المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: بدعة التشاؤم من الزواج فيه
المبحث الثالث: بدعة عيد الأبرار.
[ ٣٤١ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي أيوب -﵁- أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فذلك صيام الدهر» (١) .
عن عائشة -﵂قالت: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء، فأذنت لها فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأي الأخبية فقال: ما هذا؟ فأخبر. فقال النبي ﷺ: البر ترون بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرًا من شوال» متفق عليه. (٢)
_________________
(١) -رواه أحمد في مسنده (٥/٤١٧)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٢٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٤) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨١٢، ٨١٣) كتاب الصوم، (٧٥٦)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٤٧) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧١٦) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٢١) كتاب الصوم، باب صيام الستة من شوال. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/٢٩٧، ٢٩٨)، حديث رقم (٢١١٤) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٧٥) كتاب الاعتكاف، حديث رقم (٢٠٢٣)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٣١) كتاب الاعتكاف، حديث رقم (١١٧٣)، وفيه: «حتى اعتكف العشر الأول من شوال» .
[ ٣٤٣ ]
عن ثوبان -﵁- عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان فشهر بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بعد الفطر فذلك تمام صيامه السنة» (١) .
عن عائشة -﵂- قالت: «تزوجني النبي ﷺ في شوال، وأدخلت عليه في شوال، فأي نسائه كانت أحظى عنده مني» (٢) . فكانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال.
عن عبد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال: سألت - أو سُئِل- النبي ﷺ عن صيام الدهر، فقال: «إن لأهلك عليك حقًا، صم رمضان والذي يليه، وكل أربعاء
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٥/٢٨٠)، واللفظ له. ورواه ابن حبان في صحيحه: يُراجع موارد الظمآن ص (٢٣٢) كتاب الصيام، حديث رقم (٩٢٨) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٤٧) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧١٥) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٢١) كتاب الصيام، باب صيام الستة من شوال. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/٢٩٨) حديث رقم (٢١١٥) . وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود (٣/٣٠٨): أخرجه النسائي وإسناده حسن. ا. هـ. وقد ذكر ابن قيم الجوزية في تهذيب سنن أبي داود كلامًا مفيدًا في الخلاف في حديث أبي أيوب في صيام ستة أيام من شوال، وتكلَّم عن طرقه، وحكم بعد ذلك بصحة الحديث، ثم ذكر الاعتراضات على أحاديث فضل صيام ستة أيام من شوال، ثم أجاب عن هذه الاعتراضات وهو كلام لا يستغني عنه طالب علم. والله أعلم. يراجع: تهذيب سنن أبي داود لابن قيم الجوزية (٣/٣٠٨-٣١٨) .
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٦/٥٤) واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠٣٩) كتاب النكاح، حديث رقم (١٤٢٣) . ورواه الترمذي في سننه (٢/٢٧٧) أبواب النكاح، حديث رقم (١٠٩٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٦/٧٠) كتاب النكاح، باب التزويج في شوال. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٦٤١) كتاب النكاح، حديث رقم (١٩٩٠) .
[ ٣٤٤ ]
وخميس، فإذًا أنت قد صمت الدهر» (١) .
عن محمد بن إبراهيم: أن أسامة بن زيد -﵁- كان يصوم أشهر الحرم، فقال له رسول ﷺ: «صم شوالًا. فترك أشهر الحرم، ثم لم يزل يصوم شوالًا حتى مات (٢) .
عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال
_________________
(١) - رواه أبو داود في سننه (٢/٨١٢) كتاب الصوم (٢٤٣٢)، ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٥) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٥)، وقال: حديث غريب. ونسبه المنذري في تهذيب سنن أبي داود (٣/٣٠٨) إلى النسائي. وذكره السيوطي في الجامع الصغير (٢/١٠٠) حديث رقم (٥٠٣٨) وأشار إلى أنه صحيح.
(٢) - رواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٤٤)، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه (٢/٧٨) باب صيام شوال: (هذا غسناد رجاله ثقات، وفيه مقال) ا. هـ. وذكر أن الحديث منقطع بين محمد بن إبراهيم التيمي وبين أسامة بين زيد. ثم قال: (قلت: لم ينفرد محمد هذا عن أسامة، فقد رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق محمد بن إسحاق عن أبي محمد بن أسامة عن جده أسامة به، مرفوعًا، وذكره. وسياقه أتم كما أوردته في زوائد المسانيد العشرة) ا. هـ.
[ ٣٤٥ ]
شهدت العيد مع عمر بن الخطاب -﵁- فقال: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» . متفق عليه (١) .
عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر..» الحديث. متفق عليه (٢) .
عن أبي هريرة -﵁- «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر» (٣)
عن أنس بن مالك -﵁- قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: «إن الله ﵎ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الفطر ويوم النحر» (٤) .
عن ابن عمر﵄أنه كان يقول: «من اعتمر في أشهر الحج:
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٩) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٩١) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٧) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٨، ٢٣٩) كتاب الصوم، حديث رقم (٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٧) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٠) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٩٣) . موقوفًا على أبي هريرة. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٧) مرفوعًا إلى النبي ﷺ، واللفظ له.
(٤) - رواه أحمد في مسنده (٣/١٠٣) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٥) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه النسائي في سننه (٣/١٨٠، ١٧٩) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٩٤) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه
[ ٣٤٦ ]
في شوال، أو في ذي القعدة، أو في ذي الحجة » الخ قوله (١) .
قال ابن عباس -﵄-: «وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة » . ا. هـ (٢) .
وقد ورد في ليلة عيد الفطر ويومه أحاديث موضوعة، منها:
حديث: (أن من صلى ليلة الفطر مائة ركعة، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشرة مراتالخ) (٣) . وحديث: (من صلى يوم الفطر بعدما يصلي عيده أربع ركعات، يقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب فكأنما قرأ كل كتاب نزله الله على أنبيائه) (٤) . وحديث: (من السنة اثنتا عشرة ركعة بعد عيد الفطر، وست ركعات بعد عيد الأضحى) (٥) . وحديث: (من أحيا الليالي الأربع وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر) (٦) . وحديث: (من صام صبيحة يوم الفطر فكأنما صام الدهر) (٧)، والله أعلم.
_________________
(١) - رواه مالك في الموطأ (١/٣٤٤) كتاب الحج، حديث رقم (٦٢) . وروى البخاري في صحيحه (٢/١٥٠) كتاب الحج، باب (٣٣) تعلقيًا قول ابن عمر: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه (٢/١٥٤) كتاب الحج، باب (٣٧)، من طريق أبي كامل فضيل بن حسين البصري معلقًا. وقال ابن حجر في فتح الباري (٣/٤٣٤): (ويحتمل أيضًا أن يكون أخذه - البخاري - عن أبي كامل نفسه فإنه أدركه، وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه) ا. هـ.
(٣) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٣٠، ١٣١)، والشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٥٢)، حديث رقم (١٤٩) .
(٤) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٣١، ١٣٢)، والشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٥٢)، حديث رقم (١٥٠) .
(٥) - حكم عليه بالوضع: الشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٥٢)، حديث رقم (١٥١) .
(٦) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/٧٨)، والألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٢/١٢)، حديث رقم (٥٢٢) .
(٧) - قال ابن الجوزي في العلل (٢/٥٧): (هذا حديث لا يصح. قال ابن حبان: محمد بن عبد الرحمن يروي عن أبي نسخة شبيهًا بمائتي حديث كلها موضوع لا يجوز الاحتجاج بها. وقال يحيى بن معين: ومحمد بن الحارث ليس بشيء. وقال الفلاس: متروك) . ا. هـ. قلت: ولا يصح أيضًا لمخالفته للأحاديث الثابتة الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر والتي تقدم ذكرها في هذا الكتاب.
[ ٣٤٧ ]
المبحث الثاني
بدعة التشاؤم من الزواج فيه
قال ابن منظور: (وشوال: من أسماء الشهور معروف، اسم الشهر الذي يلي رمضان، وهو أول أشهر الحج) .
قيل: سمي بتشويل لبن الإبل، وهو توليه وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحر وانقطاع الرطبوكانت العرب تطير من عقد المناكح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها كما تمتنع طروقة الجمل إذا لقحت وشالت بذنبها، فأبطل النبي ﷺ طيرتهم، وقالت عائشة﵂-: «تزوجني النبي ﷺ في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كانت أحظى عنده مني» (١) . ا. هـ. (٢)
فالسبب الذي جعل العرب في الجاهلية يتشاءمون من الزواج في شهر شوال: هو اعتقادهم أن المرأة تمتنع من زوجها كامتناع الناقة التي شولت بذنبها بعد اللقاح من الجمل.
قال ابن كثير﵀- (وفي دخوله ﷺ بها - بعائشة﵂- في شوال ردّ لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء) ا. هـ (٣) .
فالتشاؤم من الزواج في شهر شوال أمر باطل؛ لأن التشاؤم عمومًا من الطيرة التي نهى النبي ﷺ عنها بقوله: «لا عدوى ولا طيرة» (٤) . وقال - ﵇ -: «طيرة شرك» (٥) .
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٦/٥٤) واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠٣٩) كتاب النكاح، حديث رقم (١٤٢٣) . ورواه الترمذي في سننه (٢/٢٧٧) أبواب النكاح، حديث رقم (١٠٩٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٦/٧٠) كتاب النكاح، باب التزويج في شوال. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٦٤١) كتاب النكاح، حديث رقم (١٩٩٠) .
(٢) - يراجع: لسان العرب (١١/٣٧٧) مادة (شول) .
(٣) - يراجع البداية والنهاية (٣/٢٥٣) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٢١٥) كتاب الطب، حديث رقم (٥٧٥٧) .
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٤٤٠) . ورواه أبو داود في سننه (٤/٢٣٠) كتاب الطب، حديث رقم (٣٩١٠) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٨٤، ٨٥) أبواب السير، حديث رقم (١٦٦٣)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١١٧٠) كتاب الطب، حديث رقم (٣٥٣٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٧، ١٨) كتاب الإيمان، وقال: حديث صحيح سنده، ثقات رواته ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٣٤٨ ]
فمثله مثل التشاؤم بشهر صفر. وقد تقدم الكلام عن ذلك.
قال النووي - ﵀ - في شرحه لحديث عائشة -﵂-: (فيه استحباب التزويج والتزوج والدخول في شوال، وقد نص أصحابنا على استحبابه، واستدلُّوا بهذا الحديث.
وقصدت عائشة بهذا الكلام ردُّ ما كانت الجاهلية عليه، وما يتخيله بعض العوام اليوم، من كراهة التزويج والدخول في شوال، وهذا باطل لا أصل له وهو من آثار الجاهلية، كانوا يتطيرون بذلك لما في اسم شوال من الإشالة والرفع) (١) . ا. هـ.
_________________
(١) - يراجع: شرح صحيح مسلم للنووي (٩/٢٠٩) .
[ ٣٤٩ ]
المبحث الثالث
بدعة عيد الأبرار
ومن الأمور المحدثة المبتدعة في شهر شوال: بدعة عيد الأبرار، وهو اليوم الثامن من شوال.
فبعد أن يتم الناس صوم شهر رمضان، ويفطروا اليوم الأول من شهر شوال-وهو يوم عيد الفطر- يبدأون في صيام الستة أيام الأول من شهر شوال، وفي اليوم الثمن يجعلونه عيدًا يسمونه عيد الأبرار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يقال: إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار: فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف، ولم يفعلوها. والله ﷾ أعلم) ا. هـ (١) .
وقال أيضًا: (وأما ثامن شوال: فليس عيدًا لا للأبرار ولا للفجار، ولا يجوز لأحد أن يعتقده عيدًا، ولا يحدث فيه شيئًا من شعائر الأعياد) ا. هـ (٢) .
ويكون الاحتفال بهذا العيد في أحد المساجد المشهور فيختلط النساء بالرجال، ويتصافحون ويتلفظون عند المصافحة بالألفاظ الجاهلية، ثم يذهبون بعد ذلك إلى صنع بعض الأطعمة الخاصة بهذه المناسبة (٣) .
_________________
(١) - يراجع: مجموعة الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٢٩٨) .
(٢) - يراجع: الاختيارات الفقهية ص (١٩٩) .
(٣) - يراجع: السنن والمبتدعات للشقيري ص (١٦٦) .
[ ٣٥٠ ]
الفصل الثامن