والجواب: أن الله تعالى لم يتعبدنا بإتباع بديهة عقولنا السليمة، ولم يتركنا لها هملًا، بل أرسل إلينا رسولًا من أنفسنا عزيز عليه، ما يعنتنا، بالمؤمنين رؤوف رحيم. جداءنا بكتاب عزيز: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت، الآية:٤٢] يقول الله تعالى فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة، الآية:١٢٨] ويقول تعالى فيه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة، الآية:٣] ويقول تعالى فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر، الآية:٧] فلم يأمرنا الله تعالى في كتابه
[ ٣٤٧ ]
العزيز، ولا على لسان رسوله ﷺ فيما ثبت عنه في سنته المطهرة، بأن ندعو الأموات والغائبين بأهوائنا المضللين من سادتنا وكبرائنا ولا أن نجعلهم لنا وسيلة ولا واسطة بيننا وبينه تعالى، يرفعون إليه حاجاتنا. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. بل قال الله لنبيه ورسوله محمد ﷺ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] فهؤلاء المدعوون- وإن كانوا أنبياء أو أولياء أو ملائكة مقربين- فليسوا هم شركاء لله تعالى في عبادته فإن العقول التي ترى أن دعاء الأموات والغائبين من دون الله تعالى: أنجح وسيلة تقرِّب إلى الله تعالى، عقول ليست بسليمة، بل هي عقول مريضة شيطانية، بل هي أهواء زائفة، تدعو إلى محادة الله ورسوله والشرك في عبادة الله، ومخالفة جميع رسله، من أولهم إلى آخرهم، الذين أرسلهم الله تعالى بالدعوة إلى توحيده تعالى، وإخلاص العبادة له وحده لا شريك له. حيث يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] ويقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر، الآية:٢-٣] ويقول تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر، الآيات:٦٤-٦٦] ويقول تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس، الآيتان:١٠٦-١٠٧] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل، الآيتان:٢٠-٢١] ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ
[ ٣٤٨ ]
أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف، الآيتان:٥-٦] ويقول تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل، الآية:٦٢] ويقول تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم، الآيتان:٥٢-٥٣] ويقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ، الآيتان:٢٢-٢٣] ويقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر، الآيتان:١٣-١٤] ويقول تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ. وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ. وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر، الآيات:١٩-٢٣] ويقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر، الآية:٣٨] ويقول تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر، الآيتان:٤٤] ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت، الآية:٦] ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا. قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن، الآيات:٢٠-٢٣] ويقول تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف، الآية:١٨٨] إلى غير ذلك من الآيات البينات المحكمات التي لا تقبل تأويلًا ولا تحريفًا، ولا معارضًا
[ ٣٤٩ ]
في إفراد ربنا الباري جل وعلا في عبادته وحده لا شريك له، وهي العبادة التي مخها الدعاء، كما قاله المصطفى ﵊.
[ ٣٥٠ ]
وأما ما جاء عن المصطفى ﷺ من حمايته لحمى التوحيد امتثالًا لأمر ربهن شرك المشركين الأولين: ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام رسول الله ﷺ حين أُنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء، الآية:٢١٤] فقال: يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا غنى عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أعنى عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتِ، لا أغنى عنك من الله شيئًا" وروى الترمذي عن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين- ونحن حُدَثاء عهد بكفر- وللمشركين سِدْرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ الله أكبر، إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف، الآية:١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم سنن من كان قبلكم" وفي سنن أبي داود عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: قال: "أتى رسول الله ﷺ أعرابي. فقال: يا رسول الله، جهِدَتْ الأنفس، وضاعت العيال، ونُهِكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله، وسنتشفع بالله عليك. فقال رسول الله: ويحك، أتدري ما تقول؟ وسَبَّح رسول الله ﷺ. فما زال يسبّح، حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال: ويحك، إنه لا يتشفع بالله على أحد من خلقه. شأنُ الله أعظم من ذلك. الحديث". وروى أبو داود عن عبد الله بن الشخِّير ﵁ قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: قولوا بقولكم، أو ببعض
[ ٣٥٠ ]
قولكم، ولا يستجْرِينّكم الشيطان" وروى النسائي عن أنس ﵁: "أن أناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم هذا، ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿" وعن ابن عباس ﵄: "أن رجلًا قال للنبي: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندًا؟ ما شاء وحده" وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁: "أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" وروى أبو داود عن قيس بن سعد قال: "أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فقلت لرسول الله ﷺ: أحق أن يُسجد له. فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم. فأنت أحق بأن يسجد لك. فقال لي: لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟ فقلت: لا، فقال: لا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهن عليهن من حق" وروى الترمذي عن أنس ﵁ قال: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ، وكانوا إذا رأواه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهذا قليل من كثير مما ورد عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ من نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة الصرحية، التي لا تقبل تأويلًا ولا تحريفًا عما جاءت له من الأمر بتحقيق التوحيد لله تعالى وحده، لا شريك له في جميع أنواع العبادة، ونفي وإبطال كل ما يتعلق به دعاة الأموات من الشبهات والضلالات، وما يحرفونه من كتاب الله تعالى ومن سنّة نبيّه ﷺ عن مواضعهما، إتباعًا لأهوائهم الشيطانية فيما يدعون إليه من الغلو بالأنبياء والأولياء وغيرهم. ممن أشركوهم مع الله تعالى في خالص عبادته، من الدعاء والخوف والرجاء، ونذر النذور، وسف الدماء، وغيرها من أنواع العبادة. وما كفاهم هذا، بل
[ ٣٥١ ]
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله وكيف يكون مسلمًا من يعارض نصوص الكتاب والسنّة جهارًا لا يخشى فيها لومة لائم، حتى ولا يتكلف لها تحريفًا ولا تأويلًا؟ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر، الآية:٢٢] ويقول هذا الملحد وسادته دحلان والنبهاني: "بل يسمعون ويجيبون من يدعوهم" ويقول الرسول ﷺ: "الدعاء مخ العبادة" ويقول هذا الملحد وسادته "ليس بعبادة، بل هو توسل والله أمر به" ويسمون دعاءهم للأموات وعبادتهم إياهم بجميع أنواع العبادة: توسلًا. وهكذا يحرفون الكلم عن مواضعه فقد ضلوا وأضلوا كثيرًا عن سواء السبيل.
[ ٣٥٣ ]
وأما قول الملحد: "فانظروا يا من خذلهم الله، أي مقام أعظم من هذا الذي علق الله محبته ومغفرته على إتباعه ﵊ أتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ ".
والجواب: أن المخذول من اتخذ إلهه هواه، وختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة. فهو لا يفرق بين الحق والباطل، بل يؤثر الباطل على الحق، إتباعًا لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة، الآية:٥١] إن المخذول: هو هذا الملحد المتناقض، الذي لم يحترم صاحب هذا المقام العظيم سيد الأولين والآخرين، من أرسله تعالى رحمة للعالمين بل عارضه في أصل رسالته التي أرسله الله تعالى بها إلى جميع خلقه: بأن يعبدوه الله تعالى وحده لا يشركون معه في عبادته أحدًا من خلقه. فقام هذا الملحد ومن قلدهم بمعارضة هذا الرسول الكريم في أصل دعوته، التي أرسله الله بها، وجميع الرسل من قبله بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥]: فقام هؤلاء الوثنيون يدعون إلى إشراك الخلق مع خالقهم في خالص عبادته تعالى. وما كفاهم فقد أشركوهم مع الله تعالى في ربوبيته. فقالوا: إنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون تعالى الله عما يقول الظالمون
[ ٣٥٣ ]