن- أنَّ النبي ﷺ: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون» (١) .
وهذا نص في ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى.
وإذا كانت مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنَّما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة (٢) .
قوله ﷺ: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣) .
وجه الدلالة من الحديث:
أنه قد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا، أو
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٢/٤٥٠) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٧٦٣) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٣٥٣) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٤٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١٦٩٨) . ورواه ابن حبان في صحيحه، يُراجع: موارد الظمآن ص (٢٢٤) كتاب الصيام، حديث رقم (٨٨٩) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣١) كتاب الصوم، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/١٨١، ١٨٧) .
(٣) - رواه أحمد في مسنده (٢/٥٠) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٣١٤) كتاب اللباس، حديث رقم (٤٠٣١) . قال المنذري في تهذيب سنن أبي داود (٦/٢٥): (في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيف) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٦): (وهذا إسناد جيد) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ٥٩٠) رقم (٨٥٩٣) . وأشار إلى أنه حسن. من رواية أبي داود، والطبراني في الأوسط. وقال الحافظ العراقي: سنده صحيح، وصححه ابن حبان، وله شاهد عند البزار. وعند أبي نعيم في تاريخ أصبهان. يُراجع: كشف الخفاء (٢/٣١٤)، حديث رقم (٢٤٣٦) . وقال الألباني - ﵀ -: صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (٨/٤٩)، وحديث رقم (٢٣٨٤) .
[ ٤١٣ ]
معصية، أو شعارًا لها، كان حكمه كذلك. وبكل حال يقتضي تحريم التشبه، بعلة كونه تشبهًا، والتشبه يعم من فعل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير قد فعله أيضًا، ولم يأخذ أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبه نظر، لكن قد ينهى عن هذا لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وهذا الحديث أقل أحوال أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) ا. هـ (٢) .
ثالثًا: الأدلة من الإجماع:
أن عمر بن الخطاب - ﵁-، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء، جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمَّة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم:
أن نوقر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم: قلنسوة (٣) أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زيِّنا حيثما كنَّا، وأن نشد الزنانير (٤) على أوساطنا، وأن لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا ولا كتبًا في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين (٥)
_________________
(١) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٨) .
(٢) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٧) .
(٣) - القلنسوة: من ملابس الرؤوس معروف. يُراجع: لسان العرب (٦/١٨١) مادة (قلس) .
(٤) - الزنانير: جمع زنارة وزنارة: ما يلبسه المجوسي والنصراني على وسطه يشده به. يُراجع: لسان العرب (٤/٣٣٠) مادة (زنر) .
(٥) - رواه البيهقي في سننه (٩/٢٠٢) كتاب الجزية، باب الإمام يكتب كتاب الصالح على الجزية. ويراجع: أحكام أهل الذمة لابن القيم (٢/٦٥٧-٦٦٣) . ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢٠- ٣٢١) . وقال شيخ الإسلام - ﵀ -: (رواه حرب - الكرماني - بإسناد جيد) .
[ ٤١٤ ]
فهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مُجْمَعٌ عليها في الجملة بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم وسائر الأئمة.
والقصد من هذه الشروط: ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرض عمر -﵁- والمسلمون بأصل التمييز، ل بالتميز في عامة الهدي، وذلك يقتضي إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم. والمقصود من هذا التييز ليُعرفوا (١) .
ما رواه قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق -﵁- على امرأة من أحمس (٢)، يقال لها: زينب، فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ . قالوا: حجَّت مصمته. فقال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت، فقالت: من أنت؟ . قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ . قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول، أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ . قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك الناس (٣) .
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢١- ٣٢٢) .
(٢) - أحمس: بطن من أنمار بن أراش من القحطانية، وينسبون إلى أمهم بجيلة. يراجع: معجم ما استعجم (١/٥٧- ٦٣) . ومعجم قبائل العرب (١/١٠و٦٣- ٦٥)
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٧/١٤٧، ١٤٨) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٨٣٤) .
[ ٤١٥ ]