المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: ويحتوي علي مطلبين.
المطلب الأول: تعظيم الكفار لشهر رجب.
المطلب الثاني: عتيرة رجب.
المبحث الثالث: بدعة تخصيصه بالصيام أو القيام
وحكم العمرة فيه والزيارة الرجبية.
المبحث الرابع: بدعة صلاة الرغائب.
المبحث الخامس: بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج.
[ ٢٠٧ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي بكرة - رضي الله عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» الحديث. متفق عليه (١) .
عن مجاهد قال: «دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر﵄جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة. ثم قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال: أربعًا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه. قال: وسمعنا استنان (٢) عائشة أم المؤمنين في الحجرة فقال عروة: يا أماه يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع مرات إحداهن في رجب. قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط (٣») .
عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: «لا فرع ولا عتيرة» . والفرع أول النتاج، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب (٤) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٧) كتاب الأضاحي، حديث رقم (٥٥٥٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٥) كتاب القسامة، حديث رقم (١٦٧٩) .
(٢) - الاستنان: استعمال السواك، وهو افتعال من الأسنان أي يُمره عليها. يراجع النهاية (٢/٤١١) . مادة (سنن) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٥٩٩) كتاب العمرة، حديث رقم (١٧٧٥- ١٧٧٦)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩١٧) كتاب الحج، حديث رقم (١٢٥٥) (٢٢٠) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٥٩٦) كتاب العقيقة، حديث رقم (٥٤٧٣)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٥٦٤) كتاب الأضاحي، حديث رقم (١٩٧٦)
[ ٢٠٩ ]
عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان. قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (١) .
عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله ﷺ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته فقال: يا رسول الله أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت»؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول. قال: «فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة»؟ قال ﷺ: «صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك» وقال بأصبعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها (٢) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٠١) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٠٢) كتاب الصيام. وقال الألباني: وهذا إسناد حسن، ثابت بن قيس صدوق يهم - كما في التقريب - وسائر رجاله ثقات. يراجع: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/٥٢٢) . حديث رقم (١٨٩٨) .
(٢) -- رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٩-٨١٠) كتاب الصوم. حديث رقم (٢٤٢٨)، ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤) كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤١) . ورواه البهقي في سننه (٤/٢٩١، ٢٩٢) كتاب الصيام، وقال المنذري-: بعد أن ذكر الاختلاف في مجيبة الباهلية أو أبي مجيبة الباهلية، أو مجيبة الباهلي -: وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متوجه. يراجع: مختصر سنن أبي داود (٣/٣٠٦)، حديث رقم (٢٣١٨) .
[ ٢١٠ ]
عن عثمان بن حكيم الأنصاري قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب؟ ونحن يومئذ في رجب، فقال: سمعت ابن عباس -﵄يقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم (١) .
عن ابن عمر - ﵄ -: أن النبي ﷺ اعتمر أربعًا إحداهن في رجب (٢) .
عن أبي المليح قال: نبيشة: نادي رجل رسول الله ﷺ: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: «اذبحوا لله في أي شهر كان وبروا الله ﷿ وأطعموا» (٣) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٣١) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١١) كتاب الصيام. حديث رقم (١١٥٧ «١٧٩») . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨١١) كتاب الصوم. حديث رقم (٢٤٣٠) .
(٢) - رواه الترمذي في سننه (٢/٢٠٧)، حديث رقم (٩٤١)، وقال: حديث غريب حسن صحيح. وقد تقدم رد عائشة - ﵂ - على هذا الحديث.
(٣) -رواه أحمد في مسنده (٥/٧٦)، ورواه أبو داود في سننه (٣/٢٥٥)، كتاب الأضاحي حديث (٢٨٣٠)، ورواه النسائي في سننه (٧/١٦٩، ١٧٠)، كتاب الفرع والعتيرة، ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٠٥٧، ١٠٥٨) كتاب الذبائح، حديث رقم (٣١٦٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٣٥) كتاب الذبائح، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
[ ٢١١ ]
عن يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو الباهلي قال: سمعت أبي يذكر أنه سمع جده الحارث بن عمرو لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال رجل من الناس: يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: «من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع، وفي الغنم أضحيتها» وقبض أصابعه إلا واحدة (١) .
عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفًا مع النبي ﷺ بعرفات فسمعته يقول: «يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية» (٢) .
_________________
(١) - رواه النسائي في سننه (٧/١٦٨، ١٦٩)، كتاب الفرع والعتيرة، ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٣٦) كتاب الذبائح، وقال: حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وأشار إلى أنه على شرط الشيخين.
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٤/٢١٥)، ورواه النسائي في سننه (٧/١٦٧، ١٦٨)، كتاب الفرع والعتيرة، رواه الترمذي في سننه (٣/٣٧)، أبواب الأضاحي، حديث رقم (١٥٥٥)، واللفظ له، وقال: حديث حسن غريب. ورواه أبو داود في سننه (٣/٢٥٦)، كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٧٨٨)، وقال الخطابي: هذا الحديث ضعيف المخرج، وأبو رملة مجهول. يراجع: معالم السنن (٤/٩٤)، كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٦٧٠)، وقال المنذري: وقد قيل أن هذا الحديث منسوخ بقوله ﷺ «لا فرع ولا عتيرة» . يراجع: مختصر سنن أبي داود (٤/٩٣)، كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٦٧٠)
[ ٢١٢ ]
عن أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي قال: قال يا رسول الله إنا كنا نذبح ذبائح في الجاهلية في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا. فقال رسول الله ﷺ: «لا بأس به» (١) .
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ عن العقيقةوسئل عن العتيرة فقال: «العتيرة حق» (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب (٣) .
عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبارك لنا في رمضان» . وكان يقول: «ليلة الجمعة غراء ويومها
_________________
(١) - رواه النسائي في سننه (٧/١٧١)، كتاب الفرع والعتيرة، ورواه الدارمي في سننه (٢/٨١)، باب في لبفرع والعتيرة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يراجع: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص (٢٦٢) كتاب الأضاحي. حديث رقم (١٦٠٧) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/١٨٣)، ورواه النسائي في سننه (٧/١٦٨)، كتاب الفرع والعتيرة. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/١٨٧)، رقم (٥٦٧٤) . وأشار إلى أنه حسن.
(٣) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤)، كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤٣)، وفيه داود بن عطاء المدني وهو متفق على تضعيفه. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن الرسول الله ﷺ قال أحمد بن حنبل: لا يحدث عن داود بن عطاء. وقال البخاري: منكر الحديث. يراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/٧٧، ٧٨)، والعلل المتناهية (٢/ ٦٥)، حديث رقم (٩١٣)، والضعفاء الكبير (٢/٣٤، ٣٥) ترجمة رقم (٤٥٧)، وتهذيب التهذيب (٣/١٩٣-١٩٤) ترجمة رقم (٣٧٠) .
[ ٢١٣ ]
أزهر» (١) .
قال ابن حجر: لم يرد في فضل شهر رجب، ولا في صيامه، ولا في صيام شيء منه معين، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ رويناه عنه بإسناد صحيح، وكذلك رويناه من غيره (٢) ا. هـ.
ثم ذكر بعد ذلك مجموعة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة نذكر بعضها بشكل موجز:
فمن الضعيف:
* حديث: «إن في الجنة نهرًا يقال له رجب ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر» (٣) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٥٩)، وفيه زائدة بن أبي الرقاد عن زيادة النميري. قال ابن حجر: وزائدة بن أبي الرقادة روى عنه جماعة. وقال فيه أبو حاتم: يحدث عن زيادة النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، فلا يدري منه أو من زيادة، ولا أعلم روى عنه غير زيادة، فكنا نعتبر حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: بعد أن أخرج له حديثًا في السنن: لا أدري من هو، وقال في الضعفاء: منكر الحديث، وقال في الكنى: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يحتج بخيره. يراجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص (١٢)، والضعفاء الكبير (٢/٨١)، ترجمة رقم (٥٣١)، وتهذيب التهذيب (٣/٣٠٥) ترجمة رقم (٥٧٠) .
(٢) - يراجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص (٦) .
(٣) - قال ابن حجر: ذكره أبو القاسم التيمي في كتاب الترغيب والترهيب، وذكره الحافظ الأصبهاني في كتاب فضل الصيام، ورواه البيهقي في فضائل الأوقات، وانب شاهين في كتابه الترغيب والترهيب. وقال: قال ابن الجوزي في العلل المتناهية: فيه مجاهيل، فالإسناد ضعيف في الجملة لكن لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع. وله طرق أخرى في إسنادها مجاهيل. يراجع: تبيين العجب ص (٩، ١٠، ١١) . والعلل المتناهية (٢/٦٥) .
[ ٢١٤ ]
* وحديث: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان» (١) .
* وحديث: «أن رسول الله ﷺ لم يصم بعد رمضان إلا رجبًا وشعبان» (٢) .
ومن الأحاديث الموضوعة:
* حديث: «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي» (٣) .
* وحديث: «فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الأذكار» (٤) .
* وحديث: «رجب شهر الله الأصم، من صام من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر» (٥)
* وحديث: «من صام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر ومن صام سبعة أيام أغلق عنه سبعة أبواب من النار » (٦)
* وحديث: «من صلى المغرب في أول ليلة من رجب ثم صلى بعدها عشرين ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد مرة، ويسلم فيهن عشر تسليمات، أتدرون ما ثوابه؟ قال: حفظه الله في نفسه وأهله وماله وولده، وأجير من عذاب القبر، وجاز على
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٥٩)، وفيه زائدة بن أبي الرقاد عن زيادة النميري. قال ابن حجر: وزائدة بن أبي الرقادة روى عنه جماعة. وقال فيه أبو حاتم: يحدث عن زيادة النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، فلا يدري منه أو من زيادة، ولا أعلم روى عنه غير زيادة، فكنا نعتبر حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: بعد أن أخرج له حديثًا في السنن: لا أدري من هو، وقال في الضعفاء: منكر الحديث، وقال في الكنى: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يحتج بخيره. يراجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص (١٢)، والضعفاء الكبير (٢/٨١)، ترجمة رقم (٥٣١)، وتهذيب التهذيب (٣/٣٠٥) ترجمة رقم (٥٧٠) .
(٢) - قال ابن حجر: قال البيهقي - ثم أورد هذا الحديث - وقال: وهو حديث منكر من أجل يوسف بن عطية فإنه ضعيف جدًا. يراجع: تبيين العجب ص (١٢) .
(٣) - قال ابن حجر: رواه أبو بكر النقاش المفسر، ورواه الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر في أماليه عن النقاش مطولًا - ذكر فيه فضل صوم كل يوم من أيام شهر رجب - وقال: النقاش وضاع دجال، وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع. يراجع: تبيين العجب ص (١٣-١٥) . وحكم عليه بالوضع ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٢٠٥، ٢٠٦)، والصغاني في الموضوعات ص (٦١) .، حديث: ١٢٩- والسيوطي في اللآليء المصنوعة (٢/١١٤) .
(٤) -قال ابن حجر بعد ذكره الحديث: ورجال هذا الإسناد ثقات إلا السقطي فهو الآفة وكان مشهورًا بوضع الحديث. يراجع: تبيين العجب ص (١٧) .
(٥) - يراجع: تبيين العجب ص (١٧) . والفوائد المجموعة للشوكاني ص (٤٣٩) . حديث رقم (١٢٦٠) .
(٦) - حديث موضوع: يراجع الموضوعات: لابن الجوزي (٢/٢٠٦)، تبيين العجب ص (١٨)، واللآليء المصنوعة للسيوطي (٢/١١٥) . والفوائد المجموعة للشوكاني ص (١٠٠) . حديث رقم (٢٢٨) .
[ ٢١٥ ]
الصراط كالبرق بغير حساب ولا عذاب» (١)
* وحديث: «من صام من رجب وصلى فيه أربع ركعات لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له» (٢) .
* وحديث صلاة الرغائب: «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي ولكن لا تغفلوا عن أول ليلة جمعة من رجب فإنها ليلة تسميها الملائكة الرغائب، وذلك أنه إذا مضى ثلث الليل لا يبقى ملك مقرب في جميع السموات والأرض، إلا ويجتمعون في الكعبة وحواليها، فيطلع الله ﷿ عليهم اطلاعة فيقول: ملائكتي سلوني ما شئتم، فيقولون: يا ربنا حاجتنا إليك أن تغفر لصوم رجب، فيقول الله ﷿: قد فعلت ذلك. ثم قال ﷺ: وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة، ثنتي عشرة ركعة » (٣) الخ.
* وحديث: «من صلى ليلة النصف من رجب أربع عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشرين مرة» (٤) الخ.
* وحديث: «إن شهر رجب شهر عظيم، من صام منه يومًا كتب الله له صوم ألف سنة» (٥) الخ.
فما تقدم جزء يسير من الأحاديث الموضوعة في فضل شهر رجب والقصد الإشارة والتنبيه على عدم خصوصية شهر رجب بصوم أو صلاة ونحو ذلك من العبارات، وما ذكر فيه الكفاية، وما لم يذكر فليراجع في الكتب التي ذكرت فيها الأحاديث الموضوعة، والله الهادي إلى سواء السبيل- والله أعلم -.
_________________
(١) - حديث موضوع: يراجع الموضوعات: لابن الجوزي (٢/١٢٣)، تبيين العجب ص (٢٠)، والفوائد المجموعة ص (٤٧) . حديث رقم (١٤٤) .
(٢) - حديث موضوع: يراجع الموضوعات: لابن الجوزي (٢/١٢٤)، تبيين العجب ص (٢١)، والفوائد المجموعة ص (٤٧) . حديث رقم (١٤٥) .
(٣) - حديث موضوع: يراجع الموضوعات: لابن الجوزي (٢/١٢٤- ١٢٦)، تبيين العجب ص (٢٢- ٢٤)، والفوائد المجموعة ص (٤٧-٥٠) . حديث رقم (١٤٦) .
(٤) - حديث موضوع: يراجع الموضوعات: (٢/١٢٦)، تبيين العجب ص (٢٥)، والفوائد المجموعة ص (٥٠) . حديث رقم (١٤٧) .
(٥) - حديث موضوع: يراجع الموضوعات: (٢/٢٠٦- ٢٠٧)، تبيين العجب ص (٢٦)، واللآليء المصنوعة (٢/١١٥) . والفوائد المجموعة ص (١٠١) . حديث رقم (٢٨٩) .
[ ٢١٦ ]
المبحث الثاني
المطلب الأول: تعظيم الكفار لشهر رجب.
رجب في اللغة مأخوذ من رجبَ الرجلَ رجَبا، وَرَجَبَه يرجُبُه رَجْبًا ورُجُوبًا، ورجَّبه وَتَرجَّبه وأَرجْبَهَ كلهُّ: هابه وعظمه، فهو مَرْجُوبٌ.
ورجب: شهر سموه بذلك لتعظيمهم إياه في الجاهلية عن القتال فيه، ولا يستحلِّون القتال فيه، والترجيب التعظيم، والراجب المعظم لسيده (١) .
وذكر بعض العلماء أن لشهر رجب أربعة عشر اسمًا: شهر الله، ورجب، رجب مضر، منّصل الأسنة، الأصم منفس، مطهر، مقيم، هرم، مقشقش، مبريء، فرد، الأصب، مُعلّى، وزاد بعضهم: رجم، منصل الآل وهي الحربة، منزع الأسنة (٢) .
وقد فسر بعض العلماء بعض هذه الأسماء بما يلي:
رجب: لأنه كانُ يرجَّب في الجاهلية أي يُعظم.
الأصم: لأنهم كانوا يتركون القتال فيه، فلا يسمع فيه قعقعة السلاح، ولا يسمع فيه صوت استغاثة.
الأصب: لأن كفار مكة كانت تقول: إن الرحمة تصب فيه صبًا.
رجم: بالميم لأن الشياطين ترجم فيه: أي تطرد.
الهرم: لأن حرمته قديمة من زمن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
المقيم: لأن حرمته ثابتة لم تنسخ، فهو أحد الأشهر الأربعة الحرم.
الُمعلّى: لأنه رفيع عندهم فيما بين الشهور.
منصل الأسنة: ذكره البخاري عن أبي رجاء العطاردي.
_________________
(١) -يراجع: القاموس المحيط (١/٧٤)، ولسان العرب (١/٤١١، ٤١٢) مادة (رجب) .
(٢) -يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٢) .
[ ٢١٧ ]
منصل الآل: أي الحرب.
المبريء: لأنه كان عندهم في الجاهلية من لا يستحل القتال فيه بريء من الظلم والنفاق.
المقشقش: لأن به كان يتميز في الجاهلية المتمسك بدينه، من المقاتل فيه المستحل له.
شهر العتيرة: لأنهم كانوا يذبحون فيه العتيرة، وهي المسماة الرجبية نسبه إلى رجب (١) .
رجب مضر: إضافة إلى مضر (٢) لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم، فيقال إن ربيعة كانوا يجمعون بدله رمضان، وكان من العرب من يجعل في رجب وشعبان، ما ذكر في المحرم وصفر، فيحلون رجبًا ويحرمون شعبًا (٣) .
وقال ﷺ: «ورجب مضر الذي بين جماد وشعبان» (٤) . فقيده بهذا التقييد مبالغة في إيضاحه، وإزالة اللبس عنه قالوا: وقد كان بين مضر وبين ربيعة، اختلاف في رجب، فكانت مضر تجعل رجبًا هذا الشهر المعروف الآن، وهو الذي بين جمادي
_________________
(١) - يراجع: تبيين العجب ص (٥، ٦) . وفص الخواتم ص (٩٣، ٩٤) .
(٢) - نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
(٣) - يراجع: فتح الباري (٨/٣٢٥) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٧) كتاب الأضاحي، حديث رقم (٥٥٥٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٥) كتاب القسامة، حديث رقم (١٦٧٩) .
[ ٢١٨ ]
وشعبان، وكانت ربيعة تجعله رمضان، فلهذا إضافة النبي ﷺ إلى مضر، وقيل لأنهم كانوا يعظمونه أكثر من غيرهم (١) .
فكل هذه الأسماء التي أطلقت على شهر رجب، تدل على تعظيم الكفار لهذا الشهر، وربما كان تعظيم مضر لشهر رجب أكثر من تعظيم غيرهم له، فلذلك أضيف إليهم.
وكان أهل الجاهلية يتحرون الدعاء فيه على الظالم وكان يستجاب لهم، ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعوة وغيره.
وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب - ﵁ -، فقال عمر: إن الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وإن الله جعل الساعة موعدهم، والساعة أدهى وأمر (٢) .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن خرشه بن الحر قال: رأيت عمر بن الخطاب﵁-
_________________
(١) - يراجع: النهاية لابن الأثير (٢/١٩٧) . وشرح النووي على صحيح مسلم (١١/٢١٨) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٦) .
[ ٢١٩ ]
يضرب أكف الناس في رجب، حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية (١) .
المطلب الثاني: عتيرة رجب.
فسر العلماء عتيرة رجب بعد تفسيرات، منها:
قال أبو عبيدة: (وأما العتيرة فإنها الرجبية، وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب، يتقرب بها أهل الجاهلية وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا طلب أمرًا نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر) (٢) .
وذكر ابن منظور: (أن الرجل كان يقول في الجاهلية: إن بلغت إبلي مائة عترت عنها عتيرة، فإذا بلغت مائة ضنّ بالغنم فصاد ظبيًا فذبحه) (٣) .
وقال أبو داود: (والعتيرة في العشر الأول من رجب) (٤) .
وقال الخطابي: (العتيرة: تفسيرها في الحديث أنها شاة تذبح في رجب، وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث، ويليق بحكم الدين) .
_________________
(١) - يراجع: المصنف (٣/١٠٢) . قال الألباني بعد ذكره سنده: وهذا سند صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (٤/١١٣)، وحديث رقم (٩٥٧) .
(٢) - يراجع: غريب الحديث (١/ ١٩٥و١٩٦) .
(٣) - يراجع: لسان العرب (٤/٥٣٧) مادة (عتر) .
(٤) - يراجع: سنن أبي داود (٣/٢٥٦) كتاب الأضاحي. حديث رقم (٢٨٣٣) .
[ ٢٢٠ ]
وأما العتيرة التي كانت تعترها الجاهلية فهي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام فيصب دمها على رأسها. والعتر: بمعنى الذبح) (١) .
والصحيح - إن شاء الله تعالى - أنهم كانوا يذبحونها في رجب من غير نذر، وجعلوا ذلك سنة فيما بينهم كالأضحية في الأضحى، وكان منهم من ينذرها، كما قد ينذر الأضحية، بدليل قول النبي ﷺ «على كل أهل بيت أضحاة وعتيرة» (٢) . وهذا الذي قاله النبي ﷺ في بدء الإسلام تقريرًا لما كان في الجاهلية، وهو يقتضي ثبوتها بغير نذر ثم نسخ بعد، ولأن العتيرة لو كانت هي المنذورة لم تكن منسوخة، فإن الإنسان لو نذر ذبح شاة في أي وقت لزمه الوفاء بنذره (٣) .
حكم العتيرة:
اختلف العلماء في حكم العتيرة على أقوال:
القول الأول: أن العتيرة مستحبة، والدليل على ذلك ما تقدم من الأحاديث الدالة على الأمر بها، وأنها حق.
وأما قوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة» . أي لا عتيرة واجبة قوله ﷺ: «إذبحوا لله في أي وقت كان» (٤) . أي إذبحوا إن شئتم، واجعلوا الذبح لله في أي شهر كان، لا أنها في رجب دون غيره من الشهور (٥) . وهذا قول الشافعي - ﵀ -.
_________________
(١) - يراجع: معالم السنن (٤/٩٢) . أول كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٦٧٠) .
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٤/٢١٥)، ورواه النسائي في سننه (٧/١٦٧، ١٦٨)، كتاب الفرع والعتيرة، رواه الترمذي في سننه (٣/٣٧)، أبواب الأضاحي، حديث رقم (١٥٥٥)، واللفظ له، وقال: حديث حسن غريب. ورواه أبو داود في سننه (٣/٢٥٦)، كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٧٨٨)، وقال الخطابي: هذا الحديث ضعيف المخرج، وأبو رملة مجهول. يراجع: معالم السنن (٤/٩٤)، كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٦٧٠)، وقال المنذري: وقد قيل أن هذا الحديث منسوخ بقوله ﷺ «لا فرع ولا عتيرة» . يراجع: مختصر سنن أبي داود (٤/٩٣)، كتاب الضحايا. حديث رقم (٢٦٧٠)
(٣) - يراجع: الشرح الكبير لابن قدامة (٢/٣٠٤و٣٠٥) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٥٩٦) كتاب العقيقة، حديث رقم (٥٤٧٣)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٥٦٤) كتاب الأضاحي، حديث رقم (١٩٧٦)
(٥) - يراجع: المجموع للنووي (٨/٤٤٥) .
[ ٢٢١ ]
قال النووي: وقد نص الشافعي - ﵀ - في سنن حرملة أنها إن تيسرت كل شهر كان حسنًا، فالصبح الذي نص عليه الشافعي - ﵀ - واقتضته الأحاديث أنهما - الفرع والعتيرة - لا يكرهان بل يستحبان هذا مذهبنا (١) . ا. هـ.
القول الثاني: أنها لا تستحب، وهل تكره؟: فيه وجهان:
الوجه الأول: تكره العتيرة لقوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة»
الوجه الثاني: لا تكره للأحاديث السابقة (٢) بالترخص فيها.
وأجابوا عن قوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة» . بثلاثة أوجه:
أحدها: أن المراد نفي الوجوب - كجواب الشافعي - ﵀ - السابق.
الثاني: أن المراد نفي ما كانوا يذبحونه لأصنامهم.
الثالث: أن المراد أنها ليست كالأضحية في الاستحباب أو ثواب إراقة الدم.
وقد نسب النووي هذا القول: إلى ابن كج والدارمي من الشافعية.
_________________
(١) - يراجع: المجموع (٨/٤٤٥، ٤٤٦) .
(٢) - عن يحيى بن زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو الباهلي قال: سمعت أبي يذكر أنه سمع جده الحارث بن عمرو لقي رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال رجل من الناس: يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: «من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع، وفي الغنم أضحيتها» وقبض أصابعه إلا واحدة. عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفًا مع النبي ﷺ بعرفات فسمعته يقول: «يا أيها الناس على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تسمونها الرجبية» .
[ ٢٢٢ ]
القول الثالث: أنها لا تسن. والدليل على ذلك قوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة» . الذي رواه أبو هريرة - ﵁ - وهذا الحديث متأخر على الأمر بها فيكون ناسخًا.
ودليل تأخره أمران:
أنه من رواية أبي هريرة وهو متأخر الإسلام، فإن إسلامه في سنة فتح خيبر وهي السنة السابعة من الهجرة.
أن الفرع والعتيرة كان فعلهما أمرًا متقدمًا على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نسخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. ولو قدرنا تقدم النهي عن الأمر بهما، لكانت نسخت ثم نسخ ناسخها وهذا خلاف الظاهر.
إذا ثبت هذا فإن المراد بالخبر نفي كونها سنة، لا تحريم فعلها ولا كراهته (١) . ذكر هذا القول ابن قدامة في الشرح الكبير وقال: هذا قول علماء الأمصار، سوى ابن سيرين، فإنه كان يذبح العتيرة في رجب ويروي فيها شيئًا (٢) .
_________________
(١) - يراجع: الشرح الكبير (٢/٣٠٤، ٣٠٥) .
(٢) - يراجع: الشرح الكبير (٢/٣٠٤) .
[ ٢٢٣ ]
وقد قال بالنسخ أبو عبيد القاسم بن سلام، وذكر النووي أن القاضي عياض يقول: إن الأمر بالفرع والعتيرة منسوخ عن جماهير العلماء (١) .
القول الرابع: النهي عن العتيرة، وأنها باطلة: قال ابن قيم الجوزية: وقال ابن المنذر-بعد أن ذكر الأحاديث في عتيرة رجب-: وقد كانت العرب تفعل ذلك في الجاهلية، وفعله بعض أهل الإسلام، فأمر النبي ﷺ بهما، ثم نهى عنهما رسول الله ﷺ فقال: «لا فرع ولا عتيرة» . فانتهى الناس عنهما لنهيه إياهم عنها، ومعلوم أن النهي لا يكون إلا عن شيء قد كان يفعل، ولا نعلم أن أحدًا من أهل العلم يقول: إن النبي ﷺ كان نهاهم عنهما ثم أذن فيهما، والدليل على أن الفعل كان قبل النهي قوله في حديث نبيشة: «إنا كن نعتر عتيرة في الجاهلية، إنا كنا نفرع في الجاهلية» (٢) .
وفي إجماع عوام علماء الأمصار على عدم استعمالهم ذلك، وقوف عن الأمر بهما مع ثبوت النهي عن ذلك بيان لما قلنا (٣) ..ا. هـ.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: قوله «ولا تسن الفرعة والعتيرة» وفيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم. قوله «والمراد بـ «لا فرع ولا عتيرة» نفي كونهما
_________________
(١) - يراجع: المجموع (٨/٤٤٦) . وشرح صحيح مسلم للنووي: (١٣/١٣٧) . والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار: ص (١٥٨-١٦٠) .
(٢) -رواه أحمد في مسنده (٥/٧٦)، ورواه أبو داود في سننه (٣/٢٥٥)، كتاب الأضاحي حديث (٢٨٣٠)، ورواه النسائي في سننه (٧/١٦٩، ١٧٠)، كتاب الفرع والعتيرة، ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٠٥٧، ١٠٥٨) كتاب الذبائح، حديث رقم (٣١٦٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٣٥) كتاب الذبائح، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) - يراجع: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٤/٩٢و٩٣) . والاعتبار ص (١٥٩و١٦٠) .
[ ٢٢٤ ]
سنة» أي خلافًا لما يراه بعض أهل الجاهلية من أن ذلك سنة، هذا معنى كلام بعضهم. لكن النفي يفيد البطلان كـ «لا عدوى ولا طيرة» أفلا يكون «لا فرع ولا عتيرة» إبطال لذلك؟! .
فالأصل سقوط ذلك، ولا حاجة إلى تأويل، بل هو ساقط بالإسقاط النبوي، سقط سنة وفعلًا.
هذا مع دلالة «من تشبه بقوم فهو منهم» (١) . مع دلالة أن الرسول ﷺ منع من مشابهة الجاهلية.
ثم إن هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها ﷺ كانت منتفية، فإن أمور الجاهلية كلها منتفية، لا يحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها.
قوله: «ولا يكرهان» هذا تصريح بعدم الكراهية، وبعض الأصحاب قال بالكراهة (٢)، والذي نفهم أنه حرام، وهذا بالنسبة إلى تخصيصهم ذبح أول ولد تلده الناقة - الفرع -، والذبح في العشر الأول من رجب -العتيرة -، أما إن كان مثل ما يفعله الجاهلية لآلهتهم فهو شرك (٣) . ا. هـ.
والذي يترجح عندي -والله أعلم - هو القول بالبطلان، لاتفاق جمهور العلماء على أن ما ورد في العتيرة منسوخ بقوله ﷺ: «لا فرع ولا عتيرة» . وأن اللام في هذا الحديث تفيد النفي قياسًا على قوله ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة» . ولما في العتيرة من التشبه بأهل الجاهلية، وهذا منهي عنه، ولأن الذبح عبادة، والعبادات توفيقية.
ولكن ليس هذا معناه أنه لا يجوز الذبح عمومًا في شهر رجب ولكن المراد بالنهي هو ما ينويه الذابح أن هذه الذبيحة هي عتيرة رجب، أو انه ذبحها تعظيمًا لشهر رجب ونحو ذلك. - والله أعلم -.
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٢/٥٠) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٣١٤) كتاب اللباس، حديث رقم (٤٠٣١) . قال المنذري في تهذيب سنن أبي داود (٦/٢٥): (في إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وهو ضعيف) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/٢٣٦): (وهذا إسناد جيد) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/ ٥٩٠) رقم (٨٥٩٣) . وأشار إلى أنه حسن. من رواية أبي داود، والطبراني في الأوسط. وقال الحافظ العراقي: سنده صحيح، وصححه ابن حبان، وله شاهد عند البزار. وعند أبي نعيم في تاريخ أصبهان. يُراجع: كشف الخفاء (٢/٣١٤)، حديث رقم (٢٤٣٦) . وقال الألباني - ﵀ -: صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (٨/٤٩)، وحديث رقم (٢٣٨٤) .
(٢) - يراجع: الإنصاف للمرداودي (٤/١١٤) .
(٣) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٦/١٦٥و١٦٦) .
[ ٢٢٥ ]
المبحث الثالث
بدعة تخصيص شهر رجب بالصيام أو القيام
وحكم العمرة فيه والزيارة الرجبية
من الأمور المبتدعة في شهر رجب: تخصيصه بالصيام أو القيام، والمخصصين له استندوا إلى أحاديث بعضها ضعيف، وكثير منها موضوع والتي سبق وذكرنا بعضًا منها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما تخصيص رجب وشعبان جميعًا بالصوم، أو الاعتكاف، فلم يرد فيه عن النبي ﷺ شيء ولا عن أصحابه، ولا أئمة المسلمين، بل قد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يصوم شعبان، ولم يكن يصوم من السنة أكثر مما يصوم من شعبان، من أجل شهر رمضان) (١) .
وأما صوم رجب بخصوصه فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات، وأكثر ما روي في ذلك أن النبي ﷺ كان إذا دخل رجب يقول: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان» (٢) .
وقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس عن النبي ﷺ «نهى عن صيام
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٧٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١١) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٥٦) . وليس فيهما زيادة (من أجل شهر رمضان) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٥٩)، وفيه زائدة بن أبي الرقاد عن زيادة النميري. قال ابن حجر: وزائدة بن أبي الرقادة روى عنه جماعة. وقال فيه أبو حاتم: يحدث عن زيادة النميري عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، فلا يدري منه أو من زيادة، ولا أعلم روى عنه غير زيادة، فكنا نعتبر حديثه. وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: بعد أن أخرج له حديثًا في السنن: لا أدري من هو، وقال في الضعفاء: منكر الحديث، وقال في الكنى: ليس بثقة. وقال ابن حبان: لا يحتج بخيره. يراجع: تبيين العجب بما ورد في فضل رجب ص (١٢)، والضعفاء الكبير (٢/٨١)، ترجمة رقم (٥٣١)، وتهذيب التهذيب (٣/٣٠٥) ترجمة رقم (٥٧٠) .
[ ٢٢٦ ]
رجب» (١) . وفي إسناده نظر.
لكن صح أن عمر بن الخطاب كان يضرب أيدي الناس ليضعوا أيديهم في الطعام في رجب، ويقول: لا تشبهوه برمضان.
ودخل أبو بكر فرأى أهله قد اشتروا كيزانا للماء واستعدوا للصوم فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب. فقال: أتريدون أن تشبهوه برمضان؟ وكسر تلك الكيزان (٢) .
فمتى أفطر بعضًا لم يكره صوم البعض.
وفي المسند وغيره حديث عن النبي ﷺ «أنه أمر بصوم الأشهر الحرم» . وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، فهذا في صوم الأربعة جميعًا، لا من تخصص رجب (٣) . ا. هـ.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- (أن تعظيم شهر رجب من الأمور المحدثة التي ينبغي اجتنابها، وأن اتخاذ شهر رجب موسمًا بحيث يفرد بالصوم مكروه عن الأمام أحمد - ﵀ - وغيره) (٤) .
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤)، كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤٣)، وفيه داود بن عطاء المدني وهو متفق على تضعيفه. قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن الرسول الله ﷺ قال أحمد بن حنبل: لا يحدث عن داود بن عطاء. وقال البخاري: منكر الحديث. يراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/٧٧، ٧٨)، والعلل المتناهية (٢/ ٦٥)، حديث رقم (٩١٣)، والضعفاء الكبير (٢/٣٤، ٣٥) ترجمة رقم (٤٥٧)، وتهذيب التهذيب (٣/١٩٣-١٩٤) ترجمة رقم (٣٧٠) .
(٢) - قال ابن قدامة: وروى الإمام أحمد بإسناده عن أبي بكرة - ثم ذكر هذا الآثر -. يراجع:: المغني (٣/١٦٧) . والشرح الكبير (٢/٥٢) . قلت: ولكني لم أجده في مسند الإمام أحمد. وقد ذكره شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢٥/٢٩١) . عن أبي بكرة. وذكره أيضًا في اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٢٦٥) . عن أبي بكرة. وذكر ابن حجر في تبيين العجب أن سعيد بن منصور رواه في سننه عن أبي بكرة. يراجع: تبيين العجب ص (٣٥) .
(٣) - يراجع: مجموع فتاوى الشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (٢٥/٢٩٠و٢٩١) .
(٤) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦٢٤، ٦٢٥) .
[ ٢٢٧ ]
وقال ابن رجب: (وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولكن روي عن أبي قلابة قال: «في الجنة قصر لصوام رجب» قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين، لا يقول مثله إلا عن بلاغ) (١) .
وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أن النبي ﷺ قال له: «صم من الحرم واترك» (٢)، قالها ثلاثًا: خرجه أبو داود وغيره، وخرجه ابن ماجه وعنده «صم أشهر الحرم» .
وقد كان بعض السلف يصوم الأشهر الحرم كلها منهم: ابن عمر والحسن البصري، وأبو إسحاق السبيعي.
_________________
(١) - يمكن الجواب عن هذا بأنه قد اتفق العلماء مثل أبي إسماعيل الهروي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حجر العسقلاني - كما سبق وذكرت - على أنه لم يصح حديث في صوم رجب على وجه الخصوص، وأن ما ورد في ذلك فإما ضعيف وهذا قليل، وإما موضوع وهو الأكثر، والله أعلم.
(٢) -- رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٩-٨١٠) كتاب الصوم. حديث رقم (٢٤٢٨)، ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤) كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤١) . ورواه البهقي في سننه (٤/٢٩١، ٢٩٢) كتاب الصيام، وقال المنذري-: بعد أن ذكر الاختلاف في مجيبة الباهلية أو أبي مجيبة الباهلية، أو مجيبة الباهلي -: وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متوجه. يراجع: مختصر سنن أبي داود (٣/٣٠٦)، حديث رقم (٢٣١٨) .
[ ٢٢٨ ]
وقال الثوري: الأشهر الحرم أحب إلى أن أصوم فيها. وجاء في حديث خرجه ابن ماجه أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم، فقال له رسول الله ﷺ -: «صم شوالًا»، فترك أشهر الحرم وصام شوالًا حتى مات (١) . وفي إسناده انقطاع. وخرج ابن ماجه أيضًا بإسناد فيه ضعف عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي ﷺ نهى عن صيام رجب. والصحيح وقفه على ابن عباس. ورواه عطاء عن النبي ﷺ - مرسلًا.
وروى عبد الرازق في كتابه عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم ذكر
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٥) كتاب الصيام. حديث رقم (١٧٤٤) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: (هذا إسناد رجاله ثقات وفيه مقال الحديث الذي في سنن ابن ماجه من رواية التيمي عن أسامة لم يسنده إليه فليس بمتصل. ا. هـ. يراجع: مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (٢/٧٨) .
[ ٢٢٩ ]
لرسول الله ﷺ قوم يصومون رجبًا فقال: «أين هم من شعبان» (١) . ا. هـ (٢) .
وقال ابن رجب أيضًا: وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أيامًا.
وكرهه أنس أيضًا، وسعيد بن جبير.
وكره صيام رجب كله: يحيى بن سعيد الأنصاري، والإمام أحمد - ﵀ - وقال: يفطر منه يومًا أو يومين، وحكاه عن ابن عمر وابن عباس.
وقال الشافعي - ﵀ - في القديم: «أكره أن يتخذ الرجل شهر صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان»، واحتج بحديث عائشة - ﵂ -: «ما
_________________
(١) - رواه عبد الرازق في مصنفه (٤/٢٩٢) . حديث رقم (٧٨٥٨) . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/١٠٢) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٣-١٢٤) .
[ ٢٣٠ ]
رأيت رسول الله ﷺ استكمل شهرًا قط إلا رمضان» (١) . وقال: كذلك يومًا من الأيام وقال إنما كرهته أن لا يتأسى رجل جاهل، فيظن أن ذلك واجب، وإن فعل فحسن وتزول كراهة إفراد رجب بالصوم، بأن يصوم معه شهرًا آخر تطوعًا عند بعض أصحابنا (٢) (الحنابلة) مثل أن يصوم الأشهر الحرم، أو يصوم رجب وشعبان، وقد تقدم عن ابن عمر - ﵄ - وغيره صيام الأشهر الحرم.
والمنصوص عن أحمد -﵀ -: (أنه لا يصومه بتمامه إلا من صام الدهر) (٣) .
وروي عن ابن عمر﵄- ما يدل عليه: فإنه بلغه أن قومًا أنكروا عليه أنه حرم صوم رجب فقال: كيف بمن يصوم الدهر؟ (٤) .
وهذا يدل على أنه لا يصام رجب إلا مع صوم الدهر.
وروي يوسف بن عطية عن هشام بن حسان
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٦٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٥٦- «١٧٥») .
(٢) - يراجع: الإنصاف للمردواي (٣/٣٤٧) .
(٣) - يراجع: المغني (٣/١٦٧) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٢٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٤١) كتاب اللباس والزينة. حديث رقم (٢٠٦٩) .
[ ٢٣١ ]
عن ابن سيرين عن عائشة أن النبي ﷺ لم يصم بعد رمضان إلا رجبًا وشعبان (١) . ويوسف ضعيف جدًا (٢) . ا. هـ.
وقال ابن قيم الجوزية في هديه ﷺ في صيام التطوع: لم يصم الثلاثة الأشهر سردًا -رجب وشعبان ورمضان -كما يفعله بعض الناس، ولا صام رجبًا قط، ولا استحب صيامه، بل روي عنه النهي عن صيامه ذكره ابن ماجه. ا. هـ (٣) .
وقال أبو شامة: وذكر الشيخ أبو الخطاب في كتاب أداء ما وجب من وضع
_________________
(١) - ذكره ابن حجر في تبيين العجب ص (١٢) . وقال وهو حديث منكر من أجل يوسف بن عطية فإنه ضعيف جدًا.
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٤و١٢٥) .
(٣) - يراجع: زاد المعاد (٢ /٦٤) .
[ ٢٣٢ ]
الوضاعين في رجب عن المؤتمن بن أحمد الساجي الحافظ قال: «كان الإمام عبد الله الأنصاري شيخ خراسان (١) لا يصوم رجب وينهى عن ذلك ويقول: ما صح في فضل رجب ولا صيامه عن رسول الله ﷺ شيء وقد رويت كراهة صومه عن جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر﵄ -، وكان يضرب بالدرة صوامه» .
وروي ذلك الفاكهي في كتاب مكة له، وأسند الإمام المجمع على عدالته، المتفق على إخراج حديثه وروايته، أبو عثمان سعيد بن منصور الخراساني قال:
_________________
(١) - خراسان: بلاد واسعة، أول حدودها مما يلي العراق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنه وسجستان وكرمان وليس ذلك منها إنما هو أطراف حدودها، ومن أمهات البلاد فيها: نيسابور، وهراة، ومرو، وبلخ طالقان، ونسا وسرخس، وأبيورد، وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون، وقد فتحت أكثر هذه البلاد عنوة وصلحًا وذلك سنة ٣١هـ في خلافة عثمان بن عفان ﵁ -. يراجع: معجم البلدان (٢/٣٥٠-٣٥٤) .
[ ٢٣٣ ]
حدثنا سفيان عن مسعر عن وبرة عن خرشة بن الحر أن عمر ابن الخطاب﵁كان يضرب أيدي الرجال في رجب، إذا رفعوها عن طعامه حتى يضعوها فيه، ويقول: إنما هو شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه (١) . قال وهذا سند مجمع على عدالة رواته.
فالصيام جنة، وفعل خير، وعمل بر، لا لفضل صوم هذا الشهر قال: فإن قيل: أليس هذا هو استعمال خير؟ . قيل الخير ينبغي أن يكون مشروعًا من النبي ﷺ، فإذا علمنا أنه كذب خرج أنه من المشروعية، وإنما كانت تعظيمه مضر في الجاهلية، كما قال أمير المؤمنين عمر - ﵁-، وضرب أيدي الذين كانوا يصومونه وكان ابن عباس حبر القرآن يكره صيامه.
_________________
(١) - يراجع: المصنف (٣/١٠٢) . قال الألباني بعد ذكره سنده: وهذا سند صحيح. يُراجع: إرواء الغليل (٤/١١٣)، وحديث رقم (٩٥٧) .
[ ٢٣٤ ]
وقال فقيه القيروان، وعالم أهل زمانه بالفروع: أبو محمد بن زيد: وكره ابن عباس صيام رجب كله، خيفة أن يرى الجاهل أنه مفترض (١) . ا. هـ.
وقال الطرطوشي: يكره صيام رجب على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها: إذا خصه المسلمون بالصوم في كل عام، حسب العوام ومن لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه أنه فرض كرمضان.
الثاني: أو أنه سنة ثابتة خصه رسول الله ﷺ كالسنن الراتبة.
الثالث: أو أن الصوم فيه مخصوص بفضل ثواب على سائر الشهور، جار مجري صوم عاشوراء، وفضل آخر الليل على أوله في الصلاة، فيكون من باب الفضائل لا من باب السنن والفرائض، ولو كان من باب الفضائل لسنه ﷺ، أو فعله ولو مرة في العمر كما فعل في صوم عاشوراء، وفي الثلث الغابر من الليل.
ولما لم يفعل بطل كونه مخصوصًا بالفضيلة، ولا هو فرض ولا سنة باتفاق، فلم
_________________
(١) - يراجع: الباعث ص (٤٨، ٤٩) .
[ ٢٣٥ ]
يبق لتخصيصه بالصيام وجه، فكره صيامه والدوام عليه، وحذرًا من أن يلحق بالفرائض والسنن الراتبة عند العوام.
فإن أحب امرؤ أن يصومه على وجه تؤمن فيه الذريعة، وانتشار الأمر-حتى لا يعد فرضًا أو سنة-فلا بأس بذلك (١) . ا. هـ.
فمما تقدم من كلام هؤلاء العلماء من السلف الصالح يتبين لنا أن شهر رجب لا يخصص ولم يخصص بصيام دون غيره من الأشهر، وكذلك تخصيصه بالصيام تعظيم له، وتعظيم شهر رجب فيه تشبه بأهل الجاهلية، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
وتخصيصه بالصيام بدعة لأنه لم يأمر به ﷺ ولم يفعله، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا التابعون، ولا السلف الصالح، وكل ما ورد في صيامه من النصوص فقد اتفق جمهور على أنها موضوعة إلا القليل منها ضعيف جدًا لا يصلح الاحتجاج به.
وقد صح عن ابن عباس أنه كان ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدًا (٢) . وصح عنه أيضًا قال: ما رأيت رسول الله ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان. فإذا ليس لتخصيص شهر رجب بالصوم أصل - والله أعلم -.
وأما تخصيصه بالعمرة فيه فقد روى ابن عمر - ﵄ - أن النبي ﷺ اعتمر في رجب، فأنكرت ذلك عائشة - ﵂ - وهو يسمع فسكت (٣) .
واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره، وكانت عائشة تفعله
_________________
(١) - يراجع: الحوادث والبدع ص (١٣٠، ١٣١) .
(٢) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/٢٩٢) . رقم (٧٨٥٤) . وقال ابن حجر: وهذا إسناد صحيح. يراجع تبيين العجب: ص (٣٥) .
(٣) - رواه صحيح البخاري (٢/١٩٩) كتاب العمرة، باب (٣) . صحيح مسلم (٢/٩١٦، ٩١٧) كتاب الحج حديث رقم (١٢٥٥) . (٢١٩، ٢٢٠) .
[ ٢٣٦ ]
وابن عمر أيضًا.
ونقل ابن سيرين عن السلف أنهم كانوا يفعلونه، فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة، والعمرة في سفرة أخرى في غيره أشهر الحج، وذلك من إتمام الحج والعمرة المأمور به.
وهذا (١) رأي جمهور الصحابة كعمر وعثمان وعلى وغيرهم (٢) . ا. هـ.
فكلام ابن رجب﵀ - يدل على أن العمرة في رجب مستحبة واستدل على ذلك باستحباب عمر بن الخطاب﵁العمرة في رجب. وفعل عائشة﵂- لها، وابن عمر أيضًا، وهذا هو القول الأول.
وروى البيهقي في سننه عن سعيد بن المسيب أن عائشة - ﵂ - كانت تعتمر في آخر ذي الحجة من الجحفة (٣)، وتعتمر في رجب من المدينة، وتهل من ذي الحليفة (٤) . (٥)
القول الثاني: أن تخصيص شهر رجب بالعمرة لا أصل له، قال ابن العطار:
_________________
(١) - أن الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى - والله أعلم - وليس المراد استحباب العمرة في رجب.
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٢٥-١٢٦) .
(٣) - كانت قرية كبيرة ذات منبر، على طريق المدينة من مكة على أربع مراحل، وهي ميقات أهل مصر والشام إن لم يمروا على المدينة، وكان اسمها مهيعة وإنما سميت الجحفة لأن السيل اجتحفها، وحمل أهلها في بعض الأعوام فصارت خرابًا. يراجع: معجم البلدان (٢/١١١) .
(٤) - قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة، وهي من مياه جشم بينهم وبين بني خفاجة من عقيل. يراجع: معجم البلدان (٢/٢٩٥، ٢٩٦) .
(٥) - رواه البيهقي في سننه (٤/٣٤٤) كتاب الحج. بإسناد حسن، لأن فيه يحيى بن أيوب الغافقي قال فيه ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. يراجع: تقريب التهذيب (٢/٣٤٣) .
[ ٢٣٧ ]
ومما بلغني عن أهل مكة زادها الله شرفًا اعتياد كثيرة في رجب، وهذا مما لا أعلم له أصلًا، بل ثبت في حديث أن النبي ﷺ قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (١) . ا. هـ (٢) .
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ أن العلماء أنكروا تخصيص شهر رجب بكثرة الاعتمار (٣) .
والذي يترجح عندي- والله أعلم- أن تخصيص شهر رجب بالعمرة ليس له أصل، لأنه ليس هناك دليل شرعي على تخصيصه بالعمرة فيه، مع ثبوت أن النبي ﷺ لم يعتمر في رجب قط كما تقدم.
ولو كان لتخصيصه بالعمرة فضل لدل أمته عليه- وهو الحريص عليهم-كما دلهم على فضل العمرة في رمضان ونحو ذلك.
وأما ما ورد أن عمر بن الخطاب استحب العمرة في رجب فلم أقف على سنده.
وأما ما نقله ابن سيرين عن السلف، أنهم كانوا يفعلونه فليس في ذلك دليل على تخصيصه بالعمرة، لأنه ليس قصدهم-والله أعلم - تخصيص شهر رجب
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/٦٠٣) كتاب العمرة، حديث رقم (١٧٨٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩١٧، ٩١٨) كتاب الحج، حديث رقم (١٢٥٦) .
(٢) -يراجع: مساجلة العز بن عبد السلام وابن الصلاح حول صلاة الرغائب ص (٥٦) . وقد نقلها المحقق من نسخة مخطوطة لرسالة: حكم صوم رجب وشعبان للعطار.
(٣) - يراجع: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٦/١٣١) .
[ ٢٣٨ ]
بالعمرة، وإنما القصد - والله أعلم - هو الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى، رغبة في إتمام الحج والعمرة المأمور به، كما وضح ذلك ابن رجب في معرض كلامه عما نقله ابن سيرين عن السلف.
وإما ما رواه البيهقي عن عائشة - ﵂ - من أنها كانت تعتمر في ذي الحجة وفي رجب، فيمكن الجواب عنه: بأنه موقوف على عائشة، وكذلك يحتمل أن فعلها هذا جمع بين السنة في الاعتمار في أشهر الحج كما فعل النبي ﷺ وبين فضل الإتيان بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى. ولو كان لتخصيص شهر رجب بالعمرة فضل أو مزية لذكرته - عائشة - ﵂ - عندما أنكرت على ابن عمر قوله: أن النبي ﷺ - اعتمر في رجب - والفضل كله في الاقتداء بالنبي ﷺ والنبي ﷺ لم يعتمر في رجب قط. والله أعلم.
قال أبو شامة: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان ليس لبعضها على بعض فضل، إلا ما فضله الشرع وخصه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك، اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضلًا فيه جميع أعمال البر كعشر ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، أي العمل فيها أفضل من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها، كان له الفضل على نظيره في زمن آخر» .
فالحاصل: أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع ا. هـ (١) . - والله أعلم -.
_________________
(١) - يراجع: الباعث ص (٤٨) .
[ ٢٣٩ ]
المبحث الرابع
بدعة صلاة الرغائب
صلاة الرغائب من البدع المحدثة في شهر رجب، وتكون في ليلة أول جمعة من رجب بين صلاة المغرب والعشاء، يسبقها صيام الخميس الذي هو أول خميس في رجب.
والأصل فيها حديث موضوع على رسول الله ﷺ، ورد فيه صفتها وأجرها على النحو التالي:
صفتها
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ-: «رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي ، وما من أحد يصوم يوم الخميس، أول خميس في رجب، ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة، يعني ليلة الجمعة، ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (١) ثلاث مرات و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢) اثنتي عشرة مرة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمه، فإذا فرغ من صلاته صلى عليَّ سبعين مرة، ثم يقول: اللهم صلى على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم يسجد فيقول في سجوده: سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبعين مرة، ثم يرفع رأسه فيقول: رب اغفر لي (٣) وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت العزيز الأعظم، سبعين مرة، ثم يسجد الثانية فيقول مثل ما قال في السجدة الأولى، ثم يسأل الله تعالى حاجته فإنها تقضى. قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده ما من عبد ولا أمة صلى هذه الصلاة، إلا غفر الله تعالى له جميع ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعدد ورق الأشجار، وشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته، فإذا كان في أول ليلة في قبره، جاء بواب (٤) هذه الصلاة فيجيبه بوجه
_________________
(١) - سورة القدر:١.
(٢) - سورة الإخلاص:١.
(٣) - هكذا وردت في الأصل، والمشهور على حذف كلمة (لي) فتكون العبارة: رب اغفر وارحم - والله أعلم -. يراجع: الأذكار للنووي ص (١٦٨) .
(٤) - هكذا بالأصل، ولعل صحة الكلمة ثواب، لأنه عندما سئل من أنت؟ أنا ثواب الصلاة الخ - والله أعلم -
[ ٢٤٠ ]
طلق، ولسان ذلق، فيقول له: حبيبي أبشر فقد نجوت من كل شدة، فيقول: من أنت فو الله ما رأيت وجهًا أحسن من وجهك، ولا سمعت كلامًا أحلى من كلامك، ولا شممت رائحة أطيب من رائحتك، فيقول له: يا حبيبي أنا ثواب الصلاة التي صليتها في ليلة كذا في شهر كذا جئت الليلة لأقضي حقك، وأونس وحدتك، وأرفع عنك وحشتك، فإذا نفخ في
الصور أظللت في عرصة القيامة على رأسك، وأبشر فلن تعدم الخير من مولاك أبدًا» (١) .
قال ابن الجوزي: (ولقد أبدع (٢) من وضعها فإنه يحتاج من يصليها أن يصوم، وربما كان النهار شديد الحر، فإذا صام ولم يتمكن من الأكل حتى يصلي المغرب، ثم يقف فيها، ويقع ذلك التسبيح الطويل، والسجود الطويل، فيتأذى غاية الإيذاء، وإني لأغار لرمضان، والصلاة التراويح كيف زوحم بهذه؟! بل هذه عند العوام أعظم وأجل، فإنه يحضرها من لا يحضر الجماعات) (٣) . ا. هـ.
وقال الغزالي بعد أن أورد حديث أنس في صفة صلاة الرغائب، وسماها صلاة رجب: (فهذه صلاة مستحبة!! وإنما أوردناها في هذا القسم-ما يتكرر من الرواتب بتكرر السنين صلاة رجب وشعبان، وإن كانت رتبتها لا تبلغ رتبة التراويح وصلاة العيد، لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد ولكني رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها، ولا يسمحون بتركها فآحببت إيرادها) (٤) !! ا. هـ.
_________________
(١) - رواه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٢٤- ١٢٦) . وقال: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ وقد اتهموا به ابن جهيم، ونسبوه إلى الكذب، وسمعت شيخنا عبد الوهاب الحافظ يقول: رجاله مجهولون، وقد فتشت عليهم جميع الكتب فما وجدتهم. وذكره الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٤٧-٤٨) . وقال: موضوع، ورجاله مجهولون وهذه هي صلاة الرغائب المشهورة، وقد اتفق الحفاظ على أنها موضوعة قال الفيروز آبادي في المختصر: إنها موضوعة بالاتفاق، وكذا قال المقدسي، ومما أوجب طول الكلام عليها، وقوعها في كتاب رزين ابن معاوية العبدري، ولقد أدخل في كتابه الذي جمع فيه بين دواوين الإسلام بلايا وموضوعات لا تعرف، ولا يدرى من أين جاء بها، وذلك خيانة للمسلمين. وذكر أبو شامة في الباعث ص (٤٠): أن المتهم به اسمه علي بن عبد الله بن جهضم الصوفي.
(٢) - أي غلا في بدعته - والله أعلم -.
(٣) - يراجع: الموضوعات لابن الجوزي (٢/١٢٥- ١٢٦) .
(٤) - يراجع: إحياء علوم الدين ص (١/٢٠٢، ٢٠٣) .
[ ٢٤١ ]
وصلاة الرغائب أول ما أحدثت ببيت المقدس، وذلك بعد ثمانين وأربعمائة للهجرة، ولم يصلها أحد قبل ذلك.
فلم يرد عن النبي ﷺ أنه فعلها، ولا أحد من أصحابه- رضوان الله عليهم -، ولا التابعين، ولا السلف الصالح -﵀ عليهم - (١) .
حكمها:
لا شك في بدعية صلاة الرغائب، لاسيما أنها أحدثت بعد القرون المفضلة، فلم يفعلها الصحابة ولا التابعون ولا تابع التابعين، ولا السلف الصالح - ﵏- وكانوا على الخير أحرص ممن جاء بعدهم. وقد جرى بين العز بن عبد السلام وابن الصلاح مساجلة علمية جيدة من خلالها يتأكد لنا بدعية هذه الصلاة المحدثة. فقد أكد الإمام العز بن عبد السلام أن صلاة الرغائب موضوعة على رسول الله ﷺ وكذب عليه، وأنها مخالفة للشرع من وجوه يختص العلماء ببعضها، وبعضها يعم العالم والجاهل. فأما ما يختص به العلماء فضربان:
الأول: أن العالم إذا صلى كان موهمًا للعامة أنها من السنن، فيكون كاذبًا على رسول الله ﷺ بلسان الحال الذي قد يقوم مقام لسان المقام.
الثاني: أن العالم إذا فعلها كان متسببًا إلى أن تكذب العامة على رسول الله ﷺ فيقولوا: هذه سنة من سنن، والتسبب إلى الكذب على رسول الله ﷺ لا يجوز.
_________________
(١) -يراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (١٢٢) .
[ ٢٤٢ ]
وأما ما يعم العالم والجاهل فمن وجوه:
الوجه الأول: أن فعل البدع مما يغري المبتدعين الواضعين بوضعها وافترائها، والإغراء بالباطل والإعانة عليه ممنوع في الشرع واطراح البدع والموضوعات زاجر عن وضعها وابتداعها، والزجر عن المنكرات من أعلى ما جاءت به الشريعة.
الوجه الثاني: أنها مخالفة لسنة السكون في الصلاة، من جهة أن فيها تعديد لسورة الإخلاص، وسورة القدر، ولا يتأتى عده في الغالب إلا بتحريك بعض أعضائه.
الوجه الثالث: أنها مخالفة لسنة خشوع القلب وخضوعه وحضوره في الصلاة، وتفريغه لله تعالى، وملاحظة جلاله وكبريائه، والوقوف على معاني القراءة والذكر، فإنه إذا لا حظ عدد السور بقلبه، كان متلفتًا عن الله تعالى، معرضًا عنه بأمر لم يشرعه في الصلاة، والالتفات بالوجه قبيح شرعًاَ، فما الظن بالالتفات عنه بالقلب الذي هو المقصود الأعظم.
الوجه الرابع: أنها مخالفة لسنة النوافل، فإن السنة فيها أن فعلها في البيوت أفضل من فعلها في المساجد، إلا ما استثناه الشرع كصلاة الاستسقاء والكسوف وقد قال ﷺ: «صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة» (١) .
الوجه الخامس: أنها مخالفة لسنة الانفراد بالنوافل، فإن السنة فيها الانفراد، إلا ما استثناه الشرع، وليست هذه البدعة المختلفة على رسول الله ﷺ منه.
الوجه السادس: أنها مخالفة للسنة في تعجيل الفطر، إذ قال ﷺ -: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٢) .
الوجه السابع: أنها مخالفة للسنة في تفريغ القلب عن الشواغل المقلقة قبل الدخول في الصلاة، فإن هذه الصلاة يدخل فيها وهو جوعان ظمآن، ولاسيما في أيام الحر الشديد، والصلوات لا يدخل فيها مع وجود شاغل يمكن رفعه.
الوجه الثامن: أن سجدتيها مكروهتان، فإن الشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٢١٤) كتاب الأذان حديث رقم (٧٣١) . بلفظ: «فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» . ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٣٩و٥٤٠) كتاب صلاة المسافرين. حديث رقم (٧٨١) . ولفظه «فإن خير صلاة المرء » .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٩٨) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٥٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٧١) كتاب الصيام، حديث رقم (١٠٩٨) .
[ ٢٤٣ ]
بسجدة منفردة لا سبب لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها، فكما لا يتقرب إلى الله بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إليه بسجدة منفردة، وإن كانت قربة، إلا إذا كان لها سبب فكذلك لا يتقرب إلى الله ﷿ بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون.
الوجه التاسع: لو كانت السجدتان مشروعتين، لكان مخالفًا للسنة في خشوعهما وخضوعهما، بما يشتغل به من عدد التسبيح فيهما بباطنه، أو بظاهره، أو بباطنه وظاهرة.
الوجه العاشر: أن الرسول ﷺ قال: «لا تختصموا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن تكون في صوم يصومه أحدكم» (١) .
الوجه الحادي عشر: أن في ذلك مخالفة للسنة فيما اختاره رسول الله ﷺ في أذكار السجود، فإنه لما نزل قوله ﷾ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (٢) . قال: «اجعلوها في سجودكم» (٣) . وقوله: «سبوح قدوس» وإن صحت عن النبي ﷺ، فلم يصح أنه أفرادها بدون «سبحان ربي الأعلى»، ولا أنه وظفها على أمته، ومن المعلوم أنه لا يوظف إلا أولى الذكرين، وفي قوله: «سبحان ربي الأعلى» من الثناء مالي في قوله: «سبوح قدوس» (٤) . ا. هـ.
ثم قال العز بن عبد السلام: (ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٤٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠١) كتاب الصيام. حديث رقم (١١٤٤) (١٤٨) .
(٢) - سورة الأعلى:١.
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٥٥) . ورواه أبو داود في سننه (١/٥٤٢) كتاب الصلاة، حديث رقم (٨٦٩) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٢٨٧) كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (٨٨٧) . ورواه ابن حبان في صحيحه. يراجع: موارد الظمآن ص (١٣٦، ١٣٥) حديث رقم (٥٠٥) . ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٤٧٧، ٤٧٨)، وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الذهبي: الحديث صحيح.
(٤) - يراجع: المساجلة ص (٥-٩) وكذلك الباعث ص (٥٢-٥٧) .
[ ٢٤٤ ]
هم أعلام الدين، وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، وغيرهم ممن دون لكتب في الشريعة، مع شدة حرصهم على تعليم الناس الفرائض والسنن، لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دونها في كتابه، ولا تعرض لها في مجالسه، والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين، وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام ولما صح عند السلطان الكامل﵀- أنها من البدع المفتراه عن رسول الله ﷺ أبطلها من الديار المصرية، فطوبى لمن تولى شيئًا من أمور المسلمين، فأعان على إماتة البدع وإحياء السنن.
وليس لأحد أن يستدل بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الصلاة خير موضوع» (١) . فإن ذلك مختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه، وهذه الصلاة مخالفة للشرع من الوجوه المذكورة، وأي خير في مخالفة الشريعة؟ ولمثل ذلك قال صلي الله عليه وسلم: «شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله» (٢) . وفقنا الله للإجابة والابتاع وجنبنا الزيغ والابتداع.
_________________
(١) - ذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/١٢٠)، حديث رقم (٥١٨١)، وأشار إلى أنه رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، وأشار إلى أنه ضعيف. وذكره العجلوني في كشف الخفاء (٢/٣٨)، رقم (١٦١٦)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة، وعن أبي ذر، ورواه أحمد وابن حبان والحاكم وصحيحه عن أبي ذر. وذكره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب وأشار إلي أنه حسن (١/١٥٤)، كتاب الصلاة، حديث رقم (٣٨٦) .
(٢) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨) المقدمة. وفي سنده عبيده بن ميمون الدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
[ ٢٤٥ ]
وقد بلغني (١) أن رجلين (٢) ممن تصدى للفتيا مع بعدهما عنها، وسعيا في تقرير هذه الصلاة، وأفتيا بتحسنها، وليس ذلك ببعيد مما عهد من خطلهما (٣) وزللهما، فإن صح ذلك عنهما، فما حملهما على ذلك إلا أنهما قد صلياها مع الناس، مع جهلهما بما فيها من المنهيات، فخافا وفرقا (٤) إن نهيا عنها أن يقال لهما: فلم صليتماها؟ فحملهما اتباع الهوى على أن حسنا ما لم تحسنه الشريعة المطهرة، نصرة لهواهما على الحق، ولو أنهما رجعا إلى الحق وآثراه على هواهما، وأفتيا بالصواب، لكان الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٥) . والعجب كل العجب لمن يزعم أنه من العلماء ويفتي بأن هذه الصلاة موضوعة على رسول الله ﷺ، ثم يسوغ موافقة وضاعها عليها، وهل ذلك إلا إعانة للكذابين على رسول الله ﷺ ومن اتبع الهوى ضل عن سبيل الله، كما نص عليه القرآن.
ثم أفتيا بصحتها مع اختلاف أصحاب الشافعي﵃في صحة مثلها، فإن من نوى صلاة ووصفها في نيته بصفة، فاختلفت تلك الصفة هل تبطل صلاته من أصلها، أو تنعقد نفلًا؟ فيه خلاف مشهور (٦) .
وهذه الصلاة بهذه المثابة، فإن من يصليها يعتقد أنها من السنن الموظفة الراتبة، وهذه الصفة مختلفة عنها، فأقل مراتبها أن تجري على الخلاف. والحمد لله رب العالمين (٧) . ا. هـ.
وقد رد ابن الصلاح على كلام العز بن عبد السلام السابق، وناقشة فيه وتوصل إلى أن صلاة الرغائب غير ملحقة بالبدع المنكرة فقال: سألتم أرشدكم الله
_________________
(١) - الكلام لا زال للعز بن عبد السلام.
(٢) -وهما ابن الصلاح وآخر - والله أعلم -.
(٣) -الخطل: الكلام الفاسد الكثير المضطرب. يراجع: لسان العرب (١١/٢٠٩)، مادة (خطل) .
(٤) - الفرق - بالتحريك -: الخوف والجزع. يراجع: لسان العرب (١٠/٣٠٤، ٣٠٥)، مادة (فرق) .
(٥) -سورة النساء: الآية٦٦.
(٦) - يراجع: المجموع شرح المهذب (٣/٢٨٦-٢٨٩) .
(٧) - يراجع: المساجلة ص (٩-١٢) . وذكر السبكي في طبقات الشافعية (٨/٢٥١-٢٥٥)
[ ٢٤٦ ]
وإياي عن ما رمه بعض الناس من إزالة صلاة الرغائب وتعطيلها، ومنع الناس من عبادة اعتادوها في ليلة شريفة، ولاشك في تفضيلها، واحتجاجه لذلك بأن الحديث الوراد بها ضعيف بل موضوع، ودعواه أنه يلزم من ذلك رفعها، وإلحاقها بالأمر المطرح المدفوع، وغلوه في ذلك وإسرافه، وغلو الناس في مشاقته وخلافه، حتى ضرب له المثل بقوله ذلك بقوله ﵎ ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّ﴾ إلى قوله تعالى ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١) .
فرغبتهم في أن أبين الحق في ذلك وأوضحه، وأزيف الزائف منه وأزحزحه، فاستعنت بالله ﵎ على ذلك واستخرجه، وأوجزت القول فيه واختصرته، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، فأقول: هذه الصلاة شاعت بين الناس بعد المائة الرابعة ولم تكن تعرف. وقد قيل: إن منشأها من بيت المقدس صانها الله﵎- والحديث الوارد بها بعينها وخصوصها ضعيف ساقط الإسناد عن أهل الحديث، ثم منهم من يقول: هو موضوع، وذلك نظنه، ومنهم من يقتصر على وصفه بالضعف، ولا يستفاد له صحة من ذكر رزين بن معاوية إياه في كتابه في تجريد الصحاح ولا من ذكر صاحب كتاب الإحياء (٢) له فيه، واعتماده عليه، لكثرة ما فيهما من الحديث الضعيف، وإيراد رزين مثله في مثل كتابه من العجب. ثم إنه لا يلزم من ضعف الحديث، بطلان صلاة الرغائب والمنع منها، لأنه داخلة تحت مطلق الأمر الوارد في الكتاب والسنة بمطلق الصلاة، فهي إذًا مستحبة بعمومات نصوص الشريعة الكثيرة، الناطقة باستحباب مطلق الصلاة، ومنها ما رويناه في صحيح مسلم من حديث أبي
_________________
(١) - سورة العلق، الآيات:٩- ١٩
(٢) -وهو: الغزالي صاحب إحياء علوم الدين.
[ ٢٤٧ ]
مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «الصلاة نور» (١) . وما رويناه من حديث ثوبان، وعبد الله بن عمرو بن العاص﵃- أن رسول الله ﷺ قال: «استقيموا ولن تحصوا، واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة» (٢)
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٤٢) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٢٠٣) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٢٣) . والترمذي في سننه (٥/١٩٦، ١٩٧)، أبواب الدعوات، حديث رقم (٢٥٨٣) . وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه (٥/٦، ٥)، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة. وابن ماجه في سننه (١/١٠٢، ١٠٣)، كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٨٠) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٧٦، ٢٧٧) . ورواهابن ماجه في سننه (١/١٠١، ١٠٢) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٧٧) . وقال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/٤١)، هذا الحديث له رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان فإنه لم يسمع منه بلا خلاف لكن له طريق أخر متصلة أخراجها أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو يعلى الموصلي، والدرارمي في مسنده، وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية. ورواه الدارمي في سننه (١/١٦٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٣٠)، كتاب الطهارة وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولست أعرف له علة يعلل بمثلها مثل هذا الحديث إلا وهم من أبي بلال الأشعري وهم فيه علي أبي معاوية، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي في سننه (١/٤٥٧)، كتاب الصلاة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يراجع: موارد الظمآن ص (٦٩)، كتاب الطهارة، حديث رقم (١٦٤) . وقال ابن الصلاح في المساجلة حول صلاة الرغائب ص (١٧)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، وله طرق صحاح.
[ ٢٤٨ ]
وأخص من ذلك بما نحن فيه ما رواه الترمذي في كتابه تعليقًا من حديث عائشة -﵂- ولم يضعفه أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بني الله له بيتًا في الجنة» (١) .
فهذا مخصوص بما بين المغرب والعشاء، فهو يتناول صلاة الرغائب من جهة أن اثنتي عشرة داخلة في عشرين ركعة، وما فيها من الأوصاف الزائدة، يوجب نوعية وخصوصية غير مانعة من الدخول في هذا العموم، على ما هو معروف عند أهل العلم، فلو لم يرد حديث أصلًا بصلاة الرغائب بعينها ووصفها، لكان فعلها مشروعًا لما ذكرنا.
وكم من صلاة مقبولة مشتملة على وصف خاص، لم يرد بوصفها ذلك نص
_________________
(١) -رواه الترمذي تعليقًا بصيغة التضعيف - روي - في سننه (١/٢٧٢)، أبواب الصلاة، حديث (٤٣٣) . رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٣٧)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٧٣)، وجاء في زوائد ابن ماجه (٢/٧): هذا إسناد ضعيف يعقوب بن الوليد. قال فيه الإمام أحمد من الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث. وقال الحاكم: يروي عن هشام بن عروة المناكير، قال البوصيري: واتفقوا على ضعفه. ا. هـ.
[ ٢٤٩ ]
خاص من كتاب ولا سنة، ثم لا يقال: إنها بدعة.
ولو قال قائل أنها بدعة لقال مع ذلك بدعة حسنة، لكونها راجعة إلى أصل من الكتاب أو السنة.
ومن أمثال هذا ما لو صلى إنسان في جنح الليل مثلا خمس عشرة ركعة بتسليمه واحدة، وقرأ في كل ركعة آية من خمس عشرة سورة على التوالي، خص كل ركعة منها بدعاء خاص، فهذه صلاة مقبولة غير مردودة، وليس لأحد أن يقول: هذه صلاة مبتدعة مردودة. فإنه لم يرد بها على هذه الصفة كتاب ولا سنة، ولو وضع لها حديثًا بإسناد رواها به، لأبطلنا الحديث وأنكرناه، ولم ننكر الصلاة، فكذلك الأمر في صلاة الرغائب من غير فرق - والله أعلم -.
ولهذا شوهدا ونظائر لا تحصي من سائر أحكام الشريعة، نعم ما يكون من ذلك صفته الزائدة منكرًا يردها شيء من أصول الشريعة، فذلك الذي يحكم بكونه من البدع المذمومة، والحوادث المردودة، والذي يتوهم فيه صلاة الرغائب أنه كذلك، أمور نذكرها ونبين بالدليل الواضح كونها سالمة من ذلك إن شاء الله تعالى:
أحدهما: ما فيها من تكرار السور.
وجوابه: أن ذلك ليس من المكروه المنكر، فقد ورد نحو ذلك، وورد في بعض الأحاديث تكرار سورة الإخلاص، فإن لم نستحبه، لم نعده من المكروه المنكر، لعدم دليل قوي على ذلك.
وما ورد عن بعض أئمة الحديث من كراهة نحو ذلك، فمحمول على الكراهة، التي هي بمعني ترك الأولى (١)، فإن الكراهة قد أطلقت على معان، وذلك أحدها والله أعلم.
الثاني: السجدتان الفردتان عقيب هذه الصلاة. وقد اختلف أئمتنا في كراهة مثل ذلك، فإن كان المنازع يختار قول من يكرهها فسبيله أن يتركها فحسب، لا أن يترك
_________________
(١) - قال ابن قيم الجوزية: (وقد غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن اطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة كراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولي، وهذا كثير جدًا في تصرفاتهم فحصل بسببه غلط عظيم على الشريعة والأئمة) ا. هـ. ثم ذكر عددًا من الأدلة على كلامه. إعلام الموقعين (١/٣٩، ٤٠) .
[ ٢٥٠ ]
الصلاة من أصلها، وهكذا الأمر في تكرار السورة، سواء بقي على الصلاة اسمها المعروف لبقاء معظمها، أو لم يبق، لكون المقصود إبقاء الناس على ما اعتادوه، ومن شغل هذا الوقت بالعبادة، وصيانتهم من الترك لا إلى خلف - والله أعلم -.
الثالث: ما فيها من التقييد بعدد خاص من غير قصد.
وهذا قريب راجع إلى ما سبق الكلام عليه، وهو كمن يتقيد بقراءة سبع القرآن أو ربعه كل يوم، وكتقيد العابدين بأورادهم التي يختارونها لا يزيدون عليها ولا ينقصون. - والله أعلم -.
الرابع: أن ما فيها من عدد السور والتسبيح وغيرهما مكروه لإشغاله القلب.
وجوابه: أن ذلك غير مسلم، وهو يختلف باختلاف القلوب وأحوال الناس.
وقد روي عدّ الآيات في الصلاة عن عائشة - ﵂ - وطاووس، وابن سيرين وسعيد بن جبير، والحسن، وابن أبي ملكية، في عدد كثير من السلف.
وقال الشافعي﵀ -: (لا بأس بعد الآي في الصلاة، نقله عنه صاحب جمع الجوامع في منصوصاته من غير خلاف،
[ ٢٥١ ]
وحكاه ابن المنذر عن مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق والثوري، وغيرهم، ويشهد له من الحديث صلاة التسبيح (١) -والله أعلم-.
الخامس: فعلها جماعة مع أن الجماعة في النوافل مخصوصة بالعيدين، والكسوفين، والاستسقاء، وصلاة التراويح ووترها.
وجوابه: أن الحكم في ذلك. أن الجماعة لا تسن إلا في هذه الستة، لا أن الجماعة منهي عنها في غيرها من النوافل.
وفي مختصر الربيع عن الشافعي﵄أنه قال: (لا بأس
_________________
(١) - قال ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٤٣-١٤٦) . بعد أن ذكر حديث صلاة التسبيح من طرق عدة: هذه الطرق كلها لا تثبت. ثم ذكر علة كل طريق. ثم قال: قال العقيلي: ليس في صلاة التسبيح حديث يثبت.
[ ٢٥٢ ]
بالإمامة في النافلة، ومن الدليل عليه ما رويناه في الصحيحين عن ابن عباس - ﵄ -: «أنه بات عند رسول الله ﷺ ليلة، فلما قام يصلي صلاته من الليل قام ابن عباس - ﵄ - يصلي خلفه، ووقف عن يساره فأداره إلى يمينه» (١) .
وفي رواية مسلم التصريح بأنه قام يصلي متطوعًا من الليل (٢) .
وثبت عن أنس - ﵁ -: «أن رسول الله ﷺ أتاهم في دارهم في غير وقت الصلاة، فصلى به وبأم سليم وأم حرام» (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/٢١٢) كتاب العلم، حديث رقم (١١٧) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٢٥، ٥٢٦) كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٦٣) . وذكره ابن الصلاح هنا مختصرًا، وإلا فهو: عند الشيخين أطول من ذلك، وفيه تفصيل.
(٢) -يراجع: صحيح مسلم (١/٥٣١)، حديث رقم (٧٦٣) (١٩٢) . في كتاب صلاة المسافرين
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٢١٧) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٤٥٧) كتاب المساجد، حديث رقم (٦٦٠) . ورواه أبو داود في سننه (١/٤٠٦) كتاب الصلاة، حديث رقم (٦٠٨) . ورواه النسائي في سننه (٢/٨٦)، كتاب الإمامة.
[ ٢٥٣ ]
وفي رواية لأبي داود «فصلى بنا ركعتين تطوعًا» (١) .
وفي الصحيحين نحوه عن عتبان بن مالك الأنصاري - ﵃ - والله أعلم -.
السادس: أن هذه الصلاة صارت شعارًا ظاهرًا حادثًا، ويمتنع إظهار شعار ظاهر في الدين.
وجوابه: أن حاصل ذلك يرجع إلى أنها عبادة لها أصل في الشريعة، ظهرت وكثرت الرغبات فيها، وهذا لا يوجب أن يعكر عليها باجتثاثها من أصلها، فإن ما اختص به علماء المسلمين في علم الفقه، وسائر علوم الدين من التأصيل، والتفصيل، والتفريغ، والتدقيق، والتصنيف، والتدريس، شعار ظاهر حدث في الدين لم يكن في صدر الإسلام، فلم لا نقول: إن ذلك مبتدع ينبغي اجتنابه، وشعار محدث يتعين اجتثاثه. - والله أعلم -.
وقد احتج المنازع بأشياء أخر لا تساوي الذكر، ومما يجاب به عنها أن يقال له: صل هذه الصلاة، وتجنب وجنب فيها ما زعمت أنه محذور كما بيناه فيما سبق، وهو معتمد منها بقوله: إن في ذلك اختصاص ليلة الجمعة بالقيام، وهو منهي عنه، وهذا ليس بشيء، لأنه ليس بلازم من حال من يصلي صلاة الرغائب، أن يدع في باقي لياليه صلاة الليل، ومن لم يدع ذلك لم يكن مخصصًا ليلة الجمعة بالقيام، وهذا واضح -
_________________
(١) - رواها أبو داود في سننه (١/٤٠٦) كتاب الصلاة، حديث رقم (٦٠٨) .
[ ٢٥٤ ]
والله أعلم-.
فقد وضح بما بيناه وأصلناه أن صلاة الرغائب غير ملتحقة بالبدع المنكرة!! وأن الحوادث ذوات وجوه مختلفة مشتبهة، فمن لم يميز كان بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظير!! - والله تعالى أعلم -.
فهذا بيان شاف، يتضاءل له - إن شاء الله تعالى - خلاف المخالف، ويتبدل به وصفه إذ لم يعاند، بوصف الموافق المؤلف، ولا يبقي له بعده إلا جعجعة لا طائل وراءها، وقعقعة وابهامات لا يغتر بها إلا شر ذمة فسدت أهواؤها، وما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله وحده لا شريك له ونعم الوكيل (١) . ا. هـ.
ثم فند العز بن عبد السلام رد ابن صلاح بقوله: «حمدًا لله الذي لا إله إلا هو، وصلاة على نبيه محمد وآله. فإني لما أنكرت صلاة الرغائب الموضوعة، وبينت مخالفتها للسنن المشروعة، من الجهات التي ذكرتها في تعليق ذلك، انتهض بعض الناس معارضًا لذلك، ساعيًا في تحسينها وتقريرها، لإلحاقها بالبدع الحسنة من جهة كونها صلاة، وإنما أنكرتها لمجموع صفاتها وخصائصها، التي بعضها يقتضي التحريم، وبعضها يقتضي مخالفتها للسنن، فأخذ يشنع على أني منعت الناس من عبادة، وأنا لم أنكر ذلك لكونها عبادة، وإنما أنكرتها لصفاتها، ناهيًا عما نهى عنه رسول الله ﷺ ومقتديًا بما نهى عنه رسول الله ﷺ من الصلوات في الأوقات المكروهات، فإنه لم ينه عن ذلك لمجرد كونها صلاة، وخشوعًا، وذكرًا، وتلاوة؟ وإنما نهى عنها لأمر تختص به، وقد صح عن رسول الله ﷺ فيما رواه مسلم بن الحجاج «أنه نهى عن اختصاص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي» (٢) . وقد شرط واضح هذه البدعة فيها، أن توقع في الليلة التي نهى رسول الله ﷺ عن اختصاصها بالقيام» .
فويل لمن جعل ما نهى عنه رسول الله ﷺ قرابة إلى الله تعالى. ثم قال: اعتادها الناس في ليلة شريفة لا شك في تفضيلها. فجعل اعتياد من لا علم له حجة في فعل
_________________
(١) -يراجع: المساجلة ص (١٤-٢٧) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٤٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠١) كتاب الصيام. حديث رقم (١١٤٤) (١٤٨) .
[ ٢٥٥ ]
بدعة منهي عنها، وإنما يفعلها عوام الناس، ومن لم يرسخ قدمه في علم الشريعة، ثم أخطأ في القطع بتفضيلها، فإنه أراد بكونها ليلة جمعة واقعة في رجب، فمتى ثبت تفضيل هذه الليلة على سواها؟ وإن أراد مجرد كونها ليلة جمعة فقد أخطأ بإيهامه أنها مقيدة برجب!! وأخطأ أيضًا في تعبيره عن المبالغة في نصرة الدين وإماتة البدع، بلفظ السرف والغلو.
وأما المثل الذي ذكره في قوله تعالى ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّ﴾ إلى قوله تعالى ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١) . فذلك تحريف لكتاب الله تعالى، ووضع له في غير مواضعه، فإن الآية نزلت في إنكار أبي جهل على رسول الله ﷺ الصلاة المأمور بها، وإنكار صلاة الرغائب إنكار لصلاة نهى رسول الله ﷺ عنها، فإذن يكون رسول الله ﷺ - على مقتضى قوله - قد نهى عبدًا إذا صلى فيما نحن فيه، وفي نهيه عن الصلوات في الأوقات المكروهات.
وكذلك حرف في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ﴾ (٢) الآية، لأن الناهي عن هذه الصلاة ونظائرها هو الرسول الله ﷺ، فيكون على تأويله قد أمرنا الله أن لا نطيع رسوله ﷺ فيما نهى عنه من الصلوات.
وذكر أنه استخار الله تعالى في ذلك، وقد ظهر أنه لم يخر له، لأنه لو خار له لأفهمه الحق وألهمه الصواب.
ثم اعترف أنها بدعة موضوعة، فنحتج عليه إذًا بقول رسول الله ﷺ: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» .
وقد استثنين البدع الحسنة من ذلك، وهي كل بدعة لا تخالف السنن، بل توافقها، فيبقى ما عداها على عموم قول ﷺ: «وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة
_________________
(١) - سورة العلق، الآيات:٩- ١٩
(٢) - سورة العلق، الآية: ١٩
[ ٢٥٦ ]
ضلالة» . وليست صلاة الرغائب في معنى ما استثنى حتى تلحق بها قياسًا. وأما استدلاله بقوله ﷺ قال: «الصلاة نور» (١) . وبقوله ﷺ قال: «واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة» (٢) . فلا يصح، لأن ذلك مخصوص بالإجماع بكل صلاة لم يتوجه إليها نهي، وأما ما نهى عنه الشرع فليس
بنور، بل هو ظلمة، وليس بخير الأعمال إذ لا خير في مخالفة الرسول ﷺ ولا نور في معصية ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٣) . «ورب حامل فقه ليس بفقيه» (٤) .
وأما استلالًا بما أخرجه الترمذي تعليقًا من حديث عائشة -﵂- أن رسول الله ﷺ- قال: «من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بني الله له بيتًا في الجنة» (٥) .
فإن كان عالمًا بأن المعلق لا حجة فيه فكيف يستدل بما لا حجة فيه، وإن ظن أن مثله حجة، فمذهبه الذي ينتمي إليه ويعتمد عليه لا يقتضي ذلك، مع أن هذا الحديث قد
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٤٢) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٢٠٣) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٢٣) . والترمذي في سننه (٥/١٩٦، ١٩٧)، أبواب الدعوات، حديث رقم (٢٥٨٣) . وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه (٥/٦، ٥)، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة. وابن ماجه في سننه (١/١٠٢، ١٠٣)، كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٨٠) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٧٦، ٢٧٧) . ورواهابن ماجه في سننه (١/١٠١، ١٠٢) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٧٧) . وقال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (١/٤١)، هذا الحديث له رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع بين سالم وثوبان فإنه لم يسمع منه بلا خلاف لكن له طريق أخر متصلة أخراجها أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو يعلى الموصلي، والدرارمي في مسنده، وابن حبان في صحيحه من طريق حسان بن عطية. ورواه الدارمي في سننه (١/١٦٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٣٠)، كتاب الطهارة وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولست أعرف له علة يعلل بمثلها مثل هذا الحديث إلا وهم من أبي بلال الأشعري وهم فيه علي أبي معاوية، ووافقه الذهبي. ورواه البيهقي في سننه (١/٤٥٧)، كتاب الصلاة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يراجع: موارد الظمآن ص (٦٩)، كتاب الطهارة، حديث رقم (١٦٤) . وقال ابن الصلاح في المساجلة حول صلاة الرغائب ص (١٧)، وأخرجه ابن ماجه في سننه، وله طرق صحاح.
(٣) - سورة النور:٤٠.
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/١٨٣) ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤١) أبواب العلم، حديث رقم (٢٧٩٤)، وقال: حديث حسن. ورواه أبو داود في سننه (٤/٦٨-٦٩) كتاب العلم، حديث رقم (٣٦٦٠) ..ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ٨٤)، المقدمة، حديث رقم (٢٣٠) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: هذا إسناد فيه ليث بن أبي سليم وقد ضعفه الجمهور وهو: مدلس. رواه بالعنعنة، لكن لم ينفرد ابن ماجه بهذا الحديث من طريق زيد بن ثابت فقد روى بعضه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى الموصلي في مسنده ورواه ابن حبان في صحيحه بتمامه، والبيهقي بتقديم وتأخير، ورواه أبو داود الطياليسي بزيادة طويلة ورواه الحاكم في المستدرك، يراجع مصباح الزجاجة (١/٣٢) . ورواه الحاكم في المستدرك عن النعمان بشير (١/٨٨)، كتاب العلم وقال الذهبي: على شرط مسلم. ورواه أيضًا عن جبير بن مطعم بلفظ «فرب حامل فقه لا فقه له » وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووفقه الذهبي. يراجع المستدرك (١/٨٧) .
(٥) -رواه الترمذي تعليقًا بصيغة التضعيف - روي - في سننه (١/٢٧٢)، أبواب الصلاة، حديث (٤٣٣) . رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٣٧)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٧٣)، وجاء في زوائد ابن ماجه (٢/٧): هذا إسناد ضعيف يعقوب بن الوليد. قال فيه الإمام أحمد من الكذابين الكبار، وكان يضع الحديث. وقال الحاكم: يروي عن هشام بن عروة المناكير، قال البوصيري: واتفقوا على ضعفه. ا. هـ.
[ ٢٥٧ ]
أسنده ابن ماجه في سننه، وفي إسناده يعقوب بن الوليد المديني وهو كذاب وضاع على ما ذكره أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث. فوا عجبًا لمن يترك ما صح عن رسول الله ﷺ بمثل هذا الحديث الذي لا وزن له.
وأما إدراجه صلاة الرغائب في هذا الحديث فلا يستقيم، لأن هذا الحديث- لو صح-لم تندرج فيه هذه الصلاة، فإنه خرج مخرج الترغيب، والترغيب مقيد بعشرين ركعة فلا يتحقق فيما دونها.
وأما ما ذكره من إحداث الصلوات التي توقع على أوصاف خاصة، فجوابه أن الأوصاف ضربان:
أحدهما: ما يقتضي الكراهة كصفة صلاة الرغائب، فتلك بدعة مكروهة (١) .
الثاني: مالا يقتضي الكراهة فيكون من البدع الحسنة، والمثال الذي ذكرناه مندرج في هذا الضرب.
وأما قوله في هذا المثال: لو وضع لهذه الصلاة حديثًا لأنكرناه ولم ننكر الصلاة، فكذلك الأمر في صلاة الرغائب من غير فرق.
فجوابه: أن الفرق من وجوه:
أحدها: أن صلاة الرغائب بخصوصياتها توهم العامة أنها سنة من سنن رسول الله ﷺ كما هو الواقع، بخلاف الصلاة في المثال المذكور.
الثاني: أن تعاطي صلاة الرغائب يوقع العامة في أن يكذبوا على رسول الله ﷺ وينسبوه إلى أنه سنها بخصوصياتها، فيكون متعاطيها منتسبًا إلى الكذب على رسول الله ﷺ بخلاف الصلاة التي مثل بها.
_________________
(١) - يراجع: حكم البدع في هذا الكتاب.
[ ٢٥٨ ]
الثالث: أن تعاطي صلاة الرغائب مما يغري الواضعين بالوضع، لنفاق كذبهم وعمومه، بخلاف ما مثل به.
الرابع: أن تعاطيها بخصوصها يتضمن سنن كثيرة بخلاف ما مثل به.
الخامس: أن صلاة الرغائب في حق من يعتقد أنها سنة راتبة يجب تخريج صحتها على الخلاف، فيمن وصف الصلاة في نيته بصفة فاختلفت، ولا خلاف في صحة الصلاة في المثال المضروب. ثم قد ناهض حكمه بأنها من البدع الحسنة بقوله: إن الصفة الزائدة إذا كانت منكرة يردها شيء من أصول الشريعة، فهي من البدع المذمومة، والحوادث المردودة، وتعاطي صلاة الرغائب كذب على رسول الله ﷺ بلسان الحال، وتسبب إلى الكذب عليه، وإغراء للواضعين بالوضع، وكل ذلك مما ترده أصول الشريعة. وأما نسبته المنكر لصلاة الرغائب إلى أنه أنكر تكرار السور، فلم ينكر تكرار السور، وإنما أنكر شغل القلب عن الخشوع بعدها.
وأما قوله: فليس ذلك من المكروه المنكر، فقد ورد نحو ذلك.
فجوابه: أنه إن أراد بما ورد تسبيحات الركوع والسجود، وتكبيرات العيد فالفرق من وجهين:
أحدهما: أن ذلك عدد قليل يتأتى تعاطيه مع ملاحظة الخشوع.
والثاني: أن ذلك العدد مما ثبتت شرعيته في الصلاة، فإن كان الخشوع لا يتأتى معه وجب تقديمه على الخشوع، فقدمنا أحد مأموري الشرع على الآخر بخلاف العد في صلاة الرغائب فإنه طويل غير مشروع، فإذا تعاطاه المصلى كان تاركًا للخشوع المشروع بأمر غير مشروع.
وأما ما ورد في بعض الأحاديث من تكرار سورة الإخلاص، فإن لم يصح هذا الحديث فلا حجة فيه (١)، وإن صح فإن دل على الجواز فنحن لا ننكر الجواز، وإن دل
_________________
(١) - بل الحديث صحيح فقد رواه البخاري تعليقًا في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٢٥٥)، كتاب الأذان، حديث رقم (٧٧٤) مكرر. وقال ابن حجر في فتح الباري: وحديثه هذا وصله الترميذي والبزار عن البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس، والبيهقي وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. يراجع: فتح الباري (٢/٢٥٧) . ورواه البيهقي في سننه (٢/٦١)، كتاب الصلاة. ورواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٤٣٧، ٣٤٨)، كتاب التوحيد، حديث رقم (٧٣٧٥)، قصة أمير السرية بعثة ﷺ وكان يختم صلاته بقل هو الله أحد الحديث. ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٥٧)، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٨١٣)، ولكن في هذه الأحاديث دليل ذهب إليه ابن الصلاح من جواز التكرار، لأنه ليس فيها تكرار السورة الواحدة في الركعة الواحدة كما في صلاة الرغائب.
[ ٢٥٩ ]
على الاستحباب فإن لم يتأتى معه الخشوع، كان الشرع مقدمًا له على الخشوع، وإن تأتى معه الخشوع صار كتسبيحات الركوع.
وإذ لم يدل على الاستحباب كان مكروهًا، لما فيه من تفويت مقصود الصلاة، وإعراض القلب عن الله تعالى، مع أن مجرد التكرار لا يشعر بالتعديد فكم من مكرر غير معدد فإن كان قد عبر عن التعديد بالتكرير فسوء عبارة تنبيء عن المقصود.
وأما تأويله كراهة بعض أئمة الحديث لذلك بأنه محمول على ترك الأولى، فمخالفة للظاهر بغير دليل، فإن الكراهة ظاهرة في المنهي الذي لا إثم في فعله بغلبة الاستعمال، فحملها على ترك الأولى تأويل بغير دليل.
وأما قوله في السجدتين عند من يرى كراهتها: أن سبيله أن يتركهما فحسب. فهذا لا يستقيم، لأن الإنكار إنما وقع على صلاة الرغائب بخصائصها وتوابعها، ولواحقها، ولا يلزم من إنكار المركب بعض أجزائه (١) .
وأما حرص هذا المسكين على إبقائها، أو إبقاء بدلها فذلك حرص منه على مخالفة الرسول ﷺ فيها، أو في بدلها، إذا نهى ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، كأنه يقول: إن لم يأت بصلاة الرغائب المكروهة من وجوه، فليأت بمكروه آخر، يقوم مقامها، حتى لا يخلو من مخالفة الرسول الله ﷺ؟! .
وأما نسبته المنكر إلى أنه أنكر تقييدها بعدد خاص!! فهذا افتراء وتقول.
وأما نقله عن جماعة من العلماء أنهم أجازوا عدّ الآيات، فنحن لا ننكر الجواز، ولا يصلح استشهاده بصلاة التسبيح إذ لم تثبت عن الرسول الله ﷺ، فلا تسقط الخشوع الذي ثبت في الشرع أنه من سنن الصلاة، بما لم يثبت من ملاحظة العدد.
وأما قوله: يجوز الاقتداء في نوافل الصلوات.
فنحن ما منعنا الجواز، وإنما قلنا السنة فيها الانفراد، إلا ما استثني مع أنه ﷺ فعل ذلك، ولم يجعله شعارًا متكررًا
_________________
(١) - هكذا وردت العبارة في الأصل ولعل صحة العبارة (ولا يلزم من إنكار المركب إنكار بعض أجزائه)، والله أعلم.
[ ٢٦٠ ]
وأما استشهاده باقتداء ابن عباس - ﵄ - برسول الله ﷺ في صلاة الليل فلا يصح، لأن التهجد كان واجبًا على الرسول الله ﷺ، عند الشافعي - ﵀ - فلم يقع الاقتداء في نفل، وأما ما روي أنه قام يصلي متطوعًا، فذاك ظن من الراوي.
[قلت: بل هو يقين، جزم به راويه وهو ابن عباس﵄وساقه كما ساق سائر الحديث، جازمًا به (١) .
ويجاب عن ذلك: بأن فعل الصلوات فرضًا كانت أو نفلًا، فذا أو جماعة موقوف على بيان صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه، قال﵇- «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، والتجميع في النوافل جائز عند العلماء من غير مدوامة على ذلك لأن النبي ﷺ أم في النافلة في بيته وبيت غيره ولم يفعل ذلك في المساجد ولا في المواضع المشهورة، إلا ما ورد عنه في صلاة التراويح، فلا يتعدى ما شرعه ﵊ إلا بدليل. ولم يثبت في صلاة الرغائب دليل حتى يقاس على النوافل المشروعة، وإذا بطلت في نفسها فكيف تقاس على ما هو مشروع؟!] .
وأما حديث أنس وعتبان بن مالك﵄- فالفرق بينها وبين صلاة الرغائب أن الاقتداء في صلاة الرغائب، يوهم العامة أنها سنة، وشعار في الدين، بخلاف ما وقع في حديث أنس وعتبان - ﵄ - فإنه نادر فلا يوهم العامة أنه من السنة، بل يوهم الجواز وذلك متفق عليه.
وأما نسبته المنكر إلى أنه قال: إن هذه الصلاة صارت شعارًا ظاهرًا حادثًا في الدين، فهذا تقول منه وافتراء.
وأما تشبيهه هذه الصلاة بما أحدثه الفقهاء في تدوين أصول الفقه، وفروعه والكلام على مآخذه، ودقائقه، وحقائقه.
_________________
(١) - يراجع: صحيح مسلم (١/٥٣١)، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٦٣) (١٩٢) .
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٥/٥٣) . ورواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/١١١)، كتاب الأذان، حديث (٦٣١) .
[ ٢٦١ ]
فلا يصح، لأنا قد بينا أن الصلاة الرغائب منهي عنها من الوجوه المذكورة، فكيف يقاس ما صح النهي عنه في السنة، على ما وقع الإجماع على الأمر به؟! .
وأما قوله: وقد احتج المنازغ بأشياء أخر لا تساوي الذكر، فالعجز عن الجواب عنها أوجب ذلك، وإنما إيهام للعامة أنه ترك الجواب مع القدرة عليه، وإما لشذوذ ذلك عن فهمه.
وكم من عائب قولا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم (١)
وأما جوابه على ذلك بأن يقال لمنكر هذه الصلاة: صلها واجتنب ما فيها مما زعمت أنه محذور، فلا يصح، لأن الإنكار إنما وقع على صلاة الرغائب بخصائصها، ولو تركت خصائصها لخرجت عن أن تكون صلاة الرغائب المنكرة.
وأما ما ذكره على الحديث الصحيح في النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، وقوله، إن ذلك لا يطرد في حق من يقومها، ويقوم غيرها. فلا يصح لأنه سوغ صلاة الرغائب على الإطلاق لمن خصص، ولمن لم يخصص، ونحن نقول: وقعت كراهتها من وجوه، إذا فقد بعضها استقل الباقي بالنهي والكراهة.
وأما قوله: إن الحوادث ذوات وجوه مشتبهة فمن لم يميز كان بصدد إلحاق الشيء منها بغير نظيره.
فهذه شهادة منه على نفسه بعدم التمييز.
وأما تفاصحة بذكر الجعجعة والقعقعة، فلا يخفى ما فيه من التكلف والركاكة، ومن اتبع هواه أراده.
ثم إني ظفرت للمذكور بفتيين قد أجاب فيهما قبل ذلك بما يوافق، وإن كان قد أخطأ في أمور لا تتعلق بما نحن فيه.
صورة أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم. ما تقول السادة الفقهاء الأئمة﵃- في الصلاة المدعوة بصلاة الرغائب، هل هي بدعة في الجماعات أم لا؟ وهل ورد فيها حديث صحيح أم لا؟ أفتونا مأجورين.
وجوابه: اللهم وفق وارحم. حديثها موضوع على رسول الله ﷺ وهي بدعة
_________________
(١) - البيت للشاعر المتنبي من قصيدته التي مطلعها: إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم يراجع: ديوان المتنبي المطبوع مع شرح العكبري المسمى بالتبيان في شرح الديوان (٤/١٢٠) .
[ ٢٦٢ ]
حدثت بعد أربعمائة من الهجرة، ظهرت بالشام، وانتشرت في سائر البلاد، ولا بأس أن يصليها الإنسان، بناء على أن الإحياء فيما بين العشائين مستحب كل ليلة، ولا بأس بأن يصليها الإنسان مطلقًا. أما أن تتخذ الجماعة فيها سنة، وتتخذ هذه الصلاة من شعائر الدين الظاهرة فهذا من البدع المنكرة، ولكن ما أسرع الناس إلى البدع، والله أعلم وكتب ابن الصلاح. ا. هـ.
وقال ابن عبد السلام -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من موافقة الصواب، ولا ما فيه من الاختلال.
والصورة الثانية: بسم الله الرحمن الرحيم. ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين﵃- فيمن ينكر على من يصلي في ليلة الرغائب ونصف شعبان، ويقول: أن الزيت الذي يشغل فيها حرام وتفريط، ويقول: أن ذلك بدعة ومالهما فضل ولا ورد في الحديث عن النبي ﷺ فيهما فضل ولا شرف فهل هو على الصواب أو على الخطأ؟ أفتونا-رضي الله عنكم-.
وجوابه: اللهم وفق وارحم. أما الصلاة المعروفة في ليلة الرغائب فهي بدعة، وحديثها المروي موضوع، وما حدثت إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليس لليلتها تفضيل على أشباهها من ليالي الجمع.
وأما ليلة النصف من شعبان فلها فضيلة، وإحياؤها بالعبادة مستحب، ولكن على الانفراد من غير جماعة، واتحاد الناس لها ولليلة الرغائب موسمًا وشعارًا بدعة منكرة، وما يزيدونه فيهما عن الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه، فغير موافق للشريعة، والألفية التي تصلى في ليلة النصف لا أصل لها ولأشباهها.
ومن العجب حرص الناس على المبتدع في هاتين الليلتين، وتقصيرهم في المؤكدات الثانية عن رسول الله ﷺ والله المستعان وهو يعلم. كتب ابن الصلاح.
قال ابن عبد السلام: (فأظهر الله تعالى ما الرجل منطو عليه، ومصغ إليه) (١) .
_________________
(١) - قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٤٢، ١٤٣)، في ترجمة ابن الصلاح: (وله مسألة ليست من قواعده شذ فيها وهي صلاة الرغائب، قوّاها ونصرها، مع أن حديثها باطل بلا تردد، ولكن له أصابات وفضائل) ا. هـ.
[ ٢٦٣ ]
نسأل الله ﷿ أن يعصمنا من أمثال ذلك، وأن يعافيه مما ابتلاه به، فمثله فليرحم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (١) . ا. هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وأما صلاة الرغائب فلا أصل لها، بل هي محدثة، فلا تستحب لا جماعة ولا فراداى، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى أن تختص ليلة الجمعة بقيام، أو يوم الجمعة بصيام.
والأثر الذي ذكر فيها كذب موضوع باتفاق العلماء، ولم يذكره أحد من السلف والأئمة أصلًا) . ا. هـ (٢) .
وقال أيضًا: (صلاة الرغائب بدعة باتفاق أئمة الدين، لم يسنها رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين كمالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، -﵏-
_________________
(١) - يراجع المساجلة ص (٢٩-٤٢)، ويراجع الباعث لأبي شامة ص (٣٩-٤٨)، ويراجع المدخل لابن الحاج (٤/٢٤٨-٢٧٧)، ورده على ابن الصلاح رد جميل ومفصل.
(٢) - يراجع: مجموع الفتاوى (٢٣/١٣٢) .
[ ٢٦٤ ]
والثوري، والأوزاعي، والليث وغيرهم، والحديث المروي فيها كذب بإجماع أهل المعرفة بالحديث) (١) . ا. هـ.
وسئل عن صلاة الرغائب: هل هي مستحبة أم لا؟ فأجاب: (هذه الصلاة لم يصلها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه، ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا رغب فيها رسول الله ﷺ ولا أحد من السلف، ولا الأئمة، ولا ذكروا لهذه الليلة فضيلة تخصها، والحديث المروي في ذلك عن النبي ﷺ كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بذلك، ولهذا قال المحققون: إنها مكروهة غير مستحبة والله أعلم) (٢) . ا. هـ.
وسئل النووي - ﵀ - عن صلاة الرغائب، وصلاة نصف شعبان هل لهما أصل؟ فأجاب: الحمد لله، هاتان الصلاتان لم يصلهما النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه - ﵃ - ولا أحد من الأئمة الأربعة المذكورين - ﵏ -، ولا أشار أحد منهم بصلاتهما، ولم يفعلهما أحد ممن يقتدي به، ولم يصح عن النبي منها
_________________
(١) - يراجع: مجموع الفتاوى (٢٣/١٣٤)، والاختيارات ص (١٢١) .
(٢) - يراجع: مجموع الفتاوى (٢٣/١٣٥) .
[ ٢٦٥ ]
شيء ولا عن أحد يقتدي به، وإنما أحدثت في الأعصار المتأخرة وصلاتهما من البدع المنكرات، والحوادث الباطلات، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة ضلالة» (١) . وفي الصحيحين عن عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد» (٢) . وفي صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) .
وينبغي لكل أحد أن يمتنع عن هذه الصلاة، ويحذر منها، وينفر عنها ويقبح فعلها، ويشيع النهي عنها، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» (٤) . وعلى العلماء التحذير منها، والإعراض عنها أكثر مما على غيرهم، لأنه يقتدى بهم.
ولا يغترن أحد بكونها شائعة يفعلها العوام وشبههم، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله ﷺ وبما أمر به لا بما نهى عنه، وحذَّر منه أعاذنا الله من المبتدعات، وحمانا من ارتكاب المخالفات. -والله أعلم - (٥) ا. هـ.
وسئل النووي أيضًا عن صلاة الرغائب هل هي سنة أم بدعة؟.
فأجاب: «هي بدعة قبيحة منكرة أشد إنكار، مشتملة على منكرات فيتعين تركها والإعراض عنها، وإنكارها على فاعلها، وعلى ولي الأمر- وفقه الله تعالى- منع الناس من فعلها: فإنه، راع، وكل راع مسئول عن رعيته.
_________________
(١) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨)، المقدمة. وفي سنده عبيد بن ميمون المدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٣٠١) كتاب الصلح، حديث رقم (٢٦٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٣) - ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣، ١٣٤٤) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٤) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٢٠) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٦٩) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٩) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٧، ٦٧٨) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٤٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣١٧، ٣١٨) أبواب الفتن، حديث رقم (٢٢٦٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٨/١١١، ١١٢) كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٣) كتاب الفتن، حديث رقم (٤٠١٣) . وكلهم روى في آخر الحديث: «وذلك أضعف الإيمان» .
(٥) - يراجع: مساجلة العز عبد السلام وابن صلاح حول صلاة الرغائب ص (٤٥-٤٧) .
[ ٢٦٦ ]
وقد صنف العلماء كتبًا في إنكارها وذمها، وتسفيه فاعلها، ولا يغتر بكثرة الفاعلين لها في كثير من البلدان، ولا بكونها مذكورة في قوت القلوب (١) وإحياء علوم الدين (٢) ونحوهما، فإنها بدعة باطلة، وقد صح أن النبي ﷺ قال: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد» ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة في الفتوى السابقة وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالرجوع إلى كتابه فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٣) . ولم يأمر باتباع الجاهلين، ولا بالاغترار بغلطات المخطئين (٤) - والله أعلم - ا. هـ.
وقال ابن قيم الجوزية (وكذلك أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله ﷺ) (٥) . ا. هـ.
فمما تقدم يتضح للقارئ الكريم أن الصلاة تكون في أول جمعة من رجب، والتي تسمى الرغائب، بدعة منكرة، لم يسنها رسول الله ﷺ، ولا أحد من خلفائه، ولم يستحبها صحابته والتابعون، والأئمة المشهورون، مع أنهم أحرص الناس على الخير، وفضائل الأعمال، وهذا الحكم صدر عن جملة من العلماء المتفق على جلالة قدرهم وسعة علمهم، وكذلك الحديث الوارد فيها فإنه موضوع على رسول الله ﷺ باتفاق أئمة الحديث، فلم يبق لمدعي فضيلتها من حجة - والله أعلم -.
_________________
(١) - ومصنفه هو: محمد بن علي بن عطية العجمي المكي المتوفى سنة ٣٨٦هـ. يراجع: كشف الظنون (٢/١٣٦١) .
(٢) - لأبي حامد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥هـ. يراجع الإحياء (١/٢٠٢، ٢٠٣) .
(٣) - سورة النساء: الآية٥٩.
(٤) - يراجع: فتاوى النووي ص (٤٠) .
(٥) - يراجع: المنار المنيف ص (٩٥)، حديث رقم (١٦٧) .
[ ٢٦٧ ]
المبحث الخامس
بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج
الاحتفال بالإسراء والمعراج من الأمور البدعية، التي نسبها الجهال إلى الشرع، وجعلوا ذلك سنة تقام في كل سنة، وذلك في ليلة سبع وعشرين من رجب، وتفننوا في ذلك بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبًا كثيرة، كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها، وعلى المنارات، والإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة، وتلاوة قصة المعراج المنسوبة إلى ابن عباس، والتي كلها أباطيل وأضاليل، ولم يصح منها إلا أحرف قليلة، وكذلك قصة ابن السلطان الرجل المسرف الذي لا يصلي إلا في رجب، فلما مات ظهرت عليه علامات الصلاح، فسئل عنه رسول الله ﷺ فقال: «إنه كان يجتهد ويدعو في رجب» . وهذه قصة مكذوبة مفتراه، تحرم قراءتها وروايتها إلا للبيان (١) .
وكذلك ما يفرشونه من البسط والسجادات وغيرهما، ومنها أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما، كأن بيت الله تعالى بيتهم، والجامع إنما جعل للعبادة، لا للفراش والرقاد والأكل والشرب، وكذلك اجتماعهم في حلقات، كل حلقة لها كبير يقتدون به في الذكر والقراءة، وليت ذلك لو كان ذكرًاَ أو قراءة، لكنهم يلعبون في دين الله تعالى، فالذاكر منهم في الغالب لا يقول «لا إله إلا الله» بل يقول: لا يلاه يلله. فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع جعلوها وصلًا، وإذا قالوا سبحان الله يمطونها ويرجعونها، حتى لا تكاد تفهم، والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس فيه، وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات، والترجيعات التي تشبه الغناء الذي اصطلحوا عليه على ما قد علم من أحوالهم الذميمة.
ثم في تلك الليلة من الأمر العظيم أن القارئ يبتدئ بقراءة القرآن والآخر ينشد الشعر، أو يريد أن ينشده، فيسكتون القارئ، أو يهمون بذلك، أو يتركون هذا في شعره، وهذا في قراءته، لأجل تشوف بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر.
_________________
(١) - يراجع: السنن والمبتدعات ص (١٤٧)، والإبداع ص (٢٧٢) .
[ ٢٦٨ ]
فهذه الأحوال من اللعب في الدين، أن لو كان خارج المسجد منعت، فكيف بها في المسجد؟! .
ثم إنهم لم يقتصروا على ذلك، بل ضموا إليه اجتماع النساء والرجال في الجامع، مختلطين بالليل، وخروج النساء من بيوتهن على ما يعلم من الزينة والكسوة والتحلي.
وعندما يحتاج بعضهم إلى قضاء الحاجة فإنه يفعل ذلك في مؤخر الجامع، وبعض النساء يستحين أن يخرجن لقضاء حاجتهن فيدور عليهن إنسان بوعاء فيبلن فيه، ويعطينه على ذلك شيئًا، ويخرجه من المسجد، ثم يعود كذلك مرارًا، والبول في المسجد في وعاء حرام، مع ما فيه من القبح والشناعة. وبعضهم يخرج إلى السكك القريبة من المسجد فيفعلون ذلك فيها، ثم يأتي الناس إلى صلاة الصبح، فيمشون إلى الجامع فتصيب أقدامهم النجاسة أو نعالهم، ويدخلون بها المسجد فيلوثونه، ودخول النجاسة في المسجد فيها ما فيها من عظيم الإثم، وقد ورد في النخامة في المسجد أنها خطيئة، هذا وهي طاهرة باتفاق، فكيف بالنجاسة المجمع عليها.
إلى غير ذلك من الأمور العظيمة التي ترتكب باسم الدين، ودعوى تعظيم بعض الأمور التي يزعمون أن تعظيمها دليل محبة للرسول ﷺ (١) .
وهذه الاحتفالات في ليلة سبع وعشرين من رجب، والتي يزعمون أنها ليلة الإسراء والمعراج باطلة من أساسها، لأنه لم يثبت أنه أسري بالنبي ﷺ في هذه الليلة بالذات.
قال ابن قيم الجوزية: (وأما السؤال الثاني، فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن رجل قال: ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، وقال آخر: بل ليلة القدر أفضل فأيهما المصيب؟ .
فأجابه: الحمد لله، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر، فإن أراد أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ ونظائرها من كل عام، أفضل لأمة محمد ﷺ من ليلة القدر، بحيث يكون قيامها، والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر فهذا باطل، لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاطراد من دين الإسلام، هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها، فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على
_________________
(١) - يراجع: المدخل لابن الحاج (١/٢٩٥-٢٩٨) .
[ ٢٦٩ ]
عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره، بخلاف ليلة القدر) (١) . ا. هـ.
فقد اختلف العلماء في تحديد الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ.
قال ابن حجر العسقلاني: (وقد اختلف في وقت المعراج فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ، إلا إن حمل على أنه وقع حينئذ في المنام) .
وذهب الأكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا:
فقيل: قبل الهجرة بسنة. قال ابن سعد وغيره. وبه جزم النووي، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه-فيكون في شهر ربيع الأول-.
وهو مردود، فإن في ذلك اختلافًا كثيرًا، يزيد على عشرة أقوال منها ما حكاه ابن الجوزي أنه كان قبلها بثمانية أشهر- فيكون في رجب-، وقيل بستة أشهر- فيكون
_________________
(١) - يراجع: زاد المعاد (١/٥٧) .
[ ٢٧٠ ]
في رمضان- وحكي هذا الثاني أبو الربيع بن سالم، وحكي ابن حزم مقتضى الذي قبله، لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوة، وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربي حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحة ابن المنير في شرح السيرة لابن عبد البر وقيل: قبل الهجرة بسنة
[ ٢٧١ ]
وشهرين، حكماه ابن عبد البر.
وقيل: بسنة وثلاثة أشهر حكاه ابن فارس.
وقيل: بسنة وخمسة أشهر قاله السدي، وأخرجه من طريقة الطبري والبيهقي، فعلى هذا كان في شوال، أو في رمضان على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقدي، وعلى ظاهره ينطبق ما ذكره ابن قتيبة.
وحكاه ابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا.
[ ٢٧٢ ]
وعند ابن سعد عن ابن أبي سبرة أنه كان في رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا.
وقيل كان في رجب حكاه ابن عبد البر، وجزم به النووي في الروضة. وقيل قبل الهجرة بثلاث سنين حكاه ابن الأثير.
وحكي عياض وتبعه القرطبي والنووي عن الزهري أنه كان قبل الهجرة بخمس سنين، ورجحه عياض ومن تبعه) (١) . ا. هـ.
فما تقدم من أقوال العلماء، وما ذكروه في ليلة الإسراء والمعراج من الخلاف، مصداق قول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀أنه لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول منقطعة مختلفة، ليس فيها ما
_________________
(١) - يراجع فتح الباري (٧/٢٠٣)، ويراجع شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (١/٣٠٧، ٣٠٨)، والطبقات لابن سعد (١/٢١٣، ٢١٤)، والوفا لابن الجوزي (١/٣٤٩)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٠/٢١٠)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٢/٢٠٩)، وعيون الأثر لابن سيد الناس (١/١٨١، ١٨٢)، والبداية والنهاية (٣/١١٩)، وتفسير ابن كثير (٣/٢٢)، وفتاوى النووي ص (٢٧)، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للشامي (٣/٩٤-٩٦) .
[ ٢٧٣ ]
يقطع به (١) .
قال ابن رجب: (وقد روي أنه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصح شيء من ذلك، فروي أن النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصح شيء من ذلك) (٢) . ا. هـ.
وقال أبو شامة: (وذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب) (٣) . ا. هـ.
حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج:
أجمع السلف الصلح على أن اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية من البدع المحدثة التي نهى عنها ﷺ «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» بقوله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . بقوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
فالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بدعة محدثة لم يفعلها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم من السلف الصالح، وهم أحرص الناس على الخير والعمل الصالح.
قال ابن قيم الجوزية: «قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: ولا يعرف عن أحد من المسلمين أن جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها، لاسيما على ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت» .
وإن كان الإسراء من أعظم فضائله ﷺ ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان،
_________________
(١) - يراجع: زاد الميعاد (١/٥٧) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٦٨) .
(٣) - يراجع: الباعث ص (١٧١) .
[ ٢٧٤ ]
ولا ذلك المكان، بعبادة شرعية، بل غار حراء الذي ابتديء فيه بنزول الوحي، وكان يتحراه قبل النبوة، لم يقصده هو ولا أحد من الصحابة بعد النبوة مدة مقامه بمكة، ولا خصَّ اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها، ولا خص المكان الذي ابتديء فيه بالوحي ولا الزمان بشيء.
ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد، ويوم التعميد، وغير ذلك من أحواله.
وقد رأى عمر بن الخطاب - ﵁- جماعة يتبادرون مكانًا يصلون فيه فقال: ما هذا؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟! إنما هلك من كان قبلكم بهذا، فمن أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض (١) . ا. هـ (٢) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال أنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار، فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها، والله ﷾ أعلم (٣) . ا. هـ.
وقال ابن الحاج: «ومن البدع التي أحدثوها فيه أعني في شهر رجب ليلة السابع والعشرين منه التي هي ليلة المعراج (٤) . ا. هـ.
ثم ذكر كثيرًا من البدع التي أحدثوها في تلك الليلة من الاجتماع في المساجد، والاختلاط بين النساء والرجال، وزيادة وقود القناديل فيه، والخلط بين قراءة القرآن وقراءة الأشعار بألحان مختلفة، وذكر الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج ضمن المواسم
_________________
(١) - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/٣٧٦، ٣٧٧) . كتاب الصلوات
(٢) - يراجع: زاد المعاد (١/٥٨، ٥٩) .
(٣) - يراجع: مجموع الفتاوى (٢٥/٢٩٨) .
(٤) - يراجع: المدخل (١/٢٩٤) .
[ ٢٧٥ ]
التي نسبوها إلى الشرع وليست منه (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ﵀- «في رده على دعوة وجهت لرابطة العالم الإسلام لحضور أحد الاحتفالات بذكري الإسراء والمعراج، بعد أن سئل عن ذلك: هذا ليس بمشروع، لدلالة الكتاب والسنة والاستصحاب والعقل:
أما الكتاب:
فقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (٢) . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٣) . والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، وإلى سنته بعد موته. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) قال تعالى: ﴿لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)
وأما السنة:
فالأول: ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة﵂- أن رسول الله ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» .
الثاني: روى الترمذي وصححه، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه
_________________
(١) - يراجع: المدخل (١/٢٩٤-٢٩٨) . وكذلك الإبداع ص (٢٧٢) .
(٢) -سورة المائدة: الآية٣.
(٣) - سورة النساء: الآية٥٩.
(٤) - سورة آل عمران:٣١.
(٥) - سورة النور: الآية٦٣.
[ ٢٧٦ ]
عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
الثالث: روى الإمام أحمد والبزار عن غضيف أن النبي ﷺ قال: «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة» (١) إلا أنه قال: «ما من أمة
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٠٥) . وذكر السيوطي في الجامع الصغير (٢/٤٨٠)، حديث رقم (٧٧٩٠)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨)، وقال: رواه أحمد والبزار وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو: منكر الحديث ا. هـ.
[ ٢٧٧ ]
ابتدعت بعد نبيها بدعة إلا أضاعت مثلها من السنة» (١) .
الرابع: روى ابن ماجه وابن أبي عاصم عن أنس بن مالك﵁قال: قال رسول الله ﷺ: «أبي الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٢) . ورواه الطبراني إلا أنه قال: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته» (٣) .
وأما الاستصحاب:
فهو هنا استصحاب العدم الأصلي.
وتقرير ذلك أن العبادات توقيفية، فلا يقال: هذه العبادة مشروعة إلا بدليل من الكتاب والسنة والإجماع، ولا يقال: إن هذا جائز من باب المصلحة المرسلة، أو الاستحسان، أو القياس، أو الاجتهاد، لأن باب العقائد والعبادات والمقدرات كالمواريث والحدود لا مجال لذلك فيها.
_________________
(١) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/١٨٨)، ورواه الطبراني في الكبير وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو: منكر الحديث. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/٥٠٨)، حديث رقم (٧٩٩٩)، وأشار إلى أنه ضعيف.
(٢) - رواه ابن ماجه في سننه (١/١٩)، المقدمة. حديث رقم (٥٠) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: هذا إسناد رجاله كلهم مجهولون، قاله الذهبي في الكاشف، وقال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا أبا المغيرة. يراجع مصباح الزجاجة (١/١١)، باب اجتناب البدع والجدل. وكذلك الكاشف (٣/٣٨٠)، ترجمة رقم (٤٠٣)، (ترجمة أبي المغيرة)، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/٢٢) . حديث رقم (٣٩) . وفيه أبو زيد وأبو المغيرة اللذان قال عنهما الذهبي في الكاشف (٣/٣٨٠)، أبو المغيرة عن ابن عباس وعنه أبو يزيد مجهولون.
(٣) - قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/١٨٩)، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير هارون بن موسى الفروي وهو: ثقة. وليس فيما ذكره قوله: «حتى يدع بدعته» .
[ ٢٧٨ ]
وأما المعقول:
فتقريره أن يقال: لو كان هذا مشروعًا لكان أولى الناس بفعله محمد ﷺ.
هذا إذا كان التعظيم من أجل الإسراء والمعراج، وإن كان من أجل الرسول الله ﷺ وإحياء ذكره كما يفعل في مولده ﷺ فأولى الناس به أبو بكر﵁- ثم عمر ثم عثمان ثم علي -﵃- ثم من بعدهم الصحابة على قدر منازلهم عند الله، ثم التابعون ومن بعدهم من أئمة الدين، ولم يعرف عن أحد منهم شيء من ذلك فيسعنا ما وسعهم) (١) ا. هـ.
ثم ساق - ﵀ - كلام ابن النحاس في كتابه تنبيه الغافلين حول بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، جاء فيه: (أن الاحتفال بهذه الليلة بدعة عظيمة في الدين، ومحدثات أحدثها إخوان الشياطين) (٢) .
وذكر الشيخ محمد بن إبراهيم في فتوى أخرى: (أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج أمر باطل، وشيء مبتدع، وهو تشبه باليهود والنصارى في تعظيم أيام لم يعظمها الشرع، وصاحب المقام الأسمى رسول الهدى محمد ﷺ هو الذي شرع الشرائع، وهو الذي وضع ما يحل وما يحرم ثم إن خلفاءه الراشدين، وأئمة الهدى من الصحابة والتابعين لم يعرف عن أحد منهم أنه احتفل بهذه الذكرى، ثم قال: المقصود أن الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج بدعة، فلا يجوز ولا يجوز المشاركة
_________________
(١) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/٩٧-١٠٠) .
(٢) - يراجع: تنبيه الغافلين ص (٣٧٩، ٣٨٠) .
[ ٢٧٩ ]
فيه) (١) ا. هـ
وأفتى﵀-: (بأن من نذر أن يذبح ذبيحة في اليوم السابع والعشرين من رجب من كل سنة فنذره لا ينعقد لاشتماله على معصية، وهي أن شهر رجب معظم عند أهل الجاهلية، وليلة السابع والعشرين منه يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، فجعلوها عيدًا يجتمعون فيه، ويعملون أمورًا بدعية، وقد نهى الرسول الله ﷺ عن الوفاء بالنذر في المكان الذي يفعل فيه أهل الجاهلية أعيادهم، أو يذبح فيه لغير الله فقال ﷺ للذي نذر أن ينحر إبلًا ببوانة (٢): «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال ﷺ: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم (٣») (٤) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز﵀ -: (وهذه الليلة التي
_________________
(١) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٣/١٠٣) .
(٢) - هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر يراجع: معجم البلدان (١/٥٠٥) .
(٣) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٣) . ورواه البيهقي في سننه (١٠/ ٨٣) كتاب النذور. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٦٨)، حديث رقم (١٣٤١) . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وإسناده على شرطهما. يراجع: كتاب التوحيد بحاشية الشيخ ابن قاسم ص (١٠٤-١٠٦) ويراجع: النهج السديد حديث رقم (١٣٢) .
(٤) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/١٠٤) .
[ ٢٨٠ ]
حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث، ولله الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه - ﵃ - لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرًا مشروعًا لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو الفعل، ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة - ﵃ - إلينا فقد نقلوا عن نبيهم ﷺ كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعًا لكانوا أسبق الناس إليه، والنبي ﷺ هو أنصح الناس للناس، وقد بلغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الإسلام لم يغفله النبي ﷺ ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك علم أن الاحتفال بها وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء، وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النعمة، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به الله، قال ﷾ في كتابه المبين من سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (١)،وقال ﷿ في سورة الشورى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) .
وثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة التحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة تنيبها للأمة على عظيم خطرها، وتنفيرًا لهم من اقترافها (٣) . ا. هـ.
ثم أورد - رحمه الله تعالى - بعض الأحاديث الواردة في ذم البدع مثل قوله ﷺ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» . قوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا
_________________
(١) -سورة المائدة: الآية٣.
(٢) - سورة الشورى:٢١.
(٣) - يراجع: التحذير من البدع ص (٧-٩) .
[ ٢٨١ ]
فهو رد» . قوله ﷺ: «أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» وقوله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١) .
فما ذكر من كلام العلماء وما استدلوا به من الآيات والأحاديث فيه الكفاية، ومقنع لمن يطلب الحق في إنكار هذه البدعة، هي بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء، وإنما هي زيادة في الدين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، وأن لازمها التنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ولا يخفى ما في ذلك من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، والمخالفة الصريحة لأحاديث الرسول ﷺ المحذرة من البدع، ومما يؤسف له أن هذه البدعة قد فشت في كثير من الأمصار في العالم الإسلامي، حتى ظنها بعض الناس من الدين، فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين جميعًا، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإياهم للتمسك بالحق، والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينًا محمد وآله وصحبه أجمعين (٢) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦) . ورواه أبو داود في سننه (٥/١٣-١٥) كتاب السنة، حديث رقم (٤٦٠٧) . ورواه الترمذي في سننه (٤/١٤٩، ١٥٠) أبواب العلم، حديث رقم (٢٨١٦)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٦)، المقدمة، حديث رقم (٤٢، ٤٣) .
(٢) - يراجع: التحذير من البدع ص (٩) .
[ ٢٨٢ ]
الفصل الخامس