وأما الوهابيون: فإنهم بحمد الله تعالى سميعون مطيعون منقادون لكتاب الله تعالى، ولسنّة رسوله ﷺ كافرون بكل قانون لم يأت عن الله تعالى، ولا عن رسوله. وهذه كتبهم بحمد الله تعالى منشورة في جميع البلاد، وبين العباد، تنادي بتجريد الإتباع لسيد المرسلين، وتحكيم شرعه، مع التسليم له بكل إخلاص ويقين. فالحمد لله الذي أظهر الحق وأعلاه، ودحر الباطل وأقصاه وجعل العاقبة للمتقين.
وأما قول الملحد: "اعلم يا أخي أنه لما كانت الرسالة تبليغًا بالأمر والعمل، فالرسول ﵊ كما بلغ الأمة كل أمر شفاهي كذلك بلغهم بالعمل، ليكون إقتداؤهم به وأخذهم عنه جامعًا بين الأمر والعمل، إلا ما كان من مخصصاته الذاتية. فكان ينهاهم عما فيه مشقة عليهم إذا قلدوه فيه. ويسكت عما لا مشقة فيه. ومن ذلك: ما نحن بصدده. وإليك ما جاء عنه ﷺ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا وبه اقتدوا: الأول في البخاري في باب تعاون المؤمنين عن محمد بن يوسف عن سفيان عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: "وكان النبي ﷺ جالسًا إذ جاء رجل يسأل أو طالب حاجة فأقبل علينا ﷺ بوجهه. فقال: اشفعوا فلتؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء".
والجواب: أننا بحمد الله تعالى في غنىّ عن فلسفة هذا الملحد بنصوص الكتاب والسنّة الصحيحة الصريحة فقد جاءنا بها نبينا محمد ﷺ بيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك ولم يكن خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا عنه. والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة، الآية:٣] فالكامل لا يحتاج إلى
[ ٣٥٥ ]
مزيد ولا إلى فلسفة شيطان مريد. والرسول ﷺ قد بلغ البلاغ المبين وأشهد على ذلك في أكبر مجمع من مجامع المسلمين وذلك في حجة الوداع.
فقول هذا الملحد بعد هذه الفلسفة التي يريد بها المغالطة ولبس الحق بالباطل: "ومن ذلك ما نحن بصدده، وإليك ما جاء عنه ﷺ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا، وبه اقتدوا، الأول في البخاري إلى آخر ما ذكره". من تحريفه لحديث رسول الله ﷺ لفظًا ومعنى مما يدل على سوء قصده الباطل، وتعمده لتحريف الكلم عن مواضعه، إتباعًا لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص، الآية:٥٠] فقد تصرف الملحد بهذا الحديث الشريف تصرف المضل المخادع. إذ حذف أصله، بل لبه الذي قيل الحديث من أجله وهو تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، ولأهمية هذا التعاون وأنه ركن من أركان الإسلام الذي لا يتم إلا به. فقد أحكم النبي ﷺ وصف هذا التعاون بالقول والعمل، حيث شبك ﷺ بين أصابعه. ولما جاء هذا الحديث على أصحابه في تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا. زادهم في بيان هذا التعاون إذ حثهم على عمل الخير في إجابة هذا السائل أو طلب الحاجة الذي هو من إخوانهم المؤمنين.
فأما أصل هذا التعاون وأساسه: فهو الجهاد في سبيل الله تعالى لإقامة دينه الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه ليكون الدين كله لله وحده لا شريك له ولأجل إقامة هذا الدين الذي هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فرض الله تعالى على عباده المؤمنين جهاد المشركين متعاونين كالبنيان يشد بعضه بعضًا. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف، الآية:٤] ولذلك أباح الله تعالى للمؤمنين دماء المشركين وأموالهم حتى يكون الدين لكله لله وحده لا شريك له. فهذا هو معنى تعاون المؤمنين بعضهم بضهًا. إنما هو في إقامة دينهم، وما هو تحت قدرتهم فيما بينهم من أمور دنياهم، لاما يزعمه هذا الملحد وسادته
[ ٣٥٦ ]
الضلاّل دعاة الوثنية عبدة الأصنام من أن معنى تعاون المؤمنين: هو دعاء الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم من دون الله تعالى، وجعلهم أصنامًا تعبد مع الله تعالى لجلب النفع، ودفع الضر وسؤالهم ما لا يجيب المضطر فيه إلا الله ﵎، ويفترون على الله وعلى رسوله ﷺ الكذب.
انظر إلى تحريف هذا الملحد لهذا الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ الذي هو أصل من أصول الدين وذلك في تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا، كيف تصرف فيه فشوَّه لفظه وحرَّف معناه؟ حيث حذف الأصل وجاء بالفرع من أجل المغالطة. وهو قول النبي ﷺ في آخر الحديث لما حضر السائل "اشفعوا لتؤجروا" فهذا الملحد وضلال مضلليه دحلان والنبهاني يقولون: إن التوسل والاستشفاع والاستغفار ألفاظ مختلفة معناها واحد عند العلماء، فيقول رسول الله ﷺ "اشفعوا" أمر منه بالتوسل الذي هو في مذهبهم دعاء الأموات. لذلك يقول الملحد مختار: "وإليك ما جاء عنه ﷺ في معنى التوسل وإليه استند علماؤنا وبه اقتدوا الأول في البخاري" ثم ساق الحديث كاملًا برجاله، وأسقط أصل الحديث الذي أحكمه المصطفى ﷺ لفظًا ومعنى في تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا. وما ذلك منه إلا للمغالطة وتضليل الجهلة لتصحيح باطلهم الذي يدعون إليه من إشراك المخلوقين في خالص عبادة الخالق ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة، الآية:٣٠] .
[ ٣٥٧ ]