وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على معنى هذا الحديث بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنّة.
قال رحمه الله تعالى: فتقدير ثبوت هذا الحديث فإن: "حق السائلين عليه ﷾" أن يجيبهم: "وحق المطيعين له" أن يثيبهم: فالسؤال والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته. فهو من التوسل به، والتوجه والتسبب به ولو قدر أنه قسم لكان قسمًا بما هو من صفاته تعالى. فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق. كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة.
وأما قول الملحد: "في هذا الحديث ثلاثة أدلة لنا: الأول توسله ﵊ بالمؤمنين إلى آخر ما قاله في هذا الدليل الباطل والفهم العاطل".
[ ٣٦١ ]
فنقول لهذا الملحد: كذبت. وكذّبت من قلدتهم من المحرفين أمثالك. فإن رسول الله ﷺ لم يتوسل بمخلوق، لا حي ولا ميت، بل أرسله الله تعالى بتحقيق توحيده ﷾، في عبادته وحده لا شريك له والنهي عن الشرك قليله وكثيره، وجهاده من أشرك معه أحدًا من خلقه، وأحل دماءهم وأموالهم حتى يكون الدين كله لله، وأنزل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر، الآيتان:٦٥-٦٦] ن وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية:٢٥] . ونصوص الكتاب والسنّة في ذلك كثيرة لا تخفى إلا على أعمى البصر والبصيرة أمثال هذا الملحد الذي لا يعرف من العبادة مسماها، أو صورة الصلاة والصيام وهي التي خلق الله الخلق لأجلها، وأرسل الرسل لتحقيقها له وحده لا شريك له في جميع أنواعها. فهي ما أجمع عليه علماء أهل السنّة وأئمتهم بأنها أمر جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال. والرسول ﵊ يقول: "الدعاء مخ العبادة" وقد صرف دعاة الشرك لولائجهم من الأموات والغائبين، مخلصين لهم الدعاء من دون الله تعال، مسمين شركهم هذا توسلًا وتشفعًا بهم وقد قادهم هذا الغلو في الأموات إلى إشراكهم مع الله تعالى في خالص عبادته بما لم يصل إليه شرك المشركين قبلهم فقد سفكوا لهم الدماء، وخصوهم بالدعاء، خاشعين لهم، متذللين من دون الله رب العالمين.
وأما قول الملحد: "الثاني: توسله ﷺ بشيء مجازي وهو المخرج".
فقد جهل هذا الملحج أن المخرج والممشى إلى الصلاة حقيقي لا مجازي. ثم صار يمخرق بتصريف حروف المخرج ليوهم أنه من أهل اللغة، وحاشاها الله، فهو أعدمي أخرق لأنه لا يعرف المجاز من الحقيقة.
وأما قوله: "الثالث: إيراد التوسل بصيغة القسم".
فهذا قد تقدم جوابه قريبًا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى
[ ٣٦٢ ]
على معنى هذا الحديث. وأما قول الملحد: "فهذا أبلغ وأبلغ في التذلل على الله تعالى من صيغة الرجاء".
فجوابنا عنه: أن هذا ابلغ وأبلغ في وقاحة هذا الملحد وجهله وضلاله، وذلك فيما أسنده إلى سيد المرسلين ﷺ من التدلل على الله تعالى، وفيما تجاوز به حد الأدب نحو العزيز الجبار ﷻ. فهذا الملحد لا يستحق النظر في كلامه فليس عنده من العلم ولا من العقل ما يستحق به ذلك بل هو ضال مضل متبع لهواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص، الآية:٥٠] .
[ ٣٦٣ ]