قال الملحد: "الثامن: حديث استغائة آدم بالرسول ﷺ" وهذا الحديث من نوع المتواتر عند جمهور المفسرين والمحدثين بطرق عديدة عن عمر ﵁، والحجة البالغة في هذا الحديث: هي أن الرسول عليه الصلاة السلام كان في عالم الغيب، فهذا أبلغ في الحجة مما كان بعد وفاته".
والجواب: أن هذا الحديث وحديث قول الله تعالى لآدم: "لولا محمد ما خلقتك" وما في معناهما من هذه الروايات، كلها كذب موضوعة. ما أنزل الله بها من سلطان. فحقيقة الاستغاثة: هي الدعاء الذي هو مخ العبادة. وأما أصل خلق هذا العالم: ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات، الآية:٥٦] والله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران، الآية:١٤٤] .
وأما قول الملحد في هذا الحديث: "إنه من نوع المتواتر عند جمهور المفسرين والمحدثين بطرق عديدة عن عمر ﵁".
فهو قول لا أصل له يرجع إليه. فلذلك لم يذكر الملحد سند هذا الحديث، ولا واحدًا من رواته عن عمر بن الخطاب ﵁. فلو أفصح عن رواة هذا الحديث وطرقه- كما يقول- لنكص على عقبه. ولعرف أن له حظًا وافرًا من قوله ﷺ: من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد
[ ٣٧١ ]
الكاذبين". فهذا الحديث وطرقه ورواته قد قابله أئمة أهل السنّة وأئمة أهل الحديث بالنبذ والسخرية كما ذكر ذلك الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: "اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يحدثك عن أبيه عن نوح" وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: سأل رجل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن أبيه عن جده: أن سفينة نوح طافت بالبيت وصلت ركعتين؟ قال: نعم، فهذا عبد الرحمن بن زيد هو راوي حديث استغاثة آدم بمحمد، وحديث "لولا محمد ما خلقتك".
وأما ما قاله أئمة أهل الحديث في هذا الحديث أيضًا: فقد قال الشيخ محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان عن وسوسة دحلان" جوابًا على هذا الحديث، أقول: العجب من المؤلف أنه ينقل عن الذهبي ما قال في وصف كتاب "دلائل النبوة" ولم يذكر ما قاله في حق هذا الحديث بالخصوص. قال الذهبي في الميزان: عبد الله بن مسلم أبو الحارث الفهري عن إسماعيل بن مسلمة بن قعنب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خبرًا باطلًا. فيه: "يا آدم لولا محمد ما خلقتك" رواه البيهقي في دلائل النبوة. قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفيه من لم أعرفهم. وقال أيضًا في " الصارم المنكي" وإني لأتعجب منه، كيف قلد الحاكم فيما صححه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم الذي رواه في التوسل. وفيه قول الله لأدم: "لولا محمد ما خلقتك" مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل حديث ضعيف الإسناد جدًا. وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع. وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح، بل مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه. ولو كان صحيحًا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفًا غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم في تصحيحه، وتناقض تناقضًا فاحشًا، كما عرف له ذلك في غير موضع. فأنه قال في كتاب الضعفاء- بعد أن ذكر عبد الرحمن منهم- وقال: ما حكتيه عنه فيما تقدم: أنه روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه. وقال في آخر هذا
[ ٣٧٢ ]
الكتاب: فهؤلاء الذي قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة. فهم الذين أُبيِّن جرحهم لمن طالبني به. فإن الجرح لا أستحله تقليدًا والذي أختاره لصاحب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذي سميتهم. فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ: "من حديث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
هذا كله كلام الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك. وهو متضمن أن عبد الرحمن بن زيد قد ظهر له جرحه بالدليل، وأن الراوي لحديثه داخل في قوله ﷺ: "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين". ثم إنه ﵀ لما جمع المستدرك ذكر فيه من الأحاديث الضعيفة والمنكرة، بل والموضوعة، جملة كثيرة. وروى فيه لجماعة من المجروحين الذين ذكرهم في كتابه في الضعفاء، وذكر أنه تبين له جرحهم، وقد أنكر عليه غير واحد من الأئمة هذا الفعل وذكر بعضهم: أنه حصل تغير وغفلة في آخر عمره فلذلك وقع منه ما وقع وليس ذلك ببعيد. انتهى.
وأما قول الملحد: "والحجة المبالغة في هذا الحديث: هي أن الرسول ﵊ كان في عالم الغيب فهذا في الحجة مما كان بعد وفاته".
فالجواب: أن هذا الحديث ضعيف، بل محكوم عليه بالوضع. فحجة هذا الملحد فيه: أبلغ وأبلغ بالوضع والافتراء على الله تعالى وعلى رسوله ﷺ.
[ ٣٧٣ ]