قال الملحد: "الثالث: أخرج ابن ماجه والحافظ والبيقهي عن أبي سعيد الخدري والسيوطي في الجامع الكبير عنه أيضًا وابن السّني عن بلال قال: "كان إذا خرج ﵊ إلى الصلاة قال: بسم الله، آمنت بالله، وتوكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا إليك، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة. خرجت اتِّقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" انتهى. في هذا الحديث ثلاثة أدلة لنا الأول: توسله ﵊ بالمؤمنين المعبَّر عنهم بالسائلين، وهم
[ ٣٥٩ ]
أفضل خلق الله، وأغنى الخلق عن الخلق، فكيف لا نتوسل بجاهه ونحن أفقر الخلق إلى جاهه؟ وبهذا نص صريح بجواز التوسل بالأنبياء وما دونهم من كل مؤمن. الثاني: أبلغ بالتجوز توسله ﷺ بشيء مجازي وهو المخرج بنصب الميم والراء أو المخرج برفع الميم وكسر الراء. الثالث: إيراد التوسل بصيغة القسم، أي قوله: "بحق" فهذا أبلغ وأعظم بالتذلل على الله تعالى من صيغة الرجاء.
والجواب: أن هذا الحديث من رواية ابن السّني عن بلال ﵁. لا تقوم به حجة باتفاق أئمة أهل الحديث على ذلك لضعف إسناده. فقد قال الشيخ محمد بشير الهندي رحمه الله تعالى في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان": إن القول بصحة إسناد هذا الحديث خطأ بيِّن، وغلط فاحش. فإن هذا الحديث أشد ضعفًا من حديث أبي سعيد الخدري قال النووي في الأذكار: حديث ضعيف، أحد رواته: الوازع بن نافع العقيلي، وهو منفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث. قال الحافظ: والقول فيه أشد من ذلك. فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم وجماعة متروك وقال الحاكم: روى أحاديث موضوعة، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غير محفوظة. قال الحافظ: وقد اضطرب في هذا الحديث، فأخرجه أبو نعيم في اليوم والليلة، من وجه آخر عنه فقال: عن سالم بن عمر عن بلال محل قوله في الطريق الأول عن نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عن بلال. قال الحافظ: ولم يتابع عليه كذا في الفتوحات الربانية. وفي كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم: الوازع بن نافع العقيلي: أصله من المدينة، سكن الجزيرة، يروى عن سالم بن عبد الله، وأبي مسلمة بن عبد الرحمن. روى عنه أهل الجزيرة وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات على قلة روايته. ويشبه أنه لم يكن المعتمد لذلك، بل وقع في روايته لكثرة وهمه. فبطل الاحتجاج بما انفرد به عن الثقات بما ليس من أحاديثهم. حدثنا الحنبلي: قال حدثنا أحمد بن زهير عن يحيى بن معين قال: وازع بن نافع ليس بثقة، ثم نقل عنه أحاديث تكلّم في إسناد بعضها بأنه موضوع أو مقلوب. كذا في الفتوحات الربانية. وقال الذهبي في الميزان:
[ ٣٦٠ ]
الوازع بن نافع العقيلي الجزري، روى عن أبي سلمة وسالم بن عبد الله وعنه علي بن ثابت وبقية وجماعة. قال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال: ليس بثقة. قال ابن عدي: عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ، وقال الدارقطني في سننه: الوازع بن نافع ضعيف الحديث، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: وهو ضعيف. وقال أيضًا: وهو متروك، وقال: وهو مجمع على ضعفه. انتهى.
هذا من جهة إسناد هذا الحديث الذي قد اتفق أئمة أهل الحديث على ضعفه وعدم جواز الاحتجاج به.
وأما تحريف الملحد لمعناه: فهذا مما لا يخفى بل هو من غزير جهله وضلاله وإتباعه لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠]
[ ٣٦١ ]