المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان.
المبحث الثالث: بدعة الصلاة الألفية.
[ ٢٨٣ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رايته أكثر صيامًا منه في شعبان» متفق عليه (١) .
عن أبي سلمة أن عائشة -﵂حدثته قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله»، وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وأحب الصلاة إلى النبي ﷺ ما دوام عليه وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة دوام عليها» متفق عليه (٢) .
عن عمران بن حصين﵄- عن النبي ﷺ أنه سأله - أو سأل رجلًا وعمران يسمع -فقال: «يا فلان أما صمت من سرر (٣) هذا الشهر؟» . قال: أظنه يعني رمضان، قال الرجال: لا يا رسول الله. قال: «فإذا أفطرت فصم يومين» متفق عليه (٤) .
عن أبي سلمة قال: سمعت عائشة - ﵂ - تقول: «كان يكون علي
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٦٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٥٦) (١٧٥) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢١٣) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٧٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١١) كتاب الصيام، حديث رقم (٧٨٢) .
(٣) - سرر الشهر بالتحريك آخر ليلة منه، وهو مشتق من قولهم: استسر القمر أي خفي ليلة السرار، فربما كان ليلة وربما كان ليلتين. لسان العرب (٤/٣٥٧) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٠) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٨٣) . وقال: لم يقل الصلت: أظنه يعني رمضان، وقال أيضًا: وقال ثابت عن مطرف عن عمران عن النبي ﷺ «من سرر شعبان» . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٢٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦١) وفيه: «أصمت من سرر شعبان» ..
[ ٢٨٥ ]
الصوم من رمضان، فما استطيع أن أقضيه إلا في شعبان» متفق عليه (١) .
عن عبد الله بن أبي قيس أنه سمع عائشة تقول: كان أحب الشهور إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان» (٢) .
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٨٩) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٥٠) . وقال يحيى: الشغل من النبي ﷺ - أو بالنبي ﷺ. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠٢، ٨٠٣) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٤٦) وفيه الشغل من الرسول الله ﷺ، أو برسول الله ﷺ.
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٨٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٨١٢) كتاب الصيام، حديث رقم (٢٤٣١) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٩٩) كتاب الصيام، باب صوم النبي ﷺ. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٢) جماع أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٧٧) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣٤)، كتاب الصوم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه) .
(٣) - رواه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٢) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٧٥١) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٣٣٧) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢١) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٣٥) . وقال: حديث حسن صحيح. وقال: معنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مفطرًا فإذا بقي شيء من شعبان أخذ في الصوم لحال شهر رمضان. ا. هـ. ورواه ابن ماجة (١/ ٥٢٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١٦٥١) . ورواه الدارمي في سننه (٢/ ١٧) كتاب الصيام، باب (٣٤) . قال ابن رجب في لطائف المعارف ص (١٤٢) . خرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث علاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - وذكر الحديث - وصححه الترمذي وغيره، واختلف العلماء في صحة هذا الحديث فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم في صحة هذا الحديث فأما تصحيحه فصححه غير واحد منهم الترمذي وابن حبان والحاكم والطحاوي وابن عبد البر وتكلم فيه من هو: أكبر من هؤلاء وأعلم وقالوا: هو حديث منكر، منهم عبد الرحمن بن مهدي والإمام أحمد وأبو زرعة الرازي، والأثرم، وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديث أنكر منه، ورده بحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين» - متفق عليه - فإن مفهوم جواز التقدم بأكثر من يومين وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه، يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووصله برمضان، ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين فصار الحديث حينئذ شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وقال الطحاوي: هو منسوخ وحكي الإجماع على ترك العمل به، وأكثر العلماء على أنه لا يعمل به الخ. ا. هـ.
[ ٢٨٦ ]
عن أبي هريرة - ﵁عن النبي ﷺ قال: «لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» متفق عليه (١) .
عن أم سلمة -﵂- قالت: «ما رأيت النبي ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان» (٢)
عن أسامة بن زيد﵄- قال: قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال ﷺ: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (٣) .
عن أنس﵁- قال: سئل النبي ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: «شعبان لتعظيم رمضان، قال فأي الصدقة أفضل؟ قال: الصدقة في رمضان» (٤) .
عن عائشة -﵂- قالت فقدت رسول الله ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال ﷺ: «أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟» قلت: يا رسول الله
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٢٧، ١٢٨) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩١٤) ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٦٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١٠٨٢)
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٣٠٠) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٥٠) كتاب الصيام، باب (٣٣) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢٠) أبواب الصيام، حديث رقم (٧٣٣) وقال حديث حسن. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/٨٢)، كتاب الصيام، باب الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان.
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٠١) . ورواه النسائي في سننه (٤/١٠٢) كتاب الصيام. وقال الألباني: وهذا إسناد حسن، ثابت بن قيس صدوق يهم - كما في التقريب - وسائر رجاله ثقات. يراجع: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/٥٢٢) . حديث رقم (١٨٩٨) .
(٤) - رواه الترمذي في سننه (٢/ ٨٦) أبواب الزكاة، حديث رقم (٦٥٧) . وقال: هذا حديث غريب، وصدقة بن موسى ليس بذلك القوي. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٧٨) ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٦٥، ٦٦)، حديث (٩١٤) . وقال: وهذا حديث لا يصح، قال يحيى بن معين: صدقة بن موسي ليس بشيء، وقال ابن حبان: لم يكن الحديث من صناعته، فكان إذا روى قلب الأخبار فخرج عن حد الاحتجاج به. ا. هـ. ويعارضه الحديث الصحيح الذي أبو هريرة والذي سبق تخريجه ص (٩٣) من هذا الكتاب «أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم» .
[ ٢٨٧ ]
ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: «إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب (١») (٢) .
عن أبي موسى الأشعري -﵁- عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن» (٣) .
عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذ كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا نهارها، فإن الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له! ألا مسترزق فأرزقه! ألا مبتلى فأعافيه! ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر» (٤)
وقد ورد في فضل شهر شعبان والصلاة فيه أحاديث حكم عليها الحفاظ بأنها
_________________
(١) - كلب: حي من أحياء قضاعة، ومنهم حارثة الكلبي أبو زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وكانوا في الجاهلية ينزلون دومة الجندل وتبوك وأطراف الشام، والنسبة إليهم كلبي، وهم بنو كلب بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن الحافي بن قضاعة. يراجع: الاشتقاق لابن دريد ص (٢٠، ٥٣٧-٥٤٣)، وصح الأعشى (١/٣١٦)، ومعجم قبائل العرب (٣/٩٩١-٩٩٣) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٣٨) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢١- ١٢٢) أبواب الصيام، حديث رقم (٧٣٦) وقال حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا - يعني البخاري - يقول: يضعف هذا الحديث. وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، قال محمد: والحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. ا. هـ. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٤٤)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٨٩) . ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٦٦)، حديث رقم (٩١٥) . وذكر كلام الترمذي ثم قال: قال الدر اقطني: قد روي من وجوه وإسناده مضطرب غير ثابت. ا. هـ.
(٣) رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٥٥)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٩٠) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/١٠)، إسناد حديث أبي موسى ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة، وتدليس الوليد بن مسلم. ا. هـ. ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن معاذ بن جبل (٢٠/١٠٧، ١٠٨) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/٦٥) . رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات. ورواه ابن حبان في صحيحة. يراجع: موارد الظمآن ص (٤٨٦)، كتاب الأدب، حديث رقم (١٩٨٠) .
(٤) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٤٤)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٨٨) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/١٠)، هذا إسناد فيه ابن أبي سبرة واسمه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة وقال أحمد وابن معين يضع الحديث. ا. هـ. وقال ابن حجر في التقريب (٢/٣٩٧): رموه بالوضع. ا. هـ. وذكر العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/٢٧١) . عنه مثل ذلك.
[ ٢٨٨ ]
موضوعة منها:
قوله ﷺ: «رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي» .
وكذلك قوله ﷺ: «يا علي من صلى مائة ركعة في ليلة النصف من شعبان، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و«قل هو الله أحد» عشر مرات. قال النبي ﷺ: يا علي ما من عبد يصلي هذه الصلوات إلا قضى ﷿ له كل حاجة طلبها تلك الليلة» الحديث (١) . وكذلك قوله ﷺ: «من صلى ليلة النصف من شعبان ثنتي عشرة ركعة، يقرأ في كل ركعة «قل هو الله أحد» ثلاثين مرة، لم يخرج حتى يرى مقعده من الجنة» (٢) - والله أعلم.
_________________
(١) - ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٢٧، ١٢٨، ١٢٩)، من طرق ثلاثة وقال: هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيهم ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعًا، وقد رأينا كثيرًا ممن يصلي هذه الصلاة - ويتفق قصر الليل - فيقوتهم صلاة الفجر، ويصبحون كسالى، وقد جعلها أئمة المساجد مع صلاة الرغائب ونحوها شبكة لجمع العوام وطلبًا لرياسة التقدم، وملأ بذكرها القصاص مجالسهم، وكل ذلك عن الحق بمعزل. ا. هـ. قال ابن قيم الجوزية في المنار المنيف ص (٩٨)، رقم (١٧٥) . ومنها - أي الأحاديث الموضوعة - أحاديث صلاة النصف من شعبان ا. هـ. ثم ذكره، وقال بعد ايراده للحديث: والعجب ممن شم رائحة العلم بالسنن أن يغتر بمثل هذا الهذيان ويصليها؟! وذكره السيوطي في اللآليء المصنوعة (٢/٥٩، ٥٨، ٥٧)، وحكم عليه بالوضع وكذلك الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٥٢، ٥١) .
(٢) - ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٢٩)، وقال: هذا موضوع أيضًا، وفيه جماعة مجهولين. وذكره ابن قيم الجوزية في المنار المنيف ص (٩٩)، رقم (١٧٧) . وذكره السيوطي في اللآليء المصنوعة (٢/٥٩)، وحكما عليه بالوضع
[ ٢٨٩ ]
المبحث الثاني
بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان
روي عن عكرمة -﵀- أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١): أن هذه الليلة هي ليلة النصف من شعبان، يبرم فيها أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد (٢) .
قال ابن كثير﵀- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٣): يقول تعالى مخبرًا عن القرآن العظيم أنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر كما قال ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٤)، وكان ذلك في شهر رمضان كما قال ﵎: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥) .
وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته (٦) .
_________________
(١) - سورة الدخان الآيات:٣-٤
(٢) - يراجع: الجامع للقرطبي (١٦/١٢٦) .
(٣) - سورة الدخان الآيات:٣-٤
(٤) - سورة القدر:١.
(٥) - سورة البقرة: الآية١٨٥.
(٦) - يراجع: (١/٢١٥، ٢١٦) .
[ ٢٩٠ ]
ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما روي عن عكرمة فقد أبعد النجعة (١)، فإن نص القرآن في رمضان (٢) ا. هـ.
فللعلماء في قوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قولان:
أحدهما: أنها ليلة القدر وهو قول الجمهور.
الثاني: أنها ليلة النصف من شعبان، قاله عكرمة.
والراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن هذه الليلة المبارك هي ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان، لأن الله ﷾ أجملها في قوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وبينها في سورة البقرة بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وبقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ (٣) .
فدعوى أنها ليلة النصف من شعبان لاشك أنها دعوى باطلة، لمخالفتها النص القرآني الصريح، ولاشك أن كل ما خالف الحق فهو باطل، والأحاديث التي يوردها بعضهم في أنها من شعبان المخالفة لصريح القرآن لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها كما جزم به العربي وغير واحد من المحققين، فالعجب كل العجب من مسلم
_________________
(١) - النجعة: المذهب - أي الذهاب - في طلب الكلأ في موضعه. يراجع: لسان العرب (٨/٣٤٧)، مادة (نجع) .
(٢) - يراجع: تفسير ابن كثير (٤/٥٧٠) .
(٣) - يراجع: فتح القدير (٤/١٣٧) .
[ ٢٩١ ]
يخالف نص القرآن الصريح بلا مستند من كتاب ولا سنة صحيحة (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (في معرض كلامه عن الأوقات الفاضلة التي قد يحدث فيها ما يعتقد أنه له فضيلة وتوابع ذلك، ما يصير منكرًا ينهى عنه: ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان فقد روي في فضلها من الأحاديث المرفوعة والآثار ما يقتضي أنها ليلة مفضلة، وأن من السلف من كان يخصها بالصلاة، وصوم شهر شعبان قد جاءت فيه أحاديث صحيحة.
ومن العلماء من السلف من أهل المدينة وغيرهم من الخلف من أنكر فضلها، وطعن في الأحاديث الواردة فيها كحديث إن الله يغفر لأكثر من عدد غنم كلب»، وقال لا فرق بينها وبين غيرها.
لكن الذي عليه أكثر أهل العلم، أو أكثرهم من أصحابنا وغيرهم على تفضيلها، وعليه يدل نص أحمد، لتعدد الأحاديث الواردة فيها، وما يصدق ذلك من الآثار السلفية، وقد روي بعض فضائلها في المسانيد والسنن (٢)
وإن كان قد وضع فيها أشياء أخر) (٣) ا. هـ
وقال الحافظ ابن رجب: (وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان
_________________
(١) - يراجع: أضواء البيان (٧/٣١٩) .
(٢) - ورد في فضل ليلة النصف من شعبان أحاديث وآثار ولكنها لا تخلو من مقال. يراجع: العلل المتناهية (٢/٦٧-٧٢)، ومجمع الزوائد (٨/٦٥)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (٣/١٣٥- ١٣٩)، حديث رقم (١١٤٤) .
(٣) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٣/٦٢٦، ٦٢٧)، ومجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/١٢٣)، والاختيارات الفقهية ص (٦٥) .
[ ٢٩٢ ]
ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادات، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قبله ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عبّاد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة (١)، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا ذلك كله بدعة.
واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان،
_________________
(١) - ورواه عنه ابن وضاح في البدع والنهي عنها ص (٤٦) . وقال: ابن أبي زيد - من كبار علماء المالكية - والفقهاء لم يكونوا يصنعون ذلك.
[ ٢٩٣ ]
ولقمان بن عامر، وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخرون ويكتمون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد: ليس ذلك ببدعة. نقله عنه حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى (١) . ا. هـ.
فالحاصل أن جمهور العلماء اتفقوا على كراهة الاجتماع في المساجد ليلة النصف من شعبان للصلاة والدعاء، فإحياء ليلة النصف من شعبان في المساجد على سبيل المداومة كل سنة، أو كل فترة بدعة محدثة في الدين.
وأما صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه في بيته، أو في جماعة خاصة فللعلماء فيه قولان:
الأول: أن ذلك بدعة وهو قول أكثر علماء الحجاز ومنهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقل عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم (٢) .
الثاني: أنه لا يكره صلاة الإنسان لنفسه في بيته، أو في جماعة خاصة، - في ليلة النصف من شعبان -.
_________________
(١) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٤٤) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٤٤) .
[ ٢٩٤ ]
وهو قول الأوزاعي، واختيار الحافظ ابن رجب، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
والذي يترجح عندي - والله أعلم - ما ذهب إليه أصحاب القول الأول - أن ذلك بدعة -.
ويمكن الجواب عن قول أصحاب الثاني - القول بعدم الكراهة - بعدة وجوه منها:
الوجه الأول: أنه ليس هناك دليل على فضل هذه الليلة، ولم يثبت- حسب اطلاعي المحدود- عن رسول الله ﷺ أنه أحياها، ولا عن أحد من أصحابه- رضوان الله عليهم -، ولا عن التابعين- رحمة الله عليهم- عدا من اشتهر عنهم تفضيلها وأحياؤها وهم الثلاثة الذين ذكرهم ابن رجب - ولو فعلوه لاستشهد بفعلهم من فضلها وأحياها، وإنما هو أمر محدث بعدهم، فهو أمر مبتدع، وليس له أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع.
قال أبو شامة: (وقال الحافظ أبو الخطاب بن دحية - في كتاب ما جاء في شهر شعبان: قال أهل التعديل والتجريح: ليس في فضل ليلة النصف من شعبان حديث صحيح) (١) . ا. هـ.
وذكر ابن رجب (أن قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام) (٢) .
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (وقد ورد في فضلها -ليلة النصف من شعبان- أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، وأما ما ورد في فضل الصلاة فيها فكله موضوع كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم) (٣) . ا. هـ.
_________________
(١) - يراجع: الباعث ص (٣٣) .
(٢) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٤٥) .
(٣) - يراجع: التحذير من البدع ص (١١) .
[ ٢٩٥ ]
الوجه الثاني: أن الحافظ ابن رجب وهو الذي نقل تفضيل بعض التابعين لهذه الليلة (١) وإحياءهم لها في المساجد ذكر أن مستندهم في ذلك ما بلغهم من آثار إسرائيلية، ومتى كانت الآثار الإسرائيلية مستندًا؟!.
وذكر أيضًا أن الناس أخذوا عنهم فضلها وتعظيمها فمتى كان عمل التابعي حجة؟! .
الوجه الثالث: أن العلماء المعاصرين للقائلين بفضل ليلة النصف من شعبان قد أنكروا عليهم ذلك، ولو كان للمفضلين دليل لاحتجوا به على المنكرين عليهم، ولكن لم ينقل عنهم ذلك، لاسيما وأن من المنكرين عليهم عطاء بن أبي رباح الذي كانت إليه الفتيا في زمانه (٢) . والذي قال فيه ابن عمر -﵄ -: تجمعون لي المسائل وفيكم ابن أبي رباح.
الوجه الرابع: أن قوله ﷺ: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن» (٣) .
ليس فيه دليل على تخصيص ليلة النصف من شعبان بفضل من دون الليالي الأخرى، لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (٤) . فاطلاعه ﷾ على خلقه، وغفرانه لهم، ليس متوقف على ليلة معينة في السنة، أو ليالي معدودة.
الوجه الخامس: أن من اختار القول بأنه لا يكره صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه، لم يدعم اختياره بالدليل، ولو كان هناك دليل لذكره، ومن أنكر ذلك استدل بعموم قوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» وعموم الأحاديث والآثار الدالة على
_________________
(١) - يراجع: لطائف المعارف ص (١٤٤) .
(٢) - يراجع: طبقات الفقهاء للشيرازي ص (١١) .
(٣) رواه ابن ماجه في سننه (١/٤٥٥)، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم (١٣٩٠) . وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/١٠)، إسناد حديث أبي موسى ضعيف لضعف عبد الله بن لهيعة، وتدليس الوليد بن مسلم. ا. هـ. ورواه الطبراني في المعجم الكبير عن معاذ بن جبل (٢٠/١٠٧، ١٠٨) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/٦٥) . رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما ثقات. ورواه ابن حبان في صحيحة. يراجع: موارد الظمآن ص (٤٨٦)، كتاب الأدب، حديث رقم (١٩٨٠) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/٢٩)، كتاب التهجد، حديث رقم (١١٤٥) . ورواه مسلم في صحيحه (١/٥٢١)، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٥٨) .
[ ٢٩٦ ]
النهي عن البدع والتحذير منها.
قال الشيخ ابن باز﵀-: (وأما ما اختاره الأوزاعي -﵀- من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول فهو غريب وضعيف، لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفردًا أو في جماعة، وسواء أسره أو أعلنه لعموم قوله ﷺ: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» . وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها) (١) . ا. هـ.
وقال أيضًا بعد أن ذكر جملة من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم حول ما ورد في ليلة النصف من شعبان:
ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة - ﵃ -، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) . وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وما جاء في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تختصموا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن تكون في صوم يصومه أحدكم» (٣) فلو كان تخصيص شيء من الليالي بشيء من العبادة جائزا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها، لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس (٤) بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) - يراجع: التحذير من البدع ص (١٣) .
(٢) -سورة المائدة، الآية: ٣.
(٣) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٤٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠١) كتاب الصيام. حديث رقم (١١٤٤) (١٤٨) .
(٤) - قال ﷺ: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة الحديث» . رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/٥١٢) . مسلم في صحيحه (٢/٥٨٥)، كتاب الجمعة، حديث رقم (٥٨٤) . وأبو داود في سننه (١/٦٣٤)، كتاب الصلاة. حديث رقم (١٠٤٦) . والترمذي في سننه (١/٣٠٥)، أبواب الجمعة. وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه (٣/٨٩، ٩٠)، كتاب الجمعة باب رقم (٤) .
[ ٢٩٧ ]
فلما حذّر النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من بين الليالي، دل ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص، ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها، نبه ﷺ على ذلك وحث الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه» (١) فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة لأرشد النبي ﷺ الأمة ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺوأرضاهم، وقد عرفت آنفًا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه - ﵃ - شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في فضل ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة بدعة منكرة ا. هـ (٢) . - والله أعلم - وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينًا محمد وآله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/٩٢، ٩١)، كتاب الإيمان، حديث رقم (٣٧، ٣٥) . ذكر قيام رمضان في رواية، وقيام ليلة القدر في رواية أخرى. وكذلك رواه مسلم في صحيحه (١/٥٢٤، ٥٢٣)، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (٧٥٩، ٧٦٠) .
(٢) - يراجع: التحذير من البدع ص (١٥، ١٦) .
[ ٢٩٨ ]
المبحث الثالث
الصلاة الألفية المبتدعة في شعبان
أول من أحدثها:
أول من أحدث الصلاة الألفية في ليلة النصف من شعبان رجل يعرف بابن أبي الحمراء من أهل نابلس (١)، قدم على بيت المقدس سنة ٤٤٨هـ وكان حسن التلاوة، فقام فصلى في المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل، ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا وهم في جماعة كثيرة.
ثم جاء في العام القابل فصلى معه خلق كثير، وشاعت في المسجد وانتشرت الصلاة في المسجد الأقصى، وبيوت الناس ومنازلهم، ثم استقرت كأنها سنة (٢) .
صفتها:
هذه الصلاة المبتدعة تسمى بالألفية لقراءة سورة الإخلاص فيها ألف مرة، لأنها مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص عشر مرات.
وقد رويت صفة هذه الصلاة، والأجر المترتب على أدائها، من طرق عدة ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات ثم قال: (هذا حديث لا نشك أنه موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاثة مجاهيل وفيهم ضعفاء بمرة، والحديث محال قطعًا) (٣) . ا. هـ.
وقال الغزالي في الإحياء: (وأما صلاة شعبان: فليلة الخامس عشر منه يصلى مائة ركعة، كل ركعتين بتسليمه، ويقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة «قل هو الله أحد») (٤) . ا. هـ.
_________________
(١) - نابلس: مدينة مشهورة بأرض فلسطين بين جبلين، مستطيلة لا عرض لها، كثيرة المياه، بينها وبين بيت المقدس عشرة فراسخ، وبها الجبل الذي تعتقد اليهود أن الذبح كان عليه، وعندهم أن الذبيح إسحاق - ﵇ - فهم يعتقدون في هذا الجبل. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٤٨) .
(٢) - يراجع: التحذير والبدع للطرطوشي ص (١٢١، ١٢٢) .
(٣) - يراجع: الموضوعات (٢/ ١٢٧-١٣٠)، وكذلك اللآليء المصنوعة للسيوطي (٢/٥٧-٦٠)، وكذلك الفوائد المجموعة ص (٥١) .
(٤) - يراجع: إحياء علوم الدين (١/٢٠٣) .
[ ٢٩٩ ]
حكمها:
اتفق جمهور العلماء على أن الصلاة الألفية ليلة النصف من شعبان بدعة.
فألفية النصف من شعبان لم يسنها رسول الله ﷺ ولا أحد من خلفائه، ولا استحبها أحد من أئمة الدين الأعلام كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي والليث وغيرهم - رحمة الله عليهم جميعًا -
وكذلك فإن الحديث الوارد فيها موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث (١) . وأعلم أخي المسلم أن مثل هذه الاحتفالات كالاحتفال بليلة النصف من شعبان، وليلة الإسراء والمعراج المزعومة، وليلة الرغائب، يكون فيها من الأمور المبتدعة والمحرمة الشيء الكثير، والتي تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، وقد فصل العلامة ابن الحاج هذه البدع والمحرمات في هذه الاحتفالات فنلخص من كلامه ما يأتي:
تكلف النفقات الباهظة، وهو إسراف يعملونه باسم الدين وهو بريء منه.
الحلاوات المحتوية على الصور المحرمة شرعًا.
زيادة وقود القناديل وغيرها، وفي زيادة وقودها إضاعة المال، لاسيما إذا كان الزيت من الوقف فيكون ذلك جرحًا في حق الناظر، لاسيما إذا كان الواقف لا يذكره، وإن ذكره لم يعتبر شرعًا، وزيادة الوقود مع ما فيه من إضاعة المال كما تقدم سبب لاجتماع من لا خير فيه، ومن حضر من أرباب المناصب الدينية عالمًا بذلك فهو جرحة في حقه إلا أن يتوب، وأما إن حضر ليغير وهو قادر بشرط فيا حبذا.
حضور النساء وما فيه من المفاسد.
_________________
(١) -يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٣/١٣٤، ١٣٣، ١٣١)، واقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦٢٨)، والباعث لأبي شامة ص (٣٢-٣٦)، وفتاوى محمد رشيد رضا (١/٢٨-٣٠) و(٣/٩٩٤-١٠٠٣)، والسنن والمبتدعات للشقيري ص (١٤٨-١٤٩)، والإبداع لعلي محفوظ ص (٢٨٦-٢٨٨)، والتحذير من البدع للشيخ ابن باز ص (١١-١٦) .
[ ٣٠٠ ]
إتيانهم الجامع واجتماعهم فيه، وذلك عبادة غير مشروعة.
ما يفرشونه من البسط والسجادات وغيرها.
أطباق النحاس فيها الكيزان والأباريق وغيرهما، كأن بيت الله تعالى بيتهم، والجامع إنما جعل للعبادة، لا للفراش والرقاد والأكل والشرب.
ومن هذه البدع والمحرمات السقاؤون، وفي ذلك من المفاسد جملة منها: البيع والشراء لأنهم يأخذون الدراهم، وضرب الطاسات بما يشبه صوت النواقيس، ورفع الصوت في المسجد وتلويثه، وتخطي رقاب الناس، وكلها منكرات.
اجتماعهم حلقات، كل حلقة لها كبير، يقتدون به في الذكر والقراءة وليت ذلك لو كان ذكرًا أو قراءة، لكنهم يلعبون في دين الله تعالى فالذاكر منهم في الغالب لا يقول: (لا إله إلا الله) بل يقول: (لا يلاه يلله) فيجعلون عوض الهمزة ياء وهي ألف قطع جعلوها وصلًا وإذا قالوا: (سبحان الله) يمططونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم، والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه، وينقص منه ما هو فيه، بحسب تلك النغمات والترجيعات التي تشبه الغناء والأصوات التي اصطلحوا عليها، على ما قد علم من أحوالهم الذميمة، وهذا منكر يحف به عدة منكرات.
ومن الأمور العظيمة فيها أن القارئ يبتدئ بقراءة القرآن والآخر ينشد الشعر، أو يريد أن ينشده، فيسكتون القارئ أو يهمون بذلك، أو يتركون هذا في شعره وهذا في قراءته، لأجل تشوف بعضهم لسماع الشعر وتلك النغمات الموضوعة أكثر، فهذه الأحوال من اللعب في الدين أن لو كانت خارج المسجد منعت، فكيف بها في المسجد؟ .
حضور الوالدان الصغار وما يتبع من لغطهم وتنجيسهم المسجد.
خروج النساء في هذه الليلة-ليلة النصف من شعبان- إلى القبور-مع أن زيارة النساء للقبور محرمة شرعًا- ومع بعضهن الدف يضربن به، وبعضهن يغنين بحضرة الرجال ورؤيتهم لهن متجاهرين بذلك، لقلة حيائهن، وقلة من ينكر عليهن.
اختلاط النساء بالرجال عند القبور، وقد رفع النساء جلبان الحياء والوقار عنهن، فهن كاشفات الوجوه والأطراف.
أنهم أعظموا تلك المعاصي بفعلها عند القبور التي هي موضع الخشية والفزع والاعتبار، والحث على العمل الصالح، لهذا المصرع العظيم المهول أمره، فردوا ذلك للنقيض، وجعلوه موضع فرح ومعاصي كحال المستهزئين.
[ ٣٠١ ]
إهانة الأموات من المسلمين وأذيتهم بفعل المنكرات بجانب قبورهم.
أن بعضهم يقيمون خشبة عند رأس الميتة أو الميت، ويكسون ذلك العمود من الثياب ما يليق به عندهم.
فإن كان الميت عالمًا أو صالحًا صاروا يشكون له ما نزل بهم ويتوسلون به، وإن كان من الأهل أو الأقارب صاروا يتحدثون معه ويذكرون له ما حدث لهم بعده، وإن كان عروسًا أو عروسة كسوا كل واحد منهما ما كان يلبسه في حال فرحة، ويجلسون يتباكون ويبكون ويتأسفون. وكسوتهم لهذه الخشبة تشبه في الظاهر بالنصارى في كسوتهم لأصنامهم، والصور التي يعظمونها في مواسمهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم.
أنهم اتصفوا بسبب ما ذكره بصفة النفاق، لأن الفارق صفته قصد المعصية وإظهارها في الصورة أنها طاعة.
اللغو في المسجد وكثرة الكلام بالباطل وهو منكر شديد.
جعل المسجد كأنه دار شرطة لمجيء الوالي والمقدمين والأعوان، وفرش البسط، ونصب الكرسي للوالي ليجلس عليه في مكان معلوم، وتوقد بين يديه المشاعل الكثيرة في صحن الجامع، ويقع منها بعض الرماد، وربما وقع الضرب بالعصا والبطح لمن يشتكي في الجامع، أو تأتيه - الوالي - الخصوم من خارج الجامع وهو فيه، هذا كله في ليلة النصف من شعبان، وإذا وقعت هذه الأشياء في الجامع فلابد من رفع الأصوات من الخصوم والجند وغيرهم، بل اللغط واقع لكثرة الخلق فيه، فكيف به إذا انضم إلى الشكاوي وأحكام الوالي؟! .
اعتقادهم أن فعل هذه المنكرات والبدع المحرمات إقامة حرمة لتلك الليلة، ولبيت الله ﷿، وأنهم أتوه ليعظموه، وبعضهم يرى أن ذلك من القرب وهذا أشد (١) . وسبق وذكرت أن هذه البدع والمنكرات تختلف باختلاف الزمان والمكان، فالاحتفالات في الوقت الحاضر تكاد لا تخلو من كثير من هذه المنكرات وإن اختلف الشكل والهيئة.
ويضاف إلى هذه البدع أيضا: الدعاء المعروف الذي يطلب فيه من الله تعالى أن يمحو من أم الكتاب شقاوة من كتبه شقيًا الخ. ونصه ما يلي: اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، لا إله إلا أنت، ظهر
_________________
(١) - يراجع: المدخل لابن الحاج (١/٢٩٣-٣١٣)، وكذلك مجلة المنار (٣/ ٦٦٥- ٦٦٧) .
[ ٣٠٢ ]
اللاجئين، وجار المستجيرين، وأمان الخائفين، اللهم أن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيًا أو محرومًا، أو مطرودًا أو مقترًا عليَّ في الرزق، فامح اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني، وطردي وإقتار رزقي، وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيدًا مرزوقًا موفقًا للخيرات، فإنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل، على لسان نبيك المرسل: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١) . إلهي بالتجلي الأعظم في ليلة النصف من شهر شعبان المكرم، التي يفرق فيها كل أمر حكيم ويبرم أسألك أن تكشف عنا البلاء ما نعلم وما لا نعلم، وما أنت به أعلم إنك أنت الأعز الأكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم» (٢) .
وهذا الدعاء ليس له أصل صحيح في السنة، كما هو الحال في صلاة النصف من شعبان، فلم يثبت عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه، ولا عن السلف-رضوان الله عليهم أجمعين- أنهم اجتمعوا في المساجد من أجل هذا
الدعاء في تلك الليلة، ولا تصح نسبة هذا الدعاء إلى بعض الصحابة. (٣)
وربما شرطوا لقبول هذا الدعاء قراءة سورة (يس)، وصلاة ركعتين قبله، يفعلون القراءة والصلاة والدعاء ثلاث مرات، يصلون المرة الأولى بنية طول العمر، والثانية بنية دفع البلايا، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس، واعتقدوا أن هذا العمل من الشعائر الدينية، ومن مزايا ليلة النصف من شعبان وما تختص به، حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات والسنن فتراهم يسارعون إلى المساجد قبيل الغروب من هذه الليلة، وفيهم تاركوا الصلاة، معتقدين أنه يجبر كل تقصير سابق عليه، وأنه يطيل العمر ويتشاءمون من فوته (٤) .
فالاجتماع لقراءة هذا الدعاء بالطريقة المتبعة والمعروف عندهم، وجعل ذلك شعيره من شعائر الدين، من البدع التي تحدث في ليلة النصف من شعبان.
صحيح أن الدعاء والتضرع إلى الله تعالى مطلوب في كل وقت ومكان، لكن لا على هذا الوجه المخترع، فلا يتقرب إلى الله بالبدع، وإنما يتقرب إليه تعالى بما شرع.
_________________
(١) - سورة الرعد:٣٩.
(٢) - يراجع: رسالة في فضل ليلة النصف من شعبان لمحمد حسنين مخلوف ص (٣٢، ٣٣)، وكذلك: رسالة روي الظمآن للأنصاري ص (٩) .
(٣) -يراجع: مجلة المنار (٣/٦٦٧)، والسنن والمبتدعات ص (١٤٩)، والإبداع ص (٢٩٠) .
(٤) - يراجع: والإبداع ص (٢٩٠) .
[ ٣٠٣ ]
ومن البدع المنكرة في الاحتفالات بليلة النصف من شعبان كثيرة الوقيد فالمحدث لهذه البدعة راغب في دين المجوسية، لأن النار معبودة وأول ما حدث ذلك في زمن البرامكة (١)، فأدخلوا في دين الإسلام ما يموهون به على الطغام، وهو جعلهم الإيقاد في شعبان كأنه من سنن الإيمان، ومقصودهم عبادة النيران، وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان، حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا كان ذلك إلى النار التي أوقدوها (٢) .
فزيادة الوقود فيه تشبه بعبدة النار في الظاهر - وإن لم يعتقدوا ذلك - لأنَّ عبدة النار يوقدونها حتى إذا كانت في قوتها وشعشعتها اجتمعوا إليها بنية عبادتها، ولا شك أن التشبه بأهل الأديان الباطلة منهي عنه (٣) . والله أعلم.
_________________
(١) - نسبة إلى خالد بن برمك بن جاماس بن يشتاسف، وكان برمك من مجوس بلخ، وتلقد خالد بن برمك المناصب تدريجيًا في الدولة العباسية حتى وصل إلى الوزارة، ثم إمارة الأقاليم، وتوفي سنة ١٦٣هـ، ثم تولى أولاده يحيى، وولده الفضل، وجعفر، وغيرهم المناصب العليا، حتى طغت سمعتهم وما ينفقونه من العطايا على سمعة الخليفة في وقته، إلى أن نكبهم الرشيد فقتلهم،، وفرق شملهم، وذلك سنة ١٨٧هـ. يراجع: البداية والنهاية (١٠/٢١٥-٢٢٥)، والأعلام (٢/٢٩٥) .
(٢) - يراجع: والباعث ص (٣٣-٣٤) .
(٣) - يراجع: المدخل لابن الحاج (١/٣٠٨) .
[ ٣٠٤ ]
الفصل السادس