الفصل الأوّل: منهج البيهقي في إثبات وجود الله
١ - تمهيد.
٢ - منهج البيهقي.
٣ - طريق النظر إلى المخلوقات.
٤ - طريق المعجزة.
٥ - طريق الحدوث.
تمهيد:
يعتبر الإيمان بوجود الله تعالى أصل الأصول في الدين، وهذا الإيمان أمر فطري في البشر جميعًا، إذ كل إنسان يقر بوجود الله تعالى - منذ عهد آدم ﵇، والعقل البشري يدرك هذه الحقيقة الجلية، بما أودع الله فيه من ضرورة يحس بها، دون أن يكون بحاجة إلى منهج مرسوم يسلكه للتعرف على خالقه، بارئه ومكونه، موجده من العدم، وميسر رزقه وتقلبه في هذه الحياة، إذ كانت الإشارات التي تشير إلى الله أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل موجود، من النبتة الصغيرة الملتصقة بالأرض، إلى النخلة الباسقة الذاهبة في السماء ومن النمل يدب على الأرض إلى النسور المحلقة في الفضاء.
بل من كل كائن في الأرض، إلى كل كوكب ونجم في السماء، كل هذه المخلوقات تشير إلى هذه الحقيقة، إشارة ضرورة لازمة، وحتمية مطلقة، فهي من الأمور القطعية، التي تضافرت الأدلة الحسية على إثباتها، يشهد لذلك قول ذلك الأعرابي: "البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ "١
_________________
(١) ١ من خطبة لقس بن ساعده. انظر: جوهر الأدب لأحمد الهاشمي٢/١٩، والبيان والتبيين للجاحظ١/١٦٣.
[ ١١٤ ]
فهذا الأعرابي قد أدرك بفطرته السليمة التي فطره الله عليها أن هذه المخلوقات بما فيها من عجائب، ونظام محكم، من تعاقب الليل والنهار، ومن سماء مزينة بالنجوم والكواكب مسيرة بدقة متناهية لا يمكن أن توجد إلاّ بسبب أوجدها، وصيرها إلى ما هي فيه من إحكام وإتقان.
والتاريخ المصري القديم يحكي لنا قصة ذلك الرجل المغامر (سنوحى) الذي فر من مصر، وأخذ يتنقل في بلاد الشرق الأدنى وحظي فيها بضروب النعيم والشرف، ولكنه لم يطق فراق وطنه، فقد برح به، الحنين إلى بلاده، فاتخذ سبيله للعودة إليها، وفي الطريق لقي أهوالًا مروعة، فكان يناجي من يأخذ بيده، أنه لا يعرف من يناجيه ولكنه يثق في ضميره بأن هناك قوة مطلقة لا حدود لها، ولكن أين هي؟، وما كنهها؟ إنه لا يدري، ومع هذا فهو يهتف بها في أعماقه قائلًا: "ألا أيها الإله، أيا كنت، يا من قدرت على الفرار، أعدني إلى وطني"١.
إنها صرخة الاستغاثة والنجدة، تنطلق من ضمير الإنسان إلى تلك القوة المطلقة، التي يؤمن بوجودها دون أن يراها.
والقرآن الكريم يحكي لنا وجود هذه الفطرة في قلوب المشركين فهم يلوذون بها في حال الشدة كما قال تعالى عنهم: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ قصة الحضارة، ول، ديورانت ٢/١١١. ٢ سورة يونس آية: ٣٣.
[ ١١٥ ]
وهكذا، فإن هذه القضية وإن كانت جافة على الصعيد الفلسفي فهي بدهية على الصعيد الحسي، لا تحتاج إلى برهان، لأنها من ضرورات الفطرة، لذا فإن القرآن الكريم يطرحها كقضية مسلمة لا تحتاج إلى استدلال، ولا تحتمل الجدال والمماراة، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢. وهاك مثلًا آخر على ارتكاز هذه القضية في الفطرة، وضرورة الإحساس بها، فنحن نعلم جميعًا المطلب الأسمى الذي أفنى الفلاسفة حياتهم في سبيل الوصول إليه وتبين حقيقته فكل منهم سلك الطريق التي رآها مناسبة لإيصاله إلى بغيته، فوضع الأدلة، ووصل بها إلى ما أراد، فضلًا عن كونهم وصلوا إلى الإله الحق، أم أنهم وصلوا إلى مجرد وجود إله، أيًا كان في تصورهم، إذ المهم أنهم وصلوا إلى حقيقة أحسوا بالضرورة إليها وعدم الاستغناء عنها فأدركوا أن لهذا الكون موجدًا ثم إن هذه الغريزة الفطرية لم تكن قاصرة على البشر وحدهم بل كل مخلوق على هذه الأرض يحس بها ويهرع إليها، ولعل من أبرز الأدلة على ذلك قصة الهدهد مع سليمان ﵇، التي ذكرها القرآن الكريم في قوله سبحانه حكاية عن الهدهد: ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ - إلى قوله – ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٥١. ٢ سورة الزخرف آية: ٨٧. ٣ سورة النمل آية: ٢٢-٢٦.
[ ١١٦ ]
فهذا كلام الهدهد كما اتفق على ذلك المفسرون، وهو طير من الطيور، فهو - كما يقول عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ – "غديم العقل، يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد، وأعلمه بغير ذلك"١.
بعد هذا كله يتبين لنا أن وجود الله تعالى أمر فطري لا يحتاج إلى دليل، والدليل إنما يكون عند تغير الفطرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك قد تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها"٢.
والشيطان دائم الحرص على تغيير هذه الفطرة، وإفسادها باجتبال من يقدر عليه من بني الإنسان، فنحن نلاحظ أن المجتمع الإنساني لا يخلو من وجود فئة ملحدة، تنكر وجود الله تعالى، لذلك وجد الاستدلال على هذه القضية الفطرية، لتقوم الحجة على تلك الطائفة الشاذة عن الطبيعة الإنسانية، والمتمردة على الفطرة الثابتة في نفوس البشر جميعًا، حتى فيهم أنفسهم، إذ إن ما يظهر من بعض الملحدين من الكفر بالله، والاستهزاء
_________________
(١) ١ مجموعة الرسائل الكبرى٢/٣٤٤. ٢ مجموع الفتاوى٦/٧٣، وما قررناه هنا من أن الإقرار بالخالق أمر فطري، وأن الانحراف أمر طارئ على الإنسانية حين فساد الفطرة، هو ما قرره الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) (١/ ٩٣، ٩٤)، وابن القيم في (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) (٢/١٥٢)، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة إلى الجمهور ٢/٢٠٢.
[ ١١٧ ]
برسله الداعين إليه، وإلى إفراده بالعبادة فإن ذلك لا يعني أنه مبني على يقين كامل بعدم وجود إله واحد، خالق لهذا الكون، ومصرف لأموره، وإنما هو مكابرة، وتحويل للفطرة التي فطر الله الناس عليها، من أجل الحصول على غرض شخصي، من ادعاء للألوهية، كما فعل فرعودن، أو من أجل التجرد عن القيم الإنسانية التي دعا إليها الرسل والتفرغ للمادة وجعلها هي الإله كما فعل الملحدون في العصر الحديث.
والملحدون لا يقدرون على تقديم أدلة على إلحادهم، وكل ما يفعلونه شبه واهية، يوجهونها إلى الدين، وهي شبه واضحة البطلان.
وقصارى القول: إن الأدلة التي يرشد إليها القرآن الكريم إنما تكون للمؤمن ليزداد معرفة بالله، وعظمته، وكمال قدرته، وفي حق من فسدت فطرته واعظة ومرشدة للعودة إلى الفطرة التي ند عنها، وتنكر لها.
وقبل أن أبدأ في بيان الأدلة التي سلكها البيهقي لإثبات وجود الله، إليك إيجازًا لمسلك كل من الفلاسفة والمتكلمين في الاستدلال على هذه القضية، حتى يتبين لنا اتجاه شيخنا البيهقي:
١ - المتكلمون:
سلك المفكرون في إثبات وجود الله تعالى طرقًا متعددة، فالمتكلمون كان عمدتهم في ذلك حدوث العالم، وقد بين ذلك صاحب المواقف بقوله: "قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، وقد يستدل على إثبات الصانع بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه وجوه أربعة"١.
_________________
(١) ١ المواقف للإيجي (قسم الإلهيّات) تحقيق الدكتور أحمد المهدي ص: هـ، وقد ذكر ابن رشد هذا المسلك على أنه للأشاعرة إلا أنه أشار إلى موافقة المعتزلة لهم فيه بقوله: "وأما المعتزلة فإنه لم يصل إلينا في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلكوها في هذا المعنى، ويشبه أن تكون طرقهم من جنس طرق الأشاعرة". انظر مناهج الأدلة ص: ١٥١، والأمر كما قال. انظر شرح الأصول الخمسة ص: ٩٢.
[ ١١٨ ]
ولسنا بحاجة إلى بيان هذه الطرق جميعها، فإن فيها كلامًا كثيرًا لا موضع له هنا، وحسبنا أن نشير إلى أن المتكلمين جميعًا بنوا رأيهم في إثبات وجود الله تعالى على حدوث العالم، ذهابًا منهم إلى أن الحدوث هو العلة المحوجة إلى المؤثر، وأنه إذا ثبت أن العالم حادث، كان لا بد له من محدث يخرجه من حيز العدم إلى حيز الوجود وسيأتي لهذا الدليل مزيد بيان - إن شاء الله - حيث إنه من الأدلة التي سلكها البيهقي، لاقتناعه بصحتها.
٢ - الفلاسفة:
وقد سلكوا في إثبات وجود الله تعالى طريق الوجوب والإمكان وقسموا الموجودات إلى واجب، وممكن، بدلًا من قديم وحادث، وذلك نظرًا لأنهم لا يقولون بحدوث العالم، فاستدلوا بالإمكان بدل الحدوث، وقد لخص صاحب المواقف هذا الاستدلال فقال: "المسلك الثاني: للحكماء وهو أن - في الواقع - موجودًا، فإن كان واجبًا فذاك، وإن كان ممكنًا احتاج إلى مؤثر، ولا بد من الانتهاء إلى الواجب وإلا لزم الدور أو التسلسل"١. وهذا محال.
وليس هذا محل تفصيل لهذا الدليل فأكتفي بما أوردته من تلخيص الإيجي له، ومن أراد المزيد فعليه بإشارات ابن سينا الذي استوفى تفصيله هناك٢.
_________________
(١) ١ المواقف ص:٨. ٢ انظر: الإشارات والتنبيهات لابن سينا٣/٤٤٧-٤٤٥.
[ ١١٩ ]
منهج البيهقي:
أمّا عن الشيخ البيهقي، فإنه قد تبين لنا من خلال تتبعنا لما ذكره من استدلال على هذه القضية أنه يركز على الأدلة الشرعية الواردة في هذا الموضوع، ويذكر طريقة المتكلمين أيضًا على أنها طريقة صحيحة، ورد بها القرآن الكريم، جريًا على ما ذكروه من تأييد لها، إلا أنه - كما سيتبين إن شاء الله - اهتم اهتمامًا بالغًا بطريقة النظر التي أوردها القرآن الكريم، وبطريق المعجزة التي هي الأخرى من الطرق الشرعية التي يمكن الاستدلال بها. أما عن طريق الفلاسفة فإن البيهقي لم يتعرض لها بتأييد ولا نقد.
وإذًا فالطرق التي سلكها تنحصر في ثلاث:
- طريق النظر في المخلوقات.
- طريق المعجزة.
- طريق الحدوث.
ولنبدأ أوّلًا بأهم الطرق التي سلكها البيهقي - ﵀ - وهي:
طريق النظر في المخلوقات:
فهذا الكون الفسيح، بما فيه من عجائب مخلوقات الله تعالى بل نفس الإنسان، وهي أقرب ما يمكن التفكر فيه، والتدبر في ذلك التناسق العجيب بين كافة الأعضاء، التي خلقها الله، وركبها في الجسم البشري، ووكل إلى كل منها وظيفة مهمة يؤديها على أكمل وجه وأدق نظام.
[ ١٢٠ ]
كلّ هذه الأمور وغيرها مما يشتمل عليه هذا الكون الفسيح من عجائب مخلوقات الله، كل ذلك يدل بوضوح على أن لهذا الكون خالقًا أوجده، وقدر جميع ما يجري فيه.
فالإنسان أينما جال بنظره، وتمعن بفكره، رأى دليلًا على وجود الله.
وهذا النظر عند البيهقي - إما أن يتجه إلى الكون بما فيه من مخلوقات، وإما أن يتجه إلى الإنسان نفسه.
١ - فأما النظر في الملكوت:
فإن من نظر إلى السماوات، بما فيها من أجرام، وإلى الأرض بما فيها من كائنات مختلفة الأنواع والألوان، استطاع أن يصل من نظره ذاك إلى إثبات وجود الله خلق تلك الكائنات، وسيرها بنظام، وحكمة تدل على عظم خالقها، وقدرته البالغة.
يقول البيهقي بعد سوقه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١.
يقول: "فذكر الله ﷿ خلق السماوات، بما فيها الشمس، والقمر، والنجوم المسخرات، وذكر خلق الأرض بما فيها من البحار، والأنهار والجبال، والمعادن، وذكر اختلاف الليل والنهار، وأخذ أحدهما من الآخر
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ١٦٤.
[ ١٢١ ]
وذكر الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وذكر ما أنزل من السماء من المطر الذي فيه حياة البلاد، وبه وبما وضع الله في الليل والنهار من الحر والبرد يتم رزق العباد، والبهائم والدواب، وذكر ما بث في الأرض من كل دابة مختلفة الصور والأجساد، مختلفة الألسنة والألوان، وذكر تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وما فيهما من منافع الحيوانات وما في جميع ذلك من الآيات البينات لقوم يعقلون"١.
فهذه أمور واضحة محسوسة، إذا تمعن فيها الإنسان وحكم عقله خلص من ذلك إلى أن هذه كائنات لم يكن وجودها ذاتيًا، ولم يكن لها أن تسير أنفسها بتلك الدقة المتناهية، وذلك التناسق العجيب بل وجودها وفق هذا النظام المحكم دليل واضح على أن لها موجدًا خلقها، وقدر فيها وظائفها الموكول إليها تأديتها، وسيرها نحو أداء الغرض الذي خلقت من أجله بغاية الدقة والإحكام.
ثم أردف البيهقي - ﵀ - بسوق آية أخرى تتضمن الأمر الإلهي بالنظر السابق حيث قال: "ثم أمر في آية أخرى بالنظر فيهما فقال لنبيه ﷺ: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢. يعني - والله أعلم - من الآيات الواضحات والدلالات النيرات، وهذا لأنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك، واعتبرتها بفكرك، وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص:٦، ٧. ٢ سورة يونس آية: ١٠١.
[ ١٢٢ ]
مبسوطة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وضروب النبات مهيأة للمطاعم والملابس والمآرب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالمملك البيت المخول ما فيه، وفي هذا دلالة واضحة، على أن العالم مخلوق بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعًا حكيمًا، تام القدرة، بالغ الحكمة ١.
فهذا التكامل التام الذي نجده مودعًا في هذا الكون، أرضه وسماءه، يدلّ على وجود الخالق الذي أوجده وقدر ذلك الإحكام الكامل والتناسق التام، إذ لا قيمة لأرض بدون سماء هي مصدر نورها، ومنبع حياتها إذ منها ينزل المطر الذي جعله الله مصدر الحياة، ثم هذه الحياة لا قيمة لها بدون هذه الأرض التي أودع الله فيها صنوف الخيرات من أجل إسعاد هذا الإنسان الذي استخلفه الله، واستعمره فيها.
فالبيهقي - رحمه الله تعالى - يرى ضرورة الاستدلال لإثبات الصانع، بالأدلة الشرعية التي ورد بها القرآن الكريم، وهي نفس الآيات التي يستلزم العلم بها العلم بالله تعالى، استلزام العلم بالشعاع العلم بوجود مصدره. وهي - ولا ريب - طريقة سليمة، خالية من التعقيد، وجلية عن الغموض الذي اكتنف طرق المتكلمين، ولا غرو فهي طريقة القرآن الكريم التي أراد الله ﷾ من خلالها أن تكون في متناول جميع الطبقات، وفي مستوى جميع العقول.
وهذه الطرق قد اشتملت على نوعين، ذكرها ابن رشد، وبين أنهما الطرق الشرعية السليمة التي سلكها القران الكريم، وأرشد إليها٢.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٧. ٢ انظر: مناهج الأدلة ص: ١٥١-١٥٥.
[ ١٢٣ ]
وهما ما يسمى بدليل العناية، ودليل الاختراع. وكلا الآيتين السابقتين متضمنة لهذين النوعين من الأدلة.
٢ - وأما النظر في الأنفس:
فإن فيها من آثار الصنعة الإلهية ما يشير إلى إثبات الصانع، لأن الإنسان إذا نظر في نفسه وجدها تشتمل على ما لا يستطيع هو إيجاده فللإنسان يدان يبطش بهما، ورجلان يمشي عليهما، وعينان يبصر بهما ويلاحظ من نفسه أمورًا عجيبة، لا يمكن أن تكون وليدة صدفة، فلا بد لها من مكون، حكيم في صنعه وتقديره، فالإنسان بعد خروجه من بطن أمه يمر بأطوار شتى، فمن الطفولة يرتقي إلى طور أشد فأشد، ثم يرد في نهاية ذلك إلى أرذل العمر، وقبل ذلك في بطن أمه، يمر بأطوار أيضًا لا قدرة لمخلوق على القيام بإمرار نفسه فيها، فمن نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، ثم إلى عظام، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم يكون خلقًا آخر..
فتبارك الله أحسن الخالقين. ولبيان هذه الطريق يقول البيهقي: "وحثهم على النظر في أنفسهم والتفكر فيها، فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١. يعني لما فيها من الإشارة إلى آثار الصنعة الموجودة في الإنسان، من يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي عليهما وعين يبصر بها، وأذن يسمع بها، ولسان يتكلم به، وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع، وحاجته إلى الغذاء، يطحن بها الطعام، ومعدة أعدت لطبخ
_________________
(١) ١ سورة الذاريات آية: ٢١.
[ ١٢٤ ]
الغذاء، وكبد يسلك إليها صفوه، وعروق ومعابر تنفذ فيها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثقل الطعام، ويبرز عن أسفل البدن فيستدل بها على أن لها صانعًا حكيمًا، عالمًا قديرًا"١.
وهناك ظاهرة أخرى يلاحظها البيهقي في جسد الإنسان وهي وجود المتضادات والمتنافرات مجتمعة فيه من حرارة، وبرودة ورطوبة ويبوسة ورأى ذلك دليلًا حيًا على أن هناك من قدر اجتماعها في بدن الإنسان، مع أنها من المتضادات التي لا يمكن لمخلوق أن يجمع بينها، وفي بيان ذلك يقول البيهقي: "ثم إنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التنافر والتباين والتفاسد، مجموعة في بدن الإنسان، وأبدان سائر الحيوان، وهي الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، فقلنا إن جامعًا جمعها وقهرها على الاجتماع، وأقامها بلطفه، ولولا ذلك لتنافرت، ولتفاسدت، ولو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات، وتتقاوم من غير جامع يجمعها، لجاز أن يجتمع الماء والنار، ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعهما، ومقيم يقيمهما، وهذا محال لا يتوهم، فثبت أن اجتماعها إنما كان بجامع قهرها على الاجتماع والالتئام، وهو الله الواحد القهار"٢.
وهذا النوع من الاستدلال أشار إليه القرآن الكريم بقوله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص:٨. ٢ الاعتقاد ص:٨. ٣ سورة يس آية: ٨٠.
[ ١٢٥ ]
ثم يلتفت البيهقي بعد ذلك إلى خلق الإنسان، ومروره بأطوار مختلفة، يستحيل عليه أن يمر بها بتقدير من نفسه وتدبير من ذاته حيث قال: "وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز، تحول أنفسنا من حالة إلى حالة، وتغيرها، ليستدل بذلك على خالقها، ومحولها، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ١. وقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ ٢.
فالإنسان إذا فكر في نفسه، رآها مدبرة وعلى أحوال شتى مصرفة كان نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحمًا وعظمًا، فيعلم أنه لم ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث لنفسه في الحال الأفضل، التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده، عضوًا من الأعضاء ولا يمكنه أن يزيد في جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في حال نقصه وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز، وقد يرى نفسه شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة، إلى الشيخوخة والهرم ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب، ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أن ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه وأن له صانعًا صنعه، وناقلًا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل، ولا مدبر"٣.
_________________
(١) ١ سورة نوح آية: ١٣-١٤. ٢ سورة المؤمنون آية: ١٢-١٥. ٣ الاعتقاد ص:٩.
[ ١٢٦ ]
فهذا استدلال بخلق الإنسان على هذه الصورة على وجود خالقه ومدبره، وهو الله سبحانه، وهو دليل واضح لا غموض فيه، وسهل خال عن التعقيد، وعن هذا الدليل القيم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها، وبينها وأرشد إليها، وهي عقلية، فإن نفس كون الإنسان حادثًا، بعد أن لم يكن، ومولودًا ومخلوقًا من نطفة، ثم من علقة، هذا لم يعلم بمجرد خبر الرسول، بل هذا يعلمه الناس كلهم بعقولهم، سواء أخبر به الرسول، أو لم يخبر، لكن الرسول أمر أن يستدل به، ودل به، وبينه، واحتج به، فهو دليل شرعي، لأن الشارع استدل به، وأمر أن يستدل به، وهو عقلي لأنه بالعقل تعلم صحته"١.
وإذًا، فهاتان الطريقتان اللتان سلكهما البيهقي للاستدلال على وجود الله، - أعني النظر في الملكوت والأنفس، - هما عقليتان، وشرعيتان في نفس الوقت، والاستدلال بمثل هذا النوع من الأدلة هو منهج السلف إذ من منهجهم قبول كل دليل اتفقت العقول على صحته، وكان شرعيًا بمعنى أن الشارع قد أتى به، وأمر الناس أن يستدلوا به.
وبذلك تتضح موافقة البيهقي للسلف في هذا الاستدلال.
_________________
(١) ١ كتاب النبوّات ص:٤٨.
[ ١٢٧ ]
طريق المعجزة:
وهي الطريق الثانية من الطرق التي سلكها البيهقي لإثبات وجود الله تعالى، فبعد أن ذكر طريق النظر السالفة، وساق أدلته عليها، عمد إلى هذه الطريق، وعزاها إلى بعض مشايخه، فساقها مؤيدًا وموضحًا.
فالمجتمع الذي يبعث فيه نبي من الأنبياء، يجري الله تعالى على يديه معجزات تؤيد صدقه فيما ادعاه من النبوة، وإذا ثبتت النبوة أو الرسالة بتلك المعجزة، ثبت أن هناك مرسلًا لذلك الرسول أيده بها، لتكون دليلًا على صدقه، فيصدقونه في جميع ما أخبر به. وأهم ذلك كله وجود خالق واحد، خلقهم من العدم، واستخلفهم في هذه الأرض، من أجل عبادته فيها وحده لا شريك له، وهو الله ﷾، هذا إذا كانت تلك المعجزة عن شهود من ذلك المدعو وحضور لوقائعها، أما من غاب
[ ١٢٨ ]
عنها، فإن دلائلها تثبت عنده بطريق الاستفاضة لتلك المعجزة ورسالة صاحبها. فإذا ثبتت النبوة فإنها تكون أصلًا في وجوب قبول جميع ما دعا إليه النبي.
وفي بيان هذه الطريق يقول الشيخ البيهقي - ﵀ -: "وقد سلك بعض مشايخنا١ - رحمنا الله وإياهم - في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة، ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق الاستفاضة لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلًا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ، وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسل صلوات الله عليهم أجمعين"٢.
ثم ذكر قصة جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃ مع النجاشي، ليدلل بها على صحة هذه الطريق، حيث ساقها بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: "إن النبي ﷺ، لما فتن أصحابه بمكة أشار عليهم أن يلحقوا بأرض الحبشة، فذكر٣ الحديث بطوله إلى أن قال: فكلمه جعفر ﵁ - يعني النجاشي - فقال: كنا على دينهم - يعني على دين أهل مكة - حتى بعث الله ﷿ فينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وعفافه، فدعا إلى أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، ونخلع ما يعبد قومنا وغيرهم من دونه، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، وأمرنا بالصلاة والصيام، والصدقة وصلة الرحم، وكل ما يعرف من الأخلاق الحسنة، فتلا علينا تنزيلًا جاءه من الله ﷿ لا يشهد شيء غيره، فصدقناه، وآمنا به، وعرفنا أن ما جاء به هو الحق من عند الله ﷿، ففارقنا عند ذلك قومنا، وآذونا.
فقال النجاشي: هل معكم مما نزل عليه شيء تقرؤونه عليّ؟
فقال جعفر: نعم، فقرأ ﴿كهيعص﴾ فلما قرأها بكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم، وقال النجاشي:
_________________
(١) ١ يقصد أبا سليمان الخطابي، وسيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله. ٢ الاعتقاد ص: ١٠. ٣ الضمير هنا راجع إلى أبي بكر بن عبد الرحمن راوي الحديث عن أم سلمة.
[ ١٢٩ ]
"إن هذا الكلام والكلام الذي جاء به عيسى ﵇ ليخرجان من مشكاة واحدة"١.
ثم ذكر - ﵀ - بعد سوقه لهذا الحديث وجه الاستدلال به حيث قال: "فهؤلاء مع النجاشي وأصحابه استدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي ﷺ فيما ادعاه من الرسالة فاكتفوا به وآمنوا به، وبما جاء به من عند الله، فكان فيما جاء به إثبات الصانع وحدوث العالم"٢.
ولم يكن البيهقي- بكلامه هذا- ليظن بأن النجاشي وأصحابه لا يعرفون وجود الله تعالى، فلما أخبرهم الرسول ﷺ - الذي عرف صدقه عن طريق معجزته وهي القرآن علموا ذلك - لكنه يقصد بهذا أن ثبوت صدق الرسول بالمعجزة التي استدل بها هؤلاء يقتضي تصديقه في جميع ما يخبر به، وقد أخبر ﷺ بأن لهذا الكون خالقًا، كما في حديث أنس ﵁ الذي أردف البيهقي بذكره لبيان مقصوده، حيث ساق بسنده إلى أنس ﵁ أنه قال: "كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يأتيه الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع، فأتاه رجل منهم فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، فقال: صدق. قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله. قال فمن نصب هذه الجبال؟ قال: الله. قال: فمن جعل فيها هذه المنافع؟ قال: الله. قال فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها هذه المنافع آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال صدق. قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ١١. ٢ المصدر نفسه.
[ ١٣٠ ]
صدقة في أموالنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال نعم. قال: وزعم رسولك أن خلينا صوم شهر في سنتنا، قال. صدق قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال. نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إلبه سبيلًا، قال: صدق، قال فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فلما مضى قال: لئن صدق ليدخلن الجنة" ١.
قال البيهقي - ﵀ - في بيان وجهة الاستدلال بهذا الحديث: "فهذا السائل كان قد سمع بمعجزات رسول الله ﷺ، فكانت مستفيضة في زمانه، ولعله سمع أيضًا ما كان يتلوه من القرآن، فاقتصر في إثبات الخالق، ومعرفة خلقه على سؤاله وجوابه عنه وقد طالبه بعض من لم يقف على معجزاته بأن يريه من آياته ما يدل على صدقه، فلما أراه إياه، ووقف عليه آمن به، وصدقه فيما جاء به من عند الله ﷿ "٢.
وقد ذهب إلى الاستدلال بهذه الطريق الشيخ أبو سليمان الخطابي٣ في كتاب الغنية عن الكلام وأهله، والقاضي أبو يعلى٤ في عيون المسائل. ذكر ذلك عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية٥.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ١٢. ٢ المصدر نفسه. ٣ حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، الخطابي، البستي مصنف غريب الحديث، ومعالم السنن، ونسبته (الخطابي) إلى جده، ولد سنة سبع عشرة وثلاثمائة ببست، وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر: اللباب١/٤٥٢. ٤ هو: محمّد بن الحسين بن محمّد بن خلف به الفراء، أبو يعلى الحنبلي ولد سنة: ٣٨٠؟، وتوفي سنة ٤٥٨؟، انظر تاريخ بغداد ٢/٢٥٦. ٥ مجموع الفتاوى١١/٣٧٧.
[ ١٣١ ]
وهي طريقة شرعية سليمة، لأن القرآن الكريم قد جاء بها، كما في قصة فرعون الذي كان منكرًا للربّ ﷾، فعرض عليه موسى ﵇ معجزة واضحة، تدل على صدق ما ادعاه من وجود الله الذي أرسله إلى فرعون وقومه ليؤمنوا به وحده لا شريك له، لأنه هو وحده القادر على كل شيء، إذ دلت المعجزة على وجوده وكمال قدرته سبحانه على جميع خلقه بمن فيهم فرعون الذي أبى واستكبر وادعى الألوهية من دون الله سبحانه، منكرًا أن يكون ثمة إله غيره، حتى بعد مشاهدة تلك المعجزة البينة، والحجة الدامغة، وما ذلك إلاّ استكبارًا وعنادًا.
قال الله تعالى - مخاطبًا موسى وهارون ﵉ -: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ، قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ إلى قوله - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ، قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ قال قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ، قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية بعد سوقه للآيات السالفة الذكر: "فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة، التي جعلها دليلًا على صدقه في
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آيات: ١٥-٣٣.
[ ١٣٢ ]
كونه رسول ربّ العالمين، وفي أن له إلهًا غير فرعون يتخذه، وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ الآية١.
فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة، وذلك لأن المعجزة - التي هي فعل خارق للعادة - تدل بنفسها على ثبوت الصانع، كسائر الحوادث، بل هي أخص من ذلك لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا يسبح الربّ عندها، ويمجد، ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل في النفوس ذلة من ذكر عظمته، ما لا يحصل للمعتاد، إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها، وتدل بظهورها على الرسول، وإذا تبيّن أنه تدعو إلى الإقرار بأنه رسول الله، فتقرر بها الربوبية والرسالة"٢.
فهذه ملاحظات هامة من ابن تيمية على هذه الطريق إذ رآها أبين دلالة من الطريقين السالفين، نظرًا لأن هناك استدلالًا بحوادث معتادة يشاهدها الناس – غالبًا - كل يوم، لا تنفك عن حياتهم. أما المعجزة فهي شيء غريب يشاهد على خلاف المعتاد، مما يعطيها مكانة أقوى في الدلالة.
وقد هاجم ابن رشد من ذهب إلى هذه الطريق، واستدل بها ووصمهم بأنهم حشوية - ويقصد بذلك السلف - وزعم وجوب معرفة الباري سبحانه عن طريق الاقتصار على الأدلة العقلية المنصوص عليها، وهي ما تقدم ذكره من النظر٣.
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ١٤. ٢ مجموع الفتاوى١١/٣٧٨. ٣ انظر: مناهج الأدلة ص: ١٣٥.
[ ١٣٣ ]
ورأيه في هذه الطريق واضح التهافت، لأن فيه هجرًا لأصول شرعية أخرى، وهي ما ورد من وجوب تصديق الرسول ﷺ فيما يقول، والسلف - ﵏ - ذهبوا إلى الجمع بين طريقي العقل والسمع، وكلاهما شرعي، إذ إن الرسول ﷺ قد بين جميع الأدلة والبراهين الحسية، والعقلية والآيات الدالة على هذا المطلب أحسن بيان، فدل الناس وهداهم إلى الأدلة العقلية، والبراهين اليقينية التي بها يعلمون المطالب الإلهية، من إثبات للربوبية والوحدانية، والصفات، والمعاد الجسماني، وغير ذلك مما يحتاج إلى معرفته بالأدلة السمعية، وما يمكن بيانه بالأدلة العقلية، وإن كان لا يحتاج إلى بعضها فإن كثيرًا من الأمور يعرف بالخبر الصادق، ومع هذا فالرسول ﷺ بيّن الأدلة العقلية الدالة عليها، فجمع بين الطريقين؛ السمعي والعقلي.
فهذه الطريق التي سلكها البيهقي، إلى جانب الطريق العقلي السالف، طريق صحيحة لا غبار عليها، وانتقاد ابن رشد لها في غير محله، لأن السلف لم يوجبوا معرفة الله عن طريقها فحسب، بل يقرّون بسلامة الطرق العقلية السابقة، كيف لا وهي طريقة القرآن الكريم الذي جاء بطريق المعجزة إلى جانبها كما أوضحت.
ومهاجمة ابن رشد لأصحابها ضرب من الخصومة الفكرية المنحرفة لأنه - مع أخذه بجانب من الأدلة الشرعية، وهي العقلية المنصوص عليها - قد عطل جانبًا آخر، دون مبرر. ولا غرو فهو فيلسوف، والفلاسفة يغلب عليهم الجانب العقلي مع نبذ سواه.
[ ١٣٤ ]
طريق الحدوث
تقدم استدلال البيهقي بطريق النظر، وطريق المعجزة، وسبق أن قررت صحة استدلاله ذاك لموافقته طريقة القرآن الكريم، وهنا أعرض دليلًا آخر ضمه البيهقي إلى الأدلة السالفة في صحة الاستدلال به وهو ما يسمى بدليل الحدوث فقد قال - ﵀ - في بيان هذا الدليل: "ثم إن الله تعالى حضّهم على النظر في ملكوت السموات والأرض، وغيرهما من خلقه في آية أخرى فقال: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. يعني بالملكوت الآيات٢.
يقول: "أولم ينظروا فيها نظر تفكر وتدبر، حتى يستدلوا بكونها محلًا للحوادث والتغييرات على أنها محدثات، وأن المحدث لا يستغني عن صانع يصنعه على هيئة لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات، كما استدل إبراهيم الخليل ﵇ بمثل ذلك، فانقطع عنها كلها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها"٣.
ويؤيد البيهقي رأيه هذا بقول أبي سليمان الخطابي - ﵀ - عن استدلال إبراهيم ﵇ حيث قال: "قال أبو سليمان الخطابي كل وقت وزمان، أو حال ومقام، حكم الامتحان فيها قائم فللاجتهاد
_________________
(١) ١ سورة الأعراف آية: ١٨٥. ٢ ذكر في كتاب الأسماء والصفات أن هذا التفسير لمجاهد. انظر: ص:٢٨٠، وهو كما قال لوجوده في تفسيره. انظر: تفسير مجاهد ص: ٢١٨. ٣ الاعتقاد ص: ٧.
[ ١٣٥ ]
والاستدلال فيها مدخل، وقد قال إبراهيم ﵇ حين رأى الكوكب هذا ربّي ثم تبيّن فساد هذا القول لما رأى القمر أكبر جرمًا، وأبهر نورًا فلما رأى الشمس وهي أعلا في منظر العين، وأجلى للبصر، وأكثرها ضياء وشعاعًا، قال: هذا ربّي، هذا أكبر، فلما رأى أفولها وزوالها وتبيّن له كونها محل الحوادث والتغييرات، تبرأ منها كلّها، وانقطع عنها إلى ربّ هو خالقها ومنشئها، لا تعترضه الآفات ولا تحلّه الأعراض والتغييرات١.
ففي هذا الدليل موافقة من البيهقي للمتكلمين في طريقتهم التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى، وهي الاستدلال بحدوث العالم. وهذا في حدّ ذاته استدلال صحيح، غير أن الأمر الذي هو محل النقد في هذا الدليل هو طريقتهم في إثبات العالم، ومن ثم زعمهم أن طريقتهم تلك هي طريق إبراهيم الخليل ﵇.
ولنبدأ أولًا بإيضاح موافقة البيهقي لهم في هذا المجال فالمتكلمون ذهبوا إلى أن الله تعالى لا يمكن أن يكون محلًا للحوادث لأن من كان محلًا للحوادث، فإنه لا بد أن يكون حادثًا، لأن الحوادث لا تحت إلاّ بحادث مثلها لوجوب أن يكون لها أوّل - في نظرهم - وهذا هو مذهب البيهقي الواضح من كلامه السابق.
والتغيرات الحاصلة في هذا العام من وجود، وعدم، وتحول من حال إلى حال سكون بعد حركة، أو حركة بعد سكون، وغير ذلك عبارة عن أعراض حلّت بجواهر هذا العالم، والأعراض حادثة بعضها بالمشاهدة
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٨١.
[ ١٣٦ ]
وبعضها بالدليل وما حلّت به الأعراض فهو حادث مثلها، إذا العالم حادث. وإبراهيم ﵇ رأى هذه الأعراض حالة بتلك الكواكب، حيث تحركت وانتقلت من محل لآخر والحركة والسكون عرضان من الأعراض، وهذا دليل حدوثها وما دامت حادثة فهي غير صالحة لأن تكون إلهًا١.
هذا ما رآه المتكلّمون من استدلال إبراهيم ﵇ حيث أرادوا إسناد مذهبهم بدليل شرعي، وهذا بعينه ما رآه البيهقي وأراده.
وهذا الدليل الذي أورده البيهقي يشتمل على أمور ثلاثة:
١ - نفي حلول الحوادث بذات الباري سبحانه، بحجة أن الحوادث لا تحلّ إلاّ بحادث مثلها، وهذه دعوى لا تهمنا هنا، ولها مكان آخر، فيما بعد إن شاء الله.
٢ - طريق الاستدلال على حدوث العالم بحدوث أعراضه، حيث يفهم من كلام البيهقي موافقته للمتكلّمين على ما ذهبوا إليه من هذا الاستدلال.
٣ - ادعاء أن تلك الطريقة هي طريقة إبراهيم الخليل ﵇ وهاتان القضيتان الأخيرتان هما محور الكلام، ومناط الحديث.
أما طريقتهم في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأعراض التي هي صفات الأجسام القائمة بها، فإنها طريقة باطلة لأن من المعلوم بداهة أن رسول الله ﷺ لم يستدل بها، ولم يدع أحدًا من أمته إلى
_________________
(١) ١ راجع المواقف بشرح الجرجاني (مطلب الآلهيّات) ص: ٥ وما بعدها.
[ ١٣٧ ]
الاستدلال بها على وجود الله ﵎، وقد اعترف كثير من المتكلّمين بأنها ليست طريقة الرسل ﵈، ولا طريقة أتباعهم، وهي طريقة مخالفة للطرق التي دعا إليها الإسلام لما تشتمل عليه من ضعف، وما يرد عليها من التزامات فاسدة، ويكفي في بيان زيفها وتهافتها ما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - من تفنيدها وإظهار لباطلها، حيث قال:
"هذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمدًا ﷺ لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوّة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام - كالأشعري وغيره - بأنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم بل المحقّقون على أنها طريقة باطلة، وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعي بها مطلقًا، ولهذا تجد من اعتمد في أصول دينه فأحد الأمرين لازم له.
إما أن يطلع على ضعفها، ويقابل بينها وبين أدلة القائلين بقدم العالم، فتتكافأ عنده الأدلة، أو يرجح هذا تارة وهذا تارة، كما هو حال طوائف منهم.
وإما أن يلتزم لأجلها لوازم معلومة الفساد في الشرع والعقل، كما التزم جهم لأجلها فناء الجنة والنار١. والتزم لأجلها الهذيل انقطاع
_________________
(١) ١ جهم هذا هو: جهم بن صفوان، من أهل خراسان، ينسب إلى سمرقند وترمذ، ومحتده الكوفة، ويكنى أبا محرز أخذ الكلام عن الجعد بن درهم، قتل سنة: ١٢٨هـ، وقد قال جهم بفناء الجنة والنار بعد دخول أهلهما فيهما، وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بجحيمها. انظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة لجمال الدين القاسمي ص:١٠، والمنية والأمل لابن المرتضى، ص: ١٠٧، والملل والنحل للشهرستاني١/٨٧.
[ ١٣٨ ]
حركات أهل الجنة١.
والتزم قوم لأجلها - كالأشعري وغيره - إن الماء والتراب له طعم،
ولون، وريح، ونحو ذلك.
والتزم قوم لأجلها، ولأجل غيرها أن جميع الأعراض كالطعم واللون وغيرهما، لا يجوز بقاؤهما بحال، لأنهم احتاجوا إلى جواب النقض الوارد عليهم، لما أثبتوا الصفات لله، مع الاستدلال على حدوث الأجسام بصفاتها، فقالوا: "صفات الأجسام أعراض، أي أنها تعرض فتزول، فلا تبقى بحال، بخلاف صفات الله فإنها باقية"٢.
كما تناول ابن رشد٣ في كتابه مناهج الأدلة هذا الدليل فأوسعه نقضًا، وبدت صعوبته على الخاصة فضلًا عن الجمهور٤، والأدلة على هذه القضية المهمة يجب أن تكون في متناول الجميع.
_________________
(١) ١ أبو الهذيل هو: محمّد بن الهذيل العبدي العلاف. من الطبقة السادسة للمعتزلة توفي سنة ٢٣٥؟ في أيام المتوكل، وقد اشتهر عنه القول بانقطاع حركات أهل الخلدين، وأنهم يصيرون إلى سكون دائم. انظر: المنية والأمل ص: ١٤٨، ومقالات الإسلاميين للأشعري٢/١٦٧. ٢ درء تعارض العقل والنقل١/٣٩، ٤٠. ٣ هو: أبو الوليد محمّد بن أحمد بن محمّد بن رشد، أحد مشاهير الفلاسفة المسلمين، ولد في قرطة سنة: ٥٢٠؟، وتوفي سنة ٥٩٥؟ انظر: الأعلام للزركلي٦/٢١٢. ٤ مناهج الأدلة ص: ١٣٦-١٤٤.
[ ١٣٩ ]
ومن الأمور التي كابر بها المتكلمون الحس والعقل في بدعتهم هذه، هو جعلهم الطريق إلى معرفة حدوث الأجسام حدوث أعراضها ونحن نشهد حدوث الأجسام نفسها مثل حدوث الزرع، والثمار وحدوث الإنسان، والحيوان وحدوث السحاب، والمطر، ونحو ذلك من الأعيان القائمة بنفسها، غير حدوث الأعراض، كالحركة والسكون، والحرارة والبرودة، والضوء، والظلمة وغير ذلك. فلسنا في حاجة لمعرفة حدوث الجسم إلى واسطة.
أما زعمهم أن هذه الطريقة هي طريقة إبراهيم ﵇ فيما حكاه الله ﷿ عنه بقوله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
فإن هذا زعم باطل للأمور الآتية:
١ - إن الأفول ليس هو الحركة، وذلك باتفاق أهل اللغة والمفسرين فلا يسمى في اللغة كلّ متحرك أو متغير آفلًا ولا يقال للمتحرك إنه آفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس، إنه أفول، فلا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت، وإنما يقال: "أفلت إذا غابت، واحتجبت، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، أن آفلًا بمعنى غائب".
قال في القاموس: "يقال أفلت الشمس، غابت، ونجوم أفل، وكلّ شيء غاب فهو آفل، قال:
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آيات: ٧٥/٧٨.
[ ١٤٠ ]
فدع عنك سعدي إنما تسعف النوىقران الثريا مرة ثم تأفل١
قال الخليل: "وإذا استقر اللقاح في قرار الرحم فقد أفل"٢.
٢ - إن الكواكب التي رآها إبراهيم ﵇ كانت متحركة في بزوغها فلو أنه - ﵇ - كان يستدل بالحركة التي يسمونها تغيرًا، لكان قد قال ذلك من حين رآها بازغة، ولما انتظر أفولها.
٣ - إن إبراهيم - ﵇ - لم يكن بصدد إثبات الصانع، حتى يستدل بحادث على محدث، لأن قومه كانوا مشركين، يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع، ولهذا قال الخليل ﵇: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
فذكر ما كانوا يصنعون من اتخاذ الكواكب والشمس واالقمر ربًّا يعبدونه، ويتقرّبون إليه، فكانوا بذلك يشركون معه غيره في العبادة، فأراد أن يبيّن لهم أنه هو المستحقّ للعبادة وحده.
وبهذا يتبين لنا بطلان تعلق المتكلمين بقصة إبراهيم ﵇.
ويبدو أن الشيخ البيهقي استشعر ضعف هذا الطريق فلم يقل ما قاله كثير من المتكلمين من جعله أصلًا من أصول الدين يجب معرفة الله تعالى عن طريقه وهو ما ذهب إليه إمام الحرمين الجويني٤ - وهو من
_________________
(١) ١ هذا البيت منسوب إلى كثير عزة. ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس١/١١٩، مادة: أفل. ٣ سورة الشعراء آيات: ٧٥-٧٧. ٤ عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمّد الجويني الملقّب بإمام الحرمين. ولد في جوين سنة: ٤١٩؟، وتوفي بنيسابور سنة: ٤٧٨؟، انظر: الأعلام٤/٣٥٦.
[ ١٤١ ]
المعاصرين للبيهقي - حيث قال: "أوّل ما يجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ، أو الحلم شرعًا، القصد إلى النظر الصحيح، المفضي إلى العلم بحدوث العالم، والنظر في اصطلاح الموحدّين، هو الفكر الذي يطلب به من قام به علمًا، وغلبة ظن"١.
وممن قال بالإيجاب من المتكلّمين الشيخ سعد الدين التفتازاني حيث قال بعد إيراده لنظرية الجوهر الفرد التي جعلها أصلًا من الأصول التي اعتمد عليها في إثبات حدوث العالم: "قلنا في إثبات الجوهر الفرد نجاة عن كثير من ظلمات الفلاسنة مثل إثبات الهيولي والصورة، المؤدي إلى قدم العالم، ونفي حشر الأجساد.. إلخ"٢.
وهذا غاية الغلو في التمسك بهذه النظرية المتهافتة، والتي تبين فسادها أكثر في العصر الحديث بعد تحطيم الذرة التي هي الجوهر عندهم. فالنجاة من الظلمات الفلسفية وغيرها، بل ومن الظلمات التي حاكها المتكلّمون حول العقيدة الإسلامية - زعمًا منهم أنهم بذلك يرسخون العقيدة ويوضحونها، ويذبون عنها - النجاة من ذلك كلّه يكون في التمسك بأهداب الوحي، من كتاب أو سنة، فهما الينبوعان الصافيان من كلّ كدر، الهاديان إلى صراط الله المستقيم من تمسك بهما لن يعدم خيرًا، ومن التجأ إليها لن يضام، ومن جعلهما نبراس حياته فسيكون في منأى عن المهالك، وفي مأمن من الزيغ والضلال. يقول رسول الله ﷺ: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك".
_________________
(١) ١ الإرشاد ص: ٣. ٢ شرح العقائد النسفية مع مجموعة الحواشي البهية١/٧٥.
[ ١٤٢ ]
وقال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا، كتاب الله وسنتي".
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن أشار إلى إيجابهم سلوك هذا الطريق -: "والتحقيق ما عليه السلف أنه ليس بواجب أمرًا ولا هو صحيح خبرًا، بل هو باطل منهي عنه شرعًا. فإن الله تعالى لا يأمر بقول الكذب والباطل، بل ينهى عن ذلك، لكن غلطوا حيث اعتقدوا أنّه حقّ وأن الدين لا يقوم إلاّ على هذا الأصل الذي أصّلوه".١
ويقول أستاذنا الكبير الدكتور محمّد خليل هراس - ﵀ - يقول في نقد اتجاه المتكلّمين إلى تأصيل نظرية الجوهر الفرد هذه وجعلها أصلًا من أصول الدين يجب معرفة الله تعالى عن طريقه: "وإن من أعظم الحرج أن نكلف العامة، ومن لا قدرة لهم على النظر أصلًا بتحصيل معنى الإمكان والحدوث والتغير، والجوهر والعرض، وغير ذلك مما يدخل في تركيب هذه الأدلة، ثم نقول لهم إنكم لا يصح إيمانكم بالله إلاّ من هذه الطريق، فنضيق عليهم وحمة الله ونصدهم عن سبيله، ونكلفهم من الأمر ما لا يطيقون، بل لعل أولى من ذلك، وأقرب إلى الفطرة، وأضمن للوصول إلى الغاية أن ندعو الناس إلى ما أرشد إليه القرآن من النظر في ملكوت السموات والأرض، وما فيهما من عجائب تدل على عظيم قدرة الله تعالى وجسيم نعمته، ونشرح لهم ما أودع الله في الأشياء المختلفة من خواص، ومنافع سخرها لهم وأنه كيف وهب كل مخلوق من القوى، والآلات ما يحتاجه في تحصيل قوته وحفظ حياته"٢.
_________________
(١) ١ النبوّات ص: ٦٥. ٢ ابن تيمية السلفي ص: ٨٢-٨٣.
[ ١٤٣ ]
وهذه النظرية التي قدسها المتكلمون يونانية الأصل، حيث إن أوّل من قال بها "ديمقريطس١ من فلاسفة اليونان٢.
فما كان ينبغي لمسلم أن يلجأ إلى نظرية هذا مصدرها وهي غير سالمة من النقد فيتعب نفسه في بيانها وتقريرها والذب عنها، ولكن المتكلمين فعلوا. إلاّ أن حججهم التي اعتمدوها هنا واهية، أو هي من خيط العنكبوت.
حجج تهافت كالزجاج تخالها تبقى وكل كاسر مكسور
وشيخنا البيهقي - ﵀ - كما هو معروف عنه من التمسك بالسنة والذب عنها، لم يكن ليقود ما قاله المتكلمون في تمجيد هذه النظرية، بل إنه اقتصر على إيراد دليل الحدوث، على سبيل الحصر للطرق السليمة التي يراها - في نظره - صالحة للاستدلال على هذا المطلب، فإنه كما يلاحظ قدم طريقة القرآن الكريم، مما ينبئ عن اهتمامه بها، وجعله مثل هذه الطريق ثانوية يمكن الاستغناء عنها، مع إمكان سلوكها، فالرجل اقتنع بصحتها، ولم يقل بوجوبها، والاستغناء بها عن سواها. إذ إن منهجه السلفي منعه من الوقوع في مثل ما وقع فيه المتكلمون.
أما عن الوحدانية فإن أدلته لإثباتها هي عين أدلته لإثبات الوجود، لذلك لا أرى ثمة ضرورة لعقد فصل مستقل، فأكتفي بما ذكرت عن أدلة الوجود.
_________________
(١) ١ فيلسوف يوناني توفي حوالي ٤٣٠ ق. م. انظر أعلام الفلاسفة للدكتور هنري توماس ص: ٧٤، ترجمة متري أمين. ٢ انظر حاشية الخيالي على شرح العقائد النسفية١/٧٥، ضمن مجموعة الحواشي البهية.
[ ١٤٤ ]
الفصل الثاني: أسماء الله تعالى
طريق إثباتها
لقد كان ثبوت أسماء الله تعالى بما ورد من أدلة صريحة واضحة مصدرهما كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، وإجماع الأمة امرًا واضحًا، إذ أصبح بذلك من المسلمات التي لا تحتاج إلى إمعان نظر، ولا تقبل المراء.
ومع ذلك فقد وجد بين الفرق المنتسبة إلى الإسلام من خالف في ذلك، فلم يقر بثبوت أسماء الله تعالى ثبوتًا حقيقيًا.
ومجمل الآراء في ذلك ذكرها فخر الدين الرازي حيث قال:
"اعلم أن من الناس نفى ثبوت الأسماء لله تعالى وسلم ثبوت الصفات، ومنهم من عكس، سلم ثبوت الأسماء وأنكر ثبوت الصفات، ومنهم من اعترف بالأسماء والصفات لله تعالى"١.
ونفي أسماء الله تعالى مصيبة عظمى، وإلحاد صريح وأصحاب هذا الرأي هم الجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذي الذي ذهب إلى نفي أسماء الله تعالى حيث قال بنفي كل اسم يرى جواز إطلاقه على المخلوق
_________________
(١) ١ شرح الأسماء الحسنى للرازي ص: ٢٩.
[ ١٤٧ ]
وأثبت بعض الأسماء التي يرى أن الله مختص بها ولا يجوز تسمية المخلوق بها، كالخالق، والمحيي والمميت، والقادر، والموجد، والفاعل١، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله. والمعروف أن هؤلاء الجهمية ينفون الصفات جميعًا، مع ما نفوه من أسماء ولا أعرف أحدًا نفى الأسماء وأثبت الصفات، كما قال الرازي.
وأحب أن أنبه على أن هؤلاء النفاة لم ينكروا إطلاق الألفاظ على الله تعالى، إلا أنهم يقولون إن إطلاقها عليه سبحانه مجازي لا حقيقة ولا ريب إن هذا نفي محض.
ولذلك قال ابن القيم عن أصحاب هذا الرأي: "إنهم لا يتمكنون بعد ذلك من إثبات حقيقة لله البتة، لا في أسمائه ولا في الإخبار عنه بأفعاله وصفا ته"٢.
أما منكرو أسماء الله تعالى بألفاظها ومعانيها فهم الملاحدة وهؤلاء لم يعرفوا وجود الله، فكيف يعرفون أسماءه. ووافقهم على ذلك غلاة الفلاسفة والقرامطة٣. وهذا كما هو واضح تكذيب صريح لكتاب الله تعالى فهو كفر واضح.
أما رأي الجهمية فالمبرر الوحيد له عندهم: أن إثبات هذه الأسماء وتلك الصفات على حقائقها يستلزم تشبيه الله بخلقه في زعمهم٤.
_________________
(١) ١ انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص: ٢١٢. ٢ مختصر الصواعق المرسلة٢/١١٣. ٣ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية٦/٢٠٩، والرسالة التدمرية له ص: ٦٣. ٤ انظر: كتاب التوحيد لابن خزيمة ص: ٢٨.
[ ١٤٨ ]
ويرد السلف عليهم رأيهم هذا، فيقول الإمام ابن خزيمة - ﵀ – " وليس في تسميتنا بعض الخلق ببعض أسامي الله بموجب عند العقلاء الذين يعقلون عن الله خطابه، أن يقال: إنكم شبهتم الله بخلقه إذ أوقعتم بعض أسامي الله على بعض خلقه، وهل يمكن عند هؤلاء الجهال حل هذه الأسامي من المصحف، أو محوها من صدور أهل القرآن، أو ترك تلاوتها في المحاريب والكتاتيب وفي الجدور والبيوت، أليس قد أعلمنا منزل القرآن على نبيه ﷺ أنه الملك، وسمى بعض عبيده ملكًا، وخبرنا أنه السلام، وسمى تحية المؤمنين بينهم سلامًا في الدنيا وفي الجنة، فقال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ ١.
ونبيّنا المصطفى ﷺ قد كان يقول بعد فراغه من تسليم الصلاة: "اللهم أنت السلام ومنك السلام" ٢. وقال ﷿: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ٣. فثبت بخبر الله أن الله هو السلام، كما في قوله: ﴿السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ ٤، وأوقع هذا الاسم على غير الخالق الباري وأعلمنا ﷿ أنه المؤمن، وسمى بعض عباده المؤمنين"٥ إلى آخر ما قاله - ﵀ - في الرد على هذا الرأي المتهافت. وغرضه من هذا كله أن يقوله: إن تسمية الخلق ببعض أسامي الله ﷿، لا يقتضي تشبيهًا أو تمثيلًا، لأن معناها في حق الله ﷿ على ما يليق به، وفي حق خلقه على ما يليق بهم.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٤٤. ٢ رواه مسلم في كتاب المساجد رقم: ١٣٥ ١/٤١٤. ٣ سورة النساء آية: ٩٤. ٤ سورة الحشر آية: ٢٣. ٥ كتاب التوحيد لابن خزيمة ص: ٢٨-٢٩.
[ ١٤٩ ]
فإثبات أسماء الله تعالى كما جاءت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، هو ما قالت به جماهير الأمة، وهو أمر واجب، إذ إنه من تمام التوحيد، ومن كمال معرفة الربّ ﷾ كما يقول السيد محمّد بن المرتضى اليماني في كتابه "إيثار الحق": مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم وما يجب له من نعوته، وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد، الذي لا بد منه، لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها الشريفة، ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم، ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها من أعظم مكائدهم للإسلام، فإنهم عكسوا المعلوم عقلًا وسمعًا، فذموا الأمر المحمود، ومدحوا الأمر المذموم القائم مقام النفي والجحد المحض، وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة"١.
هذا عن النفي والنفاة، وما قيل في الرد عليهم. فماذا عن الإثبات والمثبتين الذين يتصدرهم شيخنا البيهقي؟ إذ إنه - ﵀ - قد أولى هذا الأمر عناية كبرى، فألف كتابًا ضخمًا، حفل بحشد من النصوص الشرعية التي دلل بها على ثبوت أسماء الله تعالى ثبوتًا قاطعًا لا شك فيه.
وقد كان أولئك المثبتون يذهبون في طريق الإثبات مذهبين ذكرهما الرازي فقال: "مذهب أصحابنا - يعني الأشاعرة - إنها توقيفية وقالت الممعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دل العقل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله تعالى، سواء ورد التوقيف به أو لم يرد، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني من أصحابنا"٢، وهذا الرأي الأخير هو ما يسمى عند علماء الكلام بالطرق القياسية.
_________________
(١) ١ إيثار الحقّ على الخلق، لابن المرتضى ص: ١٦٨. ٢ شرح الأسماء الحسنى للرازي ص: ٣٦.
[ ١٥٠ ]
فمذهب جمهور الأشاعرة إذًا هو القول بالتوقيف، وقد سلك شيخنا البيهقي هذا المسلك، وإليك بيان رأيه في هذا الموضوع:
يقوله - ﵀ -: "إثبات أسماء الله تعالى ذكره بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة"١.
فالبيهقي بهذا الكلام يصرح برأيه في أن أسماء الله تعالى لا يجوز إطلاقها عليه ما لم تدل عليها إحدى هذه الطرق الثلاث لأن التوقيف وحده هو مجال الإثبات لها. وذكر - ﵀ - مجموعة من النصوص القرآنية، والحديثية تدل على ثبوت هذه الأسماء، التي أنكرها من لا اعتبار برأيه من أرباب الأهواء، وأصحاب البدع. فالله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٣.
وروى بسنده عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا آوى إلى فراشه قال: "اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت، وإذا أصبح قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ٤.
إلى غير ذلك الآيات والأحاديث التي ذكرها في كتاب الأسماء والصفات مستدلًا بها على ثبوت هذه الأسماء لله تعالى، ثبوتًا حقيقيًا
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣. ٢ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٣ سورة الإسراء آية: ١١٠. ٤ الأسماء والصفات ص: ٣. والحديث رواه البخاري في كتاب الدعوات. انظر: صحيح البخاري مع شرحه، حديث رقم: ٦٣١٢، ١١/١١٣.
[ ١٥١ ]
ألفاظًا، ومعاني. وهو برأيه هذا يوافق ما أجمع عليه السلف من جعل هذه الطرق هي الدليل االأوحد لثبوت أسماء الله تعالى.
يقول أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن أبي زمنين١ من أئمة المالكية: "اعلم أن أهل العلم بالله، وبما جاءت به أنبياؤه ورسله، يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علمًا، والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانًا، وإنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، على لسان نبيه"٢.
فالبيهقي - ﵀ - بل جمهور الأشاعرة يتفقون مع السلف في هذا الاتجاه، الذي يعتبر في رأيي أصلًا كان يجب أن يعتمد عليه في إثبات العقائد جميعها، إذ إن القرآن كلام الله والسنة وحي منه إلى نبيه، والإجماع مستند إلى أحد هذين الأصلين - أعني كتاب الله وسنة نبيه ﷺ -. وقد روي عن النبي ﵇ قوله: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
أما القياس الذي قال به المعتزلة ومن حذا حذوهم، فلا مكان له عند السلف في مجال إثبات الأسماء، والبيهقي لم يعتد به، بل نبذه، وسلك طريق السلف في اعتبار عدم صلاحيته في هذا المجال إذ إن الأسامي التي قد تطلق على الله تعالى عن طريق تصور العقل صحة إطلاقها، قد لا تكون
_________________
(١) ١ هو محمّد بن عبد الله بن عيسى المري، أبو عبد الله، المعروف بابن أبي زمنين، فقيه مالكي، من الوعاظ الأدباء. من أهل البيرة سكن قرطبة، ثم عاد إلى البيرة، فتوفي بها سنة ٣٩٩هـ انظر الأعلام للزركلي ٧/١٠١. ٢ نقلًا عن مجموع الفتاوى لابن تيمية٥/٥٧.
[ ١٥٢ ]
لائقة المعنى بالنسبة لله تعالى، وإن تصور العقل ذلك، ويكفينا الاقتصار على الوحي فالله تعالى لم يترك المجال لعقولنا في هذه التسميات، بل أخبر بأسمائه في كتابه، وعلى لسان نبيه ﷺ.
والعقل الذي يعتبر ركيزة القياس قد يستطيع أن يصل إلى إثبات بعض العقائد كما تقدم في إثبات وجود الله، وكما سيأتي في الصفات العقلية، إلا أنه لا يستطيع الاستقلال بذلك فيرشده الوحي ويقدم له تصورًا كاملًا لذلك الاعتقاد. ومن هنا كان الوحي هو الأساس في العقائد جميعها.
عدد أسماء الله تعالى
أمّا عن عدد أسماء الله تعالى، فقد ورد حديث رواه البيهقي بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة" ١.
فهل هذا الحديث على ظاهره من حصر أسماء الله تعالى في هذا العدد، أم لا؟
يكاد الإجماع ينعقد على أن العدد الوارد في هذا الحديث لا مفهوم له يقتضي الحصر لأسماء الله تعالى في تسعة وتسعين فقط، ولم أجد مخالفًا في ذلك سوى ابن حزم الذي أخذ بظاهر الحديث، وابن حزم - كما هو معروف - ظاهري، ومذهب أهل الظاهر في الأخذ بظواهر النصوص لا يخفى. فقد قال - ﵀ - في كتاب المحلى ما نصه:
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤. والحديث متفق عليه. انظر كتاب التوحيد من صحيح البخاري مع شرحه حديث رقم:٧٣٩٢، ١٣/٣٧٧. وصحيح مسلم، كتاب الذكر حديث رقم: ٢٦٧٧، ٤/٢٠٦٢، ٢٠٦٣.
[ ١٥٣ ]
"إن له ﷿ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئًا من عنده فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وقد صح أنها تسعة وتسعون اسمًا فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسم زائد، لأنه ﵇ قال: "مائة غير واحد" فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: "مائة غير واحد" كذبًا، ومن أجاز هذا فهو كافر"١.
وقد رد عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري بأن الحصر المذكور باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى أن الوعد وقع لمن أحصى زائدًا على ذلك فقد أخطأ، ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هناك اسم زائد٢.
ويذكر ابن حزم أيضًا عن الباقلاني، وعن محمّد بن الحسن بن فورك شيخ البيهقي أنهما يقولان بأنه ليس لله تعالى إلا اسم واحد فقط، وشنع عليهما في ذلك٣. وهذا الأخير ظاهر البطلان لما فيه من المخالفة الصريحة للكتاب والسنة.
وإذا كان هذا هو موقف العلماء من عدد أسماء الله تعالى فماذا يقول البيهقي في هذه المسألة، أيقف عند العدد الوارد كما فعل ابن حزم، أم يذهب مذهب شيخه ابن فورك، أم أنه يرى رأي الجمهور؟
_________________
(١) ١ المحلى لابن حزم١/٣٦. ٢ فتح الباري١١/٢٢١، وقد رد عليه بإسهاب شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى. انظر٢٢/٤٨٢-٤٨٦. ٣ انظر: الفصل لابن حزم٥/٣٢.
[ ١٥٤ ]
يقول - ﵀ -: "باب البيان أن لله جل ثناؤه أسماء أخر، وليس في قول النبي ﷺ: "تسعة وتسعون اسمًا" نفي غيرها، وإنما وقع التخصيص بذكرها لأنها أشهر الأسماء، وأبينها معاني، وفيها ورد الخبر أن "من أحصاها دخل الجنة" ١.
وقال أيضًا: "وقوله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" لا ينفي غيرها، وإنما أراد - والله أعلم - إن من أحصى من أسماء الله ﷿ تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في الحديث الأوّل، أو مما ذكرنا في الحديث الثاني ٢ أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة أو الإجماع٣.
فهذان النصان اللذان أوردتهما من كلام البيهقي يدلان بوضوح على أن رأيه في العدد الذي ورد به الحديث أنه لا يقتضي الحصر، وأن العدد المجمل في صدر الحديث المفصل في جزئه الآخر - إن صح ذلك التفصيل عن النبي ﷺ - إنما المقصود منه أن تلك الأسماء الواردة هي أشهر أسماء الله تعالى، وأبينها معاني، وهي التي من أحصاها دخل الجنة، كما وضح من قوله في كتاب الأسماء والصفات.
أما رأيه الثاني الذي أورده في كتاب الاعتقاد والذي يتضمن توجيهًا آخر وهو أن المقصود أن من أحصى تسعة وتسعين اسمًا من أسماء الله
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٦. ٢ يقصد بهذين الحديثين ما رراه في كتاب الاعتقاد ص: ١٣-١٤ من ذكر أسماء الله تعالى مفصلة، بعد ذكر عددها. ٣ الاعتقاد ص: ١٤-١٥.
[ ١٥٥ ]
تعالى، دون التقيد بالأسماء الواردة بعينها في حديث أبي هريرة، بل كان إحصاؤها مما وردها في الأحاديث الأخرى أو الآيات الكريمات، أن من أحصاها دخل الجنة، فإن هذا الأخير لا يناقض الأوّل لأنه يقصد به عند عدم صحة ورود تلك الأسماء عن النبي ﷺ، إذ إنه - ﵀ - يشك في أن الأسماء الواردة في الحديث هي عن النبيّ ﷺ، فهناك احتمال أن تكون مدرجة من بعض الرواة، ويذكر هذا الرأي أيضًا عن الشيخين الجليلين البخاري ومسلم.
وفي هذا الموضوع يقول: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح، فكأنه قصد أن من أحصى من أسماء الله تعالى تسعة وتسعين اسمًا دخل الجنة، سواء أحصاها مما نقلنا في حديث الوليد بن مسلم، أو مما نقلنا في حديث عبد العزيز بن الحصين١ أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة - والله أعلم.
وهذه الأسامي كلّها في كتاب الله، وفي سائر أحاديث رسول الله ﷺ نصًا أو دلالة"٢.
فالبيهقي إذًا يرى أن العدد الوارد لا يقتضي الحصر، وأوّله تأويلًا مقبولًا، بل إن تأويله إلى معنى لا يقتضي الحصر هو ما تدل عليه النصوص الواردة في أن أسماء الله تعالى كثيرة، وليست تسعة وتسعين فحسب،
_________________
(١) ١ وهما الحديثان اللذان تقدمت الإشارة إليهما، واللذان تضمنا ذكر الأسماء تفصيلًا. ٢ الأسماء والصفات ص: ٨.
[ ١٥٦ ]
ولهذا فإن البيهقي استدل لصحة تأويله ذاك بما رواه بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسوله الله ﷺ: "ما أصاب مسلمًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله عنه همه، وأبدله مكان همه فرحًا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلم هذه الكلمات؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" ١.
وقد عقب على هذا الحديث بقوله: "في هذا الحديث دلالة على صحة ما وقعت عليه ترجمة هذا الباب"٢ يعني ما تقدم من قوله في الترجمة لهذا الباب: "باب البيان أن لله جلّ ثناؤه أسماء أخر "٣.
والذي يبدو لي أن ذكر الأسماء ليس ثابتًا عن رسول الله ﷺ، لأن الوليد بن مسلم، وهو راوي أحد الحديثين اللذين تضمنا ذكر الأسماء يذكر عن بعض العلماء أن سرد الأسماء في الحديث مدرج فيه كما قال الحافظ ابن كثير - ﵀ – "والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمّد الصنعاني عن زهير بن حرب أنه بلغه عن غير
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص:٦. ورواه أحمد في المسند١/٢٩١. ٢ الأسماء والصفات ص: ٦. ٣ انظر: ص (١٥٥) من هذا البحث.
[ ١٥٧ ]
واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما روى عن جعفر بن محمّد، وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي"١.
أمّا الحق في عدد أسماء الله تعالى فهو ما تبناه البيهقي إذ هو الرأي السديد الذي لا يسعنا الذهاب إلى غيره، لأنه يتفق مع نصوص الكتاب والسنة، وعليه تجتمع الأدلة، وقد قال به جمهور الأمة سلفًا وخلفًا.
وممن قال به أبو سليمان الخطابي، حيث بين رأيه في تأويل الحديث بقوله: "قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء، لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني، وأظهرها، وجملة قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة" قضية واحدة لا قضيتان ويكون تمام العمل بها في خبر أن قوله: "من أحصاها دخل الجنة" لا في قوله: "تسعة وتسعين اسمًا" وإنما هو بمنزلة إن لزيد ألف درهم أعدها للتصدق، وكقولك إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وإن الذي رصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب"٢.
واستدل على صحة هذا التأويل بنفس الحديث الذي استدل به البيهقي - أعني حديث عبد الله بن مسعود - السالف الذكر.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم لابن كثير٢/٢٦٩. ٢ تفسير الأسماء والصفات للخطابي ل ٦.
[ ١٥٨ ]
والخطابي كثيرًا ما ينقل عنه البيهقي ويعتمد آراءه، كما سيتضح لنا ذلك من هذا البحث فيما بعد إن شاء الله.
وممن ذهب إلى القول بعدم الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وذكر توجيهاته لحديث أبي هريرة التي أجاد فيها وأوضح مستند القائلين بأن لله أسماء أخرى غاية الإيضاح ١. وقد ذهب إلى ذلك أيضًا تلميذه ابن القيم رحمه الله٢، والإمام البغوي٣.
وقد تبنى هذا الرأي قبل البيهقي الشيخ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، وهو أحد مشايخه، إلا أن له نظرًا في تأويل الحديث يختلف عن التأويلات السابقة حيث قال: "وليست الفائدة في حصر أسمائه الحسنى بتسعة وتسعين المنع من الزيادة عليها، لورود الشرع بأسماء له سواها، وإنما فائدته أن معاني جميع أسمائه محصورة في معاني هذه التسعة والتسعين"٤.
ومهما اختلفت وجهات نظر القائلين بعدم الحصر في بيان المقصود من العدد الوارد في الحديث، فإنها جميعًا تتفق على أن العدد الوارد له معنى لا يقتضي الحصر، وكلّها آراء محتملة.
والبيهقي - ﵀ - يذهب في إثبات أسماء أخرى لله تعالى إلى مدى أبعد، فإنه ممن يقول بأن الحروف المقطعات في أوائل بعض السور هي من أسماء الله، متابعًا بذلك ابن عباس ﵁، وغيره من المفسرين٥.
_________________
(١) ١ انظر: مجموع الفتاوى٢٢/٤٨٢-٤٨٦. ٢ انظر: بدائع الفوائد١/١٦٦. ٣ انظر: شرح السنة٥/٣٥. ٤ أصول الدين للبغدادي ص:١٢٠. ٥ انظر: الأسماء والصفات ص: ٩٤، و٩٥.
[ ١٥٩ ]
وقد ذكر هذا الرأي عن ابن عباس، والشعبي، والسدي وغيرهم من المفسرين ابن كثير في تفسيره١.
وقصارى القول أن رأي البيهقي هذا، والذي شارك به جماهير العلماء، رأي صائب، متفق مع الحق الذي نطقت به النصوص الشرعية، التي هي مناط الاستدلال لأهل الحق دائمًا وأبدًا. فأسماء الله أكثر من أن تحصر. وما ورد عن بعض العلماء من أنها ألف أو خمسة آلاف - كما ذكر ذلك الرازي في تفسيره عن بعض العلماء - إنما هي دعوى لا دليل عليه، لأن من أسمائه تعالى ما استأثر بعلمه فكيف لنا أن نصل إلى حصره وعده. فأسماء الله تعالى كثيرة لا يمكن حصرها.
حقيقة الاسم المسمى
وهذه قضية من القضايا الرئيسية التي كثر النزاع فيها بين العلماء وقبل البدء في بيان رأي البيهفي فيها، أرى من المناسب أن أذكر أولًا إجمالًا لآراء العلماء حتى يتبين لنا موقع رأي البيهقي منها.
فأقول وبالله التوفيق: إن شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - قد ذكر وجود هذا الخلاف بعد عصر الأئمة، أحمد بن حنبل وغيره، كما ذكر أن الخلاف قد وقع على خمسة مذاهب هي:
١ - أن الاسم عين المسمى، وهو رأي أكثر المنتسبين إلى السنة كأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي صاحب شرح السنة، وغيرهم. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري مما أختاره أبو بكر بن فورك وغيره.
_________________
(١) ١ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير١/٣٦.
[ ١٦٠ ]
٢ - أن الاسم غير المسمى، وهو رأي الجهمية، ورأى المعتزلة، وتابعهما في ذلك جماعة من الأشاعرة كالغزالي، والرازي وغيرهما، يقول الرازي: "واختيار الغزالي أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متباينة، وهو الحقّ عندي، لأن أسماء الله كثيرة، فالاسم غير المسمى"١.
وقد بنى الجهمية رأيهم هذا على أن أسماء الله مخلوقة وما دامت كذلك فهي غيره، وذكر ابن تيمية - ﵀ - أن هؤلاء هم الذين ذمهم السلف، وغلظوا القول فيهم، لأن أسماء الله من كلامه وكلامه غير مخلوق بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء ٢.
وهذا الرأي هو الذي ناصره ابن حزم بشدة، فأرغى وأزبد في تأييده، والتشنيع على أصحاب الرأي الأوّل٣.
٣ - التوقف، وأصحاب هذا الرأي جماعة من السلف، يذكر ابن تيمية عنهم أنهم توقفوا في ذلك نفيًا وإثباتًا، أي أنهم لا يقولون إن الاسم هو المسمى ولا غيره، إذ كان كل من الإطلاقين بدعة - في نظرهم - ويذكر أن الخلال ذكر ذلك عن إبراهيم الحربي٤ رغيره كما ذكره أبو جعفر الطبري في كتابه صريح السنة.
٤ - أن الاسم للمسمى، ويذكر ابن تيمية أيضًا أنه اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب الإمام أحمد وغيره.
_________________
(١) ١ لوامع الينات للرازي ص:٣-٤. ٢ مجموع الفتاوى٦/١٨٦. ٣ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل٥/٢٧-٣٦. ٤ هو: الإمام الحبر، إبراهيم بن إسحاق بن بشير أبو إسحاق الحربي الحافظ، تفقه على الإمام أحمد، وبرع في العلم. ولد سنة: ١٩٨؟، وتوفي سنة: ٢٨٥؟. انظر: تاريخ بغداد٦/٢٧، وشذرات الذهب٢/١٩٠.
[ ١٦١ ]
٥ - التفصيل، وتذكر ابن تيمية أنه المشهور عن أبي الحسن الأشعري، وذكر طريقتهم في ذلك١.
ولسنا بحاجة إلى الإطالة في بيان هذه الأقوال وأدلتها، إذ المهم هو رأى البيهقي في هذه القضية، ومدى موافقته للحقّ فيها فأقول:
إن البيهقي - ﵀ - قد ذكر رأيين فقط من الآراء الخمسة السالفة، وكلاهما موجود في المذهب الأشعري وهذان الرأيان هما:
١ - إن الاسم عين المسمى، وهو الأوّل من الآراء التي ذكرها ابن تيمية.
٢ - التفصيل، وهو الخامس من الأقوال السابقة.
ولبيان ذلك أورد ما ذكره - ﵀ - نصًا، ثم أوضح أي الرأيين - عنده - أرجح، فقد قال - ﵀ - حاكيًا عن شيخه أبي إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الإسفرائيني٢:
" واعلم أن أسامي الله تعالى على ثلاثة أقسام، قسم منها للذات وقسم لصفات الذات، وقسم لصفات الفعل.
_________________
(١) ١ انظر تفصيل هذه الأقوال الخمسة والقائلين بها عند ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٦/١٨٥-١٨٩. ٢ هو: إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران، الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، أحد أئمة الدين كلامًا، وأصولًا، وفروعًا، روى عنه جماعة منهم: البيهقي. توفي سنة:٤١٨؟. انظر: طبقات الشافعية٤/٢٥٦.
[ ١٦٢ ]
فالقسم الأوّل: الاسم والمسمى واحد، وهو مثل قديم، وشيء، وإله، ومالك.
الثاني: الاسم صفة قائمة بالمسمى، لا يقال إنها هي المسمي ولا يقال إنها غير المسمى، وهو مثل: العالم، والقادر، لأن الاسم هو العلم والقدرة.
والقسم الثالث: هو من صفات الفعل، فالاسم فيه غير المسمى وهو مثل: الخالق والرازق، لأن الخلق والرزق غيره.
وذهب بعض أصحابنا من أهل الحق في جميع أسماء الله ﷿ إلى أن الاسم والمسمى واحد. قال: والاسم في قولنا: عالم، وخالق لذات البارئ التي لها صفات الذات، مثل: العلم والقدرة وصفات الفعل مثل: الخلق والرزق، قال: ولا نقول لهذه الصفات، إنها أسماء، بل الاسم ذات الله الذي له هذه الصفات"١.
فهذان رأيان حكاهما أبو إسحاق الإسفرائيني، ونقلهما عنه البيهقي فبأيهما يختار البيهقي؟
لقد عزا - ﵀ - الرأي الأخير إلى بعض الأشاعرة، ومنهم شيخه ابن فورك، وساق استدلالهم عليه ثم صرح باختياره حيث قال: "وإلى هذا ذهب الحارث بن أسد المحاسبي، فيما حكاه عنه الأستاذ أبو بكر بن الحسن بن فورك، قال: ويصح ذلك عندي بما يشهد له اللسان بذلك، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ٢، فأخبر أن اسمه يحيى، قال: يا يحيى، فخاطب اسمه، فعلم أن المخاطب يحيى وهو اسمه، واسمه هو، وكذلك قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ ٣
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان للبيهقي١/ ل١٥، الاعتقاد ص: ٢٢. ٢ سورة مريم آية: ٧. ٣ سورة يوسف آية: ٤٠.
[ ١٦٣ ]
وأراد المسميات، ولأنه لو كان غيره، أولًا هو المسمى، لكان القائل إذا قال عبدت الله، والله اسمه، أن يكون عبد اسمه، إما غيره وإما لا يقال انه هو، وذلك محال، وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" معناه تسميات العباد لله، لأنه في نفسه واحد. قال الشاعر:
"إلى الحول ثم اسم السلام عليكما"١.
قال أبو عبيد -: أراد: ثم السلام عليكما، لأن اسم السلام هو السلام..
قال البيهقي: "والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك - ﵀"٢.
وهكذا يصرح البيهقي باختياره للرأي القائل في جميع أسماء الله تعالى بأن الاسم عين المسمى. وقد تقدم طرف من أدلة أصحاب هذا الرأي المختار عند البيهقي، وفي كتاب الاعتقاد ذكر طرفًا آخر منها كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٣ كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٤، كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٥ هذا من القرآن الكريم.
_________________
(١) ١ نسب ابن حزم هذا البيت إلى لبيد وذكره كاملًا وهو: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر ٢ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٥. ٣ سورة الرحمن آية: ٧٨. ٤ سورة الفرقان آية: ١. ٥ سورة الملك آية: ١.
[ ١٦٤ ]
كما ذكر - ﵀ - أدلة هذا الرأي من السنة المطهرة فروى بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أتى أحدكم فراشه فلينفضه بصنفة ثوبه ثلاث مرات فإنه لا يدري ما خلفه عليه، وليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" ١.
وروى بسنده أيضًا حديث عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ أن جبريل ﵇ جاءه وهو يوعك فقال: "أرقيك من كل داء يؤذيك، ومن كل حسد حاسد ومن كل عين، واسم الله يشفيك" ٢.
إلى غير ذلك مما أورده - ﵀ - من أدلة لهذا الرأي.
وكما عزا هذا الرأي الذي اختاره إلى الحارث بن أسد المحاسبي وأبي بكر بن فورك، فقد عزاه أيضًا إلى أبي عبيد القاسم بن سلام والإمام محمد ابن إدريس الشافعي فقد روى عن الشافعي - ﵀ - قوله: "من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة.."٣.
وقال بعد ذلك معلقًا على هذا القول: فجعل اليمين باسم من أسماء الله كاليمين بالله ثم قال: ومن حلف بشيء غير الله فلا كفارة عليه، فبين
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٢٣. ورواه البخاري في كتاب الدعوات حديث رقم: ٦٣٢٠، ١١/١٢٥. ٢ الاعتقاد ص: ٢٣. ورواه أحمد في المسند٥/٣٢٣. وأوّله عنده "باسم الله أرقيك". ٣ مناقب الشافعي للبيهقي١/٤٠٣.
[ ١٦٥ ]
بذلك أنه لا يقال في أسماء الله وصفاته أنها أغيار، كأنما يقال أغيار لما يكون مخلوقًا"١.
وهذا رد على القائلين بأن الاسم غير المسمى كالمعتزلة وهو رأي لا ريب شنيع، لأنه مبني على أصل فاسد وهو القول بأن كلام الله تعالى الذي ورد بذكر أسمائه سبحانه مخلوق فتكون أسماؤه مخلوقة، وهو رأي واضح البطلان.
فرأي البيهقي إذًا قد اتضح بأنه القول بأن الاسم عين المسمى وهو رأي جماعة من السلف، منهم الشافعي، وأبو عبيد القاسم بن سلام كما ذكر ذلك البيهقي نفسه، واللالكائي، والبغوي، كما ذكر ذلك ابن تيمية - ﵀ - يقول البغوي في شرح السنة: "والاسم هو المسمى وذاته"٢. وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر ابن فورك منهم كما تقدم.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء الذين قالوا. إن الاسم هو المسمى لم يوفقوا إلى الصواب، وذكر من أبرز هؤلاء القوم أبا بكر بن فورك وذكر كلامه نصًا في الآراء الواردة في هذا الشأن وذكر بعد ذلك ترجيحه لهذا الرأي بقوله: قال: والذي هو الحق عندنا قول من قال: "اسم الشيء هو عينه وذاته، واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل، أي بالله أفعل وإن اسمه هو هو"٣. وهذا هو القول الذي أشار البيهقي إلى اختياره كما تقدم.
_________________
(١) ١ مناقب الشافعي للبيهقي١/٤٠٤. ٢ شرح السنة للبغوي٥/٢٩. ٣ مجموع الفتاوى لابن تيمية٦/١٩٠.
[ ١٦٦ ]
وذكر ابن تيمية - ﵀ - أن السبب الذي أدى بهم إلى مجانبة الصواب أنهم لم يقتصروا على أن أسماء الشيء إذا ذكرت في الكلام فالمراد بها المسميات، كما ذكروه في قوله: "يا يحيى" ونحو ذلك ولو اقتصروا على ذلك لكان صحيحًا، لأنه معنى واضح لا ينازع فيه من فهمه، ولعدم اقتصارهم على ذلك أنكر قولهم جمهور أهل السنة لاشتماله على أمور باطلة مثل دعواهم إن لفظ اسم الذي هو "اس م" معناه ذات الشيء ونفسه، وإن الأسماء - التي هي الأسماء - مثل زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسميات، وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره، وهي مصدر سميته تسمية، إذا جعلت له اسمًا، والاسم هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يراد به المسمى، لأنه حكم عليه، ودليل عليه١.
وجميع ما استدلوا به لا دليل لهم فيه، لأنه لا يوجد في واحد منها ما يدل على أن اسم الشيء هو ذات الشيء بعينه لأن هذا لا يتفق مع الواقع. وقد رد ابن تيمية كل دليل من الأدلة السابقة منفردًا عن الآخر بعد أن ساق الرد مجملًا، وهنا اكتفى بالرد المجمل السابق أما الرأي الأصح والأسلم منها هو ذلك التفصيل الذي أورده شارح الطحاوية فقال: "الاسم يراد به المسمى تارة، ويراه به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت:
_________________
(١) ١ المصدر نفسه٦/١٩١-١٩٢.
[ ١٦٧ ]
قال الله كذا أو سمع الله لمن حمده ونحو ذلك فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحيم من أسماء الله تعالى ونحو ذلك، فالاسم هاهنا هو المراد، لا المسمى، ولا يقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد إن الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى"١.فهذا تفصيل منطقي سليم، بعيد عن التعقيد، وأصحاب هذا الرأي هم جمهور أهل السنة، وهم الذين يقولون: إن الاسم للمسمى وهم بهذا القول موافقون لصريح الكتاب والسنة، بل وللمعقول أيضًا لأن الله تعال يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ .
وقال النبي ﷺ "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" ٢ وقال صلى الله عليهوسلم: "إن لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب" ٣.
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هؤلاء إنما يلجأون إلى التفصيل الآنف الذكر عندما يسألون أهو المسمى أم غيره٤.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٦٩. ٢ متفق عليه وقد تقدم. ٣ رواه البخاري في كتاب المناقب، حديث رقم: ٣٥٣٢، ٦/٤٥٤، ورواه مالك في الموطّأ، كتاب أسماء النبي ﷺ ٢/١٠٠٤. ٤ انظر: مجموع الفتاوى٦/٢٠٧.
[ ١٦٨ ]
وفي هذا التفصيل عند الحاجة إليه غنية عن أي قول سواه لأنه هو الواقع المستند إلى الدليل.
أما التفصيل الذي ذكره البيهقي فيما مضى، وأشار إلى أنه رأى بعض متقدمي أصحابه، فإنه تفصيل يعوزه الدليل فلا اعتبار له كما أن قول البيهقي ومن وافقه أن الاسم هو المسمى غير صحيح أيضًا لما تقدم.
مسألة
ذهب البيهقي - ﵀ - إلى إطلاق اسم القديم على الله ﵎، موافقًا بذلك جمهور المتكلمين، ويحتج لصحة هذا الإطلاق بما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين الذي رواه في كتاب الاعتقاد١ حيث ورد ضمن الأسماء المذكورة مفصلة بعد الإجمال اسم "القديم". كما احتج بما رواه بسنده عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: دخلت على رسول الله ﷺ، فذكر الحديث وفيه: قالوا: "جئناك نسألك عن هذا الأمر، قال: "كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره" ٢. ثم ذكر تأييدًا لهذا الرأي قول شيخه الحليمي٣ في معنى القديم: إنه الموجود الذي ليس
_________________
(١) ١ انظر ص:١٤، من كتاب الاعتقاد، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث، وعلى حديث الوليد بن مسلم في ص: (١٦٥) من هذا البحث. ٢ الأسماء والصفات ص: ٩. رواه البخاري في كتاب التوحيد بلفظ: "ولنسألك عن أوّل هذا الأمر ما كان" الحديث. انظر: حديث رقم: ٧٤١٨، ١٣/٤٠٣. ٣ هو: الحسين بن الحسن بن محمّد بن حليم البخاري الجرجاني أبو عبد الله فقيه شافعي، قاضٍ، كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، مولده بجرجان سنة: ٣٣٨؟ ووفاته ببخارى سنة: ٤٠٣؟. انظر: الأعلام٢/٢٥٣.
[ ١٦٩ ]
لوجوده ابتداء والموجود الذي لم يزل، وأصل القديم في اللسان السابق، لأن القديم هو القادم"١.
وعقب البيهقي على قول الحليمي هذا بقوله: "فقيل لله ﷿ قديم، بمعنى أنه سابق للموجودات كلها، ولم يجز إذ كان كذلك أن يكون لوجوده ابتداء، لأنه لو كان لوجوده ابتداء لاقتضى ذلك أن يكون غير له أوجده، وأوجب أن يكون ذلك الغير موجودًا قبله، فكان لا يصح حينئذ أن يكون هو سابقًا للموجودات، فقد أوجبنا ألاّ يكون لوجوده ابتداء، فكان القديم في وصفه جل ثناؤه عبارة عن هذا المعنى"٢.
وهكذا يتضح لنا تجويزه إطلاق اسم القديم على الله سبحانه ومن ثم وصفه بالقدم، لأن كل اسم عنده يشتمل على صفة كما سيأتي.
ولكن، ما مدى صحة ما ذهب إليه البيهقي في ذلك؟
الواقع إن ما ذهب إليه البيهقي هنا من تجويز إطلاق اسم القديم على الله ﷾ مجانب للصواب ومناقض لما سبق تقريره من أنه يرى في إثبات أسماء الله تعالى التزام جانب التوقيف، ولبيان ذلك أقول: إن ما التزمه البيهقي من الاقتصار على التوقيف في أسماء الله تعالى غير متوفر له هنا، وإن حاول المحافظة على هذا المبدأ باستناده إلى ما ورد في حديث عبد العزيز بن الحصين المشار إليه آنفًا، إلاّ أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلًا له على ما ذهب إليه لما تقدم أيضًا من أنه هو نفسه
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٩. ٢ الأسماء والصفات ص: ٩. وانظر هذا المعنى في: الاقتصار في الاعتقاد للغزالي ص: ٩٢، والمسامرة بشرح المسايرة لابن أبي شريف القدسي ص: ٢٢.
[ ١٧٠ ]
يشك في صحة ورود تفصيل الأسماء عن النبي ﷺ، لاحتمال أن يكون ذلك مدرجًا من جهة بعض الرواة، والدليل كما هو معروف في قواعد الأصول إذا تطرق إليه الاحتمال بطل له الاستدلال، وذلك في الفروع، فما بالك بالعقائد؟
وأما حديث عمران ابن حصين فلا دليل فيه لعدم اشتماله على إطلاق هذا الاسم على الله سبحانه.
ثم إن القديم في لغة العرب التي نزل بها القران، هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، قال ابن فارس: القدم خلاف الحدوث، ويقال شيء قديم، إذا كان زمانه سالفًا١. فلم يستعملوا هذا إلاّ في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢. والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول "قديم" وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ﴾ ٣.
فالأقدم مبالغة في القديم.. وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ٤. أي يتقدمهم ويستعمل منه الفعل لازمًا ومتعديًا، كما يقال: أخذت ما قدم وما حدث، ويقال هذا قدم هذا، وهو يقدمه، ومنه سميت القدم قدمًا لأنها تقدم بقية بدن الإنسان٥.
_________________
(١) ١ معجم مقاييس اللغة٥/٦٥ مادة: (ق د م) . ٢ سورة يس آية: ٣٩. ٣ سورة الشعراء آية: ٧٥-٧٦. ٤ سورة هود آية: ٩٨. ٥ انظر: شرح الطحاوية ص: ٥٢-٥٣.
[ ١٧١ ]
وبعد أن أورد شارح الطحاوية هذه المناقشة في تقرير معنى القديم، عقب عليها بقوله: ولا ريب أنه إذا كان مستعملًا في نفس التقدم فإن ما تقدم على الحوادث كلها فهو أحق بالتقدم من غيره، لكن أسماء الله تعالى هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به، والتقدم في اللغة مطلق، لا يختص بالتقدم على الحوادث كلها، فلا يكون من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأوّل، وهو أحسن من القديم، لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له، بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى لا الحسنة"١.
وهكذا يتضح لنا أن المعنى الذي ذكره المتكلمون للفظ القديم وارتضاه البيهقى وهو أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، يتضح لنا أن هذا اللفظ ليس قاصرًا على هذا المعنى، بل شامل له ولغيره من المعاني السابقة، ولذلك فإنه لا يكون من الأسماء الحسنى، لأن الأسماء الحسنى تشتمل على خصوص ما يمدح به سبحانه ولفظ القديم ليس كذلك.
ومن أجل هذا لم يرد الإذن الشرعي بإطلاق هذا الاسم على الله سبحانه، وإنما الإذن ورد بإطلاق اسم الأول، وهو أصح من اسم القديم لغة وشرعًا.
وقد أنكر ابن حزم بشدة هذا الإطلاق٢، أما ما وجدناه عند بعض العلماء المتمسكين بالمنهج السلفي من إطلاق هذا اللفظ على الله كما جاء عند ابن القيم في نونيته:
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٥٣. ٢ انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل٢/١٥٢.
[ ١٧٢ ]
وهو القديم فلم يزل بصفاته سبحانه متفردًا بل دائم الإحسان فإنه ليس قصدهم إطلاق هذا اللفظ على سبيل التسمية أو الوصف، بل على سبيل الإخبار، وباب الأخبار أوسع من باب الصفات، كما ذكر ذلك الشيخ محمّد بن مانع ابن القيم في "البدائع" وقال بعد ذلك: وأهل العلم لم يذكروا لفظة القديم في الأسماء الحسنى ولكنهم يخبرون عنه سبحانه بذلك. وجعل قول ابن القيم السابق من هذا النوع١.
والحاصل أن إطلاق لفظ القديم على الله سبحانه بقصد التسمية غير سديد، لافتقاره إلى دليل يجوز لنا ذلك الإطلاق.
صلة الأسماء بالصفات
لقد سبق أن ذكرت المذاهب في أسماء الله تعالى، وعرفنا أن هناك من ينفيها وينفي الصفات معها وهم الجهمية، وأوضحت أنه لا مجال للحديث حينئذ في العلاقة بين معدومين.
وهناك من يثبت الأسماء وينفي الصفات، وهم المعتزلة، وهنا أيضًا لا علاقة، إذ أن أحد الأمرين لا وجود له، أما من يثبت الأسماء والصفات جميعًا لله ﷾، مع وجود الاختلاف في طريق الإثبات، والمقصود منه، فإن أصحاب هذا الرأي هم الذين بحثوا العلاقة بين الأسماء والصفات.
ولا ريب أن شيخنا البيهقي﵀- من أبرز أولئك المثبتين وقد بحث هذه العلاقة، وأثبت وجود صلة وثيقة بين أسماء الله ﷾ وبين صفاته، حيث قال: " فلله ﷿ أسماء وصفات وأسماؤه صفاته، وصفاته أوصافه"٢.
_________________
(١) ١ انظر: تعليق الشيخ محمّد بن مانع على العقيدة الطحاوية ص: ٦، وشرح الشيخ الألباني عليها ص: ١٩. ٢ الاعتقاد ص: ٢١.
[ ١٧٣ ]
إلا أنه - ﵀ - لا يريد من كلامه هذا أن الأسماء هي الصفات بعينها، وإلا لما كان ثمة حاجة إلى تأليف كتاب كبير يفرق فيه بين مباحث الأسماء ومباحث الصفات، ثم إن قوله: "وفي إثبات أسمائه إثبات صفاته، لأنه إذا ثبت كونه موجودًا فوصف بأنه حي فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، وإذا وصف بأنه قادر فقد وصف بزيادة صفة هي القدرة وإذا وصف بأنه عالم فقد وصف بزيادة صفة هي العلم، كما إذا وصف بأنه خالق فقد وصف بزيادة صفة هي الخلق، وإذا وصف بأنه رازق فقد وصف بزيادة صفة هي الرزق، وإذا وصف بأنه محيي فقد وصف بزيادة صفة هي الإحياء إذ لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط"١.
في هذا القول بيان لتلك العلاقة التي يراها بين أسماء الله تعالى وصفاته وهي دلالة تلك الأسماء على اتصافه سبحانه بما تتضمنه من صفات. وفي قوله – راويًا عن شيخه الحليمي: "وإنما تشتق أسماؤه من صفاته التي كلها مدائح، وأفعاله التي أجمعها حكمه"٢ دليل على أنه يرى التلازم بين الصفة والاسم فكما أن الصفة تدل على الاسم، فالاسم أيضًا دليل على الصفة، بمعنى أن الصفة إذا ذكرت منفردة فهي تدل بطريق اللزوم على الاسم المشتق منها، والاسم إذا ذكر منفردًا دل بطريق اللزوم أيضًا على الصفة التي اشتقّ منها، وأعني بالصفات هنا الصفات الدالة على الأسماء الحسنى.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١١٠. ٢ المصدر نفسه.
[ ١٧٤ ]
وهذا الرأي في العلاقة بين أسماء الله تعالى وصفاته، الذي ذهب إليه البيهقي هو الرأي السديد الذي يتفق مع العقل والمنطق ولم يخالفه فيه من مثبتي الأسماء سوى ابن حزم الذي يرى أن الأسماء جامدة ليست مشتقة أصلًا فلا علاقة بينها وبين الصفات حيث يقول:
".. وأما قولهم: هل يفهم من قول القائل "الله" كالذي يفهم من قوله عالم فقط، أو يفهم من قوله عالم معنى غير ما يفهم من قوله "الله"؟ فجوابنا أننا لا نفهم من قولنا قدير وعالم إذا أردنا بذلك الله تعالى إلا ما نفهم من قولنا الله فقط، لأن كل ذلك أسماء أعلام لا مشتقة من صفة أصلًا"١.
فهو لا يرى ثمة علاقة بين الأسماء والصفات وهذا قول باطل وادعاء لا دليل عليه، إذ أن اللغة العربية التي نزل بها القرآن وخاطب الله بها أهلها لا تساعده على ما أراد، فإنه لا يفهم من عالم وعليم وقادر وقدير إلا ذات اتصفت بصفة٢.
وهذا الرأي هو صريح مذهب المعتزلة أيضًا لأنهم أثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، ومعنى هذا أنهم لا يرون أن الصفة ثبتت بثبوت الاسم، ولذلك مزيد بيان فيما بعد إن شاء الله.
وفي قول البيهقي السابق: بأنه لولا هذه المعاني لاقتصر في أسمائه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط، في هذا القول رد على من ذهب هذا المذهب الذي تبناه ابن حزم ووافقته عليه المعتزلة، كما أن شيخ
_________________
(١) ١ الفصل في الملل والأهواء والنحل٢/١٢٨-١٢٩. ٢ انظر: حاشية الفصل لابن حزم الصفحات السابقة نفسها.
[ ١٧٥ ]
الإسلام ابن تيمية - ﵀- قد رد عليه، واحتد في ذلك حتى وصفه بأنه شبيه برأي القرامطة الباطنية وقال بعد ذلك: ".. فإنا نعلم باضطرار الفرق بين الحي والقدير، والعليم، والملك والقدوس، والغفور، وإن العبد إذا قال: رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التواب الغفور، كان قد أحسن في مناجاة ربه، وإذا قال اغفر لي وتب علي إنك أنت الجبار المتكبر الشديد العقاب لم يحسن في مناجاته، وإن الله أنكر على المشركين الذين امتنعوا من تسميته بالرحمن فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢.
ومعلوم أن الأسماء إذا كانت أعلامًا وجامدات لا تدل على معنى لم يكن فرق فيها بين اسم واسم، فلا يلحد في اسم دون اسم، ولا ينكر عاقل اسمًا دون اسم، بل قد يمتنع عن تسميته مطلقًا، ولم يكن المشركون يمتنعون عن تسمية الله بكثير من أسمائه، وإنما امتنعوا عن بعضها وأيضًا فالله له الأسماء الحسنى دون السوآى، وإنما يتميز الاسم الحسن عن الاسم السيئ بمعناه، فلو كانت كلها بمنزلة الأعلام الجامدات التي لا تدل على معنى لم تنقسم إلى حسنى وسوآى، بل هذا القائل لو سمى معبوده بالميت والعاجز والجاهل، بدل الحي والعالم والقادر لجاز ذلك عنده"٣
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية: ٦٠. ٢ سورة الأعراف آية: ١٨٠. ٣ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية ص: ٧٦-٧٨.
[ ١٧٦ ]
ويقول ابن القيم﵀- في تقرير الرأي الذي ذهب إليه البيهقي، والرد على مخالفيه: " لو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات، لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها، فلا يقال يسمع ويرى ويعلم، ويقدر ويريد، فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها وأيضا فلو لم تكن أسماؤه ذوات معان وأوصاف لكانت جامدة كالأعلام المحضة التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به، فكانت كلها سواء، ولم يكن فرق بين مدلولاتها، وهذه مكابرة صريحة وبهت بين، فإن من جعل معنى اسم "القدير" هو معنى اسم "السميع البصير" ومعنى اسم "التواب" هو معنى اسم "المنتقم" ومعنى اسم المعطي هو معنى اسم "المانع" فقد كابر العقل، واللغة والفطرة"١.
فرأى البيهقي الذي يثبت معاني أسماء الله تعالى وبذلك يثبت الصفات التي تدل عليها هو الرأي الحق، وقد وافق فيه السلف، أما رأي ابن حزم المقابل لرأي البيهقي فقد تبين بطلانه، وهو في نظري لا يبعد كثيرًا عن رأي الجهمية الذي سبق أن أشرت إليه وهو القائل بنفي أسماء الله تعالى، وإطلاقها عليه على سبيل المجاز.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين لابن القيم١/٢٩.
[ ١٧٧ ]
الفصل الثاني: أسماء الله تعالى
وأراد المسميات، ولأنه لو كان غيره، أولًا هو المسمى، لكان القائل إذا قال عبدت الله، والله اسمه، أن يكون عبد اسمه، إما غيره وإما لا يقال انه هو، وذلك محال، وقوله: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا" معناه تسميات العباد لله، لأنه في نفسه واحد. قال الشاعر:
"إلى الحول ثم اسم السلام عليكما"١.
قال أبو عبيد -: أراد: ثم السلام عليكما، لأن اسم السلام هو السلام..
قال البيهقي: "والمختار من هذه الأقاويل ما اختاره الشيخ أبو بكر بن فورك - ﵀"٢.
وهكذا يصرح البيهقي باختياره للرأي القائل في جميع أسماء الله تعالى بأن الاسم عين المسمى. وقد تقدم طرف من أدلة أصحاب هذا الرأي المختار عند البيهقي، وفي كتاب الاعتقاد ذكر طرفًا آخر منها كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٣ كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ٤، كما قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ٥ هذا من القرآن الكريم.
_________________
(١) ١ نسب ابن حزم هذا البيت إلى لبيد وذكره كاملًا وهو: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر ٢ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٥. ٣ سورة الرحمن آية: ٧٨. ٤ سورة الفرقان آية: ١. ٥ سورة الملك آية: ١.
[ ١٥١ ]
الفصل الثالث: أقسام الصفات
لقد سلك المتكلمون فيما أثبتوه من صفات طريقة خاصة بهم، وقبل بيان التقسيم الذي ارتضاه البيهقي؛ أرى من المناسب أن أذكر الطريقة التي سلكها أولئك المتكلمون حتى يتضح لنا مدى اتفاق البيهقي أو اختلافه معهم.
فأقول: إن المتكلمين ممن أثبتوا الصفات قد درجوا على تقسيم صفات الله تعالى إلى أربعة أقسام:
نفسية، وسلبية، وصفات معان، وصفات معنوية.
١ - النفسية: وعرفوها بأنها الحال الواجبة للذات، مادامت الذات غير معللة بعلة١ وهي الوجود.
٢ - السلبية: وعرفوها بأنها التي سلبت أمرًا لا يليق بالله ﷾ ٢، وهي عندهم خمس صفات: القدم، والبقاء، ومخالفته تعالى للحوادث، وقيامه بنفسه، والوحدانية.
٣ - صفات المعاني: وقد عرفت بأنها كل صفة قائمة بموصوف زائدة على الذات، موجبة له حكمًا٣، وهي سبع: القدرة، والإرادة، والعلم والحياة، والسمع، والبصر، والكلام. وإنما سميت بذلك لأن كل صفة منها تدل على معنى زائد على ذاته تعالى.
_________________
(١) ١ شرح أم البراهين للسنوسي ص: ٢٥. ٢ حاشية الدسوقي على أم البراهين ص: ٩٣. ٣ حاشية الصاوي على شرح الخريدة البهية ص: ٧٦.
[ ١٨١ ]
وهي ما يسمونه أيضًا بالصفات الوجودية.
٤ - الصفات المعنوية: وهي ملازمة للسبع الأولى، وقد عرفت بأنها الحال الواجبة للذات، ما دامت المعاني قائمة بالذات ١. وعللوا تسمية هذه الصفات بهذا الاسم بأن الاتصاف بها فرع عن الاتصاف بالسبع الأولى، فإن اتصاف محل من المحال بكونه عالمًا، أو قادرًا مثلًا، لا يصح إلا إذا قام به العلم، أو القدرة، وقس على هذا.
فصارت السبع الأولى وهي صفات المعاني عللًا لهذه أي ملزومة لها، فلهذا نسبت هذه إلى تلك، فقيل فيها: صفات معنوية٢ وهذه الصفات المعنوية هي كونه تعالى قادرًا، ومريدًا، وعالمًا، وحيًا، وسميعًا، وبصيرًا، ومتكلمًا.
ولا يخفى أن هذا التقسيم مبني على اعتقادهم إثبات بعض الصفات إثباتًا حقيقيًا، والتفويض في بعضها الآخر، أو إرجاعه إلى معان فيها تنزيه لله ﷾ على مشابهة المخلوقات - على حد زعمهم.
وإذا كان هذا هو موقف المتكلمين من تقسيم الصفات، فما موقف البيهقي؟ وهل يوافقهم على هذا التقسيم أم أنه استقلّ برأيه في هذا الشأن؟
الواقع أن البيهقي - ﵀ - قد ذهب إلى تقسيم الصفات إلى قسمين لا ثالث لهما، وهذان القسمان هما:
(أ) صفات ذات.
(ب) صفات فعل.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص: ٥٩. ٢ شرح أم البراهين للسنوسي ص: ٣٣.
[ ١٨٢ ]
ثم قسم كلًا من هذين النوعين إلى عقلي وخبري، استنادًا إلى نوع الأدلة التي ثبتت بها، إذ إن منها مادل العقل على نبوّته لله ﷾ مع ورود النص به، ومنها ما كان طريق إثياته الأدلة النقلية فحسب.
يقول - ﵀ - في إيضاح هذا التقسيم. "صمفات الله قسمان:
أحدهما: صفات ذاته، وهو ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال.
والآخر: صفات فعله، وهي ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل.
ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة، والقدرة، والعلم والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، ونحو ذلك من صفات ذاته، وكالخلق والرزق، والإحياء، والإماتة، والعفو، والعقوبة، ونحو ذلك من صفات فعله.
ومنه ما كان طريق إثباته ورود خبر الصادق به فقط، كالوجه واليدين، والعين، في صفات ذاته، وكالاستواء على العرش، والإتيان والمجيء، والنزول ونحوذلك من صفات فعله"١.
ولا ريب أن هذا التقسيم الذي قال به البيهقي أشمل من تقسيم المتكلمين السابق، لأنه شمامل لجميع صفات الله ﵎، أما تقسيم المتكلمين فقاصر على ما أثبتوه منها فحسب. وبهذا تتضح لنا مخالفة البيهقي للمتكلمين فيما ذهبوا إليه من تقسيم.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١١٠.
[ ١٨٣ ]
ونظرًا لما عهدناه عن البيهقي من أنه لا يقول في الصفات قولًا إلا ويسنده بدليل شرعي، فإننا نجده هنا يستدل لهذا التقسيم بآيات كريمات رآها صالحة لأن تكون مناطًا لاستدلاله وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا َّهُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. وقد بيّن وجهة استدلاله بهذه الآيات على تقسيمه للصفات بقوله: "فأشار في هذه الآيات إلى فصل أسماء الذات من أسماء الفعل"٢.
ويعني بذلك أن الله ﵎ ذكر في هذه الآيات أسماء الذات التي تشتمل على الصفات التي اشتقت منها هذه الأسماء، وذكر بعد ذلك أسماء الفعل الدالة على الصفات التي اشتقت منها أيضًا وفصل بين النوعين بضمير الفصل "هو" وهذا دليل على صحة هذا التقسيم عند البيهقي.
وينبغي أن نعلم أن مخالفة البيهقي للمتكلمين في هذا التقسيم يعني موافقة السلف على ماذهبوا إليه، لأن ماذهب إليه البيهقي هو التقسيم الصحيح للصفات، لأنه يشمل جميع أنواع الصفات الثابتة للباري ﷾، فلا تخرج عن هذين القسمين اللذين ذهب إليهما البيهقي وهذا بعينه ما سلكه السلف في تقسيمهم لها، لأن جميع نصوص الصفات من آيات
_________________
(١) ١ سورة الحشر آية: ٢٢-٢٤. ٢ الاعتقاد ص: ٢١.
[ ١٨٤ ]
قرآنية، وأحاديث نبوية تدل على صحة هذا التقسيم، إذ ورد بعضها بإثبات صفات لازمة للذات، وبعضها الآخر ورد بإثبات صفات تتعلق بها مشيئته واختياره سبحانه. ويرى الدكتور علي سامي النشار إن أوّل من فرّق هذه التفرقة في الصفات هو الإمام أبو حنيفة ﵁، استنادًا إلى ما ذكره في كتاب الفقه الأكبر حيث قال: " لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته الذاتية والفعلية"١.
ولبيان سلامة هذا المنهج في التفريق بين الصفات يقول العلامة السلفي المعاصر، أستاذنا الدكتور محمّد خليل هراس - ﵀ – "دلت هذه النصوص القرآنية على أن صفات الباري قسمان:
١ - صفات ذاتية لا تنفك عن الذات، بل هي لازمة لها أزلًا وأبدًا ولا تتعلق بها مشيئته تعالى وقدرته، وذلك كصفات الحياة والعلم، والقدرة، والتوة، والعزة، والملك، والعظمة، والكبرياء، والمجد، والجلالإلخ.
٢ - صفات فعلية، تتعلق بها مشيئته وقدرته كل وقت وآن، وتحدث بمشيئته وقدرته كالاستواء على العرش، والمجيء، والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك، والرضا، والغضب"٢.
_________________
(١) ١ انظر: نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام للنشار١/٢٣٢، وراجع كلام أبي حنفية في الفقه الأكبر بشرح ملا علي القاري ص: ١٥. ٢ شرح العقيدة الواسطية ص: ٨٩، وانظر: الكواشف الجلية لعبد العزيز المحمّد السلمان ص: ٢٥٨.
[ ١٨٥ ]
وهكذا فإن منهج البيهقي في هذا التقسيم سليم لا اعتراض عليه لموافقته للأدلة، وشموله لجميع الصفات.
إلا أن ثمة اعتراضًا واحدًا لا يتعلق بالتقسيم، بل بالضابط الذي وضعه لصفات الفعل، حيث عرفها بأنها ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل، وهو بذلك يقول بحدوثها والكلام عن هذه القضية له موضعه عند بحثنا لهذه الصفات فيما بعد إن شاء الله.
وقد وافق البيهقي أيضًا في هذا التقسيم أبو الهذيل العلاف من المعتزلة، وإن خالفه في تعريفها. حيث عرف صفات الذات بأنها التي لا يجوز أن يوصف الباري بأضدادها، ولا بالقدرة على أضدادها.
وعرف صفات الفعل بأنها التي يجوز أن يوصف الباري سبحانه بها وبضدها١.
وقصارى القول أن تقسيم البيهقي للصفات تقسيم منطقي وسليم يتفق مع واقعها من خلاله الأدلة التي ثبتت بها.
أما رأيه في طريهت إثباتها، فإنه يرى أن إثبات الصفات لله ﷾ إنما يكون توقيفيًا، كرأيه في إثبات الأسماء، وفي ذلك يقول: " فلا يجوز وصفه إلاّ بما دلّ عليه كتاب الله تعالى، أو سنة رسول الله ﷺ، أو أجمع عليه سلف هذه الأمة"٢.
_________________
(١) ١ تاريخ الفرق الإسلامية لعلي الغرابي ص: ١٥٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ١١.
[ ١٨٦ ]
وهذه بعينها طريقة السلف الصالح التي نهجوها في إثبات الصفات، والتي بيّنها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - بقوله:
" فالأصل في هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسله، نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه، وقد علم أن طريقة السلف وأئمتهم إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه"١.
وقد سبق أن تعرضت للكلام عن هذه المسألة عند الحديث عن منهج البيهقي في الباب الأوّل من هذا البحث.
وإذا كان البيهقي - ﵀ - قد وافق السلف في تقسيم الصفات، وطريقتهم في إثباتها، فهل وافقهم في إثبات جميع الصفات بقسميها، أم أنه وافق المتكلمين على ماذهبوا إليه من تفويض أو تأويل لبعضها، استنادًا إلى بعض الشبه التي علقت بأذهانهم؟
هذا ما سيتضح لنا من خلال الفصول التالية إن شاء الله.
_________________
(١) ١ الرسالة التدمرية لابن تيمية ص: ٤.
[ ١٨٧ ]
الفصل الرابع: الصفات العقلية
تمهيد:
تقدم لنا معرفة الضابط الذي وضعه البيهقي لهذه الصفات وهو تعريفه لها بياضا ماكان طريق إثباته أدلة العقول مع ورود السمع به١ بمعنى أن الله تعالى وصف نفسه بها، ووصفه بها رسوله ﷺ، ودلت عليها العقول. وكما اتضح لنا من التقسيم الذي تبناه البيهقي كما سبق بيانه في الفصل السابق، فإن هذه الصفات منها ما هو ذاتي، ومنها ماهو فعلي. وقبل أن أبدأ تفصيل موقف البيهقي من هذه الصفات أرى من المناسب أن أذكر بين يدي ذلك عرضًا موجزًا لآراء الفرق الإسلامية فيها، حتى يتبين لنا موقع رأي البيهقي منها فأقول:
إن من أبرز تلك الطوائف التي وقع بينها النزاع حول هذه الصفات خمس فرق هي: الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، وهذه تمثل فريق النفاة، والكرامية والأشاعرة، وهاتان الفرقتان تمثلان فريق المثبتين.
فأما الجهمية: أتباع الجهم بن صفوان، فهؤلاء ينفون صفات الله تعالى نفيًا قاطعًا، فيرون أن كل صفة يجوز إطلاقها على الإنسان فإنه لا يجوز أن يوصف بها الباري سبحانه، لأن في ذلك تشبيهًا لله بخلقه وفي بيان رأي هذه الفرقة في الصفات يقول البغدادي:
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٢١ وقد تقدم.
[ ١٩١ ]
" وامتنع - أي الجهم - مما وصف الله تعالى بأنه شيء أو حيّ، أو عالم، أو مريد، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيء وموجود، وحي، وعالم، ومريد، ونحو ذلك. ووصفه بأنه قادر، وموجد وفاعل، وخالق، ومحي، ومميت، لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده"١.
ووصف الجهم لله سبحانه بأنه قادر مع أن العبد قادر أيضًا مبني على مذهبه الذي يرى فيه أن العبد مجبور على فعله، وأنه كالريشة المعلقة في مهب الريح، وإضافة الفعل إلى العبد إنما يكون على سبيل المجاز.
وأما المعتزلة: فإنها بجعلها الصفات غير زائدة على الذات فقد دخلت في طائفة النفاة، لأن حقيقة مذهبهم نفي صفات الله ﷾، لأنهم وإن أثبتوا أن الله ﷾ قادر، حي، موجود، إلاّ أنهم اختلفوا في كيفية استحقاقه سبحانه هذه الصفات.
فأما أبو عليّ الجبّائي، وأبو الهذيل العلاف فذهبا إلى أن الله تعالى يستحق هذد الصفات لذاته، فهو سبحانه عالم لذاته، قادر لذاته مريد لذاته.
وقال أبو هاشم: "إن هذه الصفات أحوال وراء الذات، فالله تعالى عالم بعالمية، قادر بقادرية، وهذه الأحوال لا موجودة ولا معدومة"٢.
وأبرز معالم هذا المذهب أن الصفات عندهم غير زائدة على الذات، بحجة "أنه لا صفة للقديم أخصّ من كونه قديمًا، أو مما يقتضي كونه قديمًا من الصفة النفسية"٣.
_________________
(١) ١ الفرق بين الفرق للبغدادي ص: ٢١١-٢١٢. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص: ١٨٢. ٣ المغني للقاضي عبد الجبّار٤/٢٥١.
[ ١٩٢ ]
وإن في إثبات زيادة الصفات على الذات ما يؤدي إلى تعدد القدماء، فتشارك الله سبحانه في أخص وصف ذاته وهو القدم، وبذلك تتعدد الإلهية على حد زعمهم.
كما قال القاضي عبد الجبّار في بيان هذه الشبهة الضالة:
"والأصل في ذلك أنه تعالى لو كان يستحق هذه الصفات لمعان قديمة، وقد ثبت أن القديم إنما يخالف مخالفه بكونه قديمًا، وثبت أن الصفة التي تقع بها المخالفة عند الافتراق، بها تقع المماثلة عند الاتفاق وذلك يوجب أم تكون هذه المعاني مثلًا لله تعالى، حتى إذا كان القديم تعالى عالمًا لذاته، قادرًا لذاته، وجب في هذه المعاني مثله ولوجب أن يكون الله تعالى مثلًا لهذه المعاني"١.
وبهذا يتبين لنا أن مذهبهم في الصفات على هذا الوجه هو في الحقيقة نفي لها.
وأما الطائفة الثالثة من النفاة فهم:
الفلاسفة: وهؤلاء يتفقون أيضًا جمع المعتزلة في نفي الصفات عن الله سبحانه، إلأ أن حجتهم على ذلك االنفي تختلف عن حجة سابقيهم إذ إن المعتزلة - كما تقدم - برروا نفيهم ذاك بأن إثبات صفات لله سبحانه زائدة على الذات، يؤدي إلى القول بتعدد القدماء.
أما الفلاسفة فإنهم يخالفونهم مخالفة جذرية في هذا التبرير، إذ إنهم يجوزون تعدد القدماء مثل العقول العشرة، والأفلاك، فإنها قديمة عندهم.
_________________
(١) ١ شرح الأصول الخمسة ص: ١٩٥.
[ ١٩٣ ]
وإنما كان نفيهم للصفات خشية التركيب، فالله تعالى - عندهم واحد بسيط، والصفات الواردة في الشرع من العلم، والقدرة، والإرادة ونحوها من الصفات يزعمون أن إثباتها سلوبًا وإضافات لا يستلزم الكثرة والتركيب في ذاته، لأن مفهوم ذلك كله عندهم شيء واحد هو نفس الذات.
يقول ابن سينا في النجاة: "فإذا حققت تكون الصفة الأولى لواجب الوجود أنه إن وموجود، ثم الصفات الأخرى يكون بعضها المتعين فيه هذا الوجود مع إضافة، وبعضها هذا الوجود مع السلب وليس واحدًا منها موجبًا في ذاته كثرة البتة ولا مغايرة"١.
ومن هذا النص يتضح لنا أن الفلاسفة إنما يصفون الله سبحانه بأنه "أن وموجود" والوجود لا يوجب كثرة ولا تعددًا، أما ما عدا ذلك من الصفات فإنها إضافات أو سلوب. وهم بهذا يتفقون مع المعتزلة على نفي الصفات.
أما فريق المثبتين فيمثله طائفتان: الأشاعرة، والكرامية.
فأما الأشاعرة: أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري فإنهم يثبتون لله ﷾ سبع صفات زائدة على الذات، ويطلقون عليها اسم صفات المعاني بمعنى وجود معنى لها زائد على الذات وهذه الصفات هي: العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام.
وقد استدلوا على زيادة هذه الصفات على الذات بأمور ثلاثة.
_________________
(١) ١ النجاة لابن سينا ص: ٢٥١.
[ ١٩٤ ]
١ - قياس الغائب على الشاهد، العالم في الشاهد من قام به العلم ولا يختلف الأمر غائبًا وشاهدًا، لأن العلة واحدة، والشرط واحد فعلة كون الشخص عالمًا هو العلم، وكذالك الأمر في الغائب.
٢ - إن هذه الصفات لو لم تكن زائدة على الذات لكان مفهوم كونه حيًا، عالمًا، قادرًا، نفس ذاته، ولم يكن لحملها على ذاته فائدة، وكان قولنا على طريقة الأخبار: الله الواجب، أو العالم أو القادر، بمثابة حمل الشيء على نفسه، واللازم باطل.
٣ - لو كانت هذه الصفات نفس ذاته لكان المفهوم منها كلها أمرًا واحدًا، وذلك ضروري البطلان١.
ولهذه الصفات عند الأشاعرة أحكام أربعة:
١ - إن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها.
٢ - إنها كلّها قائمة بذاته سبحانه، ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته، سواء كان في محل أو لم يكن في محل.
٣ - إن هذه الصفات كلّها قديمة، فإنها إن كانت حادثة كان القديم سبحانه محلًا للحوادث، وهو محال.
٤ - إن الأسامي المشتقة لله سبحانه من هذه الصفات صادقة عليه أزلًا وأبدًا٢.
وأما الكرامية: أتباع أبي عبد الله محمّد بن كرام السجستاني فقد أثبتوا أيضًا صفات المعاني لله ﷾، زائدة على ذاته. فالله تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حيّ بحياة، سميع، بصير، وجميع هذه الصفات قديمة أزلية قائمة بذاته سبحانه.
_________________
(١) ١ انظر: الوجوه الثلاثة في المواقف بشرح الجرجاني (قسم الإلهيّات) تحقيق الدكتور أحمد المهدي ص: ٧٨-٨٠. ٢ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص: ١٥٠-١٦٦.
[ ١٩٥ ]
وقالوا أيضًا: إنه تعالى لم يزل خالقًا، رازقًا، منعمًا، من غير وجود خلق ورزق ونعمة منه. وأن معنى خالقيته قدرته على الخلق ورازقيته قدرته على الرزق وإنعامه قدرته على الإنعام١.
وبعد هذه الإلمامة الموجزة بمذاهب المتكلمين حول الصفات العقلية، يأتي أساس الكلام عن هذه القضية، وهو ما يتعلق برأي البيهقي، وسوف أقسم هذا الفصل إلى مبحثين رئيسيين:
المبحث الأوّل: صفات الذات العقلية.
المبحث الثاني: صفات الفعل العقلية.
_________________
(١) ١ الفرق بين الفرق للبغدادي ص: ٢١٩.
[ ١٩٦ ]
المبحث الأوّل: صفات الذات العقليّة
عرف البيهقي - ﵀ - صفات الذات عامة بأنها: ما استحقه فيما لم يزل ولا يزإل، كما تقدم بيانه. ومثل للعقلية منها بسبع صفات هي - كما تقدم -: الحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والسمع، والبصر، والكلام. وهذه الصفات السبع هي ما اصطلح المتكلمون على تسميته صفات معان.
وإلى جانب الأدلة النقلية التي أسهب في إيرادها لإثبات هذه الصقات السبع، أورد أدلة عقلية أيضًا لنفس الغرض، وذلك بناء على رأيه فيها أنها ثابتة بالأمرين جميعًا، وسيكون الكلام في هذا المبحث على عدة نقاط تتعلق بهذا النوع من الصفات، ولا ريب أن الكلام على ما يتعلق بالإثبات له الصدارة، وسيكون الكلام على الاستدلال النقلي سابقًا لأنه هو الأصل.
الأدلة النقليّة:
وقد كانت أدلته هذه منبعها الكتاب والسنة، كما ذكر أيضًا أنه استند في ذلك إلى إجماع سلف الأمة. ثم عقد لكلّ صفة من هذه الصفات السبع بابًا أورد فيه ما يدل على ثبوتها من النقل ونحن نسير معه في طريقته التي سار عليها من إيراد لكل صفة مستقلة عن الأخرى، إلاّ أننا نقتصر فيما نورده من أدلة على ذكر أمثلة مما ذكره البيهقي من نصوص.
[ ١٩٧ ]
صفة الحياة
وفي إثباتها قال: "باب ماجاء في إثبات صفة الحياة"، ثم شرع في إيراد مجموعة من الآيات والأحاديث اشتملت على إثبات هذه الصفة.
فأما الآيات فمنها قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ٣
وأما ما أورده من الأحاديث فمنها حديث ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ كان يقوله: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزتك، لا إله إلاّ أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون" ٤. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي ساقها لإثبات هذه الصفة.
وهي وإن كانت لم تتناول صفة الحياة بصريح العبارة وإنما اشتملت على إثبات اسمه الحي، فإنها دليل أيضًا على ثبوت هذه الصفة لله ﷾، إذ قد بين البيهقي - ﵀ - أنه إذا ثبت أن الله موجود، ووصف بأنه حي، فقد وصف بزيادة صفة على الذات هي الحياة، لأن كل اسم يشتمل إثباته على إثبات الصفة التي يدل عليها، إذ لولا ذلك لاقتصر الله ﷺ فيما سمى به نفسه على ما ينبىء عن وجود الذات فقط، وقد سبق بيان ذلك٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٥٥. ٢ سورة غافر آية: ٦٥. ٣ سورة الفرقان آية: ٥٨. ٤ الأسماء والصفات ص: ١١٠. والحديث رواه مسلم رقم: ٢٧١٧، ٤/٢٠٨٦. ٥ انظر ص: (١٩٢) من هذا البحث.
[ ١٩٨ ]
صفة العلم
وأورد لإثباتها مجموعة من الآيات والأحاديث. فمما أورده من الآيات قوله تعالى: ﴿يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٢
أما من السنة فقد أورد قصة الخضر مع موسى ﵉ وفيها: "وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ﵇: ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلاّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.." ٣.
ومن أجل ما قد يتوهم من كلام الخضر هذا أن علم الله تعالى يعتريه النقص، دفع البيهقي هذا التوهم الذي قد يتبادر لبعض ضعاف العقول، دفعه بما رواه عن أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي٤ في معنى هذا الكلام وتخريجه: "هذا له وجهان: أحدهما: أن نقر العصفور ليس بناقص للبحر، فكذلك علمنا لا ينقص من علمه شيئًا وهذا كما قيل:
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٥٥. ٢ سورة النساء آية: ١٦٦. ٣ أخرج البيهقي الحديث بطوله في كتاب الأسماء والصفات ص: ١١٦-١١٧، وهو متفق عليه. انظر: حديث رقم: ٤٧٢٥ من صحيح البخاري٨/٤٠٩، وحديث رقم: ٢٣٨٠ من صحيح مسلم٤/١٨٤٧. ٤ هو: الإمام أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي أبو بكر الجرجاني، أحد الحفاظ الأعيان. كان شيخ المحدّثين والفقهاء. وأجلهم في المروءة والسخاء. توفي سنة: ٣٧٠؟. انظر: شذرات الذهب لابن العماد٣/٧٢.
[ ١٩٩ ]
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتاتب
أي: ليس فيهم عيب، وعلى هذا قول الله ﷿: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا﴾ ١ أي: لا يسمعون فيها لغوًا البتة.
والآخر: إن قدر ما أخذناه جميعًا من العلم إذا اعتبر بعلم الله ﷿ الذي أحاط بكل شيء، لا يبلغ من علم معلوماته في المقدار إلاّ كما يبلغ أخذ هذا العصفور من البحر، فهو جزء يسير فيما يدرك قدره، فكذلك القدر الذي علمناه الله تعالى في النسبة إلى ما يعلمه ﷿، كهذا القدر اليسير من هذا البحر٢.
ولدفع هذا التوهم أيضًا قال الإمام النووي: قال العلماء لفظ النقص هنا ليس على ظاهره، وإنما معناه: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله تعالى كنسبة ما نقره هذا العصفور إلى ماء البحر، هذا على التقريب إلى الإفهام، وإلاّ فنسبة علمهما أقل وأحقر٣. وهذا هو الوجه الثاني الذي ذكره الإسماعيلي كما رواه عنه البيهقي.
صفة القدرة
وبنفس الأسلوب يثبت هذه الصفة، فمما أورده من الآيات قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ ٥
_________________
(١) ١ سورة مريم آية: ٦٢. ٢ الأسماء والصفات ص: ١١٨. ٣ شرح صحيح مسلم للنووي١٥/١٤١. ٤ سورة القيامة آية: ٤. ٥ سورة المؤمنون آية: ٩٥.
[ ٢٠٠ ]
أما من السنة المطهرة فأورد مجموعة كبيرة من الأحاديث، ومن أبرزها حديث الاستخارة الذي رواه بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة كما يعلّمنا السورة من القرآن يقول: إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" الحديث١.
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي ساقها البيهقي.
الإرادة
وقد أثبتها بنفس الأسلوب الذي أثبت به الصفات السابقة. فمما أورده من آيات قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٣ وقوله سبحانه: ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ ٤ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١٢٤-١٢٥. ورواه البخاري في صحيحه حديث رقم: ٦٣٨٢، ١١/١٨٢. ٢ سورة المائدة آية: ٦. ٣ سورة البقرة آية: ١٨٥. ٤ سورة الإسراء آية: ٥٤. ٥ سورة النساء آية: ١١٦.
[ ٢٠١ ]
أما من السنة: فمما أورده منها: حديث معاوية بن أبي سفيان الذى رواه بسنده عن حميد بن عبد الرحمم بن عوف قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو خطيب يقول: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله" ١.
وحديث الرجل الذي يبقى بين الجنة والنار يقول: "يارب اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول الله ﷿: فهل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله تعالى وجهه عن النار، فإذا أقبل بوجهه على الجنة فرأى بهجتها فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة" الحديث٢.
إلى غير ذلك من النصوص القرآنية والحديثية التي أوردها لإثبات صفة الإرادة التي هي والمشيئة بمعنى واحد٣.
السمع والبصر
ومما أثبت به هاتين الصفتين من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١٥١. الحديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري مع شرحه حديث رقم: ٧١، ١/١٦٤، وصحيح مسلم رقم: ١٠٣٧، ٢/٧١٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ١٦١. والحديث متفق عليه أيضًا. انظر: صحيح البخاري مع الشرح حديث رقم: ٧٤٢٧، ١٣/٤١٩. وصحيح مسلم رقم: ٢٩٩، ١/٦٣. ٣ انظر: ما أورده البيهقي من أدلة في كتاب الأسماء والصفات ص: ١٥١-١٧٥. ٤ سورة غافر آية: ٥٦. ٥ سورة النساء آية: ١٣٤.
[ ٢٠٢ ]
أما من السنة: فحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفًا أو نعلو شرفًا، ولا نهبط في واد إلاّ رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنكم ما تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" الحديث"١.
صفة الكلام
ومما أورده البيهقي - ﵀ - لإثبات هذه الصفة من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ٣ وغيرها من الآيات.
أما من السنة: فقد أورد حشدًا كبيرًا من النصوص منها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله، لا
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١٧٨-١٧٩. والحديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري ع شرحه حديث رقم: ٧٣٨٦، ١٣/٣٧٢. وصحيح مسلم حديث رقم: ٢٧٠٤، ٤/٢٠٧٦. ٢ سورة الكهف آية: ١٠٩. ٣ سورة لقمان آية: ٢٧.
[ ٢٠٣ ]
يخرجه من بيته إلاجهاد في سبيل الله، وتصديق كلمته بأن يدخد الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" ١.
والأحاديث التي تدل على ثبوت هذه الصفة كثيرة جدًا، وقد أورد البيهقي - ﵀ - عددًا كبيرًا منها. وأولى هذه الصفة عناية خاصة. ونظرًا لفرط اهتمامه بها، وتشعب الكلام فيها، ومكانتها من مسألة القول بخلق القرآن، التي تعتبر من أخطر القضايا التي احتدم النزاع فيها بين المعتزلة من جهة، والأشاعرة والسلف من جهة أخرى نظرًا لذلك كله سأفرد هذه الصفة بالبحث في فصل مستقل، وذلك بعد الفراغ من بحث الصفات العقلية بنوعيها إن شاء الله.
وقصارى القول: أن هذه الصفات السبع قد أولاها البيهقي عناية كبيرة، فدلل على ثبوتها عقلًا ونقلًا، وقد رأيت أن يكون إيرادي لأدلته النقلية فيما سبق محض تمثيل، ليكون القارىء على بصيرة من المنهج الذي سلكه لإثباتها، ولأن محاولة الإتيان على جميع الأدلة النقلية التي أوردها لهذا الغرض يطول علينا الكلام، مع أن آية واحدة أو حديثًا صحيحًا واحدًا كاف لإثبات الصفة التي ورد بها.
وغرضي من الطريقة التي سرت عليها هنا هو بيان منهجه السلفي الذي سلكه لإثبات هذه الصفات.
بقي هنا عرض الجانب الآخر من استدلال البيهقي وهو الجانب العقلي، إذ سبق أن عرفنا تسميته لهذه الصفات عقلية لثبوتها بالعقل أيضًا.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١٨٢-١٨٣. والحديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري مع شرحه حديث رقم: ٧٤٦٣، ١٣/٤٤٤. وصحيح مسلم رقم: ١٨٧٦، ٣/١٤٩٦.
[ ٢٠٤ ]
الأدلة العقلية:
وهذا هو الجانب الآخر الذي يثبت البيهقي به ما تقدم من الصفات ويتمثل ذلك الاستدلال جملة في أنه لو لم يتصف بإحدى الصفتين المتقابلتين لكان متصفًا بالأخرى لا محالة فإذا لم يكن حيًا، كان ميتًا وإذا لم يكن عالمًا كان جاهلًا وإذا لم يكن قادرًا كان عاجزًا.
ولذلك يكون دليل حياته وقدرته وعلمه ظهور فعله – سبحانه - في خلقه، وظهور ذلك الفعل بما يشتمل عليه من إحكام وإتقان يدلنا على أن فاعله متصف بالحياة والقدرة والعلم، لأن ذلك لا يصح وقوعه من متصف بأضداد هذه الصفات من موت وعجز وجهل.
وفي ذلك يقول البيهقي: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه حي عالم قادر؟ قيل ظهور فعله دليل حياته، وقدرته، وعلمه لأن ذلك لا يصح وقوعه من ميت ولا عاجز ولا جاهل به دل ذلك على أنه بخلاف وصف من لا يتأتى ذلك منه، ولا يكون بخلاف ذلك إلا هو حي قادر عالم"١.
أما دليل اتصافه بالإرادة فثبوت اتصافه بالحياة والقدرة والعلم لأن من كان كذلك لم يكن مكرهًا ولا مغلوبًا، ومن لم يكن كذلك لا بد أن يكون مريدًا.
يقول البيهقي: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه مريد؟ قيل: لأنه حي عالم ليس بمكره ولا مغلوب، ولا به آفة تمنعه، وكل حي خلا مما يضاد العلم، ولم يكن به آفة تخرجه من الإرادة، كان مريدًا مختارًا، قاصدًا"٢.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٧. ٢ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٧.
[ ٢٠٥ ]
وأما اتصافه بصفتي السمع والبصر، فدليل ذلك أنه قد ثبتت له سبحانه صفة الحياة، ووجود حي خال من الاتصاف بما يدرك المسموع والمرئي ومن الاتصاف بالآفة المانعة من ذلك أمر مستحيل، ويستحيل وصفه بالآفة من هذين الوصفين، لأن ذلك يقتضي كونه ممنوعًا، والممنوع لا بد له من مانع، وذلك من صفات المحدثين، والله تعالى منزه عن ذلك.
وفي بيان هذا الاستدلال يقول البيهقي - ﵀ -: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه سميع بصير؟ قيل: لأنه حي، ويستحيل وجود حي يتعرى عن الوصف بما يدرك المسموع والمرئي أو بالآفة المانعة منه، ويستحيل تخصيصه من أحد هذين الوصفات بالآفة، لأنها منع والمنع يقتضي مانعًا وممنوعًا، ومن كان ممنوعًا كان مغلوبًا، وذلك من صفات المحدث، والبارئ قديم لم يزل، فهو سميع بصير لم يزل ولا يزال"١.
رأما دليل اتصافه بالكلام فهو ثبوت الحياة له أيضًا، وثبوت عدم وجود آفة تمنعه من الكلام، وكل حي خلا من ذلك فلا بد وأن يكون متكلمًا كما أن مخاطبته سبحانه لخلقه على لسان نبيه بالأمر والنهي، دليلًا على اتصافه بهذه الصفة.
ولبيان ذلك يقول: "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه متكلم؟ قيل: لأنه حي ليس بساكت، ولا به آفة تمنعه من الكلام، وكل حي كان كذلك كان متكلمًا، ولأنه يستحيل لزوم الخطاب، ووجود الأمر عمن لا يصح منه الكلام، فوجب أن يكون متكلمًا"٢.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٧.
[ ٢٠٦ ]
ويلاحظ أن طريقة البيهقي هذه تتضمن طريق الأولى التي سلكها كثير من علماء السلف، كما ستأتي إشارة ابن تيمية إلى ذلك إن شاء الله، لأنها تتضمن القول بأن ذلك إذا كان ثابتًا في حقّ المخلوق وهو صفة كمال، فالخالق سبحانه أولى بالاتصاف به، وإذا تنزه المخلوق عن الاتصاف بضده فإن الخالق أولى بالتنزه عنه.
والبيهقي وإن لم يصرح بذلك إلا أن ذلك مفهوم طريقته، والبيهقي بذلك يوافق السلف في الطرق التي سلكوها، إذ السلف كما يستدلون بالنصوص فإنهم لا يهملون العقل في هذه الناحية، بل يرون أنها كما ثبتت بالنص فهي ثابتة بالعقل أيضًا١.
إلا أن ثمة عدة طرق عقلية لإثبات هذه الصفات قال بها السلف وهذه التي سلكها البيهقي واحدة منها، ويقررها ابن تيمية بقوله: "من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نظار السنة في هذا الباب أنه لولم يكن موصوفًا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبكم، وطرد ذلك أنه لولم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلًا فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات، فتنزيه الخالق عنها أولى"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى لابن تيمية٣/ج. ٢ مجموع الفتاوى لابن تيمية (ص د،؟) .
[ ٢٠٧ ]
وهذه الطريقة في إثبات الصفات طردها السلف في جميع الصفات، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية بقوله: "وطرد ذلك " بخلاف البيهقي فإنه قصرها على هذه الصفات السبع التي أثبتها.
ويذكر ابن تيمية أن هذه الطريقة تختلف عن طريقة إثبات الصفات بأنفسها، وإن كانتا تتفقان في أن كليهما يدخل في قياس الأولى. وفي بيان اختلاف بين الطريقتين يقول - ﵀:
"وهذه الطريق غير قولنا إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها"١.
وإذا اتضح لنا إثبات البيهقي - ﵀ - لهذه الصفات ودليله لذلك الإثبات من النقل والعقل، فقد وضح أيضًا أنه يلتزم في ذلك الإثبات مبدأ طالما التزمه السلف، وجعلوه أساسًا للإثبات، وهو إثباتها له سبحانه على وجه يليق بجلاله وعظمته، لا يشبه أحدًا من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.
وفي إيضاح دليل هذا المبدأ الذي يتضمن المبدأ نفسه يقول البيهقي: "فإن قال قائل: فما الدليل على أنه لا يشبه المصنوعات ولا يتصوّر في الوهم؟
قيل لأنه لو أشبهها لجاز عليه ما يجوز على المصنوعات من سمات النقص، وآمارات الحدوث، والحاجة إلى محدث غيره وذلك يقتضي نفيه، فوجب أنه كما وصف نفسه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه (٣/؟) . ٢ سورة الشورى آية: ١١.
[ ٢٠٨ ]
ولأنا نجد كل صنعة فيما بيننا لا تشبه صانعها كالكتابة لا تشبه الكاتب، والبناء لا يشبه الباني، فدل ما ظهر لنا من ذلك على ما غاب عنا، وعلمنا أن صنعة الباري لا تشبهه"١.
فهذا دليل عقلي ساقه البيهقي - ﵀ - ليسند به رأيه في إثبات هذه الصفات على ضوء قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فقد جمع سبحانه في هذه الآية بين إثبات الصفات، وبين تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات، فصفاته سبحانه تليق بجلاله وكماله، وصفات خلقه تليق بضعفهم وافتقارهم.
وهكذا يتضح لنا أن البيهقى إنما يتفق مع الأشاعرة في إثبات هذه الصفات، إلا أنه يختلف معهم في طريقة الإثبات، فالبيهقي سلك لذلك طريقي العقل والنقل جميعًا، أما الأشاعرة فاكتفوا بالاستدلال العقلي٢.
والبيهقي بهذا يتفق مع السلف لأنه جمع بين الأمرين مثلهم، كما سبق أن ذكرت إشارة ابن تيمية إلى ذلك.
زيادة الصفات على الذات:
ولهذا الموضوع أهمية خاصة نظرًا لكونه المحك الرئيسي في وضوح الرؤية، وبيان المقصد في الكلام عن الصفات، ولهذا لم يهمله البيهقي بل أولاه من العناية ما يليق بأهميته.
وقد سبق أن ذكرت عن المعتزلة نفيهم لهذه الصفات مع أنهم حينما يذكرونها، ويتحدثون عنها، إنما يكون حديثهم ذاك على أساس أنه إثبات للصفات، فهم لا يعترفون لنا بما نتهمهم به مع أنه صريح مذهبهم وإنما
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٧. ٢ انظر: استدلال الأشاعرة على هذه الصفات في كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص: ١١٩-١٣٩.
[ ٢٠٩ ]
كانوا نفاة لأنهم يثبتون الصفات ألفاظًا لاحقائق لها وراء الذات. فالصفة عندهم - كما سبق أن أوضحت - هي عين الذات، ليست زائدة عليها، وهم يعتبرون رأيهم إثباتًا لا نفي فيه، وأنه هو الذي يجب أن يقال من أجل البعد عن إشراك غير الله معه في أخص وصفه الذي هو القدم عندهم، ومن أجل البعد عن التشبيه، فهذا القول من جانبهم يعتبرونه تصحيحًا للتوحيد.
وقد قابل البيهقي - ﵀ - رأي المعتزلة هذا، برأيه المقابل له، والذي هو بعينه رأي الأشاعرة جميعًا - موافقين بذلك السلف، وهذا الرأي الذي ارتضاه البيهقي مقابل تمامًا لرأي المعتزلة، ويتضمن الرد عليهم.
فعند استدلاله - ﵀ - على ثبوت هذه الصفات عنون لذلك المنهج بقوله "باب ذكر آيات وأخبار وردت في صفات زائدات على الذات قائمات"١.
ثم سرد الأدلة التي أثبت بها الصفات، وعند تقسيمه للصفات العقلية إلى قسمين ذكر أن القسم الثاني منها "ما يدل خبر المخبر عنه ووصف الواصف له به على صفات زائدات على ذاته قائمات به، وهو كوصف الواصف له بأنه حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم"٢.
ومن هذا يتضح لنا أن رأي البيهقي - ﵀ - هو أن الصفات زائدة على الذات، على العكس من رأي المعتزلة.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٢٥. ٢ الاعتقاد ص: ٢٢.
[ ٢١٠ ]
وقد استدل لهذا الرأي بدليلين: أحدهما عقلي، والآخر شرعي نقلي.
فأما الدليل النقلي: فثبوت اتصافه سبحانه بهذه الصفات عن طريق نطق النصوص صراحة بإثبات بعضها، أو عن طريق إثبات الأوصاف له سبحانه التي هي بدورها تدل على ثبوت الصفة. وقد بين البيهقي ذلك بقوله: "فإن قال قائل، وما الدليل على أنه حي قادر عالم مريد سميع بصير متكلم، له الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام؟ قيل: لأ نه يستحيل إثبات موجود بهذه الأوصاف مع نفي هذه الصفات عنه، وحين لزم إثباته بهذه الأوصاف، لزم إثبات هذه الصفات له، قال الله ﷿: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ ١.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ٢ فأثبت القوة لنفسه وهي القدرة، وأثبت العلم، فدل على أنه عالم بعلم قادر بقدرة"٣.
فهاتان الصفتان - أعني العلم والقدرة - اللتان وردتا في هاتين الآيتين ثبتتا صفتين بصريح النص القرآني في كل منهما، أما بقية الصفات فقد ثبتت أوصافًا، لأن الوصف يستلزم ثبوت الصفة – كما بيت البيهقي – ﵀ – ولا معنى لثبوت الصفة إلا زيادتها على مفهوم الذات.
وهذا ما ذكره التفتازاني أيضًا في شرح العقائد النسفية حيث قال: "وله صفات، لما ثبت من أنه عالم حي قادر، إلى غير ذلك ومعلوم أن
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٥٥. ٢ سورة الذاريات آية: ٥٨. ٣ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٧.
[ ٢١١ ]
كلًا من ذلك يدل على معنى زائد على مفهوم الواجب، وليس الكل ألفاظًا مترادفة، وإن صدق المشتق على الشيء يقتضي ثبوت مأخذ الاشتقاق له، فثبت له صفة العلم، والقدرة، والحياة وغير ذالك"١.
وأما الدليل العقلي: فإن العقل لا يتصور وجود وصف لا يقوم بموصوف، كما أنه لا يتصور موصوفًا لا وصف له، ومثل الصفة والموصوف في ذلك كمثل الأثر والمؤثر، فلو جاز وجود فاعل ليس له فعل، لجاز وجود فعل بدون فاعل، إلا أن الأوّل مستحيل، وإذا استحال وجود الأول منهما وهو الفاعل بدون فعل، استحال أيضًا وجود الثاني وهو فعل لا فاعل له. وإذا استحال ذلك استحال أيضًا وجود صفة بدون موصوف كما يستحيل وجود موصوف بدون صفة، لأنه لا معنى لموصوف إلا من قامت به الصفة، ولا معنى لصفة إلا إذا كانت قائمة بموصوف، مثلها في ذلك مثل الفعل الذي لا يمكن وجوده إلا بفاعل، كما لا يمكن وجود الفاعل ولا فعل له.
وفي بيان هذا الاستدلال العقلي يقول البيهقي: "لو جاز عالم لا علم له، لجاز علم لا لعالم به، كما أنه لو جاز فاعل لا فعل له، لجاز فعل لا لفاعل فلما استحال فاعل لا فعل له، كما استحال فعل لا فاعل له، كذلك يستحيل عالم لا علم له، كما يستحيل علم لا عالم له، ولأن العلم لولم يكن شرطًا في كون العالم عالمًا، لم يضر عدمه في كل عالم، حتى يصح كل عالم أن يكون عالمًا مع عدم العلم، وحين كان شرطًا في كون
_________________
(١) ١ شرح العقائد النسفية ص: ٦٩.
[ ٢١٢ ]
بعضهم عالمًا، وجب ذلك في كل عالم، لامتناع اختلاف الحقائق في الموصوفين، ولأن أحكام الفعل يمتنع مع عدم العلم منا به، كما يمتنع مع كوننا غير عالمين به فكما وجب استواء جميع المحكمين في "كونهم علما"١ كذلك يجب استواؤهم في كون العلم لهم، لاستحالة وقوعه من غير ذي علم به منا، ولأن حقيقة العلم ما يعلم به العالم، وبعدمه يخرج من كونه عالمًا"٢.
فهذا الدليل العقلي الذي ساقه البيهقي يشتمل على عدة نقاط:
١ - أنه يستحيل عقلًا وجود صفة بدون موصوف، كما يستحيل وجود موصوف لا صفة له.
٢ - أن العلم شرط في كون العالم عالمًا، كما هو مشاهد فيما بيننا من العلماء، أن العالم من له علم قائم به.
٣ - قياس الغائب على الشاهد في ذلك، بمعنى أنه إذا كان العالم فيما هو مشاهد بيننا لا يستحق هذه الصفة إلا إذا قامت به حقيقة، فكذلك ما غاب عنا من العلماء ينطبق عليهم نفس المبدأ فالله تعالى عالم بعلم لا يشبه علوم المخلوقات، لأنه يليق بجلاله وعظمته، وكذلك يقال في بقية الصفات.
٤ - أن إحكام الفعل يدل على علم صاحبه واتصافه بجميع صفات الكمال.
٥ - أنه لا معنى لحقيقة العلم في اللغة إلاّ ما يعلم به العالم، لأن من لم يكن كذلك كان جاهلًا، وبهذا يرى البيهقي أن الاستعمال اللغوي يتمشى مع مذهبه.
_________________
(١) ١ هكذا في الأصل المخطوط. ولعل الصواب: "في كون لهم علمًا". ٢ الجامع لشعب١/ ل١٧-١٨.
[ ٢١٣ ]
وذكرالبيهقي - ﵀ - لصفة العلم هنا دون غيرها لأن ما يقال فيها وينبطق عليها، ينطبق على بقية الصفات، ويقال فيها وإنما ما أراد أن يبيّن طريقة الاستدلال العقلي بتطبيقه على واحدة منها وقد بيّن هدفه هذا حين قال بعد ذلك: "ويقال في بقية الصفات ما قيل في صفة العلم"١.
وهكذا، فإن البيهقي يقرر رأيه القائل بزيادة الصفات على الذات، ردًّا بما ساقه من أدلة نقلية وعقلية على المعتزلة القائلين بأنها عين الذات.
وممن ردّ على المعتزلة في هذا الموضوع الإمام السلفي ابن قتيبة حيث قال في كتابه: "الاختلاف في اللفظ":
"وتعين آخرون في النظر، وزعموا أنهم يريدون تصحيح التوحيد بنفي التشبيه عن الخالق، فأبطلوا الصفات مثل: العلم، والقدرة، والجلال، والعفو، وأشباه ذلك، فقالوا: نقول هو الحليم ولا نقول بحلم وهو القادر ولا نقول بقدرة، وهو العالم ولا نقول بعلم، كأنهم لم يسمعوا إجماع الناس على أن يقولوا: "أسألك عفوك" وأن يقولوا: "يعفو بحلم ويعاقب بقدرة" والقدير هو ذو القدرة، والعفو هو ذو العفو، والجليل هو ذو الجلال، والعليم هو ذو العلم.
فإن زعموا أن هذا مجاز، قيل لهم: ما تقولون في قول القائل: غفر الله لك، وعفا عنك، وحلم الله عنك. أمجاز هو أم حقيقة؟
فإن قالوا هو مجاز، فالله لايغفر لأحد ولا يعفو عن أحد، ولا يحلم عن أحد على الحقيقة، ولن يركبوا هذه وإن قالوا حقيقة فقد وجب في
_________________
(١) ١ الجامع لشبع الإيمان١/ ل١٨.
[ ٢١٤ ]
المصدر ما وجب في الصدر، لأنا نقول: غفر الله مغفرة، وعفا عفوًا، وحلم حلمًا، فمن المحال أن يكون واحد حقيقة والآخر مجازًا"١.
ومن هذا يخلص ابن قتيبة إلى إبطال رأي المعتزلة في الصفات القائل بأنها عين الذات بأمرين:
أحدهما: مخالفة ذلك الرأي لإجماع المسلمين.
وثانيهما: مخالفته لقواعد اللغة العربية.
أما شيخ الإسلام بن تيمية فيرد عليهم بأن الذات الموصوفة لا تنفك عن الصفات أصلًا ولا يمكن وجود ذات خالية عن الصفات، فدعوى المدّعي وجود حي عليم، قدير، بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، كدعوى قدرة وعلم وحياة لا يكون الموصوف بها حيًا عليمًا قديرًا، بل دعوى شيء موجود قائم بنفسه قديم أو محدث عري قد جميع الصفات ممتنع في صرريح العقل٢.
وما ذكره ابن تيمية هنا موافق لما ذكره البيهقي فيما تقدم، إلا أنني أرى كلام ابن تيمية هنا أوجز وأوضح.
وهكذا نتبيّن اتفاق البيهقي، والأشاعرة، والسلف، في القول بزيادة الصفات على الذات خلافًا للمعتزلة. ووضوح الأدلة الشرعية في إثبات هذه الصفات لله ﷾ إثباتًا زائدًا عل مفهوم الذات، لم يكن يستدعي مثل هذا البحث، لأن ذللك من الأمور العقلية المسلمة، إلاّ أن لذلك
_________________
(١) ١ الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة، ضمن مجموعة عقائد السلف ص: ٢٣٢-٢٣٣. ٢ مجموع الفتاوى٣/٣٣٦.
[ ٢١٥ ]
سببًا ذكره ابن تيمية - ﵀ - وهو أن الجهمية لما كانوا ينفون أن يكون لله وصف قائم به، علم أو قدرة، أو إرادة أو كلام، وقد أثبتها المسلمون، صاروا يقولون: هؤلاء أثبتوا صفات زائدة على الذات، وقد صار طائفة من مناظريهم الصفاتية يوافقونهم على هذا الإطلاق، ويقولون: الصفات زائدة على الذات التي وصفوا - لها صفات ووصف - فيشعرون الناس أن هناك ذاتًا متميزة عن الصفات، وأن لها صفات متميزة عن الذات١.
والبيهقي - ﵀ – وإن كان رد على نفاة الصفات من المعتزلة الذين جعلوها عين الذات، بالقول بزيادتها على الذات على النحو السابق، إلاّ أنه لا يقول بالتمييز بين الذات والصفة، وإنما غرضه أن يبين عدم صحة وجود ذات بدون صفات، كما اتضح مما ذكرت آنفًا والذي هو عين التحقيق الذي ارتضاه ابن تيمية. ولذلك يبين البيهقي الصلة التي يراها بين الذات والصفات فيقول: "ونعتقد في صفات ذاته أنها لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال، ولا نقول فيها إنها هو ولا غيره، ولا هو هي ولا غيرها"٢.
وفي كتاب الجامع بين - ﵀ - مراده من نفي الغيرية والعينية، بأن نفي العينية لأن إثباتها يقتضي أن تكون الصفة موصوفة بما اتصفت به الذات المرادفة لها، فيكون العلم عالمًا، والقدرة قادرة وذلك مستحيل،
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٣/٣٣٥. ٢ الأٍسماء والصفات ص: ١١٠.
[ ٢١٦ ]
كما نفيت الغيرية لاستحالة مفارقة الصفة للموصوف، ولأن من معاني الغيرية ما لا يستحيل مفارقة أحدهما لصاحبه بوجه"١.
ورأي البيهقي هذا موافق لما عليه أئمة أهل السنة، الذي ذكره ابن تيمية فقال: "قالت الأئمة: لا نقول الصفة هي الموصوف، لأنا لا نقول: لا هي هو، ولا هي غيره، فإن لفظ الغير فيه إجمال، قد يراد به المباين للشيء، أو ما قارن أحدهما الآخر، وما قاربه بوجود أو زمان أو مكان، ويراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما مع عدم العلم بالآخر وعلى الأول فليست الصفة غير الموصوف، ولا بعض الجملة غيرها، وعلى الآخر فالصفة غير الموصوف، وبعض الجملة غيرها.
فامتنع السلف والأئمة من إطلاق لفظ الغير، على الصفة، نفيًا أو إثباتًا، لما في ذلك من الإجمال والتلبيس، حيث صار الجهمي يقول: القرآن هو الله أو غير الله؟ فتارة يعارضونه بعلمه، فيقولون: علم الله هو الله أو غيره؟ إن كان ممن يثبت العلم، أو لا يمكنه نفيه. وتارة يحلون الشبهة ويثبتون خطأ الإطلاقين: النفي والإثبات، لما فيه من التلبيس، بل يستفصل السائل فيقال له: إن أردت بالغير ما يباين الموصوف فالصفة لا تباينه، فليست غيره، وإن أردت بالغير ما يمكن فهم الموصوف على سبيل الإجمال وإن لم يكن هو، فهو غير بهذا الاعتبار"٢.
وهناك إطلاق آخر ذكره ابن تيمية عن بعض الصفاتية وهو القول بأن الصفة لا هي الموصوف ولا غيره، وهو قول أبي الحسن الأشعري٣.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٨. ٢ مجموع الفتاوى٣/٣٣٦. ٣ المصدر نفسه.
[ ٢١٧ ]
وهذا الإطلاق له معنى صحيح وهو أن الصفة ليست عين ذات الموصوف التي يفرضها الذهن مجردة، بل هي غيرها، وليست غير الموصوف بل الموصوف بصفاته شيء واحد غيرمتعدد١.
وهكذا نرى أن إثبات البيهقي - ﵀ - للصفات مقابل لرأي المعتزلة، الذي يثبت صفات هي عين الذات، وذلك - كما ذكرت آنفًا - نفي لتلك الصفات، لأنه لا معنى لاتصافه سبحانه بصفة إلاّ ومفهوم تلك الصفة زائد على مفهوم الذات، مع عدم انفكاك الصفة عن الذات الموصوفة بها، وعدم جواز خلوها عنها. فالله سبحانه حي بحياة، قادر بقدرة، عالم بعلم، سميع بسمع بصير ببصر، مريد بإرادة، متكلم بكلام، لا كما قال المعتزلة إنه عالم بعلم هو ذاته، أو إنه عالم بعالمية، على ما أثبته أبو هاشم المعتزلي من أحوال لا وجود لها.
قدم الصفات:
أما عن قدم هذه الصفات، فإن القول به هو رأي البيهقي - ﵀ - موافقًا بذلك أصحابه من الأشاعرة، فقد تقدم تعريفه لها بأنها ما استحقه – سبحانه - فيما لم يزل ولا يزال٢. بمعنى أن جميع هذه الصفات السبع قديمة، لا يجوز أن يكون شيء منها حادثًا.
وهذا الرأي هو أحد الأحكام الأربعة التي وضعها المتكلمون من الأشاعرة لهذه الصفات٣.
وقد استدل البيهقي لقدمها بدليل عقلي يقول فيه "فإن قال قائل: وما الدليل على أنه لم يزل حيًا، قادرًا، عالمًا، مريدًا، سميعًا، بصيرًا، متكلتما؟
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص: ٦٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ١١٠. ٣ انظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص: ١٥٠-١٦٦.
[ ٢١٨ ]
قيل: لأنه لولم يكن كذلك لكان موصوفًا بأضدادها من موت أو عجز أو آفة، ولو كان كذلك لاستحال أن يقع منه فعل، وفي صحة الفعل منه دليل على أنه لم يزل كذلك ولا يزال كذلك ١.
أي: إنه سبحانه لولم يكن متصفًا بهذه الصفات في الأزل، لكان متصفًا بأضدادها، لاستحالة خلوه من الصفة وضدها، ووقوع الفعل منه سبحانه على هذا الوجه الذي نرى دليل على اتصافه بها. وهذا هو بعينه دليل ثبوتها الذي سبق أن ذكرت عنه، فهي إذن ثابتة له في الأزل.
والقول باتصافه سبحانه بها الأزل محل الاتفاق بين البيهقي ومن وافقه، وبين السلف. فهي عنده قديمة، ولا يجوز أن يوصف شيء منها بالحدوث، بحجة أننا إذا جوزنا حدوث شيء منها فقد جوزنا حلول الحوادث بذات الله ﷾، والحوادث لا تحل إلاّ بحادث مثلها.
وقبل أن أشرع في إيضاح الآراء في مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى، ووجه الحقّ فيها، أحبّ أن أبيّن أن ما قاله البيهقي والأشاعرة عن قدم الصفات هو ما ارتضاه متأخرو الماتوريدية في جميع الصفات، الذاتية منها والفعلية٢.
حلول الحوادث بذات الله تعالى:
أما عن هذه القضية فإن البيهقي ومن وافقه في القول بقدم الصفات وعدم جواز حدوث شيء منها، يرون أن ما نشاهده مما يدل على حدوث هذه الصفات، من المرئيات التي حدثت بعد أن لم تكن والمسموعات التي ظهرت، إلى غير ذلك، يرون أنها من متعلقات الصفات القديمة، وليس في شيء منها دليل على حدوث الصفة.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل١٧. ٢ انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور عليّ سامي النشار١/٢٣٢، والمسايرة لابن الهمام ص: ٣٩، ط. الأولى تعليق محمّد محي الدين عبد الحميد.
[ ٢١٩ ]
وفي ذلك يقول البيهقي: "علم الله ﷿ أزلي متعلق بالمعلومات عند حدوثها"١.
"وسمعه أزلي متعلق بإدراك المسموعات عند ظهورها وبصره أزلي متعلق بإدراك المرئيات عند وجودها من غير حدوث معنى فيه تعالى الله عن أن يكون محلًا للحوادث، وأن يكون شيء من صفات ذاته محدثًا"٢.
وهذه الجملة الأخيرة ترشدنا إلى الشبهة التي حملت البيهقي ومن وافقه على القول بقدم الصفات، لأننا إذا جوزنا حدوثها فقد جوزنا حلول الحوادث بذات الله تعالى، وذلك محال عندهم. وهذه القضية أعني القول بمنع حلول الحوادث، بذات الله تعالى، محل اتفاق بين المتكلّمين من أشاعرة ومعتزلة، وكذلك الفلاسفة.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ أن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى "هو مذهب أكثر أهل الحديث، بل قول أئمة الحديث، وهو الذي نقلوه عن سلف الأمة، وأئمتها. وكثير من الفقهاء والصوفية أو أكثرهم، وفيهم من الطوائف الأربعة: الحنفية والمالكية والشافعية الحنابلة، من لا يحصي عدده إلاّ الله"٣.
_________________
(١) ١ ما قد يفهم من هذه العبارة من أن البيهقي يرى أن الله لا يعلم الأشياء إلاّ عند حدوثها كما هو رأي الجهم، غير مراد البيهقي. لأنه يقول بالقدر، وإن الله عالم بما كان وما سيكون، وإنما أراد هنا بيان أن العلم قديم وليس حادثًا. ٢ الاعتقاد ص: ٣٢. ٣ بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية١/٢٠٣.
[ ٢٢٠ ]
كما ذكر الرازي في كتاب الأربعين أن هذا القول لازم لجميع الطوائف التي أنكرته، بل ذكر أن أبا البركات البغدادي وهو من أشهر الفلاسفة المتأخرين قال به صراحة١.
ففي هذه المسألة إذًا رأيان:
أحدهما: يقول بجواز حلول الحوادث بذات الله تعالى، وهو رأي جمهور المحدّثين وأئمتهم.
والآخر: يمنع ذلك، وهو مذهب البيهقي، ومن وافقه من المتكلمين والفلاسفة.
وكل من الفريقين لا بد وأن يسلك في الاستدلال على مذهبه في هذه القضية السمع، أو العقل، أو الاثنين جميعًا، وهما طريقان ليس للنفاة فيهما نصيب مما يقوي رأي المحدثين، ويدل على أنه الحقّ فالشبهة الوحيدة التي قادت النفاة ومنهم البيهقي على سلوك هذا المنهج ذكرها إمام الحرمين الجويني من معاصري شيخنا وهي: أنه قامت الحوادث به لم يخل عنها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث٢.
وهي متضمنة للدليل الذي سبق أن ذكرت استدلال البيهقي به على حدوث العالم. إلأ أن هذا الكلام لا دليل لهم فيه على هذه القضية فهو كلام مجمل يشتمل على حق وباطل، لأنه إن أريد بالنفي أنه سبحانه لا يحل في ذاته المقدسة شيء من مخلوقاته المحدثة أو لا يحدث له وصف متجدد لم يكن، فهذا نفي صحيح.
_________________
(١) ١ الأربعين في أصول الدين للرازي ص: ١١٨. ٢ لمع الأدلة للجويني ص: ٩٦.
[ ٢٢١ ]
وإن أريد به نفي الصفات الاختيارية من أنه لا يفعل ما يريد، ولا يتكلم بما شاء إذا شاء، ولا أنه يغضب ويرضى لا كأحد من الورى، ولا يوصف بما وصف به نفسه من النزول، والاستواء، والإتيان، كما يليق بجلاله وعظمته فهذا نفي باطل١. وهو ماقصده النفاة هنا، ووجه بطلانه أنه ينفي اتصاف الله سبحانه بصفات الكمال المتعلقة بمشيئته وقدرته، مما يؤدي إلى إضافة العجز إلى الله ﷾.
أما المثبتون فإن استدلالهم سليم لسلامة المنهج الذي ساروا عليه، والتصور العقلي المتناسق والمنسجم مع روح ذلك المنهج ذلك أنهم سلكوا طريقي النقل والعقل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "ولا ريب أن الطرق الدالة على الإثبات والنفي، إما السمع وإما العقل، أما السمع فليس مع النفاة منه شيء بل القرآن والأحاديث هي من جانب الإثبات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٢. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣ وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥. وأمثال ذلك مما وردها القرآن فإنه كثير..
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص: ٦٧، ورسالة حروف القرآن وأصواتنا به ضمن مجموعة شذرات البلاتين ص: ٤٠٠-٤٠١. ٢ سورة يس آية: ٨٢. ٣ سورة القصص آية: ٦٥. ٤ سورة التوبة آية: ١٠٥. ٥ سورة الأعراف آية: ٥٤.
[ ٢٢٢ ]
وأما الطرق العقلية فالمثبتون يقولون إنها من جانبهم دون جانب النفاة، كما تزعم النفاة أنها من جانبهم وذلك أنهم قالوا إن قدرته على ما يقوم به من الكلام والفعل صفة كمال، ومن المعلوم أن من قدر على أن يفعل ويتكلم أكمل ممن لا يقدر على ذلك كما أن قدرته على أن يبدع الأشياء صفة كمال، والقادر على الخلق أكمل ممن لا يقدر على الخلق، وقالوا: الحي لا يخلو عن هذا والحياة هي المصححة لهذا كما هي المصححة لسائر الصفات، وإذا قدر حي لا يقدر على أن يفعل بنفسه، ويتكلم بنفسه، كان عاجزًا بمنزلة الزمن والأخرس"١.
وهذا الرأي الذي اختاره ابن تيمية وذكر أنه مذهب السلف وأنه الحق الذي يؤيده الدليل الشرعي والعقلي هو بعينه رأى الكرامية.
وكل ما بين الكرامية والسلف من خلاف في هذه المسألة هو أنهم يجعلون لما يحدث في ذاته ابتداء ويقولون: إنه لم يكن متكلمًا ولا فاعلًا في الأزل ثم صار متكلمًا وفاعلًا فيما لا يزال، كما إن ما يحدث في ذاته عندهم لا يقبل العدم والزوال٢.
وهكذا يتضح لنا أن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى بمعنى أنه يتكلم متى شاء ويفعل ما يريد هو الرأي الصحيح بدلالة العقل والنقل. كما اتضح لنا موافقة البيهقي للأشاعرة على ما وضعوه من أحكام لهذه الصفات، والتي سبق ذكرها في أوّل هذا الفصل.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الإصفهانية لابن تيمية ص: ٦٩-٧٠. ٢ انظر: ابن تيمية السلف للدكتور محمّد خليل هراس ص: ١٣٤.
[ ٢٢٣ ]
المبحث الثاني: صفات الفعل العقلية
سبق لنا بيان أن من صفات الفعل ماهو عقلي، كما أن صفات الذات منها ما هو عقلي أيضًا.
وقد عرف البيهقي - ﵀ - صفات الفعل جميعًا، العقلي منها والخبري بأنها: "تسميات مشتقة من أفعاله، ورد السمع بها مستحقة له فيما لا يزال دون الأزل"١.
وقد علل تعريفه هذا لصفات الأفعال: بأن الأفعال التي اشتقت منها هناه الصفات لم تكن في الأزل٢.
ومثل للعقلية منها بالخلق، والرزق، والإحياء والإماتة والعفو، والعقوبة٣.
وإنما سمي هذا النوع من الصفات عقليًا، لأن العقل دل على ثبوتها، مع ورود النص بها، كما سبق أن ذكرت عند بيان صفات الذات العقلية.
فالبيهقي - ﵀ - يرى أن مصدر إثبات هذه الصفات العقل والشرع جميعًا.
وإذا كان - ﵀ - لم يسهب في بيان هذه الصفات على مثل ما فعل في صفات الذات السالفة، فإنه بين طريقته إجمالًا، بمعنى أن الطريق
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١١٠، الاعتقاد ص: ٢٢. ٢ الاعتقاد ص: ٢٢. ٣ الأسماء والصفات ص: ١١٠.
[ ٢٢٥ ]
التي ثبتت بها هذه الصفات هي بينها الطريق التي ثبتت بها صفات الذات العقلية، حيث قال في الصفات العقلية بنوعيها: إنها ما كان طريق إثباته أدلة العقول مع ورود السمع به١.
واكتفى من كلامه عن صفات الفعل العقلية ببيان الفارق الذي تضمنه التعريف، حيث ذكر فيما سبق قدم صفات الذات العقلية وذكر هنا حدوث صفات الفعل العقلية، وهو بهذا يوافق الأشاعرة القائلين هم أيضًا بحدوثها٢، وهذا رأي المعتزلة٣.
وقد استدل البيهقي - ربه الله- لثبوت صفات الفعل بالكتاب والسنة.
فمما استدلّ به من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤. وقوله ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٥ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ٦
إلى سائر ما ورد في كتاب الله تعالى، في هذا المعنى. فهذا دليله - ﵀ - من القرآن على ثبوت الصفات الفعلية عامة وصمفات الفعل العقلية المتعدية خاصة.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٢٢. ٢ انظر: الشامل في أصول الدين للجويني ص: ٥٣٧، حاشية البيجوري على متن السنوسية ص: ١٩. ٣ المختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبّار، ضمن رسائل العدل والتوحيد تحقيق محمّد عمارة١/٢٠٢. ٤ سرة غافر آية: ٦٢. ٥ سورة الفرقان آية: ٢. ٦ سورة الروم آية: ٢٧.
[ ٢٢٦ ]
وأما من السنة فقد استدل بحديث عمران بن حصين قال: "أتيت رسول الله ﷺ فجاءه نفر من أهل اليمن فقالوا: يا رسول الله، أتيناك لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أوّل هذا الأمر كيف كان؟ قال: "كان الله ﷿ ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كلّ شيء، ثم خلق السموات والأرض" ١.
ووجهة استدلاله على إثبات صفات الفعل بهذه النصوص واضحة إذ إنها ناطقة بإثباتها.
وأما استدلاله بها على حدوثها فإن الآيات تضمنت إثبات صفة الخلق الذي هو إيجاد للشيء من العدم، وإيجاد الشيء بعد عدمه أمر حادث.
وأما الحديث فقد بين وجهة استدلاله به بقوله: قوله "كان الله ولم يكن شيء غيره" لا الماء ولا العرش، ولا غيرهما، وكل ذلك أغيار، وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ يعني: به ثم خلق الماء، وخلق العرش على الماء"٢.
ورأي البيهقي هذا في الحديث هو أحد القولين اللذين ذكرهما شارح الطحاوية في معناه حيث قال: "والناس في هذا الحديث على قولين:
_________________
(١) منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجودًا وحده ولم يزل كذلك دائمًا، ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث، فجنسها وأعيانها مسبوقة بالعدم. وإن جنس الزمان حادث لا في زمان وإن الله صار فاعلًا ١ الاعتقاد ص: ٣١. والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد. انظر: حديث رقم: ٧٤١٨، ١٣/٤٠٣. ٢ الاعتقاد ص: ٣١.
[ ٢٢٧ ]
بعد أن لم يكن يفعل شيئًا من الأزل إلى حين ابتداء الفعل، ولا كان الفعل ممكنًا.
٢ - والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود، الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع"١.
وكلام البيهقي السالف يدل على أنه من أصحاب الرأي الأول، الذي يتضمن القول بنفي تسلسل الحوادث، الذي سنبين الآراء حوله ووجه الحق فيه في نهاية هذا المبحث إن شاء الله.
وليس معنى قول البيهقي بحدوث هذه الصفات، أنه يلزمه القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى، والذي سبق أن بينت أنه يرفض القول به، لأنه لا يرى قيامها بذات الله سبحانه، شأنه في ذلك شأن أصحابه الأشاعرة الذين يرون أن أفعال الله تعالى عبارة عن تعليقات القدرة بالمقدورات، دون قيام فعل بذاته تعالى، إذ إنهم يثبتون للقدرة تعلقين:
١ - تعلق صلوحي قديم.
٢- تعلق تنجيزي حادث.
فالأول: صلاحيتها في الأزل لإيجاد كل ممكن فيما لا يزال أي حين وجوده.
والثاني: إبرازها بالفعل للممكنات التي أراد الله وجودها فتعلقها في الأزل أعم لأنها صالحة في الأزل لإيجاد كل ممكن على أي صفة كانت، بخلاف تعلقها التنجيزي فإنه تعلقها بالممكن الذي أراد الله وجوده على صفة كذا٢.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٧-٧٨. ٢ حاشية الدسوقي على شرح أم البراهين ص: ٩٨، وحاشية إبراهيم البيجوري على متن السنوسية ص: ١٩.
[ ٢٢٨ ]
والرأي المقابل لرأي البيهقي والأشاعرة هو رأي الماتريدية القائلين برجوع جميع صفات الأفعال هذه إلى صفة واحدة هي صفة التكوين، وهذه قديمة عندهم، ومغايرة لصفة القدرة.
وقد عرفوا صفة التكوين بأنها صفة أزلية قائمة بذات الله تعالى كصفة العلم والقدرة١.
ويقولون إن الله تعالى متصف بهذه الصفة أزلًا، وإن جميع صفات الله تعالى قديمة بدون استثناء، لأن هذه صفات كمال ومدح والله سبحانه منزه عن حدوثها، لأن معنى ذلك أنه كان محلًا للنقص الذي يقتضيه فقد صفة من الصفات.
وفي ذلك يقول النسفي: "وقال أصحابنا: إنه كان خالقًا لقيام صفة الخلق وهو التكوين بذاته في الأزل، كما كان عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا، وصار الحاصل أن جميع ما هو صفة الله تعالى كان أزليًا، وهو تعالى كان موصوفًا به في الأزل، تعالى ربّنا أن يحدث له صفات المدح"٢.
وهذا شبيه بالحل الذي ارتضاه الغزالي لقضية تسلسل الحوادث في جانب الماضي، والذي سنتعرض لذكره بعد قليل.
وقد بنى الماتوريدية مذهبهم في إثبات هذه الصفة التي هي مرجع جميع صفات الأفعال العقليّة المتعدية من خلق ورزق وإحياء وإماتة وغير ذلك، بنوا مذهبهم هذا على أن التكوين لا بد أن يكون غير المكون، لأنه
_________________
(١) ١ تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي١/٣٣٩. ٢ المصدر السابق نفسه.
[ ٢٢٩ ]
لو كان نفس المكان للزم أن يكون المكون موجودًا بنفسه ضرورة أنه مكون بالتكوين الذي هو عينه، ويلزم من هذا أن يكون المكون قديمًا مستغنيًا عن الصانع وهو محال، كما يلزم ألاّ يكون للخالق تعلق بالعالم سوى أنه أقدم منه وقادر عليه من غير صنع وتأثير فيه ضرورة تكونه بنفسه. وهذا لا يوجب كونه خالقًا والعالم مخلوقًا له، كما أن التكوين إذا كان عن المكون لا يكون قائمًا بذات الله تعالى١.
وقد ظهر من كلامهم هذا أنهم رادون به على من قد يتوهم أنهم يوافقون الفلاسفة في القول بقدم العالم، أو القائلين بتسلسل الحوادث في جانب الماضي.
فهنا إذًا رأيان متقابلان:
أحدهما: رأي متأخري الأشاعرة الذي اختاره البيهقي، وهو القول بحدوث هذه الصفات، لأن القول بقدمها يفضي إلى القول بتسلسل الحوادث وهو ممنوع عندهم.
ثانيهما: رأي متأخري الماتوريدية القائل بقدمها بل قدم جميع الصفات، لأنهم يرون أن ذلك هو الذي يجب أن يقال من أجل أن يوصف الله سبحانه بصفات الكمال أزلًا وأبدًا، ولأنهم يرون أن ذلك لا يؤدي إلى القول بتسلسل الحوادث، لأن التكوين غير المكون.
وإذا قلنا بحدوثها فإن ذلك يقتضي القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى. وقد سبق أن بينت أن القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى - على المعنى الذي ذكرت - هو الرأي السليم كما سيأتي أن القول
_________________
(١) ١ انظر: العقائد النسفية ص: ٨٩.
[ ٢٣٠ ]
بتسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل هو الصحيح أيضًا الذي نكون بموجبه قد أثبتنا لله سبحانه صفات الكمال اللائقة به أزلًا وأبدًا. وهذا هو رأي السلف، لأنهم لا يقولون بقدم الصفات مطلقًا، كما لا يقولون بحدوثها مطلقًا بل مترددة بين القدم والحدوث، فنوعها هو القديم، وآحادها هي الحادثة.
فالرب تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء والفعل من لوازم الحياة فالرب لم يزل حيًا فعالًا كما ذكر ذلك ابن تيمية عن الإمام أحمد بن حنبل، والبخاري صاحب الصحيح، ونعيم بن حماد الخزاعي، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم١.
ولا شك أن هذا القول مستلزم لجواز القول بتسلسل الحوادث، وهو ما التزمه السلف - كما سيأتي وفيما يلي نعرضه للبحث في هذا الموضوع، مبينين الآراء فيه، وموضحين المذهب الذي نراه صحيحًا مدعمًا بالأدلة فأقول وبالله التوفيق.
الآراء في تسلسل الحوادث:
التسلسل ذو شقين:
(أ) تسلسل في جانب الماضي.
(ب) تسلسل في جانب المستقبل.
وقد اختلف الناس في التسلسل بنوعيه على ثلاثة آراء:
_________________
(١) منعه في جانب الماضي والمستقبل، وهو قول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف. ١ منهاج السنة لابن تيمية١/١٥١-١٥٢.
[ ٢٣١ ]
٢ - إمكانه في المستقبل دون الماضي، وهو قول كثير من أهل الكلام من الجهمية، والمعتزلة، ومن وافقهم من الكرامية والأشعرية والشيعة وغير هم.
٣ - إمكانه في الماضي والمستقبل، وهو قول أئمة أهل الحديث، وأئمة الفلاسفة وغيرهم١.
وقد سبق أن ذكرت تعليل البيهقي لقوله بحدوث صفات الأفعال، بأن الأفعال التي اشتقت منها حدثت بعد أن لم تكن وهذا تصريح بمنع التسلسل في جانب الماضي الذي هو محل الخلاف بين السلف والمتكلمين.
وقد استدل المانعون له في جانب الماضي بأدلة أشهرها ما يسمى برهان التطبيق ويتلخص هذا الدليل في أنهم يقدرون الحوادث من زمن الهجرة مثلًا إلى ما لا يتناهى، والحوادث من زمن الطوفان إلى ما لا يتناهى أيضًا، ثم يوازنون بين الجملتين فيقولون: إن تساوتا لزم مساواة الزائد للناقص، وهذا ممتنع، وإن تفاضلتا لزم أن يكون فيما لا يتناهى تفاضل وهو محال٢.
إلا أن هذا الاستدلال غير صالح من وجهة نظر مجيزي التسلسل في الماضي لأنهم يقولون: "لا نسلم أن حصول مثل هذا التفاضل في ذلك ممتنع، بل نحن نعلم أن من الطوفان إلى ما لا نهاية له في المستقبل أعظم من الهجرة إلى ما لا نهاية له في المستقبل، وكذلك من الهجرة إلى ما لا بداية
_________________
(١) ١ ذكر هذه الآراء الثلاثة شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبويّة١/١٢٢. ٢ انظر: شرح العقائد النسفية للتفازاني ص: ٦٠، والأربعين في أصول الدين للرازي ط/ الأولى بدائرة المعارف العثمانية - حيدر أباد الدكن ١٣٥٣؟.
[ ٢٣٢ ]
له في الماضي أعظم من الطوفان إلى ما لا بداية له في الماضي، وأن كلًا منهما لا بداية له، فإن ما لا نهاية له من هذا الطرف وهذا الطرف، ليس أمرًا محصورًا محدودًا موجودًا حتى يقال هما متوازنان في المقدار، فكيف يكون أحدهما أكثر.
بل كونه لا يتناهى معناه أنه يوجد شيئًا بعد شيء دائمًا، فليس هو مجتمعًا محصورًا والاشتراك في عدم التناهي لا يقتضي التساوي في المقدار إلا إذا كان ما يقال عليه إنه لا يتناهى قدرًا محدودًا، وهذا باطل، فإن ما لا يتناهى ليس له حد محدود، ولا مقدار معين، بل هو بمنزلة العدد المضعف، فكما أن اشتراك الواحد والعشرة والمائة، والألف في التضعيف الذي لا يتناهى لا يقتضي تساوي مقاديرها، فكذلك هذا.
وأيضًا فإن هذين هما متناهيان من أحد الطرفين وهو الطرف المستقبل غير متناهيين من الطرف الآخر وهو الماضي، وحينئذ فقول القائل للزم التفاضل فيما لا يتناهى غلط، فإنه إنما حصل في المستقبل وهو الذي يلينا وهو متناه، ثم هما لا يتناهيان من الطرف الذي لا يلينا وهو الأزل.
وهما متناهيان من الطرف الذي يلينا وهو طرف الأبد فلا يصح أن يقال وقع التفاوت فيما لا يتناهى، إذ هذا يشعر بأن التفاوت حصل في الجانب الذي لا آخر له وليس كذلك بل إنما حصل التفاضل في الجانب المنتهي الذي له آخر فإنه لم ينقض"١.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، منهاج السنة النبويّة١/٣٠٥-٣٠٦.
[ ٢٣٣ ]
والحاصل أن القول بجوار تسلسل الحوادث في الماضي والمستقبل هو القول الصحيح، فإنه سبحانه لم يزل حيًا، والفعل من لوازم الحياة، فلم يزل فاعلًا لما يريد كما وصف بذلك نفسه حيث قال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فعال لما يريد﴾ ١.
والآية تدل على أمور:
أحدها: أنه تعالى يفعل بإرادته ومشيئته.
الثاني: أنه لم يزل كذلك، لأنه ساق ذلك في معرض المدح والثناء، على نفسه، وأن ذلك من كماله سبحانه، ولا يجوز أن يكون عادمًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات. وقد قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. ولما كان من أوصاف كماله ونعوت جلاله لم يكن حادثًا بعد أن لم يكن.
الثالث: أنه إذا أراد شيئًا فعله، فإن "ما" موصولة عامة أي يفعل كل ما يريد أن يفعله، وهذا في إرادته المتعلقة بفعله.
الرابع: أن فعله وإرادته متلازمان، فما أراد أن يفعل فعل وما فعله فقد أراده. بخلاف المخلوق فإنه يريد ما لا يفعل، وقد يفعل ما لايريده، فما ثم فعال لما يريد إلا الله وحده.
الخامس: إثبات إرادات متعددة بحسب الأفعال وإن كل فعل له إرادة تخصه، هذا هو المعقول في اانظر فشأنه سبحانه أنه يريد على الدوام ويفعل ما يريد.
_________________
(١) ١ سورة البروج آية: ١٥-١٦. ٢ سورة النحل آية: ١٧.
[ ٢٣٤ ]
السادس: إن كان ما صح أن تتعلق به إرادته جاز فعله..
والقول بأن الحوادث لها أوّل يلزم منه التعطيل قبل ذلك وأن الله ﷾ لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلًا. ولا يلزم من ذلك قدم العالم، لأن كل ما سوى الله تعالى محدث ممكن الوجود، موجود بإيجاد الله تعالى له، ليس له من نفسه إلاّ العدم، والفقر والاحتياج وصف ذاتي لازم لكل ما سوى الله تعالى، والله تعالى واجب الوجود لذاته غني لذاته، والغني وصف ذاتي لازم له سبحانه وتعالى١.
فالقول بدوام الحوادث أزلًا وأبدًا، هو الذي يتفق مع النصوص الشرعية التي تثبت لله ﷾ كل كمال، وتنزهه عن كل نقص وأي كمال أوفى من إثبات ما أثبته لنفسه، ونفي ما نفاه عنها.
أما ما ذكره الإمام الغزالي من حل لمشكلة التسلسل وهو القول بأن الله تعالى متصف في الأزل بأنه فاعل بالقوة لأنه قادر على الفعل وليس فاعلًا حقيقة، والذي يبينه بقوله:
" والكشف للغطاء عن هذا أن السيف في الغمد يسمى صارمًا، وعند حصول القطع به، وفي تلك الحالة على الاقتران يسمى صارمًا، وهما بمعنيين مختلفين فهو في الغمد صارم بالقوة، وعند حصول القطع صارم بالفعل، فمعنى تسمية السيف في الغمد صارمًا أن الصفة التي يحصل بها القطع في الحال لا يتصور في ذات السيف وحدته واستعداده، بل لأمر آخر وراء ذاته،
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٧٥-٧٦.
[ ٢٣٥ ]
وبالمعنى الذي يسمى السيف في الغمد صارمًا يصدق اسم الخالق على الله تعالى في الأزل فإن الخلق إذا جرى بالفعل لم يكن لتجدد أمر في الذات لم يكن، بل كل ما يشترط لتحقيق الفعل موجود في الأزل، وبالمعنى الذي يطلق حالة مباشرة القطع للسيف اسم الصارم، لا يطلق في الأزل، فقد ظهر أن من قال إنه لا يصدق في الأزل هذا الاسم فهو محق، وأراد به المعنى الأول"١.
إلا أن الغزالي ليس محقًا في كلامه هذا، وما ارتضاه من حل إنما يؤدي إلى تصور اتصافه سبحانه بصفة لا كمال فيها، لأن كمال صفة الخلق في إثبات اتصافه سبحانه بها بالفعل لا بالقوة فحسب. إذ الأدلة الشرعية تدل على ذلك. فيجب أن نعتقد بأن الله تعالى فعال لما ييريد، فهو يخلق متى شاء كيف شاء، وصفة الخلق ثابتة له سبحانه أزلًا وأبدًا، وقوله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ استفهام إنكاري دليل على خطأ ما ذهب إليه الغزالي والذي هو عين تصور الماتوريدية في قولهم بقدم الصفات.
_________________
(١) ١ الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد ص: ١٦٧.
[ ٢٣٦ ]
الفصل الخامس: صفة الكلام
لقد كان الحديث حول هذه الصفة موضع اهتمام كبير من البيهقي حيث إن من اطلع على كتابيه اللذين خصصهما لمباحث العقيدة يلحظ هذا الاهتمام الكبير الذي أولاه هذه الصفة، إذ إنه - ﵀ – خصص في كتاب الأسماء والصفات عدة أبواب طوال، تضم عشرات الصفحات الحافلة بشتى المسائل التي تتعلق بهذه الصفة كما خصص لها في كتاب الاعتقاد بابًا من أكبر أبوابه.
وليس عجيبًا أن يولي البيهقي هذه الصفة عناية خاصة ويبحثها في إفاضة وتحليل، وذلك لاتصالها الوثيق بمسألة خطيرة تبني الجهمية من المعتزلة ترويجهما ونشرها بشتى الأساليب، ألا وهي مسألة القول بخلق القرآن، التي وقعت بسببها المحنة على أهل السنة في عهدي المأمون والمعتصم من خلفاء بني العباس، حتى لقد ضرب الإمام أحمد، وطيف به في الأسواق، مما جعل الناس يتنازعون في هذه المسألة نزاعًا كبييرًا، وينقسمون طوائف مختلفة، حتى قيل إن علم الكلام إنما سمي كذلك أخذًا من الكلام في هذه الصفة.
وقد ذكر شارح الطحاوية أن الخلاف في هذه القضية ينحصر في تسعة أقوال، ذكرها ناسبًا كل قول إلى صاحبه١، إلا أن أشهر تلك الأقوال في نظري - ثلاثة، قال بها ست فرق وهي:
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص: ١١٧-١١٨.
[ ٢٣٩ ]
١ - الفلاسفة والصابئة، ويرون أن الكلام هو ما يفيض على النفوس، إما من العقل الفعال، أو من غيره، ويزعمون أن الله إنما كلم موسى من سماء عقله، أي بكلام حدث في نفسه لم يسمعه من خارج١.
٢ - المعتزلة والجهمية، زعموا أن معنى كونه تعالى متكلمًا أنه خالق للكلام في غيره، وليس الكلام صفة قائمة به٢.
٣ - الكلابية والأشعرية، ذهبوا إلى أن الله تعالى متكلم بكلام قائم بذاته أزلًا وأبدًا، لا يتعلق بمشيئته وقدرته، وقالوا: إن ذلك الكلام معنى واحد في الأزل هو الأمر بكل مأمور، والنهي عن كان محظور، والخبر عن كل مخبر عنه، إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلًا، وقالوا: معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، والأمر والنهي والخبر صفات للكلام لا أنواع له٣.
_________________
(١) ١ انظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية٣/٣٨. وهذا الرأي الذي ذكره ابن تيمية عن الفلافسة هو - في نظري - أبعد الآراء عن روح الإسلام، إذ إنه مناقض للنصوص الصريحة من الكتاب والسنة التي تدل بوضوح على أن الرسول ﷺ كان يوحي إليه، إما بتكليم الله ﷿ له بلا ترجمان بينه وبينه، أو بواسطة ملك يرسله الله تعالى لتبليغ كلامه إلى ذلك النبيّ وليس خيالًا، بل حقيقة كما ورد أن الملك كان يتمثل للنبي ﷺ صورة رجل، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ سورة الشورى آية: ٥١. فدعاوى أن الوحي إنما هو تمثل الحقائق الإلهية في نفس النبيّ كلامًا وصورًا، دعوى باطلة. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار، ص: ٥٢٨. ٣ انظر: مذهب الأشاعرة هذا في: شرح المقاصد للتفتازاني٢/٩٩، وأصول الدين للبغدادي ص: ١٠٦، ولمع الأدلة لإمام الحرمين ص: ٩١.
[ ٢٤٠ ]
هذا هو ملخص الآراء في هذه القضية، بقي أن نعرف مقصدنا الأساسي ألا وهو رأي البيهقي - ﵀ - فأقول وبالله التوفيق.
إن البيهقي لم يخرج في هذه المسألة برأي جديد، يستقل به من أصحابه الأشاعرة، بل إنه وافقهم في كل ما ذهبوا اليه من أن الكلام نفسي، وأنه قديم أزلي، وليس بحرف ولا صوت، وإن هذا الكلام الذي نقرؤه عبارة عن كلام الله القديم، والمعنى فيه واحد. وإليك مصداق ذلك كله من كلامه هو، مع بيان وجه الحق في كل ما طرقه من مسائل هذه القضية.
حقيقة الكلام الإلهي
يقول البيهقي - ﵀ – "الكلام هو نطق نفس المتكلم، بدليل ما روينا عن أمير المؤمنين عمررضي الله عنه في حديث السقيفة: فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر ﵄، فكان عمر يقول: "والله ما أردت بذاك إلاّ أني قد هيّأت كلامًا أعجبني، وفي رواية أخرى: وكنت قد زّورت مقالة أعجبتني فسمي تزوير الكلام في نفسه كلامًا قبل التلفظ به"١.
والبيهقى بهذا يبين أن رأيه في الكلام أنه معان تقوم بنفس المتكلم، واستدل من اللغة بقول عمر ﵁، وهذا الرأي للبيهقي فيه موافقة كاملة لرأي أصحابه من الإشارة.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٧٢.
[ ٢٤١ ]
يقول إمام الحرمين الجويني: "الكلام هو القول القائم بالنفس"١.
وكذلك قال الجرجاني في شرح المواقف، وهو صريح مذهب الأشاعرة عمومًا٢.
ومما استدل به هؤلاء لهذا الرأي قول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
قال الآمدي بعد إيراده لهذا البيت: "وهذا الإطلاق والاشتهار دليل على صحة إطلاق الكلام على ما في النفس"٣.
وإذًا فالبيهقي - رحمه الله تعالى - في قوله بأن الكلام النفسي يوافق الأشاعرة، ويخالف السلف، إذ إن مذهب السلف في هذه المسألة يختلف اختلافًا كبيرًا عن رأي هؤلاء لأن حقيقة كلام الله تعالى عندهم أنه ما يسمع منه أو من المبلّغ عنه، فإذا سمعه السامع علمه وحفظه٤.
يقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - ﵀ -: "فالله المتكلم أولًا وآخرًا، لم يزل له الكلام، إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له الكلام إذ لا يبقى متكلم غيره، فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ٥ أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ وكيف يعجز عن الكلام من علم العباد الكلام، وأنطق الأنام؟
_________________
(١) ١ الإرشاد للجويني ص: ١٠٤. ٢ انظر: الموافقة بشرح الجراجاني (قسم الإلهيّات) تحقيق الدكتور أحمد المهدي، ص: ١٥٠، وكتاب الأربعين في أصول الدين للغزالي، ص: ١٤. ٣ غاية المرام في علم الكلام للآمدي، ص: ٩٧. ٤ شرح الطحاوية ص: ١٣٢. ٥ سورة غافر آية: ١٦.
[ ٢٤٢ ]
قال الله في كتابه: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ١. فهذا لا يحتمل تأويلًا غير نفس الكلام
وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل فقال: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ ٢ وقال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ٣.
قال أبوسعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصًا بلا تأويل، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام بيان بين أن الله ﷿ غير عاجز عنه، وأنه متكلم وقائل، لأنه لم يكن يعيب العجل بشيء هو موجود فيه"٤.
وإذًا فالسلف - رحمهم الله تعالى - يرون أن كلام الله تعالى حقيقي في الكلام المسموع، وأنه يتكلم بحرف وصوت، وأن كلامه لا يشبه كلام خلقه، ويرون أن إثبات الكلام نفسيًا، كما هو رأي البيهقي - هو إضافة نقص إلى الله ﷾، إذ إن الأخرس له خواطر يريد التكلم بها، ولكنه مع ذلك لا يستطيع، فالله ﷾ منزه عن مثل هذا العجز، الذي يعتبر نقصًا في المخلوق، والله ﵎ منزه عن كل نقص بل أولى بالتنزه عن ذلك النقص من المخلوق، فهو سبحانه متصف بكل صفات الكمال، ومتكلم بمشيئته وقدرته وإرادته، متى شاء كيف شاء.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٦٤. ٢ سورة طه آية: ٨٩. ٣ سورة الأعراف آية: ١٤٨. ٤ الردّ على الجهمية للدارمي ص: ٧٢-٧٣، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٢/٥٢٩.
[ ٢٤٣ ]
هذا عن مذهب السلف المقابل لمذهب البيهقي ومن هو على رأيه.
أما ما استدل به البيهقي - ﵀ - من قول عمر رضي اللله عنه: "زورت في نفسي كلامًا" وما استدل به غيره مما ذهب نفس المذهب من مثل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ١ فليس لهم فيه حجة، لأن الكلام إذا أطلق فإنما يراد به اللفظ والمعنى جميعًا وليس المعنى وحده، أما إذا قيد الكلام بالنفس ونحوها، فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق، وهنا قيد الكلام بالنفس، ولم يطلقه وهذا دليل على أن الكلام المطلق إنما هو اللفظ والمعنى جميعًا، على أنه يحتمل أنهم قالوا بألسنتهم قولًا خفيًا٢.
ويرد على البيهقي وجميع من وافقه في القول بالكلام النفسي يرد عليهم بقوله ﷺ: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" ٣. وقوله: "إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" ٤. واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب، من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك، فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام٥.
_________________
(١) ١ سورة المجادلة آية: ٥٨. ٢ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية١٥/٣٥. ٣ رواه مسلم. انظر: حديث رقم: ٥٣٧، ١/٣٨١. ٤ أورده البخاري في صحيحه باب رقم: ٤٢ من كتاب التوحيد١٣/٤٩٦، والنسائي في سننه٣/١٧. ٥ شرح الطحاوية ص: ١٣٧.
[ ٢٤٤ ]
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به" ١. فقد أخبر النبي ﷺ أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة، لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب٢.
فقول البيهقي في الكلام غير صحيح، لما ذكرناه من أدلة قاطعة بأن الكلام إذا أطلق فإنه إنما يراد به اللفظ والمعنى جميعًا وأن حديث النفس لا يسمى كلامًا إلا إذا قيد.
أما ما أورده أصحاب البيهقي من استدلال بقول الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد فإني أعجب من استدلالهم بقول هذا النصراني على مسألة من أهم مسائل العقيدة الإسلامية ويزيد العجب من ذلك إذا علمنا أنهم كثيرًا ما يردون استدلالات السلف على مسائل العقيدة بأنها أحاديث آحاد، كيف وقد قيل إن هذا البيت مصنوع وليس للأخطل، بل مصنوع ومنسوب إليه.
وعلى فرض صحته فإنه نصراني، وليس من اللائق أن يستدل بكلام قوم ضلوا في معنى الكلام حيث زعموا أن عيسى ﵇ هو نفس كلمة الله، واتحد اللاهوت بالناسوت. وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن القيم - ﵀ - في نونيته:
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب الإيمان حديث رقم: ٦٦٦٤، ١١/٥٤٩. ٢ شرح الطحاوية ص: ١٣٧.
[ ٢٤٥ ]
ودليلهم في ذاك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في معنى الكلام وما اهتدوا لبيان
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم إذ قيل كلمة خالق رحمن
ولأجل ذا جعلوه ناسوتا ولا هوتًا قديمًا بعد متحدان١
فما أثبته السلف لله ﷾ من صفة الكلام الحقيقي المسموع، ومن أنه يتكلم متى شاء كيف شاء هو ما يتفق مع الأدلة الصحيحة والمعقول الصريح، وما ذهب إليه البيهقي والأشاعرة عمومًا من القول بالكلام النفسي لا يسعفه الدليل، ولا يكاد يتصوره عقل.
مسألة الحرف والصوت
ثم إن البيهقي - رحمه الله تعالى - ينكر أن يكون كلام الله تعالى بحرف وصوت، وفي بيان رأيه هذا يقول: "إن كان المتكلم ذا مخارج، سمع كلامه ذا حروف وأصوات، والباري جل ثناؤه ليس بذي مخارج، وكلامه ليست بحرف، ولا صوت، فإذا فهمناه ثم تلوناه، تلوناه بحروف وأصوات"٢.
وليس للبيهقي - ﵀ - دليل على نفي الحرف والصوت عن كلام الله تعالى سوى أنه يرى أن إثبات ذلك يقتضي تشبيه الله بخلقه في أن يكون له مخارج الحروف والأصوات فيكون كلامه يشبه كلام خلقه لأن الحرف والصوت من صفات كلام المخلوقين.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ١٣٧. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٧٣.
[ ٢٤٦ ]
يقول الحافظ ابن حجر معقبًا على كلام البيهقي السابق: "وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج"١.
ولهذه الشبهة أوّل البيهقي حديث الصوت باحتمال أن يكون الصوت للسماء، أو للملك اللآتي بالوحي، أو لأجنحة الملائكة٢.
وهو بهذا يتفق مع الأشاعرة القائلين بنفي أن يكون الله تعالى متكلمًا بحرف وصوت، لأن كلامه سبحانه نفسي، أما الكلام الذي أنزل على رسول الله ﷺ والذي نتلوه، فيقرّون بأنه حرف وصوت إلاّ أنهم يرون أنه مخلوق محدث لأنه ليس كلام الله الحقيقي، بل هو عبارة كلام الله القديم٣. كما سيأتي ذلك فيما بعد إن شاء الله.
وإذا كان كلام الله نفسيًا عند البيهقي وأصحابه الأشاعرة وليس بذي حروف وأصوات فما هو الكلام الذي سمعه موسى ﵇ وكيف سمعه مع أن الله تعالى لا يتكلم به بصوت؟
لقد أجاب البيهقي عن هذا السؤال بأن الله تعالى أزال المانع عن موسى ﵇ الذي يمنعه من سماع كلامه بلا حرف ولا صوت، وخلق له قوة أدرك بها كلامه القديم وفي هذا المعنى يقول البيهقي - ﵀ - عند إيضاحه لمعنى قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ٤ يقول:
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر العسقلاني١٣/٤٥٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٧٤. ٣ انظر: المواقف بشرح الجرجاني (قسم الإلهيّات) ص: ١٤٩-١٥٠، وشرح أم البراهين للسنوسي ص: ٣١. ٤ سورة السناء آية: ١٦٤.
[ ٢٤٧ ]
"فوصف نفسه بالتكلم ووكده بالتكرار فقال تكليمًا، ثم ذكر ماكلم الله به موسى وقال بعد ذلك فهذا كلام سمعه موسى ﵇ بإسماع الحق إياه، بلا ترجمان بينه وبينه، دله بذلك على ربوبيته، ودعاه إلى وحدانيته"١.
ونجد جوابًا لذلك أوضح عند السنوسي في شرحه لعقيدة أهل التوحيد الكبرى حيث ذكر أنه تعالى - بفضله - أزال المانع عن موسى ﵇، وخلق اسه سمعًا وقواه حتى أدرك به كلامه القديم٢.
ولذلك يرى الأشاعرة أن كلام الله تعالى لموسى ﵇ حقيقي بهذا المعنى، وهو ما عبر عنه البيهقي كما تقدم.
أما الغزالي من أساطين المذهب الأشعري فإنه يرى أن هذا بحث في الكيفية، وهو أمر غير جائز، فما علينا إلا أن نؤمن بذلك، ولسنا مكلفين بالبحث عنه٣.
أما السلف فإنهم يقفون من رأي البيهقي في مسألة الحرف والصوت موقفًا معاكسًا، لأنهم يرون أن الله تعالى متكلم بحرف وصوت إلا أن كلامه ﷾ لا يشبه كلام خلقه، ولا صوته يشبه أصواتهم كما ذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: "وقد نص أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه تكلم به بحرف وصوت وليس منه شيء كلامًا لغيره، لا جبريل ولا غيره، وأن العباد يقرؤونه بأصوات
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ١٩٠. ٢ شرح عقيدة أهل التوحيد الكبرى للسنوسي ص: ٢٧٥. ٣ الاقتصاد في الاعتقاد ص: ١٤٤-١٤٥.
[ ٢٤٨ ]
أنفسهم، وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارىء، والكلام كلام الباري"١.
كما ذكر - ﵀ - أن الكلام في هذه القضية إنما حدث في حدود المئة الثالثة، وانتشر في المئة الرابعة، بمعنى أن الكلام فيها حدث بعد أن لم يكن موجودًا في عهد الصحابة والتابعين، بسبب ما وقع من جدال مرير بين السلف والمعتزلة في مسألة القول بخلق القرآن.
كما ذكر أن منشأ الخطأ في هذه المسألة هو عدم التفريق والمباينة بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، وإلاّ فإن السلف متفقون على التمييز بين صوت الربّ، وصوت العبد، ومتفقون على أن الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه ﷺ حروفه ومعانيه وأنه ينادي عباده بصوته٢.
وليس للبيهقي ومن حذا حذوه في نفي الحرف والصوت سوى الشبهة التي سبق ذكرها.
أما السلف فإنهم استدلوا على مذهبهم القائل بأن الله يتكلم بصوت بحديث أبي سعيد الخدري الذي رواه البخاري: قال النبي ﷺ: "يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار" ٣. وأمثاله من الأحاديث.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٢/٥٨٤. ٢ مجموع الفتاوى٢/٥٨٥. ٣ رواه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، حديث رقم:٧٤٨٣، ١٣/٤٥٣.
[ ٢٤٩ ]
وقد رد الحافظ ابن حجر على القائلين بالنفي بناء على القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج كالبيهقي وغيره رد عليهم بنفي القياس المذكور، وعدم صحة وروده هنا حيث قال:
"ولا يخفى ما فيه إذ الصوت قد يكون من مخارج.. لكن يمنع القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق، وإذا ثبت ذكر الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به، ثم إما التأويل وإما التفويض ١.
هكذا قال أن ابن حجر، وإلاّ فلا التأويل قال به السلف ولا التفويض، بل يثبتون الصوت على الحقيقة من غير تصوّر مشابهة ولا تمثيل.
كما ردّ الإمام أحمد على هذه الشبهة الفاسدة ردًا مفحمًا لا يدع مجالًا لمفكر أو متأمل حيث قال: ".. وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلاّ من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسموات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٢، وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ٣، أتراها سبحت: بحروف وفهم، ولسان وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٤، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان، ولكن الله أنطقها كيف شاء، من غير أن يقول بجوف ولا فم، ولا شفتين ولا لسان٥.
_________________
(١) ١ فتح الباري لابن حجر١٣/٢٧٤. ٢ سورة فصلت آية: ١١. ٣ سورة الأنبياء آية: ٧٩. ٤ سورة فصلت آية: ٢١. ٥ الردّ على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل ص: ١٣١.
[ ٢٥٠ ]
بمعنى أنه ليس من شرط المتكلم أن يكون ذا مخارج، لهذه الأدلة فبطل بذلك التمسك بهذه الشبهة.
وفي إثبات الصوت لله ﷾، ونفي المشابهة بينه وبين أصوات المخلوقين يقول الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: ".. ويذكر عن النبيّ ﷺ أنه كان يحب أن يكون الرجل خفيض الصوت، ويكره أن يكون رفيع الصوت، وأن الله ﷿ ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله جل ذكره". وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ١ فليس لصفة الله ند ولا مثل ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين٢. ثم ذكر الأحاديث التي تدلّ على ذلك٣.
وقصارى القول أن السلف يرون أن الله تعالى يتكلم بصوت يسمع كما دلت على ذلك الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأن صوته لا يشبه أصوات خلقه، كما أن ذاته لا تشبه ذواتهم، وأن سائر كلام الله تعالى ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني.
وفي بيان أن كلام الله تعالى هو مجموع الأمرين، يقول شيخ الاسلام ابن تيمية موضحًا المذهب الصحيح في ذلك: "والصواب الذي عليه سلف الأمة - كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب خلق
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٢. ٢ خلق أفعال العباد للبخاري ص: ٥٩. ٣ انظر: المصدر نفسه ص: ٥٩-٦٠.
[ ٢٥١ ]
أفعال العباد وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم أتباع النصوص الثابتة، وإجماع الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله حروفه ومعانيه ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره، ولكن أنزله على رسوله، وليس القرآن اسمًا لمجرد المعنى، ولا لمجرد الحروف بل لمجموعهما، وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط، ولا المعاني فقط، كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح، ولا مجرد الجسد، بل مجموعهما، وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك كأصوات العباد، لا صوت القارىء، ولا غيره وإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته، علم المخلوق وقدرته وحياته، فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق، ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الربّ يشبه صوت العبد"١.
فهذا هو مذهب السلف الحق، وهو الرأي السديد لاتفاقه مع ما جاء به الوحي الإلهي، الذي يجب أن يكون هو الفيصل عند الاختلاف والحكم عند التنازع، بعيدًا عن الأقيسة الباطلة.
فما ادعاه البيهقي في هذه المسألة مردود بما تقدم من الأدلة الدامغة التي اعتمدها السلف في هذه القضية، ويكفينا ترجيحًا لمذهبهم أنهم جعلوا الوحي دليلهم، والتوحيد منهجهم، فالله واحد في صفاته، كما أنه واحد في ذاته، لا يشبه أحدًا من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى١٢/٢٤٣-٢٤٤.
[ ٢٥٢ ]
قدم الكلام الإلهي
يرى البيهقي - ﵀ - أن كلام الله تعالى قديم قدم الذات الإلهية، إذ الكلام عنده ملازم لذات الله تعالى أزلًا وأبدًا، فلا يجوز أن يكون شيء منه حادثًا.
يقول﵀-: "وإنما كلامه صفة له أزلية موجودة بذاته، لم يزل كان موصوفًا به، ولا يزال موصوفًا به"١. واستدل على هذا القول بآيات من كتاب الله تعالى فقال: "ثم إن الله تعالى نفى عن كلامه الحدوث بقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٢. فأخبر أنه كان موجودًا مكتوبًا قبل الحاجة إليه في أم الكتاب، وقوله ﷿: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ٣. فأخبر أن القرآن كان في اللوح المحفوظ، يريد مكتوبًا فيه، وذلك قبل الحاجة إليه، وفيه ما فيه منن الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والخبر والاستخبار وإذا ثبت أنه كان موجودًا قبل الحاجة إليه ثبت أنه لم يزل كان٤.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٣٧. ٢ سورة الزخرف آية: ٤. ٣ سورة البروج آية: ٢١-٢٢. ٤ الأسماء والصفات ص: ٢٢٩.
[ ٢٥٣ ]
أما من السنة النبوية فاستدل بحديث احتجاج آدم وموسى ﵉ وفيه: "فبكم وجدت الله كتب التوارة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم فهل وجدت فيها: فعصى آدم ربه فغوى؟ قال نعم.." ١ الحديث.
قال البيهقي بعد إيراده لهذا الحديث: "والاختلاف في هذه التواريخ غير راجع إلى شيء واحد، وإنما هو على حسب ماكان يظهر لملائكته ورسله، وفي كل ذلك دلالة على قدم الكلام"٢.
هذا هو استدلال البيهقي من الكتاب والسنة على قدم الكلام الإلهي.
أما من العقل فقد أورد دليلين على هذا الرأي، ونسبهما إلى شيخه أبي بكر بن فورك وهما:
أولأ: إن كلامه تعالى لوكان مخلوقًا لوجب أن يتصف بضده قبل خلقه، لاستحالة أن يخلو الحي من الكلام وضده.
ثانيًا: إنه لوكان الكلام مخلوقًا لما خلا الأمر من أن يكون خلقه تعالى في نفسه أو في غيره، أولًا في محل، والأخير باطل لأن الكلام عرض والعرض لا يقوم بنفسه، وكذا الأوّل لاستحالة قيام الحوادث به تعالى ويترتب على الثاني إضافة الكلام إلى ذلك الغير، فلا يكون كلامًا لله تعالى٣.
_________________
(١) ١ رواه البخاري في كتاب التوحيد حديث رقم: ٧٥١٥، ١٣/٤٧٧، وكتاب الأنبياء رقم: ٣٤٠٩، ٦/٤٤٠، ورواه مسلم في كتاب القدر حديث رقم: ٢٦٥٢، ٤/٢٠٤٢. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٣٣. ٣ الجامع لشعب الإيمان١/ ل٢٥.
[ ٢٥٤ ]
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - إلى هاتين الحجتين، وذكر أنهما عمدة جميع القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية كالأشعري وأصحابه ومن وافقهم كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وأمثالهما من الحنابلة وهو عمدة الماتوريدية أيضًا١. كما ذكر أيضًا أنهما عمدة من لا يعتمد في الأصول في مثل هذه المسألة إلاّ على العقليات كأبي المعالي ومتبعيه٢.
وقد وافق البيهقي بهذا القول في كلام الله تعالى جميع الأشاعرة والماتوريدية٣.
وهذا الرأي الذي تبناه البيهقي يخالف ما عليه سلف الأمة في هذه المسألة، حيث إن السلف يرون أن كلام الله تعالى قديم النوع حادث الآحاد، وأن الله متكلم متى شاءك يف شاء٤.
أما عن أدلة البيهقي النقلية التي ساقها ليسند بها رأيه فليس له فيها ما أراد، لأن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ليس فيها ما يدل على القدم الذي يراه البيهقي. وساق هذه الآيات للاستدلال بها عليه، وإنما دلالتها على وجود القرآن مكتوبًا في اللوح المحفوظ قبل إنزاله على رسول الله ﷺ، وإذا كان يعتبر أن وجوده
_________________
(١) ١ ممجموع الفتاوى٦/٢٩١. ٢ المصدر نفسه، وانظر: لمع الأدلة للجويني ص: ٩٠. ٣ انظر: شرح أم البراهين للسنوسي ص: ٣٠، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص: ٧٧، والمسامرة بشرح المسايرة للقدسي ص: ٧٣، وتبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي١/٢٨٧. ٤ شرح الطحاوية ص: ١٢٧، ومجموع الفتاوى٦/٢٩٢، و١٢/٣٧٢.
[ ٢٥٥ ]
في اللوح المحفوظ قبل إنزاله على رسول الله ﷺ دليل قدمه، فإن ذلك لا يستقيم له، لأنه اللوح المحفوظ مخلوق حادث دون خلاف.
أما حديث احتجاج آدم وموسى فإنه إنما يدل على القدر وحسب.
أمّا الحجتان العقليتان فإنهما إنما تدلان على مذهب السلف وهو أن الله تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء كيف شاء، فتدلان على أن نوع كلامه قديم لا على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن الكلام شيء واحد قديم، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١.
وما ذكره البيهقي في الحجة الثانية من قوله بأنه لا يصح أن يكون خلق الكلام في نفسه، لاستحالة أن يكون محلًا للحوادث، فإن هذا كلام غير صحيح، فإن السلف وإن لم يقولوا بأن الله تعالى خلق الكلام في نفسه ولا في غيره، إلأ أنهم يقولون بأنه يتكلم به متى شاء كيف شاء، أي أنهم يجوزون حلول الحوادث بذات الله تعالى على معنى أنه سبحانه يفعل متى شاء كيف شاء، لأن فعله متعلق بمشيئته، وهذا لا يلزم منه حدوث النوع.
وقد تقدم الكلام على مسألة حلول الحوادث بذات الله تعالى٢.
أما ما تصوّره هؤلاء من أن مثل هذا القول يلزم منه أن الله تعالى يخلق الفعل في نفسه فإن هذا اللازم باطل، والله ﵎ منزه عنه باتفاق.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٦/٢٩٢. ٢ انظر ص: (٢٥٠) من هذا البحث.
[ ٢٥٦ ]
وحدة الكلام الإلهي
وبعد أن قرر البيهقي - ﵀ - أن الكلام نفسي قديم قائم بذات الله ﷾ قرر أيضًا أنه معنى واحد لا يتبعض، إن عبر منه بالسريانية كان إنجيلًا، وإن عبر عنه بالعبرانية كان توراة، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا. فبعد أن أورد - ﵀ - حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال فيه: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" ١.
بعد أن أورد البيهقي هذا الحديث الذي هو مناط استدلاله على ما ذهب إليه قال: "وفي هذا دليل على أنهم إن صدقوا فيما فسروا من كتابهم بالعربية كان ذلك مما أنزل إليهم، على معنى العبارة عما أنزل إليهم، وكلام الله تعالى واحد، لا يختلف باختلاف العبارات فبأي لسان قرئ، كان قد قرىء كلام الله تعالى، إلاّ أنه إنما يسمى توراة إذا قرئ بالعبرانية وإنما يسمى إنجيلًا إذا قرئ بالسريانية وإنما يسمى قرآنًا إذا قرئ بالعربية على اللغات السبع التي أذن صاحب الشرع في قراءته عليهن"٢.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٧٠، والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد رقم: ٧٥٤٢، ١٣/٥١٦. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٧٠.
[ ٢٥٧ ]
ونفى التبعيض عن كلام الله تعالى بقوله: "التبعيض إنما هو في القراءة الدالة عليه، والقراءة غير المقروء"١.
فكلام الله تعالى - عند البيهقي - معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض لأن كلام الله الحقيقي عنده هوكلامه القديم الذي يقول عنه إنه هو القائم بنفسه تعالى، فلا ينقسم إلى أمر ونهي، وخبر واستخبار، كما صرح بأن الكلام الذي أنزله الله ﵎ على نبيه ﷺ ليس هوكلامه حقيقة، وإنما هو عبارة عنه، ودال عليه، وقوله بوحدة الكلام الإلهي هو الذي حدا به إلي القول بأنه إنما يكون قرآنًا إذا قرئ بالعربية وتوراة إذا قرئ بالعبرانية، وإنجيلًا إذا قرئ بالسريانية على معنى أنه لا فرق بين هذه الكتب الثلاثة، لأنها جميعًا – عنده - عبارة عن كلام الله القديم الذي هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض.
وقد أرجع البيهقي كلام الله جميعه إلى معنى الأمر حيث قال: "ففي كلّ موضع يستدل بسياق الكلام على معنى الأمر"٢.
ورأي البيهقي هو قول جمهور أصحابه الأشاعرة حيث قالوا مثله بوحدة الكلام الإلهي، وإرجماعه إلى معنى الأمر٣.
ولا ريب أن ما ذهب إليه البيهقي ومن وافقه لا يتفق مع مذهب السلف في هذا الموضوع، لأن السلف - رحمهم الله تعالى - يرون أن كلام الله تعالى أنواع فمنه الأمر، والنهي، ومنه الخبر والاستخبار، ومنه النداء وذلك أمر واضح من واقع كلام الله تعالى.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل٢٦. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٢٨. ٣ انظر: نهاية الأقدام للشهرستاني ص: ٣٠٧، ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي ص: ١٣٤، والعقيدة النظامية لإمام الحرمين ص: ١٨.
[ ٢٥٨ ]
أما قول البيهقي ومن وافقه فإنه واضح البطلان، إذ إن لازمه أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ١ هو معنى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢ ومعنى آية الكرسي هو معنى آية الدين، ومعنى سورة الإخلاص هو معنى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٣.
يقول شارح الطحاوية في بيان فساد هذا القول: "وكلما تأمل الإنسان هذا القول تبين له فساده، وعلم أنه مخالف لكلام السلف، والحق أن التوراة والإنجيل والزبور والقرآن من كلام الله حقيقة، وكلام الله لا يتناهى، فإنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء، كيف شاء، ولا يزال كذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٥.
ولوكان ما في المصحف عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث مسه، ولو كان ما يقرؤه القارىء ليس كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته، بل كلام الله محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن مكتوب في المصاحف"٦.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٣٢. ٢ سورة البقرة آية: ٤٣. ٣ سورة المسد آية: ١. ٤ سورة الكهف آية: ١٠٩. ٥ سورة لقمان آية: ٢٧. ٦ شرح الطحاوية ص: ١٣٠.
[ ٢٥٩ ]
أما قول البيهقي بأن كلام الله لا يتبعض فإن هذا قول مردود أيضًا، لأن موسى ﵇ حين سمع كلام الله تعالى - كما تقدم أنه يرى سماع موسى لكلام الله تعالى على معنى أن الله خلق فيه إدراكًا فهم به ذلك المعنى - فهل موسى ﵇ فهم كلام الله كلّه أو بعضه؟ فليس له إلاّ أحد جوابين:
إما أن يقول بأن موسى فهم كلام الله كلّه فيكون موسى قد علم علم الله، وإما أن يكون فهم بعضه، وإذا قال فهم بعضه - ولن يجد محيصًا عنه - فقد تبعض كلام الله تعالى.
وقصارى القول: أن ما ارتضاه البيهقي من القول بأن كلام الله تعالى معنى واحد قديم، لا يتعدد، ولا يتبعض غير منطقي، ولا ينسجم مع الواقع، ولا مع الوحي الذي نراه تارة ينهى، وأخرى يأمر، ومرات ينادي وكل نوع من هذه الأنواع لا يشبه الآخر، بل يختلف عنه، ولو كان الأمر كما قالوا لما كان ثمة حاجة إلى تفسير كلام الله تعالى في تلك الأسفار الضخام، التي هي ثمرة جهد مضن بذله علماء هذه الأمة، بينوا فيها ما أراده الله ﵎ حين أمر وما أراده حين نهى، ليكون المسلم على بصيرة من مقاصد التشريع.
[ ٢٦٠ ]
موقف البيهقي: من مقالة الجهمية والمعتزلة في القرآن
وإذا كان البيهقي - ﵀ - يرى أن كلام الله تعالى إنما هو معنى قائم بذاته سبحانه، يسمع وتفهم معانيه وإن الحروف تكون أدلة عليه، كما تكون الكتابة إمارات الكلام ودلالات عليه١، على معنى أن هذا الكلام الذي نقرؤه، ونكتبه في المصاحف ليس هو كلام الله حقيقة وإنما هو عبارة عنه، فإنه قد وقف من رأي الجهمية والمعتزلة القائل بأن كلام الله مخلوق، نفس الموقف الذي وقفه السلف من أصحاب هذه المقالة الفاسدة مع اختلافه معهم في حقيقة الكلام، كما سبق أن ذكرنا آنفًا.
فقد اشتهر عن المعتزلة والجهمية قولهم في القرآن بأنه مخلوق محدث، ويقرر القاضي عبد الجبار المعتزلي هذا الرأي بقوله: "وأما مذهبنا في ذلك فهو أن القرآن كلام الله تعالى، ووحيه، وهو مخلوق محدث"٢، بمعنى أن الله تعالى لم يكن متكلمًا، وحينما أراد الكلام خلقه في محل، وأسمعه من أراد كما قالوا عن موسى ﵇ أن سماعه لكلام الله تعالى إنما كان تحت الشجرة التي خلق الله كلامه فيها. وهذا هو رأي الجهمية أيضًا٣.
_________________
(١) ١ الجامع لشعب الإيمان١/ ل٢٦. ٢ شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص: ٥٢٨. ٣ انظر: الردّ على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ص: ٩٣، والتنبيه والردّ على أهل الأهواء والبدع للملطى ص: ١٢٥، ومقالات الإسلاميين للأشعري١/٣٣٨.
[ ٢٦١ ]
وقد استند هؤلاء إلى آيات كريمات، زاعمين دلالتها على ما ذهبوا إليه، فبعد أن أورد القاضي عبد الجبار رأيهم على النحو السابق عقب عليه بالاستدلال له بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٢، إلى غير ذلك أن الآيات التي ادعوا دلالتها على مذهبهم.
وقد كان لهذا الرأي الذي تبناه الجهمية وتابعهم عليه المعتزلة أثره في المحن القاسية التي مني بها المسلمون في حقبة من الزمن، كان علماء السلف فيها في منأى من كل رأي يوجد الفرقة في صفوف الأمة إلا أن المعتزلة أبوا إلا إشاعة هذه المقالة الفاسدة، محاولين إيصالها إلى كل ذهن وترسيخها في كل عقل، حتى لو اقتضى ذلك استخدام القوة من أجل إكراه الناس على اعتناق مذهبهم.
وقد حدث ذلك بالفعل كما سبق أن ذكرت من استخدامهم لاثنين من خلفاء بني العباس هما: المأمون والمعتصم، وظلت الفتنة قائمة على أشدها وأئمة الإسلام صامدون في وجه أصحابها، حتى أراد الله تعالى لها الانكشاف على يد المتوكل.
وقد كان فشو هذه المقالة الفاسدة التي تمس العقيدة الإسلامية في صميمها سببًا دافعًا لعلماء السلف على الاشتغال بتفنيدها وبيان زيغها، وتوطيد دعائم الحقّ بالحجّة الساطعة، والبرهان القاطع.
_________________
(١) ١سورة الأنبياء آية: ٢. ٢سورة الزخرف آية: ٣.
[ ٢٦٢ ]
وقد كان البيهقي - ﵀ - مدركًا لخطورة هذه البدعة، كما أدركها غيره من الأئمة، فشدد النكير على أصحابها، وسلك في الرد عليهم نفس الأسلوب الذي اتخذه علماء السنة سواء المعاصرين لهم أو من أتى بعدهم وشارك في الرد.
فالبيهقي - ﵀ - يقرر أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق ويرد على الجهمية والمعتزلة بأدلة من القرآن الكريم، ففي معرض الرد عليهم أورد الآية المتضمنة لأنواع الوحي الذي كان ينزل على الأنبياء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ ١.
وقال بعد إيرادها: "فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقًا في شيء مخلوق، لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى، لاستواء جميع الخلق في سماعه من غير الله ووجودهم ذلك عند الجهمية مخلوقًا في غير الله وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين، ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله تعالى لموسى خلقه في شجرة أن يكون من سمع كلام الله من ملك أو من نبي أتاه به من عند الله أفضل مرتبة في سماع الكلام من موسى، لأنهم سمعوه من نبي، ولم يسمعه موسى ﵇ من الله، وإنما سمعه من شجرة.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٥١.
[ ٢٦٣ ]
وأن يزعموا أن اليهود إذ سمعت كلام الله من موسى نبي الله أفضل مرتبة من موسى بن عمران صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم لأن اليهود سمعته من نبي من الأنبياء، وموسى صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم سمعه مخلوقًا في شجرة، ولو كان مخلوقًا في شجرة لم يكن الله ﷿ مكلمًا لموسى من وراء حجاب، ولأن كلام الله ﷿ لموسى ﵇ لو كان مخلوقًا في شجرة كما زعموا، لزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة ووجب عليهم أن مخلوقًا من المخلقين كلم موسى، وقال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ ١. وهذا ظاهر الفساد"٢.
وقد أشار البيهقي إلى أن هذه الوجوه هي استدلال أبي الحسن الأشعري والأمر كما قال٣.
وهكذا ينقض البيهقي - ﵀ - هذا الرأي الفاسد في كلام الله عامة، وفي القرآن خاصة بإلزامات عقلية لا محيص لهم عنها، تؤدي إلى تهافت رأيهم وظهور زيغه وبطلانه.
كما بين فساد هذا الرأي بأن القرآن لو كان مخلوقًا لكان الله تعالى موجدًا له بكلمة "كن" كسائر المخلوقات، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٤ وهذا غير صحيح.
_________________
(١) ١ سورة طه آية: ١٤. ٢ الاعتقاد ص: ٣٣. ٣ انظر: الإبانة للأشعري ص: ٢١-٢٣. ٤ سورة النحل آية: ٤٠.
[ ٢٦٤ ]
وفي ذلك قال﵀ -: "فلو كان القرآن مخلوقًا لكان الله سبحانه قائلًا له "كن"، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولًا له لأن هذا يوجب قولًا ثانيًا، والقول في القول الثاني وفي تعلقه بقول ثالث كالأول، وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو فاسد، وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقًا"١.
كما استدل بتفريق الله ﷾ بين القرآن والإنسان في مكان واحد، حيث خص القرآن بالتعليم والإنسان بالتخليق حين قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الأِنْسَانَ﴾ ٢ مبينًا كيف أن هذه الآيات تدل على فساد مذهب الجهمية، بأن الله تعالى جمع بين القرآن والإنسان في هذه الآيات المتعاقبات وخص كلا منهما بأمر لا يشاركه فيه الآخر، فخص القرآن بالتعليم، وخص الإنسان بالتخليق، وهذا يدل على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لو كان مخلوقًا لأشركه مع الإنسان في خاصية الخلق، ولقال: "خلق القرآن والإنسان"٣.
كما استدل بقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ ٤ ففرق بين خلقه وأمره بالواو الذي هو حرف الفصل بين الشيئين المتغايرين فدل على أن قوله غير خلقه٥.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٣٢. ٢ سورة الرحمن آية: ١-٣. ٣ الاعتقاد ص: ٣٢. ٤ سورة الأعراف آية: ٥٤. ٥ الاعتقاد ص: ٣٢.
[ ٢٦٥ ]
ومما ردّ البيهقي على هذا القول الباطل ما عاب الله ﵎ به على المشركين من قولهم عن القرآن الكريم: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ١ حيث إن مات زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولًا للبشر٢.
ويزيد هذا الدليل وضوحًا ما ذكره الإمام عثمان بن سعيد الدارمي من استدلاله بهذه الآية على تكفير الجهمية، حيث قال مستدلًا على ذلك: ".. أما من الكتاب فما أخبر الله ﷿ عن مشركي قريش من تكذيبهم بالقرآن، فكان من أشد ما أخبر عنهم من التكذيب بالقرآن، أنهم قالوا "هو مخلوق" كما قالت الجهمية سواء.
قال الوحيد وهو الوليد بن المغيرة المخزومي: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ وهذا قول جهم: إن هذا إلا مخلوق وكذلك قول من يقول بقوله، وقول من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ ٣ ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ٤ و﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾ ٥ معناهم في جميع ذلك ومعنى جهم في قوله يرجعان إلى أنه مخلوق ليس بينهما فيه من البون كغرز إبرة، ولا قيس شعرة.
_________________
(١) ١ سورة المدثر آية: ٢٥. ٢ الاعتقاد ص: ٣٢. ٣ سورة الفرقان آية: ٤. ٤ سورة المؤمنون آية: ٨٣. ٥ سورة ص آية: ٧.
[ ٢٦٦ ]
فبهذا نكفرهم كما أكفر الله به أئمتهم من قريش، وقال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ١ إذ قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ٢ لأن كلّ إفك وتقول وسحر واختلاق، وقول البشر كله لا شك في شيء منه أنه مخلوق، فاتفق من الكفر بين الوليد بن المغيرة وجهم بن صفوان الكلمة والمراد في أنه مخلوق"٣.
وهذا الإلزام الشديد الذي أورده الإمام الدارمي، بل إنه يرى أنه صحيح مذهبهم، لذلك سواهم في هذا بكفار قريش.
أخذ البيهقي هذا الإلزام - كما تقدم - إلا أنه أورده بلهجة أخف وكلام أوجز.
والجهمية أتباع جهم بن صفوان الترمذي لا أحد يشك في كفرهم لهذا الرأي، ولآراء فاضحة أخرى، كنفي الأسماء والصفات المتضمن تكذيبًا صريحًا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
كما سلك البيهقي في الرد على أصحاب هذه المقالة أسلوبًا آخر، هو بيان تهافت استدلالهم الذي اعتمدوا عليه وإليك أمثلة لذلك، فقد سبق أن ذكرت من الآيات التي استدلوا بها على أن القرآن مخلوق قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ . وقد بين البيهقي - ﵀ - أن استدلالهم غير صحيح وأن للآيتين معنى غير ما أرادوا.
_________________
(١) ١ سورة المدثر آية: ٢٦. ٢ سورة المدثر آية: ٢٥. ٣ الردّ على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي ص: ٩٣-٩٤.
[ ٢٦٧ ]
فالأولى: ليس المراد منها أن القرآن نفسه محدث، وإنما أراد بالمحدث ذكر القرآن لهم، وتلاوته عليهم، وعلمهم به، فكل ذلك محدث، والمذكور المتلو المعلوم غير محدث، كما أن ذكر العبد لله تعالى محدث، والمذكور غير محدث١.
أو أن المراد على أظهر المعاني التي أرجعها إليها الإمام أحمد أن المحدث هو تنزيله على لسان الملك الذي أتى به، فالتنزيل هو المحدث٢.
أما الآية الثانية: فقد بين البيهقي أيضًا أنها لا تدل على ما ذهب إليه الجهمية والمعتزلة، لأن جعلناه بمعنى: سميناه قرآنًا عربيًا، وأنزلناه مع الملك الذي أسمعناه إياه حتى نزل به بلسان العرب ليعقلوا معناه٣.
وهكذا ينقض البيهقي أدلتهم على هذا النمط، يبين أن المراد من الآيات التي استدلوا بها خلاف ما راموا من معنى.
وهذا هو أسلوب السلف في رد استدلال المعتزلة على هذا المذهب الخطير، ويتضح لنا ذلك بمطالعة كتبهم مثل: كتاب الردّ على الجهمية للإمام أحمد، والردّ على الجهمية للدارمي، ومناظرة الأخير مع بشر المريس، وبيانه لتهافت آرائهم، وتقبيح السلف لها في كتابه "النقص على بشر المريس" حتى روى عن عبد الله بن المبارك قوله: "لأن أحكي كلام اليهود والنصارى، أحبّ إليّ من أن أحكي كلام الجهمية"٤.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٢٩، والاعتقاد ص: ٣٤. ٢ الاعتقاد ص: ٣٤-٣٥. ٣ الاعتقاد ص: ٣٤. ٤ الردّ على بشر المريس للدارمي ضمن عقائد السلف جمع عليّ سامي النشار ص: ٣٦٠.
[ ٢٦٨ ]
ولبيان موافقة البيهقي للسلف في هذا الأسلوب أورد مثالًا لذلك رد الإمام ابن قتيبة استدلال المعتزلة والجهمية بالآيتين السالفتين حيث قال: " ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ فإن الجعل يكون بمعنيين: أحدهما خلق، والآخر غير خلق، فأما الموضع الذي يكون فيه خلقًا، فإذا رأيته متعديًا إلى مفعول واحد لا يجاوزه كقول الله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ١. فهذا بمعنى: خلق
وأما الموضع الذي يكون فيه غير الخلق فإذا رأيته متعديًا إلى مفعولين كقوله: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ ٢ أي: صيرتم، وكقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ ٣ فإن هم وجدوا في القرآن كله "جعل" متعدية إلى القرآن وحده ليقضوا عليه بالخلق، فنحن نتابعهم.
وكذلك المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق، فإن أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أنه يخلق وكذلك قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أي: ذكر حدث عندهم لم يكن قبل ذلك"٤.
وقد أورد البيهقي قدرًا كبيرًا من أقوال السلف الناطقة بما قرره من أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، فمنها ما رواه عن سفيان بن عيينة - ﵀ - أنه قال: "أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة منهم عمرو ابن دينار يقولون: القرآن كلام الله ليس بمخلوق"٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١. ٢ سورة النحل آية: ٩١. ٣ سورة البقرة آية: ٦٦. ٤ الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة ضمن مجموعة عقائد السلف ص: ٢٣٤-٢٣٥. ٥ الأسماء والصفات ص: ٢٤٥، وخلق أفعال العباد للبخاري ص: ٧.
[ ٢٦٩ ]
وما رواه عن جعفر بن محمّد أنه سئل: يا ابن رسول الله، ما تقول في القرآن خالق أم مخلوق؟ قال: أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل١.
وما رواه عن مالك بن أنس ﵁ أنه قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق"٢. إلى غير ذلك مما أورده عن السلف من أقوال كلّها مصرحة بمذهبهم في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
فرأي هؤلاء الجهمية في القرآن باطل باتفاق السلف والأشاعرة بمن فيهم البيهقي، وإذا كان الرأيان قد تشابها في النظرة إلى رأي الجهمية، فإن القارئ قد يظن أن الفريقين يدينان برأي واحد في القرآن، إلا أن الأمر خلاف ذلك، فبين الرأيين بون شاسع، إذ يتضح لنا من مجموع ما تقدم من نصوص في بحث مسألة الكلام بجميع جوانبها أن البيهقي ومعه الأشاعرة يرون أن هذا القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا ليس هو كلام الله القديم وإنما هو عبارة عنه، ودلالة عليه، وهو مخلوق، لأن كلام الله الحقيقي نفسي قديم، ونفوا أن يكون كلام الله الحقيقي هو معجزة الرسول ﷺ.
وقد بين ذلك الآمدي- من أساطين الأشاعرة- حين قال مفرقًا بين مذهبه هو وأصحابه وبين مذهب المعتزلة: "وأما ما قيل من أن القرآن معجزة الرسول فيمتنع أن يكون قديمًا فتهويل لا حاصل له، فإنا مجمعون على أن القرآن الحقيقي ليس بمعجزة الرسول، وإنما الاختلاف في
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٢٤٧، وخلق أفعال العباد للبخاري ص: ٨. ٢ الأسماء والصفات ص: ٢٤٨.
[ ٢٧٠ ]
أمر وراءه وهو أن ذلك القرآن الحقيقي ماذا هو؟ فنحن نقول إنه المعنى القائم بالنفس والخصم يقول: إنه حروف وأصوات أوجدها الله تعالى، وعند وجودها انعدمت وانقضت، وأن ما أتى به الرسول، وما نتلوه نحن ليس هو ذلك وإنما هو مثال له، على نحو قراءتنا لشعر المتنبي، وامرئ القيس، فإنه ليس ما يجري على ألسنتنا هو كلام امرئ القيس، وإنما هو مثله"١.
ومعنى هذا أن الكلام الذي بين أيدينا يطلق عليه قرآنًا من باب تسمية الدلالات باسم المدلولات وإلا فإن القرآن الحقيقي قائم بذات الله تعالى لا ينفك عنه أزلًا وأبدًا. وهذا هو مذهب البيهقي كما يفهم من كلامه الذي أوردته في صدر هذا المبحث وفي المباحث السابقة.
أما السلف فإنهم يرون أن هذا القرآن الذي بين أيدينا هو كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه، وهو صفة من صفاته لأنه كلام الله تعالى وكلامه سبحانه قديم النوع حادث الآحاد فالله تعالى تكلم به، وأسمعه الملك فنزل به على نبينا محمد ﷺ، والكلام لمن قاله مبتدءا، لا لمن قاله مبلغًا، وهو عند السلف صفة ذات ملازمة لذات الله تعالى لم تخل منها في وقت من الأوقات، وهي صفة فعل أيضًا، لأنه متكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت، كما ورد ذلك في النصوص الصريحة.
وهكذا فقد كان رأي السلف جامعًا لما عند الفريقين من حق فخرجوا برأي واضح الموافقة لصريح المعقول، وصحيح المنقول. فالخلاف
_________________
(١) ١ غاية المرام في علم الكلام للآمدي ص: ١٠٧، وانظر: الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص: ١٤٩.
[ ٢٧١ ]
بين البيهقي وأصحابه من جانب وبين السلف من جانب آخر ينحصر - هنا - في حقيقة الكلام ما هو؟ وإلا فالكل يقول إن القرآن الحقيقي غير مخلوق، وإنما قال الأشاعرة بخلق القرآن المنزل على محمّد ﷺ، لأنهم يقولون إنه ليس هو القرآن الحقيقي، وإنما هو عبارة عنه ودلالات عليه، أما القرآن الحقيقي فهو نفسي قديم وهو غير مخلوق، وهذا رأي واضح البطلان - كما تقدم عند الكلام على المبحث الخاص بحقيقة الكلام.
[ ٢٧٢ ]
الفصل السادس: الصفات الخبرية
تمهيد:
تسمى هذه الصفات خبرية، لأن طريق إثباتها لله تعالى الخبر الصادق الذي جاء به الكتاب، أو السنة الصحيحة، أما العقول فليس لها دور في إثإت هذه الصفات سوى التصديق بها بعد ثبوتها بطريق الوحي.
وقد وردت نصوص قرآنية بإثبات بعض الصفات، ثم جاءت السنة الصحيحة بإثبات ما أثبته القرآن الكريم، وبإثبات صفات أخرى لم يتعرض القرآن الكريم لها، إلا أن الكل وحي فيجب علينا إثبات ذلك كله لأن الرسول ﷺ أوتي القرآن ومثله معه فهو لا ينطق عن الهوى.
وهذه الصفات الخبرية كسالفتها قسمان:
(أ) ذاتيّة.
(ب) فعليّة.
فالذاتيّة منها: كالوجه، واليدين، والعين، والقدم، والنفس والإصبع، والساق، وغير ذلك.
والفعليّة: مثل النزول، والاستواء، والإتيان، والمجيء، والمحبة، والرضا، والغضب، والضحك، وغيرها.
والناس فيها فريقان:
(أ) فريق المثبتين.
(ب) فريق النفاة.
كما هو الحال في الصفات العقلية السالفة.
[ ٢٧٥ ]
(أ) أما المثبتون فقسمان:
أحدهما: يجرون هذه الصفات على ظاهرها، ولكن دون تمييز بين صفات الخالق وصفات المخلوق، فهؤلاء طائفة المشبهة، وهم أصناف شتى وقد ذكر أهل العلم مقالاتهم تفصيلًا، مثل الشيخ عبد القاهر البغدادي، وأبي الحسن الأشعري، وغيرهما.
وأشهر هؤلاء المشبهة الهاشمية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي وأصحاب هشام بن سالم الجواليقي١. وداود الجواربي، ومقاتل بن سليمان٢.
ومن هذه الطائفة أيضًا الكرامية، أصحاب أبي عبد الله محمّد بن كرام السجستاني، الذين غالوا في الإثبات إلى حد التجسيم.
وأول من أظهر عقيدة التشبيه طائفة من الرافضة تسمى السبئية أتباع عبد الله بن سبأ، اليهودي الذي أظهر الإسلام، من أجل الكيد لأهله، مع بقائه على يهوديته إذ إن هذه الفرقة الضالة ألهّت عليًا ﵁، وشبهوه بذات الإله الحق، فلما أحرق قومًا منهم لهذا السبب قالوا له: الآن علمنا أنك إله، لأن النار لا يعذب بها إلا الله كما ذكر ذلك عنهم البغدادي٣.
_________________
(١) ١ انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري١/١٠٦-١٠٩. ٢ المصدر نفسه ص: ٢٨٣. ٣ الفرق بين الفرق، ص: ٢٣٣، تحقيق محمّد عبد الحميد.
[ ٢٧٦ ]
وثانيهما: يجرون هذه الصفات على ظاهرها أيضًا فيثبتونها على حقيقتها لله ﷾ كما أثبتوا غيرها من الصفات، إلا أنهم يجرونها على ظاهرها اللائق بجلال الله، فلا يشبهونه بخلقه لأنهم يثبتون لله تعالى ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، إثباتًا لا تمثيل فيه، ولا تشبيه وينزهونه عن مشابهة خلقه تنزيهًا بريئًا عن التعطيل، فاتخذوا طريقًا وسطًا بين المؤولة المعطلة والمشبهة المجسمة، وهؤلاء هم السلف، الذين اتبعوا طريق الوحي من كتاب وسنة، إثباتًا ونفيًا، فالإثبات طريقهم لأنه الذي صرح به الوحي، والتنزيه كذلك، لأنه ملازم لذلك الإثبات، عملًا بقوله تعالى في جانب التنزيه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله في تمام الآية عن جانب الإثبات: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ وقوله سبحانه في جانب التنزيه أيضًا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ ٢ وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٣ فكان إثباتهم للصفات عملًا بآيات الإثبات، كما كان تنزيههم له سبحانه عملًا بآيات التنزيه.
وبذلك وفق أهل السنة للعمل بجميع النصوص الواردة في الصفات، نفيًا وإثباتًا، فأصابوا الحق والسداد.
وسيأتي عند الكلام عن مذهب البيهقي في هذه الصفات زيادة إيضاح لمذهب السلف إن شاء الله.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ١١. ٢ سورة مريم آية: ٦٥. ٣ سورة الإخلاص آية: ٤.
[ ٢٧٧ ]
(ب) فريق النفاة:
ويتمثل هؤلاء في الجهمية والمعتزلة، وبعضه الأشاعرة.
١ - الجهمية:
وقد تقدم القول عنهم بأنهم قد نفوا جميع الصفات العقلية منها والخبرية، بحجّة أن في إثباتها تشبيهًا لله بخلقه، فلم يروا حلًا لذلك إلا النفي المحض، وهذه الفرقة - كما هو ظاهر من أمرها - هي أكثر الفرق تطرفًا في باب القول في الصفات.
٢ - المعتزلة:
ويذهب هؤلاء إلى نفي الصفات الخبرية، وتأويل النصوص الواردة بها، لأنهم يرون أن الأدلة التي ثبتت بها وهي النصوص الشرعية من كتاب وسنة، يرون هذه الأدلة أدلة ظنية، وما لم يقم عليها دليل عقلي - الذي هو الدليل القطعي عندهم - فلا يجوز إثباتها، ويرون أيضًا أن تلك الأدلة الظنية - في زعمهم - معارضة بالدليل القطعي وهو دليل العقل القائم على أن الله ليس جسمًا، وإثباتها يرونه تجسيمًا، لذلك أولوا الاستواء بالاستيلاء، والعين بالعلم، والوجه بالذات، واليد بالقوة والجنب بالطاعة والساق بالشدة، إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة التي طرحوها لأمثال هذه الصفات١.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص:٢٢٦-٢٢٩، والمختصر في أصول الدين للقاضي عبد الجبّار أيضًا، ضمن رسائل العدل والتوحيد١/١٨٥-١٩٠.
[ ٢٧٨ ]
٣ - الأشاعرة:
وبالرغم من اتفاق هؤلاء على إثبات الصفات العقلية، كما عرفنا ذلك في الفصل السابق إلا أنهم يختلفون في إثبات الصفات الخبرية.
فالمتأخرون منهم: كأبي المعالي الجويني، والغزالي والرازي لا يثبتونها، ويؤولون ما ورد فيها من آيات وأحاديث صحيحة لأمرين هما عين السبب الذي دفع المعتزلة إلى نفيها.
الأول منهما: أن إثباتها يقتضي تشبيه الله تعالى بخلقه ويؤدي إلى التجسيم.
وثانيهما: أن الأدلة عليها ظنية، لأنها تتمثل في مجرد ظواهر شرعية، وهذه معارضة عندهم بما يعتبرونه أدلة قطعية وهي الأدلة العقلية. وبناء على هذا اختلفت نظرتهم حيال الأدلة الشرعية الدالة على الصفات الخبرية على رأيين:
الأوّل: تفويض العلم بمعانيها إلى الله جل شأنه.
الثاني: أو تأويل تلك النصوص، بصرفها عن ظواهرها إلى معان تليق بالله تعالى حسب زعمهم.
وفي بيان هذين المسلكين يقول سعد الدين التفتازاني:
" أما ظواهر الشرع فكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ١، و﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ ٢. و﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ ﴿وَيَبْقَى
_________________
(١) ١ سورة الفجر آية: ٢٢. ٢ سورة البقرة آية: ٢١٠. ٣ سورة طه آية: ٥.
[ ٢٧٩ ]
وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ١. و﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٢، و﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ٣ إلى غير ذلك.
وكقوله ﵇ للجارية الخرساء: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء، فلم ينكر عليها، وحكم بإسلامها" إلى أن قال:
والجواب: أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى، مع عتقاد حقيقتها جريًا على الطريق الأسلم، الموافق للوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٤، أو تؤول تأويلات مناسبة، موافقة لما عليه، الأدلة العقلية، على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح إلأحاديث سلوكًا للطريق الأحكم الموافق للعطف في: ﴿إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ٥.
ويبدو من هذا أن علماء الأشاعرة لم يتفقوا على تأويل نصوص الصفات الخبوية، بل منهم من ذهب إلى القول بالتفويض فيها، كما أن منهم من انتهى في آخو أمره إلى الرجوع إلى مذهب السلف، وهو الإثبات كما ذكر ذلك ابن القيم وابن تيمية عن الجويني إمام الحرمين"٦.
_________________
(١) ١ سورة الرحمن آية: ٢٧. ٢ سورة طه آية: ٣٩. ٣ سورة ص آية: ٧٥. ٤ سورة آل عمران آية: ٧. ٥ شرح المقاصد للتفتازاني٢/٦٧. ٦ انظر: مدارج السالكين لابن القيم٤/٣١١، والحمويّة الكبرى لابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى٥/١٠٠.
[ ٢٨٠ ]
هذا عن مذهب المتأخرين من الأشاعرة.
أما المتقدمون: مثل رئيسهم أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري الذي ينتسبون إليه، ويدعون أنهم على مذهبه وأبي بكر الباقلاني، فإنهم يثبتون الصفات الخبرية من الاستواء، والوجه واليدين، وغيرها مما وصف الله تعالى به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ في السنة الصحيحة الصريحة. كما ذكر ذلك في كتاب الإبانة حيث قال:
" قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربنا ﷿، وسنة نبينا ﷺ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، عند ظهور الضلال، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدعة المبتدعات
وجملة قولنا إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وإن له عينًا بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ١ "
إلى آخر ما ذكره في كتاب الإبانة مما يتفق مع مذهب السلف. وقد ذكر مثل هذا في كتابه مقالات الإسلاميين٢.
_________________
(١) ١ أبو الحسن الأشعري، الإبانة عن أصول الدين ص: ٨، ٩. ٢ ١/٣٤٥.
[ ٢٨١ ]
وأما الباقلاني، أبو بكر محمّد بن الطيب، الذي وصفه ابن تيمية ﵀ بأنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله، لا قبله، ولا بعده١. فإنه ذكر في كتاب التمهيد أنه يثبت جميع الصفات الذاتية والفعلية العقلية والخبرية٢.
وقد نقل عنه ابن تيمية وابن القيم من كتاب الإبانة له مايشبه كلامه في التمهيد، وذكر ابن القيم عنه ما كتبه في "رسالة الحيرة" مما يطابق كلامه في كتابيه التمهيد والإبانة٣.
وبعد عرضنا للآراء حول الصفات الخبرية، ننتقل إلى عرض رأي البيهقي فيها، حتى يمكننا أن نقف على حقيقة موقفه منها، وإلى أي هذه المذاهب انتهى.
ولنبدأ أولًا ببيان مذهبه في صفات الذات الخبرية الذي يمثل المبحث الأول من هذا الفصل.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٥/٩٨. ٢ راجع كتاب التميهيد للباقلاني ص:٢٥٨، وما بعدها طبع المكتبة الشرقية ببيروت ١٩٥٧م. ٣ ابن تيمية، مجموع الفتاوى٥/٩٨، ٩٩، وابن القيم، اجتماع الجيوش الإسلامية، ص: ٢١٢، ٢١٣، طبع مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.
[ ٢٨٢ ]
المبحث الأوّل: صفات الذات الخبريّة
لقد تناول البيهقي - ﵀ - هذه الصفات بالكلام على كل صفة منها تفصيلًا، حيث عقد لكلّ واحدة منها بابًا خاصًا بها، أورد فيه ما أمكنه جمعه من النصوص الواردة بذكرها، مبينًا وجهة نظره في تلك النصوص، وهل هي تدل على إثبات تلك الصفة على ظاهرها المتبادر منها أم أن المقصود بها معنى آخر غير الظاهر، فقد نهج عند كلامه على هذه الصفات منهجين:
أحدهما: منهج الإثبات.
وثانيهما: منهج التأويل.
ويتجلّى رأيه في ترجمته للصفة، حيث يفرق فيها بين ما يرى إثباته وما يرى تأويله.
فما أثبته منها يترجم له بقوله: "باب ما جاء في إثبات كذا" كما فعل في صفة الوجه، واليدين، والعين. أما ما يرى تأويله فيترجم له بقوله: "باب ما جاء في كذا، أو في ذكر كذا"، وهو ما فعله في بقية الصفات. وقد سبق أن أشرت إلى هذه الطريقة عند الكلام على منهجه وذلك في الباب الأوّل من هذا البحث.
ومن أجل بيان التفريق بين النظريتين سيكون الحديث فيما يأتي عن الصفات التي أثبتها أولًا، ثم أورد أمثلة الصفات التي اختار فيها القول بالتأويل.
[ ٢٨٣ ]
صفة الوجه
هذه الصفة هي إحدى الصفات الخبرية التي أثبتها البيهقي - ﵀ - فقد عقد لها بابًا ترجم له بقوله: "باب ماجاء في إثبات الوجه صفة لا من حيث الصورة لورود خبر الصادق به"١.
وقد كان إثباته لهذه الصفة إثباتًا حقيقيًا، على وجه يليق بجلال الله وعظمته. وكانت أدلته لإثبات هذه الصفة شرعية بحتة، نظرًا لكونها من الصفات التي لا تثبت إلاّ بالسمع، فأورد كثيرًا من الآيات والأحاديث الناطقة صراحة بإثباتها.
فمما أورده من آيات قرآنية قوله تعالى:
﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢.
وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ٣.
وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ٤.
إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ذكر الوجه صفة لله تعالى.
أما من السنة فاستدل بأحاديث كثيرة، نورد هنا بعضًا منها.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٠١. ٢ سورة الرحمن آية: ٢٧. ٣ سورة القصص آية: ٨٨. ٤ سورة الروم آية: ٣٩.
[ ٢٨٤ ]
فمنها: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ١ قال: "هاتان أهون وأيسر" ٢.
وحديث أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن" ٣.
وهذا الحديث كما أثبت به البيهقي - ﵀ - صفة الوجه لله ﵎، فقد أثبت به صفة الكبرياء أيضًا، حيث قال بعد إيراده لإثبات صفة الوجه: قوله "رداء الكبرياء" يريد به صفة الكبرياء، فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه بعد رؤية يوم القيامة حتى يأذن لهم بدخول جنة عدن، فإذا دخلوها أراد أن يروه فيروه في جنة عدن٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ٦٥. ٢ الأسماء والصفات ص: ٣٠١-٣٠٢، ورواه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه، انظر: صحيح البخاري مع شرحه، فتح الباري حديث رقم:٧٤٠٦،١٣/٣٨٨. ٣ الأسماء والصفات ص: ٣٠٢. والحديث رواه متفق عليه. انظر: صحيح البخاري كتاب التوحيد، حديث رقم: ٧٤٤٤،١٣/٤٢٣، وصحيح مسلم رقم: ٢٩٦ «إيمان» ١/١٦٣. ٤ الأسماء والصفات ص: ٣٠٢.
[ ٢٨٥ ]
والأحاديث التي أوردها البيهقي في هذا الباب كثيرة، إلا أننا نكتفي بهذين الحديثين، إذ القصد التمثيل لأدلته لا استقصاؤها.
وهذه نصوص صريحة صحيحة من السنة النبوية المطهرة وذكرت قبلها آيات من كتاب الله، فالكل تضافر على إثبات هذه الصفة لله سبحانه، مع أنه لو لم يرد في ذلك إلا آية واحدة، أو حديث صحيح واحد لكان فيه غنية كيف وقد وردت الأدلة بهذه الكثرة من الكتاب والسنة جميعًا.
وقد سبق البيهقي إلى هذا الرأي أستاذه ابن فورك حيث قال وهو بصدد الكلام عن صفة الوجه: "وذلك من الصفات التي لا سبيل إلى إثباتها إلاّ جهة النقل.. وذهب أصحابنا إلى أن الله ﷿ ذو وجه، وأن الوجه صفة من الصفات القائمة به والمقصود بالوجه إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد"١.
وهذا هو مذهب الأشعري أيضًا حيث قال: "من سألنا فقال أتقولون إن لله سبحانه وجهًا؟ قيل له: نقول ذلك خلافًا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله ﷿: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢.
وهذا الرأي الذي ارتضاه البيهقي وسبقه إليه الأشعري، وابن فورك مخالف لرأي أصحابه الأشاعرة في هذه القضية، فإنه وإن وجد من متقدمي الأشاعرة ومتأخريهم من أثبتها، فإن معظم متأخريهم ذهبوا إلى تأويلها بالذات.
_________________
(١) ١ مشكل الحديث ص: ١٣١-١٣٢. ٢ الإبانة ص: ٣٥.
[ ٢٨٦ ]
يقول البغدادي: "والصحيح عندنا أن وجهه ذاته". ويفسّر قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وبأن معناه: ويبقى ربك.
وقال الآمدي: "المعنى بالوجه الذات، ومجموع الصفات، وحمله عليه أولى"١.
وذهبت المعتزلة إلى مثل ذلك، فأبو الهذيل العلاف يرى أن لله وجهًا هو هو، كما ذهب النظام إلى أن ذكر الله تعالى للوجه على سبيل التوسع، لا أن ذلك يعني إثبات صفة، وإنما المقصود بالوجه الذات، فيكون معنى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ويبقى ربك٢.
وممن ذهب إلى تأويل الوجه بالذات الشيخ أبو الفرج بن الجوزي من الحنابلة، وذلك في كتابه: "دفع شبه التشبيه"، حيث أكد في هذا الكتاب بأن المراد بالوجه الذات، لأنه لو كان المراد به صفة زائدة على الذات لكان المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ أن ذاته تهلك إلا وجهه٣.
وقد فسّر قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ في كتابه زاد المسير بأن المراد: ويقى ربك٤.
وقد زعم أن هذا هو مذهب الإمام أحمد، وأن لا أحد يعرف مذهبه سواه. إلا أن إثباته لصفة الوجه في مجالسه على الطريقة التي أثبته بها
_________________
(١) ١ غاية المرام ص: ١٤٠. ٢ مقالات الإسلاميين للأشعري١/٢٤٥-٢٤٨. ٣ دفع التشبيه ص: ٣١، تحقيق محمّد زاهد الكوثري. ٤ زاد المسير٨/١١٤، طبع المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، ١٣٨٢؟.
[ ٢٨٧ ]
السلف، حيث قال رادًا على المعتزلة في تأويلهم لهذه الصفة: " وقول المعتزلة إنه أراد بالوجه الذات فباطل لأنه أضافه إلى نفسه، والمضاف ليس كالمضاف إليه، لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه.."١.
وتفويضه لهذه الصفة وغيرها من الصفات الخبرية في كتابه تلبيس إبليس، حيث قال بعد أن أورد تفسير الآيات الواردة في الصفات: " والذي أراه السكوت عن هذا التفسير أيضًا، إلا أنه يجوز أن يكون مرادًا"٢.
ذلك كلّه أكبر شاهد على اضطرابه في قضية الصفات، وجهله بمذهب الإمام أحمد، فلا يكون حجة على مذهب الحنابلة، ولا ناطقًا أمينًا بآرائهم، ﵀، وغفر لنا وله ولجميع المسلمين.
وقد أوضح البيهقي - ﵀ - كيف أن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ صريحة في إثبات صفة الوجه، صراحة لا تدع مجالًا لمتأول. لأن الله ﵎ أضاف الوجه إلى الذات، ثم وجه النعت إلى الوجه. ولو كان الأمر كما قال هؤلاء المؤولون من أن الوجه هو الذات فيكون صلة لا صفة لقال بعد ذلك ﴿ذُو الْجَلالِ ﴾ إلا أن رفعه لكلمة "ذو" يدل على أنه نعت للوجه وأن الوجه صفة لله ﵎: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ فأضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعت إلى الوجه، فقال ﴿ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾
_________________
(١) ١ مجالس ابن الجوزي ص: ٢-٣، مخطوط مصوّر بمعهد المخطوطات، التابع لجامعة الدول العربية، القاهرة، رقم: ٢١٦ تفسير. ٢ تلبيس إبليس لابن الجوزي ص: ٩٦.
[ ٢٨٨ ]
ولو كان ذكر الوجه صلة، ولم يكن للذات صفة لقال "ذي الجلال والإكرام" فلما قال: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ علمنا أنه نعت للوجه، وهو صفة للذات١.
ولا ريب أن ما ذكره البيهقي - ﵀ - عن صفة الوجه هو بعينه مذهب السلف رضوان الله عليهم، كما قال الإمام ابن خزيمة: "نحن نقول - وعلماؤنا جميعًا في الأقطار - أن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء، والبهاء ما لو كشف حجابه لاحترقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عنه أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشرما دام في الدنيا الفانية، ونقول: إن وجه ربنا القديم لم يزل بالباقي الذي لا يزال فنفى عنه الهلاك والفناء"٢.
كما ذكر ابن خزيمة - ﵀ - في كلامه عن وجهة الاستدلال بالآية ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ عين ما ذكره البيهقي٣.
كما ذكر أن النعت في الآية للوجه الإمام ابن كثير، حيث قال: "وقد نعت تعالى وجهه الكريم بأنه ذو الجلال والإكرام" أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف٤.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٢٩. ٢ ابن خزيمة، محمّد بن إسحاق، كتاب التوحيد ص: ٢٢، ٢٣. ٣ المصدر نفسه ص: ٢٢. ٤ تفسير القرآن العظيم لابن كثير٤/٢٧٣.
[ ٢٨٩ ]
كما ذكر - ﵀ - أن جميع الآيات الوارد فيها ذكر الوجه لله تعالى إنما هو دليل على ثبوته صفة له، كالآية السابقة سواء١.
وبهذا المبدأ أخذ البيهقي - ﵀ - إلا أنه يرى أن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ ليست من ذلك النوع، لأن معنى الوجه فيها ليس هو الصفة، بل يرى أن له معنى آخر. فأما أن يكون معنى الوجه في هذه الآية الجهة كما رواه عن الشافعي، أو القبلة كما هو رأي مجاهد. فأما أن يكون معناه الوجه الذي هو صفة الله فلا.
فقد قال ﵀ بعد سوقه للأدلة التي أثبت بها الصفة: "وأما قوله: ﷿ ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ فقد حكى المزني عن الشافعي ﵁ أنه قال في هذه الآية يعني - والله أعلم - فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه"٢.
كما ذكر بسنده عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية:"قبلة الله، فأينما كنت في شرق أو غرب فلا توجهن إلا إليها"٣.
وإنما أشار - ﵀ - بذلك إلى أن هذه الآية ليست من آيات الصفات، لذلك ينبغي تفسيرها على أحد الرأيين السالفين، وهو تفسير لم يبتدعه البيهقي، بل رواه عن إمامين جليلين من أئمة السلف.
ولكن، هل ما رواه عن هذين الإمامين الشافعي ومجاهد من أن الوجه المذكور في هذه الآية، ليس هو الوجه الذي يراد به الصفة وبه
_________________
(١) ١ المصدر نفسه. ٢ الأسماء والصفات ص: ٣٠٩. ٣ المصدر نفسه. وانظر: هذا التفسير عن مجاهد وقتادة في جامع البيان للطبري محمّد ابن جرير١/٥٠٦.
[ ٢٩٠ ]
تخرج هذه الآية عن أن تكون من آيات الصفات التي لا يجوز تأويلها هل ذلك متفق عليه بين السلف جميعًا؟.
الواقع أن ذلك ليس محل اتفاق، بل للسلف في المسألة رأيان:
أحدهما: يمثّل الاتجاه السابق في تفسير الآية، لأنه في نظرهم لا يعد خروجًا عن المنهج السلفي في آيات الصفات، إذ إن هذه الآية ليست منها.
والآخر: يرى أن من الأولى أن نسلك بهذه الآية مسلك بقية الآيات الواردة في الصفات، سدًا لذريعة التأويل الذي جنى جناية عظمى على العقيدة الإسلامية، وإليك زيادة إيضاح للرأيين:
الرأي الأول:
وهو ما يمثله القول بأن هذه الآية ليست من آيات الصفات، يقول بأن سياق الآية يدل على أن المراد بالوجه فيها الجهة، أو القبلة وهما معنيان متقاربان، لأن القبلة جهة - وهذا هو الرأي الذي سبق أن ذكرت أن البيهقي ارتضاه ورواه عن مجاهد والشافعي. وهو ما ذهب إلى القول به شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - إذ ذكر أن بعض الناس قد اتهم السلف بتأويل صفة الوجه محتجين بما رواه البيهقي هنا في معنى الآية، مبينًا أنه التفسير الصحيح الذي يتفق مع سياقها وأنه إطلاق جائز في اللغة.
يقول - ﵀ -: " أحضر بعض أكابرهم كتاب الأسماء والصفات للبيهقي - رحمه الله تعالى - فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف. فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا
[ ٢٩١ ]
فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ فقال: نعم، قد قال مجاهد والشافعي يعني قبلة الله، فقلت نعم. هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما وهذا حق، وليست هذه الآية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط، كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريد؟ أي: أي جهة، وأنا أريد هذا الوجه، أي هذه الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ أي تستقبلوا وتتوجهوا"١.
وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره عنه ابن أبي حاتم واختيار الإمام الشوكاني٢.
كالرأي الثاني:
وهو القائل بأن هذه الآية من آيات الصفات بها ثبتت صفة الوجه لله تعالى، شأنها في ذلك شأن سائر الآيات الواردة فيها ذكر الوجه، وممن انتصر لهذا الرأي الشيخ ابن قيم الجوزية، الذي أثبت الوجه صفة حقيقية لله ﵎ بستة وعشرين دليلًا.
فقد ذكر﵀ - أنه وإن وجد من السلف من فسر الوجه في هذه الآية دون غيرها بأنه قبلة الله، فإنهم لم يقولوا ذلك إلاّ في هذا الموضع فقط، وعلى فرض صحة ذلك فإنه لا يجوز أن يقال في غيره. مع
_________________
(١) ١ ابن تيمية مجموع الفتاوى٣/١٩٣، وتفسير ابن تيمية ص: ٨١، وجمع إقبال محمّد الأعظمي. ٢ انظر: فتح القدير١/١٣١.
[ ٢٩٢ ]
أن الصحيح أن القول في هذه الآية ينبغي أن يكون مثل القول في غيرها من الآيات المثبتة للصفات.
يقوله﵀ -: " على أن الصحيح في قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه، فإنه قد اطرد مجيئه في الكتاب والسنة مضافًا إلى الربّ سبحانه على طريقة واحدة ومعنى واحد، فليست فيه معنيان مختلفان في جميع المواضبع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله: ﴿فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ هذا لا يتعين حمله على القبلة أو الجهة، ولا يمتنع أن يراد يه وجه الرب حقيقة"١.
ثم استدل على صحة ما رآه بأدلة كثيرة، منها:
١ - أنه لا يعرف إطلاق وجه الله على القبلة لغة، ولا شرعًا، ولا عرفًا بل القبلة لها اسم يخصها، والوجه له اسم يخصه، فلا يدخل أحدهما على الآخر ولا يستعار اسمه له.
٢ - أن الآية صريحة في أنه أينما ولى العبد من حضر أو سفر، في صلاة أو غير صلاة فثم وجه الله وذلك أن الآية لا تعرض فيها للقبلة ولا لحكم الاستقبال بل سياقها لمعنى آخر وهو بيان عظمة الرب تعالى، وسعته، وأنه أكبر من كل شيء، وأعظم منه وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي، فذكر في أوّل الآية إحاطة ملكه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ فنبهنا بذلك على ملكه لما بينهما ثم ذكر عظمته سبحانه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فأينما ولى العبد وجهه فثم وجه الله، ثم ختم باسمين دالين على العظمة والإحاطة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فذكر
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم٢/١٨٠١٨١.
[ ٢٩٣ ]
اسمه الواسع عقيب قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ كالتفسير والبيان والتقرير له.
٣ - أنك إذا تأملت الأحاديث الصحيحة وجدتها مفسرة للآية مشتقة منها كقوله ﷺ "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه" وقوله: "فإنه يقبل عليه بوجهه مالم يصرف وجهه عنه" وقوله: "فإن الله بينه وبين القبلة" وقوله: "إن الله يأمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته مالم يلتفت" رواه ابن حبان في صحيحه والترمذي. وقال: "إن العبد إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام إلى الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف أو يحدث حدث سوء" ١.
وهكذا رجح ابن القيم أن يكون الوجه المذكور في الآية الكريمة: ﴿فَثَمَّ وَجْه الْلَّهِ﴾ بمعنى وجه الرحمن، وقد سبقه إلى ذلك إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة٢.
ومع احترامي لما ذهب إليه البيهقي ومن معه، أقول: "إن ما ذهب إليه ابن القيم هو الرأي الأصح. إذ إن كل آية في كتاب الله تعالى، وكلّ حديث في سنة رسول الله ﷺ ورد بذكر صفة من صفات الله سبحانه فإن الإثبات هو الغرض من ذلك الإيراد، وما وقع فيه المؤولون من تعطيل لا ينبغي أن نسنده بالقول في بعض الآيات بما يجعلهم ينسبون التأويل إلى السلف، الذين هم منه براء.
_________________
(١) ١ انظر هذا الأدلة وغيرها في: مختصر الصواعق المرسلة٢/١٨٠-١٨٨. ٢ كتاب التوحيد ص: ١٦.
[ ٢٩٤ ]
ثم إن الأدلة التي ذكرها ابن القيم مقنعة، ولا يلزم من ذلك الإثبات أن يشابه رأي السلف فيه رأي الحلولية القائلين بأن الله بذاته في كل مكان، لأن السلف - ﵏ - يثبتون الفوقية والاستواء لله تعالى، ويقولون إنه سبحانه بذاته مستو على عرشه بائن من خلقه، ولذلك قالوا عن المعية: إنها ليست بالذات بل بالعلم، ولا تأويل لأنه معنى حقيقي، ومعية حقيقية فإنه - كما قال ابن القيم - مع دلالة العقل والفطرة وجميع الكتب السماوية على أن الله عال على خلقه فوق جميع المخلوقات هو مستو على عرشه، وعرشه فوق السموات كلّها، فهو سبحانه محيط بالعالم كله، فأينما ولى العبد فإن الله مستقبله.
بل هذا شأن مخلوقه المحيط بما دونه فإن كل خط يخرج من المركز إلى المحيط، وإذا كان عالي المخلوقات المحيط يستقبل سافلها المحاط به بوجهه من جميع الجهات والجوانب فكيف بشأن من هو بكل شيء محيط، وهو محيط، ولا يحاط به، كيف يمتنع أن يستقبل العبد وجهه تعالى حيث كان وأين كان"١.
إلى أن قال - ﵀ - عن هذه الآية: " فأخبر أن الجميع ملكه، وقد خلقه، وقد علم بالفطرة والشرع أن الله تعالى فوق العالم محيط بالمخلوقات، عال عليها بكل اعتبار، فمن استقبل جهة من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب أو بين ذلك فإنه متوجه إلى ربه حقيقة، والله تعالى قبل وجهه إلى أي جهة صلى، ومع ذلك فوق سمواته عال على
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة٢/١٨٥-١٨٦.
[ ٢٩٥ ]
عرشه، ولا يتوهم تنافي الأمرين بل اجتماعهما هو الواقع ولهذا عامة أهل الإثبات جعل هذه الآية من آيات الصفات، وذكرها مع نصوص الوجه مع قولهم إن الله فوق سمواته على عرشه"١.
وهكذا يتضح لنا أن هذه الآية من آيات الصفات بها ثبتت صفة الوجه كغيرها سواء بسوإء.
صفة العين
وهذه إحدى الصفات التي أثبتها البيهقي - ﵀ - لورودها بأدلة قاطعة من الكتاب والسنة.
يقوله ﵀: "باب ما جاء في إثبات العين صفة لا من حيث الحدقة"٢ ثم شرع في سوق أدلته لهذا الإثبات.
فأما من القرآن الكريم، فقد ورد ذكر العين في خمسة مواضع منه مضافة إلى الله ﵎ وقد أوردها البيهقي، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٣ وقوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤ وقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٥ وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ المصدر السابق نفسه ص: ١٨٧. ٢ الأسماء والصفات ص: ٣١٢. ٣ سورة طه آية: ٣٩. ٤ سورة الطور آية: ٤٨. ٥ سورة هود آية: ٣٧، وفي سورة المؤمنون آية: ٢٧: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ . ٦ سورة القمر آية: ١٤.
[ ٢٩٦ ]
أما من السنة: فأورد حديث نافع قال: إن عبد الله بن عمر أخبره أن المسيح ذكر بين ظهراني الناس، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ليس بأعور، إلاّ أن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأنه عينه عنبة طافية" رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل عن جويرية وقال في متنه: فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه" ١.
وحديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال ما بعث نبي إلاّ قد أنذر الدجال، ألا وأنه أعور، وأن ربكم ليس بأعور٢.
قال - ﵀ - بعد أن ساق هذا الحديث: "وفي هذا نفي نقص العور عن الله سبحانه، وإثبات العين له صفة"٣.
ومن أجل بيان أن ما ذهب إليه من أن العين الواردة في الآيات والتي تضمنت إثباتها هذه الأحاديث صفة لله تعالى استند إلى تفسير ابن عباس ﵄ لقوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال: "بعين الله ﵎"٤.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣١٢. وانظر: صحيح البخاري مع الشرح حديث رقم: ٧٤٠٧ توحيد. ٢ الأسماء والفصات ص: ٣١٣، والاعتقاد ص: ٣٠. وانظر: صحيح البخاري مع شرحه رقم: ٧٤٠٨ توحيد. ٣ الاعتقاد ص: ٣٠. ٤ الأسماء والصفات ص: ٣١٣.
[ ٢٩٧ ]
وهذا التفسير عن ابن عباس ذكره الطبري في تفسيره، ورواه عن قتادة أيضًا، وذهب هو إلى اختياره والقول به١.
ثم ذكر أن بعض أصحابه - ويعني بهم الأشاعرة - قد أولوا صفة العين الواردة في الآيات بالرؤية، وبعض آخر أولها بالحفظ والكلاءة وأنها من صفات الفعل، وأن من قال بأحد هذين التأويلين زعم أن المراد بخبر نفي نقص العور عن الله ﵎، أنه لا يجوز عليه ما يجوز على المخلوقين من الآفات والنقائص٢.
وهذا ما ذهب إليه الجويني، والبغدادي، والرازي من أساطين الأشاعرة٣. كما أولها المعتزلة بالعلم٤. وهي تأويلات فاسدة، ما أنزل الله بها من سلطان، الغرض منها الهرب من إثبات صفة العين لله ﵎، وقد رد عليهم مؤكدًا إن ما وردت به النصوص ظاهر في إثبات العين صفة لله سبحانه، لائقة بجلاله٥.
ويؤيد ما ذهب إليه البيهقي ماورد في رواية البخاري من إشارته ﷺ إلى عينه عند بيانه الصفة التي نعرف بها ربّنا سبحانه وهو كماله في صفاته، ونقصان الدجال بإصابته بالعور في عينه اليمنى. وهذا إثبات صريح لصفة العين، ورد ملجم لكل مؤول.
_________________
(١) ١ الطبري، محمّد بن جرير، جامع البيان١٢/٣٣-٣٤. ٢ الأسماء والصفات ص: ٣١٣. ٣ انظر: الإرشاد للجويني ص: ١٥٥، وأصول الدين للبغدادي ص: ١٠٩، وأساس التقديس للرازي ص: ١٢٠. ٤ شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص: ٢٢٧. ٥ الأسماء والصفات ص: ٣١٣.
[ ٢٩٨ ]
وما ادعاه ابن حجر حين قال: "ولم أر في كلام أحد من الشراح حمل هذا الحديث على معنى خطر لي، فيه إثبات التنزيه، وحسم مادة التشبيه عنه، وهو: أن الإشارة إلى عينه ﷺ إنما هي بالنسبة إلى عين الدجال فإنها كانت صحيحة مثل هذه ثم طرأ عليها العور لزيادة كذبه في دعوى الآلهية.. ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه"١.
ما ادعاه هنا من تأويل لهذا الحديث، في نظري أنه يصرف الإشارة عن مقصدها السديد وهو تحقيق اتصافه سبحانه بصفة العين حقيقة لا تأويل فيها، وليس في هذا المعنى تشبيه لأن المقصد تحقيق الوجود على ما يليق بالله ﵎.
وإثبات البيهقي - ﵀ - لهذه الصفة إثبات وجود لا تكييف فيه لا ريب أنه بعينه مذهب السلف، كما ذكره هو نفسه عن ابن عباس في تفسير الآية، وكما بينت أنه رأي قتادة واختيار الإمام الطبري، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن خزيمة حيث قال بعد أن ساق الآيات التي ذكرها البيهقي: "فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما أثبت الخالق البارىء لنفسه من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله ﵎ ما قد أثبته في محكم تنزيله"٢.
وكما يظهر من اقتصار البيهقي - ﵀ - على الألفاظ الواردة في الآيات من ذكر عين واحدة، أو أعين، وجمعه بين لفظي الإفراد والجمع بأن المراد: صفة واحدة، والجمع على معنى التعظيم٣.
_________________
(١) ١ ابن حجر، أحمد بن عليّ، فتح الباري١٣/٣٩٠. ٢ ابن خزيمة، كتاب التوحيد ص: ٤٢. ٣ الأسماء والصفات ص: ٣١٣.
[ ٢٩٩ ]
وقوله عن حديث الدجال: "إن المقصود منه نفي نقص العور عن الله سبحانه، وإثبات العين له صفة - كما سبق أن ذكرت عنه - بمعنى أن الإثبات لعين واحدة، ونفي النقص عنها لا يثبت غيرها، فيظهر من ذلك كلّه أنه لا يثبت عينين لله ﵎، بحجة أن ذلك لم يرد وهي حجة سكت عن ذكرها إلاّ أن كلامه يدل عليها.
إلاّ أن السلف يخالفونه في ذلك حيث يرون أن الأحاديث الواردة في صفة الدجال تؤكد إثبات عينين لله ﵎، فيقول الدارمي عثمان بن سعيد: "العور عند الناس ضد البصر، والأعور عندهم ضد البصير بالعينين"١.
ويقول أيضًا: ففي تأويل قول رسول الله ﷺ "إن الله ليس بأعور" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور٢.
والمعروف من منهج السلف أنهم حينما يثبتون الصفة لله ﵎ عند ورود النص بها، فإنما يثبتونها على معناها الظاهر المتبادر منها، مع نفي التشبيه والمماثلة بين صفات الله وصفات خلقه وبيانه ﷺ للعلامة التي نعرف بها الدجال حين ادعائه الألوهية، وهي وجود نقص فيه منزه ربنا سبحانه عنه، وهو أنه أعور عين اليمنى، فإن المتبادر إلى الذهن لأول مرة أن الله ﵎ له عينان خلافًا للدجال الذي عورت عينه اليمنى، والعور المعروف في اللغة هو ذهاب حس إحدى العيني٣، وإثباتنا لذلك إنما هو إثبات وجود وكمال، لا إثبات تشبيه.
_________________
(١) ١ ردّ الدارمي، عثمان بن سعيد على المريس العني، ضمن مجموعة عقائد السلف ص: ٤٠١. ٢ نفس المصدر ص: ٤٠٦. ٣ انظر القاموس المحيط ٢/٩٧، لسان العرب ٤/٦١٢.
[ ٣٠٠ ]
وممن ذهب إلى أن الله ﵎ يوصف بأن له عينين بلا كيف الإمام ابن خزيمة١ وأبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري٢ ولم يخرج المثبتون لذلك عما ورد به الشرع صراحة.
وأما ما قاله الشيخ محمّد زاهد الكوثري حيث قال: "من قال له عينان ينظر بهما فهو مشبه قائل بالجارحة"٣.
فهو كلام معهود من جميع المعطلة، إذ يتهمون كل من أثبت صفة لله ﵎ إثباتًا حقيقيًا لورود النص بتلك الصفة، بأنه مشبه، ومجسم، إلأ أن هذا اتهام باطل، ومردود على أصحابه، لأن السلف يثبتون ما أثبته الله لنفسه إثباتًا من غير تعطيل، ولا تشبيه، بل يثبتونها له على ما يليق بجلاله وعظمته، ويعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن الله لا يشبه أحدًا من خلقه، ولا يشبهه سبحانه أحد منهم، فهو واحد في أسمائه وصفاته والمشبهة ممقوتون من جانب السلف مقت المعطلة، واتهامهم بالتشبيه لا يصدر إلاّ من جاهل بمذهبهم، أو مغرض يريد التمويه والتلبيس والله المستعان.
وقد كان البيهقي - ﵀ - موفقًا فيما ذهب إليه من الإثبات على منهج السلف - ﵀.
إلأ أن ما استعمله من عبارات هنا يقصد بها نفي المشابهة بين الله وبين خلقه في حالة الإثبات من مثل قوله عن صفة الوجه: "لا من حيث الصورة" وعن صفة العين: "لا من حيث الحدقة" وعن صفة اليد: "لا
_________________
(١) ١ كتاب التوحيد ص:٤٢. ٢ مقالات الإسلاميين١/٣٤٥. ٣ انظر: تعليقه على الأسماء والصف؟ت للبيهقي ص: ٣١٣.
[ ٣٠١ ]
من حيث الجارحة" فإنها - وإن كانت صحيحة من حيث المعنى - عبارات مبتدعة لم يستعملها السلف من أجل التنزيه، فيكفي في هذا الباب أن نعلم قطعًا أن كل صفة ثابتة لله سبحانه فإنها لا تشبه صفات خلقه ولا تشبهها صفاتهم، لأن صفات الله ﵎ تليق بجلاله وعظمته وصفات خلقه تليق بضعفهم وافتقارهم، فنفصل في الإثبات، ونجمل في النفي والتنزيه، سيرًا على منهج القرآن الكريم الذي أجمل النفي المتضمن للتنزيه، في مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفصل الإثبات في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إلى غير ذلك مما ورد من التنزيه المجمل والإثبات المفصل.
بخلاف ما ابتدعه المتكلمون الذين يجملون في الإثبات ويفصلّون في النفي.
صفة اليدين
وهذه صفة ثالثة من صفات الذات الخبرية، أثبتها البيهقي - ﵀ - حيث ترجم لها بقوله: "باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة، لورود خبر الصادق به"١.
وقد أثبتها لأنه قد وردت أدلة صريحة بذلك الإثبات، لا تحتمل التأويل أبدًا.
وقد بين موقفه من النصوص الواردة بذكر هذه الصفة وهو موقف يتمثل في تقسيم تلك النصوص إلى قسمين:
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣١٤.
[ ٣٠٢ ]
أحدهما: جعله دليل ذلك الإثبات، لأن صيغة وروده يقتضي إثبات اليد الواردة فيها على أنها صفة حقيقية لله ﵎ وتأويلها يؤدي إلى أمور باطلة عقلًا وشرعًا.
ثانيهما: لا يدل صراحة على إثبات تلك الصفة لأن اليد الواردة فيه لها معان غير معنى اليد التي هي صفة لله ﵎ فيكون المقصود باليد فيها إما الملك، أو القدرة، أو الرحمة أو النعمة، أو جرى ذكرها صلة في الكلام.
فأمّا أدلة الإثبات فهي كقوله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ هذا من القرآن الكريم.
أما من السنة: فمنها حديث الشفاعة، الذي رواه أنس عن النبي ﷺ قال: "يجمع المؤمنون يوم القيامة، فيهتمون فيقولون لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون يا آدم، أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كلّ شيء، اشفع لنا إلى ربّنا حتى يريحنا من مكاننا هذا " الحديث٢.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "احتجّ آدم وموسى ﵉، فقال موسى لآم: يا آدم آنت أبونا خيبتنا
_________________
(١) ١ سورة ص آية: ٧٥. ٢ الأسماء والصفات ص: ٣١٥. والحديث متفق عليه. انظر: صحيح البخاري مع الشرح حديث رقم: ٧٤١٠، توحيد ١٣/٣٩٢، وصحيح مسلم رقم: ٣٢٢، ١/١٨٠.
[ ٣٠٣ ]
وأخرجتت من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك حب الألواح بيده، أتلومني على أمر قضاه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين عامًا؟ فقال رسول الله ﷺ: فحجّ آدم موسى فحجّ آدم موسى" ١.
وحديث عبد الله بن الحارث عن أبيه ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إن الله ﷿ خلق ثلاثة أشياء بيده خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده" ٢.
ففي تلك الآيات وهذه الأحاديث أوجب البيهقي حمل اليد على الصفة لأن حملها على غير ذلك غير سائغ، لما فيه من نفي المعنى الذي جاءت من أجله هذه النصوص، وهو الإشارة إلى اختصاص آدم عن إبليس بأن الله خلقه بيده، ومشاركة موسى ﵇ له في هذه الخاصية بأن كتب له الله ﵎ التوراة بيده، كما اختصت جنة الفردوس عن سائر الجنات بأن غرس الله بيده. فاختصت هذه الأمور عن غيرها من مخلوقات الله بأن تعلقت بتلك الصفة التي هي اليد وذلك أكبر شاهد على
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣١٨. والحديث متفق عليه أيضًا. البخاري رقم: ٧٥١٥، ٣/٤٧٧. ومسلم رقم: ٢٦٥٢، ٤/٢٠٤٢. ٢ الأسماء والفصات ص: ٣١٨. وقد قال البيهقي: "هذا مرسل، وفيه أن ثبت دلالة على أن الكتب ههنا يمعنى الخلق، وإنما أراد خلق رسوم التوراة وهي حروفها، وأمّا المكتوب فهو كلام الله ﷿ وصفة من صفات ذاته غير بائن منه، إلا أن تأويل الكتب بالخلق يأباه ظاهر الخبر، كما الشيخ محمّد صديق حسن خان في كتابه: الجوائز والصلات، ص: ١٨٤، الطبعة الهندية.
[ ٣٠٤ ]
أن اليد في تلك النصوص صفة حقيقية لله ﵎ بها خلق الله تعالى بعض مخلوقاته بدون واسطة تشريفًا لها على سائر الخلق.
وفي هذا المعنى يقول البيهقي -﵀ -:"فأما قوله ﷿: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فلا يجوز أن يحمل على الجارحة، لأن الباري ﷻ واحد، لا يجوز عليه التبعيض، ولا على القوّة والملك والنعمة والصلة، لأن الاشتراك يقع حينئذ بين وليه آدم، وعدوه إبليس، فيبطل واذكر من تفضيله عليه لبطلان معنى التخصيص، فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم، تشريفًا له، دون خلق إبليس، تعلق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة، ولا من حيث المماسة وكذلك تعلقت بما روينا في الأخبار من خط التوراة وغرس الكرامة لأهل الجنة، وغير ذلك تعلق الصفة بمقتضاها فلم يجزحملها على غيرالصفة١.
وقال في كتاب الاعتقاد: "وقال الله ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بتشديد الياء من الإضافة، وذلك تحقيق في التثنية وفي ذلك منع من حملهما على النعمة، والقدرة لأنه ليس لتخصيص التثنية في نعم الله ولا في قدرته معنى يصح، لأن نعم الله أكثر من أن تحصى ولأنه خرج مخرج التخصيص، وتفضيل آدم ﵇ على إبليس وحملهما على القدرة أو على النعمة يزيل معنى التفضيل لاشتراكهما فيها ولا يجوز حملهما على الماء والطين، لأنه لو أراد ذلك لقال: لما خلقت من يدي، كما يقال: صنعت هذا الكوز من الفضة أو من النحاس، فلما قال بيدى علمنا أن المراد بهما غير ذلك"٢.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣١٩، ٣٢٠. ٢ الاعتقاد ص: ٢٩، ٣٠.
[ ٣٠٥ ]
وهكذا يثبت البيهقي - ﵀ - اليد صفة لله ﵎ بأدلتها التي أوردها، رادًا على المؤولين، الذين يرى البيهقي - ﵀ - في رأيهم خروجًا عن المعنى الصواب، والطريق الأسلم، ويتلخص رده الذي تضمنه كلامه السابق في النقاط التالية:
١ - أن تأويل اليد بالقدرة - في هذه النصوص - يؤدي إلى إبطال الخاصية التي اختص الله ﵎ بها بعض مخلوقاته وفضلهم بها على غيرهم، وذلك لأننا إذا قلنا بأن المقصود باليد القدرة، فإن إبليس أيضًا خلقه الله بقدرته، فلا فرق حينئذ بينه وبين آدم ﵇، ولا معنى لتخصيص خلق آدم بأنه كان بيد الله.
٢ - إن التثنية في "بيديّ" تبطل القول بالتأويل أيضًا، لأن التشديد تحقيق في التثنية، وتخصيص التثنية في نعم الله وقدرته ليس له معنى يصح، لأن قدرة الله تعالى واحدة لا حدود لها، ونعمة لا تحصى كثرة، فلا يصح تأويلها بأن المراد "بقدرتي" أو "بنعمتي" لعدم جواز انحصار قدرة الله ونعمه في عدد.
٣ - أن تأويل اليدين في الآية بالماء والطين غير صحيح، لأنه لو أراد ذلك لقال "من يدي" إذ الماء والطين يكونان حينئذ ابتداء الخلق فيكون منهما. فلما قال "بيدي" علمنا أنه أراد الصفة الحقيقية التي بها كان الخلق.
وقد كان البيهقي واضحًا في رأيه القائل بإثبات اليدين صفة حقيقية لله ﵎، إلا أنه ذكر ضمن ما تقدم كلامًا أوقعه فيما فر منه حيث قال: " فلم يبق إلا أن يحملا على صفتين تعلقتا بخلق آدم تشريفًا له، دون خلق إبليس تعلق القدرة بالمقدور، لا من طريق المباشرة "١.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٢٠، وقد تقدم.
[ ٣٠٦ ]
لأن إبليس خلقه الله بقدرته لا من طريق المباشرة، بل بكلمة "كن" وآدم ﵇ خلقه الله بيده من غير واسطة تفضيلًا له على إبليس لعنه الله، وقد روى الطبري عن مجاهد، عن ابن عمر في تفسير هذه الآية قال: "خلق الله أربعة بيده: العرش، وعدن، والقلم، وآدم. ثم قال لكل شيء كن فكان"١.
وقال العلامة جمال الدين القاسمي عن خلق الله لآدم المذكور في آية: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقال: أي بنفسي من غير توسط٢.
فخلق الله ﵎ لآدم كان خلقًا مباشرًا مخالفًا لسائر مخلوقاته التي خلقها بكلمة "كن" وخلقه له سبحانه بهذه الطريقة لإبراز فضيلة آدم ﵇، وتشريفه على إبليس اللعين الذي استكبر وأبى السجود له زاعما أنه خير.
وكلام البيهقي جملة يدل على أنه يرى ذلك، ولعله إنما تحرج من التعبير عن خلق الله لآدم بالمباشرة ظانًا أن ذلك يقتضي اعتقاد حاجة الله إلى وسائط يخلق بها، أو أن ذلك يقتضي تشبيهًا وتجسميًا، إلا أن هذه النظرة كانت خاطئة لأن إثبات أن الله خلق آدم بيده مباشرة من غير واسطة، إنما كان ذلك من الله ليخص آدم بأمر، لا أنه محتاج إلى تلك المباشرة ليتم الخلق، كما أن ذلك لا يقتضي تشبيهًا ولا تجسيمًا لأن كل فعل من أفعال الله تعالى، أو صفة من صفات ذاته، إنما نثبتها له على ما يليق بجلاله وكماله، مع إيماننا العميق بأن لا أحد في خلقه يشبهه ولا يشبه أحدًا منهم بأي وجه، تعالى الله عن مشابهة خلقه علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) ١ جامع البيان للطبري٢٣/١٨٥. ٢ محاسن التأويل للقاسمي١٤/٥١٢٢.
[ ٣٠٧ ]
وأما الموقف الثاني للبيهقي تجاه النصوص الواردة بذكر اليد مضافة إلى الله سبحانه، فهو تأويلها إلى معنى آخر يدل عليه السياق في الآية أو الحديث، كالملك، أو القدرة، والرحمة، والنعمة، أو تكون صلة في الكلام وفي ذلك يقول:
"وقد روينا ذكر اليد في إخبار آخر، إلا أن سياقها يدل على أن المراد بها الملك، والرحمة، والنعمة، أو جرى ذكرها صلة في الكلام"١.
ويفرق بين هذا الموقف والذي قبله بأن ما تقدم ذكره يوجب التفضيل، والتفضيل إنما يحصل بالتخصيص، فلم يجز حملها فيه على غير الصفة، وكذلك في كل موضع جرى ذكرها على طريق التخصيص، فإنه يقتضي تعلق الصفة التي تسمى بالسمع يدًا بالكائن فيما خص بذكر ما فيه تعلق الصفة بمقتضاها ثم لا يكون في ذلك بطلان موضع تفضيل آدم ﵇ على إبليس، لأن التخصيص إذا وجد له في معنى دون إبليس لم يضر مشاركة غيره إياه في ذلك المعنى، بعد أن لم يشاركه فيه إبليس٢.
ويعني بهذا الكلام: أن كلّ نصّ من آية أو حديث جاءت بذكر اليد معلقة بكائن ما على سبيل التخصيص والتفضيل له عما سواه بأمر من الأمور فإن هذا النوع من النصوص هو الذي يوجب حمل اليد الواردة فيه على الصفة، ويكون دليل إثباتها كالنصوص السابقة.
أما ما سوى ذلك فمصيره التأويل إلى المعنى الذي يدلّ عليه السياق.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٢٠. ٢ المصدر نفسه.
[ ٣٠٨ ]
فمما جاءت فيه اليد بمعنى الملك والقدرة - في نظر البيهقي ومن حذا حذوه - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
ومما جاءت فيه اليد صلة في الكلام قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ ٢.
أما قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٣ فالمقصود به تعظيم أمر البيعة، وقوله ﷺ: "الأيدي ثلاث: يد الله هي العليا " الحديث٤. قصد به تعظيم أمر الصدقة إلى غير ذلك من الأمثلة التي أوردها البيهقي على أن المراد بها معنى آخر يدل عليه السياق غير الصفة٥. وهذا التفريق بين النصوص الواردة بذكر اليد سبقه إلى القول به شيخه ابن فورك٦.
إلا أن هذه تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، فهي - كما قال عنها الشيخ محمد صديق حسن خان - إنها تأويلات من طريق السلف بمراحل بعيدة، ولا طائل تحتها لمن يريد الله ورسوله فالواجب قصر اللفظ على مورده من دون تكييف ولا تعطيل، والتأويل نوع من بيان الكيفية عند من يعرف مدارك الشرع٧.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٧٣. ٢ سورة يس آية: ٧١. ٣ سورة الفتح آية: ١٠. ٤ أخرخه أحمد في مسنده١/٤٤٦. ٥ انظر هذه الأمثل في: الأسماء والصفات ص: ٣١٩-٣٢٢. ٦ مشكل الحديث ص: ١٦٩-١٧٠. ٧ الجوائز والصلات ص: ١٨٣.
[ ٣٠٩ ]
هكذا قال الشيخ محمد صديق وهو كلام صحيح لا غبار عليه لأن ذكر اليد مضافة إلى صاحبها تحدد المراد، فإذا ذكرت اليد أو غيرها من الصفات مضافة إلى الله ﵎ فإنها تعني الصفة الحقيقية لا محالة ولا يعترض علينا بأننا إذا اعتبرنا اليد فى قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ صفة نكون قد أثبتنا أيادي كثيرة، أو أننا قد أشركنا مع آدم في الخاصية - وهي خلق الله له بيده - سواه لأننا نقول إن بين هذه الآية وبين قوله تعالى عن خلق آدم: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فرقًا من وجهين:
أحدهما: أنه هنا أضاف الفعل إليه، وبين أنه خلقه بيديه وهناك أضاف الفعل إلى الأيدي.
الثاني: أن من لغة العرب أنهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ١ أي: يديهما، وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ٢ أي قلباكما، فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ٣.
إلا أننا نقول إن إضافة الأيدي إلى الله هنا للدلالة على الصفة الحقيقية لله ﵎، وقد قال الإمام الشوكاني في تفسير هذه الآية: "أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا شركة، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص والتفرد بالخلق كما يقول الواحد منا عملته بيدي للدلالة على تفرده بعمله"٤.
_________________
(١) ١ سورة المائدة آية: ٣٨. ٢ سورة التحريم آية: ٤. ٣ انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية٦/٣٧٠. ٤ فتح القدير للشوكاني٤/٣٨١، ٣٨٢.
[ ٣١٠ ]
فهناك إذًا رأيان واضحان للبيهقي تجاه ما جاء في اليد:
أحدهما: جعله دليلًا للإثبات لصراحته في ذلك.
والآخر: رآه لا يصلع دليلًا، لأن السياق - في نظره - لا يساعد على ذلك، الأمر الذي به فارق منهج السلف.
والمهم: أن البيهقي أثبت هذه الصفة إثباتًا حقيقيًا، وهو بذلك يوافق ما عليه السلف من ذلك الإثبات إلا أنه استدل ببعض أدلتهم لانها جميعًا، إذا اتضح مما سبق تفريقه بين النصوص الواردة في ذلك.
أما السلف فإنهم يستدلون بكل نص من آية أو حديث وردت اليد فيه مضافة إلى الله ﷾، حيث إن الإمام ابن خزيمة - وهو من أعظم أئمتهم - جعل جميع النصوص التي من هذا النوع دليلًا للإثبات سواء منها ما استدل به البيهقي وما صرفه عن المراد.
فقد قال ابن خزيمة - ﵀-: "باب ذكر إثبات اليد للخالق جل وعلا، والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله أنه خلق آدم ﵇، ثم ذكر ما استدل به البيهقي من القرآن الكريم، وزاد عليه ما لم يرض به البيهقي دليلًا، كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ وغيرهما من الآيات التي يرى البيهقي خروجها عن المقصد، وعدم دلالتها على المراد.
كما ذكر من السنة عين أدلة البيهقي، وزاد عليها ما أخرجه البيهقي عن الإمام أحمد بن حنبل١.
وتوضيح ابن عبد البرّ لمذهب السلف تعقيبًا على عبارتهم تلك يبرز حقيقة مذهبهم وزيف من ادعى من المتكلمين أن مذهبهم التفويض لأن معنى عبارتهم هو ذلك فهذا ادعاء باطل وعبارتهم بمنأى عنه.
_________________
(١) ١ الشريعة للآجري ص: ٣١٥.
[ ٣١١ ]
فجميع النصوص الواردة بإضافة اليد إلى الله فإن حقيقة اللفظ فيها، وظاهرة "يد" يستحقها الخالق كالعلم والقدرة، بل كالذات والوجود.
أما رأي البيهقي القائل بالتفريق بين النصوص الواردة في هذا الموضوع فقد وافق فيه شيخه أبا بكر بن فورك الذي سبقه بهذا التفريق١.
إلا أن البيهقي خرق تلك القاعدة التي وضعها لمعرفة النص الذي يتخذ دليلًا من غيره، خرقها بجعله قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ من أدلة الإثبات، لأنها ليست من النوع الذي جعله مناط الاستدلال، فإن اليد الواردة في الآية لم تأت معلقة بكائن على سبيل التخصيص، الأمر الذي يوقع البيهقي في تناقض كان باستطاعته عدم الوقوع فيه لو سلك منهج السلف القائل بدلالة جميع النصوص - الوارد فيها ذكر اليد مضافة إلى الله - على إثبات هذه الصفة.
وهناك رأي ثالث للأشاعرة - وهو القول بتأويل اليد الواردة في جميع المواضع، كما هو رأي الجويني، والرازي والبغدادي والآمدي وغيرهم٢. وكل موضع له تأويل بحسبه.
أما المعتزلة فمنهم من جعل اليد كناية عن النعمة، أو عن القادرية عند من يثبت الأحوال منهم٣.
_________________
(١) ١ مشكل الحديث ص: ١٩٢ وما بعدها. ٢ العقيدة النظامية ص: ٢٥، وأساس التقديس ص: ١٢٥، وغاية المرام ص: ١٣٩، أصول الدين ص: ٧٥، و١١٠. ٣ أصول الدين ص: ١١١.
[ ٣١٢ ]
وجميع هذه التأويلات التي ذهب إليها الأشاعرة في بعض النصوص عند قوم، وفي جميعها عند آخرين منهم، على اختلاف في التأويل حسب ما يقتضيه السياق - في نظرهم - وكذلك تأويل المعتزلة جميعها فاسدة فسادًا واضحًا.
أما القائلون بالتأويل مطلقًا، فقد بين البيهقي فساد رأيهم - كما تقدم - وأما من قال بتأويل البعض - ومنهم البيهقي - فإن أمرهم أهون، إذ المهم أنهم أثبتوا الصفة إثباتًا قاطعًا، وردّوا على من أولها في جميع الأحوال.
أما رأيهم الآخر فوجهة نظر خاطئة، خالفوا بها ما أجمع عليه السلف من حمل اليد على الحقيقة في جميع مواردها، لصراحة الأدلة على ذلك.
وإذا كان البيهقي قد أثبت صفة الوجه والعين واليد، إثباتًا حقيقيًا، فهل هذا المسلك هو ما نهجه في بقية صفات الذات الخبرية أم أنه اتخذ طريقًا أخرى؟
الواقع أن البيهقي لم يثبت بقية الصفات، بل مال فيها إلى التأويل، وفيما يلي نأخذ أمثلة منها لنتبين منهج البيهقي فيها بعد أن عرفنا ما أثبته منها.
اليمين والكف:
وإذا كان البيهقي - رحمه إلله - قد أثبت اليدين صفة لله ﵎، مستدلًا ببعض ما ورد في ذلك من نصوص، فإن ثمة نصوصًا أخرى وردت بذكر اليمين والكف، سردها البيهقي في باب مستقل عنون له بقوله: "باب ما ذكر في اليمين والكف"١.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٢٣.
[ ٣١٣ ]
فمن النصوص التي ذكرها تحت هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ، لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ٢.
وحديث أبي هريرة ﷺ، عن النبي ﷺ قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" ٣.
وحديث ابن عمررضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" ٤.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم ينقصه مما في يمينه قال: وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض" ٥.
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٦٧. ٢ سورة الحاقة آية: ٤٦. ٣ رواه البخاري في كتاب التوحيد. انظر: صحيح البخاري مع الشرح١٣/٣٦٧، ومسلم في صقات المنافقين حديث رقم: ٢٧٨٧، ترقيم محمّد فؤاد عبد الباقي٤/٢١٤٨. ٤ رواه مسلم. انظر: حديث رقم: ١٨٢٧، إمارة ترقيم محمّد فؤاد عبد الباقي ٣/١٤٥٨. ٥ رواه البخاري في كتاب التوحيد، انظر: الصحيح مع شرحه١٣/٣٩٣، ومسلم في كتاب الزكاة رقم: ٩٩٣ ترقيم محمّد فؤاد عبد الباقي٢/٦٩٠.
[ ٣١٤ ]
وحديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله" ١.
إلى غير ذلك من النصوص التي أوردها البيهقي.
ولكن هل البيهقي بإيراده لهذه النصوص يثبت اليمين والكف صفتين لله ﵎، أم ما هو موقفه منها؟
الواقع أن ترجمة البيهقي لهذا الباب بعيدة عن قصد الإثبات لأننا رأيناه في الصفات التي يثبتها يترجم لها بقوله: "ماجاء في إثبات كذا" بخلاف ترجمته للباب هنا بقوله: "باب ما ذكر" ومقصوده بذلك أن ذكر اليمين، والكف في هذه النصوص ليس المراد به إثبات هاتين الصفتين، إذ إنه يرى أن اليمين والكف لا تخرجان عن معنى اليد.
لذلك فإن النصوص الواردة بذكر اليمين والكف على سبيل التعلق بكائن ما، صالحة لأن تكون أدلة إثبات لصفة اليد، على منوال ما تقدم ذكره في النصوص التي جعلها دليلًا لإثبات هذه الصفة.
ولبيان ذلك يقول: "اليمين يراد به اليد، والكف عبارة عن اليد واليد لله تعالى صفة بلا جارحة، فكل موضع ذكرت فيه فالمراد بذكرها تعلقها بالكائن المذكور معها، من الطي، والأخذ، والقبض، والبسط،
_________________
(١) ١ رواه مسلم في كتاب الزكاة رقم: ١٠١٤، ترقيم محمّد عبد الباقي ٢/٧٠٢.
[ ٣١٥ ]
والمسح والقبول، والإنفاق، وغير ذلك، تعلق الصفة الذاتية بمقتضاها من غير مباشرة، وليس في ذلك تشبيه بحال"١.
إلا أنه يرى أن الاستدلال بها على إثبات صفة اليد ليس أمرًا حتميًا، بل قصد بإيراده لهذا الكلام التنبيه على صلاحية هذا النوع من النصوص للاستدلال على إثبات صفة اليد، مع أنه يجوز أن يراد باليمين والكف معان أخرى سوى اليد، بدليل ما ذكره فيما بعد من قوله: "واليمين المذكور في الأخبار التي ذكرناها محمول في بعضها على القوّة والقدرة وفي بعضها على حسن القبول، لأن في عرف الناس أن أيمانهم تكون مرصدة لما عز من الأمور، وشمائلهم لما هان منها والعرب تقول: فلان عندنا باليمين أي بالمحل الجليل، ومنه قول الشاعر:
أقول لناقتي إذ بلغتني لقد أصبحت عندي باليمين
أي بالمحل الجليل٢.
ويقول في الكف بالنسبة لله ﵎، إن المراد به ملكه وسلطانه، ويستدل على ذلك بما ذكر من أن عمر بن الخطاب ﵁ كان كثيرًا ما يردد في خطبته على المنبر:
خفض عليك فإن الأمور بكف الإله مقاديرها
وإما أن يكون بمعنى النعمة٣.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٣٠. ٢ الأسماء والفصات ص: ٣٣١، و٣٣٢. ٣ المصدر نفسه ص: ٣٣٢.
[ ٣١٦ ]
وبناء على ماتقدم فإنه أول اليمين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ بأن المراد الإخبار عن الملك والقدرة، أو إنه أراد: ذاهبات بقسمه، أي أقسم ليفنيها.
وقوله: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة والقدرة.
كما أول القبضة في الآية بأن المراد بها الملك والقدرة، أو الإفناء والإذهاب.١
وهكذا سار في تأويله لباقي النصوص. وهي تأويلات أسندها إلى من يسميهم أهل النظر، ويقصد بهم علماء الكلام من الأشاعرة، وعلى رأسهم شيخه أبو بكر بن فورك الذي أخذ عنه هذه التأويلات مباشرة٢.
هذه هي السبيل التي اختارها البيهقي لهذه النصوص مع أنه يحكي أن مذهب السلف إمرارها كما جاءت حيث قال: "أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ماكتبنا من الآيتين والاخبار في هذا الباب مع اعتقادهم بأجمعهم أن الله ﵎ واحد لا يجوز عليه التبعيض"٣.
ثم ذكر تأييدًا لما قال: إن قتادة لم يفسر آية ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ..﴾ الآية.
وذكر قول سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله تعالى من نفسه لا كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه٤. متصورًا من ذلك أن مذهبهم التفويض، وليس الأمر كذلك، إذ أنهم يعنون بالسكوت عليه إمراره على الظاهر دون بحث عن الكيفية أو تكلف لتأويل صارف لذلك الظاهر المتبادر إلى الذهن- كما سبق أن أوضحت.
_________________
(١) ١ انظر هذه التأويلات في كتاب الأسماء والصفات ص ٣٣١. ٢ انظر كتاب مشكل الحديث ص ٧٥،٨٠. ٣ الأسماء والصفات ص: ٣٣٠. ٤ نفس المصدر.
[ ٣١٧ ]
لذلك فإن المذهب الحق الذي عليه السلف الصالح إزاء هذه الصفات هو إثباتها إثباتًا حقيقيًا لله ﵎، كما قال العلامة جمال الدين القاسمي حاكيًا مذهبهم ذاك: "مذهب السلف هو إثبات ذلك من غير تكييف له، ولا تشبيه ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الكريم عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل. يجرون على الظاهر ويكلون علمه إليه تعالى، ويقرون بأن تأويله "أي ما يؤول إليه من حقيقة" لا يعلمه إلا الله. وهكذا قولهم في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح"١.
وقد أورد الإمام أبو بكر بن خزيمة النصوص التي أوردها البيهقي مستدلًا بها على إثبات صفة اليدين لله ﵎.
وإن كلتا يديه يمين لا شمال فيهما، كما ورد في الحديث حيث قال مترجمًا لبعض هذه النصوص: "باب ذكر سنة ثامنة تبين وتوضح أن لخالقنا جل وعلا يدين كلتاهما يمينان لايسار لخالقنا ﷿ إذ اليسار من صفة المخلوقين"٢.
إلا أنني أقول أن المنع من إطلاق اليسار على إحدى يدي الله ﷾ إنما كان تأدبًا فقط، لأن إثبات اليمين وإسناد بعض الشؤون إليهما كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وكما في قوله ﵇: "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار" يدل على أن له يدًا أخرى سوى اليمين. فوصفتا تأدبًا بأن كلتيهما يمين.
_________________
(١) ١ القاسمي، محمد جمال الدين، محاسن التأويل ١٤/ ٥١٤٩. ٢ انظر كتاب التوحيد ص: ٦٦، تحقيق دكتور محمد خليل هراس.
[ ٣١٨ ]
وقصارى القول: إن ورود ذكر اليمين، والكف، واليد في النصوص السابقة وغيرها يدل أعظم دلالة على ثبوت اليد حقيقة، ويبطل كل محاولات المعطلة في التأويل ويدل كذلك على أن يدي الله ﵎ توصفان باليمين، ويوصف الرب ﵎ بأن له كفًا على الحقيقة دون تكلف تأويل، ودون بحث عن كيفية هي عنا في علم الغيب.
الأصابع:
وهذه صفة من الصفات الثابتة لله تبارك وتعاك بالسنة الصريحة الصحيحة، وقد أورد البيهقي ﵀ حديثين جاء بذكر هذه الصفة.
أحدهما: حديث عبد الله بن مسعود الذي أورده بروايات متعددة وكلها صحيحة وهو أن رجلًا من أهل الكتاب جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، أو يا رسول الله، إن الله جعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال والشجر على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك، قال: فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الآية١.
وثانيهما: حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابع الرحمن،
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٣٤، والحديث متفق عليه انظر: كتاب التوحيد من صحيح البخاري مع شرحه ١٣/٣٩٣، وصحيح مسلم في صفات المنافقين رقم:٢٧٨٦، ترقيم محمّد فؤاد عبد الباقي ٤/٢١٤٨.
[ ٣١٩ ]
كقلب واحد يصرفها حيث يشاء". ثم قال رسوله الله ﷺ: "اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك" ١.
فهذان الحديثان هما مدار كلام البيهقي حول هذه الصفة.
فأما الحديث الأوّل، فله بشأنه موقفان:
أحدهما: ردّ ما قد يتوهم من إثبات هذه الصفة به، وإنكار ما جاء فيه.
وثانيهما: التأويل إذا كان لا بد من القبول.
فأما الموقف الأوّل: فمبني على ما ذكره من كلام للشيخ أبي سليمان الخطابي حول هذا الحديث، والذي رأى فيه البيهقي سلامة التصوّر وصحة التوجيه والاستنتاج وهو قوله: "اليهود مشبهة وفيما يدعونه منزلًا في التوراة. ألفاظ دخل في باب التشبيه، ليس القول بها من مذاهب المسلمين، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بما أنزل الله من كتاب" ٢.
والنبي ﷺ أولى الخلق بأن يكون قد استعمله مع هذا الحبر، والدليل على ذلك أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقًا له أو تكذيبًا، إنما ظهر منه في ذلك الضحك المخيل للرضا مرة، والتعجب والإنكار أخرى، ثم تلا الآية، والآية محتملة للوجهين معًا، وليس فيها للإصبع ذكر، وقول من قال من الرواة: "تصديقًا لقول الخبر ظن وحسبان"٣.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٤٠. ورواه مسلم في كتاب القدر رقم: ٢٦٥٤، ٤/٢٠٤٥. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الشهادات. انظر: الصحيح مع شرحه٥/٢٩١. ٣ الأسماء والصفات ص: ٣٣٧.
[ ٣٢٠ ]
ثم يؤكد البيهقي صحة كلام الخطابي هذا بأثر أسنده إلى ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن اليهود والنصارى وصفوا الربّ ﷿، فأنزل الله ﷿ على نبيّه ﷺ: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ثم بين للناس عظمته فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجعل وصفهم ذلك شركًا.
قال البيهقي: "هذا الأثر عن ابن عباس إن صح، يؤكد ما قاله أبو سليمان - ﵀"١.
ومن هذا، تبيّن لنا أن البيهقي يعتمد في إنكاره لما جاء في الحديث على أمور:
١ - أن ذكر الأصابع في الحديث من قول اليهودي.
٢ - أن النبي ﷺ لم ينطق بما يدل على تصديق الخبر.
٣ - دلالة هذين الأمرين على أن إثبات الأصابع من عقيدة اليهود وليس من عقيدة المسلمين.
٤ - إن كثيرًا مما ورد في كتب اليهود صريح في التشبيه، والتشبيه ليس من عقائد المسلمين.
٥ - إن النبي ﷺ نهى في حديث آخر عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم، وأولى بأن يكون أول من يطبق ذلك النبي ﷺ وهذا أحد المواقف المقتضية لذلك.
٦ - إن ما ورد في بعض روايات الحديث من قول بعض الرواة عن ضحك النبي ﷺ أنه كان تصديقًا لقول الخبر، إنما هو ظن وحسبان.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٣٩.
[ ٣٢١ ]
هذا عن موقف الرفض كلية للاستدلال بما جاء في الحديث، وهو موقف جد خطير، من قال به وارتضاه - وفي مقدمتهم شيخنا البيهقي - فقد وقع في خطأ كبير، ونحن نجيب عن النقاط التي كانت سبب الرد للاستدلال بأن نقول:
أما كون ذكر الأصابع في الحديث من قول اليهودي لا من قول النبي ﷺ فإن ذلك صحيح، وأما أن النبي صلى الله عليه وسلملم ينطق بما يصدق قول الخبر، فإنه قد حصل منه ﷺ مما يدل على التصديق ما هو أبلغ من النطق، وهو سروره ﵇ بقول اليهودي ذاك وابتهاجه بالحق الذي أجراه الله على لسانه ولذلك ضحك ضحكًا شديدًا بدت منه أواخر أسنانه ﵇ من شدته، ولو لم يكن ماجاء به ذلك اليهودي حقًا، بل جرأة على وصف الله تعالى بما لا يليق به سبحانه، لما كان هذا الموقف من النبي ﷺ، بل لحدث ضده، ولتمعر وجهه ﵇ ولغضب غضبًا شديدًا، ولزجر اليهودي، وبين كذبه فيما قال، ولفند ما زعم سيما وأن قول ذلك الحبر يمس العقيدة في صميمها، لأنه يتعلّق بذات الخالق البارىء ﷾.
ولذلك فإن إمام الأئمة أبا بكر بن خزيمة يرى بأن مثل هذا الوصف للنبي ﷺ- أي بأن ضحكه كان إنكارًا لا تصديقًا- ينافي الإيمان والتصديق برسالة محمّد ﷺ، فيقول في ذلك:
" وقد أجل الله قدر نبيه ﷺ عن أن يوصف الخالق البارئ بحضرته، بما ليس من صفاته، فيسمعه فيضحك عنده، ويجعل بدل وجوب النكير والغضب على المتكلّم به، ضحكًا تبدو نواجذه تصديقًا وتعجبًا لقائله، لا يصف النبي ﷺ بهذه الصفة مؤمن مصدق برسالته"١.
_________________
(١) ١ كتاب التوحيد ص: ٧٦.
[ ٣٢٢ ]
وهذا الحديث يمثل نوعًا من أنواع السنة، وهو التقرير لأنه ﵇ أقرّ كلام اليهودي ورضيه، وإلا لما سكت عليه، بل كان فند قوله وأظهر كذبه فيه في الحال.
وبهذا يبطل المزعم الثالث وهو أن إثبات الأصابع من عقيدة اليهود لا من عقيدة المسلمين، وأي مانع يمنع من أن تتفق اليهودية مع الإسلام في بعض العقائد التي سلمت من التحريف في دينهم إذ إن عقيدة الإسلام واحدة في كشف الشرائع. وإنما الديانات الأخرى اعتراها تحريف وتبديل مس العقائد إلى جانب التشريعات، وإذا كان هذا الإثبات عقيدة لليهود فهو مما سلم من التحريف.
وأما وصف كثير مما ورد عن اليهود بأنه صريح في التشبيه والتشبيه ليس من عقائد المسلمين، فيكفي أن ذلك كثير وذلك لا يشمل القليل الباقي، وهذا الحديث يدلّ على أن اليهود يثبتون هذه الصفة بغض النظر عن أنهم يشبّهونها بصفات خلقه، لأن تشبيه اليهود لصفة من الصفات لا يوجب علينا نفيها باب نثبتها لله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه أو تأويل أو تعطيل.
وأما ما ورد من نهيه ﷺ عن تصديق أهل الكتاب أو تكذيبهم فيما قالوا، فإن هذه بالنسبة لأمة الإسلام عامة، والنبي ﷺ الذي هو رسولها لا يأمر أمته بأمر إلا ويكون أوّل العاملين به، ولا ينهاهم عن آخر إلا وهو أوّل من يبادر إلى اجتنابه، إلا أنه يختلف عن أمته، لأنه رسول يوحى إليه فإذا كان ما سمعه من أهل الكتاب حقًا جاءه الوحي بإقراره، وإذا كان باطلًا جاءه بتكذيبه وإبطاله وهنا - أي في مجال العقيدة - لا مجال لعدم التصديق وعدم التكذيب، بل لا بد من واحد منهما، لأن العقيدة واضحة، وهذه القصة وقعت مع سيد البشر وتمس العقيدة في صميميا، فاليهودي صادق فيما قال، وإلا لبادر ﵇ بالردّ والزجر، وبيان الواضح الصحيح في القضية.
[ ٣٢٣ ]
أما إن ما ورد من قول بعض الرواة عن ضحك النبي ﷺ أنه كان تصديقًا، فإن ذلك ليس ظنًا وحسبانًا لأنه وارد من صحابي أعرف منا بالعقيدة الصحيحة وبأحوال النبي ﷺ التي منها أنه لا يضحك للكذب ويعجب له، بل يتمعّر وجهه، فيكذب صحاحبه، ويوضح زيف قوله، وما كان لصحابي أن يقول مثل هذا القول جزافًا وهم أحرص الأمة على إيضاح العقيدة الحقة، فعنهم جاءنا الإسلام عن رسول الله ﷺ مصوّرًا على حقيقته بروايتهم لأقواله، وأفعاله وتقريراته، التي تمثّل الرافد الثاني من روافد الإسلام بعد كتاب الله ﷿.
وهذا كلّه يوضح أيضًا عدم صحة ما رواه البيهقي عن ابن عباس مؤكدًا به كلام الخطابي، ولم أجد العبارة الأخيرة التي هي بيت القصيد وهي قوله: "فجعل وصفهم ذلك شركًا" لم أجدها في شيء من كتب التفسير التي نقلت رأي ابن عباس في تفسير الآية.
وعلى فرض صحته فإنه بعيد كل البعد عن أن يكون القصد منه نفي صحّة ما قاله اليهودي، لأن ذلك لا يعدو كونه إشارة إلى سبب نزول الآية وهو ما ذكره من أن أهل الكتاب من يهود ونصارى وصفوا الله بأوصاف لا تليق به فأنزل الله هذه الآية تبين عظمة الله وكذبهم فيما قالوا وهو سبب ذكره الطبري عن غير ابن عباس١.
والآية مكية. بينما القصة حدثت في المدينة.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان٢٤/٢٨.
[ ٣٢٤ ]
وأما الموقف الثاني: وهو قبول ما جاء في الخبر، وتأويله. فإن ذلك مبني على فرض صحّة أن ضحك النبي ﷺ كان إقرارًا وتصديقًا. وذلك لا يعني - في نظر البيهقي - إثبات هذه الصفة على ظاهرها، بل المقصود بما جاء في الحديث أحد أمرين:
فإما أن يكون المراد بما جاء في الحديث إظهار قدرة الله تعالى على خلقه، جريًا في ذلك على ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
وإما أن يكون المراد بذلك إصبعًا من أصابع خلقه، لا إصبع نفسه.
فأما التأويل الأوّل: فيقول فيه: " ولو صح الخبر من طريق الرواية كان ظاهو اللفظ منه متأولًا على نوع من المجاز، أو ضرب من التمثيل قد جرت به عادة الكلام بين الناس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى في ذلك على تأويل قوله ﷿: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أي: قدرته على طيها، وسهولة الأمر في جمعها، وقلة اعتياصها عليه بمنزلة من جمع شيئًا في كفه، فاستخف حمله، فلم يشتمل بجميع كفه عليه لكنه يقله ببعض أصابعه، فقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى الرجل القوي: إنه ليأتي عليه بإصبع واحدة، أو أنه يعمله بخنصره أو أنه يكفيه بصغرى أصابعه، أو ما أشبه ذلك من الكلام الذي يراد به الاستظهار في القدرة عليه والاستهانة به"١.
_________________
(١) ١ الأسماء ص: ٣٣٨.
[ ٣٢٥ ]
أما التأويل الثاني: فما عزاه إلى الشيخ أبي الحسن علي بن محمّد ابن مهدي الطبري - ﵀ - من قوله: "إنا لا ننكر هذا الحديث، ولا نبطله لصحة سنده، ولكن ليس فيه أن يجعل ذلك على إصبع نفسه، وإنما فيه أن يجعل ذلك على إصبع، فيحتمل أنه أراد إصبعًا من أصابع خلقه، قال - أي الطبري - وإذا لم يكن ذلك في الخبر لم يجب أن يجعل إصبعًا"١.
وهذان التأويلان اللذان ارتضاهما البيهقي هما من ضمن تأويلات ذكرها شيخه ابن فورك، وأشار إلى صحتها جميعها٢.
على معنى أن ما ورد في الحديث صالح لأن يحمل على أحد هذه التأويلات.
ويبدو أن البيهقي يفضل هذا الموقف الأخير الذي يقتضي قبول الحديث مع تأويله على أحد الوجهين اللذين ذكرهما لأنه قد ثبت في حديث آخر - وهو الحديث الثاني من الحديثين اللذين صدرت هذا المبحث بذكرهما - ثبت ذكر الأصابع مضافة إلى الله ﷿- فلم يجد البيهقي - ﵀ - طريقًا له سوى التأويل.
وهذا الحديث هو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي تقدّم ذكره وفيه: "إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن".
_________________
(١) ١ الأسماء ص: ٣٣٩. ٢ انظر: مشكل الحديث ص: ٧٩.
[ ٣٢٦ ]
وقد أوّل البيهقي هذا الحديث: "بأن المراد أن القلوب تحت قدرته وملكه، وفائدة تخصيصها بالذكر أن الله تعالى جعل القلوب محلًا للخواطر، والإيرادات، والعزوم، والنيات، وهي مقدّمات الأفعال، ثم جعل سائر الجوارح تابعة لها في الحركات والسكنات، ودلّ بذلك على أن أفعالنا مقدورة لله تعالى مخلوقة، لا يقع شيء دون إرادته، ومثل لأصحابه قدرته القديمة بأوضح ما يعقلون من أنفسهم، لأن المرء لا يكون أقدر على شيء منه على ما بين إصبعيه"١.
وهذا التأويل بعينه ما ذهب إليه ابن فورك٢ شيخ البيهقي.
كما يرى البيهقي أنه ربما كان المراد بالإصبعين: نعمتي النفع والدفع، أو أثرية في الفضل والعدل، ويؤيد هذا الاحتمال بما ورد في بعض روايات هذا الحديث: "إذا شاء أزاغه وإذا شاء أقامه" وقوله في سياق الخبر: "يا مقلب القلوب ثبّت قلبي" ٣.
وبهذا يتضح لنا أن رأي البيهقي في الأحاديث الواردة بإثبات الأصابع لله تعالى، تأويلها على حسب ما يقتضيه سياق كل نصّ.
فأما عن موقفنا من كلامه على الحديث الأوّل، فقد سبق بيانه.
أما الحديث الثاني فإنني أقول: إن تأويل ما ورد فيه غير جائز لأن ذلك ينافي ما ورد من أجله، فهو إلى جانب إظهار قدرة الله يثبت هذه الصفة إثباتًا حقيقيًا، إذ وردت بلفظ الإفراد مرة، والتثنية أخرى، والجمع ثالثة.
_________________
(١) ١ الأسماء ص: ٣٤١، والاعتقاد ص: ٦٦. ٢ انظر: مشكل الحديث ص: ٧٧. ٣ الأسماء ص: ٣٤١.
[ ٣٢٧ ]
وهذا هو موقف السلف في أمثال هذه النصوص أنهم يثبتونها على ظاهرها من غير تأويل أو تشبيه.
اسمع ما قاله أحد أئمة السلف في الردّ على مؤولي هذا الحديث وهو الإمام أبومحمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال - ﵀-:
"إن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، لأنه ﵇ قال في دعائه: "يامقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك"، فقالت له إحدى أزواجه: أو تخاف يا رسول الله على نفسك؟ فقاك: "إن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الله ﷿".
فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى، فهو محفوظ بتينك النعمتين، فلأي شيء دعا بالتثبيت؟، ولم احتج على المرأة التي قالت له: "أتخاف على نسفك؟ " بما يؤكد قولها، وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسًا بنعمتين"١.
ثم يبين بعد ذلك رأيه في ما ورد به الحديث قوله: "فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟
قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر "يحمل الأرض على إصبع" وكذا إصبعين، ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة.
ولا نقول إصبع كأصابعنا، ولا يد كأيدينا، ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه ﷿ لا يشبه شيئًا منا"٢.
فهذا هو مذهب السلف بشأن هذه الصفة وأمثالها، وهو المذهب الحقّ لموافقته لما جاءت به النصوص الحديثية إذ لا فرق عندهم في الإثبات
_________________
(١) ١ تأويل مختلف الحديث ص: ٢٠٩. ٢ ابن قتيبة، المصدر السابق.
[ ٣٢٨ ]
بين ما ورد بالكتاب، أو بالسنة لأنها المصدر الثاني للتشريع فإذا صحت أفادتنا وجوب اعتقاد ما نصت عليه، على وفق الظاهر منه دون تكلّف تأويل، ودون تشبيه، إذ إن ذلك يدور على وفق قاعدة وضعها القرآن لتكون منهجًا قويًا لإثبات الحقّ المصحوب بالتنزيه وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإثبات أي صفة يقتضي منا عدم تمصوّر مشابهة أحد من خلقة له فيها. إذ إن إثباتها له - سبحانه - إنما يكون على ما يليق بعظمته وجلاله.
وقد أورد البيهقي - ﵀ - الكثير من الصفات التي سار فيها على منهج التأويل لها، بعد أن أورد أخبارًا اشتملت على ذكرها، وكلّها أخبار صحيحة، ليس فيها مطعن جملة، ومما ذكره من الصفات مصحوبة بالأحاديث التي ذكرها: الساعد والذراع والساق، والقدم، والرجال، والجنب، ثم أخذ يؤول كلّ صفة إلى ما يرى أن سياق الحديث يدلّ عليه ويرى ذلك أمرًا جائزًا في اللغة.
وإذا كان البيهقي قد أثبت الوجه، واليد، والعين، وهي بعض من صفات الذات الخبرية، فما الذي دعاه إلى تأويل الباقي منها؟
الواقع أنه قد شعر بأن ما أثبته منها سيكون حجة عليه فيما نفاه فأعد الجواب عن ذلك بأن قال:
"فإن قيل: فهلا تأؤلت اليد والوجه على هذا النوع من التأويل، وجعلت الأسماء فيها أمثالًا كذلك؟
قيل: إن هذه الصفات مذكورة في كتاب الله ﷿ بأسمائها وهي صفات مدح، والأصل أن كل صفة جاء بها الكتاب أو صحّت بأخبار التواتر، أو رويت من طريق الآحاد وكان لها أصل في الكتاب أو خرجت على بعض معانيه، فإنا نقول بها، ونجريها على ظاهرها من غير تكييف،
[ ٣٢٩ ]
وما لم يكن له في الكتاب ذكر، ولا في التواتر أصل، ولا له بمعاني الكتاب تعلّق، وكان مجيئه عن طريق الآحاد، وأفضى بنا القول إذا أجريناه على ظاهره إلى التشبيه فإنا نتأوّله على معنى يحتمله الكلام، ويزول معه معنى التشبيه، وهذا هو الفرق بين ما جاء في ذكر القدم، والرجل، والساق وبين اليد والوجه، والعين"١.
وقد سار فى منهجه هذا على طريقة الخطابي الذي حكى عنه نفس الكلام٢.
فالبيهقي إذًا يرى أن هذه الصفات لم تثبت بأي نوع من أنواع الأدلة التي يرى أن إثبات الصفات على ظاهرها لا يكون إلا بها وتلك الأنواع هي:
١ - أن تثبت صراحة بكتاب الله تعالى.
٢ - إو تكون ثابتة بأخبار متواترة.
٣ - أو تكون أدلتها أحاديث آحاد وكان لها أصل في كتاب الله تعالى أو لها تعلّق بمعانيه.
وهو بذلك يرى أن هذه الأنواع لم تتوفّر إلا في أدلّة الصفات الثلاث التي أثبتها، وهي: الوجه، والعين، واليدين.
أما ما سوى ذلك فإنما ورد ذكره في أخبار آحاد، وإجراؤه على الظاهر يفضي إلى التشبيه - في نظر البيهقي - لذلك كان تأويله لها.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٥٣. ٢ انظر: الأسماء والصفات ص: ٣٣٥.
[ ٣٣٠ ]
فأحاديث الآحاد لا يحتج بها مفردة لإثبات العقيدة في نظره وهذه قضية خطيرة، والقول بها مرفوض تمام الرفض، لأنه قول مبتدع لم يقل به أحد من سلف هذه الأمة، ولم يخطر لأحدهم على بال. ويلزم من هذا القول الخاطئ ردّ مئات الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ لمجرد أنها لم تتواتر.
والتواتو ليس شرطًا لصحة الاستدلال بالحديث، بل المهم صحة ثبوته عن رسول الله ﷺ. وإذا صحّ وجب علينا العمل به اعتقادًا أو تشريعًا.
وقد تناول الإمام ابن القيم - ﵀ - هذا الزعم الباطل من وجوه كثيرة إلا أن ما ذكرته كاف لإبطال هذا الرأي، ومن أراد المزيد فعليه بمراجعة ابن القيم لذلك١.
بقي أن نعرف رأى البيهقي في النوع الثاني من الصفات الخبرية وهو الفعلية منها. وذلك ما سيتضح لنا من المبحث التالي إن شاء الله.
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الصواعق المرسلة٢/٣٩٤ وما بعدها.
[ ٣٣١ ]
المبحث الثاني: صفات الفعل الخبريّة
لقد عرفنا في المبحث السابق ما ذهب إليه البيهقي في صفات الذات الخبرية ورأينا كيف أنه سلك فيها منهجا - هما: الإثبات لبعضها والتأويل للبعض الآخر، وفي هذا المبحث سوف يكون الحديث عن صفات الفعل الخبرية، وهي القسم الثاني من الصفات الخبرية.
وقبل أن أبدأ الحديث عنها مفصلًا أحب أن أبيّن أن البيهقي - ﵀ - سلك فيها منهجين أيضًا هما: التأويل والتفويض وليس لها من الإثبات نصيب عند البيهقي، مع أنه أورد أدلتها صريحة واضحة من النصوص الشرعية إلا أنه فوض القول في الاستواء والنزول وما في معناه كالمجيء والإتيان، زاعمًا أن هذا هو مذهب السلف وهو أسلم في هذه الصفات خاصة، وقد كان تقويضه لها على أساس أن الآيات الواردة بذكرها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وإن حظ الراسخين في العلم أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ كما سيتبين لنا في موضعه من هذا المبحث بإذن الله.
إلا أنني أرى من المناسب أن أقدم بين يدي هذا المبحث إجمالًا لمعنى المحكم والمتشابه في اللغة والاصطلاح، فأقول:
إن للمحكم في اللغة إطلاقات متعددة، منها ما ذكره ابن منظور حين قال: " والعرب تقول: حكمت، وأحكمت، وحكمت، بمعنى منعت ورددت ومن هذا قيل للحاكم بين الناس حاكمًا، لأنه يمنع الظالم من الظلم. قال الأصمعي: أصل الحكومة ردّ الرجل عن الظلم قال: ومنه سميت حكمة اللجام لأنها ترد الدابة. وقال الأزهري: وحكم الشيء
[ ٣٣٢ ]
وأحكمه كلاهما منعه من الفساد"١. إلى غير ذلك من الإطلاقات التي تتفق جميعها في معنى عام هو - كما يقول الشيخ محمّد رشيد رضا: "المنع"٢.
أما المتشابه: فيطلق في اللغة على المماثلة بين شيئين والعبارات الواردة في معنى المتشابه لا تعني أكثر من ذلك.
يقوله ابن منظور: "الشَّبْه والشَّبَه، والشَّبِيه، المثل، والجمع أشباه وأشبه الشيء ماثله "٣.
أما في اصطلاح العلماء: فقد وقع بينهم في ذلك اختلاف كبير فقد ذكر الإمام الطبري عن السلف في ذلك ما لا يقل عن سبعة أقوال:
فمن قائل إن المحكمات هي الناسخ، والحلال والحرام، والحدود والفرائض، وما يؤمن به ويعمل به.
والمتشابهات: المنسوخ، الأمثال، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. وهذا مروي عن ابن عباس، وقتادة، وابن مسعود، والسدي والضحاك وغير هم.
ومنهم من قال: إن المحكم ما أحكم الله فيه بيان الحلال والحرام وما سوى ذلك فهو متشابه، يصدق بعضه بعضًا. وهو مروي عن مجاهد وعكرمة.
_________________
(١) ١ لسان العرب١٢/١٤١، ١٤٣. ٢ تفسير المنار٣/١٦٣، ومناهل العرفان للزرقاني٢/١٦٦. ٣ لسان العرب١٣/٥٠٣.
[ ٣٣٣ ]
ومنهم من قال: إن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل بعض السور مثل: "الم" و"المص". وهذا القول مروي عن ابن عباس أيضًا.
إلى غير ذلك من الأقوال التي أوردها الطبري عن السلف١. التي لا يوجد فيها أي قول يجعل آيات الصفات من المتشابه، وإنما القول بذلك حدث متأخرًا من بعض العلماء، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وذكره أيضًا الشيخ محمود الألوسي في تفسيره فقال: "واعلم أن كثيرًا من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد، والقدم، والنزول إلى السماء الدنيا، والضحك، والعجب، وأمثالها من المتشابه"٢.
وهذا القول مشهور عن بعض الأشاعرة ومنهم البيهقي إلا أن البيهقي يختلف عنهم في أنه لم يجعل جميع هذه الصفات من المتشابه، بل اقتصر على صفة الاستواء والنزول وما في معناه، أما بقية الصفات فأثبتها كما تقدم في اليد والعين والوجه، أو أوّلها كما هو مذهبه في بقيتها.
ولا داعي للاستطراد في ذكر ما دار حوله هذه المسألة من نزاع طويل، إذ المهم أن نعرف أن السلف بريئون من ذلك، إذ لم يقل أحد منهم بالتفويض لأن آيات الصفات من المتشابه كما ادعى ذلك البيهقي، وسيتضح لنا ذلك أكثر من ثنايا هذا المبحث بإذن الله ولنبدأ أولًا بما فوض فيه من هذه الصفات وهي الاستواء والنزول والمجيء والإتيان.
_________________
(١) ١ انظر: جامع البيان للطبري٣/١٧٢-١٧٥. ٢ روح المعاني للألوسي٣/٧٨، وانظر: تفسير الإخلاص لابن تيمية ص: ١٤١، والإتقان للسيوطي٢/٦، والمفرادات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني كتاب (الشين) .
[ ٣٣٤ ]
صفة الاستواء
وهي من أهم الصفات التي بحثها البيهقي - ﵀ - كما أن الكلام حولها يعد من أكثر ما دار الكلام حوله من مباحث الصفات.
وقد ورد إثبات هذه الصفة لله ﵎ في سبعة مواضع من كتابه العزيز وهي:
قوله تعالى: في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١.
وقوله في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ ٢.
وقوله في سورتي الأعراف ويونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣.
وقوله في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٤.
وقوله في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٥.
وقوله في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ سورة طه آية: ٥. ٢ سورة الفرقان آية: ٥٩. ٣ سورة الأعراف آية: ٥٤، وسورة يونس آية: ٣. ٤ سورة الرعد آية: ٢. ٥ سورة السجدة آية: ٤. ٦ سورة الحديد آية: ٤.
[ ٣٣٥ ]
فأمّا العرش فإن البيهقي - ﵀ - قد ذهب إلى القول بأنه السرير، وأنه جسم مجسم، خلقه الله تعالى، وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه، والطواف به، كما خلق في الأرض بيتًا، وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة، وذكر أن أقوال المفسرين مجتمعة على هذا الرأي١.
وأما الاستواء: فإنه يذهب فيه إلى القول بالتفويض زاعمًا أن هذا هو مذهب السلف، وأنه هنا أسلم من التأويل الذي رأيناه يذهب إليه في بعض ما مضى من الصفات الخبرية. ولذلك رأيناه يصدر كلامه عن هذه الصفة بذكر هذا الرأي وتأييده بعبارات نقلها عن السلف، ظانًا أنها ترمي إلى القول بالتفويض.
يقول - ﵀ - بعد إيراده للآيات السابقة - التي بها ثبتت هذه الصفة لله ﵎ - يقول: "فأما الاستواء، فالمتقدمون من أصحابنا ﵃ كانوا لا يفسرونه، ولا يتكلمون فيه، كنحو مذهبهم في أمثال ذلك"٢.
ثم ذكر بسنده عن الأوزاعي قوله: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ويؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا".
وذكر بسنده أيضًا عن يحيى بن يحيى أنه قال: "كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، فأمر به أن يخرج".
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٣٩٢. ٢ المصدر نفسه ص: ٤٠٧.
[ ٣٣٦ ]
وذكر عن ربيعة الرأي أنه سئل عن قول الله ﵎: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول والاستواء غير معقول ويجب علي وعليك الإيمان بذلك كلّه".
وذكر عن سفيان بن عيينة قوله: "كلّ ما وصف الله تعالى من نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه". ثم قال: "وعلى هذه الطريقة يدلّ مذهب الشافعي ﵁، وإليها ذهب أحمد بن حنبل، والحسين بن الفضل البلخي، ومن المتأخرين أبو سليمان الخطابي"١.
وذكر بعد ذلك آراء أخرى سأعرض لذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى.
إلا أنني أحب أن أقرّر هنا أوّلًا أن التفويض هو الرأي الصحيح في نظر البيهقي بدليل تأييده له بآثار السلف السابقة، وبدليل ما ذكره في كتاب الاعتقاد الذي يعتبر آخر كتاب جمع فيه ما يراه واجب الاعتقاد حيث قال بعد أن ورد النصوص الواردة في هذا الشأن:
"ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف، وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا، ومن تبعهم من المتأخرين، وقالوا: الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة، وقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز"٢.
_________________
(١) ١ انظر هذه الآثار وتعقيب البيهقي عليها في: كتاب الأسماء والصفات ص: ٤٠٨-٤١٠. ٢ الاعتقاد ص: ٤٢.
[ ٣٣٧ ]
وهذه الطريقة هي إحدى طريقتين أشار البيهقي إليهما، ونسبهما إلى أصحاب الحديث، حيث قال:
"وأهل الحديث فيما ورد به الكتاب والسنة من أمثال هذا، ولم يتكلم أحد من الصحابة والتابعين في تأويله على قسمين:
منهم من قبله وآمن به ولم يؤوله، ووكل علمه إلى الله، ونفى الكيفية والتشبيه عنه.
ومنهم من قبله، وآمن به وحمله على وجه يصح استعماله في اللغة، ولا يناقض التوحيد"١.
وهو يشير بذلك إلى انحصار الحق في هاتين الطريقتين اللتين اختار الأولى منهما هنا، وسلك الثانية في كثير من المواضع كما تقدم.
فالبيهقي - ﵀ - يرى أن الاستواء قد ورد بإثباته لله ﵎ مجموعة من الآيات لا يسع أحد إنكار ما جاء فيها، إلا أنه لا يرى الإثبات الحقيقي، لذلك عمد - هنا - إلى التقيد باللفظ فقط مع التفويض في المراد بالمعنى، فجوز اعتقاد أن الله في السماء على العرش، لأنه سبحانه - أخبر بذلك، ولكن ما معناه؟ هذا أمر يتوقف البيهقي عن الخوض فيه، زاعمًا أن هذه هي طريقة السلف، وأن هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
فقد ذكر - بعد سوقه لهذا الرأي عن السلف - ذكر بسنده عن عائشة ﵂ قولها: "قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص: ٤٤.
[ ٣٣٨ ]
تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ١.
قالت ﵂: قال رسول الله ﷺ "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" ٢.
وقد سبق أن ذكرت أنه لم يقل أحد من السلف بأن آيات الصفات من المتشابه، بل ذلك ابتدعه جماعة من المتأخرين، وليس لقولهم هذا ما يسنده من كلام السلف، فنسبته إليهم بدون دليل لا اعتبار له بل المشهور والمعروف عنهم إثباتهم للصفات جميعها بما فيها الاستواء إثباتًا حقيقيًا.
وسوف أتناول بعد قليل النظرتين إلى مذهب السلف - أعني من نظر إليهم على أنهم مفوضون، ومن نظر إليهم على أن مذهبهم التأويل، إلا أنني هنا أذكر بقية الآراء التي تعرض لها البيهقي في هذه الصفة، إذ يوجد آراء أخرى تعرض لها البيهقي وهي:
١ - أن الله جل ثناؤه فعل في العرش فعلًا سماه استواء، كما فعل في غيره فعلًا سماه رزقًا ونعمة، أو غيرهما من أفعاله، وهو رأي أبي الحسن الأشعري.
وهذا الرأي مستحسن عند البيهقي، بدليل تعقيبه عليه بقوله: "ثم لم يكيف الاستواء، إلا أنه جعله من صفات الفعل، لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وثم للتراخي، والتراخي إنما يكون في الأفعال، وأفعال الله توجد بلا مباشرة منه إياها ولا حركة"٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٧. ٢ الاعتقاد ص: ٤٥. ٣ الأسماء والصفات ص: ٤١٠.
[ ٣٣٩ ]
وهذا الرأي يشتمل على نفي لقيام الصفات الاختيارية بذات الله ﵎.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في بيان المقصود من هذا الرأي في الاستواء: "ومعنى ذلك عنده - أي عند الأشعري - وعند من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته أن يخلق في العرش معنى يسميه استواء، وهو عند الأشعري تقريب العرش إلى ذاته من غير أن يقوم به فعل، بل يجعل أفعاله اللازمة كالنزول والاستواء، كأفعاله المتعدية كالخلق والإحسان، وكلّ ذلك عنده هو المفعول المنفصل عنه"١.
والبيهقي ﵀ وإن استحسن هذا الرأي في كتاب الأسماء والصفات فإنه جزم بصحة الرأي السابق وأرجحيته واقتصر عليه في كتاب الاعتقاد الذي يعتبر متأخرًا في التأليف عن كتاب الأسماء والصفات.
٢ - أن معنى الاستواء: الاعتلاء، كما يقول: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي، والقديم سبحانه عال على عرشه. ونسب هذا القول إلي أبي الحسن علي بن محمّد الطبري، وذكر أنه رأى أصحابه من الأشاعرة مستندًا إلى ما ذكره أبو بكر بن فورك منهم٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوىي٥/٣٨٦. ٢ الأسماء والصفات ص: ٤١٠.
[ ٣٤٠ ]
وقد ذكره البيهقي على أن أصحابه يقصدون علوّ المكانة لا علوّ الذات، إلا أن هذا غير صحيح، فعلي بن محمّد الطبري قصد بذلك إثبات الاستواء على طريقة السلف كما ذكر ذلك عنه الذهبي١.
وسيأتي مزيد بيان لهذا المذهب إن شاء الله.
والقول بأن معنى الاستواء علوّ المكانة والقهر ذهب إليه جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك شيخ البيهقي، كما في كتابه مشكل الحديث٢.
٣ - وثمة رأي ثالث في الاستواء ذكره البيهقي وهو القول بأن معناه: الاستيلاء والغلبة والقهر، كما يقال استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها، واستدل أصحابه بقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
ونسبه البيهقي أيضًا إلى كثير من متأخري الأشاعرة٣، ومنهم سيف الدين الآمدي، وأبو حامد الغزالي وغيرهما٤. وهو رأي المعتزلة أيضًا٥.
إلا أن هذا الرأي مرفوض تمامًا عند البيهقي، لأن الاستيلاء عبارة عن غلبة مع توقع ضعف٦.
_________________
(١) ١ العلوّ للعلي الغفار للذهبي ص: ١٦٨. ٢ مشكل الحديث ص: ١٤٦. ٣ الأسماء والصفات ص: ٤١٢. ٤ انظر: غاية المرام للآمدي ص: ١٤١، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي ص: ١٠٤. ٥ متشابه القرآن للقاضي عبد الجبّار١/٧٣، ٣٥١. ٦ الأسماء والصفات ص: ٤١٢.
[ ٣٤١ ]
وذكر ردّ ابن الأعرابي من علماء اللغة على رجل قال له: إنما معنى استوى استولى، فقال له ابن الأعرابي ما يدريك؟ العرب لا تقول استولى على العرش فلان حتى يكون له فيه مضاد، فأيهما غلب قيل قد استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر١.
وهذه الآراء التي ذكرها البيهقي تعتبر من أشهر الآراء في مسألة الأستواء، وإلا فهناك آراء أخرى، ولكن لا داعي لاستقصائها لأن الذي يهمنا هنا هو تحديد رأي البيهقي، ومن ثم معرفة المذهب الصحيح في هذه الصفة.
وقد تحدد لنا رأي البيهقي أنه التفويض، الذي زعم أنه مذهب السلف، بعباراته التي نقلها عنهم في أكثر من مكان.
وممن ذهب إلى القول بأن مذهب السلف التفويض الإمام السيوطي حيث قال: "وجمهور أهل السنة، منهم السلف، وأهل الحديث على الإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقتها"٢. ونقل السيوطي الرأي نفسه عن الرازي أيضًا٣.
وممن نسب التفويض إلى السلف الشيخ عبد العظيم الزرقاني في مناهل العرفان حيث قال: "مذهب السلف ويسمى مذهب المفوضة وهو تفويض معاني هذه المتشابهات إلى الله وحده، بعد تنزيهه تعالى عن ظواهرها المستحيلة٤.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص: ٤١٥. ٢ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي٢/٦. ٣ المصدر نفسه. ٤ مناهل العرفان٢/١٨٢-١٨٣.
[ ٣٤٢ ]
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل صرح بعض المتأخرين بأن السلف متفقون مع الخلف على التأويل بمعني صرف نصوص الصفات عن ظواهرها، غير أن السلف كان تأويلهم إجماليًا، بمعنى أنهم يقطعون بأن ظاهر النصوص غير مراد، إلا أنهم لم يعينوا المراد، أما الخلف فقد عينوه١.
وكلا الادعائين غير مسلم بهما.
لأن المذهب الصحيح الذي تدل عليه النصوص المثبتة للصفات الاختيارية عامة، وصفة الاستواء على وجه الخصوص تدل على الإثبات الحقيقي لتلك الصفة، وفق ما تضمنه ذلك النص من معنى، مع الجزم بعدم المشابهة في ذلك بين الخالق والمخلوق.
وهذا هو مذهب السلف القويم، فلا تأويل ولا تفويض في المعنى الذي أريد إثباته لله ﵎ وفيما يلي نورد تصويرًا لمذهب السلف الصحيح، كما صوره أتباعهم السلفيون من أئمة أهل السنة من المحدثين والفقهاء، بإيراد بعض أقوالهم التي يثبتون لنا بها أن ما يظهر من نصوص الصفات هو المراد عند السلف دون ما عداه من المعاني، ولا يترتب على ذلك أي شبهة من تشبيه أو تجسيم، أو نحو ذلك مما يدعيه المتأخرون عن علماء الكلام.
_________________
(١) ١ انظر: تحفة المريد على جوهرة التوحيد ص: ٥٧، وشرح الخريدة البهية ص: ٧٥، والعقيدة الإسلامية والأخلاق للدكتور عوض الله جاد حجازي، ومحمّد عبد الستار أحمد نصار ص: ٣٨-٤٠.
[ ٣٤٣ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا، مثل: إن الله فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منها قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك إلى أن قال: ما رأيت أحدًا منهم نفاها (يعني الصفات الخبرية) وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضًا"١.
وقال في موضبع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي تسميها الجهمية متشابهات، فبين معانيها آية، آية، وحديثًا حديثًا، ولم يتوقف في شيء منها هو والأئمة قبله مما يدلّ على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها، لم يكن مذهبًا لأئمة السنة، وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها، وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرّف، ولا يلحد فيها"٢.
وقال ابن القيم: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات، وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها، وإمرارها، مع فهم معانيها، وإثبات حقائقها أعني فهم أصل المعنى، لا فهم الكنه والكيفية"٣.
_________________
(١) ١ الحموية الكبرى، ضمن مجموع الرسائل الكبرى١/٤٧٠-٤٧١. ٢ تسير سورة الإخلاص ص: ١٣٤-١٣٥، والإكليل ضمن مجموعة الرسائل الكبرى٢/٢٢-٢٣. ٣ مختصر الصواعق المرسلة١/١٥.
[ ٣٤٤ ]
هذا عن مذهب السلف في الصفات عامة.
أما بالنسبة للاستواء خاصة فقد ثبت عن غير واحد من السلف أنهم فسروه بما يتفق مع مذهبهم من الإثبات، فقد قال الإمام أبو حنيفة - ﵀ - في تفسير معنى الاستواء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي: علا١.
وقال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارتفع.
وقال مجاهد: "استوى": علا على العرش٢.
وحكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس "استوى بمعنى استقر، وفسر أبو عبيدة استوى بمعنى صعد"٣.
وبهذه التفسيرات الواردة عن غير ابن عباس في تفسير الاستواء بالعلو والارتفاع، يندفع ما وجهه البيهقي إلى التفسير الذي ذكره عن ابن عباس من أنه فسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: صعد٤.
حيث ذكر أن هذا النقل عن ابن عباس فيه ضعف لضعف ناقله وهو الكلبي. واختار التفسير القائل: إن استوى بمعنى أقبل، فقد قال - ﵀ – استوى: بمعنى أقبل صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة، وذلك هو جائز في صفات الله تعالى ولفظ ثم تعلق بالخلق لا بالإرادة٥.
_________________
(١) ١ غاية الأماني في الردّ على النبهاني١/٤٦٠. ٢ صحيح البخاري مع شرحه١٣/٤٠٣. ٣ الإتقان للسيوطي٢/٧٠٦. ٤ الأسماء والصفات ص: ٤١٢. ٥ الأسماء والصفات ص: ٤١٣.
[ ٣٤٥ ]
إلأ أن رواية ذلك عن غير ابن عباس، يؤيد صحته وهذه المعاني التي صرح بها بعض السلف هي ما أراده الأئمة بعباراتهم التي نقلها عنهم البيهقي، فيما تقدم على أنهم يقصدون التفويض وليس كذلك.
قال أبو عمر بن عبد البر حافظ المغرب، وهو - كما هو معروف - من أئمة المالكية، فهو أعرف من غيره بما قصده مالك من عبارته السابقة - التي ذكرها البيهقي. قال أبو عمر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلّها في القرآن، والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك"١.
وقال القاضي أبو يعلى في بيان مقصد الأئمة من أمثال أقوالهم التي نقلها البيهقي: "لا يجوز رد هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها والواجب حملها على ظاهرها، وأنها من صفات الله، لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد، وسائر الأئمة. وذكر كلام بعضهم في ذلك"٢.
والخلاصة: إن المذهب الصحيح أن يقال في الصفات قول السلف ﵃ الذي تحقق أنه إجراء لنصوصها على ظاهرها فنثبتها إثباتًا حقيقيًا، لا تمثيل فيه، ولا تحريف ولا تعطيل. فكما أن الله تعالى واحد في ربوبيته، وإلهيته، فهو واحد في صفاته، لا يشبه أحدًا من خلقه، ولا يشبهه أحد منهم.
_________________
(١) ١ نقلًا عن الحموية الكبرى لابن تيمية، ضمن مجموع الرسائل الكبرى ١/٤٥٢-٤٥٣. ٢ المصدر نسفه ١/٤٥٤-٤٥٥.
[ ٣٤٦ ]
فالاستواء إذًا ثابت لله ﵎ حقيقة فهو مستوى على عرشه بمعنى أنه عال ومرتفع عليه من غير حاجة منه سبحانه إليه، لأنه هو الذي خلقه وجعله أعلى المخلوقات ثم استوى عليه ﵎.
ومذهب الإثبات هذا هو ما ذكره البيهقي عن أبي الحسن الطبري على أنه علو مكانة، وهي نظرة إلى هذا القول غير صائبة، إذ إنه ﵀ قصد بذلك الإثبات على طريقة السلف، فهو عال بذاته على عرشه.
وإذا ثبت أن الله ﵎ مستو على عرشه، وعرشه فوق سمواته وأعلى مخلوقاته، فقد ثبت بذلك إثبات جهة العلو لله ﵎، وهذا الأمر - يعني إثبات الجهة لله ﵎ - قد نفاه البيهقي ﵀.
ذلك أنه حينما اختار القول بالتفويض في صفة الاستواء فوقف على اللفظ كما ورد به النص دون أن يتجاوز ذلك إلى تفسيره بالنسبة لله ﵎ - لأن ذلك في نظره من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله - أتى إلى الجهة الثابتة لله ﵎ ثبوتًا قطعيًا فنفاها. وهاتان المسألتان - أعني الجهة والاستواء - بينهما صلة وثيقة لأن الجهة لازمة للاستواء.
يقوله - ﵀ - مبينًا مذهبه في عدم إثبات جهة لله ﵎: " لكنه مستو على عرشه كما أخبره، بلا كيف، بلا أين"١.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٤٤.
[ ٣٤٧ ]
بمعنى أن الاستواء ثابت لله ﵎ خبرًا، إلا أنه لا ينبغي لنا البحث عن معناه، لأن ذلك بحث في الكيف، كما أن الإشارة إليه بأين تؤدي إلى إثبات الجهة، ولا جهة له، لأننا إنما أثبتنا الاستواء لورود الخبر به، فأثبتناه لفظًا، مفوضين في المراد منه.
ويقول في موضع آخر: " فإنه ﷿ لا يرى في جهة كما يرى المخلوق وهو يتعالى عن جهة"١. وهذا تصريح بنفي الجهة.
ومن أبرز ما استدل به البيهقي على نفي الجهة والمكان عن الله ﷾ حديث الادلاء، وهو ما ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "هل تدرون ما هذه التي فوقكم.." إلى أن قال: "والذي نفس محمّد بيده لو أنكم دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لهبط على الله ﵎"، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ٢.
قال البيهقي: " والذي روي في آخر هذا الحديث إشارة إلى نفي المكان عن الله تعالى، وأن العبد أينما كان فهر في القرب والبعد من الله تعالى سواء، وأنه الظاهر فيصح إدراكه بالأدلة والباطن فلا يصح إدرإكه بالكون في مكان.
واستدل بعض أصحابنا في نفي المكان عنه بقول النبي ﷺ: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" ٣، وإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان"٤.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥١. ٢ سورة الحديد آية: ٣. ٣ رواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء رقم: ٢٧١٣، ٤/٢٠٨٤. ٤ الأسماء والصفات ص: ٤٠٠.
[ ٣٤٨ ]
فهذا الحديث وتلك الآية كما استدلّ بها الجهمية القائلون بالحلول، استدل بها الأشاعرة القائلون بنفي أن يكون الله في جهة من الجهات. ولا شك في بطلان الاستدلالين معًا. أما الأوّل فبشاعته لا تخفى، وبطلانه لا يحتاج إلى دليل، وأما الثاني - وهو ما ذهب إليه البيهقي - فإنه استدلال غير صحيح، لأن الأسماء الأربعة الواردة في الحديث متقابلة، اسمان منها لأزلية الربّ ﷾ وأبديته واسمان لعلوه وقربه. فالمراد بالظهور هنا العلو، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ ١. أي: يعلوه٢.
وأما اسم الباطن فإنه يدلّ على أن الله مع علوّه بذاته سبحانه على جميع مخلوقاته، فإنه قريب منهم بعلمه سبحانه كما ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية٣، فالحديث دليل لمثبتي الجهة لا لنفاتها.
وقد صرح السلف﵏ - بإثبات علوّه سبحانه بذاته على جميع المخلوقات - كما ذكر البيهقي ذلك عن عبد الله بن المبارك رادًّا على من تعلق بقوله لإثبات الجهة فقال: " وأما الحكاية التي تعلق بها من يثبت لله تعالى جهة وذكر بسنده إلى علي بن الحسن قال: سألت عبد الله بن المبارك، قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه. قلت: فإن الجهمية تقول هو هذا. قال إنا لا نقول كما قالت الجهمية، نقول: هو هو، قلت: بحد؟ قال أي والله بحد، قال البيهقي: إنما
_________________
(١) ١ سورة الكفف آية: ٩٧. ٢ انظر: شرح الطحاوية ص: ٢٥٤. ٣ سورة المجادلة آية: ٧.
[ ٣٤٩ ]
أراد عبد الله بن المبارك بالحق حد السمع، وهو أن خبر الصادق ورد بأنه على العرش استوى فهو على عرشه كما أخبر، وقصد بذلك تكذيب الجهمية فيما زعموا نه بكل مكان وحكايته تدلّ على مراده١.
فإما أن ابن المبارك قصد الردّ على الجهمية القائلين بأن الله تعالى بكل مكان، فهذا صحيح، لأن قولهها هذا كفر بواح، إذ إنه تكذيب لله ﵎ فيما أخبر عن نفسه أنه على عرشه لا أنه بكل مكان كما قال هؤلاء.
وإما أن هذا الكلام لا يدل على أن ابن المبارك يقول بإثبات الجهة، وأن اعتماد مثبتيها على كلامه هذا ليس في محله فإن هذا ادعاء خاطىء، لأن ابن المبارك لم يقصد التقيد الوارد في النص دون معرفة معناه، وإنما أراد تحديد المراد من الآية أن الله تعالى بذاته مستو على عرشه استواء حقيقيًا، معروف المعنى، مجهول الكيف، كما أنه لم يقصد بالحد بيان مسافة وأبعاد، تعالى الله عن أن نضيف إليه ما لم يصف به نفسه، فالسلف متقيدون بالنصوص في باب العقيدة كلّه، والصفات بوجه أخص.
كل علّق البيهقي على قول آخر لابن المبارك يثبت الاستواء والفوقية لله ﵎ وهو قوله: "نعرف ربّنا فوق سبع سموات على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية إنه ههنا - وأشار إلى الأرض" علّق عليه البيهقي بقوله: "قلت: قوله: بائن من خلقه، يريد به ما فسره بعده من نفي قول الجهمية، لا إثبات جهة من جانب آخر، يريد ما أطلقه الشرع".
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤٢٧.
[ ٣٥٠ ]
فكلّ ما تقدم يدلّ على نفي البيهقي للجهة، بل صريح في ذلك. أما النصوص الواردة بإثباتها فقد عمد البيهقي - ﵀ - إلى تأويلها كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ ١، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ٣. أوّلها بأنها محمولة على ما ورد في آيات الاستواء، فيكون المعنى في الجميع: من على العرش٤.
إلا أن إثباته أن الله على العرش إنما هو لموافقة الدليل المصرح بذلك مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وهو أمر أثبته البيهقي لفطًا فقط، وفوض في معناه، فيكون موقفه فيما أوّله على منوالها التفويض أيضًا، لأن الإحالة على معنى مفوض فيه تفويض كذلك.
وهذا كما هو ظاهر تحكم لا دليل عليه، وقد سبق أن بينت بطلان كون مذهب السلف التفويض.
كما أول قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٥ بأن صعود الكلم الطيب والصدقة الطيبة إلى السماء عبارة عن حسن القبول لهما، وأوّل عروج الملائكة الوارد في قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ٦ بأن المراد عروجهم إلى مقامهم في السماء٧.
_________________
(١) ١ سورة الملك آية: ١٦. ٢ سورة النحل آية: ٥٠. ٣ سورة الأنعام آية: ١٨. ٤ الاعتقاد ص: ٤٢. ٥ سورة فاطر آية: ١٠. ٦ سورة المعارج آية: ٤. ٧ الأسماء والصفات ص: ٤٢٦.
[ ٣٥١ ]
إلا أن إثبات العلوّ والفوقيّة لله ﵎. تواترت به الأدلة العقلية والنقلية ومن أبرز الأدلة التي تدل على أن الله في السماء عال على عرشه الذي هو أعلى مخلوقاته سبحانه حديث الجارية، الذي ذكره البيهقي، وأعله بالاضطراب. إلا أن الحديث ثابت في صحيح مسلم وفيه قال راوي الحديث معاوية بن الحكم السلمي:
" وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فأطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك عليّ قلت: يارسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: "ائتني بها" فأتيته بها فقال لها: "اين الله؟ " قالت في السماء. قال: "من أنا؟ ": قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة" ١.
قال البيهقي: "وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعًا، من حديث الأوزاعي ججاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية. وظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه"٢.
والواقع أن مسلمًا قد ذكر قصة الجارية ولم يهملها، وهذا يدل على صحتها، وأن البيهقي لم يكن متأكدًا من قوله ذاك، أو لعل النسخة التي كانت بيده كانت ناقصة.
فقصة الجارية صحيحة، وهي من أوضح الأدلة على إثبات جهة العلو لله ﵎، وعلى صحة الإشارة إليه بأين التي أنكرها البيهقي وأصحابه٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم في كتاب المساجد رقم: ٥٣٧، ١/٣٨٢. ٢ الأسماء والصفات ص: ٤٢٢. ٣ الاعتقاد ص: ٤٤.
[ ٣٥٢ ]
فالأدلة الشرعية متضافرة على إثبات العلوّ لله ﵎ وكما هو ثابت بالسمع. فهو ثابت بالعقل والفطرة أيضًا.
أما السمع: فجميع الآبات المثبتة للاستواء، ولا تقدّم مما تأوّله البيهقي دون دليل، وحديث الجارية الواضح الدلالة، وحديث الرؤية المشبهة برؤية الشمس والقمر، وحديث الإسراء الذي فيه أن النبي ﷺ لما فرضت عليه الصلاة خمسون بقي يتردد بين موسى ﵇ في السماء السابعة، وبين ربّه جتى خفّفت إلى خمس صلوات، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة المتواترة التي تصل بنا إلى درجة اليقين الذي لا شبهة فيه ولا داعي لذكر المزيد.
أما العقل فيثبت ذلك من وجوه ذكرها شارح الطحاوية.
أحدها: العلم البديهي القاطع بأن كلّ موجودين، إما أن يكون أحدهما ساريًا في الآخر قائمًا به كالصفات.
وإما أن يكون قائمًا بنفسه بائنًا من الآخر.
الثاني: أنه لما خلق العالم فإما أن يكون خلقه قي ذاته أو خارجًا عن ذاته. والأوّل باطل. أما أوّلًا فبالاتفاق وأما ثانيًا فلأنه يلزم أن يكون محلًا للخسائس والقاذورات تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
والثاني: يقتضي كون العالم واقعًا خارج ذاته فيكون منفصلًا فتعينت المباينة، لأن القول بأنه غير متصل بالعالم وغير منفصل عنه غير معقول.
الثالث: أن كونه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه يقتضي نفي وجوده بالكلية، لأنه غير معقول، فيكون موجودًا إما داخله وإما خارجه والأوّل باطل، فتعيّن الثاني، فلزمت المباينة١.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٢٦٣.
[ ٣٥٣ ]
وأمّا ثبوته بالفطرة، فإن الخلق جميعًا بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهما عند الدعاء، ويقصدون جهة العلوّ بقلوبهم عند التضرع إلى الله تعالى. وذكر محمّد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين، وهو يتكلّم في نفي صفة العلو، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان. فقال الشيخ أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرووة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلوّ، لا يلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع بهذه الضرورة عن أنفسنا، قال: فلطم أبو المعالي رأسه ونزل. وقال. حيّرني الهمداني حيّرني. أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من غير أن يتلقّوه من المرسلين، يجدون في قلوبهم طلبًا ضروريًا يتوجه إلى الله، ويطلبه في العلوّ١.
وقد ألف الشيخ ابن قيم الجوزية كتابًا مستقلًا٢ لإثبات هذه القضية حشد فيه من الأدئة الدامغة ما يجعلها من المسلمات التي لا تقبل المراء.
وقبل أن أختم الحديث عن هذه القضية أحب أن أبيّن أن لفظ الجهة فيه إجمال وتفصيل فنحن نوافق على نفيه عن الله ﵎ من وجه، ولكننا نثبته من الوجه الآخر.
ذلك أنه قد يراد بنفي الجهة أن الله تعالى ليس موجودًا في داخل هذا العالم، فإن إريد هذا، فإن الله ﵎ منزه عن أن يكون في شيء من مخلوقاته.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٢٦٣-٢٦٤. ٢ هو كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية.
[ ٣٥٤ ]
وإن كان المقصود بنفي الجهة نفي الجهة العدمية التي هي عبارة عن أن الله تعالى فوق هذا العالم كلّه، فإن هذه جهة عدمية لا وجودية، ولما كان الله تعالى فوق خلقه، فلا يصح أن يقال إنه سبحانه ليس في جهة، بقصد نفي فوقيّته وعلوّه على خلقه. وعلى هذا فالجهة قسمان:
١ - جهة يجب أن ينزه الله ﵎ عنها، وهو هذا العالم الوجودي. فإن الله تعالى ليس حالًا في شيء من مخلوقاته.
٢ - الجهة الثانية عدم محض، وهو ما فوق العالم. فإثبات جهة لله ﵎ بمعنى أنه فوق العالم على عرشه بائن من خلقه. فهذا واجب شرعًا، مع مراعاة عدم التشبيه والتكييف والتعطيل. لأن هذه الجهة ثابتة لله ﵎ بما تواتر من نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة. بل جميع الأديان السماوية والكتب المنزلة تثبت ذلك. فمن قال إن الله ﵎ فوق العالم، لم يقل بجهة وجودية، بل بجهة عدمية أثبتها الشرع، وأثبتتها الفطرة، والعقل أيضًا.
أما نفي علماء الكلام لهذه الجهة، والذي وافقهم البيهقي عليه فهذا نفي باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
وهذا التفصيل هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وسبقه إليه ابن رشد. فقد قال ابن تيمية موضحًا هذا المعنى: "إذا كان سبحانه فوق الموجودات كلّها، وهو غني عنها، لم يكن عنده جهة وجودية يكون فيها فضلًا عن أن يحتاج إليها.
[ ٣٥٥ ]
وإن أريد بالجهة ما فوق العالم فذلك ليس بشيء، ولا هو أمر وجودي، وهؤلاء أخذوا لفظ الجهة بالاشتراك وتوهموا، وأوهموا إذا كان في جهة كان في شيء غيره، كما يكون الإنسان في بيته، ثم رتبوا على ذلك أن يكون محتاجًا إلى غيره والله تعالى غني عن كل ما سواه"١.
فإثبات الجهة لله ﵎ بالمعنى الذي ذكره ابن تيمية - ﵀ - موافقًا في ذلك ابن رشد، هو ما تضافرت الأدلة الشرعية والعقلية، والفطرية على إثباته.
أما نفي أن يكون الله ﵎ في جهة على الإطلاق، كما هو مذهب البيهقتي فإن هذا إثبات وهمي، وحقيقته نفي الوجود وإن كان أصحابه لم يقصدوا ذلك، وإنما قصدوا التنزيه إلا أنهم وقعوا في خطأ جسيم، خالفوا به الشرع والعقل والفطرة.
النزول وما في معناه
وبعد أن اتضح لنا رأي البيهقي في الاستواء وأنه اختار القول بالتفويض فيه فإنه هنا سلك نفس المسلك، ورضي القول نفسه، ويدخل في معنى النزول من الصفات الثابتة لله ﵎ الإتيان والمجيء فأما الإتيان والمجيء، فقد أورد البيهقي مجموعة من الآيات مصرحة بإثباتهما لله ﵎، منها قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ٢. وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ نقض تأسيس الجهمية١/٥٢٠، وانظر: مناهج الأدلة لابن رشد ص: ١٧٨. ٢ سورة البقرة آية: ٢١٠. ٣ سورة الفجر آية: ٢٢.
[ ٣٥٦ ]
أمّا النزول فقد أورد حديثه المشهور المروي عن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ: "ينزل الله إلى السماء الدنيا لشطر الليل - أو لثلث الليل - الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم" ١.
وقد أورده بروايات متعددة عن مجموعة من الصحابة رضوان الله عليهم وهذه نصوص قطعية من الكتاب والسنة في إثبات هذه الصفات، ولكن ما هي الطريق التي اختارها البيهقي لتوجيه ما جاء فيها؟.
الواقع أن البيهقي قد وجدته هنا كحاله عند الحديث عن الاستواء حيث كان أوّل شيء بعد هذه النصوص هو سياقه لرأي أبي الحسن الأشعري بطريقة تشعر برضاه عنه.
فقد قال: "وأما الإتيان والمجيء فعلى قول أبي الحسن الأشعري ﵁: يحدث الله تعالى يوم القيامة فعلًا يسميه إتيانًا ومجيئًا، لا بأن يتحرك، أو ينتقل فإن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام، والله تعالى أحد صمد ليس كمثله شيء، وهذا كقوله ﷿: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، ولم يرد به إتيانًا من حيث النقلة، وإنما أراد إحداث الفعل الذي به خرب بنيانهم وخر عليهم السقف من فوقهم، فسمّى ذلك الفعل إتيانًا.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤٤٨. ورواه البخاري في كتاب التوحيد، رقم: ٧٤٩٤، ١٣/٤٦٤، ومسلم حديث رقم: ٧٥٨، ١/٥٢١. ٢ سورة النحل آية: ٢٦.
[ ٣٥٧ ]
وهكذا قال في أخبار النزول، إن المراد به فعل يحدثه الله ﷿ في سماء الدنيا كلّ ليلة يسميه نزولًا بلا حركة ولا نقلة، تعالى الله عن صفات المخلوقين"١.
ومثل هذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أنه قول من ينفي قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى كالأشعري وغيره٢.
والبيهقي - ﵀ - أحد نفاتها، إلا أنه هنا وإن ساق رأي الأشعري ومن وافقه فإنه بعد ذلك، اختار القول بالتفويض، والتفويض مسلك آخر لنفاة قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى واختياره اللتفويض يدل عليه ما ساقه عن أبي سليمان الخطابى حيث قالك "قال أبو سليمان ﵀ في معالم السنن: وهذا من العلم الذي أمرنا أن تؤمن بظاهره، وأن لا نكشف عن باطنه، وهو من جملة المتشابه، ذكره الله تعالى في كتابه فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية٣.
فالمحكم منه يقع به العلم الحقيقي والعمل، والمتشابه يقع به الإيمان والعلم الظاهر، ويوكل باطنه إلى الله ﷿، وهو معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وإنما حظ الراسخين أن يقولوا آمنا به كلّ من عند ربنا، وكذلك ما جاء من هذا الباب في القرآن كقوله ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤٤٨، ٤٤٩. ٢ شرح حديث النزول ص: ٤٨. ٣ سورة آل عمران آية: ٧.
[ ٣٥٨ ]
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ١ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٢ والقول في جميع ذلك عند علماء السلف هو ما قلناه"٣.
وبعد أن أورد البيهقي هذا النص عن الخطابي علق عليه بما يدل على أنه المذهب المختار عنده دون سواه حيث قال: "قلت: وفيما قاله أبو سليمان﵀- كفاية وقد أشار إلى معناه القتيبي في كلامه فقال: لا نحتم على النزول منه بشيء، ولكنا نبيّن كيف هو في اللغة والله أعلم بما أراد"٤.
وقد صرّح البيهقي باختيار هذا المذهب - أعني التفويض- في كتاب الاعتقاد الذي يعتبر آخر ما ألّف في العقيدة، فبعد أن اختار القول بالتفويض في مسألة الاستواء على نحو ما تقدّم ذكره قال بعد ذلك: وعلى مثل هذا درج أكثر علمائنا في مسألة الاستواء، وفي مسألة المجيء والنزول والإتيان٥.
فهذه الصفات إذًا ثابتة عند البيهقي - ﵀ - لورود النصوص الشرعية بها، إلا أن ثبوتها عنده يقتصر على القول بها لفظًا أما المعنى المراد منها فموكول علمه إلى الله ﷾ وقد أيد مذهبه هذا بنصوص
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢١٠. ٢ سورة الفجر آية: ٢٢. ٣ الأسماء والصفات ص: ٤٥٤. وانظر: معالم السنن للخطابي على متن سنن أبي داود٥/١٠١. ٤ الأسماء والصفات، ص: ٤٥٦. ٥ الاعتقاد: ص: ٤٣.
[ ٣٥٩ ]
أوردها عن جماعة من السلف، استنتج منها أن مذهبهم القول بالتفويض في هذا النوع من الصفات، منها ما رواه عن سفيان بين عيينة أنه قال. كلّ ما وصف الله من نفسه في كتابه، فتفسيره تلاوته والسكوت عليه١.
ونظرًا لأن البيهقي لا يقول بالتفويض في جميع الصفات عقب على هذًا القول الشامل لها جميعًا بقوله: "وإنما أراد به - والله أعلم - فيما تفسيره يؤدي إلى تكييف، وتكييفه يقتضي تشبيهًا له بخلقه في أوصاف الحدث"٢.
أي أن هذا القول من سفيان إنما أراد به مثل هذه الصفات التي رأى البيهقي أن الحقّ فيها القول بالتفويض، مع أن ابن عيينة ومن قال من السلف بما يشبه قوله هذا لا يريدون به التفويض كما سبق أن بيّنت وإنما يريدون عدم التعرض لنصوصها بتأويل خلاف ظاهرها المتبادر منها.
وكذا ما رواه بسنده عن الوليد بن مسلم قال: "سئل الأوزاعي ومالك وسفيان الثوري والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في التشبيه فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيفية"٣.
وقد سبق أن ذكرت من شارك البيهقي في القول بالتفويض كما سبق أن ذكرت أيضًا مذهب السلف الصحيح ألا وهو القول بالإثبات الحقيقي، وعدم لزوم التشبيه لما أثبتوه لأنهم يثبتون صفات الله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، لا يشبهه أحد من خلقه فيها، فكما أنه واحد في ذاته، فهو واحد في صفاته.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٤٤. ٢ الاعتقاد ص: ٤٤. ٣ الأسماء والصفات ص: ٤٥٣.
[ ٣٦٠ ]
وكذلك الأمر هنا فالسلف يثبتون هذه الصفات لله ﵎ مع اعتقادهم عدم مشابهة نزوله لنزول خلقه، ومجيئه لمجيئهم، وإتيانه لإتيانهم، وفي بيان ذلك قال الإمام أبو عثمان الصابوني: "ويثبت أصحاب الحديث نزول الربّ ﷾ كلّ ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزوله المخلوقين، ولا بتمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ، وينتهون فيه إليه ويمرّون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله، وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز وجلاسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله ﷿: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾، وقوله عزّ اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ١.
وقال أيضًا: "فلما صحّ خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله ﷾ لا تشبه صفات الخلق كما أن ذاته لا تشبه الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًّا كبيرًا"٢.
وقال الإمام ابن خزيمة - ﵀ -: "نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الربّ من غير أن نصف الكيفية، لأن نبيّنا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل، والله جل وعلا لم يترك، ولا نبيه ﵇
_________________
(١) ١ عقيدة السلف وأصحاب الحديث لأبي عثمان الصابوني، ضمن مجموع الرسائل المنيرة١/١١٢. ٢ المصدر نفسه ص: ١١٧.
[ ٣٦١ ]
بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي ﷺ لم يصف كيفية النزول. وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا ﷺ أنه ينزل إليه إذ محال في لغة العرب أن يقول ينزل من أسفل إلى أعلا، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلا إلى الأسفل"١.
فالسلف يثبتون النزول لله ﵎ إثبابًا حقيقيًا على ما هو متبادر وظاهر اللفظ الوارد وكذلك الإتيان والمجيء.
والتنزيل والإنزال حقيقة مجيء الشيء، أو الإتيان به من علو إلى أسفل، هذا هو المفهوم منه لغة وشرعًا، ذكر ذلك ابن القيم - رحمه الله٢.
وهكذا يتضح لنا أن رأي البيهقي القائل بالتفويض لهذه الصفات مخالف لرأي السلف القائل بإثباتها لله ﵎ على ظاهر المعنى المتبادر منها مع نفي الشبيه عنها.
ولكن البيهقي مع موقفه هذا القائل يتفويض هذه الصفات وعدم معرفة مراد الله منها، فإنه يجزم أنه لا يريد بها إثبات حركة وانتقال له سبحانه، ولذلك أورد نقد الخطابي لمن أثبت ذلك حيث قال: "وقد زل
_________________
(١) ١ كتاب التوحيد ص: ١٢٥-١٢٦، ويعني بآخر كلامه أن نزوله إلى السماء الدنيا يقتضي وجوده فوقها، فإنه انتقال من علوّ إلى أسفل. كذا قال المعلق الدكتور محمّد خليل هراس. ﵀. ٢ مختصر الصواعق المرسلة٢/٢١٧.
[ ٣٦٢ ]
بعض شيوخ أهل الحديث ممن يرجع إلى معرفته بالحديث والرجال فحاد عن هذه الطريقة حين ووى حديث النزول ثم أقبل على نفسه فقال: إن قال قائل: كيف ينزل ربّنا إلى السماء؟ قيل له ينزل كيف يشاء. فإن قال: هل يتحرك إذا نزل؟ فقال: إن شاء يتحرك، وإن شاء لم يتحرك، وهذا خطأ فاحش عظيم، والله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد، وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله ﵎ متعال عنهما ليس كمثله شيء"١.
إلا أن لمثبتي هذه الصفات من علماء السلف حول قضية الحركة والانتقال بالنسبة لله ﵎ أقوالًا ثلاثة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - حيث قال: "واختلف أصحاب أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في النزول والإتيان والمجيء وغير ذلك، هل يقال: إنه بحركة وانتقال؟ أم يقال بغير حركة وانتقال؟ أم يمسك عن الإثبات والنفي؟ على ثلاثة أقوال:
فالأول: قول أبي عبد الله بن حامد وغيره.
والثاني: قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته.
والثالث: قول أبي عبد الله بن بطة وغيره"٢.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤٥٤. ٢ مجموع الفتاوى٥/٤٠٢.
[ ٣٦٣ ]
فأما قول ابن حامد فقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أن الحامل له عليه هو أنه يرى أن إثبات النزول حقيقة لا يكون إلاّ بهذا الوجه، لأن حقيقته لا تثبت إلاّ بالانتقال، وأنه لا يوجد في العقل ولا في النقل ما يحمل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط والانتقال جنس لأنواع المجيء والإتيان والنزول. وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان ونحوها محذور البتة، ولا يستلزم ذلك نقصًا لا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح فهي حقّ دال عليه النقل، ولازم الحقّ حقّ.١
أما أصحاب القول الثاتي وهو القول الذي ارتضاه البيهقي فقد ردّ عليهم ابن القيم ﵀ بقوله: "وأما الذين نفوا الحركة والانتقال فإن نفوا ما هو من خصائص المخلوق فقد أصابوا، ولكن أخطؤوا في ظنّهم أن ذلك لازم أثبته لنفسه"٢.
وأما القول الثالث وهو الإمساك عن الإثبات والنفي فهو القول الأسعد بالصواب والأولى بالاتباع، لأن فيه التزامًا بما ورد في النصوص من إثبات ما أثبتته والسكوت عما سكتت عنه.
وقد ذكر الإمام ابن القيم - ﵀ - "أن صحة هذه الطريقة تظهر ظهورًا تامًا فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت النصّ عنها مجملة محتملة لمعنيين صحيح وفاسد كلفظ الحركة والانتقال ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حقّ وباطل، فهذه لا تقبل مطلقًا، ولا ترد
_________________
(١) ١ انظر: مختصر الصواعق المرسلة٢/٢٥٤. ٢ المصدر نفسه٢/٢٥٧.
[ ٣٦٤ ]
مطلقًا فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات ولم ينفها عنه، فمن أثبتها مطلقًا فقد أخطأ ومن نفاها مطلقًا فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له، فإن الانتقال يراد به انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلما مكان آخر يحتاج إليه، وهو يمتنع إثباته للرّب تبارك رتعالى، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.
ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، وانتفاله أيضًا من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلًا، فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلًا إلاّ به، فنفيه عن الفاعل نفي حقيقة الفعل، تعطيل له.
وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه،. وقد دلّ القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة وينزل لفصل القضاء بين عباده، وبأتي في ظلل من الغمام والملائكة وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة.. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة، فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقات، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له.."١.
فالسكوت عن الإثبات والنفي هو المنهج السليم الذي يتفق مع النصوص الشرعية، مع اعتقاد إثبات المعنى الصحيح من هذه الألفاظ المجملة والسكوت عن اللفظ فقط.
_________________
(١) ١ مختصر الصواعق المرسلة ص:٢٥٧-٢٥٨.
[ ٣٦٥ ]
والحاصل أن النزول والإتيان والمجيء صفات ثابتة لله ﵎ على الحقيقة، ولا يجوز التأوبل فيها ولا يجوز التفويض أيضًا لأن ذلك كله مخالف لصريح النصوص الشرعية الثابتة. فالبيهقي جانب طريق السلف في اعتقاده سلامة التفويض.
أما مؤوّلوا هذه الصفات فهم المعتزلة ومتأخرو الأشاعرة وجماعةمن أصحاب الإمام أحمد كابن الجوزي وابن الزاغوني زاعمين أن هذا مروي عن أحمد، فقد أولوا النزول بنزول أمره ورحمته وكذلك المجيء والإتيان١.
وتأولها جماعة بمعنى القصد والإرادة ونحو ذاك، وقد ذكر ابن تيمية - ﵀ - أن ابن الزاغوني وغيره جعلوا ذلك إحدى الروايتين عن أحمد ورد عليه بقوله:
"والصواب أن جميع هذه التأويلات مبتدعة، لم يقل من الصحابة شيئًا منها، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان وهي خلاف المعروف المتواتر عن أئمة السنة والحديث أحمد بن حنبل وغيره من أئمة الحديث"٢.
فالنزول والإتيان والمجيئء صفات ثابتة لله ﵎ على الحقيقة. فهو سبحانه ينزل ويجيء ويأتي وهو لا يزال فوق عرشه ولا يخلو العرش منه مع دنوّه منه ونزوله إلى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض، بحيث يبقى السقف فوقهم، بل الله منزه عن ذلك٣.
_________________
(١) ١ انظر: شرح حديث النزول لابن تيمية ص: ٥٥ وما بعدها. ٢ شرح حديث النزول لابن تيمية ص: ٦٣. ٣ المصدر نفسه ص: ٦٦.
[ ٣٦٦ ]
مع أن إثبات الحقيقة هو ما جاءت به النصوص، إلاّ أن تصوّر كيفيّتها أمر مستحيل، لأن الأمر متعلق بذات الله ﵎ التي لا يمكننا إدراكها أو تصوّرها، إلاّ أننا نؤمن قطعًا أنها ليست كذوات خلقه.
فلا التفويض الذي قال به البيهقي صحيح، ولا التأويل الذي ذهب إليه غيره. إذ هذان المنهجان لا مكان لهما عند السلف بل الإثبات الحقيقي هو ما ذهبوا إليه.
رأيه في بقيّة الصفات
وإذا كان البيهقي - ﵀ - قد رضي التفويض في صفتي الاستواء والنزول على نحو ما تقدم، فإنه سلك في بقية صفات الفعل الخبرية مسلكًا آخر هو مسلك التأويل، ومن هذه الصفات التي ارتضى فيها التأويل صفة الضحك، والغضب، والمحبة، والتعجب، والكراهية ونحو ذلك. وسأورد هنا أمثلة من تلك الصفات وما ذهب إليه من معان لتأويلعها.
فأما الضحك: فقد ذهب - ﵀ - إلى أنه قد يراد منه الإخبار عن الرضى. وأورد مما يراه يصدق عليه هذا المعنى حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يضحك الله إلي رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل، فيقاتل في سبيل الله فيستشهد" ١.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤٦٧، ورواه البخاري في كتاب الجهاد حديث رقم: ٢٨٢٦. ومسلم في كتاب الإمارة حديث رقم: ١٨٩٠، ٣/١٥٠٤.
[ ٣٦٧ ]
وقد روى هذا التأويل عن أبي سليمان الخطابي ﵀ حيث قال: "قال أبو سليمان الخطابي - ﵀ قوله "يضحك الله سبحانه": الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو يستنفرهم الطرب غير جائز على الله ﷿، وهو منفي عن صفاته، إنما هو مثل ضربه لهذا الصنيع الذي يحل محلّ العجب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه في صفة الله ﷿ الإخبار عن الرضى بفعل أحدهما والقبول للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما الجنة، مع اختلاف أحوالهما وتباين مقاصدهما"١.
وقد يراد بالضحك أيضًا - عند البيهقي - الإظهار والبيان وأورد من هذا النوع حديث أبي رزين قال: قال النبي ﷺ: "ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب خيره"، فقلت يا رسول الله ويضحك الرب؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم، قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرًا" ٢.
وأسند البيهقي هذا التأويل إلى أبي الحسن بن مهدي الطبري حيث قال: "قال أبو الحسن: فمعنى قول النبي ﷺ: "يضحك الله" أي: يبين ويبدي من فضله ونعمه ما يكون جزاء لعبده الذي رضي عمله"٣.
وقد استدل البيهقي لصحة هذا التأويل بما رواه عن العرب من مثل قولها: "ضحكت الأرض إذا أنبتت"؛ وقول الشاعر:
"وضحك المزن بها ثم بكى"٤.
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص: ٤٦٩. ٢ الأسماء والصفات ص: ٤٧٣. ورواه أحمد في المسند٤/١١، ١٢. ٣ المصدر نفسه. ٤ المصدر نفسه.
[ ٣٦٨ ]
فالبيهقي - ﵀ - يرى التأويل للنصوص الواردة بإثبات هذه الصفة حسب ما يقتضيه السياق، والحامل له على التأويل ما تقدم من قوله راويًا عن أبي سليمان الخطابي أن الضحك الذي نعرفه هو ما يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح، أو يستنفرهم الطرب. ولشبهة أن يكون المتبادر إلى الذهن - عند الإثبات الحقيقي - هذا المعنى عمد البيهقي إلى القول بالتأويل.
إلأ أن هذا التأويل غير صحيح كما أن تلك الشبهة فاسدة فأما فساد الشبهة فإننا إذا أثبتنا صفة الضحك لله ﵎، فإننا نثبته على ما يليق بجلاله، لأنه سبحانه يتعالى عما يعتري البشر من انفعالات، هي صفة نقص يجب أن يتنزه الرب ﵎ عنها.
ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردّ هذه الشبهة وذلك التأويل: "الضحك في موضعه المناسب له صفة مدح وكمال، وإذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه، والآخر لا يضحك قط، كان الأول أكمل من الثاني. ولهذا قال النبي ﷺ: "ينظر الرب إليكم قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب".
فقال له أبو رزين العقيلي: يا رسول الله، أو يضحك الرب؟ قال: "نعم قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا". فجعل الأعرابي العاقل بصحّة فطرته ضحكه دليلًا على إحسانه وإنعامه، فدلّ على أن هذا الوصف مقرون بالإحسان المحمود، وأنه من صفات الكمال، والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذموم بذلك، وقد قيل في اليوم الشديد العذاب إنه: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ .
[ ٣٦٩ ]
وقد روي أن الملائكة قالت لآدم: "حياك الله وبياك" أي: أضحكك. والإنسان حيوان ناطق ضاحك. وما يميز الإنسان عن البهيمة صفة كمال، فكما أن النطق صفة كمال، فكذلك الضحك صفة كمال، فمن يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يضحك أكمل ممن لا يضحك، وإذا كان الضحك فينا مستلزمًا لشيء من النقص، فالله منزه عن ذلك وذلك الأكثر مختص لا عام. فليس حقيقة الضحك مطلقًا مقرونة بالنقص، كما أن ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص، ووجودنا مقرون بالنقص أيضًا"١.
وهكذا يتضح لنا أن الحقّ في هذه الصفة أنها كمال ثابت لله ﵎، لا يجوز نفيه عنه بحجّة أن ضحك الإنسان مستلزم لنقص فيه من خفة روح واستنفار طرب، لأننا حين نثبت هذه الصفة له ﵎ فإننا نثبتها كمالًا مطلقًا لله ﵎، وننزهه سبحانه عما يلزمها من النقص بالنسبة للمخلوق، لأن صفات الله جميعها كمال مطلق لا يعتريه نقص، لأن النقص من لوازم صفات المخلوقين والخالق يتعالى عن ذلك. فالصفة تابعة للذات المتصفة بها وذات الله منزهة عن كلّ نقص وهي بذلك لا تشبه ذواتنا فلا يلزمها ما يلزم ذواتنا من النقص.
وهكذا القول في بقيّة هذا النوع من الصفات، والتي ذهب البيهقي إلى تأويلها، وذلك بعد أن ساق أدلتها من الكتاب والسنة، ولا أرى ثمة
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى٦/١٢١-١٢٢.
[ ٣٧٠ ]
ضرورة للاستطراد في سرد تلك الأدلة إلاّ أنني أبيّن وجهة نظر البيهقي بشأن ما أوّله سالكًا طريق التمثيل والإجمال.
فمثلًا على ذلك بالإضافة إلى ما تقدم في صفة الضحك نأخذ صفات المحبة والبغض والكراهية الواردة في كثير من النصوص التي أوردها البيهيقي، كقوله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ ١
وقوله ﷺ: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" ٢.
وجديث البراء بن عازب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في الأنصار: "لا يحبهم إلاّ مؤمن، ولا يبغضهم إلاّ منافق من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ٣.
وحديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ: قال "من أحب لقاء الله أحب الله، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " قال: فقالت عائشة، أو بعض أزاوجه: إنا نكره الموت، قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت يبشر برضوان الله وكراماته، فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فإذا بشر بذلك كره لقاء الله وكره الله لقاءه ٤.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٣١. ٢ رواه البخاري في كتاب التفسير حديث رقم: ٤٥٢٣، ٨/١٨٨. ٣ رواه البخاري ومسلم. انظر: حديث رقم: ٣٧٨٣ من صحيح البخاري٨/١١٣، وحديث رقم: ١٢٩ من صحيح مسلم١/٨٥. ٤ رواه البخاري ومسلم. انظر: حديث رقم: ٦٥٠٧ من صحيح البخاري١١/٣٥٧ وحديث رقم: ٢٦٧٤ من صحيح مسلم٤/٢٠٦٥.
[ ٣٧١ ]
وغير ذلك مما جاء في إثبات هذه الصفات، وقد أورده البيهقي١.
حيث ذهب البيهقي - ﵀ - إلى تأويل المحبة بمعنى المدح والإكرام، والبغض والكراهية بالذم والإهانة.
وقد أشار إلى أن أبا الحسن الأشعري قد أرجع جميع هذه الصفات إلى معنى الإرادة.
يقول - ﵀ -: "المحبة والبغض والكراهية عند بعض أصحابنا من صفات الفعل، فالمحبة عنده بمعنى المدح له بإكرام مكتسبه والبغضة والكراهية بمعنى الذمّ له بإهانة ما اكتسبه وهما عند أبي الحسن يرجعان إلى إرادته إكرامهم وتوفيقهم، وبغضه غيرهم أو من ذمّ فعله إلى إرادته إهانتهم وخذلانهم، ومحبّته الخصال المحمودة يرجع إلى إرادته إكرامه ما اكتسبتها، وبغضه الخصال المذمومة يرجع إلى إرادته إهانة ما اكتسبها"٢.
ولا شكّ أن رأي البيهقي هو الأول الذي قال به جمهور الأشاعرة بدليل جعله هذه الصفات تحت نوع الصفات الفعلية، وإنما غرضه من ذكر رأي أبي الحسن الأشعري بيان الجانب الآخر الذي ذهب إليه شيخ المذهب الذي ينتسب إليه الأشاعرة وهو بهذا يوافق متأخري أصحابه من الأشاعرة، وعلى رأسهم شيخه أبو بكر بن فورك رحمه الله٣.
_________________
(١) ١ انظر: الأسماء والصفات ص: ٤٩٨-٥٠١. ٢ الأسماء والصفات ص: ٥٠٢. ٣ انظر: مشكل الحديث ص: ١٦٢ وما بعدها.
[ ٣٧٢ ]
وسار في بقيّة هذا النوع من الصفات على هذه الطريق المخالفة كما سبق أن بيننا لما عليه السلف من الإثبات اللائق لله ﵎.
وبهذا يتبيّن لنا أن البيهقي - ﵀ - إنما أثبت من الصفات الخبريّة ثلاث صفات هي: اليد، والعين، والوجه. أما بقيّة الصفات فسلك فيها منهجي التأويل والتفويض التأويل لبعضها والتفويض لبعضها الآخر.
وهذا أمر واضح الدلالة على تردد البيهقي وعدم ثبوته على منهج واحد في مجال التطبيق لما ساقه من أدلة لهذه الصفات إذ جمع في ذلك بين المناهج الثلاثة.
وهذا مفارقة واضحة لمنهج السلف الذي اختار القول الإثبات لجميع الصفات.
بقي أن نعرف رأي البيهقي في مسألة الرؤية التي اهتم بها اهتمامًا بالغًا، حتى أفردها التأليف في كتاب مستقل، وهذا ما سيتضح لنا من الفصل التالي. إن شاء الله.
[ ٣٧٣ ]
الفصل السابع: رؤية الله تعالى
وهذه المسألة ذات شقين: رؤية في الدنيا، ورؤية في الآخرة.
أما رؤية الله ﵎ في الدنيا فقد وقع النزاع فيها بين العلماء حول نبيّنا محمّد ﷺ، هل رأى ربّه ليلة الإسراء أم لا؟ على رأيين فمنهم من أثبتها، ومنهم من نفاها.
وكان الخلاف في ذلك قد وقع منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم وقد شددت عائشة ﵂ النكير على من قال بأن الرسول ﷺ رأى ربه بعيني رأسه١.
أما من عداه من الخلق فلم يقع خلاف بين العلماء في عدم وقوعها لهم، إذ اتفقوا جميعًا على أنه لم يره أحد منهم في الدنيا.
وليست هذه المسألة هي ما نحن بصدد بحثه هنا، بل الغرض من عقد هذا الفصل هو الحديث عن موقف البيهقي من رؤية الله ﵎ في الآخرة، التي هي من أشرف مسائل أصول الدين، وأجلها، لأنها الغاية التي يتسابق المؤمنون من أجل نيلها، والحصول من نعيم الجنة - التي هي غايته - عليها، لذلك كانت هذه القضية العظمى محل اهتمام كبير من البيهقي - ﵀ - إذ أولاها عناية خاصة، حتى إنه أفردها بالتأليف في كتاب مستقلّ، كما أشار إلى ذلك في كتاب الاعتقاد٢.
_________________
(١) ١ انظر: الطحاية ص: ١٥١. ٢ الاعتقاد ص: ٤٨. وقد سبق أن أشرت إلى أن هذا الكتاب لا يزال مفقودًا. انظر: ص (٩٨) من هذا البحث.
[ ٣٧٧ ]
وقد كان الخلاف في هذه القضية على رأيين:
أحدهما: القول بإثباتها للمؤمنين يوم القيامة وهو مذهب سلف الأمة جميعًا، وقد ذهب إليه الأشاعرة بمن فيهم البيهقي.
وثانيهما: القول بالمنع، وهو مذهب الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الخوارج والإمامية١، واستدلوا بأدلة تعرض لها البيهقي بالنقض والتفنيد، مبنيًا أنها إنما تدل على مذهب الإثبات، لا على ماذهبوا إليه من باطل.
وسوف أقوم أولًا بإيضاح رأي البيهقي وأدلته على النحو التالي:
لقد ذهب - ﵀ - إلى القول بإثبات رؤية المؤمنين لربّهم بأبصارهم يوم القيامة وفي ذلك يقول: "باب القول في إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار"٢. ثم شرع في إيراد أدلته على هذا الإثبات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.
فأما أدلته من القرآن الكريم فمنها:
١ - قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٣.
حيث يرى - ﵀ - أنّ النظر الوارد في الآية المقصود به الرؤية. وقد روى تفسير هذه الآية بذلك عن ابن عباس وغيره من السلف٤.
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص: ١٤٢، ومقالات الإسلاميين للأشعري١/٢٣٨. ٢ الاعتقاد ص: ٤٥. ٣ سورة القيامة آية: ٢٣. ٤ الاعتقاد ص: ٤٩.
[ ٣٧٨ ]
وهذه الآية من أظهر الأدلة على هذه القضية، ومع ذلك عمد النفاة إلى تأويلها، وتحريفها عن موضعها، حيث قاموا بتأويل النظر الوارد في الآية إلى معنى الانتظار فكأنه - تعالى - قال: وجوه يومئذ ناضرة لثواب ربها منتظرة١.
إلا أن البيهقي - ﵀ - تصدى لهذا التأويل، فرده حيث قام بحصر معاني النظر الواردة في القرآن الكريم، متوصلًا بذلك إلى أن المقصود به في هذه الآية الرؤية، حيث قال - ﵀ -:
"وليس يخلو النظر من وجوه: إما أن يكون الله ﷿ عنى به نظر الاعتبار كقوله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ٢، أو يكون عنى به نظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٣ أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة كقوله: ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ ٤، أو يكون عنى الرؤية كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ٥.
ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر التفكر والاعتبار، لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار، وإنما هي دار اضطرار، ولا يجوز أن يكون عنى نظر الانتظار لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار، لأن الانتظار معه تنغيص وتكدير، والآية خرجت مخرج
_________________
(١) ١ انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبّار ص: ٢٤٥، وديوان الأصول للنيسابوري، ص: ٦٠٤. ٢ سورة الغاشية آية: ١٧. ٣ سورة يس آية: ٤٩. ٤ سورة آل عمران آية: ٧٧. ٥ سورة محمّد آية: ٢٠.
[ ٣٧٩ ]
البشارة لأهل الجنة، فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من العيش السليم، والنعيم المقيم، فهم ممكنون مما أرادوا، وقادرون عليه، وإذا خطر ببالهم شيء أتوا به مع خطوره ببالهم، وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ نظر الاعتبار.
ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمعناه: نظر العينين اللتين في الوجه. كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ ١، وأراد بذلك تقلب عينيه نحو السماء ولأنه قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ونظر الانتظار لا يكون مقرونًا بإلى، لأنه لا يجوز عند العرب أن يقولوا في نظر الانتظار "إلى" ألا ترى أن الله ﷿ قال: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٢، لم يقل "إلى" إذ كان معناه الانتظار ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم.
فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر وهو أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنها رائية ترى الله ﷿. ولا يجوز أن يكون معناه إلى ثواب ربّها ناظرة، لأن ثواب الله غير الله، وإنما قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ ولم يقل: إلى غيرربها ناظرة، والقرآن على ظاهره، وليس لنا أن نزيله عن ظاهره إلا بحجة"٣.
فالبيهقي - ﵀ - يرى أن هذه الآية صريحة في الرؤية لأن الاستعمالات الواردة في النظر لا مكان لها هنا، لأن كل استعمال له صيغة خاصة وهذه تختلف عنها، وقد قرن النظر فيها صراحة بالوجه ولا معنى لذلك سوى الرؤية بالعينين اللتين فيه.
_________________
(١) ١ سرة البقرة آية: ١٤٤. ٢ سورة يس آية: ٤٩. ٣ الاعتقاد ص: ٤٥، ٤٦.
[ ٣٨٠ ]
٢ - ومما استدل به - ﵀ - على إثبات الرؤية وله تعالى حاكيًا قول كليمه موسى له: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ١.
كما استدل البيهقي - ﵀ - بهذه الآية لإثبات الرؤية فقد استدل بها من قال بنفيها٢.
لذلك كان عرضه لوجهة استدلاله بها متضمنًا للرد على أولئك النفاة حيث قال ﵀: "وما يدلّ على أن الله ﷿ يرى بالأبصار قول موسى الكليم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولا يجوز أن يكون نبي من الأنبياء، قد ألبسه الله جلباب النبيين، وعصمه مما عصم منه المرسلين يسأل ربّه ما يستحيل عليه، وإذا لم يجز ذلك على موسى ﵇، فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلًا، وإن الرؤية جائزة على ربنا ﷿.
ومما يدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ .
فلما كان الله قادرًا على أن يجعل الجبل مستقرًا كان قادرًا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدلّ ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين وأنه جائز رؤيته، وقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أراد به في الدنيا دون الآخرة، بدليل ما مضى من الآية"٣.
وهذا الكلام الذي ساقه البيهقي هنا يتضمن أمرين:
أحدهما: وجهة الاستدلال على الإثبات.
_________________
(١) ١ سرة الأعراف آية: ١٤٣. ٢ انظر: شرح الأصول الخمسة ص: ٢٣٣. ٣ الاعتقاد ص: ٤٧.
[ ٣٨١ ]
وثانيهما: طريقة الردّ على من استدل بها لنفي.
أما وجهة الاستدلال فهي: أن موسى ﵇ نبي من الأنبياء وقد عصمهم الله، ولو كانت رؤية الله مستحيلة لما طلبها موسى ﵇، فطلبه لها دليل على جوازها.
كما أن الحائل الذي وضعه الله دون رؤية موسى لربه وهو عدم استقرار الجبل دليل على أن الله تعالى لو جعله مستقرًا لرآه موسى ﵇، وذلك دليل على جواز رؤية العباد لربّهم وأن الله قادر على أن يريهم ذاته سبحانه.
أما طريقة الردّ على النفاة: فبالإضافة إلى ما تقدم في وجهة الاستدلال فإن قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أراد به في الدنيا لا في الآخرة.
٣ - ومما استدل به البيهقي﵀ - لإثبات هذه المسألة قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢.
حيث ذكر - ﵀ - أن المراد بالزيادة في هاتين الآيتين النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة، وأورد تفسير الزيادة هنا بالرؤ ية عن رسول الله ﷺ، كما أورد ذلك التفسير عن جماعة من السلف رضوان الله عليهم.
يقول - ﵀ -: " ولأنه قال: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ فسر رسول الله ﷺ المبين عن الله ﷿، فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه، والتابعين الذين أخذوا عن
_________________
(١) ١ سورة ق آية: ٣٥. ٢ سورة يونس آية: ٢٦.
[ ٣٨٢ ]
الصحابة أن الزيادة في هذه الآية النظر إلى وجه الله ﵎، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار"١.
ثم ذكر من الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية حديث صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا لم تروه؛ قال: فيقولون: فما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه. قال: فوالله ما أعطاهم الله ﷿ شيئًا هو أحب إليهم منه".
قال ثم قرأ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٢.
وروى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري من الصحابة، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط وقتادة وغيرهم من التابعين٣.
وقد استدل نفاة الرؤية بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ ٤.
فردّ البيهقي على هؤلاء بأن هذه الآية خاصة في الدنيا أو أن المراد بها نفي الإدراك الذي هو الإحاطة دون الرؤ ية، وفي ذلك يقول:
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٤٧. ٢ المصدر السابق نفسه ص: ٤٨. وروى مسلم حديث صهيب هذا في كتاب الإيمان رقم: ٢٩٧، ١/١٦٣. ٣ المصدر نفسه ص: ٤٩. ٤ سورة الأنعام آية: ١٠٣.
[ ٣٨٣ ]
" ولا حجة لهم في قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ فإنه إنما أراد به لا تدركه أبصار المؤمنين في الدنيا دون الآخرة، ولا تدركه أبصار الكافرين مطلقًا، كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١.
فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثبت المؤمنين برفع الحجاب لهم عن أعينهم حتى يروه، ولما قال في وجوه المؤمنين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ فقيدها بيوم القيامة، ووصفها فقال: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ ثم أثبت لها الرؤية فقال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة، وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعًا بين الآيتين، وحملًا للمطلق من الكلام على المقيد منه.
ثم قد قال بعض أصحابنا: إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤ ية، والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤ ية، فالله يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما"٢.
وقد اختار هذا التفسير الأخير للآية جماعة من مثبتي الرؤية من السلف وغيرهم، وجعلوها دليلًا على الإثبات على نقيض تصور نفاة الرؤية لما اشتملت عليه، ومن هؤلاء الذين اختاروا هذا الاتجاه فخر الدين الرازي من أئمة الأشاعرة، والإمام ابن القيم، وابن تيمية والألوسي وغيرهم من العلماء
_________________
(١) ١ سورة المطففين آية: ١٦. ٢ الاعتقاد ص: ٤٧.
[ ٣٨٤ ]
يقول الرازي في تقرير وجه الدلالة: "لو لم يكن الله تعالى جائز الرؤية لما حصل التمدح بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ألا ترى أن المعدوم لا تصح رؤيته، والعلوم والقدرة، والإرادة، والروائح والطعوم لا يصح رؤية شيء منها، ولا مدح لشيء منها في كونها بحيث لا تصح رؤيتها، فثبت أن قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يفيد المدح، وثبت أن ذلك إنما يفيد المدح لو كان صحيح الرؤية، وهذا يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يفيد كونه تعالى جائز الرؤية.
وتمام التحقيق فيه أن الشيء إذا كان في نفسه بحيث تمتنع رؤيته، فحينئذ لا يلزم من عدم رؤيته مدح وتعظيم للشيء، أما إذا كان في نفسه جائز الرؤية ثم إنه قدر على حجب الأبصار عن رؤ يته ومن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالة على المدح والعظمة، فثبت أن هذه الآية دالة على أنه تعالى جائز الرؤية بحسب ذاته"١.
وقال ابن القيم - ﵀ - مبينًا دلالة الإثبات وأن هذا ما ذهب إليه شيخه ابن تيمية " والاستدلال بهذه الآية على جواز الرؤية أعجب، فإنها من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال بها أحسن تقرير وألطفه، وقال: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا في ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله ﷾ إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية.
وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح الربّ ﵎ بالعدم إلا إذا تضمن أمرًا وجوديًا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن
_________________
(١) ١ تفسير الفخر الرازي١٣/١٢٥.
[ ٣٨٥ ]
كمال القيومية، فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ كَلاَّ﴾ ١ فقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ من أدل شيء على أنه يرى ولا يدرك"٢.
ولا تخفي وجاهة رأي من ذهب إلى الاستدلال بها على الرواية مفسرين الإدراك في الآية بالإحاطة.
وأما الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية فمتواترة، وقد ذكر البيهقي - ﵀ - بعضًا منها، ومما ذكره منها:
١ - حديث أبي هريرة ﵁ أن ناسًا قالوا: يارسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ: "هل تمارون في رؤية القمر ليلة البدر وليس دونه سحاب؟ " قالوا لا يارسول الله، قال: "هل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يارسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك" ٣.
٢ - حديث جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "أما إنكم ستعرضون على ربّكم
_________________
(١) ١ سورة الشعراء آية: ٦١. ٢ حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص: ٢٢٨، وانظر رأي الألوسي في روح المعاني٧/٢٤٤-٢٤٥. ٣ الاعتقاد ص: ٥١. والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد حديث رقم: ٧٤٣٧، ١٣/٤١٩. ورواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث رقم: ٢٩٩، ١/١٦٣.
[ ٣٨٦ ]
﷿، فترونه كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" ١.
٣ - حديث أبي سعيد الخدري قال: قلنا يارسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: "هل تمارون في رؤية الشمس في الظهيرة صحوًا ليس دونها سحاب؟ " قال: قلنا لا يارسول الله. قال: "فهل تمارون في وؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيه حجاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "ما تمارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تمارون في رؤية أحدهما" ٢.
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة المتواترة في هذه المسألة وإنما أردت التمثيل لا الاستقصاء.
وبعد أن أورد - ﵀ - هذه الأحاديث علق عليها ببيان اتفاق سلف هذه الأمة على ما جاء فيها من إثبات رؤية الله تعالى وأن الخلاف فيها لم يوجد بينهم أبدًا، إذ لو وجد لنقل إلينا.
يقول - ﵀ - معلقًا: "وروينا في إثبات الرؤية عن أبي بكر الصديق ﵁، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس وأبي موسى، وغيرهم ﵃، ولم يرو عن أحد منهم نفيها ولو كانوا فيها مختلفين لنقل اختلافهم إلينا، وكما أنهم لما اختلفوا في رؤيته بالأبصار في الدنيا نقل اختلافهم في ذلك إلينا، فلما
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥٠. والحديث رواه البخاري في كتاب التوحيد، حديث رقم: ٧٤٣٤، ١٣/٤١٩. ٢ الاعتقاد ص: ٥٢. ورواه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه حديث رقم: ٧٤٣٩، ١٣/٤٢٠. ورواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه حديث رقم: ٣٠٢، ١/١٦٧.
[ ٣٨٧ ]
نقلت رؤية الله بالأبصار عنهم في الآخرة ولم ينقل عنهم في ذلك اختلاف - يعني في الآخرة - كما نقل عنهم فيها اختلاف في الدنيا علمنا أنهم كانوا على القول برؤية الله بالأبصار في الآخرة متفقين مجتمعين"١.
ولا ريب أن ما ذهب إليه البيهقي من إثبات لهذه المسألة هو الرأي الذي لا يجوز العدول عنه لصراحة ما أورده من أدلة لذلك، ولإجماع سلف الأمة عليه، وكما حكى البيهقي - ﵀ - هذا المذهب القويم عن سلف الأمة حكاه عنهم أيضًا غيره من علماء السلف أنفسهم.
وممن حكاه من السلف، وانتصر له، وقرر عدم جواز الذهاب إلى سواه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي - ﵀ - حيث قال - بعد أن أورد - الأدلة التي ذكرها هنا البيهقي:
"فهذه الأحاديث كلّها وأكثر منها قد رويت في الرؤية على تصديقها، والإيمان بها، أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا ولم يزل المسلمون قديمًا وحديثًا يروونها، ويؤمنون بها لا يستنكرونها، ولا ينكرونها، ومن أنكرها من أهل الزيغ نسبوه إلى الضلال بل كان من أكبر رجائهم، وأجزل ثواب الله في أنفسهم، النظر إلى وجه خالفهم، حتى ما يعدلون به شيئا من نعيم الجنة"٢.
وقال أيضًا: "قد صحت الآثار عن رسول الله ﷺ فمن بعده من أهل العلم، وكتاب الله الناطق به، فإذا اجتمع الكتاب وقول الرسول، وإجماع الأمة، لم يبق لمتأوّل عندها تأويل إلا لمكابر أو جاحد"٣.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥٣. ٢ الردّ على الجهمية للدارمي ص: ٥٣، ٥٤. ٣ المصدر نفسه ص: ٥٤.
[ ٣٨٨ ]
ثم سرد تلك الأدلة التي ذكرها البيهقي من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وآثار سلف الأمة، ووجهها نفس التوجيه وردّ على المؤوّلين بما رد به البيهقي.
وإذا كان البيهقي - ﵀ - يتفق مع السلف في إثبات رؤية المؤمنين لربّهم، وهو الأمر الذي قال به الأشاعرة أيضًا، فهل ذلك الاتفاق حول هذه المسألة تام من جميع الوجوه؟
الواقع أن ثمة مسألة مهمة تتعلق بهذه القضية هي مسألة الجهة، لأن السلف حين أثبتوا الرؤية أثبتوا الجهة أيضًا، لأنها لازمة لها أما البيهقي ومعه أصحابه الأشاعرة فقد أثبتوا الرؤية ونفوا لازمها وقد سبق الحديث عن مسألة الجهة عند الكلام عن الاستواء وبينا كيف أن ثبوتها أمر حتمي عقلًا وشرعًا وفطرة بالمعنى الصحيح الذي أشرت إليه هناك.
إلا أن البيهقي استدل على نفيها هنا بحديث جرير بن عبد الله السابق، والذي فيه: "لا تضامون في رؤيته".
ووجه استدلاله به: أن التضام المذكور معناه: لا يجتمع بعضكم إلى بعض في جهته، لأنه يرى في جميع الجهات، وليس له جهة معينة كما للمخلوق.
وفي إيضاح ذلك يقول - ﵀ - حاكيًا عن شيخه أبا الطيب الصعلوكي١ قال: "سمعت الشيخ الإمام أبا الطيب سهل بن محمّد بن سليمان - ﵀ - يقول فيما أملاه علينا في قوله: "لا تضامون في
_________________
(١) ١ هو: سهل بن محمّد بن سليمان بن محمّد بن سليمان بن موسى بن إبراهيم العجلي، الفقيه الأديب أبو الطيب بن أبي سهل الحنفي الصعلوكي مفتي نيسابور. توفي بها سنة: ٤٠٤هـ. انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص: ٢١١، وطبقات الشافعية للسبكي٤/٣٩٦.
[ ٣٨٩ ]
رؤيته" - بضم التاء وتشديد الميم – يريد: لا تجتمعون لرؤيته في جهته، ولا يضم بعضكم إلى بعض لذلك، فإنه ﷿ لا يرى في جهة كما يرى المخلوق في جهة، ومعناه - بفتح التاء -: لا تضامون لرؤيته، مثل معناه بضمها، لا تتضامون في رؤيته بالاجتماع في جهة وهو دون تشديد الميم، من الضيم معناه: لا تظلمون فيه برؤية بعضكم دون بعض، وإنكم ترونه في جهاتكم كلّها، وهو يتعالى عن جهة.
قال والتشبيه برؤية القمر ليعين الرؤية، دون تشبيه المرئي تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا"١.
وقد ذكر هذا التوجيه عن أبي بكر بن فورك شيخ البيهقي، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وردّ عليه، بأن هذا القول انفرد به هؤلاء الأشاعرة دون بقية طوائف الأمة، وأن هذا معروف الفساد ضرورة ولأجل ذلك ذهب بعض حذاقهم إلى موافقة المعتزلة في ما ذهبوا إليه من نفي الرؤية والجهة معًا وتفسير الرؤية بأنها زيادة انكشاف وليس رؤية حقيقية٢.
ثم قام بعد ذلك برد الاستدلال بالحديث الذي استدلّ به البيهقي لنفي الجهة بقوله ردًا على ما ذكره عن ابن فورك مما يتفق مع ما ذهب إليه البيهقي تمامًا: "وأما قوله: إن الخبر يدلّ على أنهم يرونه لا في جهة، وقوله "لا تضامون" معناه لا تضمكم جهة واحدة في رؤيته؛ فإنه لا في جهة، فهذا تفسير للحديث بما لا يدلّ عليه ولا قاله أحد من أئمة العلم،
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥١. ٢ انظر: مجموع الفتاوى١٦/٨٥.
[ ٣٩٠ ]
بل هو تفسير منكر عقلًا وشرعًا، ولغة. فإن قوله "لا تضامون" يروى بالتخفيف، أي: لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يلحق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال، فإنه قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى وهو سبحانه يتجلى تجليًا ظاهرًا فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته، وهذه الرواية المشهورة.
وقيل "لا تضامون" بالتشديد، أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض، كما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال فإما أن يروى بالتشديد ويقال: "لا تضامون" أي: لا تضمكم جهة واحدة فهذا باطل لأن التضام انضمام بعضهم إلى بعض. فهو تفاعل كالتماس والتراد، ونحو ذلك
ثم يقال: الراؤون كلّهم في جهة واحدة على الأرض، وإن قدر أن المرئي ليس في جهة فكيف يجوز أن يقاله: "لا تضمكم جهة واحدة" وهم كلّهم على الأرض - أرض القيامة - أو في الجنة، وكل ذلك جهة ووجودهم نفسهم لا في جهة ومكان ممتنع حسًا وعقلًا"١.
وبهذا يتضح لنا أن البيهقي قد أخطأ في استدلاله بالحديث الآنف الذكر على نفي الجهة، لعدم صحة تفسيره له، وتصوّره لما ورد الحديث من أجله.
وقد لاحظت أن إثبات البيهقي وأصحابه للرؤية ونفي لازمها إنما هو نفي للرؤية نفسها، لأن نفي اللازم نفي للملزوم. لذلك كان المعتزالة أكثر منطقية مع أنفسهم حين ذهبوا إلى نفي الأمرين فرارًا من الوقوع في التناقض الذي وقع فيه الأشاعرة.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى١٦/٨٥، ٨٦.
[ ٣٩١ ]
الفصل الثامن: خلق الله لأفعال العباد
وهذه قضية أخرى من أهم القضايا التي تناولها العلماء بالحديث وقد بلغت عنايتهم بها إلى حدّ أن بعضهم أفردها بالتأليف، كما فعل الإمام الجليل محمّد بن إسماعيل البخاري - ﵀ - حيث ألف فيها كتابه القيم "خلق أفعال العباد".
وقد أدلى البيهقي - ﵀ - بدلوه في بحث هذه المسألة مبينًا وجه الحقّ الذي يراه بشأنها.
وهذه المسألة ذات صلة وثيقة بمسألة القضاء والقدر، التي أفردها البيهقي بالتأليف في كتاب مستقل.
وقبل أن أبدأ بالحديث عنها أحبّ أن أشير إلى أن بدعة إنكار القدر قد وجدت في عصر مبكر، من أيام الصحابة رضوان الله عليهم الذين شددوا النكير على أصحابها حين بلغتهم مقالتهم، وتبرؤوا منهم. فقد ذكر البيهقي - ﵀ - عن يحيى بن يعمر أنه قال: "كان أوّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقنا حجاجًا أنا وحميد بن عبد الرحمن، فلما قدمنا قلنا: لو لقينا بعض أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقوله هؤلاء القوم في القدر، قال فوافقنا عبد الله بن عمر في المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله.
قال يحيى: فظننت أن صاحبي يكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنه ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويعرفون العلم، يزعمون أن لا
[ ٣٩٥ ]
قدر، إنما الأمر آنف. فقال عبد الله: فإذا لقيتم أولئك فأخبروهم أني بريء منهم وهم مني براء. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لوكان لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله عز وجلمنه، حتى يؤمن بالقدر كلّه خيره وشره"١.
ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب ﵁، الذي ذكر فيه سؤال جبريل ﵇ للنبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان وفيه: " ثم قال يا محمّد، أخبرني عن الإيمان فقال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر كلّه خيره وشرّه من الله تعالى" ٢.
وقد اشتهرت هذه المقالة الفاسدة عن معبد الجهني، الذي يعد أوّل مبتدع لها، وتابعه عليها غيلان الدمشقي الذي سال في الحديث عنها سيل المأء حتى قتله الخليفة هشام بن عبد الملك سنة: ١٠٦؟ حين استفحل أمره بالدعوة جهارًا إلى بدعته٣.
إلا أن تلك البدعة المشؤومة لم تمت بموت صاحبها، فقد احتضنها المعتزلة، الذين أنكروا القدر، وأسندوا أفعال العباد إلى قدرهم موافقة لرأي معبد وغيلان، حتى اشتهر تلقيبهم بالقدرية لذلك٤.
وقد عرف البيهقي - ﵀ - الإيمان بالقدر بقوله: "الإيمان بالقدر هو: الإيمان بتقدم علم الله سبحانه بما يكون من إكساب الخلق وغيرها، من المخلوقات وصدور جميعها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها"٥.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٥٤. ٢ المصدر نفسه. ٣ انظر: تاريخ الجهمية والمعتزلة لجمال الدين القاسمي ص: ٧٣. ٤ المصدر السابق ص: ٧١. ٥ الاعتقاد ص: ٥٤.
[ ٣٩٦ ]
وبهذا التعريف تتبيّن لنا العلاقة بين مسألة القدر ومسألة أفعال العباد. فهذه الأخيرة جزء من تلك المسألة الشائكة. والبيهقي - ﵀ - من مثبتي القدر، وقد ألف في إثباته كتابًا خاصًا، إلا أنني هنا أقصر الحديث على جانب واحد، وهو أهم جوانب هذه القضية ألا وهو الحديث عن خلق أفعال العباد.
وقبل أن أبدأ الحديث عن رأي البيهقي فيها أحبّ أن أبيّن الآراء التي اشتهرت حول هذه المسألة وهي عبارة عن رأيين متقابلين:
أحدهما: رأي الجهمية الجبرية.
وثانيهما: رأي المعتزلة القدرية.
١ - فأمّا الجبرية ورئيسهم جهم بن صفوان السمرقندي فزعمت أن التدبير في أفعال الخلق كلّها لله تعالى، وهي كلّها اضطراريّة كحركات المرتعش، والعروق النابضة، وحركات الأشجار، وإضافتها إلى الخلق مجاز، وهي على حسب ما يضاف الشيء إلى محله دون ما يضاف إلى محصله.
٢ - وأمّا المعتزلة فقابلت هؤلاء الجبرية إذ قالوا إن جميع الأفعال الاتحارية من جميع الحيوانات بخلقها، لا تعلق لها بخلق الله تعالى١.
أما البيهقي فإنه حينما تناول هذه المسألة بالحديث عنها فإنه - بما أورده من أدلة لتقرير ما ذهب إليه - يرد بذلك على المعتزلة الذين يقولون بما يخالف رأيه.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص: ٤٣١.
[ ٣٩٧ ]
فقد ذهب - ﵀ - إلى اعتقاد أن أفعال العباد جميعها مخلوقة ومقدرة لله سبحانه وتعالىمستدلًا على ذلك بما ورد في كتاب الله تعالى حيث قال - ﵀: قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١. فدخل فيه الأعيان والأفعال من الخير والشر وقال: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ ٢. فنفى أن يكون خالق غيره، ونفى أن يكون شيء سواه غير مخلوق فلو كانت الأفعال غير مخلوقة لكان الله سبحانه خالق بعض الأشياء دون جميعها، وهذا خلاف الآية.
ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان والناس خالقي الأفعال لكان خلق الناس أكثر من خلقه، ولكانوا أتم قوة منه، وأولى بصفة المدح من ربّهم سبحانه. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٣. فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله ﷿"٤.
إلى غير ذلك من الآيات التي استدل بها البيهقي على أن الله عز وجلخانق لجميع أفعال عباده خيرها وشرها.
ومما ذهب إليه البيهقي - ﵀ - أن أفعال العباد جميعها مقدرة لله ﵎، لا يخرج شيء منها عن قدرته ومشيئته، لأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى. واستدل لذلك بقوله سبحانه: ﴿وَمَا
_________________
(١) ١ سورة غافر آية: ٦٢. ٢ سورة الرعد آية: ١٦. ٣ سورة الصفات آية: ٩٦. ٤ الاعتقاد ص: ٦٠.
[ ٣٩٨ ]
تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقال بعد إيرادها: فأخبر أنّا لا نشاء شيئًا إلا أن يكون الله قد شاء١.
وهو بهذا موافق لرأي السلف في هذه القضية إذ قالوا كما قال واستدلوا بما استدل به كما، ذكر ذلك البخاري في خلق أفعال العباد٢، بل ذكره البيهقي نفسه حين أورد الأبيات المشهورة عن الإمام الشافعي فيما يتعلق بالقدر والمشيئة وهي قوله:
ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشألم يكن
خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن
وذكر بعد ذلك أن هذًا أيضًا مذهب أعلام الصحابة والتابعين ومذهب فقهاء الأمصار الأوزاعي ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم وغيرهم٣.
إلا أن البيهقي - وإن اتفق مع السلف على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وتابعة لمشيئته فإنه قد خالف السلف في أهم عنصر في هذه القضية ألا وهو قدرة العبد، وهل لها تأثير في فعله أم لا؟
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ص: ٦٨. ٢ خلق أفعال العباد ص: ١٧. ٣ الاعتقاد ص: ٧٣.
[ ٣٩٩ ]
فقد ذهب – ﵀ – إلى أن قدرة العبد لا تأثير لها في فعله، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٢. حيث قال مبينًا وجه استدلاله: "فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع، مع مباشرتهم إياه، وأثبت فعلها لنفسه، ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه، وإنما وجدت من عباده مباشرة تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقنا عز وجلعلى ما أراد، فهي من الله سبحانه خلق، على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة، وهي من عباده كسب على معنى تعلق قدرة حادثة بمباشرتهم التي هي إكسابهم"٣.
ثم أردف ذلك بذكر عبارة شيخه أبي الطيب الصعلوكي ملخصًا المبدأ الذي عناه البيهقي حيث قال راويًا عنه: "وكان الإمام أبو الطيب سهل بن محمّد بن سليمان يعبر عن هذا بعبارة حسنة فيقول: فعل القادر القديم خلق، وفعل القادر المحدث كسب فتعالى القديم عن الكسب وجل، وصغر المحدث عن الخلق وذل"٤.
وهذا تصريح من البيهقي ينفي تأثير قدرة العبد في فعله ويثبت له مجرد الكسب الذي اشتهر القول به عن جمهور الأشاعرة والمعروف بكسب الأشعري، يقول الآمدي - حاكيًا مذهب هؤلاء القوم - وذهب
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية: ١٧. ٢ سورة الواقعة آية: ٦٤. ٣ الاعتقاد ص: ٦٠، والقضاء والقدر ل: ٢٦. ٤ الاعتقاد ص: ٦١.
[ ٤٠٠ ]
أهل الحق إلى أن أفعال العباد مضافة إليهم بالاكتساب وإلى الله تعالى بالخلق والاختراع، وأنه لا أثر للقدرة الحادثة فيها أصلًا"١.
وقال الإيجي في المواقف: - المقصد الأوّل في أن أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، وليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنًا لهما فيكون فعل العبد مخلوقًا لله إبداعًا وإحداثًا، ومكسوبًا للعبد"٢.
ثم عرف الكسب المذكور بقوله: "والمراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته وإرادته من غير أن يكون منه تأثير"٣.
وقد أراد البيهقي ومن وافقه بإثبات الكسب محاولة التوسط بين مذهب الجبرية، ومذهب القدرية بجعلهم للعبد قدرة حادثة غير مؤثرة في فعله بخلاف ما ذهب إليه الجبرية من نفي قدرة العبد أصلًا، وما ذهب إليه القدرية من إثبات قدرة بها يخلق الإنسان فعله، إلا أن هذه محاولة يائسة؛ لأن مذهب الكسب يعود إلى مذهب الجبرية إذ النتيجة واحدة، لأن إثبات قدرة لا أثر لها إنما هو نفي للقدرة أصلًا، ولهذا قيل عن كسب الأشعري هذا إنه من الأمور التي لا تعقل، كما قال ابن القيم - ﵀ -: "لم يثبت هؤلاء من الكسب أمرًا معقولًا، ولهذا يقال محالات الكلام ثلاثة: كسب الأشعري، وأحوال أبي هاشم وطفرة النفام"٤.
_________________
(١) ١ غاية المرام للآمدي ص: ٢٠٧. ٢ المواقف بشرح الجرجاني (مطلب الإلهيّات) ص: ٢٣٧. ٣ المصدر السابق نفسه. ٤ شفاء الغليل لابن القيم ص: ١١٠.
[ ٤٠١ ]
وقد اعترف الأشاعرة أنفسهم بعدم وجود فرق بين مذهبهم وبين مذهب الجبرية، ولهذا التزم بعضهم القول بالجبر، كما فعل عضد الدين الإيجي حين قال عند مناقشته للمعتزلة في موضوع الحسن والقبح العقلين: "لنا أن الحسن والقبح ليسا عقليين وجوهًا:
الأول: أن العبد مجبور في أفعاله١.
ولا يختفى بطلان هذا المذهب، لأنه - مثل مذهب الجبرية - غلوّ في إثبات القدر بنفي صنع العبد أصلًا.
فالحق أن أفعال العبد من جملة مخلوقات الله وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، إلا أن هذا لا يلزم منه أن يكون العبد ليس فاعلًا حقيقة، ولا مريدًا ولا مختارًا. لأن كلّ دليل صحيح يقيمه القدرة فإنما يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأنه مراد له، مختار له حقيقة وأن نسبته وإضافته إليه إضافة حق، ولا يدل على أنه غير مقدور لله تعالى، وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته.
فإذا ضممت ما مع كل طائفة منهما من الحق إلى حق الأخرى، فإنما يدل ذلك على ما دل عليه القرآن وسائر كتب الله المنزلة من عموم قدرة الله، ومشيئته لجميع ما في الكون من الأعيان والأفعال، وأن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، وأنهم يستوجبون عليها المدح والذمّ.
_________________
(١) ١ المواقف بشرح الجرجاني ص: ٣٠٢.
[ ٤٠٢ ]
ولذلك فرق الله تعالى بين المستطيع القادر وغير المستطيع فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١، وقد أثبت سبحانه للعبد مشيئة وفعلًا كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. لكن الله سبحانه خالقه، وخالق كل ما فيه من قدرة ومشيئة وعمل، فإنه لا ربّ غيره ولا إله سواه، وهو خالق كلّ شيء وربه ومليكه"٤.
أما ما استدلّ به البيهقي لنفي تأثير قدرة العبد في فعله فإنه استدلال في غير محله، لأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ وليس فيه سلب لقدرة العبد على فعله، لأن القتل الذي نفاه سبحانه هنا إنما حصل بأمور خارجة عن قدرتهم، وقد كان هذا خاصًا في بدر حين أنزل الله ﵎ الملائكة، فكان المسلمون يرون رجالًا يقتلون ولا يرون من قتلهم، وهذا خرق للعادة في ذلك. إذ صارت رؤوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة، وصارت الجريدة تتحول إلى سيف يقتل به.
وكذلك رميه ﷺ لم يكن ليصل إلى عيون جميع المشركين لولا قدرة الله تعالى، فكان ما وجد القتل وإصابة الرمية خارجًا عن قدرتهم
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٩٧. ٢ سورة التكوير آية: ٢٨-٢٩. ٣ سورة الأحقاف آية: ١٤. ٤ انظر: شرح الطحاوية ص: ٤٣٢، وشفاء الغليل لابن القيم ص: ١١٢، ورسالة القضاء والقدر ضمن مجموع الرسائل الكبرى لابن تيمية٢/٩٣-٩٤.
[ ٤٠٣ ]
المعهودة، فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه. ولهذا نسب الله فعل الرمي إلى النبي ﷺ، ونفى عنه الإصابة وبه صح الجمع بين النفي والإثبات ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ أي: ما أصبت ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ إذ طرحت، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أصاب.
وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ضعف، كإنباع الماء وغيره من خوارق العادات، أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل١.
ولو أراد بذلك أن فعل العبد هو فعل الله لكان ينبغي أن يقال ذلك في كل فعل، ينفيه عن العبد، وإضافته إلى الله سبحانه.
أما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ فإن معنى الآية: أأنتم تصيرونه زرعًا، أم نحن نجعله كذلك٢. فهو سبحانه إنما نفى عنهم قدرتهم على إنبات ماحرثوا، ولهذا أثبت لهم فعل الحرث الذي هو وضع الحب في باطن الأرض – وذلك في صدر الآية حين قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ فأثبت هم فعلًا لقدرتهم عليه هو الحرث، ونفى عنهم ما هو خارج عن قدرتهم وهو الإنبات، فالآية إنما تدلّ على إثبات أن العبد قادر على فعله قدرة تأثير، إذ كان وضعه للحب في باطن الأرض سببًا في إنبات الله له.
إلا أن البيهقي لا يقول بتأثير الأسباب في مسبباتها ونفى أن تكون أعمال العبد سببًا للجزاء المترتب عليها إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ، لأن الأعمال - عنده - مجرد إعلام للثواب والعقاب عندها يكون ذلك الثواب أو العقاب لا بها كما تقدم في أعمال العباد التي قرر أن قدرة العبد لا تأثير لها فيها.
_________________
(١) ١ اننظر: مجموع الفتاوى١٥/٤٠. ٢ جامع البيان للطبري٢٧/١٩٨.
[ ٤٠٤ ]
وقد أوضح رأيه في كون أعمال العباد ليست سببًا لشقائهم أو نعيمهم بما أورده عن أبي سليمان الخطابي، وأبي الطيب الصعلوكي في المراد من حديث عمران بن حصين الذي قال فيه: قيل: "يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم. قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كل ميسر لما خلق له" ١.
قال البيهقي: "قال أبو سليمان الخطابي - ﵀ - فيما بلغني عنه في هذا الحديث: فأعلمهم ﷺ أن العلم السابق في أمرهم واقع على معنى تدبير الربوبية، وأن ذلك لا يبطل تكليفهم العمل بحق العبودية، إلا أنه أخبر أن كلًا ميسر لما دبر له في الغيب، فيسوقه العمل إلى ما كتب له من سعادة أو شقاوة، فيثاب ويعاقب على سبيل المجازاة، فمعنى العمل التعريض للثواب والعقاب وبه وقعت الحجة، وعليه دارت المعاملة.
وكان الشيخ أبو الطيب سهل بن محمّد بن سليمان - ﵀ - يقول: أعمالنا أعلام الثواب والعقاب"٢.
ثم عقب البيهقي على ذلك بقوله: "وليس لقائل أن يقول إذا خلق كسبه ويسره لعمل أهل النار ثم عاقبه عليه كان ذلك منه ظلمًا، كما ليس له أن يقول إذا مكنه منه، وعلم أنه لايتأتى منه غيره ثم عاقبه، كان ذلك منه ظلمًا، لأن الظلم في كلام العرب مجاوزة للحد، والذي هو خالقنا وخالق أكسابنا، لا آمر فوقه، ولا حاد دونه وكل من سواه خلقه وملكه، فهو يفعل في ملكه ما يشاء ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ "٣.
_________________
(١) ١ الاعتقاد ص: ٦٢. ٢ الاعتقاد ص: ٦٣. ٣ الاعتقاد ص: ٦٣. والآية من سورة الأنبياء آية: ٢٣.
[ ٤٠٥ ]
وهذا الكلام الذي ساقه البيهقي عن الخطابي والصعلوكي - معجبًا بما تضمنه - يدلّ على اعتقادهما أن الأعمال لا تأثير لها في جلب السعادة أو الشقاوة لصاحبها وإنما هي علامات عليها فقط، ولذلك عقب البيهقي بدفع ما قد يتوهم من الظلم في الجزاء الذي يحصل للعبد، ببيان أن العبد ملك لخالقه، وللمالك حق التصرف في مملوكه ولا يسأل – على أي وجه كان تصرفه – عن سبب ذلك التصرف، لأنه حر في ملكه يفعل به ما يريد ولا يكون ظالمًا مهما فعل.
وهذا الكلام الأخير - وإن كان صحيحًا في حق الله ﵎ لأن العباد لا يخرجون عن قدره سبحانه، ولا يسأل عما قدره على عباده من خير أو شرّ، إلا أن فعل العبد له تأثير في حصول القدر على الوجه الذي حصل عليه، لأنه عمل بالأسباب الموصلة إلى ما قدره الله ﵎ من خير أو شرّ.
كما قال ابن القيم - ﵀ -: "وقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي هي مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم وقد يسر كلًا لما خلقه له في الدنيا والآخرة، فهو مهيأ له ميسر له، فإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها، كان أشد اجتهادًا في فعلها، من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا االطريق يفضي به إلى رياض مونقة، وبساتين معجبة، ومساكن طيبة، ولذة نعيم لا يشوبه نكد ولا تعب كان حرصه على سلوكها، واجتهاده في المسير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها، ومتقضى لها، لا أنه مناف لها وصاد عنها.
[ ٤٠٦ ]
فالنبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلى أمرين هما سبب السعادة:
الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد، والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره، وتحجز عن شرّه، وذلك نظام االشرع١.
وهذا كان الإنسان مهتديًا بسلوكه الطريق الموصل إلى السعادة، ضالًا بسلوكه طريق الشر. والهداية والإضالال من المسائل التي كان رأي البيهقي فيها مرتبطًا برأيه في أفعال العباد، حيث جعل هذه المسألة - أعني الهداية والإضلال - من الأمور التي ليس للعبد فيها اختيار، مستدلًا على ذلك بمجموعة من الآيات والأحاديث، حيث أورد قوله ﷺ: "ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه" ٢.
وأورد بعده قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ٣.
وقال بعد ذلك: "وفيه وفي السنة دلالة على أن الله تعالى إن شاء هداهم وثبتهم، وإن شاء أزاغ قلوبهم وأضلهم"٤.
وهذا الكلام بظاهره هذا لا غبار عليه، إلا أنه أراد بذلك أن العبد ليس له عمل به يكون مهتديًا أو ضالًا، بناء على ما تقدم من أن قدرته لا تأثير لها في فعله، وليس الأمر كذلك بل العبد مهتد أو ضال بفعل نفسه الذي لا يخرج عن قضاء الله وقدره، فهو سبحانه يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه.
_________________
(١) ١ شفاء العليل ص: ٥٧. ٢ الاعتقاد ص: ٦٦، وقد تقدم الحديث في ص: (٣٨٧) من هذا البحث. ٣ سورة آل عمران آية: ٨. ٤ الاعتقاد ص: ٦٦.
[ ٤٠٧ ]
فاهتداء العبد هو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ ١ ولا سبيل إلى وجود الأثر إلاّ بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد٢.
وهكذا يتضح لنا أن ما ذهب إليه البيهقتي من القول بعدم تأثير قدرة العبد في فعله - موافقًا بذلك أصحابه الأشاعرة - مخالف للعقل والشرع معًا، لأن العقل يلاحظ من الإنسان قدرته على الفعل والترك بطوعه واختياره، أما الشرع فقد نسب الفعل إلى العبد في أكثر من موضع كما صرح بأن العبد وفعله مخلوقان لله ﵎، ومشيئة العبد تابعة لمشيئته سبحانه، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وهناك مسائل كنا نود لو عثرنا فيها على رأي للبيهقي مثل: مسألة هل يجب على الله بعض الأفعال، كالصلاح والأصلح، إلا أنه لم يتعرض لها، ولم يذكرها.
_________________
(١) ١ سروة الكهف آية: ١٧. ٢ انظر: شفاء العليل لابن القيم ص: ١٧٤.
[ ٤٠٨ ]