فقول الملحد: "وكل ذي بصيرة يعلم أن هذا الاستدلال تحريف للفظ والمعنى، فإن الله تعالى سمى عمل أولئك عبادة، ما سماه توسلًا ولا استغفارًا،
[ ٣٤١ ]
ولا اشتراك في اللغة، ولا ترادف بين اللفظين، فتبديل حقائق كلام الله وتحريفه كفر محض وتحريف منكر".
جوابنا عنه: أنه قول جاهل غبي مغالط، في ذكر الأسماء مع جهله بالحقائق التي لا تخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة أمثاله. فإن هذا الملحد لا يعرف معنى ما يقوله من الاشتراك في اللغة. ولا ترادف الألفاظ فيها، ولا شيئًا من تصريف ألفاظها، بل هو أجنبي عنها. لذلك جهل أن الله تعالى سمى الدعاء عبادة في كتابه العزيز، وأن الرسول ﷺ سمى الدعاء "عبادة" بل سماه "مخ العبادة" كما جهل اتفاق أئمة أهل الكتاب والسنّة على أن "العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر، الآية:٦٠] ويقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة، الآية:١٨٦] وعن النعمان بن يشير ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة". وعن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" فإن كان هذا الملحد قد جهل هذه النصوص التي هي في كتاب الله تعالى، وفي سنّة رسوله ﷺ وما اتفق عليه أئمة أهل الكتاب والسنّة في مسمى "العبادة" فقد ثبت أنه من الصم والبكم والذين لا يعقلون، وإن كان علم بهذه النصوص وتعمد تحريفها وتبديلها، منكرًا ما دلت عليه مثل "العبادة" فقد حكم على نفسه بالكفر المحض، والتحريف المنكر بإقراره هذا الذي أثبته على من بدل كلام الله تعالى وحرفه. فقد اضطلع هذا الملحد بهذا التبديل والتحريف الظاهر الذي لا يجد عنه مفرًا، وليس له منه مخرج وهكذا الهوى يعمي ويصم. كما أن الجهل المركب والتقليد الأعمى يقودان صاحبهما إلى الخذلان والضلال عن الهدى. نعوذ بالله من ذلك.
وأما قول الملحد: "أولئك كانوا يعبدون تلك الأشياء عبادة حقيقية،
[ ٣٤٢ ]
ويسمونها آلهة حقيقية، ويتقربون إليها بجميع أنواع العبادة، ويذكرون أسماءها على ذبائحهم دون اسم الله، ويعتقدون أن النفع والضر والخير والشر بيد تكل الآلهة وبأمرهم".
فالجواب: أن هذه الملحد يعني بقوله أولئك المشركين الأولين، يقول عنهم: إنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام لذاتها ولا يذكرون لهم إلهًا غيرها، صارفين لها جميع أنواع العبادة بأسمائها، لا يذكرون اسم الله تعالى- إلى آخر كلامه الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه- وليس الحق بالباطل، والمدافعة عن أعمال عباد الأوثان باسم القبور من هذه الأمة الذي سلكوا سبيل من قبلهم من المشركين الأولين، يقول عنهم هذا الملحد: "إنهم لا يسمون من يدعونهم من الأموات أصنامًا كما يسميهم المشركون قبلهم، بل هم أولياء مقربون عند الله ولهم عنده كرامات فهم لهم وسيلة وشفعاء، ووسطاء بينهم وبين الله تعالى". وما إلى هذه الأسماء التي يصرفون لهم فيها مخ العبادة من دون الله تعالى من الدعاء وسفك الدماء، ونذر النذور وغيرها من الأعمال التي لا يجوز صرفها لغير الله تعالى، بل أشركوهم مع الله تعالى في توحيد ربوبيته، زاعمين أنهم يعلمون الغيب ويتصرفون في الكون، وغير ذلك من العقائد التي فاقوا بها على شرك المشركين عباد الأصنام، وهذا كتاب الله تعالى يخبر عن المشركين عباد الأصنام: أنهم كانوا يقرون لله تعالى بأنه ربهم، وخالقهم ورازقهم، وأن الأرض وما فيها له وحده، وأنه رب السموات السبع ورب العرش العظيم، وأن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وأنهم ما عبدوا مَن عبدوا من تلك الأصنام إلا ليقربوهم إلى الله زلفى. ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] كما أخبر بذلك عنهم أصدق القائلين في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآية:٣] ويقول تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، الآية:١٨] ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ
[ ٣٤٣ ]
وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس، الآيتان:٣١-٣٢]، يقول تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون، الآية:٨٤-٨٩] ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان، الآية:٣٢] إلى غير هذه الآيات التي جهلها هذا الملحد أو تجاهلها، وتعمد إلى جحدها محرفًا لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، لتضليل الجهلة عن سلوك صراط الله المستقيم.
وأما قول الملحد: "فإذا علمت هذا وفهمت كيف دخلوا بالتحريف والمغالطة على العوام، فاعلم أن علماءنا ما قالوا١ بجواز التوسل بالأنبياء والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك وهم أمناء الدين، وخلفاء الرسل، بل أخذوه من كلام الله تعالى وكلام رسول أمرًا وفعلًا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وماذا عليهم إذا لم تفهم وعول نجد، وجواميس مصر وبقر الشام مقاصدهم ومآخذ أقوالهم؟ ".
والجواب: أن كل مطلع على كلام هذا الملحد ممن أعطاهم الله علمًا نافعًا، ونورًا يفرقون بهما بين الحق والباطل: يعلمون علم اليقين أن هذا الملحد ممن ضل عن سلوك صراط الله المستقيم، فهو غارق في ظلمات جهله وضلاله، وأنه من المحرفين لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ جهارًا، لا يخشى في ذلك حسيبًا في الدنيا، ولا محاسبًا في الآخرة. فقد سمى سادته وكبراءه- دحلان
_________________
(١) هكذا أثبتها الملحد بالواو والرفع.
[ ٣٤٤ ]
والنبهاني ومن سلك سبيلهم- أمناء الدين، وخلفاء الرسل، مع أنهم قد اشتهروا بعمل كل قبيح من الأعمال، وبكل فجور من الأقوال، معارضين بهما كتاب الله وسنّة نبيّه، وناسبين إلى علماء أهل السنّة من الأقوال ما لم يقولوه، ومحرفين لكلامهم عن مواضعه. وهذا الملحد يقول: إن مضلليه- دحلان والنبهاني- ما قالوا بجواز التوسل، الذي هو دعاء الأموات من الأنبياء والأولياء، وندبوا إليه من تلقاء أنفسهم، حاشاهم من ذلك، بل أخذوه من كلام الله تعالى وكلام رسوله أمرًا وفعلًا. وهذا الكلام من هذا الملحد هو عين الكذب والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ. فأين من كلام الله تعالى أيها الملحد؟ وأين من كلام رسوله الأمر بدعاء الأموات، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وطلب رحمتهم لغفران الذنوب دون رحمة الله أرحم الراحمين؟ فمن هو من الصحابة أيها الملحد دعا ميتًا أو غائبًا، أو توسل به لجلب نفع أو دفع ضر، أو جعله واسطة بينه وبين الله تعالى؟ ومن هو من الصحابة جعل القبور مساجد؟ بل أين من التابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة: من قال بقول سادتك ومضليك أيها الملحد؟ فاقصر فَضَّ الله فاك. ومن قال بقولك وقول سادتك الضالين المضلين.
وأما قول الملحد: "وقد فصلت كيفية عبادتهم وأقسامها في كتبي الثلاثة، رد الافتراء، ومظهر الإحسان، ومرشد الحيران، وهذه يتبرأ منها كل مسلم".
فالجواب: أن كتب هذا الملحد الثلاثة كلها ظلمات بعضها فوق بعض، فهي كما قال مؤلفها الملحد "تبرأ منها كل مسلم" ونحن نسميها: محض الافتراء، ومظهر الخسران، والتائه الحيران.
وأما قول الملحد في حق علمائه "وماذا عليهم إذا لم تفهم وعول نجد وجواميس مصر وبقر الشام مقاصدهم ومآخذ أقوالهم؟ ".
فالجواب: أن الله تعالى لم يكلف وعول نجد، ولا جواميس مصر، ولا بقر الشام، بفهم شيء من العبادة التي كلف بها عباده من بني آدم، فتكليف هذا الملحد لها بفهم مقاصد سادته ومآخذ أقوالهم ظلم وعدوان ما أنزل الله به من
[ ٣٤٥ ]
سلطان. فأما علماء نجد ومصر والشام: فقد قاموا بأداء ما أخذه الله تعالى من الميثاق على أهل العلم بأن يبينوه للناس ولا يكتموه فإنهم قد أظهروا الحق ونصوره، وأبطلوا الباطل وخذلوه. وفضحوا سادتك ومضلليك، ومن سلك سبيلهم من دعاة الشرك في عبادة الله رب العالمين وقد تقدم ذكر بعض مَن رد عليهم من علماء نجد والعراق والهند بما أغنى عن إعادته ههنا.
[ ٣٤٦ ]