قال الملحد: "الثاني وفي هذا الباب قال القسطلاني في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء، الآية:٨٥] إن الله بين في هذه الآية جواز الشفاعة في جلب نفع أو دفع ضر، لم يكن فيه إبطال حق ولا منع حد شرعي، ولا نفع ذاتي. فإن كانت في خير كان له ثواب ذلك وإن كانت في شر كان عليه وبالها".
والجواب: أن هذه الملحد عبر عن كلام الله تعالى في هذه الآية بأنه حديث ثان لأحاديثه التي سيوردها وهي التي استند إليها هو وسادته، وبها اقتدوا على جواز دعاء الأموات مع إخلاص هذا الدعاء لهم، الذي هو مخ العبادة من دون الله تعالى. وقد قال الملحد في آخر ما أورده من أحاديثه: "فهذه عشرة من مئات، وفي كل واحد من هذه معنى من معاني التوسل" قال: "وفي هذا الباب قال القسطلاني إلى آخر ما ذكره" مما أراد به المغالطة وتحريف الكلم عن مواضعه. ولو علم هذا الملحد أن ما نقله من كلام القسطلاني على معنى الشفاعة في هذه الآية الشريفة: أنه مما يلقمه ومضلليه أحجارًا فيما ذهبوا إليه
[ ٣٥٨ ]
من تحريف كتاب الله تعالى، وسنّة نبيّه ﷺ ما كان تعرض لذكره ولكن الهوى يعمي ويصم. فقد قال الإمام القسطلاني: "إن الله تعالى بين في هذه الآية جواز الشفاعة في جلب نفع أو دفع ضر، لم يكن فيه إبطال حق، ولا منع حد شرعي، ولا نفع ذاتي" إلى آخر كلامه الذي بين فيه أن هذه الشفاعة هي بين الناس بعضهم لبعض في هذه الدنيا. وقد قال الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري: قوله "باب قول الله تعالى من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها كذا لأبي ذر- وساق غيره إلى قوله- "مقيتًا". وقد عقب المصنف الحديث المذكور قبله بهذه الترجمة إشارة إلى أن الأجر على الشفاعة ليس على العموم، بل مخصوص بما تجوز فيه الشفاعة. وهي الشفاعة الحسنة. وضابطها: ما أذن فيه الشرع، دون ما لم يأذن فيه، كما دلت عليه الآية. وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن مجاهد قال: "هي في شفاعة الناس بعضهم لبعض" وحاصله: أن من شفع لأحد في الخير كان له نصيب من الأجر ومن شفع له بالباطل كان له نصيب من الوزر، وقيل: الشفاعة الحسنة الدعاء للمؤمن، والسيئة الدعاء عليه انتهى.
ففي كلام هذه الإمامين على هذه الآية ما يثبت كمال التوحيد لله تعالى وينفي كل شبهة أو مغالطة أو تحريف للكلم عن مواضعه مما يتعلق به دعاة الوثنية عبدة الأصنام قاتلهم الله أني يؤفكون.
[ ٣٥٩ ]