فأما قول الملحد مفتريًا علينا: "بأننا نعتقد بتأثير الأعراض" فهذا من ضمن أكاذيبه علينا فنحن لا نعتقد بتأثير من الأعراض، إلا ما جعله الله تعالى سببًا فيها لصالح عباده، مما أرشدنا إليه نبينا ﷺ، مع اعتقادنا بأن النفع والضر كله بيد الله تعالى، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن فلا نطلب إلا منه ولا نرجو أحدًا سواه، ولا نتوسل إليه إلا بالأعمال الصالحة من الإيمان به تعالى وبكتبه ورسله، مع تجريدنا الإتباع لنبينا ﷺ في كل ما جاءنا به من عند الله ﵎. فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أنزل الله داء إلى أنزل له شفاء" وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله" وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن أسامة بن شريك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" وفي لفظ: "لم
[ ٣٤٠ ]
يضع داء إلا وضع له شفاء- أو دواء- إلا داءً واحدًا. قالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: الهرم". قال الترمذي: حديث صحيح.
وأما قوله: "ذكرتُ قبلًا قول الوهابيين بتكفير من يتوسل بالرسول ﵊ وغيره واستدلالهم الباطل، فلا حاجة لإعادته، وكل ذي بصير يعلم أن هذا الاستدلال تحريف للفظ والمعنى. فالله تعالى سمى عمل أولئك عبادة، ما سماه توسلًا، ولا استغفارًا، ولا اشتراكًا في اللغة، ولا ترادف بين اللفظين. فتبديل حقائق كلام الله وتحريفه كفر محض، وتحريف منكر، أولئك كانوا يعبدون تلك الأشياء عبادة حقيقية، ويسمونها آلهة تسمية حقيقية، ويتقربون إليها بجميع أنواع العبادة، ويذكرون أسماءها على ذبائحهم، دون اسم الله تعالى ويعتقدون أن النفع والضر والخير والشر بيد تلك الآلهة وبأمرهم".
والجواب: أن الوهابيين لا يكفرون بمجرد التوسل بالرسول ﷺ وغيره، وإنما يكفرون يدعون الرسول ﷺ وغيره من الأموات ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات وغيرها من أنواع العبادات التي لا يقدر على إجابتها إلا فاطر الأرض والسموات. ويسمون أعمالهم هذه: توسلًا واستغفارًا وتشفعًا وغيرها من الأسماء التي يموهون بها على جهلة المسلمين.
فأما التوسل الذي ليس فيه ما ينافي توحيد الله تعالى في ربوبيته وإلهيته، وإنما فيه الإقسام على الله تعالى بأحد من خلقه: فإن الوهابيين لا يكفرون به، بل هو عندهم حرام، كما يقول به جمهور العلماء المقتدى بهم. فالوهابيون يستدلون عن بطلان أعمال هؤلاء الوثنيين بنصوص الكتاب والسنّة التي لا تقبل تحريفًا ولا تأويلًا، متبعين في ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
[ ٣٤١ ]