الفصل الأوّل: عصر البيهقي
لقد رأيت من الضروري - وقد اخترت مجال بحثي شخصية هامة من أبرز الشخصيات التي كان لها أثر بارز في حفظ التراث الإسلامي، وخدمته وتقديمه لطلابه في أبهى صوره وأكمل حالاته - رأيت من الضروري أن أقدم بين يدي دراستي لهذه الشخصية دراسة موجزة للظروف التي أحاطت بها وبيئتها التي ترعرعت في أكنافها. ذلك لأن عادة الباحثين في مجال كهذا قد جرت بذلك، وهو أمر من الضرورة بمكان، إذ إنه يمكن ذلك الباحث من الوقوف على العوامل التي كان لها دور فعال في نبوغ تلك الشخصية، وفي التأثير على اتجاهها، لأن الإنسان كما يتأثر ببيئته التي يعيش فيها ومشايخه الذين تلقى عنهم، فإنه بنفسه القدر يكون تأثره بالأحوال والظروف المحيطة به من الناحيتين: السياسية، وللاجتماعية. إذ إن هذه الظروف يكون لها - حتمًا - أثر بارز في المسلك الذي ينهجه من عايشها.
لذلك كان لزامًا علي وأنا أدرس شخصية إسلامية مهمة، أن أعطي القارئ فكرة موجزة عن عصرها من نواحي ثلاث:
١ - الناحية السياسية.
٢ - الناحية الاجتماعية.
٣ - الناحية العلمية.
[ ٢٥ ]
الناحية السياسية
عاش البيهقي - ﵀- في الفترة الواقعة ما بين عام أربعة وثمانين وثلاثمائة (٣٨٤) حيث كانت ولادته، وثمانية وخمسين وأربعمائة (٤٥٨) حيث كانت وفاته.
ومعنى ذلك أن البيهقي عاصر الدولة العباسية في أحلك أيامها حيث كان عهد الدويلات المتناحرة، وحيث أفل الوجود الفعلي للسلطة العليا.
فقد عاصر البيهقي من خلفاء بني العباس القادر بالله الذي تربع على عرش الخلافة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة (٣٧١)، أثر قبضه على الخليفة الطائع لله، وخلعه له [١] . واستمرت خلافته إلى حين وفاته سنة سبع وستين وأربعمائة (٤٦٧) [٢] .
وكان الضعف قد دب في أوصال الدولة العباسية منذ عهد الخليفة محمد المنتصر بن المتوكل، الذي تواطأ مع جماعة من الأمراء سنة سبع وأربعين ومائتين على قتل أبيه المتوكل [٣] . ذلك الرجل العظيم الذي أعز الله به السنة، وقمع به البدعة، حين أنهى مهزلة دامت ردحًا طويلًا من الزمن امتحن فيها أئمة عظام من أئمة أهل السنة، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ﵁، ألا وهي محنة القول بخلق القرآن.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية١١/٣٠٨. ٢ المصدر نفسه١٢/١١٠. ٣ المصدر نفسه١٠/٣٤٩.
[ ٢٦ ]
فبعد مقتل هذا الخليفة العظيم، بدأت الفتن تستشري والأحوال تضطرب، وسلطان الخلفاء يتلاشى، وذلك بسبب اعتمادهم على الفرس والترك وفتكهم ببني أمية ومناصبتهم العلويين العداء، وظهور كثير من الطوائف المارقة عن الدين، مما أدى في نهاية الأمر إلى سقوطها في أيدي التتار سنة ست وخمسين وستمائة، بعد مقتل آخر خلفائها أبي أحمد، عبد الله المستعصم على يد هولاكو خان [١] .
لذلك فإن هذين الخليفتين اللذين عاصرهما البيهقي يعتبران من آخر خلفاء بني العباس، وكان تربعهما على عرش الخلافة اسمًا فقط، أما السلطة الفعلية فقد سلبت منهم إذ أصبحوا ألعوبة في يد البويهيين والسلاجقة، الذين بالغوا في إذلالهم، حتى بلغ بهم الأمر إلى أن ضيقوا عليهم حتى في حياتهم الخاصة، واضطروهم إلى بيع ما يملكون، فضاقت على الخليفة رقعة بلاده رغم اتساعها، فلم يبق له غير بغداد وأعمالها، وحتى هذه لم تكن له عليها سيطرة كاملة [٢] .
ومع ذلك فقد كان الخليفة آنذاك يتمتع بقوة معنوية عظيمة، جعلت الحكام والسلاطين يحرصون على الظفر بموافقته حتى يكتسبوا الصفة الشرعية فكان يستقبل السفراء، ويلبس بردة الرسول ﷺ، ويضع أمامه مصحف عثمان توكيدًا لسلطته الدينية [٣] .
ولا يخفى أن حالًا كهذه، مشجعة لذوي الطموحات للظفر بالسلطة كي يتسببوا في التمرد الذي يؤدي إلى الانقسام، وهذا ما حدث فعلًا في جهات كثيرة من نواحي الدولة العباسية آنذاك.
_________________
(١) ١ تاريخ الأمم الإسلامية للخضري٢/٤٨٠. ٢ تاريخ الإسلام السياسي، د. حسن إبراهيم حسن٣/٢٤٩. ٣ المصدر نفسه.
[ ٢٧ ]
فناحية المشرق - وهي الجهة التي كان يقطنها البيهقي - تنازعتها في تلك الفترة ثلاث دول.
١ - الدولة البويهية من ٣٣٤- ٤٤٧هـ.
٢ - الدولة الغزنوية من ٣٥١- ٥٨٢هـ.
٣ - الدولة السلجوقية من ٤٢٩- ٥٢٢هـ.
فالبويهيون كانت لهم السيطرة على بغداد ونواحيها، وقد استبدوا بأمر الدولة، رغم قربهم من مقر الخليفة، حيث شاركوه في بعض مظاهر الخلافة، إذ كان الأمير البويهي هو الذي يتولى إصدار الأوامر، أما الخليفة فما عليه إلا توقيعها، لتأخذ صفة الشرعية أمام الرأي العام.
وأما الدولتان الأخريان فقد كانتا في خراسان، ناحية شيخنا البيهقيئ، وقد كان الأمراء فيهما يستقلون بالتصرف في شؤونها، دون رجوع إلى الخليفة في ذلك.
وقد كانت معاصرة البيهقي في صدر حياته للنغزنويين، وهم في أوج قوتهم، إذ كانت لهم السيطرة الكاملة على هذه البلاد في أواخر القرن الرابع، وأوائل القرن الخامس الهجريين، وكان السلطان محمود بن سبكتكين المتوفى سنة إحدى وعشرين وأربعمائة من أعظم ملوكهما، وأكثرهم فتوحًا، وأشدهم بطشًا بأعدائه، حتى ألقى بزعماء السلاجقة في غياهب السجون [١] .
_________________
(١) ١ تاريخ دولة آل سلجوق، لعماد الدين الأصفهاني ص: ٦.
[ ٢٨ ]
وما إن توفي هذا السلطان، حتى دب النزاع بين ولديه بشأن الملك مما شجع السلاجقة على تجميع صفوفهم، وإعادة كرتهم في محاولة الاستيلاء على خراسان، حتى تمكنوا من ذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وأعلنوا قيام دولتهم في هذا التاريخ، إلا أن اعتراف الخليفة العباسي بهما تأخر حتى عام اثنين وثلاثين وأربعمائة [١] .
وهذا من أوضح الشواهد على ضعف سلطان الخليفة، لأن حدوث الخلافات بين الأمراء في الولايات التابعة له، واقتتالهم من أجل السلطة وعدم تدخله لحسم النزاع فيما بينهم، إلى حين تمام الغلبة لأحد الفريقين فيكون تدخله حينئذ قاصرًا على الاعتراف بالسلطة الجديدة، التي تمت دون إرادة منه، ذلك كله يدل على أنه لم يكن له حول ولا طول، وأنه مغلوب على أمره.
وقد بلغ من تحرج مركزه وضعفه، وانتزاع سلطانه منه، أن عمت الفوضى البلاد، وكثر فيها الفساد.
أما بقية أنحاء العالم الإسلامي، فلم تكن بأحسن حالًا من المشرق فقدكانت مشتتة على رأس كل منها أمير أو خليفة،. فالأمويون في الأندلس ينازهم العلويون من ذرية إدريس بن عبد الله، فكانت الحال هناك في اضطراب يشبه ما كان في المشرق، ويزيد عليه [٢] .
_________________
(١) ١ العبر في ديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون٣/٤٥٢. ٢ تاريخ الأمم الإسلامية للخضري٢/٤٠٠.
[ ٢٩ ]
أما أفريقيا، ومصر، والشام، فقد تعاقب عليها تلك الفترة أمراء فاطميون، إلى غير ذلك من الانقسامات التي تميز بها ذلك العصر، مما كان له أثره البالغ في تفرق كلمة المسلمين، وإطماع أعدائهم في النيل منهم.
وقصارى القول: أن عصر البيهقي تميز بكثرة الدويلات الإسلامية المتناحرة، وانعدام االسلطة المركزية، وتفشي الفساد السياسي، وكثرة القتل والنهب والترويع، الأمر الذي أقضّ مضاجع العلماء في ذلك العصر ومنهم البيهقي.
ولا ريب أن فساد الحالة السياسية سينعكس على الحالة الاجتماعية كما ستبيّن فيما يلي.
[ ٣٠ ]
الناحية الاجتماعية
لقد اتضح لنا فيما سبق أن الحالة السياسية في تلك الحقبة من أيام الدولة العباسية - التي عاصرها البيهقي - قد بلغت من الفوضى أقصاها فليس لنا بعد ذلك أن نتصور الحالة الاجتماعية طيبة ثابتة، لأن الفزع والرعب سيطرا على القلوب، حتى أصبح لا يطمئن أحد من الناس على نفسه وماله، فمن المعلوم بداهة أن الحروب تحدث دائمًا تأثيرًا بالغًا في حياة المجتمعات التي تعاصرها، لأنها تنهك الاقتصاد، وتقضي على موارد البلاد، وتشجع على إشاعة الفوضى في شتى ميادين الحياة.
فبدلًا من أن يعنى الحكام بالموارد الشرعية للدولة، وتوزيع نتائجها توزيعًا عادلًا بين الناس، نراهم يسلكون لجمع المال طرقًا غير سليمة، فالغنائم الحاصلة من الحروب فيما بينهم تشكل أهم الموارد لأموال الدولة، كما أن أموال الناس التي كانت تصادر لأتفه الأسباب تشكل موردًا آخر [١] .
وبيوت الحكام كانت تتعرض في بعض الأحيان للنهب والسلب من قبل جنودهم الخارجين عليهم [٢] .
فإذا كان الحكام أنفسهم يتطلعون لما في أيدي الآخرين ويتحينون الفرص لضمه لما في أيديهم، وإذا كانت منازلهم قد تعرضت للسلب والنهب فكيف لنا أن نتصوّر المجتمع الذي يحكمونه بمساعدة أولئك الجند، كيف يمكن أن نتصوّره إلا راسخًا في أوحال تلك الفوضى؟
_________________
(١) ١ الكامل لابن الأثير٧/١٨٢-٢٠٦. ٢ الكامل٨/٢، وشذرات الذهب لابن العماد٣/٢٠٤.
[ ٣١ ]
فإن أولئك الأجناد، كانوا إذا غضبوا على الحاكم تمردوا عليه، ونهبوا أمواله، ثم التفتوا إلى أموال الناس فنهبوها، وقتلوا من يقف في طريقهم، كما حدث في سنة سبع عشرة وأربعمائة [١] .
إن حالًا كهذه تؤكد لنا المعاناة التي كان يعيشها الناس، فضعف السلطان كان سببًا مباشرًا لشيوع شريعة الغاب بين الناس في ذلك العهد حين استفحل أمر اللصوص فأغاروا على المنازل في وضح النهار، حتى إذا لم يجدوا شيئًا مما يريدون في المنزل الذي أغاروا عليه أخذوا صاحبه، وتفننوا في تعذيبه حتى يرشدهم إلى المكان الذي أخفى فيه ماله - إن كان له مال - كما حدث من جماعة العيارين ببغداد [٢] .
واشتد أمر هؤلاء المجرمين سنة أربع وعشرين وأربعمائة وست وعشرين وأربعمائة، حين أخذوا أموال الناس عيانًا، وقتلوا صاحب الشرطة، ونهبوا المتاجر، وأظهروا الفسق والفجور، والفطر في رمضان [٣] .
وقد صاحب هذه الحوادث المروعة غلاء شديد في المعيشة، فقد اشتد الغلاء بخراسان جميعها وعدم القوت، فكان الإنسان يصيح: الخبز، الخبز ويموت [٤] .
ولم تكن الحالة في العراق بأحسن مما هي عليه في خراسان، فقد اضطر الناس من شدة الجوع - إلى أكل الكلاب والحمر [٥] .
_________________
(١) ١ الكامل٧/٣٢٥. ٢ شذرات الذهب٣/٢٠٤، والكامل٧/٣٢٣. ٣ شذرات الذهب٣/٢٢٦-٢٢٩. ٤ الكامل٧/٢٥٥. ٥ شذرات الذهب٣/١٩٢.
[ ٣٢ ]
وزاد الأمر سوءا تفشي الرذيلة في العراق، لضعف الحكم، فانتشر شرب الخمر، وكثرت المواخير، وظهرت موجة انحلال خلقي [١] .
كما كان للكوارث الأخرى من أوبئة وزلازل دورها في تنغيص العيش وإنزال النكبات، وتدهور الأحوال، فقد انتشرت الأوبئة، وعمت جميع البلاد وكثر الموت في الناس، حتى عجزوا عن أن يتدافنوا من كثرة الموتى [٢] .
كما وقع سنة أربع وأربعين وأربعمائة زلزال عظيم بخراسان هلك بسببه كثير، وكان أشده بمدينة بيهق، ناحية شيخنا البيهقي [٣] .
وخلاصة القول: أنك إذا استعرضت صفحات التاريخ لتلك الحقبة من الزمن وجدتها تطالعك بحوادث مروعة تعكس مدى الوضع الاجتماعي المتدهور، الذي عاشه الناس في ذلك العصر، فمن نهب وسلب، إلى قتل وانتهاك للحرمات، إلى جوع شديد يصير من اعتراه إلى الموت في أحيان كثيرة، إلى زلازل وأوبئة فتّاكة.
فهي فترة عصيبة، اتسمت حياة أهلها الاجتماعية، بمثل ما كانت عليه من الناحية السياسية، التي انعكست أحداثها الرهيبة على الوضع الاجتماعي الذي وصل إلى مثل ما وصلت إليه من انحطاط رهيب يشيب لهوله الولدان فإنا لله وإنا إليه راجعون.
_________________
(١) ١ ظهر الإسلام لأحمد أمين١/١٢٤. ٢ الكامل٤/٥٥، و٨/٣. ٣ الكامل٨/٦٤.
[ ٣٣ ]
أما الحالة العلمية فسنرى في المبحث التالي كيف أنها كانت على العكس من الحالتين السالفتين، حيث بذل العلماء جهودًا مضنية للحفاظ على العلم، ومحاولة جعله بعيدًا عن التأثيرات السلبية للأحداث السابقة حتى كان ذلك، العصر - بحق - عصر النهضة العلمية كما سيتضح لنا ذلك في المبحث التالي إن شاء الله.
[ ٣٤ ]
الحالة العلمية
إن من يطلع على الأحوال السياسية والاجتماعية في ذلك العصر، ويقف على ما وصلت إليه من سوء وانحطاط، فإنه لا يبعد بالناحية العلمية عنهما بل يتصورها كما وجد في الحالتين الأخريين، إلا أن الواقع كان خلاف ذلك فإن سوء الحالتين السياسية والاجتماعية لم يكن له أي أثر سلبي على الناحية الثقافية فقد عرفت تلك الحقبة من الزمن أنها كانت من أزهى عصور الإسلام الثقافية، إذ توافر فيها عدد ضخم من رواد العلم والثقافة، ففيها عاش أئمة المحدثين وجهابذة المفسرين وأساطين الأدباء، ومشاهير الفلاسفة وأرباب الكلام، وكانت الثقافة قد بلغت أوجها، والاهتمام بالتأليف بلغ ذروته.
وها نحن اليوم نعيش أثر تلك النهضة العلمية الجبارة فنستقبل كل يوم من كتبهم أسفارًا ضخمة يقدمها لنا المحققون في عصرنا الحاضر، وما بين أيدينا اليوم من تراثهم الوفير إنما هو غيض من فيض، لأنهم قدموا لطلاب العلم والثقافة آلاف المجلدات في كلّ فنّ، إلا أن الحروب الدامية لم تقتصر على إراقة دماء البشر، بل امتدّ أوارها حتى أتى على كثير من مكتبات العالم الإسلامي، كما حدث إبان إغارة التتار على بغداد، التي كانت مكتباتها تزخر بدرر العلم، التي جادت بها قرائح علمائنا الأجلاء في ذلك العصر وقبله وبعده.
وقد بلغ الاهتمام بنشر العلم في ذلك العصر، إلى حدّ أن بعض كبار العلماء قام بإنشاء مدارس مستقلة عن المسجد لأوّل مرة في تاريخ الإسلام الأمر الذي كان له أكبر الأثر في الإقبال على التحصيل، وتشجيع طلاب العلم وصيانته عن أيدي العابثين.
[ ٣٥ ]
ويعتبر البيهقي من أوّل من ساهم في إنشاء تلك المدارس، حيث قام بإنشاء مدرسة بنيسابور، عرفت باسمه، وعنها وعن غيرها من المدارس التي ظهرت في ذلك العصر يقول المقريزي في خططه: "ويعتبر ظهور المدرسة في هذا العصر بشكل مستقل عن المسجد خير دليل على الاهتمام بالعلم وكانت الأولى هي المدرسة البيهقية بنيسابور التي تعددت فيها المدارس بعد ذلك" [١] .
ويذكر تاج الدين السبكي عددًا من المدارس التي كانت بنيسابور في ذلك العصر، بالإضافة إلى مدرسة البيهقي التي ذكرها المقريزي ومن تلك المدارس: المدرسة السعدية، بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود، لما كان واليًا بنيسابور، ومدرسة ثالثة بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الإستراباذي، ومدرسة رابعة بنيسابور أيضًا بنيت للأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني [٢] .
كما قام الوزير نظام الملك، الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ببناء مدارس جديدة، مدرسة ببغداد، ومدرسة ببلخ، ومدرسة بنيسابور، ومدرسة بهراه، ومدرسة بأصبهان، ومدرسة بالبصرة، ومدرسة بمرو، ومدرسة بآمل طبرستان، ومدرسة بالموصل [٣] . وهذه المدارس تعرف بالمدارس النظامية [٤] .
_________________
(١) ١ الخططة للمقريزي٢/٣٦٣. ٢ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي٤/٣١٤. ٣ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي٤/٣١٤. ٤ كان أشهر هذه المدارس مدرسة نيسابور التي كان يدرس بها إمام الحرمين الجويني.
[ ٣٦ ]
وقد كان لتعدد المدارس في ذلك العهد أثر كبير في انتشار العلوم الإسلامية وكثرة العلماء.
ولعل من أهم الأسباب التي حدت بذوي الشأن لإقامة هذه المدارس أن المساجد لم يكن يحسن تخصيصها للتدريس بما يتبعه من مناظرة وجدل، قد يخرج بأصحابه أحيانًا عن الأدب الذي تجب مراعاته للمسجد [١] .
فالقرن الرابع كان بداية ظهور هذه المعاهد، التي بقيت طريقة متبعة إلى أيامنا هذه.
ومما سلف يتضح لنا أن نيسابور كانت مهد هذه المعاهد، فكانت بذلك تضاهي بغداد، حاضرة العلم والعلماء في ذلك العصر.
وقد بلغت العناية بالعلم وطلابه إلى حد أن كثيرًا من أهل الفضل كانوا ينفقون على الطلاب من مالهم الخاص، ويقفون عليهم كتبهم، كما حدث من أبي بكر البستي الذي بنى مدرسة لطلاب العلم على باب داره، وأوقف عليها جملة من ماله الوفير، وهذا الرجل كان من كبار المدرسين والمناظرين بنيسابور [٢] .
وهكذا نتبين أن الحالة العلمية في ذلك العصر كانت قد بلغت أرقى درجاتها، وأن تلك الحقبة قد تميزت بابتكار أسلوب جديد للتعليم، وهو إنشاء المدارس مستقلة عن المسجد، وإن تلك الناحية من البلاد الإسلامية كانت ثرية بأعلام العلماء، ولا أدل على ثرائها بهم مما ذكره الذهبي من
_________________
(١) ١ انظر: الحضارة الإسلامية لآدم متز١/٣٣٦. ٢ طبقات الشافعية للسكبي٤/٨٠.
[ ٣٧ ]
أن الخطيب البغدادي المتوفى سنة: ٤٦٣هـ، أراد الرحلة إلى ابن النحاس في مصر فاستشار البرقاني في ذلك فقال له: "إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، فإن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة فخرج إلى نيسابور" [١] .
ويقول المقدسي عن أهل خراسان: "إنهم أشد الناس فقهًا، وهم أكبر الأقاليم علمًا" [٢] .
وهكذا نرى أن الإمام البيهقي عاصر نهضة علمية جبارة كان له فيها نصيب الأسد، فاقترن اسمه بها منذ ذلك العهد، لمشاركته الإيجابية وأثره في مدارسها معلمًا ومتعلمًا.
_________________
(١) ١ تذكرة الحفاظ٣/١١٣٧. ٢ أحسن التقاسيم ص: ٢٩٤، ٣٢٢، ٣٣٤.
[ ٣٨ ]
الفصل الثاني: سيرة البيهقي
اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن الحسين بن عليّ بن عبد الله بن موسى.
ولم يتفق المؤرخون على ذكر نسبه بهذه الطريقة، لأن منهم من وقف عند جده الأوّل علي [١]، ومنهم من اقتصر على ذكر جده الثاني عبد الله [٢]، وجماعة ثالثة استوفت ذكر نسبه إلى جده الثالث موسى [٣] .
إلاّ أن اختلافهم هذا لا يعني شيئًا سوى إرادة الاختصار من بعضهم وإرادة الاستيفاء من بعضهم الآخر.
إلاّ أن للسمعاني خلافًا جوهريًا حين قدم جده الثالث على جده الثاني فقال: "أحمد بن الحسين بن عليّ بن موسى بن عبد الله، وتابعه عليه ابن الأثير في تهذيبه للأنساب [٤] .
كما أن الذهبي في سير أعلام النبلاء وتذكرة الحفاظ ذكر موسى جدًا ثانيًا للبيهقي مع إغفال جده الثالث [٥] .
_________________
(١) ١ الكامل لابن الأثير٨/١٠٤، وشذرات الذهب٣/٣٠٤. ٢ النجوم الزاهرة٥/٨٧، وكشف الظنون١/٥٣. ٣ البداية والنهاية١٢/٩٤، وطبقات الشافعية للسبكي٤/٨. ٤ الأنساب للسمعاني١/١٠١، واللباب لابن الأثير١/٢٠٢. ٥ سير أعلام النبلاء١١/ ل١٨٤، وتذكرة الحفاظ٣/١١٣٢.
[ ٤١ ]
وهذا يشير إلى خلاف في أيهما الجد الثاني من الثالث للبيهقي هل هو عبد الله أو موسى، فالسمعاني، وتابعه ابن الأثير والذهبي ذكروا موسى جدًا ثانيًا للبيهقي، أما بقية المؤرخين المستوفين لنسب البيهقي حتى الجد الثالث فذكروا موسى جدًا ثالثًا، وعبد الله ثانيًا.
ولعل تقديم عبد الله على موسى هو الأرجح، لأن ذلك ما فعله ابن عساكر الذي يعتبر من أقرب المؤرخين في عهد البيهقي [١] .
كنيته ولقبه
أما كنيته فأبو بكر، وأما لقبه فيلقب بالحافظ، ولم أجد مخالفًا في إطلاق تلك الكنية وهذا اللقب اللذين اشتهر بهما البيهقي، وانفرد حاجي خليفة بتلقيبه بشمس الدين [٢] .
نسبته
وينسب شيخنا إلى خُسْرَوْ جِرْد [٣]، وإلى بيهق [٤]، فيقال الخسرجردي البيهقي.
_________________
(١) ١ تبيين كذب المفتري ص: ٢٦٦. ٢ كشف الظنون١/٥٣. ٣ خسرو جرد بضم الخاء المعجمة، وسكون السين المهملة وفتح الراء وسكون الواو، وكسر الجيم، وسكون الراء، وفي آخرها الدال المهملة، قرية من ناحية بيهق. كذا قال السبكي في الطبقات الكبري٤/٩. ٤ بيهق ناحية كبيرة، وكورة واسعة، كثيرة البلدان والعمارة من نواحي نيسابور، تشتمل على ثلاثمائة وإحدى قرية وقد أخرجت الكورة من لا يحصى من الفضلاء، والعلماء، والفقهاء، والأدباء ذكر ذلك ياقوت في المعجمة١/٥٣٧، ٥٣٨.
[ ٤٢ ]
أما نسبته إلى خسرو جرد فلأنها القرية التي كانت مسقط رأسه وأما نسبته إلى بيهق فلأنها الناحية التي دفن بها، والتي تضم فيما بين قراها خسر وجرد، التي تعتبر عاصمتها.
وقد ينسب - ﵀ - إلى نيسابور [١]، لأنها قد حظيت بمقدمه إليها، وبها كان جل نشاطه العلمي، إذ عقد فيها المجلس لإسماع كتبه لعلمائها، وطلاب العلم فيها، فأصبحت شهرته مرتبطة بها، وممن نسبه إليها الذهبي وابن عساكر [٢] .
مولده
ولد﵀- بخسرو جرد في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة [٣] وقد أجمعت المصادر التاريخية على ذلك، عدا ما ورد في
_________________
(١) ١ قال ياقوت: "نيسابور: بفتح أوّله، والعامة يسمونها نشاوور، وهي مدينة عظيمة، ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، ومنبع العلماء، لم أر فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها، وكان المسلمون قد فتحوها أيام عثمان بن عفان ﵁ ". معجم البلدان ٥/٣٣١. ٢ تبيين كذب المفتري ص: ٢٦٥، سير أعلام البلاء ١١: ل ١٨٤. ٣ انظر مختصر طبقات المحدثين لابن عبد الهادي ص: ٢٠٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي ١١: ل ١٨٤، وتذكرة الحفاظ٣/١١٣٢، وطبقات الشافعية للسبكي٤/٩، والبداية والنهاية١٢/٩٤.
[ ٤٣ ]
الكامل لابن الأثير من أن ولادته كانت سنة سبع وثمانين وثلاثمائة [١] . إلاّ أن هذا خطأ واضح، لأنه هو نفسه وافق في لبابه بقية المؤرخين على التاريخ السابق [٢] .
أسرته
أما أسرة البيهقي التي ترعرع في أكنافها، فإن المراجع التاريخية التي عنيت بحياته التزمت الصمت حيالها، فلم تذكر لنا عن أبيه شيئًا، ولا عن حال أسرته من الناحية العلمية والاجتماعية.
إلاّ أن نبوغ البيهقي في شتى مجالات العلم يدلنا دلالة واضحة على أن أسرته كانت تضع العلم في مقدمة اهتماماتها، مما كان له أثره البالغ في اتجاه ابنها إليه، وقصر اهتمامه عليه.
كما أن ذلك يدلنا أيضًا على أن تلك الأسرة كانت ميسورة الحال مما جعل ابنها يتفرغ، وينتج على أن الفقر - إن قدر أنه هو واقعها - لا يمكن أن يثني همة البيهقي لشغفه بالعلم، مما جعله لا يهتم بحطام الدنيا، بل يكتفي منها بما يسد رمقه، ويقيم صلبه، شأنه في ذلك شأن سلفه من علماء الأمة وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، وشيخه الشافعي، ومع ذلك حصل لهما من العلم والنبوغ ما جعلهما من أعظم أئمة الإسلام.
_________________
(١) ١ الكامل٨/١٠٤. ٢ اللباب١/٢٠٢.
[ ٤٤ ]
أمّا أبناؤه فقد لاحظنا اهتمام المؤرخين بذكر ابن له وحفيد، ولم يتعرضوا لغيرهما، ذلك لأنهما شاركاه في حياته العلمية، وخاضا معه غمارها وتتلمذا على يديه، وهما: ابنه إسماعيل بن أحمد، وحفيده أبو الحسن عبيد الله بن محمّد بن أحمد. وسيأتي إن شاء الله زيادة بيان لحياتهما عندما نتحدث عن تلاميذه فيما بعد.
وفاته
أجمعت المصادر التاريخية على أن وفاة البيهقي كانت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة بنيسابور، ومنها نقل في تابوت إلى بيهق حيث دفن بها [١] .
وقد وجد خلاف في الشهر من ذلك العام، فابن الأثير وابن تغري بردى يذكران أنها كانت في جمادى الآخرة [٢] . أما من سواهما فاتفقوا على جمادى الأولى، ولعله الأصح لأن منهم من حدد اليوم بالعاشر منه، مما يدل على زيادة يقين.
_________________
(١) ١ انظر: المصادر السابقة. ٢ الكامل٨/١٠٤، والنجوم الزاهرة٥/٧٧، وانظر عن حياة البيهقي سوى ما تقدم: طبقات الشافعية للأسنوي ص: ١٩٨-٢٠٠، والعبر للذهبي ٣/٣٤٢، وطبقات الشافعية لابن هداية الله (ص)، وطبقات الحفاظ للسيوطي ص: ٤٣٣-٤٣٤،ودائرة المعارف الإسلامية لأحمد شاكر ٤/٤٢٩،والأعلام للزركلي١/١١٣.
[ ٤٥ ]
وانفرد ياقوت الحموي بأن وفاته كانت سنة أربع وخمسين وأربعمائة [١] .
وكانت وفاته - ﵀ - بعد عمر مديد بلغ أربعًا وسبعين سنة كله خير وبركة، إذ بذل الجزء الأعظم منه خادمًا للعلم وطلابه، فكان عطاؤه العلمي الوفير منارة شامخة من منارات العلوم الإسلامية الخالدة، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
_________________
(١) ١ معجم البلدان١/٥٣٨.
[ ٤٦ ]
الفصل الثالث: نشأته العلمية
لقد بدأ البيهقي﵀- حياته العلمية في سن متأخرة نسبيآ بالنظر إلى أبناء عصره، إذ بدأ بسماع الحديث وهو في سن الخامسة عشرة من عمره١.
وليس بعيدًا أن يكون قد بدأ بحفظ القرآن الكريم قبل بدئه بسماع الحديث، لأن ذلك من عادة العلماء في ذلك العصر، وإن كنا لا نجد في المصادر التاريخية ما يشير إلى ذلك.
ويذكر المؤرخون أن أوّل سماعه كان من مشايخ خراسان٢، ثم رحل إلى أماكن شتى في سبيل طلب العلم، فكانت مرحلة التلقي قد بدأت برحلة إلى خراسان، وفيما يلي نذكر رحلاته العلمية التي كان لها أثر كبير في تحصيله وسعة علمه.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء١١/ ل١٨٤. ٢ قال ياقوت: "خراسان بلاد واسعة، أوّل حدودها مما يلي العراق أزاذوار، قصبة جوين وبيهق، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان، وغزنة وسجستان، وكرمان. وليس ذلك منها، إنما هو أطراف حدودها". معجم البلدان ٢/٣٥٠.
[ ٤٩ ]
رحلاته العلمية
لقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - حريصين على عدم مغادرة المدينة في حياة النبي ﷺ، لأن حبهم العظيم له جعلهم لا يقوون على الابتعاد عنه، لذلك وجدنا المكثرين من رواية الحديث عنه لازموا المدينة حتى وفاته ﵇، ولم يغادروها الاّ لحاجة، ثم يعودوا إليها.
حتى كان عهد الفتوحات الإسلامية في زمن الخلفاء الراشدين حيث بدأت رحلاتهم، وخروجهم من المدينة، فانتشروا في الأمصار، حاملين معهم حديث رسوله الله ﷺ. ولم يكونوا جميعًا بدرجة واحدة في التحمل من رسوله الله ﷺ، بل كان أحدهم يسمع ما لا يسمعه الآخر، ويحفظ ما نسيه غيره، مما جعلهم هم أنفسهم يرحلون إلى بعضهم لسماع حديث اختص بتحمله واحد منهم دون سواه، أو التثبت من حديث بلغه ذكره عن أحدهم، فكانت الرحلة لطلب الحديث منذ ذلك الحين سنة متبعة، سلكها علماء هذا الفن الشريف، حتى حملت إلينا كتب التاريخ عجائب رحلاتهم، فقد كان أحدهم يقطع المسافات الشاسعة لسماع حديث واحد بلغه عن غيره.
فهذا الصحابي الجليل، جابر بن عبد الله ﵄ يقول: "بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرًا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: تعم، فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني أنك سمعته
[ ٥٠ ]
من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت، أو أموت قبل أن أسمعه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الناس يوم القيامة – أو قال العباد – عراة غرلًا بهمًا" قال: قلنا وما بهما؟ قال: ليس معه شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات ١.
وكانت الرحلة في عهد التابعين أوسع، لأن كل واحد منهم كان يطمع في الحصول على أكبر قدر ممكن من حديث رسول الله ﷺ، ولا يستطيع ذلك إلاّ بالرحلة إلى أقطار شتى، حيث تفرق فيها الصحابة رضوان الله عليهم.
وثمة عامل آخر للرحلة، وهو طلب علو الإسناد، فكان بعضهم إذا بلغه الحديث بواسطة شخص ما عن أحد الصحابة يحرص على سماعه من الصحابي نفسه فيرحل إليه، وإذا بلغه عن شخص بينه وبين الصحابي آخر، وكان الصحابي قد مات يحرص أيضًا على سماعه ممن سمعه من الصحابي مباشرة لإسقاط إحدى الواسطتين حتى يعلو إسناده.
وهكذا أصبحت الرحلة لطلب العلم سنة متبعة بين طلابه.
وقد حرص البيهقي - ﵀ - على أن يحوز ما أمكنه من حديث رسول الله ﷺ، فسلك هذه الطريقة التي سنها الصحابة
_________________
(١) ١ مسند أحمد٣/٤٩٥.
[ ٥١ ]
والتابعون، فرحل إلى خراسان، والعراق، والحجاز، وفيما يلي عرض لهذه الرحلات، وأسماء بعض شيوخه الذين أخذ عنهم فيها:
رحلته إلى خراسان
ذكر الذهبي أن البيهقي - ﵀ - بدأ سماع الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة من أبي الحسن محمد بن الحسين العلوي والحاكم أبي عبد الله الحافظ وعبد الله بن يوسف الأصبهاني، وأبي علي الروذباري وأبي عبد الرحمن السلمي، وأبي بكر بن فورك ثم سرد عشرين شيخًا من أوّل من سمع منهم البيهقي١.
وفي تذكرة الحفاظ ذكر هؤلاء الستة الذين نقلتهم عنه من سير أعلام النبلاء، ثم ذكر أن سماعه منهم كان بخراسان٢، كما ذكر هؤلاء أيضًا ابن هداية الله، وذكر أن سماعه منهم كان أيضًا بخراسان٣.
وذلك كله يؤكد لنا أن سماعه بخراسان لم يسبقه سماع بغيرها، فبدأ الرحلة قبل السماع من علماء بلده بيهق، وبهذا يتحدد لنا تاريخ رحلته إلى خراسان بعام تسعة وتسعين وثلاثمائة، وهي السنة التي شهدت بداية طلبه لعلم الحديث.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء١١/ ل١٨٤. ٢ تذكرة الحفاظ٣/١١٣٢. ٣ مختصر طبقات المحدّثين ص: ٢٠٠.
[ ٥٢ ]
رحلته إلى العراق
كما رحل البيهقي - ﵀ - إلى العراق قاصدًا حاضرة العلم والعلماء في ذلك الوقت، مدينة بغداد، وسمع بها من هلال بن محمد بن جعفر الحفار وعلي بن يعقوب الأيادي، وأبي الحسين بن بشران وطبقتهم١.
ثم توجه إلى الكوفة أيضًا قاصدًا علماءها، فأفاد بها من جناح بن نذير القاضي وغيره٢.
ولم أجد ذكرًا لتاريخ رحلته هذه، ولا المدة التي قضاها في كل من بغداد والكوفة، إلاّ أن السبكي يشير إلى أن ذلك كان وهو في طريقه إلى الحج٣.
رحلته إلى الحجاز
ولما كان الحجاز يضم مهوى أفئدة المسلمين، شد البيهقي رحاله إليه، قاصدًا مكة المكرمة، لأداء فريضة الحجّ، ولكنه رأى هذه المناسبة فرصة سانحة للاستفادة من علماء البلد الحرام، فجلس فيها إلى الحسن بن أحمد بن ضراس، وأبي عبد الله بن نظيف، وغيرهما. فأفاد منهما فائدة كبيرة٤.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١١/ل ١٨٤، ومختصر طبقات المحدّثين ص: ٢٠٠. ٢ المصدر نفسه. ٣ طبقات الشافعية٤/٨. ٤ طبقات الشافعية٤/٨، ومختصر طبقات المحدّثين ص: ٢٠٠.
[ ٥٣ ]
وهذه الرحلة – كسابقتها – لا يعرف لها تاريخ، إذ إن حياة البيهقي يكتنفها شيء من الغموض في بعض جوانبها، ومن تلك الجوانب تحركاته لتحصيل العلم، إذ لم نجد تفصيلات كافية عن مدى الفائدة التي حصلها من كل رحلة وإن كانت رحلاته في جملتها ذات أثر عظيم في تكوينه العلمي.
ويذكر الأستاذ السيد أحمد صقر في مقدمته (لمعرفة السنن والآثار) أن للبيهقي تحركات كثيرة في البلدان المجاورة لموطنه، إذ سمع بكنوقان واسفرايين، وطوس، والمهرجان، وأسداباذ، وهمذان، والدامغان وأصبهان والري، والطابران١.
إلًا أنني لم أجد ذكرًا لمشايخه بها، لذلك اقتصرت على رحلاته التي أطلعنا على شيوخه الذين أفاد منهم خلالها.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار، مقدّمة المحقّق ص: ١.
[ ٥٤ ]
الفصل الرابع: شيوخه وتلاميذه
شيوخه
لقد كان العلماء في ذلك العصر يحرصون على بذل أقصى جهدهم من أجل تحصيل أكبر قدر من العلم، لذلك نرى الكثرة في مشايخ كل منهم ظاهرة طبيعية، والبيهقي - ﵀ - معروف بأنه واسع العلم، كثير الاطلاع، موفور الإنتاج ومن أبرز الأسباب التي وصل بها إلى تلك المكانة السامقة، تتبعه لعلماء عصره، وأخذه عن المبرزين منهم، فأكثر من المشايخ الذين كان لهم الأثر البالغ في حياته العلمية، فيذكر تاج الدين السبكي أن شيوخه يبلغون أكثر من مائة شيخ١.
واستقصاء ذكر شيوخه ليس من غرضنا، وكثرتهم تحول دون ذلك - إن أردناه - لذلك أكتفي بذكر ترجمة موجزة لأبرز المؤثرين في مجرى حياته وتكوينه العلمي.
والبيهقي - ﵀ - كما برز في الحديث، فإنه أنتج في الفقه والعقيدة، وبرز فيهما أيضًا، لذلك سنأخذ بعين الاعتبار أبرز مشايخه الذين تأثر بهم في كل مجال.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٤/٩.
[ ٥٦ ]
فأمّا الحديث فأجمع المؤرخون على أن أشهر أساتذته فيه الحاكم أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحافظ.
كما ذكر السبكي أن أكبر شيخ له في هذا المجال أبو الحسن محمد نجده الحسين العلوي، وأنه سمع الكثير منه١.
وذكر السمعاني أنه تفقه على ناصر العمري المروزي٢.
أما في العقيدة فقد عاصر الكثير من أساطين المتكلمين، وأخذ عنهم مذهب الأشعري، إلا أن أبرزهم الشيخ أبو بكر بن فورك الذي وصفه الذهبي بأنه كان أشعريًا رأسًا في فن الكلام٣.
ويعد أبرز مشايخه الذين تأثر بهم من الناحية العقدية.
لذلك سوف أقتصر هنا على ذكر ترجمة موجزة لهؤلاء الشيوخ الأربعة:
١ - أبو الحسن العلوي ٤:
هو: محمّد بن الحسين بن داود بن علي بن الحسين بن عيسى بن محمّد بن الحسن بن زيد، بن الحسن، بن علي بن أبي طالب٥.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٤/٩. ٢ الأنساب١/ل ١٠١. ٣ سير أعلام النبلاء١١/ل ٤٨. ٤ قال ابن الأثير: "العلوي بفتح العين واللام وفي آخرها الواو - هذه النسبة إلى أربعة رجال، أحدهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وفي أولاده كثرة.." انظر اللباب٢/٣٥٣. فالنسبة هنا لعلي بن أبي طالب ﵁. ٥ كذا ساق السبكي نسبه نقلًا عن الحاكم. انظر طبقات الشافعية ٣/١٤٨.
[ ٥٧ ]
وقال ابن العماد: "أبو الحسن العلوي الحسني النيسابوري شيخ الأشراف، سمع أبا حامد الشرقي، ومحمد بن إسماعيل المروزي صاحب علي بن حجر وطبقتهما، وكان سيدًا نبيلًا صالحًا"١.
وهو أكبر مشايخ البيهقى، لأنه بدأ السماع منه وهو ابن خمس عشرة سنة، وكان ذلك بخراسان٢.
ويعني ذلك أنه كان سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.
ويذكر ابن العماد أن وفاته كانت فجأة في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة٣.
ولا ريب أنه كان صاحب أثر عظيم في توجيه البيهقي، وفي خط سير حياته العلمية، الحافلة بالثراء العلمي، وذلك باعتباره أوّل موجه له، وأنه سمع منه الكثير، فرحمه الله رحمة واسعة.
٢- أبو عبد الله الحاكم:
هو: محمّد بن عبد الله بن محمّد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري، الحافظ أبو عبد الله الحاكم، المعروف بابن البيع.
ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة بنيسابور، في شهر ربيع الأول، وكان أول سماعه سنة ثلاثين وثلاثمائة، واستملى على أبي حاتم بن حبان سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وأكثر التجوال في سبيل طلب الحديث، فرحل إلى خراسان، والعراق، وما وراء النهر، وسمع من نحو ألفي شيخ، منهم نحو ألف شيخ بنيسابور وحدها.
_________________
(١) ١ شذرات الذهب٣/١٦٢. ٢ سير أعلام النبلاء١١/ل ١٨٤، ومختصر طبقات المحدّثين ص: ٢٠٠. ٣ شذرات الذهب٣/١٦٢.
[ ٥٨ ]
له تصانيف كثيرة في علم الحديث، من أشهرها: المستدرك على الصحيحين، كما أن له مصنفات أخرى مثل فضائل الشافعي، وتاريخ نيسابور توفي - ﵀ - سنة خمس وأربعمائة١. وكان قد رمى بالتشيع، إلا أن السبكي رد هذا الاتهام، وبين عدم صحته٢.
والإمام أبو عبد الله الحاكم عالم جليل، مبرز في الحديث، ولا أدل على ذلك من تلقيبه بالحاكم، الذي يعتبر أعلى لقب علمي في هذا المجال.
ويعد الحاكم الأستاذ الأوّل للبيهقي في الحديث، أكثر عنه وأفاد منه فائدة عظمى، ولذلك يقول الذهبي: " وسمع من الحاكم أبي عبد الله الحافظ، فأكثر جدًا، وتخرج به "٣.
وقال السبكي: "البيهقي أجل أصحاب الحاكم"٤.
ولا ريب أن أستاذًا بهذه المنزلة، سيكون صاحب أثر كبير في الاتجاه العلمي لتلميذه.
وكانت مؤلفات الحاكم موضع اهتمام كبير من البيهقي، إذ أفاد منها كثيرًا في مؤلفاته الحديثية، يلمس ذلك كل من قرأ للبيهقي.
ولا أدل على عمق تأثير الحاكم في تلميذه البيهقي من أنه سار على منواله في تأليف كتاب مناقب الشافعي، حيث إن الحاكم قد سبقه إلى تأليف كتاب في الموضوع نفسه بعنوان فضائل الشافعي.
_________________
(١) ١ مصادر الترجمة: سير أعلام النبلاء١١/ل٣٦، وطبقات الشافعية٤/١٥٥، وشذارت الذهب٣/١٧٦. ٢ طبقات الشافعية٤/١٦١ وما بعدعها. ٣ سير أعلام النبلاء١١/ل١٨٤. ٤ طبقات الشافعية٤/٨.
[ ٥٩ ]
٣ - أبو الفتح العمري:
هو: ناصر بن الحسين بن محمّد بن علي بن القاسم بن عمر بن يحيى ابن محمّد بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو الفتح العمري المروزي، أحد أئمة الدين، تفقه على القفال، وأبي الطيب الصعلوكي، وأبي طاهر الزيادي توفي في ذي القعدة سنة أربع وأربعين وأربعمائة بنيسابور وله مصنفات كثيرة١.
ويعد أبو الفتح العمري شيخ البيهقي في علم الفقه، كما ذكر ذلك السمعاني٢.
وخص السبكي البيهقي بالذكر من بين الذين تفقهوا على يديه، حيث قال: "وتفقه به خلق منهم البيهقي"٣.
وسعة علم البيهقي في الفقه يدلّ على أن شيخه هذا - الذي أخذ عنه - معين دفاق، ولا أدل على ذلك من الوصف السابق له بأنه أحد أئمة الدين.
٤ - ابن فورك:
محمّد بن الحسن بن فورك، أبو بكر الأنصاري الأصبهاني، كان ورعًا مهيبًا، اشتغل بعلم الكلام حتى برز فيه، فأصبح - كما يقول الذهبي -: شيخ المتكلمين، وكان اشتغاله بعلم الكلام، وبروزه فيه على مذهب
_________________
(١) ١ انظر هذه الترجمة في طبقات الشافعية للسبكي٥/٣٥، وشذرات الذهب٣/٢٧٢. ٢ الأنساب١/ل١٠١. ٣ للسبكي، المصدر السابق.
[ ٦٠ ]
أبي الحسن الأشعري، مستمدًا ذلك من شيخه أبي الحسن الباهلي الذي أخذ عنه بالعراق. ولم يكن متكلمًا فحسب، بل كان محدثًا بارعًا، وفقيهًا بارزًا، ومن أبرز مشايخه الذين أخذ عنهم الحديث عبد الله بن جعفر بن فارس الأصبهاني. وكما أن له شيوخًا فإن له تلاميذ من أبرزهم: أبو بكر البيهقي وأبو القاسم القشيري، وله تصانيف كثيرة بلغت أكثر من مائة مصنف، من أبرزها كتاب (مشكل الحديث) الذي تناول فيه تأويل الأخبار الواردة في الصفات، وكتاب الجامع في أصول الدين، وغيرها.
توفي - ﵀ - سنة ست وأربعمائة، وهو عائد من غزنة، ونقل إلى نيسابور، ودفن بالحيرة١.
وقد كان صاحب أثر كبير في الاتجاه العقدي لشيخنا البيهقي إذ الناظر في الكتب التي خصصها البيهقي لمسائل العقيدة كالأسماء والصفات، والاعتقاد، وغيرهما، يراها على اتفاق كبير مع ما ورد في كتاب ابن فورك (مشكل الحديث) من تأويل لأحاديث الصفات، سيما ما يتعلق بالصفات الخبرية. كما سيتضح ذلك أثناء بحثنا لها إن شاء الله.
فابن فورك الذي كان رأسًا في فن الكلام - كما وصفه الذهبي - يعد أبرز مشايخ البيهقي في هذا الفن. ولم تكن استفادة البيهقي منه قاصرة على هذا المجال، بل استفاد منه كثيرًا في الحديث أيضًا، كما هو ملموسة من رواياته الكثيرة عنه.
_________________
(١) ١ مصادر الترجمة: سير أعلام النبلاء١١/٤٨، وطبقات الشافعية للسبكي٤/١٢٧، وشذرات الذهب٣/١٨١.
[ ٦١ ]
تلاميذه
بعد أن كان البيهقي تلميذًا يتلقى ما جاد به أساتذته عليه من علم وفير، حتى استوعبه، وحققه، وبرع في تصنيفه وتدوينه، ما لبث أن أصبح شيخًا بارزًا، يعطي تلاميذه بنفس البذل الذي أخذه من مشايخه.
وقد تواجد لسماع كتبه الكثير من تلاميذه، الذين حرصوا على ألا يفوتهم الأخذ عنه، لما له من مكانة علمية سامقة، فقد استدعي إلى نيسابور سنة إحدى وأربعين وأربعمائة لينشر العلم، فأجاب، وأقام بها مدة، وحدّث بتصانيفه١. بالإضافة إلى ما عقده من مجالس علمية في بلده بيهق، وغيرها من البلدان المجاورة.
ومن أبرز تلاميذه الذين أخذوا عنه، وكان له فيهم أثر كبير ابنه أبو علي إسماعيل بن أحمد الملقب بشيخ القضاة وحفيده أبو الحسن عبيد الله ابن محمّد بن أحمد، والفراوي أبو عبد الله محمد بن أفضل الصاعدي، وابن منده أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحاق بن منده وغيرهم كثير. إلاّ أنني هنا أكتفي بترجمة موجزة لهؤلاء الأربعة من تلاميذه.
١ - ابنه أبو علي:
إسماعيل بن أحمد بن الحسين الخسرو جردي، شيخ القضاة. ولد بخسرو جرد سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وسمع أباه، وأبا حفص بن مسرور وأبا عثمان الصابوني، وغيرهم.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية للأسنوي ص: ١٩٨.
[ ٦٢ ]
كانت له رحلات كثيرة، إذ رحل إلى خوارزم، فسكن بها مدة وولي بها الخطابة، وتدريس مذهب الشافعي، كما ولي القضاء بما وراء جيحون، ثم سافر إلى بلخ، وأقام بها مدة، ثم عاد إلى بيهق بعد أن غاب عنها نحو ثلاثين سنة، وتوفي بها في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة.
ويعد والده أهم مشايخه الذين أخذ عنهما الحديث والفقه.
وقد وصفه ابن الجوزي بأنه كان فاضلًا مرضي الطريقة١.
ولم أجد ذكرًا لتصانيفه، ولم يشر أحد ممن ترجم له إلى أنه ألف في أيّ فن من الفنون التي اشتغل بها، مما يشير أنه لم يتجه إلى ذلك ولعل شهرته كانت مستمدة من شهرة والده وعظيم مكانته.
ويظهر لي من تلقيبه بشيخ القضاة أنه كان ذا أسلوب متميز في القضاء، جعله ينال رضا الناس، ويطلقون عليه هذا اللقب.
٢ - حفيده أبو الحسن:
عبيد الله بن محمّد بن أحمد، سمع الكتب من جده، ومن أبي يعلى الصابوني وجماعة، وحدث ببغداد، قال عنه ابن العماد: "كان قليل الفضيلة".
وقال ابن عساكر فيما حكاه عنه الذهبي: "سمع لنفسه تسميعًا طرئًا وما عدا ذلك فصحيح".
توفي في جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، وله أربع وسبعون سنة، أي: أن ولادته كانت سنة تسع وأربعين وأربعمائة٢.
_________________
(١) ١ مصادر الترجمة: طبقات الشافعية للسبكي٧/٤٤، والمنتظم لابن الجوزي٩/١٧٥، و١٧٦، والكامل لابن الأثير٨/٢٦٧، والبداية والنهاية لابن كثير١٢/١٧٦. ٢ انظر: ميزان الاعتدال للذهبي٣/١٥، وشذرات الذهب٤/٩٦.
[ ٦٣ ]
٣ - أبو عبد الله الفراوي:
محمّد بن الفضل بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن أبي العباس، أبو عبد الله الفراوي الصاعدي النيسابوري، ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمائة تقريبًا، كان شافعيًا فقيهًا مناظرًا، وقد لقب بفقيه الحرمين، لأنه أقام بهما مدة طويلة ينشر العلم، ويسمع الحديث، ويعظ الناس كما لقب أيضًا بمسند خراسان، أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القشيري، وتفقه على يد إمام الحرمين الجويني، وسمع من شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني ومن أبرز مشايخه الذين تتلمذ على أيديهم، واعتنى بمؤلفاتهم الشيخ أبو بكر البيهقي، إذ تفرد برواية بعض كتبه، مثل دلائل النبوة، والأسماء والصفات والدعوات، والبعث والنشور.
توفي سنة ثلاثين وخمسمائة عن عمر قارب تسعين عامًا١.
٤ - ابن منده:
أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحاق بن منده العبدي الأصبهاني الحافظ، الحنبلي، مؤرخ حافظ للحديث، روى الكثر عن جماعة منهم أبوه وعماه، ودخل نيسابور للإفادة من علمائها، وكان على رأسهم البيهقي، فأخذ عنه الكثير.
دخل بغداد حاجًا، وحدّث بها، وأملى بجامع المنصور من كتبه تاريخ أصبهان، وكتابًا على الصحيحين في الحديث، ومناقب الإمام أحمد وغيرها. كان من بيت علم وفضل مشهور في أصبهان، وكانت ولادته ووفاته بها.
_________________
(١) ١ انظر: طبقات الشافعية للسبكي٦/١٦٦، وشذرات الذهب٤/٩٦.
[ ٦٤ ]
فأما ولادته فكانت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، وأما وفاته ففيها قولان: فقيل سنة إحدى عشرة، وقيل اثنتا عشرة وخمسمائة١.
وللبيهقي سوى هؤلاء تلاميذ كثيرون، لا يتسع المقام لذكرهم، وقد لاحظنا أن جميع تلاميذه لم يبلغ أحد منهم مبلغه، ولم يقاربه، إلا أنهم كانوا أصحاب فضل كبير في نشر كتب البيهقي وروايتها.
_________________
(١) ١ انظر: شذرات الذهب٤/٣٢، والأعلام للزركلي٩/١٩٤.
[ ٦٥ ]
الفصل الخامس: ثقافته ومؤلّفاته
ثقافته
لقد أفنى البيهقي - ﵀ - حياته راتعًا في رياض العلم والمعرفة حتى برز في جوانب شتى من العلوم الإسلامية، وبز فيها حتى مشايخه وأقرانه، فذاع صيته في كل حدب وصوب، وسار الركبان بإنتاجه العلمي إلى كل صقع من أصقاع العام الإسلامي، فكان شاهدًا حيًا على سعة اطلاع البيهقي، وأصالة ثقافته. وكان نبوغه - ﵀ - في علوم الشريعة الإسلامية أصولًا وفروعًا محل إعجاب كثير من العلماء قديمًا وحديثًا حتى إن السبكي وصفه بأنه أحد أئمة المسلمين.. حافظ كبير، وأصولي نحرير جبلًا من جبال العلم١.
ولذلك فإن مؤلفاته في العقيدة والحديث والفقه كانت موضع عناية العلماء، حتى لا نكاد نجد مؤلفًا في هذه الفنون - ممن جاء بعد البيهقي - لم يفد منها، لأن مصنفاته العظام أصبحت فيما بعد مرتعًا خصبًا وموردًا عذبًا لطلاب هذا العلم الجليل، بل ولحذاقة الذين عرفوا قيمة ما حصله البيهقي من علم وجاد به لطلابه.
أما في التفسير واللغة فكان صاحب اطلاع واسع، وإن لم يكن إنتاجه فيهما بدرجة إنتاجه في العلوم الإسلامية الأخرى.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٤/٨.
[ ٦٩ ]
ولكي تتضح لنا ثقافة البيهقي بعمقها وأصالتها نعرض لكل فن اشتغل به، فحصل منه وأفاد طلابه.
١ - العقيدة:
فأما في العقيدة فقد كان صاحب معرفة واسعة بالمذاهب المختلفة التي تشعبت آراؤها واختلفت أهواؤها، فكانت بمنأى عن العقيدة الإسلامية االصافية، لذلك رأى من واجبه - وهو العالم البصير - أن يدرس العقيدة كما جاءت في منبعها الصافي الأصيل، حتى يسهم في توضيحها كما جاءت في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ. فألف في ذلك المؤلفات العظيمة، التي سار في تأليفها على طريقة المحدثين، وإن كان في تعليقات وإيضاحه لمسائل العقيدة، قد رضي أن يكون المذهب الأشعري هو السائد على آرائه، مع استقلاله عن الأشاعرة ببعض الآراء في مسائل مهمة متبعًا طريقة السلف فيها، وراضيًا بمذهبهم، كما سيتضح لنا ذلك في ثنايا البحث إن شاء الله.
وقد شمل إنتاجه العلمي في هذا المجال كتبًا قيمة، منها الخاص في مسائل معينة، ومنها العام لكل مسائل العقيدة.
فكتاب الأسماء والصفات، وكتاب البعث والنشور، وكتاب القدر وإثبات عذاب القبر، جميعها كتب متخصصة، كل منها يدل عنوانه على موضوعه.
أما الشمول فقد اختص به كتاب الاعتقاد.
وسيكون بحثنا هذا من أوضح الشواهد على سعة اطلاع البيهقي ومعرفته في مسائل العقيدة، تقريرًا للمعتقد ومناقشة لآراء الخصوم.
[ ٧٠ ]
٢ - الحديث:
وقد كان أشهر الجوانب التي نبغ فيها البيهقي على الإطلاق، إذ كرس جهده لخدمة هذا العلم الجليل فحقق ودقق، وصنف المجلدات الضخام التي تشهد بغزارة علمه، وسعة اطلاعه.
وقد كانت للبيهقي بين علماء الحديث مكانة لا تسامى، ولا أدل على مكانته تلك من استحقاقه للقب الحافظ، وهو لقب لم يظفر به إلاّ عدد قليل من المحدثين، رغم أن الكثير ممن لم يحظوا بإطلاق هذا اللقب عليهم محدثون عظام لا يستهان بهم.
إلاّ أن البيهقي يعد من أكثر رواد هذا الفن حفظًا إتقانًا، فقد كان إنتاجه الغزير في هذا الجانب من أهم المصادر التي اعتمدها طلابه، مما يشهد بغزارة علمه ورسوخ قدمه، وإمامته في هذا المجال.
ولم يكن مجرد جمع الحديث هو الهدف الوحيد للبيهقي، بل اتجه إلى جانب ذلك، لنقد رجاله، حتى ينفي عنه ما ليس منه، ويبين صحيحه من سقيمه، إذ العدالة في راوي الحديث أمر لابد منه، بل هي - عند البيهقي - ألزم من عدالة الشهود، ويوضح هذا المبدأ بقوله: "إن القاضي إذا توقف في قبول شهادة من لا يعرفه على درهم حتى يعرفه، فأولى بنا أن نقف في رواية من لا نعرفه في مثل هذا الأمر العظيم حتى نعرفه"١.
وكان دائم الحرص على أن لا تتضمن كتبه إلاّ ما صح من الأخبار وإن اشتملت على غير ذلك، فمع بيان شاف لدرجة ذلك الخبر، حتى يكون التمييز بين صحيح الأخبار، وحسنها، وضعيفها واضحًا. ولذلك يقول:
_________________
(١) ١ القراءة خلف الإمام ص: ١٢٧.
[ ٧١ ]
"وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع، الاقتصار على ما يصح منها دون ما لا يصح، أو التمييز بين ما يصح منها وما لا يصح، ليكون الناظر فيها من أهل السنة على بصيرة مما يقع الاعتماد عليه، لا يجد من زاغ قلبه من أهل البدع عن قبول الأخبار مغمزًا فيما اعتمد عليه أهل السنة من الآثار"١.
ومن اكبر الشواهد على نبوغ البيهقي في علم الحديث، حتى أصبح حجة يركن إليها، ما حدث من أمره مع شيخه أبي محمد والد إمام الحرمين٢ حين شرع هذا الأخير في تأليف كتاب في الفقه، عزم على أن لا يتقيد فيه بالمذهب، بل يقف على موارد الأحاديث لا يتجاوزها. وما إن أنجز من هذا المؤلف الذي سماه (المحيط) ثلاثة مجلدات، حتى اطلع عليه البيهقي، فعثر فبه على أخطاء حديثية، رأى من واجبه التنبيه عليها، فكتب إلى الجويني بذلك، بأسلوب العالم الحاذق، والناقد البصير. فقد كانت تلك الرسالة القيمة مثالًا للنقد العلمي البناء، الذي تميز بالأدب الرفيع، وقوة الحجة، والقدرة على الدفع بالتي هي أحسن ولكي ندلل على ذلك نورد من تلك الرسالة اقتباسات تدل على ذلك كله وعلى ما هو أكثر منه.
_________________
(١) ١ المدخل إلى دلائل النبوّة١/٣٩، تحقيق عبد الكريم عثمان. ٢ هو: أبو محمّد، عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمّد بن حيويه الجويني، ثم النيسابوري. الإمام الفقيه الأصولي تخرج به جماعة من أئمة الإسلام، توفي في ذي القعدة عام ثمانية وثلاثين وأربعمائة. انظر تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص: ٢٥٧.
[ ٧٢ ]
قال البيهقي في صدر رسالته: "أما بعد، عصمنا الله بطاعته وأقمنا بالاعتصام بسنة خيرته من بريته ﷺ، وأعاننا على الاقتداء بالسلف الصالحين من أمته وعافانا في ديننا ودنيانا، وكفانا كل هول دون الجنة بفضله ورحمته، إنه واسع المغفرة والرحمة به التوفيق والعصمة. فقلبي للشيخ – أدام الله عصمته، وأيد أيامه - مفتد، ولساني له بالخير ذاكر، ولله على حسن توفيقه إياه شاكر.
وقد علم الشيخ اشتغالي بالحديث، واجتهادي في طلبه، ومعظم مقصودي منه في الابتداء، التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح، حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها، من غير تمييز منهم بين صحيحها، وسقيمها ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله، أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدًا، ولو عرفوه معرفتهم لميزوا صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه، ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به، وإن كان يطابق آراءهم، ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم، فشرطه فيمن يقبل خبره عند من يعتني بمعرفته مشهور، وهو بشرحه في كتاب الرسالة مسطور".
وبعد أبحاث دقيقة مفيدة قال: "وكنت أسمع رغبة الشيخ - ﵁ - في سماع الحديث، والنظر في كتب أهله، فأسكن إليه، وأشكر الله تعالى عليه، وأقول في نفسي ثم فيما بين الناس: قد جاء الله بمن يرغب في الحديث، ويرغب فيه
[ ٧٣ ]
من بين الفقهاء ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم، من جملة العلماء، وأرجو من الله أن يحمي سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار، بعد من مضى من الأئمة الكبار الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار، ثم لم يرض بعضهم بالجهل به، حتى رأيته حمل العالم به بالوقوع فيه، والإزراء به، والضحك منه، وهو مع ذلك يعظم صاحب مذهبه ويجله، ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله، ثم لم يدع في كيفية قبول الحديث ورده طريقته، ولا يسلك فيها سيرته، لقلة معرفته بما عرف، وكثرة غفلته عما عليه وقف.
هلا نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره؟ واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره؟ فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبًا على كلّ من انتصب للفتيا، فإما أن يجتهد في تعلمه أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه، فلا يجتمع عليه وزران، حيث فاته الأجران والله المستعان وعليه التكلان.
ثم إن بعض أصحاب الشيخ وقع إلى هذه الناحية فعرض على أجزاء ثلاثة مما أملاه من كتابه المسمى (المحيط) فسررت به، ورجوت أن يكون الأمر فيما يورده من الأخبار على طريقة من مضى من الأئمة الكبار، لائقًا بما خص به من علم الأصل والفرع، موافقًا لما ميز به من فضل العلم والورع، فإذا أوّل حديث وقع عليه بصري فيه الحديث المرفوع في النهي عن الاغتسال بالماء المشمس، فقلت في نفسي: يورده ثم يضعفه أو يصحح القول فيه. فرأيته قد أملى: "والخبر فيه ما روى مالك
[ ٧٤ ]
عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة" فقلت: هلا قال: روي عن عائشة؟ أو روى عن ابن وهب عن مالك؟ أو روى عن إسماعيل بن عمرو الكوفي عن ابن وهب عن مالك؟ أو روى خالد ابن إسماعيل أو وهب بن وهب أبو البختر، عن هشام بن عروة؟ أو روى عمرو بن محمد الأعسم، عن فليح، عن الزهري، عن عروة؟ ليكون الحديث مضافًا إلى من يليق به مثل هذه الرواية، ولا يكون شاهدًا على مالك بن أنس بما أظنه يبرأ إلى الله تعالى من روايته، ظنًا مقرونًا بعلم. والله أعلم١.
وهكذا سار البيهقي في نقده لكتاب الجويني، بهذا الأسلوب البارع الذي جعل الجويني ينزل عند حسن ظن البيهقي، فقد حمل رسالته هذه على أحسن المحامل، وعدها نصيحة نافعة تستوجب الشكر والثناء، بدليل عدوله عن إكمال الكتاب.
٣ - الفقه:
وقد أولاه عناية فائقة، حتى أصبح فيه إمامًا ذا مكانة كبيرة، وقد فضل أن يتمسك في ذلك بمذهب الإمام الشافعي ﵁، لأنه كان يرى فيه أنه أكثر المذاهب موافقة للحديث الذي وهبه جل حياته.
فبعد اعتذاره للأئمة عند وقوعهم في خطأ ما، بأن أحدهم إنما يخطئ عن غير قصد، بل لأنه غفل عن الحديث الذي خالفه أو عن موضع الحجة
_________________
(١) ١ انظر: الرسالة التي أخذت منها هذه المقتطفات في طبقات الشافعية للسبكي٥/٧٧-٩٠، وهي ناقصة هنا، إلاّ أن الرسالة توجد مخطوطة كاملة، كما سأشير إلى مكان وجودها فيما بعد إن شاء الله.
[ ٧٥ ]
فيه، ولو علم ذلك لما تردد عن القول بما يدل عليه، وقال بعد ذلك - مبررًا تفضيله لمذهب الشافعي على سواه: "وقد قابلت - بتوفيق الله تعالى - أقوال كل واحد منهم بمبلغ علمي من كتاب الله ﷿، ثم بما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل، والحلال، والحرام، والحدود والأحكام، فوجدت الشافعي - ﵀ - أكثرهم اتباعًا، وأقواهم احتجاجًا وأصحهم قياسًا، وأوضحهم إرشادًا.. فخرجت - بحمد الله ونعمته - أقواله مستقيمة وفتاواه صحيحة"١.
من أجل هذه النظرة لآراء الإمام الشافعي، أولى مذهبه عناية عظيمة حتى إن إمام الحرمين الجويني أحد معاصري البيهقي قد تملكه العجب من فرط اهتمام البيهقي بأقوال الإمام الشافعي حين ألف كتابه (المبسوط) جامعًا فيه نصوصه في الفقه، فوصفه بقوله: "ما من شافعي إلاّ وللشافعي في عنقه منة، إلاّ البيهقي فإن له على الشافعي منة، لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله"٢.
وقد بلغ من اهتمامه بالفقه أن أفرد بعض مسائله المهمة بالتأليف مثل القراءة خلف الإمام، ومسألة الخاتم، كما ألف كتابًا تناول فيه المسائل الخلافية بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة.
وقد أشاد الذهبي بسعة اطلاع البيهقي في الفقه حيث قال عنه لو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه لكان قادرًا على ذلك لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف٣.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار١/١٤١، ١٤٢. ٢ طبقات الشافعية للسبكي٤/١٠. ٣ سير أعلام النبلاء١١/ ل ١٨٥.
[ ٧٦ ]
٤ - التفسير:
أما عن التفسير فإن البيهقي - ﵀ - لم يكن له فيه من المكانة ماله في الفنون السابقة، إلاّ أنه كان ذا معرفة واسعة به، بدليل ما يتخلل كتبه من آراء، بعضها يرويها عن أئمة التفسير ويجتهد في الاختيار، وأفضل منهج عنده هو التفسير بالثابت عن رسول الله ﷺ، لأنه أبعد عن الشبهات، أو ما روى عن الصحابة. أما إذا صار الأمر إلى تأويل الفقهاء فلا يجعل قول بعضهم حجة على بعض١.
ومن أهم الآراء - في نظره - التي توافق منهجه هذا: آراء الإمام الشافعي، إذ يقول عنها إنها من أصح الآراء، لدلالة الأدلة عليها. لذلك قام بعمل جليل، حيث جمع آراء الإمام الشافعي في التفسير في كتاب مستقل سمّاه (أحكام القرآن) .
٥ - اللغة:
وهذا العلم أيضًا كان للبيهقي منه نصيب الأسد، لأن من اشتغل بالعلوم الإسلامية لا بد وأن يكون على علم بالعربية وقواعدها، لأنها لغة القرآن.
وإدراكًا من البيهقي لأهمية هذا العلم تضلع فيه، حتى أصبح من أهل الخبرة به، ولا أدل على ذلك من الكتاب الذي ألّفه للرد على منتقدي الإمام الشافعي في مسائل لغوية ادعوا غلطه فيها، فرد عليهم البيهقي في
_________________
(١) ١ القراءة خلف الإمام ص: ١٥١.
[ ٧٧ ]
كتاب خصّصه لهذا العرض سمّاه (الانتقاد على أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي) . وذكر ثناء علماء اللغة على الشافعي، وأثبت صحة ما قاله، وخطأ انتقادهم، وذلك بأدلة لغوية دامغة مما ينبئ عن اطلاع واسع، وتمكن من هذا العلم الأصيل.
فالبيهقي - ﵀ - كان ذا ثقافة واسعة، وعلم راسخ مما جعله يحتل المرتبة الأولى بين علماء عصره.
وقد وصفه أبو الحسن عبد الغافر١ في ذيل تاريخ نيسابور بقوله:
"أبو بكر البيهقي الفقيه الحافظ الأصولي، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم، ويزيد عليه بأنواع من العلوم"٢.
وسيتضح لنا من خلال عرضنا لإنتاجه العلمي - فيما يأتي - بالإضافة إلى ما تقدم ذكره، سيتضح لنا من ذلك كله مدى ما وصل إليه البيهقي - ﵀ من تعمق في العلوم الإسلامية، التي قضى عمره من المهد إلى اللحد خادما لها ولطلابها.
_________________
(١) ١ أبو الحسن، عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي، من علماء العربية والتاريخ والحديث، فارسي الأصل، من أهل نيسابور، ولد سنة أربعمائة وإحدى وخمسين، وتوفي سنة تسع وعشرين وخمسمائة. انظر الأعلام للزركلي٤/١٥٧. ٢ نقلًا عن تذكرة الحفاظ للذهبي٣/١١٣٣.
[ ٧٨ ]
مؤلفاته
لقد كان للبيهقي - ﵀ - إنتاج علمي وفير، أثرى به المكتبة الإسلامية، سيما في مجال الحديث النبوي الشريف، الذي عُنِيَ به عناية فائقة شأنه في ذلك شأن أمثاله من المحدثين العظام، الذين بذلوا جهودًا مضنية في سبيل حفظ السنة وتنقيتها من كل دخيل، ببيان صحيحها من سقيمها، وجمعها في مؤلفات ضخمة، كانت ولا تزال إلى يومنا هذا، وستظل - إن شاء الله - نبراسًا يضيء الطريق لطلاب المعرفة الصافية، ويبدد ظلمات الجهل، ويحفظ على الإسلام مصدرًا من أهم مصادر العقيدة والتشريع.
وكان نبوغه في الحديث سببًا في أن مؤلفاته العقدية، جاءت ذات صبغة حديثية واضحة، نظرًا لأنه سلفي المنهج، وتأليفه في العقيدة جاء على طريقة المحدثين.
وقد بلغت مصنفاته ما يقارب ألف جزء١.
وكانت لها ميزة خاصة انفردت بها، حيث جاءت منظمة تنظيمًا دقيقًا لا يكاد يوجد في غيرها، ولذلك وصفت بأنه لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها٢.
_________________
(١) ١ طبقات الحفاظ للسيوطي ص: ٤٣٤، وتبيين كذب المفتري ص: ٢٦٦. ٢ انظر: البداية والنهاية لابن كثير١٢/٩٤، ومختصر طبقات المحدّثين لابن عبد الهادي ص: ٢٠٠.
[ ٧٩ ]
كما وصفها السبكي بأنها كلها مصنفات نظاف، مليحة الترتيب والتهذيب، كثيرة الفائدة، يشهد من يراها من العارفين بأنها لم تتهيأ لأحد من السابقين١.
وفيما يلي عرض لمؤلفاته، مع التعريف بما اطلعت عليه منها، وهذه المؤلفات جميعها ذكرت في المصادر التي ترجمت للبيهقي ومنها ما ذكره البيهقي نفسه وأحال عليه وهذه المصنفات هي:
١ - إثبات عذاب القبر:
تناول فيه البيهقي ما يتعلق بإثبات هذه القضية، وما يتقدمها من سؤال الملكين، بسياق أدلة ذلك الإثبات من الكتاب والسنة، وتوضيح تلك الدلالة بأقاويل سلف الأمة.
ويوجد من هذا الكتاب نسخة مخطوطة بمكتبة أحمد الثالث ضمن مكتبة المتحف باستنبول، ضمن مجموعة رقمها: ٤٢٨٨.
كما يوجد نسخة أخرى منه بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.
٢ - أحكام القرآن:
ويقع في جزئين. وقد خصصه البيهقي لجمع أقوال الإمام الشافعي في تفسير آيات الأحكام، بعد أن كانت مفرقة في كتبه المصنفة في الأصول والأحكام٢.
وقد قام بتحقيقه الشيخ محمّد زاهد الكوثري، وعني بنشره عزت العطار سنة ١٣٧١هـ، ١٩٥١م. وقد أعيد نشره بدار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٣٩٥هـ.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٤/١٠. ٢ انظر: مقدمة البيهقي لهذا الكتاب ص: ١٩.
[ ٨٠ ]
وهو الكتاب الوحيد الذي خصصه البيهقي لعلم التفسير مختارًا ما يتعلق بالأحكام من الآيات.
وقد وصف السبكي هذا الكتاب بأنه كتاب نفيس من ظريف مصنفات البيهقي١.
٣ - الآداب:
من هذا الكتاب نسخة خطية بدار الكتب المصرية رقمها: ٤٣ حديث. ويقع في اثنتين وستين ومائتي ورقة، ويتناول البيهقي في هذا الكتاب جملة من الآداب والأخلاق، التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المسلم، مع نفسه ومع أخيه ومع مجتمعه، وغير ذلك من الآداب الإسلامية الفاضلة التي حفل هذا الكتاب بذكرها، والحث عليها.
٤ - الأربعين الكبرى، والأربعين الصغرى:
كتابان متشابهان في التبويب والتنسيق، مختلفان في الجوهر والموضوع وقد ذكرهما جماعة ممن ترجموا للبيهقي بهذين الاسمين.
وقد ذكر حاجي خليفة كتابًا بعنوان الأربعين في الأخلاق، وذكر اشتماله على مائة حديث مرتبة على أربعين بابًا، وأن أوله: الحمد لله كفاء حقه٢.
وقد عثرت على نسخة من هذا الكتاب في مكتبة عاشر أفندي ضمن المكتبة السليمانية باستنبول، مع مجموعة منوعة، تحمل رقم ١١٧٩.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٢/٩٧. ٢ كشف الظنون١/٥٣.
[ ٨١ ]
كما أشار البيهقي في مقدمته لهذا الكتاب إلى أنه ذكر فيه ما يحتاج أصحاب الحديث إلى معرفته، للاستعمال في أحوالهم وأخلاقهم، ليكون بلغة لهم فيما لا بد لهم من معرفته في عبادة الله تعالى١.
وأشار في نفسه الموضع إلى أنه ألف كتابًا آخر بنفس العنوان خصصه لبيان معالم دين الله تعالى.
ويدل ذلك – بوضوح - على صحة وجود كتابين بعنوان واحد ونعت مختلف. ولكن أيهما الكبرى، وأيهما الصغرى؟ هذا ما لا أستطيع تبينه لانعدام الدليل.
٥ - الأسماء والصفات:
ويعد هذا الكتاب من أهم المراجع التي اعتمدها العلماء في النصوص الواردة في موضوع الأسماء والصفات، لأنه يعد مني أوفى الكتب التي ألفت في هذه القضية، حيث شرحها البيهقي فيه شرحًا وافيًا.
وقد طبع هذا الكتاب طبعتين، إحداهما بالهند سنة ١٣١٣؟ قام بتحقيقها محمّد محيي الدين الجعفري.
والأخرى بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٥٨؟، وقد قام بتحقيقها والتعليق عليها الشيخ محمد زاهد الكوثري.
ويوجد له نسخة خطية بمكتبة فيض الله باستنبول، رقمها: ١٣٠٧، كتبت سنة ٥٧٧؟، وعدد أوراقها: ٢٠٥ ورقات.
وينقسم هذا الكتاب إلى قسمين رئيسيين: أحدهما تناول فيه أسماء الله تعالى، وثانيهما تناولت فيه الصفات وما يتعلق بها.
_________________
(١) ١ كتاب الأربعين ل ٣.
[ ٨٢ ]
وقد وصف السبكي هذا الكتاب بقوله: "وأما كتاب الأسماء والصفات فلا أعرف له نظيرًا" ١.
وهو كتاب عظيم، نادر المثال دون شك، لأنه قد جمع فيه عق قضية الأسماء والصفات، من النصوص والآثار، ما لم يحصل لغيره مثله.
٦ - الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، على مذهب السلف، أهل السنة والجماعة:
وقد وضع هذا الكتاب ليكون مختصرًا شاملًا لجميع مسائل العقيدة التي تناولها في كتب شتَّى، كما ذكر هو ذلك في مقدمته لهذا الكتاب٢.
وقد طبع هذا الكتاب في القاهرة سنة: ١٣٨٠؟، بتصحيح الشيخ أحمد مرسي.
ويوجد لهذا الكتاب نسختان خطيتان، إحداهما بمكتبة لاله لي برقم:
٢٤٢٣، تقع في ٨١ ورقة.
والثانية بمكتبة نور عثمانية برقم: ١٢٠٨/٢، وتقع في ٩٨ ورقة. وكلتاهما في استنبول.
كما يوجد نسخة ثالثة في مكتبة شستربتي بلندن تحت رقم ٣٥ ضمن مجموعة. ومنها صورة بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة.
وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون أن الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، المتوفى سنة: ٨٨٥؟ قد اختصر هذا الكتاب٣.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٤/٩. ٢ الاعتقاد ص: ٤. ٣ كشف الظنون٢/١٣٩٣.
[ ٨٣ ]
٧ - الألف مسألة:
وهو عبارة عن رسالة صغيرة لا تزيد عن أربع ورقات، بيّن فيها ضعف الحديث الذي رواه الجويباري أحمد بن عبد الله بن مخلد بسنده، عن عبد الله بن سلام أنه سأل النبيصلى الله عليه وسلمعن ألف مسألة، وبيّن أن الصحيح الثابت أن عبد الله بن سلام، إنما سأل النبيصلى الله عليه وسلمعن ثلاث مسائل فقط.
يوجد لهذه الرسالة نسخة ضمن مجموعة رقمها: ١١٢٧ بمكتبة أحمد الثالث باستنبول.
٨ - الانتقاد على الشافعي:
يرد البيهقي في هذا الكتاب على جماعة من المخالفين انتقدوا على الإمام الشافعي حروفًا من العربية، زعموا أنه خالف فيها أهل اللغة فبين البيهقي عدم صحة تلك الانتقادات بأسلوب علمي رصين، يدل على سعة اطلاع البيهقي وتمكنه من هذا الفن.
ويوجد من هذا الكتاب نسخة بخط حديث بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، تقع في خمس عشرة ورقة.
٩ - البعث والنشور.
تناول في هذا الكتاب قضية البعث، وما يعقبها من أحداث. ويتفتت لنا موضوع الكتاب تفصيلًا من قول مؤلفه - ﵀ - في مقدمته:
"نذكر ما ورد في كتاب الله ﷿، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلمثم في أقاويل أهل التفسير من وجوب الإيمان به - أي بالبعث - وأشراط الساعة، وما يكون عند قيامها من بعث الناس وحشرهم إلى موقفها وأهوالها، وما جاء في الحساب والميزان، والحوض، والمرور على الصراط
[ ٨٤ ]
ودخول الجنة والنار، وما جاء في خلقهما، ومن يخرج من النار بالشفاعة ومن يخلد فيها، وغير ذلك مما يتعلق بهذه الجملة١.
ويذكر الأستاذ السيد أحمد صقران الإمام الذهبي قد اختصر هذا الكتاب٢.
ويوجد له مجموعة من النسخ مفرقة في بعض مكتبات العالم، منها ثلاث نسخ في استنبول بتركيا، إحداها بالمكتبة السليمانية ورقمها ١٨٧٢ والأخريان بمكتبة المتحف رقم ٢٦٦٥-٢٦٦٦.
ونسختان بمكتبة شستربتي بلندن. إحداهما تحمل رقم ٣٩٠٩ والأخرى رقمها ٣٢٨٠، ويوجد لهما صورة ميكروفيلم بمكتبة مركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة.
وقد ذكر بروكلمان - سوى هذه النسخ - نسختين، إحداهما بمكتبة الموصل بالعراق برقم ٢٢٨/ ١٧.
والأخرى بمكتبة برلين برقم ٢٧٣٤٣.
١٠ - بيان خطأ من أخطأ على الشافعي:
خصّص البيهقي هذا الكتاب للرد على من زعم أن للإمام الشافعي أخطاء حديثية، مبينًا أن ما نسب إليه من ذلك لا يخلو من أحد أمرين:
فإما أن يكون ذلك الخط الذي وجد في كتب الشافعي من جهة غيره بتقصيره، وعدم دقته في النقل عن الشافعي.
وإما يكون ناسب الخطأ إلى الشافعي قد وهم في اعتباره خطأ وليس كذلك.
_________________
(١) ١ البعث والنشور. مخطوط بمكتبة شستربتي بلند. ٢ انظر: مقدمة كتاب معرفة السنن والآثار ص: ١٢. ٣ انظر: تاريخ التراث العربي١/٤٤٧ ط/ الألمانية.
[ ٨٥ ]
وقد ناقش البيهقي - ﵀ - تلك الأخطاء المنسوبة خطأ إلى الشافعي، وهذه الأوهام، مناقشة علمية دقيقة.
ويوجد لهذا المؤلّف نسخة خطية بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (١٩٥) عام، و(٨٠) مجاميع.
١١ - تخريج أحاديث الأم:
وقد تناول في هذا الكتاب تخريج أحاديث كتاب الأم للشافعي حديثًا حديثًا، مع ذكر سنده والتعليق عليه.
وقسمه على أبواب كتاب الأم.
ويوجد الجزء الأوّل منه بمكتبة شستربتي بلندن تحت رقم ٣٢٨٠، ويبلغ مجموع أوراقه ١٤٨ ورقة.
ويوجد الجزء الثاني بدار الكتب المصرية تحت رقم (٩١١) حديث يقيم في ٢٩٨ ورقة.
أما الجزء الثالث فلم أجد ذكرًا له، ولم أعثر عليه.
١٢ - الجامع في الخاتم:
رسالة صغيرة، لا تتجاوز خمس ورقات، بحث فيها مسألة لبس رسول الله ﷺ للخاتم ومن أي معدن كان خاتمه ﵇، وصفة ذلك الخاتم.
ويوجد من هذه الرسالة القيمة نسخة بمكتبة أحمد الثالث ضمن المجموعة المشار إليها سابقا - عند رسالة الألف مسألة.
كما يوجد أخرى منها بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.
[ ٨٦ ]
١٣ - الجامع لشعب الإيمان:
قسم البيهقي - ﵀ - كتابه هذا على سبعة وسبعين بابًا، تشمل مسائل شتى في أصول الدين وفروعه. وتقسيمه هذا كان مبنيًا على ما صح عنده من ألفاظ حديث "الإيمان بضع وستون، أو سبعون شعبة" حيث أحصى في كتابه هذا بالتفصيل ما أشار إليه الحديث مجملًا وذكر أن السبب لتأليفه لهذا الكتاب، أن شيخه أبا عبد الله الحليمي قد ألف في هذا الموضوع كتابًا، كان مرشدًا له في تقسيمه لأبواب هذا الكتاب، إلاّ أنه إنما ذكر المتون وحذف الأسانيد، تحريًا للاختصار، فرأى أن يذكر ما أورده شيخه مسندًا مع الاقتصار على ما لا يغلب كونه كذبًا١.
وقد طبع جزء صغير من هذا الكتاب النفيس في حيدر أباد بالهند سنة ١٣٩٥؟، ويوجد له نسخة خطية من ثلاثة مجلدات في مكتبة المتحف باستنبول من رقم: ٢٦٦٧-٢٦٦٩ وقام باختصاره الشيخ أبو جعفر عمر القزويني المتوفى سنة ٦١٩؟. وقام بتحقيق هذا المختصر والتعليق عليه زكريا علي يوسف، ونشره بالقاهرة.
١٤ - حياة الأنبياء في قبورهم:
وهو عبارة عن كتيب صغير تناول فيه البيهقي ما يتعلق بحياة الأنبياء في قبورهم، وما ورد في ذلك مما رآه دليلًا على هذه القضية، وهذا الكتاب طبع في القاهرة بالمطبعة المحمودية، سنة: ١٣٥٧؟، بتعليق الشيخ محمّد بن محمّد الخانجي البوسنوي من علماء الأزهر.
_________________
(١) ١ انظر: الجامع لشعب الإيمان ل ١، وكتاب الحليمي الذي أشار إليه البيهقي يوجد منه نسختان بمكتبة المتحف باستنبول، إحداهما لا تحمل رقمًا، وتقع في مجلد واحد بخط نسخ رفيع، وأوراقه من الحجم الكبير، والأخرى تقع في ثلاثة مجلدات من رقم: ٢٦١٨-٢٦٢٠.
[ ٨٧ ]
وقد وجدت نسخة من هذا الكتاب ضمن المجموعة المشار إليها عند الكلام على كتاب إثبات عذاب القبر، وهي بعنوان (كتاب العدة) ولم أجد أحدًا ممن ذكره أشار إلى هذا العنوان.
وقد غلط حاجي خليفة عندما ذكر هذا الكتاب، ووصفه بأنه يشتمل على ألف مسألة جمعها البيهقي١. لأن الألف مسألة عبارة عن كتاب آخر، وقد تقدم ذكره.
كما غلط بروكلمان حينما ذكر كتابين مشيرًا لكل منهما منفردًا عن الآخر، أحدهما بعنوان (حياة الأنبياء في قبورهم) والآخر بعنوان (ما ورد في حياة الأنبياء بعد وفاتهم) ٢ وأشار إلى وجود الأخير بالمدينة المنورة دون الأوّل، والواقع أن الإثنين كتاب واحد هو (حياة الأنبياء في قبورهم) وهو بعينه الموجود في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة.
١٥ - الخلافيات بين الشافعي وأبي حنيفة:
تناول البيهقي في هذا الكتاب جميع المسائل الفقهية التي وقع الاختلاف فيها بين الشافعي وأبي حنيفة، ورتبه على أبواب الفقه.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة بمعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية مصورة عن نسخة أصلية في مكتبة سليم آغا من نسخة كتبت في القرن السابع. وتقع جزئين الأوّل يتكون من ١٧٢ ورقة والثاني من ١٧٤ ورقة. والجزءان بهما خروم من الأول والآخر.
ومنه نسخة أخرى بدار الكتب المصرية تحت رقم (٩٤ فقه شافعي) مكتوب عليها أنها الجزء الثاني وتقع في ١٧٢ ورقة.
_________________
(١) ١ كشف الظنون٢/١٤٥٥. ٢ تاريخ التراث العربي١/٤٤٧.
[ ٨٨ ]
ويبدو أن هذا الجزء مكمل لنسخة جامعة الدول العربية وإن لم تكن النسخة واحدة. لأن نسخة جامعة الدول العربية ينتهي جزؤها الثاني منها بمسائل الحج، التي بدأ بها الجزء الموجود بدار الكتب المصرية.
١٦ - الدعوات الكبيرى:
ألف البيهقي - ﵀ - هذا الكتاب استجابة لطلب أحد إخوانه أن يجمع له ما ورد من الأخبار المأثورة في الأدعية المرجوة، التي دعا بها رسول الله ﷺ، أو علمها أحدًا من صحابته، وقد ذكرها بأسانيدها، ورتبها على ترتيب كتاب المختصر لأبي بكر محمّد بن إسحاق بن خزيمة، وضمنه زيادات لم يذكرها ابن خزيمة١. وبدأ كتابه هذا بذكر ما للدعاء والذكر من الأجر والثواب.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة مخطوطة بالمكتبة الأصفية بحيدر آباد بالهند رقمها (١٤) أدعية.
ويوجد منها صورة ميكروفيلم بمعهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية برقم ٣١٦٣.
١٧ - دلائل النبوة:
وهو كتاب قيم، يعتبر من أجمع المؤلفات في بابه، وقد تكلم فيه البيهقي - ﵀ - عما يتعلق بالنبي محمّد صلى الله عليه وسلممن صفات ومعجزات، وفي إيضاح موضوعه يقول البيهقي:
" أردت - والمشيئة لله تعالى – أن أجمع بعض ما بلغنا من معجزات نبينا محمّد ﷺ، ودلائل نبوته، ليكون عونًا لهم على إثبات رسالته، فاستخرت الله تعالى في الابتداء بما أردته، واستعنت به في إتمام ما قصدته، مع ما نقل إلينا من شرف أصله، وطهارة مولده، وبيان أسمائه
_________________
(١) ١ انظر: ل٢ من المخطوطة.
[ ٨٩ ]
وصفاته، وقدر حياته، ووقت وفاته، وغير ذلك مما يتعلق بمعرفته ﷺ، على نحو ما شرطته في مصنفاتي، من الاكتفاء بالصحيح من السقيم، والاجتزاء من المعروف بالقريب، إلا فيما لا يتضح المراد من الصحيح أو المعروف دونه فأورده"١.
ويعتبر هذا الكتاب من أوثق كتب السيرة قاطبة، لما لمؤلفه من علو مكانة في معرفة صحيح الأخبار من سقيمها.
وقد قام الشيخ عبد الرحمن محمّد عثمان بتحقيق وطبع الجزئين الأولين منه بدار النصر للطباعة بالقاهرة سنة ١٣٨٩؟.
كما قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق الجزء الأوّل منه، وتولى نشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة سنة ١٣٩٥؟.
ويوجد له نسخة خطية بمكتبة المتحف باستنبول تقع في أربعة مجلدات رقمها (٦٠٠٠-٦٠٠٣) كما يوجد له عدة نسخ بدار الكتب المصرية إلا أن جميعها ناقصة.
١٨ - رسالة إلى أبي محمّد الجويني:
أوضح البيهقي للجويني في هذه الرسالة ما وقع فيه الأخير من أخطاء حديثية في كتابه الذي سماه (المحيط) عزم على أن لا يتقيد فيه بالمذهب وأن يقف على موارد الأحاديث مما حمل الجويني على العدول عن إتمام التأليف، شاكرًا للبيهقي حسن صنيعه، وجميل نصحه.
ويوجد لهذه الرسالة نسخة خطية مكونة من سبع ورقات بمكتبة أحمد الثالث باستنبول ضمن مجموعة رقمها ١١٢٧.
وقد طبعت ناقصة ضمن طبقات الشافعية للسبكي، كما سبق أن ذكرت.
_________________
(١) ١ دلائل النبوّة١/٦٣ تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان.
[ ٩٠ ]
١٩ - الزهد الكبير:
يتناول البيهقي - ﵀ - في هذا الكتاب ما ورد من الأخبار والآثار عن السلف والخلف في الترغيب في الزهد في الدنيا، حيث ذكر - ﵀ - أنه أورد في كتاب الجامع كثيرًا من الأخبار، والآثار الواردة في هذا الموضوع، وأنه أورد في كتاب (دلائل النبوّة) وغيره، كيف كان يعيش النبي ﷺ، ونظرًا لكثرة أقاويل السلف والخلف في فضيلة الزهد وكيفيته، أفرد لذكرها هذا المؤلف١ الذي يقع في خمسة أجزاء صغيرة، يبلغ عدد أوراقها مائة وتسع عشرة ورقة، ويوجد منه نسخة خطية نادرة بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة تحت رقم (١٤٢) حديث، كتبت سنة ست وعشرين وستمائة، وعليها عدة سماعات.
٢٠ - السنن الصغرى:
بيّن البيهقي في مقدمة قصيرة وضعها لهذا الكتاب أنه كما جعل كتاب الاعتقاد مختصرًا في العقائد فقد جعل هذا المصنف مختصرًا يرجع إليه في العبادات والمعاملات، والمناكحات، والحدود، والسير، والحكومات ويوجد لهذا الكتاب نسخة كاملة بمكتبة المتحف باستنبول تقع في اثنتين وتسعين وثلاثمائة ورقة، ورقمها:٢٦٦٤.
٢١ - معرفة السنن والآثار:
وهو كتاب نفيس لا يستغني عنه فقيه شافعي - كما قال السبكي. بل لا يستغني عنه فقيه كائنًا من كان.
ويبيّن - ﵀ - موضوع الكتاب وسبب تأليفه له بقوله في مقدمة الطويلة: "ثم إني رأيت المتفقهة من أصحابنا يأخذهم الملال من
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة الكتاب ل٣.
[ ٩١ ]
طول الكتاب، فخرجت ما احتج به الشافعي - ﵀ - من الأحاديث بأسانيده في الأصول والفروع، مع ما رواه مستأنسًا به غير معتمد عليه، أو حكاه لغيره مجيبًا عنه، على ترتيب (المختصر)، ونقلت ما وجدت من كلامه على الأخبار بالجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل. وأضفت إلى بعض ما أجمله من ذلك من كلام غيره ما فسره، وإلى بعض ما رواه من رواية غيره ما قواه"١.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة بمكتبة المتحف باستنبول، تبدأ من رقم ٢٦٣٨-٢٦٤٣.
وقد قام الأستاذ السيد أحمد صقر بتحقيق الجزء الأوّل منه، وتولى طبعه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر. ويطلق بعض العلماء على هذا الكتاب اسم (السنن الوسطى) ٢.
٢٢ - السنن الكبرى:
ويعتبر هذا الكتاب أهم مؤلفات البيهقي وأشهرها، جمع فيه أحاديث الأحكام، من أقوال الرسول ﷺ، وأفعاله وتقريراته وما يتعلق بالأحكام من موقوفات الصحابة، ومراسيل التابعين، فكان موسوعة كبرى، رتبه مؤلفه على المباحث الفقهية مبتدئًا بكتاب الطهارة، ومنتهيًا بكتاب عتق أمهات الأولاد، ويقع هذا الكتاب العظيم في عشرة مجلدات، قام بتحقيقه جماعة من علماء الدولة العثمانية، وطبع بمطبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن بالهند، وقد طبع بحاشيتها (الجوهر النقي في الرد على البيهقي) لابن التركماني.
_________________
(١) ١ معرفة السنن والآثار١/١٤٤. ٢ انظر: مقدمة الكوثري على كتاب أحكام القرآن ص:١٧.
[ ٩٢ ]
ويوجد منه بدار الكتب المصرية نسخة مخطوطة تحمل رقم (٢٥٤- ٢٦٧) حديث. وأخرى بمكتبة المتحف باستنبول رقم (٢٦٤٤-٢٦٦٠) .
ومما يدلّ على عظم مكانة هذا الكتاب بين كتب السنة، وانفراده بخصائص لم يحظ بها غيره، ما ورد من وصفه على ألسنة عدد كبير من جهابذة العلماء.
فمنهم الشيخ تقي الدين السبكي الذي قال عنه: "أما السنن الكبير فما صنف في علم الحديث مثله، تهذيبًا، وترتيبًا، وجودة"١.
ويقول الإمام الذهبي في وصف مصنفات البيهقي عامة وكتابه هذا خاصة: "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلّ من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر البيهقي، فينبغي للعالم أن يعتني بها، سيما سننه الكبير"٢.
وقال الإمام السخاوي عند ذكره: "فلا تعد عنه، لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام، بل لا تعلم - كما قال ابن الصلاح - في بابه مثله، ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن، ولكن قدمت تلك لتقدم مصنفيها في الوفاة، ومزيد جلالتهم"٣.
وكان البيهقي - ﵀ - قد قضى ردحًا طويلًا من حياته في تصنيف هذا الكتاب، حيث بدأ تأليفه سنة خمس وأربعمائة، وفرغ منه سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة٤.
_________________
(١) ١ طبقات الشافعية٤/٩. ٢ سير أعلام النبلاء١١/ل١٨٥. ٣ فتح المغيث للسخاوي٢/٣٣٣. ٤ السنن الكبرى١/٢، ١٠/٣٥١.
[ ٩٣ ]
ونظرًا لما لهذا الكتاب من أهمية بالغة فقد نال عناية العلماء دراسة وتهذيبًا، إذ يذكر حاجي خليفة أن الشيخ إبراهيم بن علي المعروف بابن عبد الخالق الدمشقي المتوفى سنة ٧٤٤؟ اختصر هذا الكتاب في خمسة مجلدات، كما ذكر ممن اختصره الحافظ شمس الدين محمّد بن أحمد الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨؟، والشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني المتوفى سنة ٩٧٤؟، وأن الجوهر النقي في الرد على البيهقي، الذي أشرت إليه سابقًا - قد قام بتلخيصه وترتيبه على حروف المعجم الشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة ٨٧٩؟ وسمّاه ترجيع الجوهر النقي١.
وهكذا تتضح لنا أهمية هذا الكتاب الجليل، الذي يعتبر – بحق – من أوسع الموسوعات العلمية قي أحاديث الأحكام.
٢٣ - القراءة خلف الإمام:
وهو من مصنفات البيهقي ذات الموضوع الواحد، تناول فيه مسألة القراءة للمأموم خلف الإمام، موردًا النصوص التي تناولتها، ومتبعًا أقوال العلماء فيها.
يوجد لهذا الكتاب نسخة مصورة بمعهد إحياء المخطوطات العربية تحت رقم (١٢٣) فقه شافعي، والأصل الذي صورت عنه يوجد بمكتبة أحمد الثالث، وتبلغ أوراقها إحدى وثمانين ورقة.
كما تم طبع هذا الكتاب طبعة حجرية بالهند بعناية (تلطف حسين) .
_________________
(١) ١ انظر: كشف الظنون٢/١٠٠٧، ويوجد من مختصر الذهبي المشار إليه هنا نسخة في مكتبة المتحف باستنبول، في ثلاثة مجلدات من رقم: ٢٦٦٦١-٢٦٦٣.
[ ٩٤ ]
٢٤ - القضاء والقدر:
خصّصه البيهقي - ﵀ - لبحث ما يتعلق بهذا الموضوع، ويبين ما يشتمل عليه بقوله في أوّله: "كتاب إثبات القدر، والبيان من كتاب الله جل ثناؤه، وسنة رسوله محمّد صلى الله عليه وسلموعلى آله، وأقاويل الصحابة والتابعة، وأئمة المسلمين، ﵃ أجمعين أن أفعال الخلق كلّها مقدرة لله ﷿، مكتوبة له، وإن الله ﷿ لم يزل عالمًا بما يكون، ولا يزال عالمًا بما كان ويكون"١.
وقد عثرت لهذا الكتاب القيم على نسخة خطية نادرة بمكتبة الشهيد علي باشا، ضمن المكتبة السليمانية باستنبول، تقع في ١١٠ ورقات، كتبت سنة ست وستين وخمسمائة وعليها عدة سماعات ورقمها في المكتبة المذكورة ١٤٨٨.
٢٥ - المبسوط:
ألّفه البيهقي ليكون جامعًا لكلام الإمام الشافعي ونصوصه في المسائل الفقهية مضبوطة، بعد ما ضاق صدره بما وجده في الكتب الجامعة لكلام الإمام الشافعي، والموردة للحكايات عنه دون تثبت.
ولهذا السبب قام بتأليف هذا الكتاب، كما قال في رسالته إلى أبي محمّد الجويني: " وكنت أدام الله عزّ الشيخ أنظر في كتب بعض أصحابنا وحكايات من حكى منهم عن الشافعي نصًا، وأبصر اختلافهم في بعضها فيضيق قلبي بالاختلاف، مع كراهية الحكاية من غير تثبت، فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني على ترتيب المختصر"٢.
_________________
(١) ١ القضاء والقدر ل٢. ٢ رسالة البيهقي إلى الجويني ل١٦ من المجموعة.
[ ٩٥ ]
ثم ذكر - ﵀ - من تلك الكتب التي وجد الاختلاف بينها في النقل عن الشافعي ثلاثة أورد أسماءها، ولم يذكر مؤلفيها وهي: التقريب وجمع الجوامع، وعيون المسائل١.
وقد وصف السبكي هذا الكتاب بأنه لم يصنف في نوعه مثله٢.
كما وصفه حاجي خليفة بأنه من أعظم كتبه قدرًا، وأبسطها علما، يكون في عشرين مجلدًا٣.
٢٦ - المدخل إلى كتاب السنن:
وهو عبارة عن مقدمة وضعها البيهقي لكتاب السنن الكبرى في كتاب مستقل، وموضوع الكتاب يدور حول فضل العلم والعلماء، وما يجب أن يتحلى به العالم من خصال حميدة.
ويوجد لهذا الكتاب نسخة خطية بمكتبة الجمعية الآسيوية بكلكتا تحت رقم ٣٦٨، ويوجد من نفس النسخة صورة ميكروفيلم بمركز البحث العلمي بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرّمة، وأخرى بمكتبة الشيخ عبد الرحيم صديقي. إلا أن النسخة ناقصة من أولها، حيث تبتدئ
_________________
(١) ١ ذكر الأستاذ السيد أحمد صقر مؤلفي هذه الكتب على النحو التالي: (التقريب): للقاسم بن محمّد بن علي الشاشي، ابن الإمام القفال الكبير. وكتاب (جمع الجوامع) ألفه أبو سهل بن العفريس الزوزني تلميذ الأصم. أما (عيون المسائل) فمؤلفه أبو بكر الفاسي، أحمد بن الحسن بن سهل تلميذ ابن سريج. انظر مقدمة السنن والآثار ص: ٢٥، ٢٦. ٢ طبقات الشافعية٤/٩. ٣ كشف الظنون٢/١٥٨٢.
[ ٩٦ ]
بأثناء الباب الذي يسبق باب (الحديث الذي لم يرو خلافه عن رسول الله ﷺ) وتنتهي بباب (ما يخشى من رفع العلم وظهور الجهل) .
وهذه النسخة التي اطلعت عليها نادرة، وقد كان الفراغ من كتابتها سنة ٦٣٥؟، وعليها عدة سماعات بخط ابن الصلاح، والحافظ المزي وعدة سماعات أخرى.
٢٧ - مناقب الشافعي:
تناول البيهقي في هذا المصنف حياة الإمام الشافعي بجميع جوانبها استجابة لطلب بعض العلماء وفي ذلك يقول: "وقد سألني بعض أصحابنا من أهل العلم والبصيرة أن أجمع كتابًا مشتملًا على ذكر مولد الشافعي ونسبه، وتعلمه، وتعليمه، وتصرفه في العلم، وتصانيفه، واعتراف علماء دهره بفضله، وما يستدل به على كمال عقله، وزهده في الدنيا، وورعه، واشتهاره بخصال الخير، ومكارم الأخلاق - في وقته وبعد وفاته - فأجبته إلى مسألته"١.
ويقع هذا المؤلف في جزئين، قام بتحقيقهما الأستاذ السيد أحمد صقر، وطبع لأوّل مرة بدار النصر للطباعة بالقاهرة سنة ١٣٩١؟.
وقد فاق البيهقي الكثيرين ممن كتبوا عن حياة الإمام الشافعي إذ أصبح كتابه هذا نموذجًا للتأليف في المناقب.
وقد نقل ياقوت الحموي في معجم الأدباء عند ترجمته للإمام الشافعي قدرًا كبيرًا من هذا الكتاب٢.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة المحقّق١/٨. ٢ انظر: معجم الأدباء١١/٣١٠-٣٢٠.
[ ٩٧ ]
وثمة مؤلفات أخرى سوى ما ذكرت فيما تقدم، عدها العلماء الذين ترجموا للبيهقي ضمن مؤلفاته، وقد أشار البيهقي إلى بعضها، وهذه المؤلفات هي:
١ - كتاب الأسرى.
٢ - كتاب الإيمان.
٣ - الترغيب والترهيب.
٤ - الدعوات الصغير.
٥ - كتاب الرؤية.
٦ - الزهد الصغير.
٧ - فضائل الأوقات.
٨ - فضائل الصحابة.
٩ - مناقب الإمام أحمد.
ويوجد في فهرس المخطوطات المصورة بدار الكتب القطرية اسم لكتاب منسوب للبيهقي، وهذا الكتاب هو: العيون في الرد على أهل البدع١ وأشير عند ذكره إلى أنه مصور عن نسخة مخطوطة بمكتبة أمبروزيانا في ميلانو بإيطاليا تحت رقم ٦٦.
وأخيرًا أحب أن أشير إلى أن أحدًا ممن ترجم للبيهقي، وعد مؤلفاته لم يدع استقصاءها، بل الكل يشير إلى أنه إنما ذكر بعضًا منها، وذلك
_________________
(١) ١ انظر: ص: ١٦ من الفهرس المذكور. وهو موجود بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة.
[ ٩٨ ]
يدل على أن له مؤلفات غير هذه لم نهتد إلى أسمائها، وقد سبق أن نقلت عني السيوطي وابن عساكر أن مؤلفاته تصل إلى ألف جزء، مما يشير إلى أن بعضًا من كتب البيهقي لا زال في عالم المجهول.
وكثرة مؤلفاته - ﵀ - تدل على عنايته بالتأليف واتجاهه إليه مما جعله ينتج هذا المقدار الضخم من المؤلفات في شتى ميادين المعرفة فجزاه الله عن الإسلام وأهله أوفر الجزاء.
[ ٩٩ ]
الفصل السادس: منهج البيهقي في الاستدلال
لقد تعددت السبل، واختلفت المناهج في الاستدلال على مسائل العقيدة، سيما ما يتعلق منها بذات الله ﵎، من إثبات لوجوده ووحدانيته، وأسمائه، وصفاته.
فقد ذهب أناس إلى تقديم الجانب العقلي على الجانب السمعي واعتبار العقل هو الأساس الذي يجب أن يكون تصوّره منطلقًا لإثبات مسائل العقيدة، وذلك هو ما اشتهر عن المعتزلة ومتكلمي الأشاعرة، لذلك اتبع هؤلاء منهجًا فلسفيًا، وصفه الدكتور محمود قاسم بأنه أقل وضوحًا وقوة، وأنه منهج واه، لأنه منهج جدل، لا منهج إقناع، وأنه لا يصلح لا للعلماء، ولا للعامة بل هو أعجز عن أن يقنع المتكلمين أنفسهم١.
إلاّ أن البيهقي - ﵀ - وإن كان أشعري العقيدة - كما سيتضح لنا ذلك فيما بعد إن شاء الله - فإنه سلك منهجًا متميزًا يتسم بحب واضح، وتفضيل أكيد لسلوك الأدلة النقلية الواردة لإثبات مسائل العقيدة، مع الأخذ بالأدلة العقلية إلى جانب النقلية، وذلك فيما للعقل فيه مجال، كإثبات الوجود، والوحدانية والصفات العقلية.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة مناهج الأدلة لابن رشد، تقديم الدكتور محمود قاسم ص: ٩.
[ ١٠٣ ]
فإثبات وجود الله مثلًا - وهو من أكبر قضايا العقيدة - كان المنهج فيه بين المتكلمين والفلاسفة محل اتفاق، إذ اتفقوا جميعًا على أن الإيمان بوجود الله تعالى، لا يكون إلاّ باستخدام العقل، والاعتماد عليه١.
وهو أمر سيتضح لنا في موضعه من هذا البحث إن شاء الله.
والبيهقي - ﵀ - وإن اعترف للعقل بفضله ومكانته في إثبات هذه القضية، إلاّ أن الطرق العقلية التي سلكها في هذا المجال شرعية أيضًا، لأن الشرع أرشد إليها، ونبه الخلق عليها، مثل طريقي النظر في الملكوت وفي الأنفس، كما سلك طريق المعجزة، وكلّها طرق شرعية صحيحة إلاّ أنه أضاف إليها طريق الحدوث، وهو طريق سليم لا غبار عليه، لولا ما صاحبه من استدلال بحدوث الأعراض على حدوث الجواهر، وهو استدلال قرره المتكلمون، ووافقهم عليه البيهقي، إلاّ أنه لم يجعله أصلًا كما جعلوه بل وافق على إمكان سلوكه للاستدلال على وجود الله تعالى، مع أنه يرى أن طريقي النظر أولى بدليل فرط عنايته بهما، كما سيتبين لنا ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وإذا كان هذا هو منهج الييهقي في إثبات قضية الوجود فإن منهجه في إثبات الأسماء والصفات رسم له حدودًا واضحة المعالم، إذ قال في إثبات أسماء الله تعالى: "إثبات أسماء الله تعالى ذكره بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة"٢.
_________________
(١) ١ انظر: المصدر نفسه ص: ١١. ٢ الأسماء والصفات ص: ٣.
[ ١٠٤ ]
وقال في إثبات الصفات: "لا يجوز وصفه إلاّ بما دل عليه كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله ﷺ، أو أجمع عليه سلف هذه الأمة"١.
وهذا منهج واضح حدده البيهقي لإثبات الأسماء والصفات وسار عليه في الاستدلال، فإننا نجده يستدل لكل مسألة من مسائل العقيدة بإيراد نصوصها التي جاءت بإثباتها، وذكر الآثار المروية عن السلف في ذلك. وهذا منهج سلفي قويم طالما أكد السلف الالتزام به، وحذروا من تنكبه، فمن يطالع كتب السلف، ويقارن بها كتب البيهقي يجد منهج الاستدلال واحدًا، وأسلوب العرض هو نفس الأسلوب الذي سلكه البيهقي.
وقد وصف شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - منهج السلف بقوله: "فالأصل في هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسله، نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه وقد علم أن طريقة السلف وأئمتهم إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه"٢.
وإذا كان البيهقي قد اتفق مع السلف في منهج الاستدلال فهل اتفق معهم في تطبيق ذلك المنهج على جميع الصفات؟
الواقع أن الباب الثاني من هذا البحث سيفصل الجواب عن هذا السؤال، إلاّ أنني هنا أجمل الجواب ببيان موجز لمنهج التطبيق بعد أن عرفنا منهج الاستدلال.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص:١١٠. ٢ الرسالة التدمرية لابن تيمية ص: ٤.
[ ١٠٥ ]
فالتطبيق الطبيعي لمنهج البيهقي السالف كان ينبغي أن تكون نتيجته الإثبات لجميع الصفات لتوفر جميع العناصر التي اشترطها في أدلتها. فكل صفة من صفات الله تعالى ورد إثباتها بالكتاب أو بالسنة أو بهما معًا، مع توفر الإجماع من جانب السلف على وصفه سبحانه بها لوضوح أدلتها، وصراحتها في ذلك. إلاّ أن ما حصل من البيهقي كان بخلاف ذلك، لأنه اتفق مع السلف في إثبات بعض الصفات، وخالفهم في بعضها الآخر، حيث أوله، أو فوض فيه.
فهذه ثلاثة مناهج سلكها البيهقي في أمر كان ينبغي أن يكون الكلام فيه على نمط واحد لأن ما يقال في بعض الصفات ينبغي أن يقال في بعضها الآخر، وهو إلزام لجميع نفاة الصفات لإثباتهم لذات الله تعالى والكلام عن الصفات لا بد وأن يكون فرعًا عن الكلام في الذات، فإذا ثبتت الذات كان لا بد من ثبوت صفاتها يقينًا، وأي شبهة يوردها أولئك النفاة فإنها تلزم ما أثبتوه من صفات، إذ لا فرق حينئذٍ بين القول في صفة والقول في أخرى.
وللبيهقي أسلوب خاص في التفريق بين ما يرى إثباته حقيقة وبين ما أوله أو فوض فيه، وذلك عن طريق الترجمة لبحث الصفة، لأنه حين يرمي إلى إثباتها إثباتًاحقيقيًا يترجم لأدلتها بقوله: (باب ما جاء في إثبات كذا) كما هو الحال عند كلامه على الصفات العقلية كالحياة، والعلم، والقدرة وغيرها. حيث ترجم لصفة الحياة بقوله: (باب ما جاء في إثبات صفة الحياة) ١ وسلك في الترجمة نفس الأسلوب لبقية هذا النوع من الصفات.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١١١.
[ ١٠٦ ]
وكذا كان فعله فيما أثبته من الصفات الخبرية، كاليدين والوجه والعينين.
أما ما لا يرى إثباته منها، بل سلك فيه أحد المنهجين الآخرين التفويض أو التأويل، فإنه اتخذ له طريقة أخرى في الترجمة كأن يقول (باب ما جاء في كذا، أو في ذكر كذا) . كما فعل في ترجمته لليمين والكف، والأصابع١. وقال في ترجمته لصفة الاستواء التي فوض فيها (باب ما جاء في قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢.
وهو يرمي من وراء هذا الأسلوب أن يكون رأيه واضحًا من أول وهلة فما صرح فيه بالإثبات في الترجمة فإن ذلك يعني أنه يثبته إثباتًا حقيقيًا على طريق السلف في ذلك.
أما إذا سلك أحد الطريقين الآخرين فإن ذلك يعني أنه إما مفوض في تلك الصفة، أو مؤول فيها.
فالصفات العقلية بنوعيها سنرى كيف أنه مثبت لها على طريقة السلف فوافق بذلك الإثبات ما أورده من أدلة لها.
أما بقية الصفات فإن البيهقي لم يتفق مع السلف في منهج التطبيق لما وردت به أدلتها، عدا ثلاث صفات هي: الوجه واليدين والعين من صفات الذات الخبرية مع أن ما أورده من أدلة لبقية الصفات صريحة في ذلك الإثبات، ومع ذلك أولها، لسبب سنعرفه في موضعه بإذن الله.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص: ٣٣٣. ٢ المصدر نفسه ص: ٤٠٥.
[ ١٠٧ ]
أما صفات الفعل الخبرية فلم يسعد منها شيء بالإثبات عند البيهقي إذ إنه سلك فيها مسلكين بعيدين كل البعد عن الإثبات هما: التأويل والتفويض. ففوض في الاستواء، والنزول وما في معناه كالإتيان والمجيء، وأول في ما تبقى منها.
وسنرى جميع ما أوجزته هنا واضحًا ومفصلًا في الجزء الثاني من هذا البحث بإذن الله.
إلاّ أنني أحب أن أنبه هنا إلى أن ما تقدم من عرض موجز لمنهج الاستدلال ومنهج التطبيق عند البيهقي يوضح لنا كيف أنه اتفق مع السلف في منهج الاستدلال وطريقة العرض لمسائل العقيدة، إلاّ أنه خالفهم عند التطبيق الذي هو الأهم، فلم يثبت جميع ما أثبتته الأدلة التي ساقها بل كان مترددًا في منهج التطبيق، فهو سلفي في بعضه، وأشعري في بعضه الآخر. وهو أسلوب يجعلنا نحكم على البيهقي بالتناقض المنهجي في مجال التطبيق، لتردده بين الأشعرية والسلفية في ذلك، بينما كان السلف أصحاب منهج واحد استدلالًا وتطبيقًا، فأثبتوا ما كان مثبتًا بالدليل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وكانوا بذلك أبعد الناس عن منهجي التأويل والتفويض.
وقد لاحظت من منهج البيهقي في إيراده لمسائل العقيدة والاستدلال عليها أنه لا يهتم برأي الخصوم في كل مسألة يوردها إذ أحيانا يتعرض لها ويناقشها، كما فعل عند بحثه لمسألة القول بخلق القرآن حين ذكر أن ذلك مذهب الجهمية، ثم تناول الرد عليهم بإسهاب
[ ١٠٨ ]
وتفصيل، وكما فعل حين رد على مؤولي ما أثبته من الصفات الخبرية، الوجه، واليدين، والعين بطريقة تشعر أساسًا بأنه قصد أولًا بيان سلامة مذهبه ومن ثم رد ما ذهب إليه مخالفوه، وأحيانًا أخرى لا يزيد على إيراد مذهبه وحده.
والحاصل أن ما احتوته مباحث الإلهيات عند البيهقي قصد منه أساسًا تقرير ما يراه واجب الاعتقاد، حتى فيما تعرض له من آراء الخصوم.
وهذه أمور سيتضح لنا بيانها أكثر في الباب الثاني من هذا البحث الذي أنقل القارئ إليه في الصفحات التالية.
[ ١٠٩ ]