مقدمة
مقدمة الكتاب
بقلم الأستاذ
زيد بن عبد العزيز بن فياض
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركا فيه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم النبيين وأفضل الرسل، بعثه بالهدى ودين الحق، ﷺ وعلى آله وصحابته ومن تبعهم إلى قيام الساعة.
"وبعد" فإن الأمة الإسلامية مازالت بخير وهدى مستقيم عندما كانت متمسكة بعقيدتها التي جاء بها نبيها وسار عليها صحابته الكرام، حتى فشت عقائد زائغة وضلالات جائرة قد روجها ذوو الإلحاد وأهل الفتن، وتلقفها عنهم أناس- عموا عن الحق - عنادًا أو جهلا، فكانت عوامل هدم في الأمة فتفرق أمرها وتشتت جمعها، وظلت هذه العقائد الزائغة تعمل في تخريب عملها إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله.
وقيد الله للدفاع عن الإسلام، والذود عن حياضه، وتبيان عقائده الصحيحة من وفقه لهذا الأمر العظيم.
وما فتئوا في كل عصر وجيل يناضلون ويذبون عنه بأسنتهم وألسنتهم وأقلامهم وهم الطائفة المنصورة الذين قال عنهم النبي صلى الله علية وسلم "لا تزال طائفة
[ ١ / ٥ ]
من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يَأتِي أمر الله ﵎".
كان شيخ الإسلام أحمد بن تيمية من أجل علماء القرنين السابع والثامن للهجرة فجند وقته للرد على الملحدين وذوي الزيغ وجاهد بلسانه وسلاحه أعداء الإسلام وأهل البدع والخرافات، وصبر على الأذى والظلم، وترك ذكرًا طيبًا ومؤلفات نافعة تبلغ المآت وأنتفع بهذه الكتب خلق عظيم وكانت طريقته فيها الاستدلال بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وسيرة السلف، وأقوال علماء الإسلام مع أيراد الحجج العقلية والبراهين المنطقية في أسلوب واضح، وعبارة سلسلة، وعلم غزير يندر وجود مثيل له فيه.
وإن كانت كتبه المختصرة تحتاج إلى شيء من التوضيح وإظهار ما يقصده بكلامه فهو يشير إلى أشياء - لا تستوعب تلك الرسالة أو الكتاب المختصر- بسطها، وحينئذ قد لا يعرف قارئها مقصد الشيخ وهدفه من الإشارة التي ذكرها عرضًا وإيماء.
وليس كل من اطلع على رسالته تلك يعرف ما تعنيه. فمثلا "كتاب التدمرية" فيه عبارات وجمل يشير بها شيخ الإسلام إلى طوائف ومقاولات معروفة في كتب الملل والنحل ولكنها ليست معروفة لكل من قرأ هذا الكتاب لذلك فإن هذا الشرح الذي ألفه "الشيخ فالح بن مهدي" المدرس بكلية العلوم الشرعية يؤدي هذا الغرض ويجلو ذلك الغموض ويسد فراغًا في إيضاح مقاصد شيخ الإسلام في كتابه التدمرية.
وقد أحسن الأستاذ فالح صنعًا عندما جعل كتب شيخ الإسلام من أهم مراجعه التي استقى منها هذا الشرح.
والأستاذ فالح الذي يقوم حاليا بالتدريس في كلية العلوم الشرعية التي تخرج منها عام ١٣٧٧هـ هو من خير من أنجبتهم هذه الكلية وقد
[ ١ / ٦ ]
عرفته طالبا- في حلقات المشائخ- ثم دارسا في المعهد العلمي بالرياض- ثم في كلية الشريعة وأخيرا مدرسا في المعهد العلمي ثم في الكلية. وكان نبيهًا حافظًا طموحًا- متقدمًا بين أقرانه وزملائه.
ولم يكن الأستاذ فالح ممن فرش طريقه بالورود بل كان عصاميا فجد واجتهد حتى نال درجة هو بها جدير.
ولم يثن عزيمته فقدان البصر، بل ربما كان حافزًا له على الجد في الدراسة والتحصيل "وهو اليوم إذ يقدم هذا الشرح للعقيدة السلفية "رسالة التدمرية " فإنه بذلك يضيف إلى المكتبة العربية والإسلامية كتابا نفيسًا ينافح عن العقيدة السلفية، ويبين المذهب السلفي الصحيح الذي ينأى عن العقائد المحرفة والسفسطات المموهة والخرافات المشعوذة وهو مجهود ليس سهلا.. وعمل حرى بالتقدير والتكريم.
إنني أدرك ما في مثل هذا العمل من صعوبة وما يحتاجه من صبر وبحث فقد عانيت في شرحي للعقيدة الواسطية "المسمى الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية المطبوع في أواخر سنة ١٣٧٧ وأوائل سنة ١٣٧٨ والذي هو أول شرح مطبوع للعقيدة الواسطية أقول عاينت في ذلك الشرح ما جعلني أقدر مجهود الأخ فالح في هذا الكتاب الذي أرجو أن ينفع الله به، وأن يثبت مؤلفه خيرًا. وبالله التوفيق.
حرر في ١٨/٥/١٣٨٥ هـ زيد بن عبد العزيز بن فياض
[ ١ / ٧ ]
"حياة المؤلف"
بقلم أحد تلاميذه
علي بن حسن شهراني
في قرية (الهدار) خلف سعد بن مهدي الدوسري، وأسرته هموم الحياة وضيق العيش، واستوطنوا (ليلى) حاضرة - إقليم الأفلاج فقرت بها أعينهم، واطمأنت قلوبهم ورضيت نفوسهم بما نالوا فيها من رغيد العيش وطيب المقام عن طريق العمل والكدح.
مولده:
وتمضي الأيام سريعة الخطى حتى عام ١٣٥٢هـ إذ أهلت فرحة وولد أمل فرحة غمرت قلوب الأسرة وأمل أنتشت به نفوس أفرادها
تلك الفرحة وذلك الأمل مولد أستاذي الشيخ فالح بن مهدي.
نشأته:
ولد أستاذي فالح بن مهدي بن سعد بن مهدي بن مبارك آل مهدي الدوسري ونشأ كغيره من الأطفال في (ليلى) - الأفلاج -يقضي أوائل النهار في قراءة القرآن الكريم لدى أستاذه الأول "عبد العزيز بن يحيى بن سليمان البواردي" ويقضي أخره في مرح الطفولة وألعابها.
كف بصره:
وفي عام ١٣٦٢هـ وعمره عشرة أعوام أصيب برمد كف بصره وقد حزنت الأسرة لذلك كثيرا غير أن حزنها تضاءل عندما رأته يسير في قراءة
[ ١ / ٨ ]
القرآن بجد ونشاط فيختمه عن ظهر قلب خلال ثلاث سنوات أي في عام١٣٦٥هـ وعمره ١٣ عاما. ولم يثبط من عزيمة أستاذي وهمته الطامحه ورغبته في العلم كف بصره إلى أن يهجر مسقط رأسه في الرياض حاضره العلم ومنبع العرفان، ليدرس على مشائخها الأجلاء.
مشائخه:
درس على الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ النحو وثلاثة الأصول والفرائض، ثم على سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية كتاب التوحيد وكشف الشبهات والعقيدة الواسطية ولمعة الاعتقاد وبلوغ المرام وقطر الندى وكما درس في فترات على كل من الشيخ عبد اللطيف بن محمد آل الشيخ والشيخ سعود بن رشود والشيخ إبراهيم بن سليمان في علمي التوحيد والنحو.
لتحاقه بمعهد الرياض العلمي:
وفتح معهد الرياض العلمي عام١٣٧١هـ فالحق في السنة الثانية الثانوية ودخل صفوف الدراسة النظامية فسار فيها فكان في طليعة أقرانه على أيدي صفوة من علماء الفقه، والتوحيد، واللغة، والتفسير، والحديث حتى عام ٧٧ حيث أنهي دراسته العالية في كلية الشريعة، وبتخرجه ودع دنيا الدراسة إلى دنيا العمل حيث عين عام ١٣٧٨هـ مدرسا بمعهد الرياض العلمي ومكث به حتى عام ٨١ حيث رفع للتدريس بكلية الشريعة بالرياض ولا يزال بها حتى الآن.
أستاذي كما عرفته:
لقد عرفت أستاذي دينًا دمث الخلق متواضعا يحب التواضع يكره المظاهر أيا كانت يحب الحياة البسيطة لا يعكر صفوة سعادتها كدر.. يحب العلم وطلابه.
[ ١ / ٩ ]
ويسرني أن اختتم هذه العجالة بأبيات نظمها ووجهها إلى أبنائه مهدي وسعد ومبارك يحثهم فيها على طلب العلم والتحلي بمكارم الأخلاق:
تعلم بني العلم واتعب لنيله وزاحم ذوي التحصيل عند التعلم
ولا ترضين بالجهل ما عشت صاحبا ذوو الجهل أشباه لموتى ونوم
فبادر لأخذ العلم عن كل فاضل
حريص على الطاعات خاش التأثم
وصاحب من الطلاب برًا مهذبا وباعد من الشرير واحذره تسلم
وكن عاملًا بالعلم فالعلم خشية لذي العرش والتقوى أساس التفهم
وكن عارفًا حق المعلم ناطقا
بحسن سؤال منصتا للتكلم
وكن حافظا للوقت واعلم بأنه ثمين على الإنسان فاشغله تغنم
أمهدي وسعد والمبارك فاسمعوا
ولا تعدلوا عن نهج أهل التعلم
سألت إله العرش ربي وخالقي جزيل العطايا راحمًا ذا ترحم
يهبكم بني العلم والزهد والتقى وصل إله العالمين وسلم
على المصطفى الهادي إلى خير شرعة وأصحابه أهل التقى والتقدم
[ ١ / ١٠ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله رب العالمين يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله فاللهم اجعلنا من المهتدين وأصلى وأسلم على عبده ورسوله نبينا محمد الذي أرسله الله رحمة للعالمين وحجة على المعاندين وعلى آله وأصحابه وأتباعه الذين هم بهديه مستمسكون وعلى نهجه سائرون: -
أما بعد فإنه لما كان عام ألف وثلاثمائة وإحدى وثمانين للهجرة صدر أمر من نائب المفتي لشؤون الكليات والمعاهد العلمية صاحب الفضيلة الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ بنقلي من التدريس بمعهد الرياض العلمي إلى التدريس بكلية العلوم الشرعية، وكان مما أسند إلي تدريسه بها مادة التوحيد للسنة الأولى وكان المقرر فيها "الرسالة التدمرية" لشيخ الإسلام بن تميمة وقد لاحظت أثناء تدريسي هذه الرسالة أنها في حاجة "ماسة إلى شرح يكشف النقاب عن غامضها ويميط اللثام عن مراميها" ويجمع مفصلها ويوضح مجملها فاستعنت الله تعالى على تأليف هذا الشرح وهو وإن كان مختصرا إلا أنه قد يستعين به الطالب القاصر المستفيد ولا يستغني عنه الأستاذ الراغب المستزيد، بذلت فيه الجهد والوسع رجاء أن يعم الله بنفعه وأن لا يحرمني أجره فرب دعوة مخلصة من مستفيد منه قبلها الله فكانت لي ذخرًا يوم لقاه راجيا ممن وقف عليه أن يعمل بما قاله الأول:
إن تجد عيبا فسد الخللا جل من لا عيب فيه وعلا
وسميته "التحفه المهدية" شرح الرسالة التدمرية:
وما توفيقي إلى بالله عليه توكلت وهو حسبي ونعم الوكيل:
[ ١ / ١١ ]
صدق العزائم واللجاء لا لهنا أقوى سبب
توفيق ربي وحده نعم المؤمل في الطلب
والشوق خير مطية
تطوي الفيافي في طرب
بالأمس كنت وفكرتي
واليوم تقرأ في كتب
هذي رسالة تدمر
لإمامنا عال الرتب
أحببت تنبيها على
ما كان فيها منتقب
أو مجملا فصلته والشرح بسط المقتضب
أسميته "مهدية"
بل تحفة عبر الحقب
نهج الرسول وصحبه نهج الأئمة لا عجب
قد شع فيها نوره يرمي الضلالة بالشهب
يرمي ضلالة واصل مع جهمهم أو من قرب
صلى الإله وسلما ما هل ودق من سحب
على النبي وصحبه بيض الصحائف والنجب
فالح بن مهدي بن آل مهدي المدرس بكلية العلوم الشرعية بالرياض
في غرة شهر ذي الحجة عام ١٣٨٤ من هجرة المصطفى ﷺ
[ ١ / ١٢ ]
نبذة عن حياة شيخ الإسلام ابن تيمية
وهذا أوان الشروع في المقصود
قوله:
قال الشيخ الإمام العالم العلامة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ﵁ وأرضاه:
ش: الشيخ جمعه أشياخ وشيوخ وهو إما مصدر شاخ أو صفة وسمي المؤلف شيخا لما حوى من كثرة المعاني لأن معناه في الاصطلاح من بلغ رتبة أهل الفضل ولو صبيا، وأما في اللغة فمعناه من جاوز الأربعين، وقوله:- الإمام- معناه لغة المقدم على غيره، وفي الاصطلاح من يصح الإقتداء به، وله معان أخر، والعالم كل من اتصف بالعلم ولو كان مبتدئًا في الطلب، والعلامة- صفة مبالغة فلا يوصف بها إلا من حاز المعقول والمنقول والمراد بها هنا كثير العلم وقوله "شيخ الإسلام" أي عالم الإسلام وحجة الإسلام وذلك لما امتاز به على غيره من فرط الذكاء وسيلان الذهن وقوة الحافظة وغزار ة العلم، فقد كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله ولم يبرح رحمه الله تعالى في ازدياد من العلم وتدريسه ونشره والاجتهاد في سبيل الخير حتى انتهت إليه الإمامة في العلم، والعمل، والزهد، والورع والحلم، والأناة، وبهذا استحق أن يلقب بحق شيخ الإسلام فهو كقولهم حجة الإسلام، ومعنى اللقبين العالم بعلوم الشريعة والحجة فيها.
وقوله "تقي الدين" أي صينه ونقيه، فقد كان ورعًا صواما ذاكرًا لله تعالى في جميع أحواله عابدًا ناسكًا وقافًا عند حدود الله، وقوله "أبو العباس " أحمد: يعني- ابن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين أبي
المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي
[ ١ / ١٣ ]
البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني نزيل دمشق.
وقد ذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان أن المسؤول عن اسم تيمية هو محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله: فعلى هذا يكون عبد السلام بن عبد الله بن محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله المعروف بابن تيمية: قوله: "ابن تيمية " سبب نسبته إلى تيمية هو ما ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ "اربل " قال سألت محمدا يعني ابن الخضر عن اسم تيمية ما معناه " فقال حج أبي أو جدي أنا أشك أيهما قال: وكانت امرأته حاملا فلما كان بتيماء رأى جويرية حسنة الوجه قد خرجت من خباء فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد وضعت جارية فلما رفعوها إليه قال: يا تيمية يا تيمية، يعني أنها تشبه التي رآها بتيماء فسمي بها أو كلاما هذا معناه وتيماء بليدة في بادية تبوك إذا خرج الإنسان من خيبر إليها تكون على منتصف طريق الشام. وتيمية نسبة إلى هذه البليدة وكان ينبغي أن تكون تيماوية لأن النسبة إلى تيماء تيماوي لكنه هكذا قال واشتهر كما قال:
قوله الحراني نسبة إلى حران وهي مدينة مشهورة ذكر ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تاريخه أن هارون عم إبراهيم الخليل ﵊ عمرها فسميت باسمه فقيل هاران ثم أنها عربت فقيل
حران وهاران المذكور هو أبو سارة زوجة إبراهيم وكان لإبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أخ يسمى هاران أيضا وهو أبو لوط ﵇. وقال الجوهري في كتاب الصحاح حران اسم بلد والنسبة إليه حرناني على غير قياس والقياس حراني على ما عليه العامة وهذه الكلمة الوجيزة عبارة عن تقدمة تعريفية بالمؤلف تشير إلى مكانته العلمية ونسبه ووطنه فهي من بعض تلاميذه أو غيرهم ممن نسخو هذه الرسالة أما صلب
[ ١ / ١٤ ]
كلام المؤلف فيبدأ من قوله الحمد لله نحمده ونستعينه:
وقد ولد الشيخ بحران يوم الاثنين عاشر وقيل ثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ستمائة وإحدى وستين هجرية وسافر والده به وبإخوته عند جور التتار إلى دمشق أثناء سنة ستمائة وسبع وستين وقد برع في الفنون العديدة وهو ابن بضع عشرة سنة فانبهر أهل دمشق من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وقوة حافظته وسرعة إدراكه وقد سمع العلم عن أكثر من مائتي شيخ وجهاده بلسانه وسنانه في سبيل الله مشهور معروف وقد حسده منافسوه وسعوا في مكيدته بغيا وعدوانًا وجرى له من المحن أشياء كثيرة منها محنته بسبب تأليفه الحموية ومنها سجنه بسبب فتياه في الطلاق ولما كان في سنة سبعمائة وست وعشرين وقع الكلام في شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين فأفتى الشيخ ﵀ بالمنع عن شد الرحال فحصل ما حصل من قضاة عصره وعلماء زمانه فحبس بأمر من السلطان بقلعة دمشق وقد بقي
مقيما بهذه القلعة سنتين وثلاثة أشهر وأياما ثم توفي إلى رحمة الله ورضوانه سنة سبعمائة وثمان وعشرين: وكان في هذه المدة مكبًا على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين فما حاله مع خصومه إلا كما قال الشاعر:
فإن تسجنوا القسرى لا تسجنوا اسمه ولا تجنوا معروفه في القبائل
وإذا صح لنا أن نسلب معنى بيت الشاعر قلنا:
فإن تسجنوا التيمي لا تسجنوا اسمه ولا تسجنوا مأثورة في العوالم
[ ١ / ١٥ ]
خطبة الحاجة
قوله:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبد هـ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١ / ١٥ ]
ش: هذه خطبة الحاجة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه روى الإمام أحمد والأربعة من حديث عبد الله بن مسعود قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الحاجة: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله": والحاجة هنا عامة تقال في النكاح وغيره كما في الرواية التي عند البيهقي من حديث ابن مسعود إذا أراد أحدكم أن يخطب لحاجة من النكاح أو غيره فليقل "الحمد لله نحمده ونستعينه" الخ.
ويشهد لهذا ما روي من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا كلم النبي ﷺ في شيء فقال النبي ﷺ "إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".
أما بعد:
قال شيخ الإسلام بن تيمية: والأحاديث كلها متفقة على أن نستعينه نستغفره ونعوذ به بالنون والشهادتان بالإفراد، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وقد ذكر لهذا علة وجيهة ونكتة بديعة وهي قوله "لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال افرد الشهادة بها: ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار أمورًا تقبل النيابة فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله أتى فيها بلفظ الجمع " ولهذا يقول: اللهم أعنا واغفر لنا، قال وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه
[ ١ / ١٦ ]
بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره فإنه إنما يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه والله أعلم، "وقد جاء لفظ الحمد في بعض الروايات بغير النون وفي حديث ابن عباس نحمده بالنون مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة فإن كانت هذه اللفظة محفوظة فيه فقد جاءت بهذه الصيغة لتكون ألفاظ الحمد والاستعانة والتعوذ والاستغفار على نسق واحد" وقوله: "من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" يعني أن الهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله ورحمته ويضل من يشاء بعدله وحكمته وهو أعلم بمواقع فضله وعدله وهو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة:
قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أولِياءَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى أمثال هذه الآيات الكريمة الدالة علي هذا المعنى: فمن العباد الشقي وهو من أضله بعدله ومنهم السعيد وهو من وفقه وهداه بفضله فلله الحمد على فضله وعدله.
وهذه الخطبة كثيرًا ما يفتتح بها المؤلفون كتبهم اقتداء بالنبي ﷺ حيث جاء عنه ﷺ أنه كان في غالب أحواله يفتتح خطبه بخطبة الحاجة وذلك والله أعلم لما اشتملت عليه من صدق اللجاء إلى الله وطلب العون منه والاعتماد عليه والتبري من الحول والقوة إلا به سبحانه والإقرار بوحدانيته وطلب المغفرة منه والاستعانة به من شرور النفس وسيئات الأعمال.
[ ١ / ١٧ ]
الداعي إلى تحقيق أصلي التوحيد
قوله:
أما بعد: فقد سألني من تعينت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد، والصفات، والشرع، والقدر لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين وكثرة الاضطراب فيهما. فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر، والعلم، والإرادة، والعبادة: لابد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر، والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال. لاسيما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارة وبالباطل تارات، وما يعتري القلوب في ذلك: من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات.
ش: يشير المؤلف إلى أن هذه الرسالة عبارة عن مجموعة تقريرات سمعها منه تلاميذه فعز عليهم أن تترك دون تقييد لها مع دعاء الحاجة إلى ذلك والظاهر أن التلاميذ الذين سألوه كتابتها كانوا من أهل "تدمر" كما قال تلميذه ابن عبد الهادي عند بيانه لمصنفات الشيخ قال: ورسالة كتبها لأهل تدمر- انتهى: وتدمر بلدة من بلدان الشام من أعمال حمص وهذا وجه نسبة الرسالة إليها وقد بين المؤلف الأسباب التي من أجلها ألف هذه الرسالة وهي أولا مسيس الحاجة إلى تحقيق الأصلين، ثانيا كثرة الاضطراب فيهما
وقوله " فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما ومع أن أهل النظر" الخ.
الظاهر أن خبر إن في قوله- فإنهما - إلى قوله من الشبه - التي توقعها في أنواع الضلالات- محذوف تقديره لفي أمس الحاجة إلى التحقيق والإيضاح الكامل والبيان الشافي، وقد أشار المؤلف فيما بين ذلك إلى الأسباب الموجبة للتحقيق والإيضاح وهي أولا: حاجة الناس إلى هذين الأصلين إذ بهما قوام الدين. ثانيا: أن أهل النظر والعلم والإرادة والعبادة، يحصل عندهم من الخلجات النفسية في هذا الباب ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال خاصة وأن هذا الباب قد خاض فيه بعض الناس
[ ١ / ١٨ ]
بالحق تارة وبالباطل مرات عديدة مما سبب بعث الشبه وإدخال الشكوك إلى القلوب، والذين يقومون بهذا الخوض هم الذين اندسوا في عداد المسلمين لا رغبة في الإسلام بل ليكيدوا له ولأهله فإن العقيدة السلفية مازالت على منصة العزة وقمة الكرامة حتى استطاع أعداء الإسلام أن يندسوا بين ظهراني المسلمين وأن يلبسوا الحق بالباطل ويزخرفوا الشبهات والشكوك باسم الدين وفي صورة تنزيه الله عما لا يليق به فردوا آيات الله وحرفوا كتاب الله وعطلوا صفاته العليا وأسماءه الحسنى التي وصف بها نفسه
ووصفه بها نبيه محمد ﷺ ومازالوا يجلبون بنظريات اليونان ومقالات الفرس والهند وآراء الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وإخوانهما من أولئك الزائفين الملحدين حتى راجت تلك الترهات ومضت في طريقها إلى القلوب المريضة تفرح بها والى الأقلام الموبوءة تسجلها على الصحف وتسود بها وجوه الكتب وتنقلها جراثيم فساد وإفساد إلى الذين فتنوا بها فتلوث العقول والفطر وإذًا. فثالث الأسباب لتحقيق هذين الأصلين هو كثرة من خاض في هذا الباب بالحق تارة وبالباطل تارات. ورابعها ما يعتري القلوب من الشبه التي توقعها في أنواع الضلالات ونتيجة لذلك أصبحت كتب التوحيد بحاجة إلى من يصقلها ويبعد عنها تلك الترهات والشبه التي دسها هؤلاء المغرضون بحيث يعود التوحيد صافيا نقيا لا لبس فيه كما كان في عهد الرسالة حيث كان محمد بن عبد الله ﷺ يبلغ عن ربه
ثم ينقل عنه صحابته "ذلك التوحيد ناصع البياض " والمقصود أن هذين الأصلين بعد خلط كتب التوحيد بعلم الكلام ومقالات الفرس واليونان قد أصبحنا في حاجة ماسة إلى التحقيق وبيان الهدى من الضلال ولقد أحسن القائل:
لا تخش من بدع لهم وحوادث ما دمت في كنف الكتاب وحرزه
من كان حارسه الكتاب ودرعه لم يخش من طعن العدو ووخزه
[ ١ / ١٩ ]
لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ما قابلتك بنصره وبعزه
والله ما هاب امرؤ شبهاتهم إلا لضعف القلب منه وعجزه
والشبهات جمع شبهة "وهي برزخ بين الحق والباطل " وقد جعل الله ﷿ بين كل متباينين برزخًا وأهل النظر والعلم والإرادة والعبادة هم قوم من أهل السلوك والسير إلى الله والنظر هو التأمل والتفكر في آيات الله الأفقية والنفسية والعلم هو النور الذي يقذفه الله في القلب وذلك بأن يتحقق انتفاعه مما دعته إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم والإرادة هي العقد الجازم على المسير، ومفارقة كل قاطع وعائق، ومرافقة كل معين وموصل، والعبادة "هي كمال الذل والخضوع لله والانكسار له والافتقار إليه مع كمال الحب" وكل هذه الأوصاف التي ذكر المؤلف هي منازل أهل السير إلى الله.
[ ١ / ٢٠ ]
الكلام في باب توحيد الربوبية من باب الخبر، وفي باب الشرع من باب الإنشاء
قوله:
فالكلام في باب "التوحيد والصفات " هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، "والكلام في الشرع والقدر" هو من باب الطلب، والإرادة: الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفيا وإثباتا،
والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات، والتصديق، والتكذيب، وبين الحب والبغض، والحض والمنع، حتى أن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة وعند أصناف
المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الإيمان وكما ذكره المقسمون للكلام، من أهل النظر، والنحو، والبيان، فذكروا أن الكلام نوعان خبر، وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات والإنشاء أمر، أو نهي، أو إباحة.
ش: الخبر معناه الكلام المخبر به كما في قولهم الخبر هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، فالخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته،
[ ١ / ٢٠ ]
ويجوز أن يثبت كما يجوز عليه أن ينفى مع قطع النظر عن قائله. وذكر المؤلف أن التوحيد الطلبي الإرادي منقسم إلى مطلوب مراد، وإلى ممنوع مبغض، وقوله في الأول نفيا، وإثباتا معناه أن منه ما يثبت كإثبات أن الله الخالق الرازق، الموصوف بصفات الكمال، ومنه ما ينفى كنفي الشريك له والمثل والكفؤ، وقوله كما ذكره الفقهاء في كتاب الإيمان يعني عند ذكرهم أن اليمين لابد أن تكون على مستقبل ممكن فلا تنعقد على ماض كاذبًا عالمًا به "وهي الغموس " أو ظانًا صدق نفسه فيتبين بخلافه ومعناه الثاني أن منه ما هو مثبت كالأوامر فهي مراد مطلوب فعلها، ومنفي، كالنواهي. ففعلها
مكروه مبغض ممنوع وذكر أن الفرق بين الإثبات والنفي، والتصديق والتكذيب، وبين المحبوب المراد، وبين المكروه المبغض، معروف لدى كل أحد. مستقر في الفطر وقد نص على ذلك الفقهاء والأصوليون
والباحثون في قواعد اللغة العربية والبلاغة، فإن صحة هذا التقسيم اللفظي تابع لصحة انقسام المدلول المعنوي، فإن هذه حقائق ثابتة في نفسها معقولة متميزة يميز العقل بينها ويحكم بصحة أقسامها.
فالمقصود أن معاني الكلام: أما طلب، والطلب أمر ونهي "وهو الإنشاء" وأما خبر وهو ما يصح إثباته كما يصح نفيه لذاته " فمن الطلبي الإرادي توحيد، الشرع "والقدر" فمنه ما هو مطلوب مراد محبوب" كالتوحيد وسائر الطاعات "ومنه ما هو مبغض ممنوع "كالشرع والمعاصي" ومن الخبري "توحيد الربوبية والأسماء والصفات، فمنه ما يثبت كأوصاف الكمال ونعوت الجلال، ومنه ما ينفي، كنفي النقص والعيوب والشريك والمثيل.
[ ١ / ٢١ ]
ما يجب على العبد في كل منهما
قوله:
وإذا كان كذلك، فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال ولابد له
[ ١ / ٢١ ]
في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره فيؤمن بخلقه التضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه، من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره أيمانًا خاليا من الزلل.
ش: يقول المؤلف وإذا كان منقسمًا إلى منفي ومثبت. والطلب إلى محبوب مراد. ومبغض ممنوع، فيجب في باب الصفات أن يثبت لله من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، ما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ كما أنه يجب نفي النقائص والعيوب عن الله سبحانه وسيَأتِي شرح هذه الجملة إذ شاء الله تعالى، إذ الكلام على هذا الأصل هو جل موضوع هذه الرسالة.
وأما الأصل الثاني وهو"توحيد الشرع والقدر" فيجب أن يثبت لله ويسلم له ما شرعه من أحكام ويؤمن بقدر السابق، فإن الإيمان بالقدر مرتبط بامتثال الشرع، وامتثال الشرع مرتبط بالإيمان بالقدر، وانفكاك أحدها من الآخر محال، فإن الإقرار بالقدر مع الاحتجاج به على الشرع ومحاربته به مخاصمة لله تعالى في أمره وشرعه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وطعن في حكمته وعدله، وانتقاد عليه في إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونسبة أحكم الحاكمين وأعدل العادلين إلى العبث والظلم، في ذلك كله وكذلك الانقياد "للشرع " مع نفي القدر وإخراج أفعال العباد ذلك كله، وكذلك الانقياد "للشرع" مع نفي القدر وإخراج أفعال العباد عن قدرة الباري وجعلهم مستقلين مستغنين عنه طعن في ربوبية المعبود وملكوته ونسبته إلى العجز، فالإيمان بالقدر"خيره وشره " هو نظام التوحيد كما أن الإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره واستعانة الله عليهما "هو نظام الشرع" ولا ينتظم أمر الدين ولا يستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال: لما قيل له، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: "لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له" فمن نفى القدر وزعم منافاته للشرع فقد عطل الله عن علمه وقدرته ومعاني
[ ١ / ٢٢ ]
ربوبيته، وجعل العبد مستقلا بأفعاله، خالقًا لها فأثبت خالقًا آخر مع الله تعالى، بل أثبت أن لجميع المخلوقين خالقون ومن أثبته محتجًا به على الشرع محاربًا له به نافيا عن العبد قدرته التي منحه الله تعالى إياها وأمره ونهاه، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم، وإلى العبث، وإلى ما لا يليق به، فالمؤمنون حقا يؤمنون "بالقدر خيره وشره" وأن الله تعالى خالق ذلك كله لا خالق غيره ولا رب سواه وينقادون للشرع أمره ونهيه ويصدقون خبر الكتاب والرسول ويحكمونه في أنفسهم سرًا وجهرًا وهذا هو الإيمان الخالي من الزلل.
[ ١ / ٢٣ ]
دلالة سورتي الإخلاص على أنواع التوحيد
قوله:
وهذا يتضمن" التوحيد في عبادته"وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن" التوحيد في العلم والقول" كما دل على ذلك سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ودل على الأخر سورة ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان النبي ﷺ يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر، وركعتي الطواف، وغير ذلك.
ش: الإشارة في قوله "وهذا" راجعة إلى توحيد الشرع والقدر وكما يسمى بذلك، يسمى أيضا التوحيد الطلبي الإرادي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية. والتوحيد الفعلي نسبة إلى أفعال العباد، وتوحيد القصد والعمل، فهذه كلها ألقاب لهذا النوع وقوله "والأول " يعني "توحيد الربوبية والأسماء والصفات " السابق ذكره في كلامه ﵀، ويسمى هذا النوع، التوحيد العلمي، القولي والعلمي الخبري. وتوحيد الربوبية، والأسماء والصفات وتوحيد المعرفة والإثبات، والإشارة في قوله "كما دل على ذلك "
راجعة إلى "توحيد الربوبية، والأسماء والصفات " وقوله "ودل على الآخر"يعني "وهو توحيد العبادة " وقوله "وهما سورتا الإخلاص، الضمير راجع إلى سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسورة ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وسميتا
[ ١ / ٢٣ ]
بالقصد والإرادة " وأما سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فمتضمنة للتوحيد القولي العلمي كما ثبت في الصحيحين عن عائشة
﵂ أن رجلا كان يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في صلاته فقال النبي ﷺ سلوه لم يفعل ذلك؟ فقال: لأنها صفة الرحمن فإنا أحب أن أقرأ بها فقال أخبر وه أن الله يحبه، "فقل يا أيها الكافرون" اشتملت على التوحيد العملي نصا؟ وهي دالة على العلمي لزومًا و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
اشتملت على التوحيد القولي نصا وهي دالة على التوحيد العملي لزومًا. ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، والظاهر أن السر في قراءته ﷺ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وسورة ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ في ركعتي الطواف أنه لاستحضار عظمة الله وإشعار القلب أن الطواف بالكعبة ليس عبادة لها، وإنما هو عبادة الله الأحد الصمد الذي لا يستحق العبادة سواه، وإنما الطواف كسائر العبادات امتثالا لأمر الله وشرعه، على حد قول عمر ﵁، لما قبل الحجر الأسود "والله أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" وقوله: وغير ذلك، يعني كالمغرب والوتر فإن النبي ﷺ كان يقرأ بهما في ذلك، لأن المغرب خاتمة النهار، والوتر خاتمة عمله بالليل كما كان يقرأ بها في الفجر ليكون أول نهاره توحيدًا.
[ ١ / ٢٤ ]
الأصل في باب الأسماء والصفات
قوله:
فأما الأول، وهو التوحيد في الصفات فالأصل في هذا الباب أن
[ ١ / ٢٤ ]
يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله نفيا وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه.
ش: قوله فأما الأول. يعنى من الأصلين وهو توحيد الأسماء والصفات: فالأصل فيه أن يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله ﷺ فيما صح عنه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه رسوله ﷺ، قال الإمام أحمد "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث " ويعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي. بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بها يقول، وأنصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان، والتعريف،
والدلالة، والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك "ليس كمثله شيء" لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله: فكما نستيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقول الإمام أحمد "لا يتجوز القرآن والحديث " معناه أن الأسماء والصفات توقيفية، فمصدرها الكتاب والسنة.
[ ١ / ٢٥ ]
نموذج مما ورد عن بعض السلف في هذا الباب
يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله نفيا وإثباتا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه وينفي عنه ما نفاه عن نفسه.
ش: قوله فأما الأول. يعنى من الأصلين وهو توحيد الأسماء والصفات: فالأصل فيه أن يوصف الله بما وصف به نفسه في كتابه العزيز، وبما وصفه به رسوله ﷺ فيما صح عنه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه رسوله ﷺ، قال الإمام أحمد "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث " ويعلم أن ما وصف الله به نفسه من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي. بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بها يقول، وأنصح الخلق في بيان العلم وأفصح الخلق في البيان، والتعريف،
والدلالة، والإرشاد، وهو سبحانه مع ذلك "ليس كمثله شيء" لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله: فكما نستيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقول الإمام أحمد "لا يتجوز القرآن والحديث " معناه أن الأسماء والصفات توقيفية، فمصدرها الكتاب والسنة.
قوله:
وقد علم أن طريقة سلف الأمة، وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه، مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحاد: لا في أسمائه ولا في آياته.
ش: معناه أن السلف ﵃ ورحمهم لا يتجاوزون طريقة الكتاب والسنة ولا يخالفون ما جاء فيهما بل يؤمنون بذلك ويصفون الله بما
[ ١ / ٢٥ ]
وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ والمراد بالسلف الصحابة والتابعون وتابعوهم وكل من سلك طريقهم فهو سلفي نسبة إليهم ومعنى السلف المتقدمون بعكس الخلف فإنهم المتأخرون، فمن جاء بعد القرون المفضلة وسلك طريقة المبتدعين فهو من الخلف ومن هؤلاء السلف "الإمام أحمد، ونعيم بن حماد، ومحمد بن إدريس الشافعي، والإمام مالك بن أنس" وبناسب أن نذكر هنا بعض ما جاء عن هؤلاء الأئمة في الصفات قال نعيم بن حماد شيخ البخاري رحمهما الله "من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيه ولا تمثيل " وقال الإمام الشافعي: ﵀ لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا جهلها فمن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر وأما قبل قيام الحجة فيعذر بالجهل، وقد سبقت الإشارة إلى بعض ما جاء عن الإمام أحمد. في هذا الباب، أما الإمام مالك ﵀ فيَأتِي بعض ما جاء عنه في هذا الباب في موضعه من هذه الرسالة. والتكييف معناه تعيين كنه الصفة، يقال كيف الشيء أي جعل له كيفية معلومة، وكيفية الشيء صفته وحاله، ومعنى التكييف اصطلاحا تعيين كنه الصفة وكيفيتها: فالمكيفة هم الذين يطلبون تعيين كنه صفات الباري، وهذا مما استأثر الله به، فلا سبيل إلى الوصول إليه، والتمثيل هو التشبيه، يقال مثل الشيء بالشيء إذا سواه وشبهه به وجعله مثله، وعلى مثاله فالشبيه والمثيل والنظير ألفاظ متقاربة، ومعنى التحريف تغيير ألفاظ الأسماء والصفات أو تغيير معانيها: فالتحريف لغة التغيير وإمالة الشيء عن وجهه: يقال أنحرف عن كذا أي مال وعدل- واصطلاحا هو تغيير ألفاظ الأسماء والصفات أو معانيها: فالتحريف ينقسم إلى قسمين، الأول تحريف اللفظ كقراءة بعض المبتدعة قول الله سبحانه ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بنصب لفظ الجلالة، والثاني: التحريف المعنوي، كقولهم
[ ١ / ٢٦ ]
في قوله ﷾ ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى عليه: والتعطيل لغة الاخلاء، يقال جيد عطل- أي خال من الزينة ومعناه هنا جحد الصفات، وإنكار قيامها بذاته سبحانه، ونفي ما دلت عليه من صفات الكمال، وقوله "من غير إلحاد" أي من غير ميل وعدول عن الحق الثابت والإلحاد معناه لغة الميل والعدول عن الشيء، ومنه اللحد في القبر لانحرافه إلى جهة القبلة، واصطلاحا العدول بأسماء الله وصفاته وآياته عن الحق الثابت، فإن إتباع رسوله وورثته القائمين بسنته لم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدولوا بها عما أنزلت له لفظا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتهم بريئًا من التشبيه، وتنزهيهم خاليا من التعطيل، لا كمن شبهه حتى كأنه يعبد صنما أو عطله كأنه يعبد عدمًا، فإثبات أوصاف الكمال ونفي المماثلة هي طريقة أتباع الرسل وورثة الأنبياء، بخلاف الذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويتأولون نصوص الصفات على غير تأويلها، ويدعون فيها صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بغير دليل سوى آرائهم الكاسدة وشبههم الفاسدة التي ظنوها بينات وإنما هي في واقع الأمر جهالات وضلالات فتأويلهم لنصوص الصفات حقيقته تحريف كلام الله وكلام رسوله عن مواضعه، وكذب وافتراء على الله وعلى رسوله، فإن التأويل الصحيح هو الذي يوافق ما جاء في الكتاب والسنة، وما خالف ذلك باطل: فإن كل تأويل لم يدل عليه دليل من الكتاب ولا معه قرينة تقتضيه فهذا لا يقصده الهادي المبين بكلامه إذ لو قصده لحف به قرائن تدل على المعنى المخالف لظاهره حتى لا يوقع السامع في اللبس والخطأ: فإن الله أنزل كلامه بيانًا وهدى، فإذا أراد به خلاف ظاهره ولم يلحق به قرائن تدل على المعنى الذي يتبادر غيره إلى فهم كل أحد لم يكن بيانًا وهدى. فالتأويل إخبار بمراد المتكلم لا إنشاء، فإذا قيل يعنى اللفظ كذا وكذا كان إخبارا بالذي عنى
[ ١ / ٢٧ ]
المتكلم فإن لم يكن الخبر مطابقًا كان كذبًا عليه.
قوله:
فإن الله تعالى ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كانوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إن الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الآية فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل. كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ففي قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل وقوله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد للإلحاد والتعطيل.
ش: يعني أن السلف أثبتوا لله أوصاف الكمال ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فلم يسلكوا طريقة المبتدعين الذين ذمهم الله على إلحادهم وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ووجه الذم في الآية الأولى أن الله أمر بترك الملحدين واجتناب طريقتهم وتهددهم له تعالى بقوله ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كانوا يَعْمَلُونَ﴾ بعد أن أخبر بأن له الأسماء الحسنى- وهي الكاملة العليا- وفي الآية الثانية أخبر أن إلحاد الملحدين غير خاف عليه سبحانه، بل هو يعلمه، وهذا تهديد لهم أكده بقوله ﴿َأفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فأخبر أن الآمنين هم الذين لا يلحدون في آياته، والذين يلقون في النار هم الملحدون ثم توعدهم بقوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ أنهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ والعرب قد تخرج الكلام بلفظ الأمر ومعناه فيه النهي، أو التهديد والوعيد كما قال تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فقد خرج ذلك مخرج الأمر، والمقصود به التهديد والوعيد والزجر، والشاهد من الإلحاد هنا هو إلحاد التشبيه، والحاد التعطيل، فإن للإلحاد خمسة
[ ١ / ٢٨ ]
أقسام: ثالثها تسمية الأصنام بأسماء الله كتسمية اللات من الإله، والعزى من العزيز، ونحوه: ورابعها تسميته سبحانه بما لا يلق بجلاله، كتسمية النصارى له أبًا وتسمية الفلاسفة له موجبًا أو علة فاعله: وخامسها وصفه بما يتعالى ويتقدس عنه من النقائص كقول أخبث اليهود أن الله فقير، وقولهم يد الله مغلولة فذم الملحدين بالتشبيه لتشبيههم صفات الله بصفات خلقه، وذم الملحدين بالتعطيل لتعطيلهم الأسماء الحسنى عن معانيها وجحد حقائقها، تعالى الله عن قول الملحدين علوًا كبيرًا: والمقصود أن السلف أثبتوا لله ما يجب إثباته إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، على مقتضى قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ والكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أصح الأقوال فيها أنها صلة والحروف الزائدة تأتي في الأسلوب العربي لتقوية المعنى وتأكيده كما في قول الشاعر:
ليس كمثل الفتى زهير خلق يوازيه في الفضائل
وعلى هذا يكون المعنى ليس مثل الله شيء: والقول الثاني أن الكاف بمعنى مثل، وعلى هذا يكون المعنى ليس مثل الله شيء، ووجه كونها ردا على المشبهة، الممثلة، النفي الصريح بأنه ليس مثل الله شيء ووجه كونها ردًا على أهل الإلحاد والتعطيل، أن فيها نسبة السمع والبصر إلى الله حقيقة، وذلك يقتضي أتصاف الباري بها وإذا كان متصفًا بها وهى على ما يليق به فكذلك سائر الصفات.
[ ١ / ٢٩ ]
بعث الله رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل
قوله:
والله سبحانه: بعث رسله "بإثبات مفصل، ونفي مجمل، فاثبتوا لله الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا؟﴾
[ ١ / ٢٩ ]
قال أهل اللغة هل تعلم له سميا؟ أي نظيرًا يستحق مثل اسمه، ويقال مساميا يساميه، وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا﴾ مثيلا أو شبيهًا. وقال تعالى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وقال تعالى ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا﴾ وقال تعالى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ وقال تعالى ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إناثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلا إنهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإنهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَان مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إن كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أنهُمْ لَمُحْضَرُونَ سبحان اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ إلى قوله ﴿سبحان رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات، وبديع المخلوقات.
ش: المعنى أن ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات الصفات جاء على طريقة التفصيل: مثل وصفه بالاستواء، والعلم، والقدرة، والمحبة، والرضا، وما جاء في الكتاب والسنة من نفي مماثلة أحد من الخلق للباري سبحانه جاء على طريقة النفي الإجمالي، كقوله تعالى ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا﴾ وقوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ونحو ذلك فنفى المماثلة مطلقًا
[ ١ / ٣٠ ]
والمشابهة والمسامات مطلقًا ولم ينف المماثلة في شيء معين كأن يقول لا سمي له في علمه، أوفي استوائه، أولا مثل له في محبته، أو كلامه ونحو ذلك. والواو في قوله "فأثبتوا ونفوا" مرجعه الرسل ثم أتباعهم من أئمة الدين وأهل السنة والجماعة، وقد سبق معنى هذا: ومقصود المؤلف أن السلف يثبتون
إثباتا مفصلا، وينفون نفيا محملا، علي طريقة الكتاب والسنة، ثم شرع ﵀ يمثل للنفي الإجمالي في القرآن الكريم فذكر آية "مريم " وكلام اللغويين في معنى السمي:
والمعنى أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة: فلما انتفى المشارك استحق الله سبحانه أن ينفرد بالعبادة وتخلص له: هذا مبني على أن المراد بالسمي هو الشريك في المسمى- وقيل المراد به- الشريك في الاسم كما هو الظاهر من لغة العرب- وقوله: "وهذا ما يروى عن ابن عباس" يعني أن ابن عباس فسر السمي بالشبيه والنظير، وإذا قيل في الآية هل تعلم له سميا، يستحق مثل اسمه أو مساميا يضارعه؟ فالمعنى لا شبيه له ولا نظير: والاستفهام في الآية مراد به النفي فالمعنى لا سمي له في الاسم ولا المسمى.
قال أهل اللغة "المعنى أنه لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط " يعني بدخول الألف واللام التي عوضت عن الهمزة ولزمت قال الزجاج "تأويله والله أعلم هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون "وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي بشيء من أسمائه فلله سبحانه حقيقة ذلك الوصف، والمراد بنفي العلم المستفاد من الإنكار هنا نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. ووجه الدلالة من الآية الثانية أن الله نفى أن يكون له كفوء أي شبيه ونظير مكافئ له، فنفى المكافأة والمشابهة عمومًا، وهذا نفي مجمل والشاهد قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وأما قوله تعالى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ فهي من باب
[ ١ / ٣١ ]
النفي المفصل لأنه نفى صفة معينة، وقد خرجت هذه الآية عن القاعدة الأغلبية: وهي أن طريقة القرآن في النفي "الإجمال " وذلك لسببين: الأول أن اليهود والمشركين نسبوا الولد إلى الله فرد الله عليهم ونفى هذه الصفة بعينها. والثاني أن الولد والولادة صفة كمال في المخلوق، فنفيت لئلا يتوهم أن الله متصف بها، فهي وإن كانت وصف كمال في المخلوق إلا أنه كمال مقترن بالنقص، هذا هو السبب في خروج هذه الآية عن القاعدة ولها نظائر قليلة. الآية الثالثة والرابعة "الأنداد" جمع ند وهو الشبيه، والنظير فلا
شبيه لله ولا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والشاهد من الآيتين الدلالة على النفي المجمل، فإنه لم يقل لا ند له في علمه أو استوائه أو قدرته ونحو ذلك. الآية الخامسة: "الجن" الشياطين المعنى جعلوا الشياطين شركاء الله حيث أطاعوهم "خرقوا" اختلقوا وافتروا "بديع " مبدع ومخترع الأشياء على غير مثال سابق "أنى يكون " كيف أو من أين يكون والشاهد من الآية- الدلالة على النفي المجمل حيث نزه نفسه عما يصفه به المفترون المشركون على وجه العموم. الآية السادسة" تبارك" تعاظم وتقدس " الفرقان" القرآن والشاهد من الآية الدلالة على النفي المجمل حث إنه لا مثل له لاتصافه بصفات الكمال وانفراده بالوحدانية. فنفي العيوب والنقائص يستلزم ثبوت الكمال، ونفي الشركاء يقتضي الوحدانية وهو تمام الكمال. الآية السابعة "أفكهم " كذبهم "اصطفى" اختار"سلطان " حجة وبرهان "الجنة " الملائكة، والشاهد من الآية الدلالة على النفي المجمل حيث نزه نفسه عما يصفه به المفترون تنزيهًا عاما عن كل ما ينسب إليه مما لا يليق به ﷾ "وابن عباس " هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ﵄ الإمام البحر عالم الأمة، ابن عم رسول الله ﷺ مات رسول الله ﷺ ولعبد الله ثلاث عشرة سنة وقد دعا له النبي ﷺ أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل، روى عكرمة عن ابن عباس قال:
[ ١ / ٣٢ ]
دخل رسول الله ﷺ المخرج ثم خرج فإذا تور مغطى فقال: من صنع هذا؟
قال عبد الله: فقلت أنا، فقال: اللهم علمه تأويل القرآن!
وقال ابن مسعود "نعم ترجمان القرآن ابن عباس لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد" توفي ابن عباس بالطائف في سنة ثمان وستين فصلى عليه محمد بن الحنفية وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة ﵁.
قوله:
"وأما الإثبات المفصل " فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته كقوله ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية بكمالها، وقوله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ السورة وقوله ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿هُوَ الْأولُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . وقوله ﴿ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ وقوله ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية وقوله ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ وقوله ﴿إن الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أن يَأتِيهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَان فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا قَالَتا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وقوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيا﴾ وقوله ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وقوله: ﴿إنما أَمْرُهُ
[ ١ / ٣٣ ]
إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقوله ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سبحان اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
ش: سبق الكلام على النفي المجمل وهذا بيان الإثبات المفصل، وقد ذكر المؤلف أن الله قد ذكر من أسمائه، وصفاته، ما هو واضح بين مفصل، في القرآن تفصيلا لا غموض معه والصمد هو الذي يقصد في الحوائج دون سواه، والصمد الذي لا جوف له، "الودود" كثير المودة وهي أعلا درجات المحبة "المجيد" العظيم، الجليل المتعالي، "سبح " نزه الله ومجده، "العزيز" القوي العظيم، الغالب، "الأول " السابق على جميع الموجودات، الذي لم يسبقه عدم، "الأخر "الباقي بعد فنائها، "الظاهر" الذي ليس فوقه شيء، "الباطن" الذي ليس دونه شيء، "ما يلج " ما يدخل، "تعرج " تصعد، "أذلة " خاضعين متذللين، "أعزة " أشداء غليظين، "أحبط أعمالهم " أبطلها، "ما أسخط الله" أغضبه غضبًا شديدًا،
"ظلل " ما يستظل به جمع ظلة، "والغمام" السحاب الأبيض الرقيق، "لمقت الله" غضبه الشديد "لعنه " طرده وأبعده عن رحمته، "استوى" عمد وقصد غير استوى التي بمعنى علا وارتفع فتلك تتعدى بعلى وهذه تتعدى بإلى والدخان هو في اللغة الكدرة في سواد، "الملك " المالك لكل شيء "القدوس " البليغ في النزاهة عن النقائص، "السلام " ذو السلامة من كل عيب وتمثيل، " المؤمن " المصدق لرسله بالمعجزات "المهيمن " الرقيب على كل شيء، "الجبار"القاهر العظيم وجابر الكسر، "المتكبر" البليغ الكبرياء والعظمة، "البارىء" المبدع المخترع، "المصور" خالق الصور على ما يريد، "وناديناه " أي نادينا موسى وكلمناه بقولنا ﴿يا مُوسَى إني أنا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الطور هو اسم جبل بين مصر ومدين والأيمن الذي يلي يمين موسى حين
[ ١ / ٣٤ ]
اقبل من مدين "ونجيا" معناه مناجيا والنداء هو الصوت الرفيع وضده النجاء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
إن النداء الصوت الرفيع وضده فهو النجاء كلاهما صوتان
قوله:
إلى أمثال هذه الآيات، والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ".
ش: يعني أنه لم يحصر هنا كل ما ورد في ذلك من الآيات بل مثل لذلك
"وفي البعض تنبيه على الكل ".
فقد تطابقت نصوص الكتاب والسنة على إثبات الصفات لله، وتنوعت دلالتها أنواعًا توجب العلم الضروري بثبوتها وإرادة المتكلم اعتقاد ما دلت عليه، فتارة يذكر الاسم الدال على الصفة كالسميع، البصير، العليم، القدير، العزيز، الحكيم، وتارة يذكر المصدر وهو الأصل الذي اشتقت منه تلك الصفة كقوله: أنزله بعلمه، وقوله: إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وقوله: إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، وقوله: فبعزتك لأغوينهم أجمعين، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح "حجاب النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وقوله في دعاء الاستخارة "اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك" وقوله: "أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق" وقول عائشة ﵂ "سبحان الذي وسع سمعه الأصوات" ونحوه. وتارة يذكر حكم تلك
[ ١ / ٣٥ ]
الصفة كقوله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ ﴿إننِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانونَ أنفُسَكُمْ﴾ ونظائر ذلك كثيرة؛ ويصرح في الفوقية بلفظها الخاص وبلفظ العلو والاستواء، وأنه في السماء، وأنه ذو المعارج، وأنه رفيع الدرجات، وأنه تعرج إليه الملائكة وتنزل من عنده، وأنه ينزل من عنده، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأن المؤمنين يرونه بأبصارهم عيانًا من فوقهم، إلى أضعاف ذلك مما لو جمعت النصوص والآثار فيه لم تنقص عن نصوص الأحكام، ومن أبين المحال وأوضح الضلال حمل ذلك كله على خلاف حقيقته وظاهره ودعوى المجاز فيه والاستعارة وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص، إذ يلزم من ذلك محاذير ثلاثة لابد منها وهي القدح في علم المتكلم بها أوفي بيانه أوفي نصحه، وكان ورثة الصابئة وأفراخ الفلاسفة وأوقاح المعتزلة والجهمية وتلامذة الملاحدة أفصح منه وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة. ولم يذكر المؤلف هنا بعض الأحاديث المثبتة لشيء من الصفات وإن كان قد ذكره في غير هذا الموضع من هذه الرسالة. والإشارة في قوله فإن في ذلك راجعة إلى النصوص الواردة في الكتاب، والسنة، من إثبات صفات الرب ونفي المماثلة عنه يعني فيما ذكر من إثبات لصفات، تفصيليا لا إجماليا ما هدى الله به أهل السنة والجماعة، وهم الفرقة الناجية الذين تلقوا ما ورد في الكتاب، والسنة، بالقبول ورضوا لله ما رضيه لنفسه، فهذه يعني الإثبات المفصل والنفي المجمل واثبات ذلك للرب سبحانه هي طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام إثباتا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وقوله:"من إثبات الوحدانية" يشير إلى أن الله سبحانه كما أنه لا مثل له ولا شبه له فهو كذلك واحد لا شريك له في ألوهيته.
[ ١ / ٣٦ ]
أسماء الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين
قوله:
وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم، من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية ونحوهم. فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات
السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان. فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل فإنهم يمثلونه بالممتنعات،
والمعدومات، والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات.
ش: بعد فراغ المؤلف من بيان طريقة السلف في- باب أسماء الله وصفاته، شرع في بيان طريقة مخالفيهم فقال: وأما من انحرف ومال عن طريقة الرسل وأتباعهم من السلف، من أنواع الكفار، وأصناف المشركين واليهود، والنصارى، ومن سار على منهاجهم ودخل في عدادهم "كالصابئة " والفلاسفة، والقرامطة، والجهمية وغيرهم كالمعتزلة، فإنهم على العكس من طريقة الرسل وأتباعهم. فالإشارة في قول المؤلف "على ضد ذلك، راجعة إلى طريقة الرسل وورثتهم من ملف الأمة وأئمتها، فهؤلاء مثبتون لأوصاف الكمال نافون ما يضاد هذه الحال: أما أصناف هؤلاء الطوائف فإنهم ينفون صفات الكمال، ويصفون الله بالصفات السلبية تفصيليا: كقولهم: "ليس بمستو على عرشه ولا يغضب ولا ينزل ولا يحب" وقوله ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان " معناه أن سلب الصفات عن الله غايته ونهايته أن الله تعالى غير موجود أصلا فإن الوجود المطلق يعني المجرد عن جميع الصفات- لا حقيقة له إلا في الذهن وليس له وجود خارجي بتاتا؟ لأن الذات لا تتحقق بلا صفة أصلا؟ بل هذا بمنزلة
[ ١ / ٣٧ ]
من قال: أثبت إنسانًا لا حيوانًا ولا ناطقًا ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره ولا قدرة له ولا حياة ولا حركة ولا سكون! ونحو ذلك. أو قال: أثبت نخلة ليس لها ساق، ولا جذع، ولا ليف، ولا غير ذلك. فإن هذا يثبت ما لا حقيقة له في الخارج ولا يعقل ولهذا كان السلف والأئمة يسمون نفات الصفات
معطلة، لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وبسلبهم هذه الصفات أيضا مثلوا وضلوا حيث شبهوه بالجمادات التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تعلم، ولا تقدر، وشبهوه بالمعدومات، حيث زعموا أنه لا يستوي، ولا يغضب، ولا يحب، ولا يعلم، وليس بحي، وعطلوه عما يستحقه من الأوصاف! فصار نهاية تعطيلهم أن ذاته غير موجودة فإن من ليس متصفًا بهذه الصفات لا جود له.
والصابئة:
هم أصحاب كنعان ونمرود الذين بعث إليهم الخليل، وكانوا يعبدون الكواكب، ويبنون لها الهياكل، وكان الصابئة إذ ذاك على الشرك؟ وإن كان الصابئي قد لا يكون مشركًا. بل مؤمنا بالله واليوم الآخر، كما في الآيتين الكريمتين: ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ الآية ﴿إن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ﴾ الآية. لكن كثيرا منهم أو أكثرهم كانوا كفارًا ومشركين كما أن كثيرًا من اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا وصاروا كفارًا ومشركين، وقد اختلف في هذه
النسبة فقيل إنها إلى صابئي بن متوشلح بن إدريس - ﵇ - وكان على الحنيفية الأولى؟ وقيل إلى صابئي بن ماري وكان في عصر الخليل ﵇ والصابئي عند العرب من خرج عن دين قومه لذلك كانت قريش تسمي رسول الله ﷺ صابئًا لخروجه عن دين قومه والله أعلم.
[ ١ / ٣٨ ]
والمتفلسفة:
جمع متفلسف والفلسفة بلسان اليونان- الحكمة - فالفيلسوف هو صاحب الحكمة والمراد بالفلاسفة هنا الإلهيون لا الدهريون والدوريون.
وهؤلاء الفلاسفة الإلهيون، الملحدون، لا يؤمنون بالبعث والنشور، على ما جاء في الكتاب والسنة، كما أنهم لا يثبتون للرب أسماءه وصفاته، فمن قدمائهم أرسطو تلميذ "أفلاطون " اليونانيان، ومن متأخريهم "أبو نصر الفارابي" وابن سيناء وأشباههما.
القرامطة:
كان ظهور هذه الطائفة سنة ست وسبعين بعد المائة بظهور_ ميمون بن ديصان الذي نصب للمسلمين الحبائل، وبغي بهم الغوائل، وكان يسر المجوسية ويظهر الإسلام وكان يجعل لكل آية تفسيرا، ولكل حديث تأويلا، وجعل الفرائض والسنة رموزا وإشارات، وكان يخدم إسماعيل بن جعفر، وظهر أيام حمدان قرمط، فاجتمعا وتساعدا على نشر هذا المذهب الشنيع، فسموا بالقرامطة، وهذان الشخصان هما المؤسسان لأصل هذا المذهب، ثم ظهر بعدهما في الدعوة الجنابي وهو "أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي" وهو من أتباع - حمدان قرمط _وقد طالت أيامهم، وعظمت شوكتهم، وأخافوا السبيل، واستولوا على بلاد كثيرة، وأخبارهم مستقصاة في التاريخ. "وميمون بن ديصان" كان مجوسيا من سبي الأهواز "وحمدان قرمط" كان من الصابئة الحرانية، والمنسوب إليهم "قرمطي" بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة، وأصل القرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض يقال خط مقرمط ومشي مقرمط إذا كان كذلك.
[ ١ / ٣٩ ]
والجهمية:
هم أصحاب جهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم وقد ظهرت بدعته بترمذ وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر ملك بني أمية، وقد اشتهر مذهب التعطيل باسم الجهم، وإن كان أخذه عن الجعد بن درهم، والجعد عن أبان بن سمعان، وأبان عن طالوت وطالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي، نظرا لأن جهمًا هو الذي تزعم هذه المقالة ونشرها في الناس؟ فكل من اعتنق هذه المقالة نسب إليه لأنه كان رأسا فيها.
[ ١ / ٤٠ ]
شبهة غلاة القرامطة ومن ضاهاهم
قوله:
فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات،
فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات.
ش: يعني غلاة الجهمية المحضة، كالقرامطة وأشباههم من غلاة هذه الطوائف المذكورة ينفون عن الله الأمرين المتناقضين، والمراد بالغلاة المتجاوزون الحد الموغلون في الأمر إيغالا عميقًا، ومعنى يسلبون ينفون
والنقيضان هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان في أن واحد بل يلزم من ثبوت أحدهما عدم الآخر، ومن نفي أحدهما ثبوت الآخر. ثم مثل المؤلف للنقيضين بقوله: "كالوجود والعدم والحياة والموت والعلم وجهل" ثم بين ﵀ الشبهة التي من أجلها نفى هؤلاء الغلاة النقيضين عن الله فقال: "لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين
[ ١ / ٤٠ ]
خشية التشبيه، هذا تقرير شبهتهم، ولكن آل بهم إغراقهم في نفي التشبيه إلى أن وصفوه بغاية التعطيل، ثم أنهم لم يخلصوا مما فروا منه بل يلزمهم على قياس قولهم أن يكونوا قد شبهوه بالممتنع الذي هو أخس وأفضع من الموجود والمعدوم الممكن ففروا في زعمهم من التشبيه بالموجودات والمعدومات، ووصفوه بصفات الممتنعات، التي لا تقبل الوجود، بخلاف المعدومات الممكنات، وتشبيهه بالممتنعات شر من تشبيهه بالموجودات والمعدومات الممكنات، وما فرمنه هؤلاء الملحدة. ليس بمحذور، فإنه إذا
سمي موجودًا قائمًا بنفسه، حيا عليمًا، رؤوفًا، رحيمًا، وسمي المخلوق بذلك لم يلزم من ذلك أن يكون مماثلا للمخلوق أصلا ولو كان هذا حقًا لكان كل موجود مماثلا لكل موجود، ولكان كل معدوم مماثلا لكل معدوم، ولكان كل ما ينفى عنه شيء من الصفات مماثلا لكل ما ينفى عنه ذلك الوصف. ثم ذكر المؤلف أن سلبهم للنقيضين أمر ممتنع، وامتناعا واضح بديهي عند ذوي العقول، "والبديهي جمعه بديهيات "وهي العلوم الأولية التي يجعلها الله في النفوس ابتداءًا بلا واسطة، وهي كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين فهي لا تحتاج إلى تأمل ونظر وتفكير.
ثم بين أن هؤلاء النافين لأسماء الله وصفاته قد حرفوا بتأويلاتهم الباطلة ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من الأسماء الحسنى والصفات العليا استنادا إلى أقيستهم الفاسدة وتأويلاتهم الباطلة وبين المؤلف أن سلب النقيضين مثل جمع النقيضين كل منهما ممتنع فقولك زيد موجود معدوم الآن ممتنع وقولك زيد لا موجود ولا معدوم الآن ممتنع أيضا.
[ ١ / ٤١ ]
اسم القديم ليس من أسماء الله الحسنى
قوله:
وقد علم بالاضطرار: أن الوجود لابد له من موجد واجب بذاته، غني عما سواه، قديم أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما
[ ١ / ٤١ ]
يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.
ش: يعني أن العلم بوجود الله أمر ضروري، فطري، وإن كان يحصل لبعض الناس ما يخرجه إلى الطرق النظرية، فنحن نشاهد حدوث الحيوان والنبات، والمعادن وحوادث الجو، كالسحاب، والمطر، وغير
ذلك، وهذه الحوادث لم توجد من غير موجد، ولا هي أوجدت نفسها كما قال تعالى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ومعلوم أن الشيء لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجودًا بنفسه بل أن حصل ما يوجده وإلا كان معدوما.
وقوله "لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم" هو شرح لقوله -واجب بذاته- والغنى عما سواه هو القائم بنفسه، ليس محتاجا إلى غيره في شيء من الأمور، يقول تعالى: ﴿يا أيهَا النَّاسُ أنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ وغناه شامل وخزائنه ملأى: ﴿وَإن مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ وقول المؤلف "قديم أزلي" القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المتقدم على غيره، فيقال هذا قديم للعتيق، وهذا حديث للجديد، ولم يستعمل هذا إلا في المتقدم على غيره -لا فيما لم يسبقه عدم- كما قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ والعرجون القديم هو الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني فإذا وجد الحديث قيل للأول قديم وأما إدخال القديم في أسماء الله تعالى فهو مشهور عند أكثر أهل الكلام وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف، وحيث أن التقدم في اللغة مطلق لا يختص بالمتقدم على الحوادث كلها وأسماء الله هي الأسماء الحسنى التي تدل على خصوص ما يمدح به فلا يكون القديم من الأسماء الحسنى، وجاء الشرع باسمه الأول وهو أحسن من القديم لأنه يشعر بأن ما بعده آيل
[ ١ / ٤٢ ]
إليه، وتابع له، بخلاف القديم، والله تعالى له الأسماء الحسنى، لكن لما كان القديم عند أهل الكلام عبارة عما لم يزل، أو عما لم يسبقه وجود غيره، وأهل الاصطلاح تجوز مخاطبتهم باصطلاحاتهم عبر به المؤلف عن الأول وقيده بقوله: "أزلي" لأن القديم قد يطلق على المتقدم على غيره وأن كان حادثا، فهذا السر في التقييد بالأزلية، فالأزلي منسوب إلى الأزل، والأزلية هي الأولية: وقول المؤلف "فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلا عن الوجوب أو الوجود أو القدم "
يعني أن القرامطة ونحوهم من الجهمية المحضة السالبين النقيضين عن الله قد شبهوا الله بالممتنعات فضلا عن الوصف بالوجوب، أو الوصف بالوجود، أو الوصف بالقدر، فهذه أوصاف لله، والقرامطة بتشبيههم إياه بالممتنع قد جعلوه في غاية البعد عن الاتصاف بهذه الأوصاف.
[ ١ / ٤٣ ]
مذهب الفلاسفة في الصفات
قوله:
وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة، جحدوا للعلوم الضروريات.
ش: يعني أن الفلاسفة الإلهيين -أمثال أرسطوا- ليس من أصلهم وصف الله بصفات الإثبات: بل إنما يصفونه بالسلوب أو الإضافات، وقوله: "وأتباعهم" يعني كباطنية الشيعة -أمثال بن سيناء- وباطنية الصوفية أمثال ابن عربي -والسلوب جمع سلب والسلب هو النفي، وذلك مثل
[ ١ / ٤٣ ]
قولهم" أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا متحيز" والإضافات: هي الأمور المتضايفة التي لا يعقل الواحد منها إلا بتعقل مقابله، وذلك مل قولهم "أن الله مبدأ الكائنات وعلة الموجودات" وقوله: دون صفات الإثبات يعني أن الله في زعمهم مجرد عن جميع الصفات الثبوتية، ليس له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا كلام، وقوله "وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق" يعني أن منتهى قولهم أن وجود الله مشروط بسلب كل أمر ثبوتي وعدمي أو بسلب الأمور الثبوتية، كما يقول بعضهم، ومعلوم بصريح العقل الذي لم يكذب قط أن هذه الأقوال باطلة متناقضة، وهذا معنى قول المؤلف "وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجود" ففيه إضافة الصفة إلى الموصوف: ومعنى هذا أن من سلبت عنه الصفات الثبوتية والعدمية لا وجود له في الواقع والخارج المشاهد، وإنما يتصوره الذهن فقط، والوجود المطلق ومثله الإنسان المطلق والحيوان المطلق، والجسم المطلق، ونحو ذلك من الحقائق إنما توجد في الأذهان ولا وجود لها في الأعيان، وإنما الذي يوجد في الشاهد هو الإفراد -مثل زيد وعمرو وشبه ذلك - وإذا جعلوا الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق. لم يجز أن ينعت بعت يوجب امتيازه فلا يقال هو واجب بنفسه، ولا ليس واجبا بنفسه، فلا يوصف بنفي ولا إثبات، لأن هذا نوع من التمييز
والتقييد وهذا حقيقة قول القرامطة وأشباههم، وهذا معنى قول المؤلف فيما سبق عنهم وقاربهم طائفة من الفلاسفة فهذا وجه مقاربتهم إياهم في هذا المذهب حيث يمتنعون عن وصفه بالنفي والإثبات، ومعلوم أن الخلو من النقيضين ممتنع، كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، فلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديرًا، كما يقدر كون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، فلزمهم الجمع بين النقيضين والخلو عن النقيضين وهذا من أعظم الممتنعات والمطلق هو ما دل على الحقيقة، بلا قيد فهو
[ ١ / ٤٤ ]
يتناول واحدا لا بعينه من الحقيقة.
والمقيد هو ما دل على الحقيقة بقيد، فالمطلق هو الذي لا يتقيد بصفة أو شرط، وقوله: "وجعلوا الصفة هي الأخرى" الخ.
يعني أن جعل عين العلم عين القدرة، ونفس القدرة هي نفس الإرادة، ونفس الحياة هي نفس العلم والقدرة، ونفس العلم نفس الفعل والإبداع، ونحو ذلك معلوم الفساد بالضرورة، فإن هذه حقائق متنوعة
فإذا جعلت هذه الحقيقة هي تلك كان بمنزلة من يقول أن حقيقة السواد هي حقيقة الطعم، وحقيقة الطعم هي حقيقة اللون، وأمثال ذلك. مما يجعل الحقائق المتنوعة حقيقة واحدة، ومن المعلوم أن القائم بنفسه ليس هو القائم بغيره والجسم ليس هو العرض، والموصوف ليس هو الصفة، والذات ليست هي النعوت، فمن قال: أن العالم هو العلم، والعلم هو العالم، فضلاله بين التفريق بين الصفة والموصوف مستقر في كل الفطر والعقول ولغات الأمم فمن جعل أحدهما هو الآخر كان قد أتى من السفسطة بما لا يخفى على من يتصور ما يقول وجحد ما هو معلوم بالضرورة، والقضايا هي مواد البرهان وأصوله.
[ ١ / ٤٥ ]
أصل تسمية المعتزلة
قوله:
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام، من المعتزلة ومن أتبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات. فمنهم من جعل العليم، والقدير، والسميع، والبصير، كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من
قال عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات. والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول: مذكور في غير هؤلاء الكلمات.
[ ١ / ٤٥ ]
ش: "الطائفة " الجماعة و"أهل الكلام" أصحابه، وسموا بذلك لأنهم كانوا يسلكون الطرق الصعبة الطويلة، والعبارات المتكلفة الهائلة وليس لذلك فائدة إلا تضييع الزمان وإتعاب الأذهان، وكثرة الهذيان، ودعوى التحقيق بالكذب والبهتان، ولكون هذه الطرق التي سلكوها، والحدود التي ذكروها، لا تفيد الإنسان علما لم يكن عنده، وإنما تفيده كثرة كلام فقط سموا أهل الكلام، "والمعتزلة" سبب تسميتهم بالمعتزلة أنه دخل رجل على الحسن البصري فقال: "يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم يخرج بها عن الملة وهم وعيدية الخوارج وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟ " فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء "الغزال" أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقررها أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل بن عطاء فسمي هو وأصحابه "معتزلة " وقيل هم سموا أنفسهم "معتزلة " وذلك عندما بايع الحسن بن علي معاوية وسلم إليه الأمر واعتزلوا الحسن ومعاوية، وقوله "ومن أتبعهم" يعني كالخوارج وكثيرا من المرجئة" وبعض الزيدية، وقوله: "فمنهم من جعل العليم" الخ: يعني بعض المعتزلة - قالوا العليم والقدير ونحو ذلك أعلام لله وليست دالة على أوصاف وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي مترادفة- وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة بزيد وعمرو ومحمد وعلي فهذه الأسماء مترادفة وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها، وبعضهم قال: كل من علم منها مستقل، فالله يسمى عليما، وقديرا، وليست هذه الأسماء مترادفة ولكن ليس معني ذلك أن هناك حياة أو قدرة، وهذا معنى قول المؤلف "وقاربهم
[ ١ / ٤٦ ]
طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم " فالمعتزلة مجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه، وكذلك من تبعهم من الطوائف المشار إليها. والترادف سيَأتِي له ذكر في غير هذا الموضع. والعلم اسم يعين مسماه مطلقا "والمحضة " الخالصة الخالية من الدلالة على شي، آخر وقوله: "والكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها" الخ.
معناه أن بسط الكلام في إيضاح بطلان أقوال المعتزلة ومن على شاكلتهم بط القول في ذلك مذكور في غير هذه الرسالة، وقد بسطه "﵀ " في كتابيه "موافقة مريح المعقول لصحيح المنقول". و"منهاج السنة" وغيرهما من مؤلفاته وبين فيها وجه التناقض والفساد؟ موضحا بطلان ذلك بالحجج العقلية والنقلية: وقوله: "بصريح المعقول" يعني "بالمعقول "الصريح، وكذلك قوله: "وصحيح المنقول " يعني "بالمنقول " الصحيح: فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف "والصريح " هو السليم الخالي من المعارضة والصحيح " السليم من الأمراض: وهي علل التجريح. ووجه تناقض مقالتهم أنهم يقولون القولين المتضادين في المسألة الواحدة، فيفرقون بين المتماثلين ويسوون بين المختلفين، وقوله "المطابق" يشير إلى إنه لا اختلاف بين العقل الصريح، والنقل الصحيح، بل هما متفقان تمام الاتفاق.
[ ١ / ٤٧ ]
السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات
قوله:
وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره، بل وفي شر منه " مع ما يلزمهم من التحريف والتعطيل، ولو أمعنوا النظر لسوووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، وكانوا من الذين أوتوا العلم، الذين يرون إنما أنزله إلى الرسول هو الحق من ربه، وبهدي إلى صراط العزيز الحميد.
ولكنهم من أهل المجهولات، المشبهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات.
[ ١ / ٤٧ ]
ش: يعني هذه الطوائف كلها سلكت هذا المسلك في صفات الله، خشية من محذور هو التشبيه ولكنها وقعت في تشبيه نظير الذي فرت منه، ووجه ذلك إنهم فروا من تشبيه الله بالحي الموجود، إلى تشبيه بالمعدوم، حيث وصفوه بصفات لا تنطبق إلا على المعدوم، بل وشبهوه بالأشياء الممتنعة، حيث وصفوه بصفات لا تنطبق إلا على مستحيل الوجود، مع أنهم بنفيهم لصفات الله، وتشبيههم إياه بالمعدوم، قد حرفوا كلام الله عن مواضعه، وعطلوا النصوص عن مدلولها، وقوله: "ولو أمعنوا النظر" يعني لو دققوا ونظروا بعين البصيرة والإنصاف لسووا بين الأمور المتماثلة، وفرقوا بين الأمور المختلفة، فمن يثبت الاسم وينفي الصفة ومن يثبت بعض الصفات وينفي البعض الآخر مفرق بين متماثلين، فباب الأسماء والصفات واحد فإن كان هناك محذور في إثبات الصفة فهو موجود في إثبات الاسم وكذلك أن كان هناك محذور في إثبات بعض الصفات فهو موجود في إثبات البعض الأخر وسيَأتِي لذلك أمثلة عديدة في كلام المؤلف، ومن يجعل العلم هو القدرة والسمع هو عين الكلام قد سوى بين مختلفين، فالعلم ضد الجهل والقدرة ضد العجز وهكذا، وكذلك من جعل العلم عين العالم فالذات شيء وصفة الذات شيء آخر كما تقتضيه المعقولات يعني أن العقل المدرك للأمور يقتضي التسوية بين الأمور المتماثلة والتفريق بين الأمور المختلفة، وقوله "ولكانوا" معطوف على قوله "لسووا" فلو دققوا النظر لم يفرقوا بين أمور متماثلة، ولم يسووا بين أمور مختلفة، ولكانوا من جملة أهل السنة والجماعة الذين يعلمون أن ما أنزل إلى الرسول في باب أسماء الله وصفاته وسائر ما أنزل عليه هو الحق من ربه فلا تحريف، ولا تأويل، ولا تمثيل، هذا هو ما جاء به الرسول ﷺ وما جاء به من ربه هو الحق الهادي إلى صراط الله العزيز الحميد، أما زبالة أذهان هذه الطوائف، ونحاتة عقولهم الملوثة بالخرافات والبدع فهي التي ينبغي أن تطرح لأنها لا تهدي إلا إلى الحيرة والشكوك ولكن واقع هؤلاء أنهم ليسوا من أهل العلم الذي
[ ١ / ٤٨ ]
جاء به الوحي بل هم من أهل الجهالات والشبه التي ظنوها بينات وهي في الحقيقة مجهولات حيث لا سند لها إلا الشبه الفاسدة والآراء الكاسدة وهذا معنى قوله "المشبهة بالمعقولات " يعني ظنهم جهالاتهم بينات، وهي في الواقع ليست من الأمور المعقولة البينة الواضحة المستندة إلى دليل صحيح، "والسفسطة " هي نفي الحقائق الثابتة، مع العلم بها تمويها ومغالطة نسبة إلى" السفسطائية" وهم فرقة ينكرون المحسوسات وهم من أصناف الكفرة؟ الذين قبل الإسلام، ووجه سفسطة هذه الطوائف أنهم جحدوا معان نصوص الصفات مع علمهم بما دلت عليه تلك النصوص من المعان المعروفة لغة وشرعًا كقولهم: "في استوى". استولى. فجحدهم معنى الاستواء اللغوي وهو الصعود والاستقرار تمويه وتلبيس ومغالطة والقرمطة، سلوك مسلك القرامطة في تفسيرهم النص بمعنى يخالف ما هو مقتضى لفضله: ووجه قرمطتهم أنهم جعلوا للنص معنى باطنًا يخالف معناه الظاهر. المعروف من جهة اللغة والشرع - وسيَأتِي مزيد بيان لتأويل القرامطة للنصوص، المقصود هنا بيان وجهة قرمطة هذه الطوائف.
[ ١ / ٤٩ ]
معنى الواجب والممكن
قوله:
وذلك أنه قد علم بضرورة العقل أنه لابد من موجود قديم، غني عما سواه إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات: كالحيوان والمعدن، والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد علم بالاضطرار أن المحدث لابد له من محدث، والممكن لابد له من موجد، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ فإن لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم.
ش: الظاهر أن في الكلام محذوفا وتقديره هو كما يَأتِي:
وهذه الطوائف تنفي الصفات نفيًا يستلزم نفي الذات، لأن حقيقة تعطيل ذات الله تعالى عن الوجود وهذا ممتنع، ووجه امتناعه أنه قد علم
[ ١ / ٤٩ ]
بضرورة العقل أنه لابد من موجود قديم، فمن المعلوم بالمشاهدة والعقل وجود موجودات، ومن المعلوم أيضا أن منها ما هو حادث بعد أن لم يكن، كما نعلم نحن أننا حادثون بعد عدمنا وأن السحاب حادث، والمطر والنبات حادث، والدواب حادثة، وأمثال ذلك من الآيات التي نبه الله تعالى عليها
بقوله: ﴿أن فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذه الحوادث المشهودة يمتنع أن تكون واجبة الوجود بذاتها: فإن ما وجب وجوده بنفسه امتنع عدمه ووجب قدمه، وهذه كانت معدومة فوجدت، فدل وجودها بعد عدمها على أنه يمكن وجودها ويمكن عدمها، فعلم بالضرورة اشتمال الوجود على موجود محدث ممكن فنقول حينئذ: الموجود المحدث الممكن لابد له من موجود قديم بنفسه فإنه يمتنع وجود المحدث بنفسه، كما يمتنع أن يخلق الإنسان نفسه، وهذا من أظهر المعارف الضرورية: فإن الإنسان بعد حدوثه ووجوده لا يقدر أن يزيل في ذاته عضوًا ولا قدرًا ولا يجعل رأسه أكبر مما هو ولا أصغر: وكذلك أبواه لا يقدران على شيء من ذلك وهذه قضية ضرورية معلومة بالفطرة حتى للصبيان. فإن الصبي لو ضربه ضارب وهو غافل لا يبصره لقال: من ضربني؟ فلو قيل له لم يضربك أحد لم يقبل عقله أن تكون الضربة حدثت من غير محدث! بل يعلم أنه لابد للحادث من محدث. فإذا قيل فلان ضربك بكى حتى يضرب ضاربه، فكان في فطرته الإقرار بالصانع وبالشرع الذي مبناه على العدل ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم أنه لما قدم في أساري بدر قال: وجدت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور قال: فلما سمعت هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أحست بفؤادي قد انصدع، وذلك أن هذا تقسيم حاصر
[ ١ / ٥٠ ]
ذكره الله بصيغة استفهام الإنكار ليبين أن هذه المقدمات معلومة بالضرورة لا يمكن جحدها.
يقول "أم خلقوا من غير شيء" أي من غير خالق خلقهم أم هم خلقوا أنفسهم؟ وهم يعلمون أن كلا الأمرين باطل، فتعين أن لهم خالقًا خلقهم ﷾ وقوله: "ليس بواجب ولا ممتنع " معناه أن عدم المحدث قبل وجوده ينفي كونه واجب الوجود، ووجوده بعد عدمه ينفي كونه ممتنع الوجود، والمعدن بكسر الدال هو المكان الذي عدن به الجوهر ونحوه. سمي به لعدون ما أنبته الله في أي إقامته به ثم سمي به الجوهر ونحوه فهو إذا كل متولد في الأرض لا من جنسها.
قوله:
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه وما هو محدث ممكن، يقبل الوجود والعدم: فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام. لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل أن العرش شيء موجود، وأن البعوض شيء موجود. أن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركًا كليا- هو مسمى الاسم المطلق وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود: فوجود كل منهما يخصه لا يشركه فيه غيره مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.
ش: يقول الشيخ قد علم ضرورة أن الكون فيه قديم واجب الوجود هو الله سبحانه. ومحدث ممكن يقبل الوجود والعدم هو المخلوق. فكل منهما موجود ولكن لا يقول أحد أن وجود القديم الواجب
[ ١ / ٥١ ]
بنفسه مثل المحدث الممكن: بل وجود كل منهما خاص به وان كانا يتفقان في المعنى العام للوجود، ثم ضرب المؤلف مثلا للتفاوت بين وجود بعض المخلوقات ووجود البعض الآخر: كالعرش والبعوض فإذا كان وجود بعض الموجودات لا يماثل وجود بعضها فكيف بوجود الخالق للكون بأسره.
ووجود المخلوق الحادث بعد أن لم يكن ويطرأ عليه العدم بعد وجوده. وقوله: "واتفاقهما في اسم عام" الخ: معناه أن الخالق سبحانه يسمى عليما والمخلوق يسمى عليما، وكون الخالق متصفا بالعلم، والغضب، والمحبة، ونحو ذلك والمخلوق متصفا بذلك لا يوجب هذا التوافق تماثلا في مدلول العليم ومدلول الغضب والمحبة لا حين يضاف الاسم أو الصفة إلى الخالق ويصبح الاسم والصفة مقيدين بمن نسبا إليه ومختصين به ولا في حالة كون المعنى مشتركا بينهما: فالضمير في قوله: "ولا في غيره" راجع إلى التقييد والتخصيص وغيره هو الإطلاق: فالمعنى التوافق في الاتصاف بالصفة والتسمي بالاسم لا يوجب تماثلا في حالة التخصيص والتقييد والإطلاق وقوله: "لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرها يشتركان فيه" المراد أن المسميين يشتركان في المعنى العام الكلي، وهذا لا وجود له إلا في الذهن أما أن هناك شيئا متجسدا يشاهد عيانا تشترك فيه المسميات فلا، بل هذا مخالف للحس والعقل والشرع: وضمير
التثنية راجع إلى العرش والبعوض: وقوله "بل الذهن يخذ معنى مشتركا كليا" الخ.
معناه أن العقل يدرك أن المعنى العام مشترك بين المسميات لكل منها نصيب منه إلا أن ما يخص بعضها من هذا المعنى العام يخالف ما يخص بعضها الآخر فلكل منها ما أضيف إليه
. وإذا لم يلزم مثل ذلك في العرش والبعوض فماذا قيل في الخالق العظيم أنه موجود لا معدوم حي لا يموت لا تأخذه سنة ولا نوم فمن أين
[ ١ / ٥٢ ]
يلزم أن يكون مماثلا لكل موجود وحي وقائم؟ وما ينفى عنه العدم والموت والنوم: كأهل الجنة الذين لا ينامون ولا يموتون وذلك أن هذه الأسماء العامة المتواطئة التي تسميها النحاة أسماء الأجناس كالوجود والحياة. سواء اتفقت معانيها في محالها وهو التواطؤ العام أو تفاضلت وهو التواطؤ المسمى بالمشكك تستعمل مطلقة عامة، كما إذا قيل الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، والعلم ينقسم إلى قديم ومحدث، وتستعمل مضافة مختصة كما إذا قيل وجود زيد وعمرو وذات زيد وعمرو، فإذا استعملت خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره: فإنما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره، فإذا قيل علم زيد ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك لم يدل هنا إلا على ما يختص به زيد. من علم ونزول واستواء - ونحو ذلك لم تدل على ما يشركه فيه غيره، فإذا كان هذا في صفات المخلوق فذلك في الخالق، أولى: فإذا قيل علم الله، وكلام الله ونزوله واستواؤه، ووجوده وحياته، ونحو ذلك لم يدل ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك، فالله لا مثل ولا كفؤ له ولا ند فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره. ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا حياته مثل حياة غيره.
[ ١ / ٥٣ ]
الصفات لها ثلاث اعتبارات
قوله:
ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره" وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت
عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين، وتماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، اتفاقهم، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماها عند الإضافة والتخصيص.
[ ١ / ٥٣ ]
ش: يعني أن الله سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، كما سمى بعض خلقه بأسماء ووصفهم بصفات، وتلك الأسماء والصفات لكل من الخالق والمخلوق تتفق عند الإطلاق وتختلف عند الإضافة
والتخصيص، وأصل هذا أن ما يوصف الله به، ويوصف به العباد يوصف الله به على ما يليق به ويوصف به العباد على ما يليق بهم، وذلك مثل الحياة والعلم، والقدرة، والسمع " والبصر، والكلام، فإن الله له حياة، وعلم، وقدرة، وسمع، وبصر وكلام، فكلامه مشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، والعبد له حياة وعلم وقدرة وسمع وبصر وكلام، وكلام العبد مشتمل على حروف وهو يتكلم بصوت نفسه، فالصفات لها ثلاثة اعتبارات، تارة تعتبر مضافة إلى الرب، وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة، لا تختص بالرب، ولا بالعبد، فإذا قال العبد حياة الله، وقدرة الله، وكلام الله، ونحو ذلك فهذا كله غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين وإذا قال علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد فهذا كله
مخلوق ولا يماثل صفات الرب، وإذا قال: العلم والقدرة والكلام فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كله أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق: فالصفة تتبع الموصوف، فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة، وقوله: " ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماها" الخ: يعني فلا يلزم من اتفاق المسميين في المعنى العام تماثل مسماهما ولا اتحاده عند التجريد عن الإضافة وهو
الإطلاق كما أنه لا يلزم تماثل مسماها في حالة الإضافة والاختصاص فضلا عن اتحاد مسماها في هذه الحالة. فذلك منفي بطريق الأولى فلا تماثل في الحالتين بين المسميين وبطريق الأولى لا اتحاد بينهما: وإنما يحصل اشتراك بينهما في المعنى العام عند الإطلاق، وعبارة المؤلف هنا موهمة أنه يحصل تماثل واتحاد بين المسميين في حالة الإطلاق وهذا غير مراد المؤلف، فإن
[ ١ / ٥٤ ]
قوله فيما سبق "باتفاق المسممين في اسم عام لا يوجب تماثلهما عند الإضافة والتخصيص والتقييد ولا في غيره " صريح في نفي هذا فكلامه السابق واللاحق يقرر نفي المماثلة بين المسلمين وإن حصل بينهما اشتراك في الاسم والمعنى العامين.
[ ١ / ٥٥ ]
سمى الله نفسه بأسماء، وسمى بعض عباده باسماء
قوله:
فقد سمى الله نفسه حيا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وسمى بعض عباده حيًا! فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ وليس هذا الحي مثل هذا الحي، لأن قوله الحي اسم لله مختص به، وقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق، ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص: المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه﷾.
وكذلك سمى الله نفسه عليما، حليما، وسمى بعض عباده عليما فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحق، وسمى آخر حليما، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ يعني إسماعيل وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إن اللَّهَ يأمُرُكُمْ أن تُؤَدُّوا الْأماناتِ إِلَى أهلهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ أن اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أن اللَّهَ كان سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ . وسمى بعض عباده سميعًا بصيرا فقال: ﴿إنا خَلَقْنَا الإنسان مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير. وسمى نفسه بالرؤوف الرحيم فقال: ﴿إن اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . وسمى بعض عباده بالرؤوف
[ ١ / ٥٥ ]
الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وليس الرؤوف كالرؤوف، ولا الرحيم كالرحيم، وسمى نفسه بالملك فقال: ﴿الملك القدوس﴾ وسمى بعض عباده بالملك فقال: ﴿وَكان وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وليس الملك كالملك. وسمى نفسه بالمؤمن المهيمن، وسمى بعض عباده بالمؤمن فقال: ﴿أَفَمَنْ كان مُؤْمِنًا كَمَنْ كان فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ وليس المؤمن كالمؤمن. وسمى نفسه بالعزيز فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ وسمى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيز﴾ وليس العزيز كالعزيز. وسمى نفسه الجبار المتكبر وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر ونظائر هذا متعددة.
ش: هذا تمثيل للقاعدة السابقة وهي أن الله سمى نفسه باسم الحي كما في قوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ والمخلوق يسمى باسم الحي كما في قوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ولكن لكل منهما ما أضيف إليه من اسم الحي المتضمن صفة الحياة لا يشركه الآخر فيه.
فالآية الأولى أضيف الاسم فيها إلى الله فلا يشركه مخلوق في ذلك. والآية الثانية أضيف فيها الاسم إلى المخلوق، فلا يشركه الخالق في مدلوله الخاص وحينئذ فالخالق والمخلوق لا يتفقان إلا في الاسم والمعنى المطلق "كالحي ضد الميت " فكل من الخالق والمخلوق يسمى بحي ضد ميت، وفي هذا يكون الاشتراك فقط: وأما الحياة المضافة إلى الله فهي خاصة به حيث أنها كاملة ولم يبقها عدم ولن يطرأ عليها فناء، وحياة المخلوق تخصه فهي ناقصة حيث وهبت له بعد أن كان عدمًا، ثم إنه يصير إلى الفناء والزوال وهذا معنى قول المؤلف، وليس الحي كالحي.
[ ١ / ٥٦ ]
وقوله: وكذلك سمى الله نفسه عليما حليما وسمى بعض عباده عليما فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ونظائر هذا متعددة: المراد أنه يقال في هذه الأسماء التي سمى الله بها نفسه وسمى بها بعض عباده كالعليم، والحليم، والرؤوف والرحيم، الخ. يقال في هذا مثل ما قيل في تسمية الله حيًا وتسمية المخلوق بذلك فيقال: وليس الحليم كالحليم، ولا العليم كالعليم، ولا الرؤوف كالرؤوف، ولا العزيز كالعزيز، ولا الجبار كالجبار، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير لأن ما أضيف إلى الله اسم له سبحانه، مختص به، وما أضيف إلى المخلوق اسم له مختص به، وإنما يشتركان في المعنى العام في حالة التجرد عن الإضافة وقوله:" ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج ولكن العقل يفهم من المطلق قدرا ًمشتركا بين المسميين" يعني أن المعنى العام الذي يحصل فيه الاشتراك لا وجود له خارج عن الذهن بحيث يكون متشخصا في عين من الأعيان، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين.
وقوله:" وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق" يعني عندما تضاف الصفة إلى واحد منهما يقيد ذلك يعني المعنى العام المطلق بما يتميز به الخالق من المخلوق، أو المخلوق من الخالق- فصفة الله كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، وصفة المخلوق ناقصة وهذا هو المميز بينهما، وقوله: "ولابد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته" يعني أن الباب في هذا باب واحد فبين أسماء الله وأسماء المخلوقات تواطؤ وتوافق في اللفظ والمعنى العام المطلق فعند القطع عن الإضافة والتخصيص يحصل التوافق بينهما، وحينما يحصل التخصيص يمتاز كل منهما بما يناسبه ويليق به، وكذلك خصائص الله التي لا يتصف بها سواه، فإنه لا اشتراك في شيء من ذلك بين الخالق والمخلوق، وكذلك خصائص المخلوق التي لا يتصف بها إلا مخلوق، هذا أيضا لا شركة فيه بين الخالق والمخلوق، وسيَأتِي لذلك أمثلة في مواضعها إنشاء الله تعالى، ومعنى
[ ١ / ٥٧ ]
"أمشاج" أخلاط من عناصر مختلفة. ومعنى "نبتليه" نختبره بالتكاليف، و"الرأفة" معناها شدة الرحمة و"إسحاق وإسماعيل" هما ابنا إبراهيم الخليل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ".
قوله:
وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ﴿أنزله بعلمه﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وسمى صفة المخلوق علما وقوة فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي قوة وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي ذا القوة. وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة.
ش: معناه أن الله تعالى وصف صفاته بأوصاف؟ وكذلك وصف صفات المخلوقين، بصفات، فوصف علمه بالشمول والإحاطة ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ والسعة والعموم ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ووصف علم المخلوق بالقلة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وعدم السعة ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ كما وصف سبحانه قوته بالشدة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ووصف قوة المخلوق بالضعف ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ فالمعنى أن كون صفة الباري موصوفة بصفة، وصفة المخلوق موصوفة بصفة لا يوجب ذلك تماثلا: بل لكل منهما ما يناسبه! فلا تماثل بين الصفتين كما أنه لا تماثل بين الموصوفين. كما أن أوصاف الله وأوصاف
[ ١ / ٥٨ ]
المخلوق تتفق في الاسم دون أن يقتضي ذلك تماثل.
قوله:
ووصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أن يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال: ﴿إن هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أن يَشَاءَ اللَّهُ إن اللَّهَ كان عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وكذلك وصف نفسه بالإرادة وعبده بالإرادة فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . ووصف نفسه بالمحبة ووصف نعبده بالمحبة فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال: ﴿قُلْ إن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ووصف نفسه بالرضا ووصف عبده بالرضا فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه، وكذلك وصف نفسه أنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت فقال: ﴿إن الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ وليس المقت مثل المقت وهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿أنهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد، ووصف نفسه بالعمل فقال: ﴿أولَمْ يَرَوْا أنا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أيدِينَا أنعَاما فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كانوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس العمل كالعمل، ووصف نفسه بالمناداة والمناجاة فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانبِ الطُّورِ الْأيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيا﴾ وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ووصف عباده بالمناداة والمناجاة فقال: ﴿إن الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ وليس المناداة والمناجاة كالمناداة والمناجاة. ووصف نفسه بالتكليم في قوله تعالى:
[ ١ / ٥٩ ]
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ وقوله: ﴿تِلكَ الرُسلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ مِنهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ووصف عبده بالتكليم في قوله ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إنكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ وليس التكليم كالتكليم. ووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأنيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ وليس الإنباء كالإنباء. ووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ الْبيان﴾ وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ وليس التعليم كالتعليم، وهكذا وصف نفسه بالغضب، فقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿َلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَان أَسِفًا﴾ وليس الغضب كالغضب، ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع مواضع من كتابه ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وقوله ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وليس الاستواء كالاستواء. ووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتان يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وليست اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم ونظائر هذا كثيرة.
[ ١ / ٦٠ ]
ش: قوله "ووصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة" إلى قوله "ومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد ولا إرادته مثل إرادته ولا محبته مثل محبته ولا رضاه مثل رضاه" هذا شروع في التمثيل لكون الله سبحانه وصف نفسه بصفات ووصف عباده بصفات، وقوله: "ومعلومالخ" لف ونشر مرتب، فبعد أن ذكر الآيات الدالة على صفة المشيئة والإرادة والمحبة والرضا قال: ومعلوم أن صفة الله المضافة إليه ليست مثل الصفة المضافة إلى العبد بل لكل منهما ما يناسبه.
والإرادة لفظ فيه إجمال فيراد بها الإرادة الكونية الشاملة لجميع الحوادث كقول المسلمين "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن" وكقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول نوح ﵇ ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إن أَرَدْتُ أن أنصَحَ لَكُمْ إن كان اللَّهُ يُرِيدُ أن يُغْوِيَكُمْ﴾ ولا ريب أن الله قد يأمر العباد بما لا يريده بهذا التفسير فإن الإرادة الكونية ليست مستلزمة للأمر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ فدل على أنه لم يؤت كل نفس هداها مع أنه قد أمر كل نفس بهداها، وكما اتفق العلماء على أن من حلف بالله ليقضين دين غريمه غدًا إنشاء الله وليردن وديعته أو غصبه أو ليصلين الظهر أو العصر إن شاء الله، أو ليصومن رمضان إن شاء الله، ونحو ذلك مما أمره الله به، فإنه إذا لم يفعل المحلوف عليه لا يحنث مع أن الله أمره به لقوله إن شاء الله فعلم أن الله لم يشأه مع أمره به.
ويراد بها الإرادة الدينية وهي التي بمعنى المحبة والرضا: وهي ملازمة للأمر كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ومنه قول المسلمين: هذا يفعل شيئا لا يريده الله، إذا كان يفعل بعض الفواحش، أي أنه لا يحبه ولا يرضاه بل ينهى عنه ويكرهه. وقوله: وكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار ووصفهم بالمقت"
[ ١ / ٦١ ]
إلى قوله "ونظائر هذا كثيرة". يعني وهذه الآيات أيضا استشهد بها المؤلف على كون الله تعالى وصف نفسه بصفات ووصف عبده بصفات، والمكر فعل شيء يراد به ضده، والكيد الاستدراج كما في الآية الكريمة ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن القيم رحمه الله تعالى:" إن الله ﷾ يكيدهم كما يكيدون دينه ورسوله وعباده" وكيده سبحانه استدراجهم من حيث لا يعلمون، والإملاء لهم حتى يأخذهم على غرة فإذا فعل ذلك أعداء الله بأوليائه ودينه كان كيد الله لهم حسنا لا قبح فيه، فيعطيهم ويعاقبهم ويستدرجهم من حيث لا يعلمون" ومكره سبحانه بأهل المكر، مقابلة لهم بفعلهم عمل ممدوح لا ذم فيه وجزاء لهم من جنس عملهم، قال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ وهذه التفاسير المتقدمة للمكر والكيد ليست من باب التأويل الذي ينكره أهل السنة والجماعة، بل من باب التفسير فإن جميع الصحابة والتابعين يصفون الله ﷾ بأنه شديد القوة، وكذلك شديد المكر، وشديد الأخذ، كما وصف نفسه بذلك في غير آية من كتابه كقوله: ﴿إن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد﴾ وقوله: ﴿وَإن رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فيعرفون معانيها ولكن لا يكيفونها ولا يشبهونها بصفات المخلوقين. وهذا مجمع عليه بين أهل السنة، وقوله في سبع مواضع، يعني كما في سورة الأعراف ﴿إن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة يونس ﴿أن رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة الرعد ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وفي سورة الفرقان ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وفي سورة السجدة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وفي سورة الحديد ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ .
[ ١ / ٦٢ ]
ومعنى "يزكيهم" يطهرهم من الشرك والمعاصي "طبع" ختم "أسفًا" حزينا أو شديد الغضب "الجودي" جبل بالموصل "مغلولة" مقبوضة عن العطاء "استوى" استقر وارتفع "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا" هي حفصة، والحديث هو تحريم مارية، أو العسل، أو تحريم التي وهبت نفسها له، "ونبأت به" أي أخبرت به غيرها "وأظهره الله عليه" أي أطلع الله نبيه على ذلك الواقع منها من الإخبار لغيرها "أستخلصه لنفسي" أجعله خالصا لي دون شريك.
وقول المؤلف"وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم" يعني كما أن اليد الحقيقية لله ليست كاليد الحقيقية للمخلوق، فكذلك صفة اليد-وهي البسط- ليست متماثلة بل لكل منهما يده التي تناسبه، وبسط يده اللائق به، وقد أشار المؤلف إلى أن للبسط معنيين، أحدهما أنه كناية عن كثرة الجود والعطاء وعدم البخل قال ابن عباس في معنى قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أنهم لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا، والثاني أن معنى كون اليدين مبسوطتين أنهما غير مغلولتين ولا مقبوضتين، بل مطلقتين وعلى كل حال فليست يد الله مثل يد خلقه ولا بسطه كبسطهم، بل للمخلوق ما يناسبه، وللخالق ما يناسبه، "ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد"
[ ١ / ٦٣ ]
تفسير بسط اليدين
قوله:
فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته بخلقه فمن قال ليس لله علم، ولا قوة ولا رحمة ولا كلام، ولا يحب ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى كان معطلا جاحدا، ممثلا لله بالمعدومات والجمادات، ومن قال له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو
[ ١ / ٦٣ ]
رضاء كرضائي، أو يدان كيداي، أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات، بل لابد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. ويتبين هذا "بأصلين" شريفين و"مثلين" مضروبين- ولله المثل الأعلى- "وبخاتمة جامعة".
ش: بعد أن بين المؤلف أن الله تعالى مسمى بأسماء وموصوف بصفات، والمخلوق مسمى بأسماء وموصوف بصفات، ولم يوجب ذلك أن تكون الأسماء مثل الأسماء أو الصفات مثل الصفات، بل لكل منهما ما يليق به، وبعد أن استشهد المؤلف على ذلك بالآيات الصريحة في الدلالة على إثبات أسماء الله وصفاته ونفي مماثلته لمخلوقاته قال ﵀: "فلابد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي مماثلته لخلقه" وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمة السنة، ومن تبعهم بإحسان فهم معتدلون في باب –توحيد الله- يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، أعرف الناس بربه ﷺ من غير تعطيل فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ولا تشبيه فلا يقال له سمع كأسماعنا ولا بصر كأبصارنا، ونحو ذلك كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وقوله "بلا تعطيل" أي خلافا للذين نفوا حقائق أسماء الله وصفاته وعطلوه منها، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأشباههم وقوله "بلا تمثيل" يعني خلافا للمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه ومثلوه بهم – كغلاة الشيعة ونحوهم – تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا فإنه سبحانه لا شبيه له ولا مثل، فالمعطلة غلوا في النفي حتى شبهوه بالمعدومات والناقصات، والمشبهة غلوا في الاثبات حتى مثلوه بالمخلوقات، وأهل السنة والجماعة أثبتوا لله الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، والإشارة في قوله: وهذا يتبين راجعة إلى" بيان أن الله تعالى متصف ومسمى بما له من الأسماء والصفات، وأنه سبحانه منزه عن مماثلة المخلوقات خلافًا لمن نفى فعطل، أو أثبت فشبه ومثل، فهذه المقدمة وما ذكر فيها يوضحه ويقرره ما سيَأتِي في الأصلين الجليلين، والمثلين
[ ١ / ٦٤ ]
الواضحين – ولله المثل الأكمل – ويتضح ذلك أيضا بالخاتمة الجامعة التي ذكر المؤلف فيها سبع قواعد جليلة، وباختتامه للقواعد السبع ينتهي الكلام في "باب الأسماء والصفات" حيث يبتدئ كلامه في الأصل الثاني وهو توحيد "الشرع والقدر"
[ ١ / ٦٥ ]
مناظرة مع الأشعري
قوله:
"فصل" فأما الأصلان فأحدهما أن يقال "القول في بعض الصفات كالقول في بعض" فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير بصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات، من النعم والعقوبات فيقال له لا فرق بين ما نفيته، وبين ما أثبته، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل وإن قلت إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به، وقيل لك وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به، وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فيقال لك: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة، فإن قلت هذه إرادة المخلوق قيل لك وهذا غضب المخلوق. وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته: إن نفي عنه الغضب، والمحبة والرضا، ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السمع والبصر، والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين، فيجب نفيه عنه قيل له وهكذا السمع، والبصر، والكلام وجميع الصفات، وإن قال أنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه قيل له وهكذا السمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة.
ش: هذا شروع تفصيلي ما أجمله المؤلف في المقدمة. وقوله
[ ١ / ٦٥ ]
"أحدهما" أن يقال القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر" يعني أول الأصلين الشريفين المتضمنين إيضاح القاعدة الماضية هو أن الكلام –في باب الصفات واحد- ومن يحاول إثبات البعض ونفي الآخر يقع في التناقض والاضطراب لا محالة وقوله: فإن كان المخاطب ممن يقول"بأن الله حي" الخ: يعني إذا كان البحث والمناقشة مع المنتسب للأشعري فإنه هو الذي يثبت هذه الصفات السبع، وينازع في بقية الصفات، ويجعل نسبتها إلى الله على سبيل المجاز ويسلك في ذلك أحد طريقين، إما تأويل الصفة بصفة أخرى-كتفسيره المحبة بالإرادة- وإما تفسير الصفة ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، مثل تفسيره اليد بالنعمة، وتفسير الغضب بالعقوبة، فإنه يقال له حينئذ لا فرق بين الصفة التي تثبتها والصفة التي تنفيها من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه، فدلالة النصوص على أن له محبة ورحمة، وغضبا ورضا، وفرحًا وضحكًا، ووجهًا ويدين، كدلالة النصوص على الصفات السبع-فلم نفيت حقيقة رحمته ومحبته ورضاه وغضبه وفرحه وضحكه وأولتها بصفة الإرادة؟ فإن قلت إن إثبات الإرادة لا يلزم منه تشبيه وتجسيم، وإثبات حقائق هذه الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم، فإنها لا تعقل إلا في الأجسام، فإن الرحمة رقة تعتري طبيعة الحيوان، والمحبة ميل النفس لجلب ما ينفعها، والغضب غليان دم القلب لورود ما يرد عليه، قيل لك: وكذلك الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها، وكذلك جميع ما أثبته من الصفات إنما هي أعراض قائمة بالأجسام في الشاهد فإن العلم انطباع صورة المعلوم في العالم أو صفة عرضية قائمة به وكذلك السمع والبصر والحياة أعراض قائمة بالموصوف، فكيف لزم التشبيه والتجسيم من إثبات تلك الصفات ولم يلزم من إثبات هذه، فإن قلت أنا أثبتها على وجه لا يماثل صفات المخلوقين، قيل لك: هكذا القول في سائر الصفات تثبت لله كما أثبتها لنفسه على وجه لا يماثل فيها صفات المخلوقين. فإن قلت: هذا لا يعقل
[ ١ / ٦٦ ]
إلا من جنس ما يثبت للمخلوقين. قيل لك: فكيف عقلت سمعا وبصرا وحياة وإرادة ليست من جنس صفات المخلوقين؟. وقوله: "وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته" الخ.
المعنى لما مثل المؤلف – بالإرادة والغضب – وأن الأشعري إن أثبت الإرادة على ما يليق بالله لزمه ذلك في سائر الصفات، وإن مثلها بإرادة المخلوق صار مشبهًا، وأنه إذا فسر الغضب بما هو من خصائص المخلوق بينت له الإرادة التي هي من خصائص المخلوق فإذا قال: هذه إرادة المخلوق قيل له: والغضب الذي ذكرت هو غضب المخلوق. أقول: لما ذكر المؤلف هذا المثال الذي هو عبارة عن مناقشة يفحم فيها صاحب السنة خصمه من الأشعري قال: وهكذا يلزم الكلام في السمع والبصر، إذا نفى الأشعري المحبة والرضا والرحمة، وغير ذلك من الصفات، وفسر ذلك بما يناسب المخلوقين قيل له: وهذا المحذور أيضا يقال بالنسبة للسمع والبصر، ونحو ذلك من الصفات التي تثبت وإذا قال: لا حقيقة للمحبة والغضب، ونحو ذلك إلا من جنس ما
قوله:
فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو للمنازعة فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة، ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك.
ش: يعني أنه يقال للأشعري مثلما يقول هو للمعتزلي حينما يقول له: إثبات الصفات السبع مستلزم للتشبيه. فإن الأشعري يبين ويوضح لخصمه المعتزلي قائلا: هذه الصفات يتصف بها الرب ولا يقتضي إثباتها له
يختص بالمخلوقين قيل له ولا حقيقة للسمع والبصر إلا من جنس ما يثبت للمخلوقين، إذ الباب واحد.
[ ١ / ٦٧ ]
تمثيلا بالمخلوقات، فإذا قال الأشعري هذا الجواب للمعتزلي قال له أهل السنة: جوابك على المعتزلي هو جوابنا عليك بالنسبة لسائر الصفات.
[ ١ / ٦٨ ]
وجه الاستدلال على الصفات السبع بالعقل
قوله:
فإن قال تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة والتخصيص دل على الإرادة والأحكام دلت على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع، والبصر، والكلام أو ضد ذلك. قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان، أحدهما أن يقال: عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين، فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه والنافي لابد أن يَأتِي بدليل كالمثبت سواء بسواء، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت، والسمع قد دل عليه، ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل – السالم عن المعارض المقاوم – الثاني أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما اثبت به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم، يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكافرين يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالمشاهدة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته – وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة، كما يدل التخصيص على المشتبه، وأولى لقوة العلة الغائبة، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة.
ش: يعني إذا قال إني أثبت الصفات السبع، لدلالة العقل عليها، وأما بقية الصفات فلا أثبتها لعدم دلالة العقل عليها أجيب
[ ١ / ٦٨ ]
بجوابين: وفيما بين ذلك ذكر المؤلف وجه استدلال الأشعري على إثبات هذه الصفات بالعقل فقال: لأن الفعل الحادث دل على القدرة،" والتخصيص دل على المشيئة، والأحكام دلت على العلم" فإن الفعل المحكم، والخلق والرزق، وإنزال المطر، وإنبات النبات، وتخصيص بعض الناس بالاصطفاء أو الكرامات، وكون الأحكام في غاية السداد والملاءمة للأحوال، كل ذلك يدل على إثبات هذه الصفات لله، وهذه الصفات لا يتصف بها إلا من كان حيا، والحي لا يخلو عن أن يكون سميعا، بصيرا، متكلما، أو يكون أصم، أعمى، أبكم، والسمع، والبصر، والكلام،-أوصاف كمال- وضدها-أوصاف نقص-والله تعالى له الوصف الأكمل فهو متصف بها هذا وجه الاستدلال على الصفات السبع بالعقل – والجوابان هما أولا أن يقال لمن زعم عدم دلالة العقل على ماعدا الصفات السبع: افرض أن العقل لم يدل عليها؟ فإن عدم دلالته عليها ليس معناه أنها غير موجودة إذ قد دل عليها دليل آخر- هو السمع – والسمع دليل مستقل بنفسه، بل الطمأنينة إلى مجرد العقل، فما الذي يسوغ لك نفي مدلوله؟ وقوله: "والنافي عليه الدليل كما على المثبت" معناه أن النافي عليه إقامة الدليل على الانتفاء، كما أن المثبت للشيء عليه إقامة الدليل على إثباته، وثانيا يقال له: بقية الصفات ثابتة بالعقل، كما أن الصفات السبع ثابتة به، فالإنعام، والإحسان، وكشف الضر، وتفريج الكربات، دال على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة والتخصيص بالكرامة والاصطفاء والاختيار دال على المحبة، كدلالة ما ذكرت على الإرادة. والإهانة والطرد والإبعاد والحرمان دال على المقت والبغض كدلالة ضده على الرضا والحب، والعقوبة والبطش، والانتقام دال على الغضب، كدلالة ضده على الرضا. وإذا قدر اثنان أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها، والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص، فلا يحب هذا ولا
[ ١ / ٦٩ ]
هذا، ولا يرضى هذا ولا هذا، ولا يفرح بهذا ولا بهذا، كان الأول أكمل من الثاني، ومعلوم أن الله ﷾ يحب المحسنين والمتقين والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه كلها صفات كمال، وكذلك إذا قدر اثنان أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم، والجهل، والكذب، ويغضب على من يفعل ذلك، والآخر لا فرق عنده بين الجاهل الكاذب والظالم، وبين العالم الصادق والعادل.
كان الأول أكمل وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار أنه إذا فرضنا موجودين أحدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة، والآخر قد استوى عنده هذا وهذا، فليس عنده ما يقتضي جلب منفعة ولا دفع مضرة – كان الأول أكمل – وقوله: "والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة تدل علة حكمته البالغة" الخ.
الغايات المحمودة مبتدأ خبره – قوله تدل على حكمته البالغة – وما بين المبتدأ والخبر جملة معترضة مفسرة للغايات، فقول المؤلف: "وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة" توضيح لمعنى الغايات المحمودة.
فالخلاصة أن العواقب الحميدة في أفعال الله وأوامره تدل على صفة الحكمة كدلالة التخصيص على الإرادة فالمشيئة بمعنى الإرادة الكونية وقوله: "لقوة العلة الغائية" معناه أن دلالة العواقب الحميدة في أفعال الله وأوامره على الحكمة أقوى من دلالة تخصيص بعض العباد دون بعض على صفة الإرادة ثم بين المؤلف وجه ذلك فقال: ولهذا كان ما في القرآن في بيان مخلوقاته من النعم، والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة، المعنى ومن أجل أن دلالة العواقب الحميدة على الحكمة أقوى من دلالة التخصيص على المشيئة نجد أن الله سبحانه
[ ١ / ٧٠ ]
ذكر في القرآن ما في مخلوقاته من النعم والحكم أكثر مما ذكر أنه شاءها وخلقها فمثلا قوله تعالى: ﴿وَالْأنعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تأكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأنفُسِ إن رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتأكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أن تَمِيدَ بِكُمْ وَأنهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ هذه الآيات التي يذكر الله فيها أنه أنعم على عباده بما خلق لهم، وبيانه للحكمة في خلقه الأشياء أكثر من ذكره أنه كون الأشياء وخلقها بمشيئته، كقوله تعالى: ﴿إنما أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ونحوها من الآيات فهذه الأدلة العقلية التي دلت على هذه الصفات السبع، فتبين أنه لابد للأشعرية من واحد من أمرين، إما النفي والتعطيل وإما أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويتبعوا في ذلك سبيل السلف الذين هم أعلم الأمة بهذا الشأن نفيًا وإثباتًا وأشد تعظيمًا لله وتنزيها له عما لا يليق بجلاله وكان الباب عندهم واحدًا.
واعلم أن إثبات الصفات السبع فقط خلاف قول السلف وخلاف قول الجهمية والمعتزلة فالناس كانوا طائفتين، سلفية، وجهمية فحدثت الطائفة السبعية واشتقت قولا بين قولين، فلا للسلف اتبعوا ولا مع الجهمية بقوا، والأشعري منسوب إلى أبي الحسن علي ابن إسماعيل ابن أبي بشر، اسحاق بن سلمان بن اسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسى الأشعري، صاحب رسول الله ﷺ وهو صاحب الأصول، والقائم بنصرة مذهب أهل السنة وإليه تنسب الطائفة الأشعرية- ومولده سنة سبعين وقيل ستين ومأتين بالبصرة، وتوفي بعد نيف وثلاثين وثلاثمائة، وقيل سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، والأشعري بفتح
[ ١ / ٧١ ]
الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وبعدها راء نسبة إلى أشعر، واسمه نبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وإنما قيل له أشعر لأن أمه ولدته والشعر على يديه، هكذا قال السمعاني. وكان أبو الحسن الأشعري أولا معتزليا، ثم تاب من القول بخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة، رقى كرسيا ونادى بأعلى صوته من عرفني، فقد عرفني، ومن لم يعرفني فإنا أعرفه بنفسي، أنا فلان بن فلان: كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تراه الأبصار وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم، ومعائبهم، وهو صاحب الكتب في الرد على الملاحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعين والتي منها: الموجز والمقالات، والإبانة، وقد صرح في كتبه برجوعه عن مذهب نفاة الصفات، وأنه معتقد لمذهب السلف وهو إثبات الأسماء والصفات دون تفريق بين صفة وأخرى.
[ ١ / ٧٢ ]
رجوع أبي الحسن الأشعري عن مذهبه
قوله:
وأن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء، كالمعتزلي الذي يقول: أنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة، قيل له لا فرق بين إثبات الأسماء، واثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما، لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم قيل لك ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فإنف الأسماء، بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم.
فكل ما يحتج به من نفي الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات.
[ ١ / ٧٢ ]
ش: يعني يقال للمعتزلي إذا كان الخطاب معه فإنه هو الذي يقر بالأسماء وينفي الصفات، يقال له أن الصفات لا تقوم إلا بالجسم- ردنا عليك هو أن نقول لك: والأسماء التي يسمى بها المخلوق لا تقوم في الشاهد إلا بجسم وأنت تثبت لله الأسماء فيلزمك التشبيه. وحينئذ فما كان جوابا عن ثبوت الأسماء، كان جوابا لأهل الإثبات عن إثبات الصفات، والمقصود أنه يقال للمعتزلة- قولكم منقوض بإثبات الأسماء- الحسنى- فإنكم تقولون: أن الله يسمى حيا عليما قديرًا وإذا أمكن إثبات حي عليم قدير وليس بجسم، أمكن أن يكون له حياة وعلم وقدرة وليس بجسم، وإن لم يكن ذلك، فما كان جوابكم عن إثبات الصفات، ويقال لهم أيضا، ما تعنون بالجسم، أتعنون به ما كان مركبا من الجواهر المفردة، أو من المادة والصورة، أم تعنون به ما يمكن الإشارة إليه، أو ما كان قائمًا بنفسه، أو ما هو موجود، فإن عنيتم الأول، لم نسلم أن هذه الصفات لا تقوم إلا بجسم بهذا التفسير وإن عنيتم به الثاني، لم نسلم امتناع اللازم، فإن الرب تعالى موجود، قائم بنفسه مشار إليه، كما جاء ذلك مصرحا به في الأحاديث الصحيحة.
[ ١ / ٧٣ ]
دحض شبه المعتزلة
قوله:
وإن كان المخاطب من الغلاة نفاة الأسماء والصفات، وقال لا أقول، هو موجود، ولاحي، ولا عليم، ولا قدير بل هذه الأسماء لمخلوقاته، إذ هي مجاز لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم. قيل لله: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولاحي، ولا عليم، ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعلومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجود.
ش: الكلام الآن مع الجهمية، وهم غلاة بالنسبة للأشاعرة، والمعتزلة حيث نفى كل منهما البعض دون البعض ونفت الجهمية الأسماء والصفات معا.
[ ١ / ٧٣ ]
فيقال لهم: أولا يستحيل مع كمال علم المتكلم وفصاحته وبيانه ونصحه أن يريد بكلامه خلاف حقيقته وظاهره.
وأن الحق في أقوال النفاة المعطلين وأن تأويلاتهم هي المرادة من هذه النصوص فإن المتكلم بهذه النصوص أما أن يكون عالما أن الحق في تأويلات النفاة المعطلين، أولا يعلم ذلك فإن لم يعلم ذلك كان ذلك قدحًا في علمه وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو أما أن يكون قادرًاَ على التعبير بعباراتهم التي هي تنزيه الله بزعمهم عن التشبيه والتمثيل والتجسيم، وأنه لا يعرف الله من لم ينزه اله بها، أو لا يكون قادرا على تلك العبارات فإن لم يكن قادرًا على التعبير بذلك، لزم القدح في فصاحته، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة أولياؤه وأعداؤه، وموافقوه، ومخالفوه، فإن مخالفيه لم يشكو أنه أفصح الخلق وأقدرهم على حسن التعبير بما يطابق المعنى ويخلصه من اللبس والإشكال وإن كان قادرًا على ذلك ولم يتكلم به، وتكلم دائما بخلافه كان ذلك قدحا في نصحه وقد وصف الله رسله بأنهم أنصح الخلق لأممهم، فمع النصح والبيان والمعرفة التامة، كيف يكون مذهب النفاة، المعطلة، أصحاب التحريف، هو الصواب، وقول أهل الإثبات أتباع القرآن والسنة باطل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند قول المؤلف إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث، ويقال لهم: ثانيا إنكم بنفيكم هذه الصفات تشبهون الله بالمعدوم، فقد فررتم مما هو تشبيه على زعمكم ولكن وقعتم في شر منه، فإن التشبيه بالمعدوم أفظع من التشبيه بالموجود.
[ ١ / ٧٤ ]
ما يترتب على نفي الجهمية للصفات
قوله:
فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات، قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف ذلك باجتماع
[ ١ / ٧٤ ]
الوجود والعدم، أو الحياة والموت، أو العلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل، فإن قلت إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له أعمى، ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس لهما قابلا، قيل لك: أولا هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان، تقابل السلب والإيجاب باتفاق العقلاء فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر. وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاؤون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على الحقائق العقلية، وقد قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أيان يُبْعَثُونَ﴾ .
فسمى الجماد ميتا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم. وقيل لك ثانيا فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدا منهما، فأنت فررت من تشبيه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك. وأيضا فما لا يقبل الوجود والعدم، أعظم امتناعا من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعا فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم، كان أعظم امتناعا مما نفيت عنه الوجود والعدم وإذا كان ممتنعا في صرائح العقول كان أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد.
ش: يعني إذا قال الغالي: أنا أنفي النفي والإثبات، فلا يلزمني التشبيه بالموجودات والمعدومات، قيل له: فيلزمك حينئذ التشبيه
[ ١ / ٧٥ ]
بالممتنعات، فإن من ليس بموجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ممتنع الوجود وكما يمتنع وصف الشيء بالعلم والجهل بمسألة معينة، والحياة والموت الحقيقيين والوجود والعدم يمتنع كذلك سلب هذه المتقابلات فإنهما نقيضان يلزم من ثبوت أحدهما ارتفاع الآخر، وإذا قال هذا الغالي: لا يلزم التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، إلا إذا نفيتهما عن محل قابل لهما، قيل له: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعلم والجهل ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك فالأعمى الفاقد لصفة البصر أكمل من الجماد، لأنه وإن كان فاقدا للبصر فهو قابل للاتصاف به بخلاف الجماد، فإنه ليس من شأنه الاتصاف بالبصر أو العمى.
فأنت فررت من تشبه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل الاتصاف بالكمال أو النقص. وقيل له ثانيا: بالنسبة لنفي الوجود والعدم – قولك لا يقبل الوجود والعدم – تشبيه لله بأعظم الممتنعات، فإن من ينفي عنه الوجود والعدم ممتنع، ومن ينفي عنه قبول الوجود والعدم أعظم امتناعا منه، وكذلك من يوصف بالوجود والعدم معًا ممتنع أيضا، ومن ينفي عنه قبول الوجود والعدم، أعظم امتناعا منه، فقد فررت من تشبيه الممتنع الأسهل امتناعا، ووقعت في تشبيه بالأشد امتناعا، وهو معنى قول المؤلف، وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول كان أعظم امتناعا.
وأما قولك: وهذان يتقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والإيجاب فجوابنا عليه أن نقول: أولا هذا لا يصح بالنسبة للوجود والعدم، فإن التقابل بينها تقابل نقيضين باتفاق العقلاء، فيلزم ثبوت أحدهما انتفاء الآخر.
وثانيا قولك: وما لا يقبل الحياة والموت والعلم والجهل والعمى
[ ١ / ٧٦ ]
والبصر "كالجدار" لا يوصف بذلك، جوابنا على هذه الدعوى أن نقول: هذه الدعوى غير صحيحة ففي لغة العرب وصف الجماد بالحياة والموت ونحو ذلك، وأن لم يكن الجماد على زعمك قابلا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ﴾ ومن جملة معبوداتهم الأصنام وفيها الجماد. والعرب تقول: "اشتر الموتان ولا تشتر الحيوان" وسيَأتِي لهذا المبحث مزيد بيان في موضعه، وإنما قولك: أن ما لا يقبل الاتصاف بهذه الأوصاف لا يوصف بها – مجرد اصطلاح – لفظي اصطلحت عليه الفلاسفة المشاؤون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على الحقائق العقلية، فلا يمكن اطراح ما هو مدرك معروف بالعقل واعتبار ما هو اصطلاح لفظي والفلاسفة المشاؤون هم أتباع أرسطو – وهو المقدوني – من أهل مقدونة من بلاد الروم من تلاميذ أفلاطون وكان مولده سنة ثلاثمائة وأربع وثمانين قبل الميلاد، وتوفي سنة ثلاثمائة واثنتين وعشرين قبل الميلاد، عن ثلاث وستين سنة.
وكان يعلم الحكمة وهو ماش تحت الرواق المظلل له من حر الشمس، فسمي تلاميذه- المشائين- فتسمية أتباعه بالمشائين إنما هو أخذ من عادته.
إذ كان يلقي عليهم الدرس وهو يمشي وهم يسيرون حوله، ويسمون أيضا الرواقية نسبة إلى الرواق الذي كان يتمشا في ظله وهو يلقي الدروس، والمتقابلان بالعدم والملكة أمران: أحدهما وجودي، والآخر عدمي، فالوجودي هو الصفة الثبوتية التي تقوم بمن من شأنه الاتصاف بها كالبصر، والعلم، والعدمي هو فقدان تلك الصفة كالعمى والجهل، فإن العمى – عدم البصر – عما شأنه قبول البصر والجهل فقدان العلم عما من شأنه قبول العلم، فالوجودي هو الملكة، والعدمي فقدانها والمتقابلان بالإيجاب والسلب هما أمران يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر فالإيجاب
[ ١ / ٧٧ ]
معناه الإثبات، والسلب معناه النفي وقوله "فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد"، معناه أن هذا الغالي بنفيه عن الله قبول الاتصاف بالوجود والعدم، وقبول الاتصاف بسائر الصفات، قد شبهه بأعظم الممتنعات في حين أن الله سبحانه واجب الوجود، الذي لا يجوز عليه حدوث ولا عدم، وهذا يبين مدى فساد مقالة هؤلاء الغلاة، ويوضح تهافت شبههم التي زعموا بها أنهم ينزهون الله عن التشبيه.
فمقالتهم فاسدة، وشبههم متضاربة متناقضة، منقوضة بصريح المعقول، وصحيح المنقول.
[ ١ / ٧٨ ]
اتفاق المسميات في في الأسماء والصفات لا يوجب تماثلها
قوله:
وقيل له أيضا: اتفاق المسلمين في بعض الأسماء والصفات، ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يلتزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾.
ش: يعني أن الغالي الذي ينفي الصفات أو ينفي قبولها عن الله يقال له: اتفاق المسميات في الاسم والمعنى العام لا يوجب تماثل المسميين، فنحن إذا قلنا: أن الله موجود حي عليم سميع بصير متكلم وقلنا: أن المخلوق موجود حي عالم سميع بصير متكلم، لم يكن ذلك تشبيها بل الله موجود لم يزل حيا، قديمًا، قيومًا، عالمًا، سميعًا بصيرًا ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم وحييي بمعنى ثم يصير ميتا بزوال ذلك المعنى، وعلم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم، وسمع وأبصر، وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق، ﷾ وأن اتفقت
[ ١ / ٧٨ ]
مسميات هذه الصفات عند الإطلاق، فالرب ﷾ مستحق للكمال، مختص به على وجه لا يماثله فيه شيء، فليس له سمي ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شيء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك، أو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق والتفاوت الذي بينهما أعظم من التفاوت الذي بين أدنى المخلوقات وأعلاها.
فالأسماء والصفات نوعان: نوع يختص به الرب مثل الإله، ورب العالمين ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال ومن هنا ضل المشركون الذين جعلوه أندادا. والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة -كالحي والعالم والقادر- فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثلما يثبت للرب أصلا: فإنه لو ثبت له ما ثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما لا يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ومثال ما يمتنع على الرب: اتخاذ الولد، والصاحبة، والشريك، والولي من الذل فإن نفى هذا من خصائص الربوبية، وكذلك السنة والنوم، واللغوب والنسيان، والعجز، والموت، والظلم وغير ذلك مما هو مستحيل عليه ممتنع في حقه، ولكنه واقع في العباد، فهذا القسم ممكن واقع بالنسبة للعباد، ومستحيل فيحق الله ومما يجب له كونه رب العالمين، وعلى كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، ومما يجوز عليه كونه يحي ويميت ويرزق ويعز ويذل.
[ ١ / ٧٩ ]
مراد النفاة بحلول الحوادث والاعراض والاغراض
قوله:
وأما ما نفيته فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيها وتجسيما تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسم بهذا الاسم يجب نفيه، ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمى الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل، وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس، عقلهم، ودينهم، حتى أخرجوهم إلى الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة.
[ ١ / ٧٩ ]
ش: يعني يقال للنفات: تسميتكم إثبات أسماء الله وصفاته: تشبيها وتجسيما وتلقيبكم من يثبت ذلك بالمشبه والمجسم لا يغير من الواقع شيئا ولا يغير من وجهة أهل البصيرة والمعرفة بالله: فالتوحيد لا يكون شركا، ووصف الله بأوصاف الكمال ونعوت الجلال لا يكون تشبيها، وإنما التشبيه هو ما يقوله "النفاة المعطلة" الذين سموا تعطيلهم وإلحادهم ونفيهم توحيدًا، وهو غاية النقص فقد قلبوا الحقائق، ونفوا حقائق أسمائه وصفاته تحت ستار ألفاظ، يسمعها الغر المخدوع، فيظنها تنزيها لله عن النقائص والعيوب، وأنهم يعظمون الله ويمجدونه، ويكشف الناقد البصير ما تحت هذه الألفاظ، فيرى تحتها الإلحاد، وتكذيب الرسل، وتعطيل الرب، سبحانه وتعالى عما يستحقه من كمال ومن هذه الألفاظ قولهم نحن ننزه الله عن الإعراض، والأغراض، والأبعاض، وننزهه عن الحدود والجهات، وعن حلول الحوادث، وتنزيهم لله عن الإعراض، هو جحد صفاته-كسمعه وبصره وحياته وعلمه وكلامه وإرادته- فإن هذه أعراض على زعمهم لا تقوم إلا بجسم فلو كان متصفا بها لكان جسما، وكانت إعراضًا له، وهو منزه عن الإعراض وأما الأغراض فهي الغاية والحكمة، التي لأجلها يخلق، ويأمر، وينهى، ويثبت، ويعاقب، وهي الغايات المحمودة المطلوبة له من أمره، ونهيه، وفعله، فيسمونها أغراضا وعللا ينزهونه عنها وأما تنزيهم لله عن الأبعاض فمرادهم أنه ليس له وجه ولا يدان، ولا يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، فإن ذلك كله ابعاض، والله منزه عن الابعاض، وأما الحدود والجهات فمرادهم بتنزيهه عنها أنه ليس فوق السموات رب، ولا على العرش اله، ولا يشار إليه بالأصابع إلى فوق كما أشار إليه أعلم الخلق به، ولا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا رفع المسيح إليه، ولا عرج برسول الله محمد ﷺ إليه، إذا لو كان كذلك للزم إثبات الحدود والجهات
[ ١ / ٨٠ ]
له، وهو منزه عن ذلك: وأما تنزيههم لله عن حلول الحوادث، فمرادهم بذلك أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، ولا يَأتِي يوم القيامة، ولا يحب، ولا يريد شيئا بعد أن لم مريدا له، فلا يقول كن حقيقة، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا يغضب يوم القيامة غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده، مثله، ولا ينادي عباده يوم القيامة بعد أن لم يكن مناديا لهم، ولا يقول للمصلى إذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حمدني عبدي فإن هذه كلها حوادث، وهو منزه عن حلول الحوادث ونحن لا ننفي أوصاف الرب ونعوت جلاله، لأجل تسميتهم لها بهذه الأسماء، كما أننا لا ننسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم، نواصب- ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريا، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية النفاة لنا حشوية ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على العرش، لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها.
فإن كان تجسيما ثبوت استوائه على عرشه إني ذًا لمجسم
وإن كان تشبيها ثبوت صفاته فمن ذلك التشبيه لا أتكتم
وإن كان تنزيها جحود استوائه وأوصافه أو كونه يتكلم
فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه والله أعلى وأعظم
قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه، بعد إنشاده هذه الأبيات ورحمة الله على الشافعي حيث فتح للناس هذا الباب بقوله:
يا راكبا قف بالمحصب من منى واهتف بقاعد خيفها والناهض
إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي
وهذا كله مأخوذ من قول الشاعر الأول:
وعيرني الواشون أني أحبها وذلك ذنب لست منه أتوب
[ ١ / ٨١ ]
فنفيهم للصفات بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى، وجناية على ألفاظ الوحي أما الخطأ اللفظي فتسميتهم هذه الصفات تركيبا وتجسيما وتشبيها، فكذبوا على القرآن، وعلى الرسول، وعلى اللغة، ووضعوا للصفات ألفاظًا منهم بدأت وإليهم تعود، وأما خطؤهم في المعنى فنفيهم وتعطيلهم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب، فنفوا المعنى الحق، وسموه بالاسم المنكر، وكانوا في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره، فسأل عنه فقيل له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة -تتقيؤه الزنابير- فمن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف، ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له، ورغبة فيه، ولله در القائل:
تقول هذا جناء النحل تمدحه وإن تشأ قلت ذا قيء الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما والحق قد يعتريه سوء تعبير
وقوله:"وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف الناس عقلهم ودينهم حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة"
يعني وبسبب تسمية الحق الثابت بأسماء منكرة وتلقيب أصحاب العلم الإلهي، وأهل الديانة والصلاح بالألقاب الشنيعة أفسدت الملاحدة فطر الناس ولوثت عقولهم فإن أشد ما سلكت الملاحدة في التنفير عن الحق سوء التعبير عنه، وضرب الأمثال القبيحة له والتعبير عن تلك المعاني التي لا أحسن منها بألفاظ منكرة، ألقوها في مسامع المغترين المخدوعين فوصلت إلى قلوبهم، وأكثر العقول يقبل القول بعبارة ويرده بعبارة أخرى، ومثل هذا ما يستعمله الفساق والملاحدة في زماننا من الألفاظ البذيئة التي يطلقونها على الفضلاء وأهل الديانة كقولهم: متحجرون، وجامدون، ورجعيون، ومتأخرون، بينما ينعتون أشباههم بالتقدميين، والمتنورين، والراقين فهي إذا شنشنة معروفة من اخزم في قديم
[ ١ / ٨٢ ]
الدهر وحديثه، وفي قوله"أعظم الكفر والجهالة وأبلغ الغي والضلالة إضافة الصفة إلى الموصوف"
[ ١ / ٨٣ ]
مناقشة نفاة الصفات في تسميتهم تعطيلهم توحيدا
قوله:
وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع. وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معان متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا. فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا. قيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس تركيبًا ممتنعًا.
ش: يعني إذا قال نفاة الصفات: من غلاة الفلاسفة والجهمية إثبات الصفات لله يستلزم التركيب وهذا تشبيه للخالق بالمخلوق، لأن هذه صفات متغايرة متعددة فيلزم أن يكون المتصف بها مركبا منها، قيل لهم: أولا أنتم تثبتون صفات متغايرة متعددة، كوصفكم الله بالوجود والوجوب، وقولكم عنه سبحانه أنه عقل وعاقل ومعقول فالمفهوم من هذه الصفات التي أثبتموها مثل المفهوم من الصفات التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله ووصفه بها المؤمنون: كالاستواء، والعلم، والقدرة، والمحبة، والغضب، والرضا، المفهوم من الجميع واحد، من حيث كل صفة مغايرة للأخرى، ومن حيث التعدد فلم نفيتم هذه الصفات وأثبتم تلك الصفات؟ فإذا قالوا: الذي أثبتناه إنما هو في الحقيقة توحيد وليس تركيبًا، قيل لهم: والذي أثبتناه لأن الله أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، إنما هو في الحقيقة توحيد وليس مستلزمًا للتركيب، ويقال لهم: ثانيا أتعنون بالمركب الذي كان مفترقا فاجتمع؟ أو ركبه مركب فجمع أجزاءه أو ما أمكن تأليفه أو تبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك؟ فإن أردتم
[ ١ / ٨٣ ]
بالمركب المعاني المتقدمة: فهذا منتف عن الله قطعًا، وهو كذب وبهت على الله وعلى الشرع وعلى العقل: فالله سبحانه خالق الفرد والمركب، الذي يجمع المتفرق ويفرق المجتمع ويؤلف بين الأشياء فيركبها كيف يشاء.
فالحاصل أنه يقال لهم قد وصفتموه بصفات يتميز بعضها عن بعض فهل كان هذا عندكم تركيبًا؟ وقد دل الوحي والعقل والفطرة على ثبوت ما نفيتم أفننفيه لمجرد تسميتكم الباطلة؟
والعقل كما دل على إله واحد، ورب واحد، لا شريك له ولا شبيه له لم يدل على أن الرب الواحد لا اسم له ولا صفة، ولا وجه ولا يدين، ولا هو فوق خلقه، ولا يصعد إليه شيء، ولا ينزل منه شيء، فدعوى ذلك على العقل كذب صريح عليه كما هو كذب صريح على الوحي وقولهم: "إنما هو توحيد" كذب وافتراء، بل إثبات ما جاء في الكتاب والسنة، هو التوحيد، وضده الشرك، فهم يسمون نفي الصفات توحيدًا، وهم ابتدعوا هذا التعطيل وجعلوا اسم التوحيد واقعا على غير ما هو عليه في دين المسلمين. فإن التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، هو أن يعبد الله لا يشرك به شيء ولا يجعل له ند كما قال تعالى ﴿قُلْ يا أيهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة ومن تمام التوحيد: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، ويصان ذلك عن التحريف والتعطيل، والتكييف والتمثيل، كما قال تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة. وعقل: مصدر عقل، وعاقل اسم فاعل، ومعقول اسم مفعول فالتمييز بين مسمى المصدر، ومسمى اسم الفاعل، واسم المفعول والتفريق بين هذه الأمور مستقر في كل الفطر والعقول السليمة، ولغات الأمم: أما هؤلاء الفلاسفة، فمعنى كونه عقلا عندهم أنه مجرد عن المادة منزه عن اللوازم المادية ومعنى كونه عاقلا هو
[ ١ / ٨٤ ]
-إنه مجرد لذاته- ومعنى كونه معقولا هو أنه غير محجوب عن ذاته بذاته ولا بغيره- وسيَأتِي الشرح الصحيح للعقل في الكلام على القاعدة الأولى إنشاء الله تعالى.
[ ١ / ٨٥ ]
من نفى شيئا ثابتا فرارا من محذور
قوله:
وهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لما أخبر به الرسول من الصفات لا ينفي شيئا فرارا إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه، فلا بد في آخر الأمر من أن يثبت موجودًا واجبًا قديما، متصفا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: هكذا القول في جميع الصفات، وكل ما تثبته من الأسماء والصفات فلابد أن يدل على قدر تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما يخطر بالبال أو يدور في الخيال.
ش: يعني كما يقال لهؤلاء الفلاسفة إنكم نفيتم الصفات- فرارًا من التركيب اللازم من التعدد- وقد لزمكم مثل ما فررتم منه حيث تثبتون أنتم صفات متعددة متباينة يقال أيضا لكل من نفى شيئا مما أثبته الله ورسوله فالباب واحد والقاعدة مطردة، فمثلا إذا قال الأشعري- الرضا والغضب والفرح والمحبة ونحو ذلك- هو من صفات الأجسام فإنه يقال له: كذلك الإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، من صفات الأجسام، فإنه كما لا نعقل في الشاهد ما ينزل ويستوي ويغضب ويرضى، إلا جسما لم نعقل ما يسمع ويبصر، ويريد، ويعلم، ويقدر، إلا جسما. فإذا قال: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليس كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته. قيل له: ورضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله ليس كنزولنا. فإذا قال: لا يعقل في الشاهد غضب، إلا غليان دم القلب لطلب الانتقام. قيل له:
[ ١ / ٨٥ ]
ولا يعقل في الشاهد إرادة إلا ميل القلب إلى جلب ما يحتاج إليه وينفعه ويفتقر فيه إلى ما سواه ودفع ما يضره والله سبحانه كما أخبر عن نفسه المقدسة في حديثه الإلهي" يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني" فهو منزه عن الإرادة التي لا تعقل في الشاهد إلا هكذا وكذلك السمع لا يعقل في الشاهد إلا وصول صوت في الصماخ، وذلك لا يكون إلا في أجوف، والله سبحانه أحد صمد منزه عن ذلك: والمعتزلة نفوا الصفات فرارا من التشبيه بالمخلوقات فيقال لهم: أنتم تثبتون الأسماء لله فتسمونه حيًا عليما قديرا وهذه الأسماء يسمى بها المخلوق، فيلزم من ذلك التشبيه فقد فررتم من أمر ونفيتم من أجله الصفات، ولكن المحذور لازم لكم فيما تثبتون من الأسماء، فإنه كما يسمى بها الخالق يسمى بها أيضا المخلوق، فكما سمى نفسه عليما، سمى المخلوق عليما، وسمى نفسه سميعا بصيرا، وسمى المخلوق سميعا بصيرا، إلى غير ذلك. ويقال للجهمية: المخلوق يوصف بالخلق كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ ويوصف بالفعل كما قوله: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كانوا يَفْعَلُونَ﴾ وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أنهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ والله سبحانه يوصف بالخلق كما في قوله تعالى: ﴿يا أيهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ ويوصف بالفعل كما في قوله ﷿: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ وأنتم أيها الجهمية تثبتون كون الله خالقا فاعلا فهل فعله وخلقه سبحانه مثل المخلوق؟ إن قلتم هذا فهذا هو التشبيه وأنتم تفرون منه، وإن قلتم بل فعل الله وخلقه على ما يليق به، وفعل المخلوق وخلقه على ما يناسبه، فيجب أن تقولوا: هذا في سائر الصفات، فالحاصل أن هؤلاء النفاة جميعا لم يستفيدوا من نفيهم إلا تعطيل حقائق النصوص، وأنهم لم يتخلصوا مما ظنوه محذورا، بل هو لازم لهم فيما فروا إليه، بل قد يثبتون ما هو أعظم محذورا- كحال الذين تأولوا نصوص العلو والفوقية والاستواء فرارا من التحيز والحصر- ثم قالوا: هو في
[ ١ / ٨٦ ]
كل مكان بذاته، فنزهوه عن استوائه ومباينته لخلقه وجعلوه في أجواف البيوت والآبار والأواني والأماكن التي يرغب عن ذكرها، فجعلوا نسبته إلى العرش كنسبته إلى أخس مكان، فتعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وقوله" فلابد في آخر الأمر من أن يثبت موجودا واجبا قديما متصفا بصفات تميزه عن غيره" الخ معناه أن هؤلاء الذين ينفون شيئا فرارا من محذور، لابد وأن يثبتوا شيئا يمتاز به الخالق عن المخلوق- ككونه سبحانه موجودا قائما بنفسه- وأن وجوده لا يماثل وجود خلقه، وأن قيامه بنفسه لا يماثل قيام المخلوقين بأنفسهم، فإنه سبحانه غني عما سواه، والخلق مفتقرون إليه، فإذا اثبت المعطل هذه الصفات لله قيل له- فيجب أن تقول هذا في سائر الصفات- فالباب واحد، ومهما أثبت من وصف لله فلا بد أن يدل على قدر مشترك بين الخالق والمخلوق، بحيث يتفقان فيه عند الإطلاق، فإنك لابد أن تثبت لله وصفا ككونه شيئا موجودا، فالشيء والوجود يتصف به كل من الخالق والمخلوق، ولولا أننا نفهم قدرًا مشتركا بين الخالق والمخلوق في مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك لما فهمنا ما خاطبنا الله به، فإن الشيء ضد لا شيء والوجود ضد العدم، كما أن القدرة ضد العجز، والعلم ضد الجهل، وهكذا سائر الصفات، لكننا نعلم أن ما يضاف إلى المخلوق من الأوصاف هو على ما يناسب ذاته ويليق به، وما يضاف إلى الله من حقائق أسمائه ونعوت جلاله هو أعظم مما يخطر ببال إنسان أو يدور في خلده، فالله أعلى من أن يتصور عظمته متصور، كما قال رسول الله ﷺ "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وقوله ﵊ " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحد من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك". الحديث.
[ ١ / ٨٧ ]
معنى قول الماتن فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته
قوله:
وهذا يتبين بالأصل الثاني وهو أن يقال:" القول في الصفات كالقول في الذات" فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال: كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما ﵄،" الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيفية بدعة " لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره، وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته، وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه، ونزوله واستواءه، ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم، ونزولهم واستواؤهم.
ش: الإشارة في قوله: وهذا يتبين، راجعة إلى ما ذكر في الأصل الأول من أنه لا فرق بين بعض الصفات والبعض الآخر، وأن الله ﵎، مسمى بأسماء حسنى، وموصوف بصفات عليا، مع نفي مماثلته لخلقه، وأن إثبات ذلك ليس بتشبيه بل هو محض التوحيد، وأن ما يمتاز به الخالق أعظم مما يخطر ببال أو يدور بخيال. وقوله:" القول في الصفات كالقول في الذات "يعني من حيث الثبوت ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية: فكما أن ذات الله ثابتة بحقيقة الإثبات، فالصفات ثابتة أيضا
[ ١ / ٨٨ ]
بحقيقة الإثبات، إذ لا يعقل وجود ذات بدون صفات وكما أن ذات الله لا تماثل ذوات خلقه، فكذلك صفاته لا تماثل صفات خلقه، وكما أن ذاته لا يمكن العلم بكيفيتها، فكذلك صفاته، إذ العلم بكيفية الصفات يستلزم العلم بكيفية الذات ويتفرع عنه، وقوله: فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، يعني كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإنه سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال: ﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿يَذْرؤكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُْ﴾ فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال، والعلو والعظمة، والحفظ والعزة، والحكمة والملك، والحمد والمغفرة، والرحمة والكلام، والمشيئة، والولاية، وإحياء الموتى، والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده، وكونه فاطر السموات والأرض. وهو السميع البصير، هذا هو الذي ليس كمثله شيء، لكثرة نعوته وأوصافه، وأسمائه، وأفعاله، وثبوتها على وجه الكمال، فالمثبت لصفات كماله- هو الذي يصفه بأنه ليس كمثله شيء- وقوله: فإذا قال السائل كيف استوى على العرش؟ قيل له: كما قال ربيعة ومالك وغيرهما" الخ.
معناه إذا سأل مبتدع عن كيفية صفة من الصفات كالاستواء، فإنه يجاب بما أجاب به مالك وربيعة وغيرهما، وهذا الجواب وإن كان مرويا بالنص عن مالك وربيعة، فهو جواب لسائر أئمة السنة وسلف الأمة، وقد ذكر المؤلف هنا نص جواب الإمام مالك، وذكر جواب ربيعة في غير هذا الموضع ومعنى قول مالك الاستواء معلوم، يعني غير مجهول بل هو معلوم باللغة والشرع، فإن معناه اللغوي العلو والاستقرار، وقد صرحت النصوص بفوقية الله سبحانه، واستوائه على عرشه وقوله: الكيف مجهول، معناه إنا لا ندرك كيفية استواء الله بعقولنا وإنما طريق ذلك السمع ولم يرد السمع بذكر الكيفية فوجب الكف عنها وقوله: الإيمان به واجب،
[ ١ / ٨٩ ]
معناه أن الإيمان باستواء الله على عرشه على الوجه اللائق به لأن الله أخبر به عن نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، فوجب تصديقه، وقوله: والسؤال عن الكيفية بدعة، بين المؤلف وجه كونه بدعة، بأنه سؤال عما لا يعلمه البشر ولا يمكنهم الإجابة عنه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فالسؤال عن كيفية الصفات لم يكن معهودًا على ألسنة الصحابة وأئمة السنة وسلف الأمة، بل هو من ديدن أهل البدع، ولهذا قال الإمام مالك للسائل" وما أراك إلا رجل سوء" ثم أمر به فأخرج عن مجلسه، وهكذا سائر الأئمة قولهم يوافق قول مالك في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء ولا نعلم كيفيته وهكذا سائر الصفات، ففرق مالك ﵀ بين المعنى والمعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وجواب مالك رحمه الله تعالى وغيره جواب كاف شاف في جميع مسائل الصفات فإذا سئل إنسان عن المجيء، أو النزول، أو السمع، أو البصر، أو غير ذلك أجيب بجواب مالك ﵀، فيقال مثلا: المجيء معلوم والكيف مجهول، وكذلك من سأل عن كيفية الغضب، أو الرضى، أو الضحك وغير ذلك فمعانيها كلها مفهومة.
وأما كيفيتها فغير معقولة إذ تعقل كيفية الصفات فرع العلم بكيفية الذات، وقوله وكذلك إذا قال كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟ قيل له كيف هو؟ فإذا قال: لا اعلم كيفيته قيل له ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، يعني هذا جواب آخر يجاب به من سأل عن كيفية نزول الله إلى سماء الدنيا، أو استوائه على عرشه، أو غضبه، أو محبته ونحو ذلك، فعندما يسأل عن كيفية الصفة، يقال له كيف لنا ذات الله؟ فإذا قال لا يعلم كيفية الله إلا هو سبحانه، قيل له وهكذا صفاته، لا يعلم كيفيتها إلا هو، فالعلم بكيفية الصفة فرع العلم بكيفية الذات، وكل من هذا الجواب، وجواب مالك ومن ورد عنه
[ ١ / ٩٠ ]
هذا الجواب، صحيح ومقنع، ومفحم للخصم، ولفظ ذات تأنيث ذو: وذلك لا يستعمل إلا فيما كان مضافا إلى غيره فيقال: فلان ذو علم وقدرة، ونفس ذات علم وقدرة، وحيث جاء في القرآن، أو لغة العرب لفظ ذو، ولفظ ذات لم يجيء إلا مقرونا بالإضافة، كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وقول خبيب حين قدمه كفار قريش للقتل:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
لكن لما صار النظار يتكلمون في هذا الباب قالوا: إنه يقال أنها ذات علم وقدرة ثم أنهم قطعوا هذا اللفظ عن الإضافة وعرفوه فقالوا: الذات، فليست الذات من العربية العرباء بل هي لفظ مولد وربيعة هو أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ مولى آل المنكدر التيميين المعروف بربيعة الرأي، فقيه أهل المدينة أدرك جماعة من الصحابة، وعنه أخذ مالك بن أنس وغيره، وهنا قصة طريفة له مع مالك قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي، وكنا نستزيده من حديث ربيعة، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له أنت ربيعة؟ قال نعم، فقلنا كيف حظي بك مالك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما أن مثقالا من دولة، خير من حمل بعير من علم، توفي ربيعة سنة ست وثلاثين ومائة، ومالك هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأعلام، سمع عن الزهري ونافع مولى بن عمر ﵄ وأخذ العلم عن ربيعة الرأي.
وروى عنه الأوزاعي ويحيى بن سعيد، ولد مالك في سنة خمس
[ ١ / ٩١ ]
وتسعين للهجرة وقد حمل به ثلاث سنين وتوفي ﵀ في شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة بعد أن عاش أربعا وثمانين سنة.
وقول المؤلف وغيرهما، يشير إلى أن هذا الجواب مروي عن غير مالك وربيعة كأم سلمة زوج النبي ﷺ واسمها هند بنت أبي أمية، تزوجها النبي ﷺ في المدينة سنة أربع من الهجرة، وتوفيت سنة تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع وعمرها أربع وثمانون سنة، وسيَأتِي نص كلامها عند ذكر جواب ربيعة في موضعه إنشاء الله تعالى.
[ ١ / ٩٢ ]
الأشاعرة يسلكونفيما ينفونه إما التأويل وإما التفويض
قوله:
وهذا الكلام لازم لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئا ونفى شيئا بالعقل ألزم إذا فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طلب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا، لم يجد بينهما فرقا.
ش: الضمير راجع إلى الأشاعرة المفرقين بين الصفات السبع التي يسمونها عقليات، وبين بقية الصفات التي يسمونها سمعيات، فالكلام السابق من حيث ثبوت الصفات ونفي المماثلة وعدم العلم بالكيفية شامل لسائر الصفات، فالباب واحد، ومن حاول التفريق بين الصفات كالأشاعرة تناقض، فإنه إذا تأول المحبة والرضا والرحمة والغضب بالإرادة، قيل له يلزمك في الإرادة ما يلزمك في الصفات، وإذا تأول الوجه بالذات لزمه في الذات ما يلزمه في الوجه، وكذلك إذ تأول الإصبع بالقدرة فإن القدرة أيضا صفة قائمة بالموصوف، ففر من صفة إلى صفة، وكذلك من تأول الضحك بالرضى والرضى بالإرادة إنما فر من صفة إلى صفة، فهلا أقر النصوص على ما هي عليه ولم ينتهك حرمتها؟ فإن المتأول إما أن يذكر معنى ثبوتها أو يتأول اللفظ بما هو عدم محض، فإن تأوله بمعنى ثبوتي كائن ما كان لزمه فيه نظير ما فر منه.
[ ١ / ٩٢ ]
وإذا طولب بالفرق بين المحذور فيما أثبته وهي الصفات السبع وبين المحذور فيما نفاه وهي ماعدا الصفات السبع لم يجد بينهما فرقًا، وذلك لأن المخلوق يتصف بهذه الصفات، كما يتصف بتلك الصفات، فإن كانت المماثلة منفية في الصفات السبع، فهي منفية في الجميع، وإن أدعى المماثلة فيما عدا الصفات السبع ونفيها في الصفات السبع، كان مفرقا بين متماثلين بدون حجة أو برهان، وقد سبق إيضاح ذلك مفصلا.
قوله:
ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ، قانون مستقيم، فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد، لم يكن لهم جواب صحيح.
ش: ومن أجل أنه لا فرق بين بعض الصفات والبعض الآخر من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه لا يوجد لنفاة بعضها دون بعض منهج مستقيم، ويوجد فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل قوله: "قانون مستقيم" وبين المؤلف فيما بين ذلك مسلك الذين ينفون بعض الصفات دون بعض وهم الأشاعرة، كما سبق بيانه، بين أنهم يسلكون فيما ينفونه أحد طريقين، أما تأويل النص بما يخالف مقتضى لفظه، أو يقولون لا نفهم معناه، بل نفوضه إلى الله، فلا أحد يعلم معناه، وكلا المسلكين خطأ، فإن التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم، والتأويلات التي يذكرونها لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار في عامة النصوص أن المراد منها نقيض ما قالوه، وحينئذ فتأويل النفاة للنصوص باطل، فيكون نقيضه حقًا وهو إقرار الأدلة الشرعية على مدلولاتها ومن خرج عن ذلك لزمه من الفساد ما لا يقوله إلا أهل الإلحاد، وأما التفويض، فمن المعلوم أن الله
[ ١ / ٩٣ ]
تعالى أمرنا أن نتدبر القرآن وحثنا على عقله وفهمه، فكيف مع ذلك يراد منا الإعراض عن إدراكه ومعرفته؟ فإنه على قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل ويقولون كلاما لا يعقلونه، ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء، إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى، وأمر الناس بتدبره وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه، فلا يعقل ولا يتدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما أنزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبين من جهة الأنبياء، وفتحا لباب الزندقة والإلحاد، وبهذا يتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من أشر أقوال أهل البدع والإلحاد وقوله: فإذا قيل لهم لم تأولتم هذا وأقررتم هذا؟ الخ.. يعني أن الأشاعرة مثلا حين ما يتأولون قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتان﴾ فينفون صفة اليد بينما يقرون مدلول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فيصفون الله بصفة السمع والبصر، كما هو مدلول النص إذا سئلوا عن الفرق بين مدلول- بل يداه مبسوطتان- ومدلول- وهو السميع البصير- لم يستطيعوا أن يجيبوا إجابة صحيحة، بل غاية ما عندهم أن يقولوا إثبات اليدين حقيقة لله يقتضي تشبيهه بالمخلوقين فيقال لهم حينئذ: واثبات السمع والبصر لله يقتضي مشابهته للمخلوقين، فإذا قالوا: السمع والبصر متصف بهما الله، وهما على ما يليق به ويناسب ذاته، ولا يماثل فيهما صفات المخلوقين، قيل لهم: وهو سبحانه، متصف باليدين، وهي على ما يليق به ويناسب ذاته، ولا يماثل فيها صفات المخلوقين، وهكذا القول في سائر الصفات.
[ ١ / ٩٤ ]
يلزمهم في المعنى المصروف إليه ما يلزمهم في المعنى المصروف عنه
قوله:
فهذا تناقضهم في النفي وكذا تناقضهم في الاثبات، فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
ش: المعنى يقول المؤلف: كما أن الأشاعرة متناقضون في إثباتهم للصفات السبع ونفيهم ما عداها، فهم متناقضون أيضا في تأويلهم النص من معنى إلى معنى آخر كما سيَأتِي مثاله بعد هذا وقوله: فإن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها: خبر إن هو قوله:" لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه المصرح به في مدخول إن الثانية. فمعنى هذه العبارة: هو بعينه معنى قول المؤلف بعدها فإنه إذا صرفوا النص عن المعنى الذي مقتضاه إلى معنى آخر لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.
قوله:
فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه، وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط.
ش: هذا هو المثال الذي قلنا أنفا إنه سيَأتِي: فمن تأويله قوله تعالى: ﴿قُلْ أن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿﵃﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأنهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات من تأول محبة الله أو رضاه بإرادته للثواب، كان ما يلزمه من المحذور من إثبات الحجة والرضى لازم له في
[ ١ / ٩٥ ]
إثبات الإرادة، ومن تأول غضب الله وسخطه بإرادته العقاب، كان ما يلزمه من المحذور في صفة الغضب والسخط، لازم له في إثبات صفة الإرادة فالمعنى المصروف عنه هو المحبة والغضب والسخط والمعنى المصروف إليه- هو الإرادة- فاتضح أن من تأول النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها لزمه من المحذور في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمه في المعنى المصروف عنه.
قوله:
ولو فسر ذلك بمفعولاته، وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فر منه، فإن الفعل لابد أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه وبرضاه، وبسخطه وببغضه المثيب المعاقب.
ش: يعني وإذا تأولوا المحبة أو الرضا ببعض مخلوقات الله كالثواب والنعم أو فسروا الغضب والسخط ببعض مخلوقات الله- كالعقوبات- إذا تأولوا النصوص على هذا أجيبوا بجوابين: أولا أن الإثابة والمعاقبة فعل يقوم بالله، والمخلوق يوصف بالفعل، وثانيا يقال: الثواب إنما يكون على فعل ما يحبه المثيب، والعقوبة إنما يكون على فعل ما يحبه المثيب، والعقوبة إنما تكون على فعل ما يبغضه المعاقب، فما فسروا به المحبة والبغض، هو نفسه يدل على الصفة التي فروا من إثباتها.
قوله:
فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثلوا، وإن أثبتوا على خلاف ذلك فكذلك الصفات.
ش: يعني أن الإثابة والعاقبة فعل يتصف الله به، والمخلوق يوصف بالفعل فهل الفعل الذي تثبتونه لله مثل الفعل الذي يتصف به المخلوق؟ أن قلتم إنه مثله فهذا هو التشبيه، وأنتم تفرون من ذلك! وإن
[ ١ / ٩٦ ]
قلتم: بل فعل الله يليق به وفعل المخلوق يليق به، فهكذا يجب أن تقولوا هذا القول في سائر الصفات، فصفات الله ثابتة له، وهي على ما يناسب ذاته المقدسة، وصفات المخلوق ثابتة له وهي على ما يناسب ذاته.
[ ١ / ٩٧ ]
كلام اللغويين في المثل
قوله:
"فصل" وأما المثلان المضروبان فإن الله ﷾ أخبر عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس، والمناكح والمساكن، فاخبر أن فيها لبنًا وعسلا، وخمرًا، وماء، ولحمًا وحريرًا وذهبًاٍِ وفضة، وفاكهة وحورًا وقصورًا، وقد قال ابن عباس ﵄ ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بين واضح.
ش: بعد أن فرغ المؤلف من بيان الأصلين المتضمنين بيان إثبات الأسماء والصفات لله مع نفي المماثلة للمخلوقات، شرع في بيان المثلين المضروبين المتضمنين لبيان ذلك أيضا والمثل هو كما قال المبرد قول يشبه سائر يشبه به حال الثاني بالأول والأصل فيه التشبيه فقولهم: مثل بين يديه إذا انتصب معناه أشبه الصورة المنتصبة وفلان أمثل من فلان أي أشبه بماله من الفضل، فحقيقة المثل ما جعل كالعلم للتشبيه بحال الأول كقول كعب بن زهير:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا
وما مواعيدها إلا الأباطيل
[ ١ / ٩٧ ]
فمواعيد عرقوب علم لكل ما لا يصح من المواعيد وقال ابن السكيت: المثل لفظ يخالف لفظ المضروب له ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ، شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره فالحاصل أن المثل كلام سائر شبه مضربه بمورده لغرابته، كقولهم: " الصيف ضيعت اللبن" وفي ضرب الأمثال زيادة تذكير وتفهيم وتصوير للمعاني، قال ابن المقفع: إذا جعل الكلام مثلا كان أوضح للمنطق، وآنق للمسمع وأوسع لشعوب الحديث: وقوله: " فإن الله سبحانه تعالى أخبر عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والملابس، والمناكح والمساكن" يعني كما قال تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كانتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرا ًوَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كان مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَان مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذَا رَأيتَ ثَمَّ رَأيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا عَالِيَهُمْ ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وقال ﷿: ﴿فِيهَا أنهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأنهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأنهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأنهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿أن الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأنهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ وما ذكره الله في الآخرة، من أنواع المطاعم والمشارب، والمناكح والملابس، والمساكن، يشبه ما في الدنيا من هذه الأنواع في الاسم، وفي المعنى العام، وهذا التوافق في الاسم وفي الحقيقة من حيث العموم لم يوجب أن تكون حقائق الآخرة مثل حقائق الدنيا من كل وجه، بل بينهما بون شاسع وفرق بعيد، وقول ابن عباس: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء" معناه أن التفاوت بينهما كبير في اللذة والكمال والعظمة، حتى أنه لا يكاد
[ ١ / ٩٨ ]
التوافق يكون بينهما في الاسم لشدة التفاوت، وإذا تقرر هذا فالرب ﵎ وإن كان متصفا بالصفات ومسمى بالأسماء، والمخلوق يسمى بتلك الأسماء ويوصف بتلك الصفات فهما متفقان في الاسم وفي المعنى العام، غير أن هذا الاتفاق ليس معناه أنهما متماثلان، بل بينهما تفاوت عظيم وفرق كبير، التباين الذي بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الذي بين المخلوق والمخلوق، فإن المخلوق أقرب إلى المخلوق، لموافقته في اسمه وجنسه وهذا جلي لا غموض فيه.
[ ١ / ٩٩ ]
أقسام الناس في باب الإيمان بالله واليوم الآخر
قوله:
ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق: فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله عن نفسه وعن اليوم الآخر مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم. والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به في الآخرة من الثواب والعقاب، والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة، والباطنية، والفلاسفة، أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر.
ثم إن كثيرا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان وحج البيت، فيقولون: أن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وأن صيام رمضان كتمان أسراهم، وأن حج البيت سفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل، صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، والحاد في آيات الله، وقد يقولون: الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا
[ ١ / ٩٩ ]
صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم، رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات.
ش: يعني ومن أجل التوافق في الاسم، وفي المعنى العام وكون التفاوت بين الخالق والمخلوق أعظم من التفاوت الحاصل بين حقائق الدنيا وحقائق الآخرة، من أجل هذا افترق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه من حقائق الصفات، وما أخبر به عن اليوم الآخر إلى ثلاث فرق: فأهل السنة والجماعة آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ونزهوه عن الند والمثال كما آمنوا بما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما أعد الله لمن أطاعه وعصاه من الجزاء، والفرقة الثانية آمنوا ببعض وهو الإيمان بما أخبر الله به عن اليوم الآخر وامتثال الأمر، واجتناب النهي، والجزاء على الأعمال، بينما نفوا حقائق أسماء الله وصفاته، وهم أهل التحريف والتأويل، الذين يقولون أن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال – ما في نفس الأمر- وأن الحق في نفس الأمر هم ما علمناه بعقولنا، ثم يجتهدون في تأويل هذه النصوص بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طرقها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات، فلا يقصدون مراد المتكلم به وحمله على ما يناسب حاله، وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه على الوجه الذي يعرف به مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه، وقول المؤلف "مثل طوائف من أهل الكلام" يعني كالجهمية والمعتزلية ونحوهم، والفرقة الثالثة نفت ما دلت عليه نصوص المعاد، من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، كما نفت ما دلت عليه نصوص الصفات من نعوت الجلال وأوصاف الكمال، وهذا ضلال صراح وكفر بواح، وهؤلاء هم الغلاة، من القرامطة والباطنية الإسماعيلية، والفلاسفة المشائين، وقول المؤلف "والباطنية بالعطف على القرامطة" يشير إلى أن هذه فرقة أخرى غير أتباع حمدان.
[ ١ / ١٠٠ ]
وأغلب ما يطلق هذا الوصف على أتباع إسماعيل بن جعفر، وقد تميزوا عن بقية طوائف الشيعة باسم الباطنية وأما قول المؤلف فيما سبق: عند ذكر الطوائف التي زاغت وحادت عن سبيل المرسلين، "والقرامطة الباطنية " فمعناه أن أتباع حمدان قرمط يوصفون بأنهم باطنية لموافقتهم هذه الفرقة في جعلهم نصوص الشرع عبارة عن رموز وإشارات لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها. وقوله: ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر أنه به عن نفسه وعن اليوم الآخر يعني كملاحدة
الصوفية مثل ابن عربي وابن سبعين وأشباههما فإن هؤلاء قد ملكوا مسلك ملاحدة الشيعة: وقوله: "ثم أن كثيرا منهم " الخ. بعد أن فرغ المؤلف من بيان مذهب الملاحدة فيما يتعلق بحقائق أسماء الله وصفاته، وما وعد الله به في الآخرة من الجزاء على الأعمال: بين مذهبهم في فروع الشريعة فذكر أن الكثير منهم يسلكون فيها ما سلكوه فيما سبق، وذلك بإبطالهم معناه الحقيقي وتأويلهم لنصوصها بتأويلات، يعلم بالاضطرار من لغة العرب أنها ليست هي المفهوم من لفظ الصلاة والصوم والحج ولا يمكن أن يدعى أن أهل اللغة التي نزل بها القرآن كانوا يريدون هذا المعنى بهذا اللفظ. والقرآن نزل بلغة الذين خاطبهم الرسول ﷺ، فليس لأحد أن يستعمل ألفاظه في معان وضعها من عندياته مع عدم الشبه والمناسبة التي تسوغ في اللغة. مثل هذا. وقوله: "ونحو ذلك من التأويلات يعني كتأويلهم الفرائض بموالاة زعمائهم والمحرمات بتحريم موالاة أبي بكر وعمر، وتأويلهم الملائكة بزعمائهم والشياطين بمخالفيهم ". وهذه التأويلات وأمثالها، يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتخويف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، والحاد في آيات الله وقوله قد يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة إلى قوله: "وأباحوا له المحظورات" يعني أن بعض هؤلاء الملاحدة قد يفرق بين عوام الناس وخواصهم في تطبيق الفروع، فالمحقق منهم والعارف
[ ١ / ١٠١ ]
بمذهبهم والموحد المخلص لإلحادهم. هؤلاء طبقة فوق العمل بفروع الشريعة وأما بقية الناس فهم حشو ورعاع يلزمهم أن يعملوا وأن يمتثلوا المأمور ويجتنبوا المنهي، لأن أمرهم في الدنيا لا يصلح إلا بذلك والبعض منهم يقرها بالنسبة للعموم فهذه طريقة الملاحدة الباطنية الإسماعيلية ونحوهم. من قرامطة ومتفلسفة.
[ ١ / ١٠٢ ]
أهل التصوف والسلوك
قوله: وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
ش: يعني قد يشارك ملاحدة الشيعة والمتفلسفة في أقوالهم الباطلة، ومذاهبهم الزائفة: قد يشاركهم أناس ينتسبون إلى التصوف والملوك، لكن تظاهر هؤلاء بالمعرفة والعبادة والزهد التباس أمرهم وخفاء حالهم على كثير من أهل العلم، بخلاف أولئك الذين تظاهروا بمذاهب التشيع والغلو فإن ذلك مما نفر الناس عنهم، إذ هو ضلال صراح وكفر بواح، فأهل الفقر والزهد والعبادة لمشاركتهم الجمهور في الانتساب إلى السنة والجماعة يخفى من إلحادهم ما لا يخفى من الحاد ملاحدة الباطنية المنتسبين إلى التشيع "والتصوف " العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، وكان نوع ذلك عاما في الصحابة والسلف:
فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده: وجنح الناس إلى الانهماك في الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم المتصوفة: وعلى القول بأن التصوف مشتق لا لقب، يكون مشتقًا من الصوف وهم في الغالب مختصون بلبسه، لما كانوا عليه من مخالفة الناس من لبس فاخر الثياب وسيَأتِي ذلك زيادة بحث في وضعه - من هذه الرسالة إنشاء الله
[ ١ / ١٠٢ ]
تعالى: "والسلوك" معناه السير، فأهل السلوك هم أهل السير إلى العبادة، إلا أن فيهم العابد المحقق والمحرف الملحد.
قوله: وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
ش: يعني من سبق ذكرهم، من قرامطة ومتفلسفة، وباطنية الشيعة، وباطنية الصوفية، هؤلاء هم الملحدون الذين أتفق المسلمون على أنهم كفار، بل على أن كفرهم أعظم من كفر اليهود والنصارى، وذلك لأنهم- زنادقة منكرون للرسالات كلها، والشرائع جميعها، فلا يقرون بمدلول نصوص الصفات ولا بمدلول نصوص البعث والنشور، وامتثال ما في النصوص الشرعية من أوامر، واجتناب ما فيها من نواه، فقولهم غاية في الزندقة والإلحاد.
قوله:
وما يحتج به على الملاحدة أهل الإيمان والإثبات، يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يشارك هؤلاء في بعض إلحادهم.
ش: يعني برهان المؤمنين بالله، المثبتين لمدلول نصوص الوحيين، برهانهم في إثبات ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله من حقائق الأسماء والصفات، ووقوع البعث والنشور والجزاء على الأعمال، برهانهم على ملاحدة الفلاسفة والصوفية، هو برهانهم على من يشارك هؤلاء الملاحدة في قسم من إلحادهم، والذين يشاركونهم هم نفاة الأسماء والصفات من الجهمية ونحوهم. فحجة أهل الإيمان بالله والإثبات لما دلت عليه نصوص الوحيين على الفريقين واحدة: وذلك أن ما أنكروه شيء ثابت قد دلت جميع الكتب السماوية على إثباته، وهو المفهوم الذي تظافر
[ ١ / ١٠٣ ]
على إثباته السمع والعقل، فإثبات أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلته لمخلوقاته هو محض التوحيد، ونفي ذلك هو محض التعطيل والتنقص، وكون هناك دار أخرى يجازى فيها المحسن على إحسانه، والمسيء على
إساءته: هو مقتضى الرحمة والعدل، فأهل العلم والإيمان، يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقا وما خالفه كان باطلا، وهؤلاء الملاحدة ليس معهم إلا محض التحريف لما هو معلوم بالضرورة باللغة التي نزل بها القرآن، وتكلم بها رسول الرحمن.
واعلم أن من كان قصده متابعة ما جاء في الكتاب والسنة من المؤمنين، واخطأ بعد اجتهاده وإفراغ وسعه لم يجز تكفيره ولا التعنيف في الرد عليه، والله يغفر لعباده الخطأ والنسيان ما لم تقم عليه الحجة التي لا يعذر بمخالفتها وتزال شبهته.
قوله:
فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات، كان ذلك هو الحق الذي يوافق المعقول والمنقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات.
ش: يعني أن المثبت لحقائق أسماء الله وصفاته مع نفي مماثلته سبحانه لمخلوقاته، هو الموافق لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من وصف الله ﵎ بأوصاف الكمال ونعوت الجلال، والموافق لمقتضى العقل السليم، من أمراض الشبه والإلحاد، فإن الرب المالك والإله الواحد لابد وأن يكون متصفا بكل وصف كمال، ومتنزها عن كل عيب ونقص، أما هؤلاء الملحدون النافون لأسماء الله وصفاته والمنكرون للمعاد والجزاء على الأعمال، وهكذا من شاركهم في بعض إلحادهم، هؤلاء جميعا مخالفون لما أثبته النقل ودل عليه العقل.
[ ١ / ١٠٤ ]
قياس التمثيل والشمول
قوله:
والله سبحانه لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشرك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل
الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم.
ش: يعني أن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمول تستوي أفراده، فإن الله ﷾، ليس كمثله شيء فلا يجوز أن يمثل بغيره ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها، ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية لم يصلوا بها إلى يقين، بل تناقضت أدلتهم وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم وتكافئها ولقد أحسن القائل:
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور
ولكن يستعمل في ذلك قياس الأولى سواء كان تمثيلا أو شمولا كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ مثل أن نعلم أن كل كمال ثبت للممكن المحدث لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالواجب القديم أولى به وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المربوب المدبر، فإنما استفادة من خالقه وربه ومدبره، فهو أحق به منه، وأن كل نقص وعيب في نفسه وهو ما تضمن سلب أوصاف الكمال إذا وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات، فإنه يجب نفيه عن الرب تبارك
[ ١ / ١٠٥ ]
وتعالى بطريق الأولى، وأنه أحق بالأمور الوجودية من كل موجود، وأما الأمور العدمية فالممكن بها أحق وقياس التمثيل: هو إلحاق الفرع بالأصل في الحكم بجامع الوصف المشترك بينهما، ومثاله في قول النفات: لو كان الله متصفًا بالصفات لكان جسمًا قياسًا على المخلوق: فقد قاسوا الخالق على المخلوق، وحكموا بالمماثلة، لاشتراك الخالق والمخلوق في أن كلا منها متصف بالصفات، وقياس الشمول هو ما كان مركبًا من مقدمتين فأكثر مستعملا فيه لفظة، كل، الدالة على الشمول: ومثاله في كلام نفاة الصفات قولهم: المخلوق متصف بالصفات وكل متصف بالصفات فهو جسم، فنفوا صفات الله لئلا يدخل في هذا العموم فيكون مثيلا للمخلوق: فهؤلاء النفات أشركوا الخالق مع المخلوق، واستعملوا في حقه قياس التمثيل الذي يستوي فرعه بأصله بجامع العلة المشتركة بينها، واستعلموا في حقه سبحانه، قياس الشمول الذي تستوي أفراده وتندرج تحت قضية كلية، وهذا كما أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، فهو
مخالف أيضا للفطر السليمة، والعقول الصحيحة، فإن الذي يجب أن يستعمل في حق الله، هو القياس الأولى، وهو المثل الأعلى، الذي وصف الله به نفسه كما في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فجعل "مثل السوء" المتضمن للعيوب، والنقائص، وسلب الكمال- للمشركين- وأخبر: أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها" له وحده. و"الأعلى" أفعل تفضيل، فمعنى ذلك: أنه أعلى من غيره: فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف! تعالى الله عن قول المعطلين علوًا كبيرًا. قال ابن جرير: "الأعلى" هو الأطيب والأفضل والأحسن والأجمل، فهذا المثل الأعلى الذي له سبحانه والأول مثل السوء للصنم وعابديه.
فحاصل المثل: أن الله قد أخبر أن في الآخرة من أنواع النعيم ما له شبه في الدنيا: كأنواع المطاعم والمشارب والملابس، والمناكح وغير ذلك:
[ ١ / ١٠٦ ]
فحقائق تلك أعظم من حقائق هذه بما لا نعرف قدره وكلاهما مخلوق.
والنعيم الذي يعرف جنسه قد أجمله الله ﷾، بقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فإذا كان هذان المخلوقان متفقين في الاسم والمعنى العام مع أن بينهما في الحقيقة تباينا لا يعرف في الدنيا قدره فمن المعلوم أن ما يتصف به الرب من صفات الكمال مباين لصفات خلقه أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق.
[ ١ / ١٠٧ ]
وصف الروح في النصوص
فحقائق تلك أعظم من حقائق هذه بما لا نعرف قدره وكلاهما مخلوق.
والنعيم الذي يعرف جنسه قد أجمله الله ﷾، بقوله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فإذا كان هذان المخلوقان متفقين في الاسم والمعنى العام مع أن بينهما في الحقيقة تباينا لا يعرف في الدنيا قدره فمن المعلوم أن ما يتصف به الرب من صفات الكمال مباين لصفات خلقه أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق.
قوله:
وهكذا القول في المثل الثاني وهو أن الروح التي فينا- فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة.
ش: يعني كما قيل في "المثل الأول" يقال أيضا: في "المثل الثاني" فإن روح ابن آدم تسمع، وتبصر، وتتكلم، وتنزل، تصعد، كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، والمعقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله، فإذا لم يجز أن يقال: أن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد، وهي مقرونة به، وهما جميعا الإنسان فكيف يجوز أن يجعل الرب ﵎ وصفاته وأفعاله مثل المخلوق وصفاته وأفعاله؟ كما سيبين المؤلف ذلك في آخر البحث. ومثال ما ورد من النصوص: في أخبار الروح قول الله ﵎: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً أن فِي ذَلِكَ لَآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقوله
[ ١ / ١٠٧ ]
سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أيدِيهِمْ أَخْرِجُوا أنفُسَكُمُ﴾ وقوله ﷿: ﴿يا أيتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند النوم: "باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، أن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين " وفي الصحيح أيضا أنه كان يقول: "اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها فإن أمسكتها فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" وروى الإمام أحمد بسنده عن البراء بن عازب ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا- ثم قال: "أن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسون منه مد بصره، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: "أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها ريح كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملاء من الملائكة بين السماء والأرض إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: "فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني
[ ١ / ١٠٨ ]
منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه، يَأتِيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول الله ربي، فيقولان له وما دينك؟ فيقول ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول هو رسول الله ﷺ، فيقولان له ما علمك؟ فيقول قرأت
كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة!! وافتحوا له بابا إلى الجنة!! قال: فيَأتِيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت فوجهك وجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.
وقال إن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة: اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال: فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها، فلا يمرون على ملاء من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فكأنما خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكان سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده ويَأتِيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول هاه هاه لا أدري! فيقولان له ما دينك؟ فيقول هاه هاه لا
[ ١ / ١٠٩ ]
أدري! فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وألبسوه من النار! وافتحوا له بابا إلى النار! فيَأتِيه من حرها وسمومها! ويضيق عليه قبره! حتى تختلف أضلاعه ويَأتِيه رجل قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: من أنت؟ فوجهك وجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول أنا عملك الخبيث!! فيقول رب لا تقم الساعة"
وهذا الحديث مما اتفق السلف والخلف على روايته وتلقيه بالقبول، وفي هذه النصوص من صعود الروح إلى السماء، وعودها إلى البدن ما يبين أن صعودها ونزولها نوع آخر ليس مثل صعود البدن ونزوله.
قوله:
والناس مضطربون فيها، فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءا من البدن، أوصفة من صفاته كقول بعضهم: "أنها النفس أو الريح التي تردد في البدن " وقول بعضهم: "أنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن "
ش: هذه عدة أقوال في حقيقة الروح وكلها باطلة ليس مع أصحابها سوى الظنون الكاذبة، وهذه الأقوال: هي أولا قولهم: أنها جزء من البدن، يعني كالكبد أو الطحال، ثانيا قولهم: أنها البدن، يعني هذا الجسم بأعضائه وشكله. ثالثا قولهم: أنها النفس، وهو الهواء المتردد في البدن، رابعا: أنها الحياة، وهي الحرارة الغريزية، خامسا قولهم: أنها المزاج، وهو ما ركب عليه البدن من الطبائع والذي تظاهرت عليه أدلة القرآن والسنة والاعتبار، والعقل، وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة، أن الروح "جسم " مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينتقل في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها، من هذا الجسم اللطيف بقي
[ ١ / ١١٠ ]
ذلك الجسم ساريا في هذه الأعضاء، وإفادتها هذه الآثار من الحس والحركة الإرادية وإذا أراد الله موت هذا المخلوق الحي انفصلت عنه الروح، فهي إذًا ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل، وتخرج وتذهب، وتحبيء وتتحرك وتسكن، وقد ذكر ابن القيم على هذا القول أكثر من مائة دليل.
قوله:
ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض وقد يقولون: أنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة وقد يقولون: أنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مدخلة، وربما قالوا ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية، التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.
ش: يعني ومن جملة الناس المضطربين في حقيقة الروح طوائف من الفلاسفة وقد ذكر المؤلف أنهم يصفون الروح بما يصفون به واجب الوجود، فكما يقولون عن الله سبحانه أنه لا جسم ولا عرض، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، كذلك: يصفون الروح بهذه الصفات السلبية، التي تجعل وجود الموصوف بها لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، وقد ذكر المؤلف: أمثلة لسلبهم النقيضين عن الروح فقال: "كقولهم لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولامباينة له ولا مداخلة".
[ ١ / ١١١ ]
ومثال آخر أعم من الأول وهو قولهم: أنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، ومثال ثالث أعم من الأول وأخص من الثاني، وهو قولهم: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، وقوله: "ولا مداخلة له ولا مباينة" هو بمعنى لا داخله ولا خارجه فمدلول العبارتين واحد، وقوله: "لا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تنزل، ولا هي اسم ولا عرض" هذه من جنس الأمثلة السابقة من حيث أنها سلب للنقيضين، ولا يوصف بها إلا ممتنع الوجود، وذكر لمن هذه الطوائف أنها تقول: أن الروح لا تدرك ولا تعقل إلا الأمور الكلية المطلقة وهي التي لا يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها ضد الجزئيات: أما الجزئيات والأمور المعينة المتشخصة في الخارج فلا تدركها، وهو قول باطل: فالروح كما تدرك الأمور العامة المشتركة، تدرك الأمور الجزئية المعينة، وذكر أنهم يفسرون الجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية وهذا مجرد اصطلاح لهم في الجسم يخالفهم فيه جماهير العقلاء وقالوا بناء على هذا: أن الروح مما لا يشار إليه، وقوله "ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم. والممتنع" يعني كقولهم: "لا هي حية ولا ميتة ولا عالمة ولا جاهلة " فكل هذه الأوصاف تلحق الروح بالمعدوم، بل بالممتنع فإن من لا تصح الإشارة إليه، ولا هو جسم ولا عرض، ولا متحرك ولا ساكن، ونحو ذلك يمتنع وجوده في الأعيان.
قوله:
وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل. قالوا: بل هذا ممكن بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجود كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولون به في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال.
[ ١ / ١١٢ ]
ش: يعني إذا قيل لهؤلاء الفلاسفة إثبات شيء لا يشار إليه وليس بجسم ولا عرض ولا متحرك ولا ساكن ولا داخل العالم ولا خارجه، إثبات مثل هذا ممتنع وامتناعه معلوم بالضرورة، قالوا محتجين: بل إثبات
مثل هذا ممكن بدليل وجود الكليات، وهي غير مشار إليها، وليست جسما ولا عرضا" وقد نسوا أن الكليات إنما توجد في الذهن، ولا يوجد في الخارج إلا أفرادها المعينة، ثم قال المؤلف: "إن هؤلاء الفلاسفة يعتمدون في كلامهم عن المبدأ والبعث والنشور على مثل هذا الخيال الذي يقولونه في وجود الكليات، وكلامهم هذا فساد لا يخفى على كثير من الجهال، فضلا عن العلماء، فهو مخالف للحس والعقل والشرع، فهم يقولون: إن العالم قد يم لا محدث والبعث للأرواح دون الأبدان، ويقولون: النعيم الموعود به هو بهجة النفس وسرورها والعذاب هو حزنها وألمها: إلى غير ذلك من ترهاتهم التي لا تستند إلى منطق أو عقل أو نقل.
[ ١ / ١١٣ ]
كلام الفلاسفة في الروح
قوله:
واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة. ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس المناصر والمولدات منها بل هي من جنس آخر
مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرفونها إلا بالأسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة وكلا القولين خطأ
ش: النفاة للروح هم الفلاسفة الذين يصفونها بأوصاف سلبية تلحقها بالمعدوم والممتنع، والمثبتون للروح من طوائف المتكلمين وهم الذين يقولون عنها: أنها نفس البدن أو جزء منه أو الحياة أو المزاج أو الريح،
يقول المؤلف: أن سبب اضطرابهم، أن الروح المسماة عن الفلاسفة النفس الناطقة ليست من جس البدن وليست من العناصر المشاهدة التي
[ ١ / ١١٣ ]
نتكون منها الأشياء، ولا من جنس ما يتولد من العناصر كتولد الخل من عناصره التي هي أصله بل الروح من شكل آخر، واضطربوا فيها لكونهم لم يتلقوا العلم بها عن مشكاة النبوة، كما لم يتلقوا العلم بالله وصفاته من كتابه وسنة رسوله ﷺ، فصار الفلاسفة لا يعرفونها إلا بالأوصاف السلبية وطوائف المتكلمين يجعلونها البدن أوصفة من صفاته، وكلا القولين باطل، مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة، والمراد "بالناطقة " المفكرة العاقلة، والروح لها نفس، فمدلول الروح والنفس واحد، ولكن غالبا ما تسمى نفسًا، إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسميت الروح أغلب عليها.
[ ١ / ١١٤ ]
المعاني الاصطلاحية في الجسم
قوله:
وإطلاق القول عليها بأنها جسم أو ليست بجسم يحتاج إلى تفصيل: فإن لفظ الجسم للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي: فإن أهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليت جسما ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَأن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وأما أهل الكلام فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة وكل هؤلاء يقولون: أنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس مركبا من هذا ولا من هذا، بل هو مما يشار إليه ويقال: أنه هنا أو هناك.
ش: يعني من أطلق على الروح بأنها جسم أو ليست بجسم استفسر عن مراده والسبب في ذلك أن للناس في لفظ الجسم عدة
[ ١ / ١١٤ ]
اصطلاحات بالإضافة إلى معناه اللغوي ثم ذكر المؤلف اصطلاحات المتكلمين في الجسم وهي أولًا أنه الموجود ثانيًا القائم بنفسه ثالثًا المركب من الجواهر المفردة، رابعًا المركب من المادة والصورة، خامسًا هو ما يقبل الإشارة الحسية فيصح عنه أن يقال أنه هنا أوهناك وهذه الاصطلاحات غير معناه اللغوي فإن أهل اللغة يطلقون لفظ الجسم على البدن والجسد، أوكل ما كان كثيفًاَ غليظًا، وقوله: ولهذا يقولون: الروح والبدن، معناه إنهم يفرقون بين مدلولها كما تشير إليه آية سورة المنافقين، وآية سورة البقرة فإن الذي يعجب الرائي شكلهم الظاهر ﴿وَإِذَا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ والذي بسط فيه هو الجسم. ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ وقوله:" وكل هؤلاء يقولون أنه مشار إليه" معناه أن أقوال المتكلمين في الجسم تخالف قول الفلاسفة، فإنهم يقولون عن الجسم: هو ما لا يقبل الإشارة الحسية وقوله ومنهم من يقول: ليس مركبًا من هذا ولا من هذا، يعني أن بعض المتكلمين ينفي أن يكون الجسم مركبًا من الجواهر المفردة، أومن المادة والصورة وهذا قول صحيح، فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركبًا من هذا ولا من هذا.
والجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يقبل القسمة وهو شيء لم يدركه أحد بحسه ولا يتميز منه جانب عن جانب، وما من شيء يفرض إلا وهو أصغر منه عند القائلين به، وأصل الجوهر كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به، وجوهر الشيء ما وضعت عليه جبلته، والمادة هي عناصر الشيء التي يتكون منها وصورة الشيء شكله.
قوله:
فعلى هذا إن كانت الروح مما يشار إليها ويتبعها بصر الميت كما قال ﷺ "أن الروح إذا خرجت تبعها البصر" وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسما بهذا الاصطلاح.
[ ١ / ١١٥ ]
ش: يشير المؤلف إلى أن القول: بأن الجسم هو ما يقبل الإشارة الحسية وتمكن رؤيته بالأبصار، ويتصف بالصفات هو القول الصواب في تعريف الجسم اصطلاحا وبهذا الاعتبار يصح أن تسمى الروح جسمًا، فإنه يصح أن يشار إليها، ويمكن أن ترى فإن بصر الميت يتبعها ويراها كذلك ترى بعد الموت فإن الروح قائمة بنفسها، باقية بعد الموت منعمة أو معذبة، كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ثم تعاد إلى الأبدان. وهذا الحديث رواه مسلم بسنده عن أم سلمة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: أن الروح إذا قبض تبعه البصر فسبح ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، ثم قال "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره ونور له فيه" وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره؟ قالوا بلى: قال فكذلك حين يتبع بصره نفسه" وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ "إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر، فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما يقول أهل الميت ".
[ ١ / ١١٦ ]
وجه ضرب المثل بالروح
قوله:
والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية، عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا والشيء إنما تدرك حقيقته بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته
[ ١ / ١١٦ ]
وأهل المعقول هم أعجز عن أن يجدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها فإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لها ومن مثلها بها يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات، فالخالق ﷾ أولى أن يكون من نفى صفاته جاحدا معطلا، ومن قاسه بخلقه جاهلا به، ممثلا وهو ﷾ ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق ما له من الأسماء والصفات.
ش: يعني هذا هو المقصود من المجيء ببحث الروح هنا ووجه ضرب المثل بها فإذا علم أن الروح متصفة بصفات، والبدن متصف بصفات، ولم يوجب ذلك أن تكون الروح مثل البدن، فالرب سبحانه متصف بالصفات التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، والمخلوق متصف بصفات، وليست صفات الخالق مثل صفات المخلوق بل لكل منهما ما يناسب ذاته وإذا كان من نفى صفات الروح جاحدا معطلا لما ثبت في النصوص من صفاتها، ومن مثلها بشيء من المخلوقات كان جاهلا بها مشبها لها بغير مثلها، فكذلك بطريق الأولى من نفى صفات الله فهو جاحد لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله من وصف الله بصفات الكمال، ونعوت الجلال، ومن مثل صفاته بصفات خلقه كان مخالفا لما جاء في النصوص من نفى الشبيه عنه والمثال، وكذلك إذا كانت العقول قاصرة عن الوصول إلى العلم بكيفية الروح والإحاطة بها لأنها لم تشاهدها ولم تشاهد لها مثيلا فعجزهم عن الوصول إلى العلم بكيفية الخالق وإلاحاطة به بطريق الأولى، وإذا كانت الروح ثابتة موصوفة بصفاتها اللائقة بها رغم المعطلين لها والمشبهين لها بغير شكلها، فكذلك بطريق الأولى ذات الرب موجودة ثابتة متصفة بأوصاف الكمال.
[ ١ / ١١٧ ]
كل نفي وصف الرب به نفسه فهو متضمن لاثبات المدح والكمال
قوله:
"فصل " وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة، القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كأخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه: سميع بصر، ونحو ذلك، والنفي كقوله ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾
ش: تقدم الكلام في بيان الأصلين والمثلين، وهذا أوان الشروع في بيان الخاتمة الجامعة، القاعدة الأولى من القواعد التي تضمنتها الخاتمة الجامعة: هي أن الله موصوف بالإثبات كوصفه بأنه عليم قدير، سميع
بصير، إلى غير ذلك من الصفات وموصوف بالنفي كما في قوله: ﴿لا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ووصفه سبحانه، بالإثبات ونفي مماثلة المخلوقات هو محض التوحيد، ونفي صفاته هو محض الشرك والتعطيل، فلو لم يكن لا علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر، ولم يقم به فعل لما يريد، ولا يمكن أن يشار إليه لكان العدم المحض كفوًا له.
قوله:
وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس
بشيء، فضلا عن أن يكون مدحًا أو كمالا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.
ش: العدم المحض هو النفي المجرد الذي لا يتضمن إثبات مدح ولا كمال، وليس في النفي المجدد إثبات صفة كمال، وذلك لسببين، بين المؤلف السبب الأول بقوله: "لأن النفي المحض عدم محض " وبين الثاني
بقوله: "ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع " ثم بين حال العدم المحض وأنه ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو على اسمه، فيبعد أن يكون
[ ١ / ١١٨ ]
وصف كمال أو مدح، فلا يمدح به أحد ولا يكون كمال، بل هو أنقص النقص، وبين حال المعدوم والممتنع بأنه لا يوصف بمدح ولا كمال، ولذلك يوصف بالعدم المحض.
قوله:
فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنا لإثبات المدح، كقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال، أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي لا يكرثه ولا يثقله وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته وكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أيامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ فإن نفي مس اللغوب، الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه. وكذلك قوله:﴾ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴿إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفي مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يرى، وليس في كونه لا يرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا وإنما المدح في كونه لا يحاط به وأن رؤي، كما أنه لا يحاط به وأن علم، فكما انه إذا علم لا يحاط به علما، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الاحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.
[ ١ / ١١٩ ]
ش: يعني ومن أجل أن النفي المجرد ليس فيه مدح ولا كمال، نجد أن جميع ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات أوصاف الكمال، ثم مثل المؤلف لهذا النفي الذي وصف الله نفسه فقال: "كقوله: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ لكمال حياته وقيوميته وقوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ لكمال قوته، وقوله: "وما مسنا من لغوب" لكمال قدرته، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يعني لعظمته واحاطته بما سواه، وقد أوضح المؤلف تضمن الآيات الكريمات التي استشهد بها أوصاف المدح والكمال لله، فهو نفي متضمن للمدح، والقيوم، هو القائم بنفسه المقيم لغيره فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياته أن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ وفي الصحيحين من دعائه ﷺ في صلاة الليل "اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض وما فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض" الحديث، ومن أجل أنه لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه أردف اسم الحي والقيوم بنفي السنة والنوم "والسنة" الوسن والنعاس، "والنوم" أثقل من ذلك فهو "سبحانه" قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء ولا يغيب عنه شيء، وفي الصحيحين عن أبي موسى "﵁" قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: أن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"،والكلال مصدر، كل يكل كلا وهو التعب قال الأعشى:
فآليت لا أرثى لها من كلالة ولا من وجى حتى تلاقي محمدا
فمادة كل تدل على الضعف والإعياء، يقال: كل الرجل يكل كلا
[ ١ / ١٢٠ ]
وكلالة إذا أعيا وذهبت قوته، وقوله: لا تدركه الأبصار" إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة كما قاله أكثر العلماء: ولم ينف مجرد الرؤية، معناه أن جمهور العلماء فسروا الإدراك هنا بالإحاطة، فالمنفي هو الإحاطة دون الرؤية فلا تحتاج الآية إلى تخصيص ولا خروج عن الظاهر، فلا نقول معناها أنا لا نراه في الدنيا، أو نقول لا تدركه الأبصار، بل المبصرون، أولا تدركه كلها، بل بعضها ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تكلف، فالآية واضحة في نفي إحاطة الأبصار به سبحانه، فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال، وإنما الكمال في إثبات الرؤية، ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة كما في العلم، فإن نفي العلم به ليس بكمال " وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علمًا، فهو سبحانه لا يحاط به رؤية كما لا يحاط به علمًا، فقد دل القرآن الكريم على رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، والأحاديث بها متواترة عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالسنة، وأما احتجاج النفاة بهذه الآية، فالآية حجة عليهم لا لهم، ولكن ليس كل من رأى شيئا يقال أحاط به رؤية، كما سئل ابن عباس ﵄، عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال بلى، قال: هل تحيط بها؟ قال:. ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال أنه أدركها، وإنما يقال أدركها " إذا أحاط بها رؤية، فبين لفظ الرؤية ولفظ الإدراك عموم وخصوص من وجه الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَان قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إنا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا أن مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي فعلم أنه قد يكون رؤية بلا إدراك، ومما يبين ما سبق أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه "﷾" ومعلوم أن كون الشيء لا يرى ليس ذلك صفة مدح له، لأن المعدوم لا يرى، والمعدوم لا يمدح فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه. وقوله: "وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها" يعني أن إثبات الرؤية مع نفي الإحاطة هو القول الصواب، الذي دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون
[ ١ / ١٢١ ]
بالإمامة في الدين، كمالك، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، واسحق، وأبي حنيفة، وأبي يوسف" وأمثال هؤلاء وسائر أهل السنة، وكذلك الطوائف المنتسبون إلى السنة والجماعة كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، كلهم متفقون على إثبات الرؤية لله تعالى في الآخرة، ولم ينكر رؤية المؤمنين لربهم في دار الخلود، إلا الجهمية والمعتزلة والخوارج ونحوهم من طوائف الضلال وما احراهم بأن يكونوا ممن قال الله فيهم: ﴿كلا إنهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ نسأل الله السلامة والعافية، كما نسأله سبحانه، لذة النظر إلى وجهه الكريم.
[ ١ / ١٢٢ ]
حقيقة مذهب المعطلة
قوله:
وإذا تأملت ذلك: وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتا هو مما لو يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب، لم يثبتوا في الحقيقة إلها محمودا، بل ولا موجودًا، وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالو لا يتكلم أو لا يرى أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولن ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له، إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت
ش: بعد أن مثل المؤلف بعدة آيات فيها وصف الله بالنفي المتضمن لإثبات صفات الكمال قال بعد ذلك: إذا تتبعت القرآن ونظرت فيه نظر متأمل وجدت كل نفي وصف الله به نفسه هو من هذا القبيل، وذلك كنفي الظلم الدال على إثبات العدل، ونفي الشريك والظهير الدال على إثبات الوحدانية وتمام الملك، ونفي الكفؤ والمثيل الدال على الكمال المطلق، فالوجود كمال كله، فإن العدم كاسمه لاشيء وهو سبحانه قد وصف نفسه بأنه لم يكن له كفوًا أحد، بعد وصفه
[ ١ / ١٢٢ ]
نفسه بأنه "الصمد" السيد الذي كمل في سؤدده وهذا هو المعقول في فطر الناس، فإذا قالو فلان عديم المثل، أو قد أصبح ولا مثل له في الناس، وما له شبيه ولا من يكافيه: فإنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لا يلحقه فيه غيره، فصار واحدًا في الجنس لا مثيل له: ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده، لكان ذلك عندهم غاية الذم والنقص له، فإذا أطلقوا ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنهم إنما أرادوا كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه الحميدة التي لها حقائق تحمل عليها، فهل يقول عاقل لمن لا قدرة له ولا علم ولا بصر ولا يتصرف بنفسه ولا يفعل شيئًا ولا يتكلم ولا له وجه ولا يد ولا قوة ولا فضيلة من الفضائل، أنه لا شبه له ولا مثيل له وأنه وحيد دهره وفريد عصره ونسيج وحده؟ وهل فطر الله الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك؟ فمن نفى صفات الله فقد وصفه بغاية العدم "فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب الذي هو النفي لم يثبتوا في واقع الأمر إلهًا يحمد ويثنى عليه، لما له من حقائق الأسماء والصفات، بل لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا موجودًا. فإن من تسلب عنه جميع الصفات الثبوتيه ما هو إلا معدوم والذين لا يصفونه إلا بالسلوب هم طوائف الفلاسفة كما سبق بيانه ويشاركهم في هذا النفي المعطلة من الجهمية والمعتزلة ونحوهم، فإنهم يعطلون صفات الله تعطيلا يستلزم نفي الذات وهذا معنى قول المؤلف: وكذلك شاركهم، فإن الجميع يصفون الباري تعالى بصفات العدم المحض الذي ليس هو بشيء البتة، وهذا هو الذي صرح به غلاة الجهمية وقد كان قدماؤهم يتحاشون عنه ويتسترون منه، وكان السلف من الأئمة مثل عبد العزيز بن الماجشون، وعبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وغيرهم هؤلاء، يتفرسون فيهم ذلك. فمذهبهم يرجع إلى مذهب الدهرية الطبائعية في المعنى، وهذا السلب بالإضافة إلى أنه لا ينطبق إلا على المعدوم فهو أيضًا لا يتضمن إثبات صفة يمدح بها
[ ١ / ١٢٣ ]
الموصوف، وهذا معنى قول المؤلف: "إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت".
قوله:
ولهذا قال "محمود بن سبكتكين" لمن أدعى ذلك في الخالق: ميز لنا بين هذا الرب الذي ثبته وبين العدم؟
ش: يعني من أجل أن هذه الصفات السلبية لا تنطبق إلا على المعدوم قال محمود: لمن ينفي صفات الله متحديًا له إذا كنت تثبت إلهًا ولا تصفه بصفات ثبوتية فما الفرق بينه وبين الشيء المعدوم؟ "ومحمود بن سبكتكين" هو الملقب بيمين الدولة، وكان مولده سنة ثلاثمائة وإحدى وستين، ووفاته سنة أربعمائة وإحدى وعشرين هجرية وكان يخطب في سائر مملكته للخليفة العباسي القدر بالله، وكان يحب العلماء والمحدثين ويكرمهم ويجالسهم، وكان على مذهب الكرامية في الاعتقاد، وكان من جملة من يجالسه منهم، محمد بن الهيضم، وقد جرى بينه وبين أبي بكر بن فورك مناظرة بين يدي السلطان محمود، في مسألة العرش فنقم على ابن فورك كلامه، وأمر بطرده وإخراجه من مجلسه، لموافقته لرأي الجهمية ولعل هذه القصة هي التي قال فيها محمود ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبت وبين المعدوم.
قوله:
وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات، منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجمادات والناقصات.
[ ١ / ١٢٤ ]
ش: يعني أن نفي صفة الكلام عن الله ليس فيه مدح ولا كمال، فمن تكلم أكمل من لا يتكلم، وكذلك كونه لا ينزل ليس في ذلك وصف كمال فلو قدرنا موجودين أحدهما يقدر على التصرف بنفسه فيَأتِي ويجيء، وينزل ويصعد، ونحو ذلك من أنواع الأفعال، والآخر يمتنع ذلك منه لكان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه: فالكلام والنزول، والحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، ونحو ذلك، أوصاف كمال لا نقص فيها، وإنما النقص في انتفائها لا في ثبوتها، فمن تسلب عنه هذه الصفات فهو شبيه بالجماد والمعدوم والممتنع، وحينئذ فسلبها عن الله تشبيه له بأعظم الناقصات.
[ ١ / ١٢٥ ]
القول بأنه لاداخل العالم ولا خارجه هو بمنزلة القول بأنه لاقديم ولا محدث
قوله:
فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم فهو منزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له.
وبطلانه بالضرورة، فإن هذا سلب للنقيضين وسلب النقيضين أمر ممتنع، وهكذا القول في بقية الأمثلة التي ذكرها المؤلف.
ش: يعني أن هؤلاء النفاة بسلبهم الصفات عن الله قد شبهوه بالمعدوم، فمقالة من وصف الله بأنه لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم هو منزلة مقالة من قال: أن الله لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، ووجه كون هذه المقالة بمنزلة تلك المقالة، أن كلا منهما لا ينطبق إلا على المعدوم. فالحاصل أن قولهم: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا مداخل له، خلاف المعلوم بالضرورة، فإن العقل لا يثبت شيئين موجودين إلا أن يكون أحدهما مباينا للآخر أو داخلا فيه، أما إثبات موجود قائم بنفسه لا يشار إليه ولا يكون داخل العالم ولا خارجه، فهذا مما يعلم العقل استحالته
[ ١ / ١٢٥ ]
أربعة أوجه يرد بها شيخ الإسلام على اعتذار النفاة
قوله:
ومن قال: أنه ليس بحي، ولا سميع ولا بصير، ولا يتكلم، لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم، فإن قال: العمى عدم البصر عما شأنه أن يقبل البصر، وما لم يقبل البصر كالحائط لا يقال له أعمى ولا بصير.
ش: يقول المؤلف: سلب هذه الصفات عن الله يلزم منه أن يكون متصفا بنقيضها، والله منزه عن ذلك، ثم بين اعتذار النفاة إذا قيل لهم: هذا القول، وحاصل اعتذارهم أنهم يقولون لا يلزم من سلب الصفة عن الموصوف اتصافه بنقيضها، إلا إذا كان قابلا للاتصاف بالصفة، أما إذا كان غير قابل للاتصاف بها فلا يلزم من سلبها عنه اتصافه بنقيضها ويضربون لذلك مثلا بالجماد، وقد أجابهم المؤلف على هذه المقالة بأربعة أجوبة.
قوله:
قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام، يمكن وصفه بالموت والعمى، والخرس والعجمة، وأيضًا فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيا كما جعل عصى موسى حية ابتلعت الحبال والعصي، وأيضًا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصا مما يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصا من الحي والأعمى الأخرس، فإن قيل إن الباري لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك، مع أنه إذا جعل غير قابل لها كان تشبيها له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منها، وهذا تشبيه بالجمادات، لا بالحيوانات فكيف من قال ذلك
[ ١ / ١٢٦ ]
على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي، وأيضا فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال، فالحيات من حيث هي: هي مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها صفة كمال، وكذلك العلم والقدرة، والسمع والبصر، والكلام والعقل، ونحو ذلك، وما كان صفة كمال، فهو سبحانه أحق أن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به، لكان المخلوق أكمل منه.
ش: هذا مشروع في بيان الأجوبة الأربعة التي رد بها المؤلف على النفاة وقد بين الأول بقوله: "قيل له هذا اصطلاح اصطلحتموه"الخ. يعني هذا مجرد اصطلاح منكم وإلا فمالا يتصف بالصفة يمكن وصفه وتسميته بنقيضها، كما هو معروف في لغة العرب، وقد سبق بيان ذلك وذكر الثاني بقوله: "وأيضًا فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها" الخ. يعني فالقدرة الإلهية شاملة لذلك، والقابلية موجودة في المخلوق وقد جعل الله الجماد الأصم حيا، يسمع ويبصر كما في قصة عصى موسى!! وبين الثالث بقوله: وأيضًا فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا مما يقبل الاتصاف بها، مع اتصافه بنقائضها. وضرب لذلك مثلا بالجماد والحيوان الأعمى الأخرس: فالحيوان الناقص وإن كان فاقدًا للصفة فهو أكمل من الجماد لأنه قابل للاتصاف بها: أما الجماد فهو غير قابل لها أصلا. وهذا من المؤلف على سبيل الفرض والتنزل معهم، وإلا فكل موجود فهو قابل للاتصاف بالصفات، كما تقدم ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل من غير القابل لذلك، وحينئذ: فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم اتصافه بنقيضها: فيكون القابل لها وهو الحيوان الأعمى الأخرس الذي يقبل البصر والكلام أكمل منه، وعلى هذا فالنفاة قد شبهوا الله بالجماد الذي هو أنقص من الحيوان الفاقد صفة الكمال فلو سلبوا عن الله صفة الكمال ولم ينفوا قبوله لها لكان ذلك أسهل. ونفي قبول صفة النقص تشبيه بالجماد، وإذا كان نفي قبول صفة النقص
[ ١ / ١٢٧ ]
تشبيه بالجماد، لا بالحيوان فكيف من قال ذلك على غيره مما يزعم أنه تشبيه بالحي".
والمقصود أنه إذا كان من نفى قبول صفة النقص مشبهًا لله بالجماد فكيف من نفي عن الله قبول صفة الكمال زاعمًا أن إثباتها يلزم منه تشبيه الله بالحي المخلوق، فالإشارة في قوله ذلك: راجعة إلى نفي القبول. والضمير في قوله: علي غير راجع إلى نفي قبول صفة النقص. والرابع بقوله "وأيضًا فنفس نفي هذه الصفات نقص كما أن إثباتها كمال" الخ.
يعني أن مجرد نفي هذه الصفات نقص، كما أن مجرد إثباتها كمال. وما كان صفة كمال فالله أولى به. فلو لم يتصف به مع أن المخلوق متصف به، لكان الخالق أنقص من المخلوق. ومن المعلوم أن لله المثل الأعلى، فما كان وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه فالله أولى به. فإذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال كالعلم والقدرة، والفعل والبطش، والآخر يمتنع أن يتصف بهذه الصفات لكان الأول أكمل من الثاني، وسائر الصفات بها: فالحي اليقضان أكمل من النائم الوسنان، والله "لا تأخذه سنة ولا نوم" وكذلك من يحفظ بلا اكتراث، أكمل ممن يلزم فيه ذلك، والله تعالى "وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما" وكذلك من يفعل ولا يتعب، أكمل ممن يتعب، والله تعالى "خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام" وما مسه من لغوب والعقل من حيث هو مصدر عقل يعقل عقلا: وهو في لغة الرسول وأصحابه عرض من الأعراض، كما في قوله سبحانه: "لعلهم يعقلون" "ولعلكم تعقلون" "ولهم قلوب لا يعقلون بها" ونحو ذلك، وقد يراد به الغريزة التي في الإنسان. قال أحمد بن حنبل، والحارث المحاسبي، وغيرهما "أن العقل غريزة" فالعقل ما به تحصل معرفة الأمور وإدراكها، ولا ريب أن الله سبحانه متصف من ذلك بما يعجز العقل
[ ١ / ١٢٨ ]
البشري عن تصوره وإدراكه، ولكن لفظ العقل مما لم يرد وصف الله به في الكتاب أو السنة. والظاهر أن أصل قول المؤلف: "والفعل كما في بعض النسخ" لأن الفعل مما ورد وصف الله به دون لفظ العقل، ولكن بما أن أكثر النسخ التي بأيدينا متفقة على لفظ العقل شرحناه على هذا المعنى. وقوله: ونحو ذلك يعني كصفة الوجه، فإن الوجه وصف كمال لا وصف نقص ووجه كل شيء بحسبه وهو ممدوح به لا مذموم، كوجه النهار ووجه الثوب، ووجه القوم. فوجه الله سبحانه هو كما يليق به ويناسب ذاته المقدسة فهو بحسب المضاف إليه وسائر الصفات على هذا النهج، فلله الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا.
[ ١ / ١٢٩ ]
مقالة النفاة العاديين أعظم كفرا من مقالة النفاة المحضة من وجه
قوله:
واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم: ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول كالجمع بين النقيضين.
ش: سبق بيان هذا عند قول المؤلف في المقدمة: " فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين" ولكن كرر المؤلف ذلك: بمناسبة كلامه على النفي الذي لا يتضمن إثبات صفة كمال وإنما هو تشبيه بالناقصات، من جمادات أو معدومات، أو ممتنعات. وسلب هؤلاء الغلاة من جهمية وقرامطة ومن شابههم كالفلاسفة، إنما هو تشبيه لله بالممتنعات، فإنه يلزمهم أن يكون الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو الممتنع الذي لا يتصور وجوده في الخارج وإنما يقدره الذهن تقديرا، كما يقدر كون الشيء موجودا معدومًا أولا موجودا ولا معدوما. فلزمهم الجمع بين النقيضين، والخلو عن النقيضين. وهذا من أعظم الممتنعات باتفاق العقلاء.
[ ١ / ١٢٩ ]
قوله:
وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه.
ش: معناه أن مقالة النفاة العاديين أشنع في الكفر من مقالة النفاة المحضة، لأنه يلزم من نفيهم صفة الكمال عن الله وصفهم له بنقيضها، أما النفاة المحضة فقد صرحوا بنفي صفة النقص، كما صرحوا بنفي صفة الكمال، فهم أقرب إلى التنزيه من جهة تصريحهم بنفي صفة النقص، ومقالة الفريقين تشبه مقالة طائفتين من الفلاسفة إحداهما تصف الله بسلب الأمور الثبوتية والسلبية والأخرى تصف الله بسلب الأمور الثبوتية فقط. والأولى أقرب إلى الصواب من الثانية لأنه إذا وصف بسلب الأمور الثبوتية دون العدمية، فهو أسوء حالا من الموصوف بسلب الأمور الثبوتية والعدمية، حيث يشارك سائر الموجودات في مسمى الوجود، وتمتاز عنه بأمور وجودية وهو يمتاز عنها بأمور عدمية، وأما إذا وصف بسلب الأمور الثبوتية والعدمية معًا، كان أقرب إلى الوجود، وأن كان هذا ممتنعًا فذاك ممتنع وهو أقرب إلى العدم.
قوله:
فإذا قيل لهؤلاء هذا مستلزم وصفه بنقيض ذلك، كالموت والصمم والبكم، قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك، وهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا.
ش: يعني أن النفاة غير المحضة إذا قيل لهم سلبكم لهذه الصفات يلزم منه اتصاف الله بنقيضها، فنفي العلم عنه سبحانه يلزم من اتصافه بالجهل، ونفي الكلام يلزم منه اتصافه بالبكم، ونفي القدرة يلزم منه
[ ١ / ١٣٠ ]
اتصافه بالعجز، وهكذا سائر الصفات. إذا قيل لهم هذا القيل: قالوا معتذرين: إنما يلزم من نفي الصفات عن الله اتصافه بأضدادها لو كان قابلا لتلك الصفات: أما إذا كان غير قابل لها فإنه لا يلزم من نفيها عنه اتصافه بضدها، فالإشارة في قوله إنما يلزم ذلك راجعة إلى اتصافه بنقائض تلك الصفات كالجهل والعجز والبكم.
والإشارة في قوله لو كان قابلا لذلك: راجعة إلى صفات الكمال ولا شك أن اعتذارهم هذا يزيد قولهم سوءًا إلى سوء: لأن نفي قبول الصفة أفظع من مجرد نفي الصفة كما تقدم إيضاحه.
[ ١ / ١٣١ ]
قولهم ليس بمتحيز هو بمعنى قولهم لاداخل العالم ولا خارجه
قوله:
وكذلك من ضاهى هؤلاء وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، إذا قيل هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره، قالوا هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين المتناقضين.
ش: يعني ومثل مقالة النفاة السابقة واعتذارهم عنها قول من يقول: أن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهؤلاء قالوا إنما يلزم من سلب للدخول والخروج، والقبول إنما يكون من المتحيز وما دام أن الله غير متحيز، فهو غير قابل للدخول والخروج.
ومن ثم لا يكون سلبهما عنه أمرًا ممتنعًا، وأولئك قالوا إنما يلزم من سلب الصفة عنه اتصافه بنقيضها لو كان قابلا لها، فالجميع نفوا عنه قبول الصفات، ومن المعلوم أن نفى القبول أشنع من نفي الصفة. وقوله "كما إذا قيل ليس بواجب ولا ممكن" يعني أن هذه المقالة بمنزلة هذه المقالة في أن الجميع معلوم الامتناع بالضرورة.
[ ١ / ١٣١ ]
قوله:
فيقال لهم علم الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين: هو علم مطلق لا يستثنى منه موجود، والتحيز المذكور: أن أريد به كون الاحياز الموجودة تحيط به فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها متميز عنها فهذا هو الخروج، فالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا خرجه، فهم غيروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر وهو المعنى الذي علم فساده بضرورة العقل، كما فعل أولئك بقولهم: ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل.
ش: هذا مشروع في بيان الجواب على المقالة السابقة واعتذار أصحابها فإنه يقال لهم: قولكم "لا داخل العالم ولا خارجه" سلب للنقيضين والنقيضان لا يمكن الخلو منهما، بل ذلك ممتنع وامتناع الخلو من التقيضين عام لا يستثنى منه أي شيء والخلق جميعا يعلمون أن النقيضين كما لا يمكن اجتماعهما في أن واحد كذلك لا يمكن ارتفاعهما فقولكم "لا داخل ولا خارج العالم" ممتنع لأن كل موجود فهو أما أن يكون مخالطًا للعالم، ممتزجا به، وأما أن يكون منفصلا عن العالم مباينا له وقولكم "قبول الدخول والخروج" إنما يكون من المتحيز والله ليس بمتحيز "فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين" يقال لكم قولكم ليس بمتحيز هو معنى قولكم لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن غيرتم العبارة مغالطة لتوهموا من لا يدرك معنى كلامكم أنكم أتيتم بمعنى جديد، وهو نفس كلامكم الذي رد عليكم بأنه أمر ممتنع في ضرورة العقل: وبيان هذا أنهم أن أرادوا بالتحيز أن الاحياز الموجودة كالسموات والعرش تحيط به فهذا هو الداخل في العالم، وأن أرادوا به أنه منحاز المخلوقات، أي مباين لها متحيز عنها، فهذا هو
[ ١ / ١٣٢ ]
الخروج، فإذا المتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم وتارة ما هو خارج العالم: فإذا قيل ليس بمتحيز كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه. وقوله "كما فعل أولئك يعني الجهمية المحضة الذين يسلبون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، فهؤلاء الذين يقولون لا داخل العالم ولا خارجه عن غلاة الجهمية مشبهون بالقرامطة في سلبهم النقيضين، وفي اعتذاراهم الذي يزيد قولهم فسادًا: ونختم الكلام على هذه القاعدة بآيتين كريمتين تدل كل منهما على أنه سبحانه متصف بالنفي والإثبات بأوضح عبارة وأصرح دلالة وتدمغ النفاة المعطلين، والمفترين على الله وعلى رسوله بنفي صفات الله ونعوت جلاله بغير دليل، من كاتب أو سنة أو عقل سليم أو فطرة مستقيمة: قال تعالى ﴿رَبُّ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيا﴾ أخبر أنه لا سمي له عقب قول العارفين به: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كان رَبُّكَ نَسِيا رَبُّ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ فهذا الرب الذي له الجند العظيم ولا يتنزل إلا بأمره وهو المالك لما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك، وهو الذي كملت قدرته وسلطانه وملكه، وكمل علمه فلا ينسى شيئًا أبدا، وهو القائم بتدبير السموات والأرض وما بينهما، كما هو الخالق لذلك كله، وهو ربه ومليكه هذا الرب هو الذي لاسمي له، لتفرده بكمال الصفات والأفعال: فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه أن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني فالعدم سمي له: قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ذكر سبحانه هذا النفي بعد ذكر أوصافه ونعوت كماله فقال:
﴿حم عسق كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأنعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ
[ ١ / ١٣٣ ]
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فهذا "الموصوف بهذه الصفات" والأفعال والعلو، والعظمة، والحفظ، والعزة، والحكمة، والملك، والحمد والمغفرة، والرحمة والكلام، والمشيئة والولاية والحياة، والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده وكونه ﴿فَاطِرُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأنعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا هو الذي "ليس كمثله شيء" لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله وثبوتها على وجه الكمال، فلا يماثله فيها شيء. وقد سبقت الإشارة إلى ذلك عند الكلام على الأصل الثاني.
[ ١ / ١٣٤ ]
لايتوقف الايمان بما جاءبه الرسول على معرفة المعنى
قوله:
"القاعدة الثانية"
أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف_ لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به، وأن لم يفهم معناه.
ش: يقول المؤلف ما يثبت عنه رسول الله ﷺ تعين علينا تصديقه والإذعان له ولا يتوقف إيماننا به على معرفتنا لمعناه، وذلك أن النبي ﷺ "هو الصادق المصدوق" "الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" فما جاء في كتاب الله أوضح عن رسوله ﷺ تحتم علينا الإيمان به والعمل بمقتضاه، وإن لم ندرك معناه، بل ما ظهر لنا وأدركته عقولنا فهو من تعليم الله لنا ونعمته علينا، وما لم يصل علمنا إليه قلنا "سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".
روى الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله ﷺ جلوس عند باب من أبوابه فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا
[ ١ / ١٣٤ ]
آية من القرآن فتحاوروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبًا قد أحمر وجهه يرميهم بالتراب ويقول: مهلا يا قوم بهذا هلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض. أن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه. وروى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري ﵀ أنه قال: "من الله الرسالة، ومن الله الرسول البلاغ، وعلينا التسليم" وهذا كلام جامع نافع فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب أتباعه فيصدق بأنه حق وما سواه من كلام سائر الناس يعرض عليه فإن وافقه فهو حق وإن خالفه فهو باطل. فإن الأمور الإلهية والتعارف الدينية إنما يتلقى العلم بها عن الوحيين لا غير. فلا يثبت إسلام من يسلم لهما واعترض عليهما أو عارضهما برأيه ومعقوله وقياسه.
قوله:
وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصا في الكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة.
ش: يعني كما يجب تلقي ما جاء في الكتاب السنة بالقبول، كذلك يجب تلقي ما ثبت عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السنة بالقبول أيضًا، مع أن باب الأسماء والصفات إنما يتلقى العلم به عن الوحيين لكن المراد بيان أن سلف الأمة وأئمة السنة أثبتوا ما أثبته الكتاب والسنة من صفات الله ونعوت جلاله كما نفوا ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ. فيجب إذن تلقي ما جاء عنهم بالقبول.
ونذكر هنا شيئًا مما ورد عن بعضهم: في الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانت زينب
[ ١ / ١٣٥ ]
تفتخر على أزواج النبي ﷺ تقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات".
وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بم نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه ولا نقوم كما قالت الجهمية، وحكى الأوزاعي أحد الأئمة الأربعة في عصر التابعين الذين هم مالك، إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق: حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال ذلك بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه النافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف خلافه.
فالحاصل أن ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته فقد اتفق على إثباته سلف الأمة وأئمتها، وجل هذا الباب منصوص عليه في الكتاب والسنة.
وهناك أسماء وصفات لله استأثر بها في علم الغيب عنده كما جاءت بذلك النصوص.
[ ١ / ١٣٦ ]
الأقوال المجملة تشتمل على حق وباطل
قوله:
وما تنازع فيه المتأخرون نفيا وإثباتًاُ فليس على أحد، بل ولا له: أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقا قبل، وإن أراد باطلا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يقبل مطلقا ولم يرد جميع معناه بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى.
ش: لقد ابتدع أهل الإلحاد والضلال ألفاظًا مجملة يدخل فيها الحق والباطل، وذلك_ كلفظ الجهة والتحيز والجسم وحلول الحوادث_ فتنازع المتأخرون في هذه الألفاظ بين مثبت لها وناف، والصواب التفصيل
[ ١ / ١٣٦ ]
في ذلك والتنقيب عنها، واستفصال المتكلم بها كما كان السلف والأئمة يفعلون، فإن البدعة لا تكون حقًا محضًا موافقا للسنة، إذ لو كانت كذلك لم تكن باطلا، ولا تكون باطلا محضًا لا حق فيه، إذ لو كانت كذلك لم تخف على الناس، ولكن تشتمل على حق وباطل، فيكون صاحبها قد لبس الحق بالباطل: أما مخطئًا غالطًا وأما متعمدا لنفاق فيه والحاد. كما قال تعالى ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأوضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ فأخبر أن النافقين لو خرجوا في جيش المسلمين مازادوهم إلا خبالا، ولكانوا يسعون بينهم مسرعين يطلبون لهم الفتنة. ومن المؤمنين من يقبل منهم ويستجيب لهم، إما لظن مخطيء أو لنوع من الهوى أو لمجموعهما، فإن المؤمن إنما يدخل عليه الشيطان بنوع من الظن وإتباع هواه، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" وبعد الاستفصال: إن كان مراده حقا قبل منه، وإن كان مراده باطلا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يرد كله، ولم يقبل كله، بل يقبل ما فيه من حق، ويرد ما فيه من باطل: مثال ذلك أن يقول لمبتدع إني أريد بقولي_ ليس بجسم_ نفي قيامه بنفسه وقيام الصفات به ونفي كونه مركبًا من المادة والصورة أو يقول أريد بقولي هو جسم أنه مركب من الجواهر المفرده. وكونه تصح الإشارة إليه وتمكن رؤيته بالأبصار ويتصف بالصفات فقد اشتمل هذا الكلام على حق وباطل في حالة النفي وفي حال الاثبات
[ ١ / ١٣٧ ]
ش: يقول المؤلف لفظ الجهة قد يراد به أمر وجود مخلوق، كما إذا أريد به الإجرام السماوية أو العرش، وقد يراد به أمر عدمي كما إذا أريد به ما فوق العالم، ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب، ولا قاله الرسول، ولا تكلم به سلف الأمة. وإنما الذي ورد وصف الله بالعلوي على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح. وقد علم أن ما في الوجود إلا الخالق والمخلوق.
ومن المعلوم شرعًا وعقلا أن كلا منهما مباين للآخر منفصلا عنه ليس حالا فيه.
وقوله_شيء موجود غير الله - المراد بالموجود ضد المعدوم فيدخل فيه الخالق والمخلوق ولهذا استثنى بقوله "غير الله" ثم بين هذا الغير في قوله: "كما إذا أريد به نفس العرش أو نفس السماوات" وقوله ما ليس بموجود معناه أنه قد يراد بلفظ الجهة مالا وجود له. ولهذا استثنى بقوله غير الله، فيكون هذا الغير أمرًا. عدميا وهو ما وراء العالم. وقوله "ونحو ذلك" يعني ككونه سبحانه أنزل القرآن ونزل من عند جبريل واشتباه ذلك مما فيه إثبات علوه على خلقه ﷾.
قوله:
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم ترد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال "الله في جهة" أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل
[ ١ / ١٣٨ ]
ش: يقول المؤلف لفظ الجهة قد يراد به أمر وجود مخلوق، كما إذا أريد به الإجرام السماوية أو العرش، وقد يراد به أمر عدمي كما إذا أريد به ما فوق العالم، ولفظ الجهة لم يرد في الكتاب، ولا قاله الرسول، ولا تكلم به سلف الأمة. وإنما الذي ورد وصف الله بالعلوي على خلقه واستوائه على عرشه، وأنه تعرج إليه الملائكة والروح. وقد علم أن ما في الوجود إلا الخالق والمخلوق.
ومن المعلوم شرعًا وعقلا أن كلا منهما مباين للآخر منفصلا عنه ليس حالا فيه.
وقوله_شيء موجود غير الله - المراد بالموجود ضد المعدوم فيدخل فيه الخالق والمخلوق ولهذا استثنى بقوله "غير الله" ثم بين هذا الغير في قوله: "كما إذا أريد به نفس العرش أو نفس السماوات" وقوله ما ليس بموجود معناه أنه قد يراد بلفظ الجهة مالا وجود له. ولهذا استثنى بقوله غير الله، فيكون هذا الغير أمرًا. عدميا وهو ما وراء العالم. وقوله "ونحو ذلك" يعني ككونه سبحانه أنزل القرآن ونزل من عند جبريل واشتباه ذلك مما فيه إثبات علوه على خلقه ﷾.
قوله:
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم ترد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال "الله في جهة" أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل
[ ١ / ١٣٩ ]
شيء من النصوص الداله على عظمة الله وانه لايحوزه شيء من مخلوقاته
قوله:
فيقال لمن نفى: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات، أم ترد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال "الله في جهة" أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل
[ ١ / ١٣٩ ]
وكذلك لفظ التحيز: أن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال:"يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه" ثم يقول: "أن الملك أين ملوك الأرض؟ " وفي حديث آخر: "وأنه ليدحوها كما يدحوا الصبيان بالكرة" وفي حديث بن عباس: "ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".
وأن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها منفصل عنها ليس حالا فيها: فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه".
ش: بعد أن بين المؤلف أن الجهة قد يراد بها أمر وجودي وقد يراد بها أمر عدمي، شرع في بيان كيفية استفسار النافي للجهة والمثبت لها.
وخلاصة مناقشة النافي أن يقال له: أن كان مرادك بالجهة أمرًا وجوديا كالعرش أو السماوات فنفيك صحيح؟ فمن المعلوم شرعا وعقلا أن الله ليس حالا في شيء من مخلوقاته. وإن كان مرادك بالجهة أمرًا عدميًا وهو ما وراء العالم فنفيك باطل، فإنك إذا قلت: الباري ليس في جهة كان حقيقة قولك: أن الباري لا يكون موجودًا قائمًا بنفسه وهذا باطل حيث لا موجود فوق العرش إلا هو سبحانه. فإن من المعلوم بالضرورة أن الله فوق سمواته على عرشه.
وخلاصة مناقشة المثبت أن يقال له: أن كان مرادك بالجهة أمرًا عديمًا وهو ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق مخلوقاته عال على عرشه، وإن كان مرادك بالجهة أمرا وجوديا كالعرش أو السموات فإثباتك باطل،
[ ١ / ١٤٠ ]
لأن الله سبحانه ليس داخلا في شيء من مخلوقاته. وقوله "فإن أردت الأول" يعني إذا أردت بالجهة ما وراء العالم. وقوله "وإن أردت الثاني" يعني إذا أردت بالجهة شيئًا من المخلوقات.
أما لفظ المتحيز فهو في اللغة اسم لما يتحيز إلى غيره يقال هذا لابد أن يحيط به حيز وجودي ولابد أن ينتقل من حيز إلى حيز. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أو مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ ومعلوم أن الخالق ﷻ لا يحيط به شيء من مخلوقاته فلا يكون متحيزًا بهذا المعنى اللغوي وأما أهل الكلام فاصطلاحهم في المتحيز أعم من هذا، فيجعلون كل جسم متحيزًا والجسم عندهم ما يشار إليه، فتكون السموات والأرض وما بينها على اصطلاحهم متحيزًا وإن لم يسم ذلك في اللغة.
والحيز تارة يريدون به معنى موجودًا وتارة يريدون به معنى معدومًا. فمن تكلم باصطلاحهم وقال إن الله متحيز بمعنى أحاط به شيء من الموجودات فهذا مخطيء، فهو سبحانه بائن من خلقه، وإذا كان الخالق يائنا عن المخلوق امتنع أن يكون متحيزا بهذا الاعتبار وأن أراد بالحيز معنى عديمًا فالأمر العدمي لا شيء، وهو سبحانه بائن من خلقه، فإذا سمي العدم الذي فوق العالم حيزا وقال: يمتنع أن يكون فوق العالم لئلا يكون متحيزًا فهذا معنًا باطل، لأنه ليس هناك موجود غبره حتى يكون فيه بل يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصفر كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّمَاواتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ".
[ ١ / ١٤١ ]
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم "عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ " ثم يطوي الأرض بشماله ثم يقول: "أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون" وفي لفظ في الصحيحين عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النبي ﷺ قال: يأخذ سماواته وأرضه بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني أقول: أساقط هو برسول الله ﷺ وفي لفظ قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: "يأخذ الجبار سماواته وأرضه" وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول: أنا الرحمن أنا الملك أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار المتكبر أنا الذي بدأت الدنيا ولن تكن شيئًا أنا الذي أعدتها أين الملوك؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ يتمايل رسول الله ﷺ على يمينه وعلى شماله حتى نظرت المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني أقول أساقط هو برسول الله ﷺ؟ والحديث مروي في المسانيد وفي الصحاح وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا، وفي بعض ألفاظه قال قرأ على النبر "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة".
الآية: قال مطوية في كفه يرمى بها كما يرمي الغلام بالكرة، وفي لفظ "يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده، فيجعلها في كفه ثم يقبض بها هكذا كما يقول الصبيان بالكرة" أنا الله الواحد، وفي لفظ عنه "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن بيد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" وهذه الآثار معروفة في كتب الحديث وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ رجل يهودي فقال: يا محمد إن الله يجهل السماوات على أصبع، والماء والثراء على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيهزهن فيقول: أنا الملك أنا الملك. قال فضحك النبي ﷺ حتى
[ ١ / ١٤٢ ]
بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر ثم قال: "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة" إلى آخر الآية.
والحاصل أن في هذه الآية والأحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التي اتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول، ما يبين أن السماوات والأرض وما بينها بالنسبة إلى عظمة الله تعالى، أصغر من أن تكون مع قبضه لها إلا كالشيء الصغير في يد أحدنا: ودحي الكرة دحرجتها: والعرش في اللغة سرير الملك كما في قوله تعالى عن يوسف: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال عن ملكة سبأ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ .
وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو عرش عظيم، محيط بالمخلوقات وهو أعلاها وأكبرها. كما في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا على الحلقة" والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه وأحمد في المسند وغيرهم والكرسي في اللغة السرير وما يقعد عليه وأما الكرسي الذي أضافه إلى نفسه فهو موضع قدميه. قال ابن عباس ﵄: "الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿" رواه الحاكم في المستدرك، وقال: أنه على شرط الشيخين. وقد روى مرفوعًا والصواب أنه موقوف. وهذا المعنى الذي ذكره بن عباس هو المشهور بين أهل السنة وهو المحفوظ عنه، وما روى عنه أنه العلم فغير محفوظ عنه. وكذلك ما روى عن الحسن أنه العرش_ ضعيف لا يصح عنه_ "والخردلة" واحدة الخردل وهو نبات له حب صغير جدًا أسود. واعلم أن هذه الألفاظ المجملة وما أشبهها من الألفاظ الاصطلاحية يجوز مخاطبة أهلها بها وأن لم تكن واردة وذلك يحتاج إلى معرفة الكتاب والسنة، ومعرفة ما عنى هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني ليظهر الموافق
[ ١ / ١٤٣ ]
والمخالف: والدليل على جواز مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم قوله ﷺ لأم خالد بنت خالد: بن سعيد بن العاص: وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة "هذا سناء" والسناء الحسن في لغتهم، لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يترجم القرآن في لغتهم، لأنها كانت من أهل هذه اللغة. وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمه بالعربية.
كما أمر النبي ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ ويكتب له ذلك حيث لم يأتمن اليهود عليه. وكثير ممن قد تعود عبارة معينة إن لم يخاطب بها لم يفهم صحة القول. وأكثر الخائضين في الكلام والفلسفة من هذا القبيل: يرى أحدهم تذكر له المعاني الصحيحة بالنصوص الشرعية فلا يقبلها: لظنهم أن في عبارتهم من المعاني ما ليس في ذلك.
فإذا أخذ المعنى الذي دل عليه الشرع واستعمل بلغتهم وبين بطلان قولهم المناقض للمعنى الشرعي خضعوا لذلك وأذعنوا، كالتركي، والرمي والفارسي، الذي تخاطبه بالقرآن العربي وتفسيره، فلا يفهم حتى تترجم له شيئًا بلغته، فيعظم سروره وفرحه ويقبل الحق ويرجع عن باطله.
[ ١ / ١٤٤ ]
لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك
قوله:
"القاعدة الثالثة"
إذا قال القائل ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد، فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلا، والله ﷾ أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ظلال.
[ ١ / ١٤٤ ]
ش: مذهب السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من أهل السنة أن نصوص الصفات تمر كما جاءت، ويؤمن بها وتصدق وهي صريحة الدلالة واضحة المعنى وظاهرها هو مراد الله بكلامه وذلك على ما يليق به ويناسب ذاته المقدسة فتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل: إذا عرف هذا فالقول بأن ظاهرها مراد أو ليس بمراد قول مجمل يحتاج إلى تفصيل. فإن لفظ الظاهر قد صار مشتركا بين معنيين:
أحدهما:
مثلا أن يقال: أن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف فلاشك أن من قال: أن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن، إذ لا يختلف أهل السنة أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة يكفرون المشبه، لكن هذا القائل اخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث فإن ظاهر الكلام هو ما سبق منه إلى العقل السليم لمن يفهم تلك اللغة ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع وقد يكون بساق الكلام وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقول المؤمنين.
[ ١ / ١٤٥ ]
والمعنى الثاني:
أن هذه الصفات إنما هي لله تعالى كما يليق بجلاله نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته. فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف وكذلك الوجه واليدين وسائر الصفات.
فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه فهمه. فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها ونحو ذلك.
كما يعلم أن له ربا وخالقًا ومعبودًا ولا يعلم كنه شيء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه فمن قال أن الظاهر غير مراد بمعنى أن الصفات المخلوقين غير مرادة. قلنا له: أصبحت في المعنى لكن أخطأت في اللفظ وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم حدوثه أو نقصه ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وغيرهم فقد أخطأ: والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير، فإذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلاله سبحانه وحقيقتها المفهومة إلى باطن يخالف الظاهر كفر وضلال.
وكلا الله ورسوله منزه عن ذلك والله أعظم من أن يكون ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله يقتضي المشابهة للمخلوقين.
[ ١ / ١٤٦ ]
الذين يجعلون ظاهر النصوص هو التشبيه يغلطون من وجهين
قوله:
والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك. وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل.
ش: الإشارة في قوله: "ذلك" راجعة إلى جعل ظاهر نصوص الصفات هو التشبيه والتمثيل بصفات المخلوقين.
وقوله: "تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ" هذا هو الوجه الأول من الوجهين اللذين يغلطون من جهتها.
وخلاصته أنهم يعتقدون أن مدلول النص باطل فيجب تأويله على خلاف ظاهره وهو في الواقع ليس مدلوله باطلا. وبالتالي فليس النص بحاجة إلى تأويل.
وقوله: "وتارة يردون المعنى الحق" هذا هو الوجه الثاني.
وحاصله أنهم ينفون المدلول الحقيقي للنص لاعتقادهم أنه يدل على تشبيه الله بخلقه، وهو في الواقع إنما يدل على اتصاف الله بصفاته اللائقة به مع نفي مماثلته لخلقه.
قوله:
"فالأول":
كما قالوا في قوله: "عبدي جعت فلم تطعمني" الحديث وفي الأثر الآخر "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه أو قبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه".
[ ١ / ١٤٧ ]
وقوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" فقالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق.
ش: هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ "يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين".
الحديث والمعنى الفاسد الذي يتوهمون أنه ظاهر النص هو اعتقادهم أن الحديث يدل على أن الله نفسه هو المتصف بالمرض والجوع وسيَأتِي تفسيره.
وأما الحديث الثاني:
فقد روى عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت والمشهور إنما هو عن ابن عباس، ولهذا قال المؤلف "مع أن هذا إنما يعرف عن ابن عباس" وعبر عنه أيضًا بقوله "وفي الأثر" والمعنى الفاسد الذي يتوهمونه ظاهر النص هو اعتقادهم أنه يدل على أن الحجر هو نفس يمين الله.
وأما الحديث الثالث:
فقد رواه المسلم في صحيحه وأحمد وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، والمعنى الفاسد الذي يتوهمون أنه ظاهر الحديث هو اعتقادهم أنه يدل على أن أصابع الرحمن متصلة بقلوب العباد اتصالا مباشرًا وإليه يشير قول المؤلف: "قالو قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق".
[ ١ / ١٤٨ ]
قوله:
فيقال لهم لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق أما "الواحد" فقوله: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة الله ولا هو نفس يمينه لأنه قال: "يمين الله في الأرض" وقال: "فمن قبله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه" ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحا لله، وإنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا لأنه محتاج إلى التأويل مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس، وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا "يقول الله عبدي! جعت فلم تطعمني فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين! فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي! مرضت فلم تعدني، فيقول رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلو عدته لوجدتني عنده.
وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده فجعل جوعه: جوعه، ومرضه: مرضه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده: فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. وأما قوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن" فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع ولا مماس لها، ولا إنها في جوفه، ولا في قول القائل: "هذا بين يدي" ما يقتضي مباشرته ليديه وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتض أن يكون مماسا للسماء والأرض ونظائر هذا كثيرة.
ش: هذا بيان كون هذه الأحاديث لم تدل إلا على حق فليس
[ ١ / ١٤٩ ]
ظاهرها معنى فاسد وليست في حاجة إلى تأويل أما أحد هذه الأحاديث فهو قوله ﷺ "الحجر الأسود"الخ.
فمن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال "يمين الله في الأرض" وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق، ثم قال "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتا يطوفون به جعل لهم ما يستلمونه ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء فإن ذالك تقرب إلى المقبل وإجلال له كما جرت به العادة، فظنهم أن هذا وأمثاله يحتاج إلى تأويل غلط منهم لو كان هذا اللفظ ثابتا عن النبي ﷺ فإن هذا اللفظ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو من صفات الله إذ قال: "هو يمين الله في الأرض" فالقيد بالأرض يدل على أنه ليس هو يده على الإطلاق فلا يكون اليد الحقيقية.
وقوله: "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" صريح في أن مصافحه ومقبله ليس مصافحًا لله ولا مقبلا يمينه لأنه المشبه ليس هو المشبه به. وقد أتى بقوله "فكأنما" وهي صريحة في التشبيه وإذا كان اللفظ صريحا في أنه جعل بمنزلة اليمين كان من اعتقد أن ظاهره حقيقة اليمين قائلا للكذب المبين: وقول المؤلف "لأنه محتاج إلى تأويل" غير واضح فلعل الأصل فكيف يجعل ظاهره كفرًا محتاجًا إلى تأويل فالعلة هي كون ظاهره كفرًا، والمعلول هو حاجته إلى تأويل: أما على ظاهر هذه العبارة فتكون المسألة بالعكس. فلو كان هذا هو المراد لقال المؤلف فكيف يجعل محتاجًا إلى تأويل لأن ظاهره كفر وباطل والله أعلم.
[ ١ / ١٥٠ ]
وأم الحديث الثاني:
فهو كما قال المؤلف في الصحيح مفسرًا "عبدي جعت فلم تطعمني قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما عملت أن عبدي فلان جاع! عبدي مرضت فلم تعدني قال رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلان مرض! " فهو نص صريح أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، وإنما الذي مرض وجاع هو عبده، وفيه إثبات التمييز بين الرب والعبد.
وقوله: لوجدتني عنده! لفظ ظرف وهو هنا يفيد ما تفيده المعية الخاصة من الإحاطة والرعاية.
ولو كان الرب المريض والجائع لكان إذا عاده وأطعمه يكون قد وجده إياه وقد وجده آكله. وفي قوله في المريض وجدتني عنده، وفي الجائع لوجدت ذلك عندي فرقان حسن، فإن المريض الذي تستحب عيادته ويجد الله عنده هو المؤمن بربه الطائع لإلهه الذي هو وليه: وأما الطاعم فقد يكون فيه عموم لكل جائع يستحب إطعامه، فإن الله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا﴾ فمن تصدق بصدقة واجبة أو مستحبة فقد أقرض الله سبحانه بما أعطاه لعبده. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا فإن الله يأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل العظيم" وقال: "أن الصدقة لتقع بيد الحق قبل أن تقتع بيد السائل" فإن الله يثبت على إطعام الفاسق والذمي وغيره فالإطعام والقرض فيه هموم لا يختص بشخص دون شخص.
وأما العيادة فإنما تكون لمن يوجد الحق عنده، والعندية التي بمعنى المعية الخاصة، إنما هي لعباد الله الصالحين.
[ ١ / ١٥١ ]
هذه وجهة رأي في التفريق بينها والأشبه كما قال شيخ الإسلام: "إن هذا العبد المذكور في الجوع هو المذكور في المرض وهو العبد الولي".
أما الحديث الثالث:
فقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يقول "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ثم قرأ ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ الآية وروى بن جرير بسنده عن شهر بن حوشب قال: سمعت أم سلمة تحدث: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول "اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قالت: قلت يا رسول الله وأن القلب ليقلب قال: "نعم ما خلق الله من نبي آدم من بشر إلا وقلبه بين أصبعين من أصابعه فإن شاء أقامه وأن شاء أزاغه_ فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدأنا، ونسأله أن يهب لنا رحمة أنه هو الوهاب" قالت: قلت يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال بلى "قولي اللهم رب النبي محمد اغفر ذنبي واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلات الفتن" رواه بن خزيمة في كتاب التوحيد كما رواه الإمام أحمد والترمذي مختصرًا.
وروى بن جرير بسنده عن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلنا يا رسول الله_ قد آمنا بك وصدقنا بما جئت به فيخاف علينا؟ قال "نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها ﵎" وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن أن شاء أقامه وأن شاء أزاغه" وكان رسول الله ﷺ يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" والميزان بيد الرحمن يرفع قومًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة، رواه أحمد وابن ماجد وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن قلوب بني آدم كلها
[ ١ / ١٥٢ ]
بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء. ثم يقول رسول الله ﷺ: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك" رواه أحمد ورواه مسلم في صحيحه. ولفظة بين لا تقتضي المخالطة ولا الملاصقة لغة ولا عرفًا. قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو لا يلاصق السماء والأرض.
وقوله: "ونظائر هذا كثيرة" يعني كقوله ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ﴾ وقوله ﷺ "بيده الميزان الحديث".
واعلم أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق لا تدل على قول المبطل وهذا ظاهر يعرفه كل واحد من أهل البصيرة. فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق لا على باطل، ولكن قد يؤتي الإنسان من سوء فهمه فيفهم من كلام الله ورسوله معان يجب تنزيه الله سبحانه عنها فحال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
وكما قال الآخر:
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرًا به الماء الزلالا
ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفي ما يظنه الجهال من النقص في صفات الله تعالى وأن يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك فإن القرآن بيان وهدى وشفاء وأن ضل به من ضل فإنه من جهة تفريطه كما قال تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاخَسَارًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَأنهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ .
وقد علم بالكتاب والسنة والإجماع ما يعلم بالعقل أيضًا أن الله
[ ١ / ١٥٣ ]
تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين، من زعم أن القرآن دل على ذلك فقد كذب على القرآن فليس في كلام الله سبحانه ولا في كلام رسوله ﷺ ما يوجب وصفه بذلك.
[ ١ / ١٥٤ ]
الفروق بين آيتي (ص)، (يس)
قوله:
ومما يشبه هذا القول أن يجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقيل هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ فهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهًا بقوله: "بما كسبت أيديهم" وهنا أضاف الفعل إليه فقال: ﴿مَا خَلَقْتَ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾ وأيضًا فإنه هنا ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وهناك أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وهذا "في الجمع" نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، "وبيده الخير" في "المفرد" فالله ﷾ يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وأمثال ذلك.
ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه. وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك فلو قال ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لما كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، "وبيده الخير" ولو قال: "خلقت" بصيغة الإفراد لكان مفارقا له، فكيف إذا قال خلقت بيدي؟ بصيغة التثنية. هذا مع دلالات الأحاديث المستفيضة. بل المتواترة وإجماع السلف على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه مثل قوله: "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وأمثال ذلك.
[ ١ / ١٥٤ ]
ش: يقول المؤلف مما هو نظير المقالة السابقة، وهي أن ظاهر النصوص معنى فاسد وأنها محتاجة هذه المقالة دعوى من قال: أن آية "ص" مثل آية "يس" والواقع أنهما غير متماثلين فإنه في آية "ص" أضعاف الفعل إليه وبين أنه خلقه بيده، وفي آية "يس" أضاف الفعل إلى أيدي وفي آية "ص" ذكر اليدين بصيغة التثنية أما في آية "يس" فقد ذكرهما بصيغة الجمع، ومن لغة العرف أنهم يستعملون اسم الجمع موضع التثنية إذا أمن اللبس، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي يديهما وقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي قلباكما فكذلك قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ ونفس هذا التركيب المذكور في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه، ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قولك كتبت بالقلم ومثل هذا النص صريح لا يحتمل المجاز بوجه، بخلاف قوله سبحانه: "بما كسبت أيديكم" ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ فإنه نسب الفعل إلى اليد ابتداء وخصها بالذكر لأنها آلة الفعل في الغالب فهكذا في آية "يس" لما لم يكن خلق الأنعام مساويا لخلق أبي الأنام قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ فأضاف الفعل إلى أيدي وجمعها ولم يدخل عليها الباء فهذه ثلاثة فروق تبطل إلحاق أحد الموضعين بالآخر وليست آية "ص" مثل آية "يس" سناد الفعل ومن حيث تعدي الفعل بالباء وحتى لو كانت آية "ص" "ما منعك أن تسجد لما خلقت" بدون ذكر اليدين لم تكن مثل آية "يس" لاختلافهما من حيث إسناد الفعل فكيف إذا قال "خلقت بيدي بصيغة التثنية وإسناد إليه وتعديته بالباء.
وقوله: فصار شبيهًا بقوله: بما كسبت أيديهم.
[ ١ / ١٥٥ ]
يعني من حيث إسناد الفعل إلى الأيدي ولو لم تباشره، وقوله: كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعني من حيث لفظ التثنية، وقوله فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ "وبيده الخير" في المفرد يعني من حيث المثنى حيث أضيف إلى صيغة الجمع وآية "يس" مثل قوله سبحانه ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ "وبيده الخير" من حيث عدم إرادة مباشرة اليد: إلا أن آية "يس" بصيغة الجمع "بيده الملك وبيده الخير" بصيغة الإفراد، وقوله: "فالله ﷾ يذكر نفسه تارة بصيغة الفرد مظهرًا أو مضمرًا" يعني كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وقوله: "وتارة بصيغة الجمع" كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ وأمثال ذلك.
يعني وتارة يذكر نفسه بالصيغة الموضوعة للجمع والتعظيم - معظما نفسه ومشيرًا إلى ما له من كثرة الأسماء وتعدد الصفات_ وذلك كما في آية الفتح وكما في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ﴾ ونحو ذلك وقوله: ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه وربما تدل على معاني أسمائه.
وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور وهو مقدس عن ذلك: يعني هذا وجه كونه سبحانه لم يذكر نفسه بصيغة التثنية وإنما ذكرها بصيغة الإفراد والجمع فإن التثنية لا تفيد المعنى الذي تفيده صيغة الجمع والإفراد من الدلالة على العظمة والجلال وكثرة الأسماء والنعوت، والدلالة على الوحدانية والاستقلال، وإنما تفيد حصر عظمته أو وجود شريك له تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
والقول بأن آية "ص" مثل آية "يس" مشهور عن بشر بن غياث المريسي وأمثاله من نفات الصفات والقول بأن الآيتين سواء يريدون به أن كلا منهما لا تدل على مباشرة الخلق باليدين ليتوصلوا بذلك إلى نفي
[ ١ / ١٥٦ ]
اليدين عن الله "﵎" وقولهم باطل مخلف لصريح القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة.
وقوله: "هذا من دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة" الخ.
يعني ويضاف إلى الأدلة السابقة في إثبات اليدين لله لأدلة الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تلقتها الأمة بالتصديق ونقلتها من بحر غزير وهي مشهورة، بل قد بلغت حد التواتر.
وقد ذكر عثمان بن سعيد الدارمي الإمام المشهور في رده على بشر المريسي طرفًا كبيرًا منها. كما ذكر الشيخ المؤلف قسما كبيرًا منها في الرسالة التي وجهها إلى شمس الدين بالمدينة. وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله من عمرو بن العاص ﵄.
وقوله وأمثاله ذلك: يعني كقوله ﷺ "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإن لم يغض ما في يمينه والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض إلى يوم القيامة" رواه مسلم في صحيحه وفي الصحيح أيضًا عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "تكون الأرض يوم القيامة خبزه واحده يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفؤ أحدكم بيده خبزته في السفر".
وفي الصحيح أيضًا عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ .
وفي الصحيح أنه لما تحاج آدم وموسى قال آدم: "يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده" وقد قال موسى: "أنت آدم الذي خلقك بيده ونفخ فيك من روحه" وفي الحديث آخر في السنن "لما خلق الله آدم مسح ظهره بيمينه فستخرج من ذريته" فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل
[ ١ / ١٥٧ ]
الجنة يعلمون، ثم مسح ظهره بيده الأخرى فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعلمون!
فهذه الأحاديث لا تقبل التأويل بل هي نصوص صريحة وقد تلقتها الأمة بالقبول.
وقد علم أن التجوز في مثل هذا لا يستعمل بلفظ التثنية بل لا يستعمل إلا مفردا أو مجموعًا، كقولك: له عندي يد يجزيه الله بها، وله عندي أياد.
وأما إذا جاء بلفظ التثنية لم يعرف استعماله قط إلا في اليد الحقيقة وهذه موارد الاستعمال أكبر شاهد. وليس من المعهود أن يطلق الله على نفسه معنى القدرة والنعمة بلفظ التثنية، بل يلفظ الإفراد الشامل لجميع الحقيقة كقوله إن القوة لله جميعا.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ . وقد يجمع النعم كقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ وأما أن يقول خلقتك بقدرتي أو بنعمتي بالتثنية فهذا لم يقع في كلامه ولا كلام رسوله ﷺ فتظافر الكتاب والسنة على إثبات اليدين لله "﵎" وإثبات أنه باشر خلق آدم بيديه فبعدًا وسحقًا للمنافقين وأفراخ المجوس والصابئين، وتلاميذ اليهود والملحدين من جهميين وجعديين.
[ ١ / ١٥٨ ]
النصوص المتفق على معناها بين أهل السنة والأشاعرة
قوله:
وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها والظاهر هو المراد في الجميع - فإن الله لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد: كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته
[ ١ / ١٥٨ ]
كقدرتنا، وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير فكذلك إذا قالوا في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أنه على ظاهره لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبًا كحبه، ولا رضا كرضاه.
فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا. وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي، وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات فيكون الكلام في الجميع واحدًا.
ش: الكلام فيما سبق في أول هذه القاعدة مع المشبهة ونفاة الصفات كلها أما هنا فالخطاب مع الأشعري حين يقول "ظاهر النصوص مراد" أو يقول: "ظاهر النصوص ليس بمراد" ولذا قال المؤلف: "وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها".
والمتفق على مدلولها بين الأشاعرة وأهل السنة هي الصفات السبع. والمتنازع في إثبات مدلولها هي ماعدا الصفات السبع، إذا كان القائل يجري الجميع مجرى واحدًا قيل له ماذا تقصد بالظاهر؟ أتقصد به ما يماثل صفات المخلوقين؟ أن تقصد به ما يليق بالله؟ وعلى كل فمن المعلوم أن الله سبحانه لما وصف نفسه بالحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر واتفق أهل السنة والأشاعرة ومن تبعهم على إثبات ذلك، وأن ظاهر ذلك مراد: كان من المعلوم أنهم لا يقصدون أن ظاهرها هو ما يماثل صفات المخلوقين: فكذلك لما قال أهل السنة أنه موصوف بالاستواء
[ ١ / ١٥٩ ]
والمحبة والرضا ونحو ذلك.
لم يكن مرادهم أن ظاهرها يقتضي المماثلة، وحينئذ فإن كان المخاطب يظن أن ظاهر صفات الله هو ما يماثل صفات المخلوقين لزمه أن لا يثبت هذا الظاهر في جميع نصوص الصفات، إذ الباب في الجميع واحد وإن كان المخاطب يعتقد أن ظاهر صفات الله هو على ما يليق به ويناسب ذاته المقدسة، فليس له نفي هذا الظاهر ولا نفي كونه مرادًا لله بكلامه فإن قال: الظاهر مراد في نصوص الصفات السبع وغير مراد في الباقي قيل له هذا تفريق بين متماثلين وإن قال: أن الظاهر مراد في الجميع وهو على ما يليق بالله فليس له أن ينفي مدلول بقية النصوص، حيث لا دليل له من عقل أو نقل على نفيه إلا من جنس قول الجهمية "إن إثبات الصفات يقتضي التشبيه" وحينئذ يرد عليه بما يرد عليهم به، وهو إن إثبات الأسماء والصفات مع نفي المماثلة للمخلوقات هو مقتضي العقول السليمة والفطر المستقيمة.
وقد دل عليه الكتاب والسنة فالمتصف بالصفات مع نفي مماثلته للمخلوقات أكمل وأعظم ممن لا صفة له. هذا وقد ذكر المؤلف أن الذين يجعلون ظاهر النصوص التشبيه يغلطون من وجهين "تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر النص حتى يجعلوه محتاجا إلى التأويل ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر النص لاعتقادهم إنه باطل".
وقد مثل المؤلف للوجه الأول بثلاثة أمثلة وشرحها.
أما الوجه الثاني:
فلم يعترض له وذلك لأنه ينطبق على جميع نصوص الصفات وعلى هذه الأمثلة الثلاثة أيضًا فإنهم يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر النص لاعتقادهم أنه باطل.
وحينئذ فالأمثلة الثلاثة كافية لأنها من جملة النصوص.
[ ١ / ١٦٠ ]
قوله:
وبيان هذا أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا كالوجه واليد: ومنها معان وأعراض وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.
ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير: لم يقل المسلمون أن ظاهر هذا غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا، فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا بل صفة الموصوف تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال ﷺ "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي.
ش: يقول الشيخ أن كون ظاهر النصوص هو مراد الله بكلامه وهو على ما يليق به. يتضح بالمقارنة بين الصفات المخلوقين وصفات الله.
فصفات المخلوقين منها ما هو عين قائمة متجسدة وهي قائمة بنا.
ومثل للأول بقوله: "كالوجه واليد" ومثل للثاني بقوله: "كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة".
والمعنى: إذا كان المعلوم أننا متصفون بالصفات العينية والعرضية وإذا قيل: لنا وجه ويدان وعلم وكلام، فمفهوم هذا أننا متصفون بهذه الصفات حقيقة.
[ ١ / ١٦١ ]
وهذا الكلام على ظاهره فنحن متصفون بها على ما يليق بنا. فمن المعلوم أيضًا أن الرب سبحانه لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير مريد متكلم سميع بصير فهذا الكلام على ظاهره. والله متصف بهذه الصفات حقيقة وهي على ما يليق به.
وقوله: "لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا" معناه أن كلا من الخالق والمخلوق متصف بالحياة ضد الموت، وبالقدرة ضد العجز، وبالكلام ضد الخرس، وهكذا سائر الصفات.
وكما نفهم من الصفات المنسوبة إلينا أننا متصفون بها وهي على ما يليق بنا. كذلك نفهم من الصفات المضافة إلى الخالق أنه متصف بها حقيقة وهي على ما يليق به.
وقوله: "فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا" معناه كما أن أهل السنة والأشاعرة متفقون على إثبات مدلول نصوص الصفات السبع وأن ذلك على ظاهره اللائق بالله، وأن الله أراد بكلامه هذا المعنى اللائق به. فكذلك لما قال أهل السنة: أن قوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على ظاهره لم يكن مقصودهم بهذا الظاهر ما يماثل صفات المخلوقين، بل مرادهم أن ذلك على ظاهره اللائق بالله.
فكما نفهم من قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أن المخلوق متصف باليدين حقيقة فهكذا "خلقت بيدي" "وعملت أيدينا" فالمفهوم في كل من الخالق والمخلوق_ الاتصاف باليدين حقيقة_ ثم قال المؤلف "بل صفة الموصوف تناسبه" يعني وأن كان المفهوم في حق الله مثل المفهوم في حقنا من حيث أن كلا متصف بالصفة حقيقة، لكن كل موصوف تناسبه صفته فصفات الله تناسب ذاته وصفات المخلوقين تناسب ذواتهم.
[ ١ / ١٦٢ ]
وهذا معنى قول المؤلف فيما سبق "أن الله سمي نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، وسمي بعض مخلوقاته بأسماء ووصفهم بصفات.
ويتفق الخالق والمخلوق في الأسماء والصفات عند الإطلاق ويختلفان عند الإضافة والاختصاص_ فلكل منها ما يناسبه ثم قال المؤلف موضحًا كون كل موصوف تناسبه صفته فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذلك ليست كصفات المخلوقين".
والمعنى أن الصفات فرع الذات، فكما أن الذات لا تشبه الذوات، فكذلك الصفات لا تشبه الصفات، لأن المماثلة إذا انتفت بالنسبة للذات انتفت بالنسبة للصفات.
وقوله "ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه".
يعني من حيث أن كلا منهما ثابتة له الصفة المنسوبة إليه، وهو متصف بها حقيقة.
وقوله "وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه" معناه أن الصفة ليست مماثلة كما أن الموصوف ليس مماثلا للموصوف: فالمنسوب هو الصفة والمنسوب إليه هو الموصوف. والشاهد من الحديث أنه ﷺ يشبه رؤية الشمس والقمر برؤية الله من حيث أنهم يشاهدون الله سبحانه عيانا دون حجاب، كما يشاهدون الشمس والقمر عيانا دون سحاب. فشبه الرؤية بالرؤية ولم يشبه الشمس والقمر بالله، فكل منهما مرئي وموصوف بأنه يرى، ولكن ليس المرئي مثل المرئي. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم ولفظه عن أبي هريرة ﵁ "أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: تمارون في القمر ليلة البدر، ليس دونه سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله. قال: فهل تمارون في
[ ١ / ١٦٣ ]
الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: فإنكم ترونه كذلك"
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي سعيد قال: قلنا يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ "نعم فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: ما تضارون في رؤية الله_ تبارك وتعالى_ يوم القيامة، إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" الحديث.
[ ١ / ١٦٤ ]
أربعة محاذير يقع فيها من من نفى شيئا من الصفات
قوله:
"وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة"
وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات أو كثير منها، أو أكثرهم أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في "أربعة أنواع" من المحاذير أحدهما كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.
"الثاني أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيء الذي ظنه بالله ورسوله_ حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل_ قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله. والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.
"الثالث" أنه ينفي تلك الصفات عن الله ﷿ بغير علم فيكون معطلا لما يستحقه الرب
[ ١ / ١٦٤ ]
"الرابع" أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عطل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثله بالمنقوصات والمعدومات، وعطل النصوص عما دلت عليه من الصفات وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات فيجمع في كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته.
ش: الإشارة في قوله "وهذا يتبين" راجعة إلى قوله "بل صفة الموصوف تناسبه ولكن ليس المنسوب كالمنسوب ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه".
فمضمون ما ذكر في القاعدة الثالثة يتبين ويتضح بما ذكر في القاعدة الرابعة وهي أن بعض الناس لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولا وعطلوا آخرًا.
وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم وتعطيل لما استحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة به. وقد جمعوا بين هذه المحاذير الأربعة، التمثيل والتعطيل.
وكون ذلك صادرًا بغير علم ولا دليل، وكونه يلزم من سلبهم هذه الصفات عن الله وصفهم له بنقائضها، وجنوا على النصوص وظنوا ظنًا سيئًا، حيث ظنوا أن ظاهر كلام الله ورسوله يقتضي مماثلة الله لخلقه، وحرفوا النصوص عن مواضعها وعطلوها عما دلت عليه من حقائق أسماء الله وصفاته اللائقة به.
وهذا منطبق على الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، ومن دخل في هذه الطوائف وسار في فلكها.
[ ١ / ١٦٥ ]
ولهذا عبر المؤلف بقوله "بعض الصفات أو كثير أو أكثرها أو كلها"
وحقيقة الأمر أن كل معطل ممثل وكل معطل، أما المعطل فتعطيله هو جحده الصفات، وأما تمثيله فهو من جهة أنه اعتقد أن إثبات الصفات لله يستلزم التشبيه فأخذ ينفي الصفات فرارًا من ذلك، فمثل أولا وعطل ثانيا.
وأما الممثل فتمثيله هو تشبيه صفة الخالق بصفة المخلوق، وأما تعطيله فمن وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه عطل نفس النص الذي دل أثبت الصفة حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.
الثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل من جميع الوجوه بالمخلوق الناقص.
الثالث: أنه إذا شبه الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه. مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ .
[ ١ / ١٦٦ ]
نصوص فوقية الله على خلقه واستوائه على عرشه
قوله:
"مثال ذلك" أن النصوص كلها دلت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش.
ش: الإشارة في قوله "مثال ذلك" راجعة إلى توهم بعض الناس في بعض الصفات أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد هذا البعض من طوائف الابتداع أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في المحاذير الأربعة.
[ ١ / ١٦٦ ]
والذي يدل على العلو من الكتاب قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في ستة مواضع. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأمثال ذلك والذي يدل عليه من السنة قصة معراج الرسول إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه.
وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون في الليل والنهار "فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم" وفي حديث الخوارج "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء". وفي حديث الرقية "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك" وفي حديث الاوعال "والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه" وفي حديث قبض الروح "حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها الله".
وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ لما خطب خطبة عظيمة يوم عرفات في أعظم جمع حضره رسول الله ﷺ جعل يقول "اللهم هل بلغت" فيقولون نعم! فيرفع إصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول "اللهم اشهد" غير مرة.
وأمثاله وعلى ذلك اتفق سلف الأمة وأئمتها وكلامهم مشهور في ذلك.
[ ١ / ١٦٧ ]
معاني الاستواء
قوله:
فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع. وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خرجه، ولا مباينه ولا مداخله.
[ ١ / ١٦٧ ]
ش: هذه جملة معترضة بين المثال المذكور وبين قوله فيما يَأتِي فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان" بين بها المؤلف الفرق بين طريق العلم بالعلو وطريق العلم بالاستواء وأن وصف الجهمية لله بسلب النقيضين مخالف لما جاء في الكتاب والسنة من وصفه سبحانه بالعلو على خلقه واستوائه على عرشه بل قولهم مخالف أيضًا للعقول السليمة والفطر المستقيمة ولا داخل العالم ولا خارجه كما سبق بيان ذلك في القاعدة الأولى.
والمقصود أن علو الله سبحانه فوق جميع مخلوقاته يعلم بطريق العقل الموافق لصريح نصوص الكتاب والسنة. فهو معلوم بالنص كما هو معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بنى آدم وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل فالفطرة مكملة بالشريعة المنزلة. فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا، والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به.
وأما نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام فقد علم بالسمع الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة.
وهنا يحسن ذكر الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني، لأبي المعالي يقول على المنبر "كان الله ولا عرش" فقال يا أستاذ دعنا من ذكر العرش يعني لأن ذلك إنما جاء في السمع أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؟ فإنه ما قال عارف قط "يا الله" إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني! حيرني الهمداني ونزل!.
[ ١ / ١٦٨ ]
قوله:
فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش: كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ فيتخيل له أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجًا إليه، كحاجة المستو على الفلك والأنعام، فلو غرقت السفينة لسقط المستوي عليها ولو عثرت الدابة لخر المستوي عليها.
فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب ﷾. ثم يريد بزعمه أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار، ولا يعلم أن مسمى القعود والاستقرار يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك: فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار_ وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرًا ولا قاعدًا، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكم.
ش: يعني أن الجهمية ونحوهم من النفاة لم يفهموا من استواء الله على عرشه إلا كما يثبت للمستوي على ظهر الفلك والدابة من الحاجة والافتقار وسائر اللوازم الباطلة التي يؤدي إليها قياس الخالق للكون بأسره، على المخلوق الضعيف العاجز في كل شئونه. وبناء على هذا الفهم الفاسد قالوا: ليس استواء الله الوارد في النصوص بقعود ور استقرار ولا علو ولا صعود، وإنما هو استيلاء بمعنى الملك والغلبة. ولا يعلمون أنه يقال في مدلول الاستيلاء الذي هو الارتفاع والصعود والاستقرار.
فبقال في مدلوله عندهم مثل ما يقال في مدلوله الحقيقي، من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. فإن كانت الحاجة داخله في الاستيلاء فهي
[ ١ / ١٦٩ ]
أيضًا لازمة في القعود والاستقرار وليس الله سبحانه بهذا المعنى مستوليا ولا قاعدًا ولا مستقرًا ولا مرتفعا فإن الحاجة غير لازمة بالنسبة إلى الحي القيوم الغني بذاته عم سواه، بل هو ممتنع غاية الامتناع لأن الحاجة تنافي كمال الغنى. فهم يقولون: إذا قلتم أن معنى استواء الله على عرشه علوه عليه لزم من ذلك أن يكون الله محتاجًا إلى العرش. فيقال لهم وإذا قلتم أن معنى استوائه على العرش وغلبته. لزم من ذلك أن يكون الله مغالبًا على عرشه وأنه كان خارجًا عن ملكه ثم استولى عليه. وإن قالوا استيلاؤه على عرشه هو على ما يليق به ولا يلزم منه محذور. قيل لهم: وصعوده وارتفاعه على عرشه هو على ما يليق به، ولا يلزم منه محذور وحينئذ فإثباتكم للاستيلاء ونفيكم للعلو والارتفاع تعسف ومغالطة. وعلم أنه لم يثبت استعمال لفظ استوى في اللغة بمعنى استولى. وإنما عمدة الذين قالوا ذلك البيت المشهور:
ثم استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
ولم يثبت بنقل صحيح أنه شعر عربي. وكان غير واحد من أئمة اللغة قد أنكروه وقالوا أنه بيت مصنوع لا يعرف اللغة. وقد علم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى إثبات صحته فكيف ببيت من الشعر لا يعرف اسناده؟ وقد طعن فيه أئمة اللغة. وذكر عن الخليل كما عند أبي المظفر في كتابه "الإفصاح" قال: سئل الخليل هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: هذا مالا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها. وهو أمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا يعرف حمل باطل، وأيضًا فأهل اللغة قالوا: لا يكون استوى بمعنى استولى إلا فيما كان مغالبًا فإذا غلب أحدهما صاحبه قيل استولى" والله لم ينازعه أحد في العرش. قال الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قدس الله روحه في تفسيره "وهو شجى في حلوق الجهمية والمعطلة"
[ ١ / ١٧٠ ]
في سورة "الأعراف" في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: "استقر" وقال أبو عبيدة: "صعد" قال: وأولت المعتزلة "الاستواء بالاستيلاء" قال: وأما أهل السنة فيقولون: "الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتهم مما يصح معناه عند السامعين". والاستواء معلوم في اللغة مفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكين فيه. قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: علا. قال وتقول العرب استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره استوى أي استقر. واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ . انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد. قال ابن عبد البر: الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر:
فأوردتهم ماءٍ بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استوى لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونًا جليلا في علم الصيانة واللغة قال: أعلم ما رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال.
فقال لنا أعرابي إلى جانبه أنه يأمركم أن ترتفعوا. فقال الخليل هو من قول الله ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فصعدنا إليه. وقال عبد الله ابن المبارك وغيره من أهل العلم وأن معنى ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استقر. وتقول العرب: "استويت على ظهر الفرس" بمعنى علوت عليه،
[ ١ / ١٧١ ]
واستويت على سقف البيت بمعنى علوت عليه. وقال الثعالبي ومقاتل ثم "استوى على العرش" يعني استقر، قال وقال أبو عبيدة صعد. وهذه العبارات وإن اختلفت فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله على العرش.
قوله:
وقد علم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقًا معروفة. ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.
ش: هذه الألفاظ متقاربة المعنى، فبعضها يفسر ببعض فتقول مفسرًا للاستواء هو الاستقرار. وتقول: قعد على شيء واستقر معناه استوى عليه. وإذا عرفت أن كلا منها يفسر الآخر فاعلم أن بعضها قد يؤدي زيادة معنى لا يؤديه الآخر، فمثلا قعد على الشيء يدل على الاستواء عليه. وزيادة معنى وهو أن هذا الاستواء قعود وليس استواء مع قيام. واستقر على الشيء تدل على أنه استوى عليه، وزيادة معنى وهو الثبوت والتمكن عليه. والاستواء أعم من أن يكون قعودًا وأعم من أن يكون معه ثبوت أو تمكن، أو ليس معه ذلك، ولكن مقصود المؤلف أن إثبات الجهمي للاستيلاء ونفيه للارتفاع تفريق بين متماثلين، فإن الاستواء بمعنى الاستقرار، مثل الاستواء بمعنى الاستيلاء من حيث لزوم المحذور وعدم لزومه. وقد علم أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول كما هو معلوم بين الصحابة والتابعين وتابعيهم فيكون التفسير المحدث بعده باطلا قطعًا. قال يزيد بن هارون الواسطي أن من قال "الرحمن على العرش استوى" خلاف ما نقرر في نفوس العمة فهو جهمي.
[ ١ / ١٧٢ ]
قوله:
وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وليس في هذا اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضف الاستواء إلى نفسه الكريمة كما أضاف إليه سائر أفعاله وصفاته. فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى وأمثال ذلك. فلم يذكر استواء مطلقًا يصلح للمخلوق، ولا عامًا يتناول المخلوق كما يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة.
ش: يقول الشيخ أن أصل خطأ الجهمي في نفيه لشيء مع إثبات نظيره إنما جاءه من جهة فهمه الخاطئ بأنه يلزم من كون الله مستو على عرشه أن يكون مثل استواء المخلوق، فإنه بناء على هذا الظن الفاسد نفى أن يكون استواء الله استقرارًا وعلوًا، وجعله ملكًا وغلبة وليس في نصوص الاستواء ما يدل على المماثلة، فإنه سبحانه أضافه إلى نفسه كما أضاف إليها تقديره وبناءه ورؤيته وسمعه وعلمه ونحو ذلك من سائر صفاته. وحينئذ فهذا توهم فاسد وظن خاطئ، فإن الله هو الخالق للعرش، والمخلوق مفتقر إلى الخالق لا يفتقر الخالق إلى المخلوق، وبقدرته قام العرش وسائر المخلوقات وهو الغني عن العرش. وكل ما سواه فقير إليه كيف وأنه كان موجودًا قبل العرش! فإذا كان موجودًا قائمًا بنفسه قبل العرش لا يكون إلا مستغينًا عنه. وإذا كان الله فوق العرش لم يجب أن يكون محتاجًا إليه ولله تعالى استواء على عرشه حقيقة، وللعبد استواء على الفلك حقيقة، وليس استواء الخالق كاستواء المخلوقين. فإن الله لا يفتقر إلى شيء ولا يحتاج إلى شيء، بل هو الغني عن كل شيء. والله يحمل العرش وحملته بقدرته، ويمسك السموات والأرض أن تزولا، فهو
[ ١ / ١٧٣ ]
مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به وكما أنه سبحانه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير ونحو ذلك. ولا يجوز أن يثبت لعلمه وقدرته خصائص الإعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش. ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزماتها، فاقترن الاستواء بحرف "على" وعطف فعله "بثم" على خلق السموات والأرض، وكونه بعد أيام التخليق وكونه سابقًا في الخلق على السموات والأرض، وذكر تدبير أمر الخليقة معه الدال على كمال الملك، كل ذلك دال على أن استواءه سبحانه لا يماثل استواء المخلوقين، ولا يلزمه ما هو من خصائصهم. فإذا أضيف الوصف إلى المخلوق لم يصح أن يدخل فيه وصف الخالق سبحانه، ولم يكن وصف المخلوق كوصف الخالق وإذا أضيف إلى الخالق لم يصلح أن يدخل فيه وصف المخلوقين، ولم يكن وصفه كوصفهم وإذا كان الوصف مطلقًا فهو عام فيهما، متناول لهما لاتفاقهما في المعنى الكلي المشترك.
[ ١ / ١٧٤ ]
ذكر الله استواء يخصه ويليق به
قوله:
فلو قدر على وجه الفرض الممتنع أنه هو مثل خلقه_ تعالى عن ذلك_ لكان استواؤه مثل استواء خلقه، أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه بل قد علم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لا يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به، فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستويا على العرش كان محتاجًا إليه، وأنه لو سقط العرش لخر من عليه؟ سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا. هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك وتوهمه، أو ظنه اللفظ ومدلوله، أو جوز ذلك أو جوز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟ بل لو قدر أن
[ ١ / ١٧٤ ]
جاهلا فهم مثل هذا أو توهمه لبين له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.
ش: يقول المؤلف: أن استواء الله سبحانه لا يمكن أن يكون مثل استواء المخلوق إلا لو كانت ذاته مثل ذوات المخلوقين. فلو قدر على سبيل الفرض الممتنع أن الذات مثل الذوات لأمكن أن يكون الاستواء مثل الاستواء، ومن المعلوم بالضرورة أن ذاته سبحانه لا تماثل الذوات. وقد علم بالضرورة أنه الخالق للعرش ولغيره، وأنه الغني عنا سواه وكل شيء فهو مفتقر إليه، وهو سبحانه أضاف استواءه إلى نفسه. فهو على ما يليق به، وهكذا القول في سائر ما وصف به الرب نفسه. فإن إضافته إليه تقتضي عدم صلاحيته لغيره أو تناوله لسواه، ومن ظن أن قول الأئمة أن الله مستو على عرشه حقيقة يقتضي أن يكون استواؤه مثل استواء العبد على الفلك والأنعام، لزمه أن يكون قولهم أن الله له علم حقيقة وسمع حقيقة وبصر حقيقة، وكلام حقيقة يقتضي أن يكون علمه وسمعه وبصره وكلامه مثل المخلوقين وسمعهم وبصرهم وكلامهم. وهذا ما لم يقولوه أصلا. وإذا كان كذلك فكيف يتوهم في حقه سبحانه ما هو من خصائص المخلوقين؟ وكيف يظن أنه يلزم من استوائه على العرش حاجته إليه؟ ما هذا إلا ضلال بين وجهل واضح ممن فهمه أو ظنه ظاهر نصوص الاستواء ومدلولها. فبعدًا لهؤلاء المكابرين للمعقولات والمتجنين على النصوص من زعماء الابتداع ورؤساء الضلال. ولو قدر أن أحدًا ممن لا يفهم معاني النصوص ولا يعلم مدلولاتها توهم أن ظاهرها يقتضي مماثلة الله بخلقه لبين لهذا الجاهل أن هذا ليس هو مراد الله بكلامه، ولا هو مقتضى العقل والفطرة ولم يدل عليه النص البتة، وإنما صرحت النصوص بنفي مماثلته لخلقه ﷾
[ ١ / ١٧٥ ]
قوله:
فلما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأيدٍ﴾ فهل يتوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج الذي يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن وأعوان؟
ش: يعني أن الخالق سبحانه أخبر عن نفسه بأنه بنى السماء بقوة. والمخلوق يوصف بالبناء، ولكن من يقول للشيء كن فيكون. ومن يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ من هذا شأنه لا يمكن أن يتوهم في حقه ما هو من خصائص المخلوق. ومن المعلوم أن السموات والأرض من أكبر مخلوقاته كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ . وكما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ والرب سبحانه موصوف ببناء السماء والمخلوق موصوف بالبناء، ولكن المخلوق محتاج في بنائه إلى آلات البناء وأدواته ومحتاج إلى مساعدين، أما الرب "﵎" فغير محتاج إلى شيء من ذلك فلا شريك له، ولا ظهير ولا يعجزه شيء ﷾. وكما أنه لا يلزم من بنائه لسمواته أن يكون مثل بناء المخلوق، فكذلك هو مستو على عرشه. ولا يلزم في حقه ما يلزم في حق المخلوق من الحاجة واللوازم الباطلة.
[ ١ / ١٧٦ ]
خلق الله العالم بعضه فوق بعض
قوله:
ثم قد علم أن الله خلق العالم بعضه فوق بعضه، ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس مفتقرًا إلى أن تحمله، والسموات فوق الأرض وليست مفتقره إلى حمل الأرض لها، فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه أو عرشه؟ وكيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟ وقد علم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق وأولى
[ ١ / ١٧٦ ]
ش: يعني أن الله سبحانه فوق العرش وليس محتاجًا إليه، فإن الله قد خلق العالم بعضه فوق بعض ولم يجعل عاليه محتاجًا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض وليس محتاجًا إليها، وكذلك السحاب فوقها وليس محتاجًا إليها، وكذلك السموات فوق السحاب والهواء والأرض وليست محتاجة إلى ذلك، والعرش فوق السموات والأرض وليس محتاجًا إلى ذلك، فكيف يكون العلي الأعلى خالق كل شيء محتاجا إلى مخلوقاته لكونه فوقها عاليا عليها. ونحن نعلم أن الله خالق كل شيء، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن القوة التي في العرش وفي حملة العرش هو خالقها، بل نقول أنه خالق أفعال الملائكة الحاملين، فإذا كان هو الخالق لهذا كله ولا حول ولا قوة إلا به، امتنع أن يكون محتاجًا إلى غيره، فهو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وهو أجل وأعظم وأغنى وأعلى من أن يفتقر إلى شيء بحمل أو غير حمل، بل هو "الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" الذي كل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه.
قوله:
وكذلك قوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السماوات فهو جاهل ضال بالاتفاق، وأن كان إذا قالا: أن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك، فإن حرف "في" متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف إليه. ولهذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف "في" مستعملا في كل ذلك. فلو قال قائل: العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل في السماء، ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل الجنة في السماء، ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل
[ ١ / ١٧٧ ]
السموات، بل ولا الجنة. فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن" فهذه الجنة سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك. مع أن كون الجنة في السماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها. قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ . وقال تعالى: ﴿وَأنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ .
ش: بعد أن فرغ المؤلف من دحض شبه نفاة استواء الله على عرشه، وبيان فساد توهمهم، شرع في بيان فساد توهم نفاة علو الله على مخلوقته. فذكر أن قوله "جل وعلا"﴾ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ لا يدل على معنى فاسد، وأن من توهم من كون الله في السناء أنه في جوف السماء وأن السموات تحصره وتحويه فهو جاهل ضال_ باتفاق المسلمين_ فلم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. قال مالك بن أنس: "أن الله فوق السماء وعلمه في كل مكان" إلى أن قال: "من أعتقد أن الله في جوف السماء محصور محاط به وأنه مفتقر إلى العرش أو غيره من المخلوقات وأن استواءه على عرشه كاستواء المخلوق على كرسيه فهو ضال مبتدع جاهل" فمن لم يعتقد ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، من أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فقد اخطأ، وكذب الله ورسوله ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين، بل يكون في الحقيقة معطلًا لربه، نافيًا له، فلا يكون له في الحقيقة إله يعبده، ولا رب يسأله ويقصده، وهذا قول الجهمية ونحوهم من أتباع فرعون المعطل، فليس مقتضى الآية الكريمة أن الرب ﷾ داخل الأجرام السماوية. وأن كان قولك الشمس في السماء أو المر في السماء يقتضي الظرفية فإن حرف "في" معناه بحسب ما قبله وما
[ ١ / ١٧٨ ]
بعده. فقد يقتضي ظرفية ما بعده لما قبله وقد لا يقتضي ذلك، ومن أجل هذا يفرق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق فالأول يقتضي ظرفية المكان للشيء وأن كان ذلك الشيء لا يشغل عموم المكان، بينما قولك "الجسم في الحيز" يقتضي ظرفية الحيز للجسم مع شغل الجسم لكل ذلك المقدار من المكان، وكون العرض في الجسم يقتضي الاتصال والظرفية، بينما قولك الوجه في المرآة، وكذلك قولك الكلام في الورق لا يقتضي الظرفية، وإنما المداد بشكله المعين، كما أن الذي يشاهد في المرآة هو الصورة، إذن فلكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره. ثم ضرب المؤلف مثلا كونه لا يلزم من كون الله في السماء أن يكون مظروفا لها. فذكر أن النصوص قد صرحت بأن العرش هو سقف جميع المخلوقات، كما دلت النصوص على أن الجنة ليست داخل الأجرام السماوية، وإذا لم تلزم الظرفية من كون المخلوق في السماء فكيف يلزم ذلك في العلي الأعلى؟ وقول المؤلف: مع أن كون الجنة في السماء، يراد به العلو سواء كانت فوق الأفلاك أو تحتها، يشير إلى أن القول بأن الجنة في داخل الأجرام السماوية لا يترتب عليه محذور، والحديث الذي استشهد به المؤلف وأمثاله من النصوص يدل على أنها فوق الأفلاك.
وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم ولفظه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان فعن حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها "قالوا: يا رسول الله، ننبئ الناس بذلك؟ قال: " أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوق عرش الرحمن منه يتفجر أنهار الجنة".
وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله
[ ١ / ١٧٩ ]
عنه، أن النبي ﷺ قال: "أن في الجنة مائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومن فوقها العرش، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس".
وقول المؤلف: "وأن كنا إذا قلنا أن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك" ظاهره أنه يرى أن كلا من الشمس والقمر داخل الأجرام السماوية والله أعلم.
قال شيخنا محمد الأمين الشنقيطي في كتابه "أضواء البيان ما نصه: والله أعلم أن الآية صريحة في أن
نفس القمر في السبع الطباق لأن لفظة جعل في الآية هي التي بمعنى صير وهي تنصب المبتدأ والخبر
والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيئًا آخر. فقولك: جعلت الطين خزفًا والحديد
هو خاتمًا لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم. وكذلك قوله تعالى: "وجعل القمر فيهن نورا " فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه. فلا يفهم من الآية بحسب الموضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق وكون المجعول فيها مطلق نوره لأنه لو أريد ذلك لقيل وجعل نور القمر فيهن. أما قوله: "وجعل القمر فيهن نورا " فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه. ويوضح ذلك أنه تعالى صرح في سورة "الفرقان" بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ وصرح في سورة " الحجر" بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ انتهى.
والأفلاك جمع فلك وهو الشيء المستدير فإن لفظ الفلك يدل على الاستدارة ومنه قولهم: تفلك ثدي الجارية إذا استدار والأفلاك
[ ١ / ١٨٠ ]
مستديرة في الكتاب والسنة والإجماع. ومنه قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال ابن عباس: في فلكة كفلكة المغزل. وأهل الهيئة والحساب متفقون عل ذلك، وأما العرش فإنه مقبب لما روى في السنن لأبي داوود عن جبير بن مطعم ﵁ قال: جاء أعرابي على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله " نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وربك على الله" قال النبي ﷺ: سبحان الله، سبحان الله فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: " ويحك أتدري ما الله؟ إن شاء الله أعظم من ذلك أنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك. ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وأنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" وأمثاله من النصوص الدالة على ذلك والشاهد من آيتي "الحج" و"الفرقان" ورود السماء بها مرادًا بها مطلق العلو.
[ ١ / ١٨١ ]
حرف (في) يختلف معناه بحسب ما قبله وما بعده
قوله:
ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلى الأعلى، وأنه فوق كل شيء كان المفهوم من قوله: أنه في السماء. أنه في العلو. وأنه فوق كل شيء. وكذلك الجارية لما قال لها أين الله؟ قالت في السماء، إنما أرادت العلو، مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها، وإذا قيل العلو فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودى يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله. كما لوز قيل: العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق، وأن قدر أن السماء المراد بها الأفلاك، كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وكما قال ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح وأن كان على أعلى شيء فيه
[ ١ / ١٨١ ]
ش: لما بين المؤلف أن الآية الكريمة لا تقتضي ظرفية السماء للخالق سبحانه وأن حرف"في" يختلف معناه بحسب ما أضيف إليه ذكر بعد ذلك أن ذوي العقول السليمة والفطر المستقيمة يفهمون بمقتضى فطرتهم أن معنى كون الله سبحانه في السماء أنه عال على مخلوقاته، وهكذا قصد الجارية من قولها: "في السماء" إنما أرادت علوه سبحانه فوق جميع المخلوقات، ولم تتوهم أبدًا أو تظن أن السماء تحصره وتحيط به، وهكذا سائر سلف الأمة وأئمتها، لم يتوهموا هذا المعنى بل لا يظن هذا أو يتوهمه إلا من انتكست فطرته وعميت بصيرته. وإذا أطلق العلو فالمراد به العلو على جميع المخلوقات وليس معنى ذلك أن هناك ظرفا موجودا فوق العرش فليس معنى كونه في السماء أنه داخل في شيء يحيط به فضلا عن أن يحتاج له. وضرب المؤلف لذلك مثلا بأنه العرش يوصف بأنه في السماء دون أن يقتضي ذلك أن يكون داخل في ظرف وجودي يحيط به إذ قد علم أنه سقف جميع المخلوقات. ثم ذكر أن السماء إذا فسرت بالأجرام السماوية فالمراد بكون الله فيها أنه عليها، وهو أسلوب معروف في اللغة، وقد ورد به القرآن الكريم، كما في الآيات التي استشهد فيها المؤلف. وقد حكى البيهقي عن أبي بكر الضبعي قال العرب تضع"في" موضع"على" كقوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ . وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ فكذلك قوله: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أي على العرش فوق السماء كما صحت الأخبار بذلك. وقال مثل ذلك غير واحد وقوله للجارية "أين الله؟ " هذا حديث صحيح روى من طرق متواترة على معاوية بن الحكم السلمي قال: "كانت لي غنم بين أحد والجونية فيها جارية لي فأطلقتها ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها فأسفت فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فعظم ذلك على فقلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟
[ ١ / ١٨٢ ]
قال: ادعها. فدعوتها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة". أخرجه مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والنسائي.
[ ١ / ١٨٣ ]
النصوص الداله على تدبر القرآن وتفهم معانيه
قوله:
القاعدة الخامسة
أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه فإن الله قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ ﴿وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ . وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ وقال: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته وَلِيَتَذَكَّرَ أولُو الْأَلْبَابِ﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فأمر بتدبر الكتاب كله. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويلهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أولُو الْأَلْبَابِ﴾ .
ش: يقول الشيخ أننا نعلم ما خاطبنا الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ونفهم من ذلك ما أراد الله من فهمه، ولكن نفهمه ونعلمه من جهة دون جهة. نفهمه من جهة المعنى ونجهله من جهة الكيفيات وتفاصيل الأمور التي لم يرد تفصيلها في النصوص، واستدل على الأول بكون الله سبحانه قد حث على تدبر القرآن وتعقله وإتباعه في غير موضع ومن ذلك قوله سبحانه في آية النساء ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ وقوله في آية المؤمنون: ﴿أَفَلَمْ
[ ١ / ١٨٣ ]
يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأتِ آبَاءَهُمُ الْأولِينَ﴾ وقال في آية ص: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ وقال في سورة القتال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ .
فإذا كان حض الكفار والمنافقين على تدبره علم أن معانيه مما يمكن الكفار والمنافقين فهمها ومعرفتها. فكيف لا يكون ذلك ممكنًا للمؤمنين؟ وهذا يبين أن معانيه كانت بينة لهم. فقد بين سبحانه أنه أنزله عربيا ليعقل، والعقل لا يكون إلا مع العلم بمعانيه كما قال تعالى ﴿أنا أنزَلْنَاهُ قُرْأنًا عَرَبِيا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقد ذم الله من لا يفهمه كما قال جل وعلا ﴿فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وذم من لم يكن حظه من السماع إلا سماع الصوت دون فهم المعنى وإتباعه فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أن أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ أن هُمْ إِلَّا كَالْأنعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ فلو كان المؤمنون لا يفقهون أيضًا لكانوا مشاركين للكفار والمنافقين فيما ذمهم الله تعالى به. فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والتابعون لهم بإحسان يعلمون معاني القرآن. إذا تبين فقد وجب على كل مسلم التصديق بما أخبر به عن الله تعالى من أسمائه وصفاته مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ. كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه فإن هؤلاء هم الذين تلقوا عن رسول الله ﷺ القرآن والسنة وكانوا يتلقون عنه ما في ذلك من العلم والعمل كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: "لقد حدثنا الذين كانوا يقرؤوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل جميعًا" وقد قام عبد الله بن عمر وهو من أصاغر الصحابة في تعلم البقرة ثمان سنين وإنما ذلك لأجل الفهم والمعرفة، وكان ابن مسعود يقول: لو
[ ١ / ١٨٤ ]
أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته. وكل واحد من أصحاب ابن مسعود وابن عباس نقل عنه من التفسير مالا يحصيه إلا الله والنقول بذلك عن الصحابة والتابعين ثابتة معروفة عند أهل العلم بها.
واستدل على الثاني بآية آل عمران ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ بالوقف على لفظ الجلالة. ويقول ابن عباس: "وتأويل لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب" كما سيَأتِي والهمزة في قوله ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي يعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه، والتدبر التأمل والتفكر، يقال تدبرت الشيء تفكرت في عاقبته وتأملته، ثم استعمل في كل تأمل، فدلت الآيات على وجوب التدبر للقران ليعرف معناه. وقوله في آية آل عمران: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتاب﴾ أي أصله الذي يعتمد عليه ويرد ما خالفه إليه وهذه الجملة صفة لما قبلها "والمحكمات" اسم مفعول من أحكم "والإحكام" الإتقان ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها.
وقوله سبحانه: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وصف لمحذوف مقدر أي وآيات متشابهات "والزيغ" الميل ومنه زاغت الشمس وزاغت الأبصار يقال زاغ يزيغ زيغًا إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ومعنى قوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي طلبًا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم وإفساد ذات بينهم: ﴿وَابْتِغَاءَ تأويلهِ﴾ أي طلبًا لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة.
وأصل الرسوخ في لغة العرب الثبوت في الشيء وكل ثابت راسخ وأصله في الإجرام أن ترسخ أقدام الخيل أو الشجر في الأرض وهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم عن الله من ترك إتباع المتشابه وإرجاع علمه إلى الله سبحانه.
[ ١ / ١٨٥ ]
القائلون بأن الوقف في آية آل عمران على لفظ الجلاله
قوله:
وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهذا هو المأثور عن أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم. روي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب. وقد روي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله. وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها.
ش: بعد أن استشهد المؤلف بآية آل عمران على أن من القرآن ما لا يعلمه إلا الله، بين خلاف علماء الأمة في الوقف في الآية. فذكر أن الأكثر على القول بأن الوقف على لفظ الجلالة، ومن هؤلاء أبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وقوله "وغيرهم" يعني كابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز. حكاه ابن جرير الطبري عن مالك واختاره. ومن القائلين بأن الوقف على العلم من قوله "والراسخون في العلم، طائفة على رأسهم مجاهد، ومنهم الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد" وروي هذا القول أيضًا عن ابن عباس فعلى القول الأول "الواو" في قوله "والراسخون" للاستئناف والراسخون، مبتدأ خبره يقولون. وعلى الثاني فالواو للعطف ويقولون حال، واستدل الأولون بمثل ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس أنه كان يقرأ وما يعلم تأويله إلا الله. ويقول الراسخون في العلم آمنا به. وبقراءة ابن مسعود وأن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وبما دلت عليه الآية من ذم متبعي المتشابه ووصفهم بالزيغ وابتغاء الفتنة. فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي
[ ١ / ١٨٦ ]
أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".
ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون ذلك. والتفسير الذي تعرفه العرب من كلامها هو تفسير مفردات اللغة كمعرفة معنى القرؤ والنمارق والكهف ونحوها. وأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهي الأمور المكلف بها اعتقادًا وعملًا كمعرفة الله بأسمائه وصفاته واليوم الآخر، والطهارة والصلاة والزكاة وغيرهما، وأما الذي يعلمه العلماء فهو الذي يخفى على غيرهم مما يمكن الوصول إلى معرفته، كمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمحكم والمتشابه، ونحو ذلك. وأما الذي لا يعلمه إلا الله فهو حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر. فإنه هذه الأشياء نفهم معناها، لكننا لا ندرك حقيقة ما هي عليه في الواقع، مثال ذلك. أننا نفهم معنى استواء الله على عرشه ولكننا لا ندرك الكيفية التي هي حقيقة ما هو عليه في نفس الأمر. وكذلك نفهم معنى الفاكهة والعسل واللبن والماء وغيرهما مما أخبر الله أنه في الجنة، لكن لا ندرك حقيقته في الواقع، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ .
وإذا جاز أن يكون في هذه المخلوقات ما يعرف معناه دون إدراك حقيقته ففي صفات الله أولى، والشاهد من كلام ابن عباس قوله ﵁ "وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب" وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، ووجه الدلالة من قول مجاهد ﵁ "عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، أن الراسخون في العلم في يعلمون معاني القرآن" وأبي، هو
[ ١ / ١٨٧ ]
ابن كعب بن قيس بن منذر الأنصاري الخزرجي، أقرأ الصحابة وسيد القراء، شهد بدرًا والمشاهد، وقرأ القرآن على النبي ﷺ. سمع الكثير وجمع بين العلم والعمل، ومناقبه جمة. حدث عنه أبو أيوب الأنصاري وابن عباس وأبو هريرة، ومن أقواله ﵁ ما رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: "قال رجل لأبي بن كعب أوصني، قال: اتخذ كتاب الله إمامًا وارض به حكمًا وقاضيا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مطاع وشاهد لا يتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم وحكم ما بينكم وخبركم وخبر من بعدكم". توفي بالمدينة سنة تسع عشرة وقيل اثنتين وعشرين ﵁. وابن مسعود هو عبد الرحمن بن أم عبد الهذلي صاحب رسول الله ﵇ وخادمه وأحد السابقين الأولين، ومن كبار البدريين، ومن نبلاء الفقهاء والمقرئين، كان ممن يتحرى في الأداء ويشدد في الرواية، ويزجر تلاميذه عن التهاون في ضبط الألفاظ، وحفظ من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وتسمع عليه النبي ﷺ ليلة وهو يدعو، فقال "سل تعطه". وقال "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" وقال عمر بن الخطاب في كتاب له "أني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًاَ وعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا وقد آثرتكم بعبد الله من مسعود على نفسي" وقد نظر عمر إلى ابن مسعود وقد قام فقال "كنيف ملئ علمًا" توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وله نحو من ستين سنة.
ومجاهد هو ابن جبر الإمام أبو الحجاج المخزومي بالولاء المكي المقرئ، المفسر الحافظ، سمع من عائشة وأبي هريرة، وأم هانئ، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، ولزمه مدة وقرأ عليه القرآن، وكان أحد أوعية العلم، وروى عنه قتادة وعمر بن دينار والأعمش وخلق كثير. ومن أقوال مجاهد ﵁ قوله "عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات أقفه عند كل آية أسأله فيم نزلت وكيف كانت؟ " قرأ على مجاهد: ابن
[ ١ / ١٨٨ ]
كثير، وأبو عمرو بن العلاء، وقال الأعمش "كنت إذا رأيت مجاهد ازدريته مبتذلًا كأنه خربندج قد ضل حماره وهو مهتم لذلك! فإذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ!! " توفي سنة مائة وثلاث.
[ ١ / ١٨٩ ]
انقسام التأويل إلى ثلاثة أقسام
قوله:
ولا منافاة بين القولين عند التحقيق. فإن لفظ "التأويل" قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان "أحدها" وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله "أن التأويل" هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن به، وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وترك تأويلها، وهل ذلك من محمود أو مذموم، أو حق أو باطل؟. "الثاني": أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنفين في التفسير واختلف علماء التأويل، ومجاهد أمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره. "الثالث": من معاني التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ . فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد له أبواه وإخوته، قال: ﴿يا أَبَتِ هَذَا تأويل رُؤْياي مِنْ قَبْلُ ﴾ فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.
[ ١ / ١٨٩ ]
ش: يعني أنه لا تنافي بين رأي من قال أن الوقف في الآية على لفظ الجلالة، وبين رأي من قال أن الوقف على قوله "والراسخون في العلم" بل كل منهما حق وصواب، فإن التأويل يطلق في القرآن ويراد به شيئان: "أحدهما" التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول الأمر إليه، ومنه قوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على لفظ الجلالة لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله ﷿، وأما أن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء، كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي بتفسيره فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وأن يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، فإن تسميتهم الراسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، لكن المتشابه يتنوع. فمنه مالا يعلم البتة وهو ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما يعلمه أهل الرسوخ في العلم وأن كان غامضًا ومشكلًا على غيرهم، والحاصل أن الجميع متفقون على أن من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله، ومتفقون على تفسير القرآن وأنه مفهوم المعنى وبين المراد.
وقوله: "فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان" معناه أن التأويل كما يطلق ويراد به التفسير ويطلق ويراد به الحقيقة، فكذلك يطلق ويراد به صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح، لدلالة توجب ذلك، وهذا هو اصطلاح طائفة من المتأخرين من الفقهاء والأصوليين كما تجد ذلك في كلام صاحب "روضة الناظر" وأمثاله من الباحثين في الفقه وأصوله وليس هو عرف السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم، وإنما كان لفظ التأويل في عرف السلف يراد به التفسير أو الحقيقة. أما هذا المعنى الاصطلاحي فقد عبر به
[ ١ / ١٩٠ ]
المتأخرون من الفقهاء والأصوليين عن ترجيح المعنى الضعيف الخفي على المعنى الظاهر، لدليل من الكتاب والسنة اقتضى ذلك الترجيح، ومن أمثلته عندهم ما رواه البخاري والترمذي وصححه من قوله ﷺ "الجار أحق بصقبه" فإنه ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضًا مع احتمال أن المراد به الجار الشريك المخالط أما حقيقة أو مجازًا، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر فلما نظرنا إلى قوله ﵇ "إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" رواه البخاري وأبو داود والترمذي صار هذا الحديث مقويا لهذا الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم، حتى ترجح على ظاهره فقدمناه وقلنا لا شفعة إلا للشريك المقاسم، وحملنا عليه الجار في الحديث الأول. وطوائف المبتدعة قد استعملوا هذا المعنى الاصطلاحي في نصوص الصفات فقالوا "لا بد من صرف النص عن المعنى الذي هو مقتضى لفظه إلى معنى آخر لأن إثبات الصفات لله يقتضي مشابهته لخلقه" وأنت ترى أنهم لم يصرفوا النص عن معنى راجح إلى معنى مرجوح، لدليل اقترن بذلك وإنما حرفوا الكلام عن مواضعه، وألحدوا في أسماء الله وصفاته لشبهة فاسدة، ورأي كاسد لا سند له من كتاب أو سنة أو عقل سليم وفطرة سليمة. وهذا النوع من التأويل هو الذي عناه من تكلموا وبحثوا في صحة التأويل أو إفساده وكونه حقًا أو باطلًا، وهل يذم أو يمدح؟ ولا شك في فساده وبطلانه وذمه وتبديع أهله فإنه مخالف لصريح الكتاب والسنة، إذ التأويل المقبول هو ما دل على مراد المتكلم.
والثاني من معاني التأويل هو التفسير، وكثيرًا ما يعبر المفسرون عن التفسير بالتأويل. وقد استشهد المؤلف على ذلك بعبارة ابن جرير الطبري في تفسيره، واختلف علماء التأويل، يريد علماء التفسير ومن عباراته: القول في تأويل قوله تعالى يريد تفسير قوله تعالى. والشاهد من قوله "ومجاهد أمام المفسرين فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة
[ ١ / ١٩١ ]
تفسيره" استعمال مجاهد التأويل مريدًا به التفسير. وما بين قوله "ومجاهد أمام المفسرين" وقوله "فإذا ذكر" جملة معترضة المراد منها بيان مكانة مجاهد العلمية، فإنه عمدة في التفسير وقدوة في العلم وحسبه علمًا وفقهًا أنه عرض المصحف من أوله إلى آخره على حبر الأمة وترجمان القرآن، يستوقفه عند كل آية ويسأله عن معناها، فلا غرو أن يعتمد هؤلاء الأئمة وأمثالهم على تفسيره.
والمعنى الثالث من معاني التأويل هو الحقيقة التي يصير إليها الأمر، وقد استشهد المؤلف على مجيء التأويل مرادًا به كنه الشيء وحقيقته بقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تأويلهُ يَوْمَ يَأتِي تأويلهُ﴾ أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب. يقول الذين نسوه أي تركوه ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ يعني قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. وكذلك استشهد على هذا النوع بقوله سبحانه عن يوسف ﴿يا أَبَتِ هَذَا تأويل رُؤْياي مِنْ قَبْلُ﴾ يعني هذا حقيقة ما رأيت. فجعل نفس ما وحد في الخارج وهو سجود أبويه وإخوته هو تأويل رؤياه.
وابن جرير هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري صاحب التفسير الكبير والتاريخ الشهير، كان إمامًا في فنون كثيرة، منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ وغير ذلك، وله مصنفات مليحة في فنون عديدة تدل على سعة علمه وغزارته وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحدًا، وكان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ، وكانت ولادته سنة أربع وعشرين ومائتين بآمل طبرستان، وتوفي يوم السبت في السادس والعشرين من شوال سنة عشر وثلاثمائة ببغداد رحمه الله تعالى.
وسفيان هو بن سعيد بن مسروق "الإمام شيخ الإسلام" سيد الحفاظ أبو عبد الله الثوري، ثور مضر لا ثور همدان، الكوفي الفقيه حدث عن أبيه، وحبيب بن أبي ثابت، والأسود بن قيس، وحدث عنه بن
[ ١ / ١٩٢ ]
المبارك، ويحيى القطان، وابن وهب، ووكيع وخلائق كثيرون. وقال شعبة ويحيى بن معين وجماعة في حقه "سفيان أمير المؤمنين في الحديث" ولد سفيان في سنة سبع وتسعين، وطلب العلم وهو حدث، فإن أباه كان من علماء الكوفة، ومات في البصرة، في الاختفاء من المهدي في شعبان سنة مائة وإحدى وستين ﵁.
والشافعي: هو أبو عبد الله الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب القرشي المطلبي المكي نسيب رسول الله ﷺ وناصر سنته. ولد سنة خمسين ومائة بغزة، وحمل إلى مكة لما فطم، فنشأ بها وأقبل على العلوم. حدث عن عمه محمد بن علي، وعبد العزيز بن الماجشون، والإمام مالك وإسماعيل بن جعفر، وخلق كثير. وعنه أحمد والحميدي وأبو ثور، وأمم سواهم، وكان قد برع في الشعر واللغة وأيام العرب. ثم أقبل على الفقه والحديث، وجود القرآن على إسماعيل بن قسطنطين مقرئ مكة، ثم حفظ الموطأ وعرضه على مالك، وأذن له مسلم بن خالد في الفتوى وهو ابن عشرين سنة أو دونها، وتوفي في أول شعبان سنة أربع ومائتين بمصر.
وأحمد هو بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الهذلي الشيباني المروزي، ثم البغدادي ولد سنة مائة وأربع وستين، سمع من هشيم وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن أبي زائد وطبقتهم، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعه وعبد الله بن أحمد وأبو القاسم البغوي وخلق عظيم. قال إبراهيم الحربي "رأيت أحمد كان الله قد جمع له علم الأولين والآخرين! " وقال حرملة "سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه من أحمد بن حنبل! وقال علي بن المديني أن الله أيد هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الردة! وبأحمد
[ ١ / ١٩٣ ]
بن حنبل يوم المحنة! توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
والبخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي بالولاء، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وعنه أنه قال: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله".
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر سنة مائتين وستة وخمسين بخرتنك قرية من قرى سمرقند.
[ ١ / ١٩٤ ]
التفسير هو البيان
بن حنبل يوم المحنة! توفي رحمه الله تعالى في يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة.
والبخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة الجعفي بالولاء، صاحب الجامع الصحيح والتاريخ، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب بخراسان ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه أهلها واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية، ونقل عنه محمد بن يوسف الفربري أنه قال: "ما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". وعنه أنه قال: "صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله".
وكانت ولادته يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وتوفي ليلة السبت بعد صلاة العشاء وكانت ليلة عيد الفطر سنة مائتين وستة وخمسين بخرتنك قرية من قرى سمرقند.
قوله:
"الثاني" هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، أو تعرف علته أو دليله.
"وهذا التأويل الثالث" هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة: "كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن يعني قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ . وقول سفيان بن عيينة "السنة هي تأويل الأمر والنهي"، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبر عنه هو تأويل الخبر.
[ ١ / ١٩٤ ]
والكلام خبر وأمر، ولهذا يقول أبو عبيدة وغيره "الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة" كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصماء، لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ، كما يعلم إتباع بقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهما ما لا يعلم بمجرد اللغة، ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته، بخلاف تأويل الخبر.
ش: هذا رجوع من الشيخ إلى شرح النوع الثاني والثالث، من أنواع التأويل لمزيد الإيضاح، وكان السياق يقتضي أن يكون الكلام. فالثاني هو تفسير الكلام بالفاء، ولكن لعلها سقطت سهوًا من الناسخ. وبعد أن ذكر أن النوع الثاني من أنواع التأويل، هو التفسير بين معنى بقوله: "وهو الكلام الذي يفسر به اللفظ" فالتفسير إذًا هو إيضاح معنى الكلام وبيان المراد منه، أو الكشف عما اشتمل عليه من حكمة، أو ذكر ما دل عليه من دليل، أو بيان ما استنبط من حكم.
قال الزركشي "التفسير علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والصرف وعلم البيان وأصول الفقه، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ" ومن شواهد مجيء التأويل مرادًا به التفسير قوله سبحانه في قصة يوسف: ﴿نَبِّئْنَا بِتأويلهِ أنا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أنبِّئُكُمْ بِتأويلهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ .
والنوع الثالث من أنواع التأويل هو حقيقة الشيء وكنه ما هو عليه، وهذا معنى قول المؤلف: هو عين ما هو موجود في الخارج. وقد استشهد على هذا النوع بما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يتأول القرآن" يعني يوجد حقيقة ما أمر به بقوله في
[ ١ / ١٩٥ ]
الركوع والسجود "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي". فيشرع للمصلى أن يقول هذا الدعاء في ركوعه وسجوده، كما يشرع له أن يقول في السجود: "سبحان ربي الأعلى" لما في الحديث الذي رواه أهل السنن.
وفي حديث حذيفة الذي رواه مسلم أنه ﷺ صلى بالليل صلاة قرأ فيها بالبقرة والنساء، وآل عمران ثم ركع، ثم سجد نحو قراءته، يقول في ركوعه "سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى" وفي الحديث "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" وذلك أن السجود غاية الخضوع من العبد، وغاية تسفيله وتواضعه بأشرف شيء فيه لله، وهو وجهه بأن يضعه على التراب فناسب في غاية سفوله أن يصف ربه بأنه الأعلى.
والشاهد من كلام سفيان بن عيينة مجيء التأويل في كلام السلف مرادًا به الحقيقة، ومن أجل أن التأويل يرد في كلام السلف مرادًا به الحقيقة يقول أبو عبيدة: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. يعني أعلم بحقيقة ما أراده الله ورسوله بكلامهما، لمعرفتهم النصوص، وعلمهم بقواعد الشرع العامة، وخبرتهم بذلك أكثر من مجرد العلم بالمعنى اللغوي للنص. ومثل المؤلف لذلك باختلاف الفقهاء واللغويين في تفسير اشتمال الصماء الواردة في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي سعيد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن صوم يومين الفطر والنحر، وعن الصماء وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر، وتفسير اشتمال الصماء عند الفقهاء: هو أن يشتمل الإنسان بثوب ويرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبيه، فالنهي عنه لأنه يؤدي إلى التكشف وظهور العورة.
وأما تفسير أهل اللغة فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب فيستر به جميع جسده بحيث لا يترك فرجة يخرج منها يده، واللفظ مطابق لهذا
[ ١ / ١٩٦ ]
المعنى. والنهي عنه يحتمل وجهين: أحدهما أنه يخاف معه أن يدفع إلى حالة سادة لمتنفسه فيهلك غمًا تحته إذا لم تكن فيه فرجة، والآخر أنه إذا تجلل به فلا يمكن من الاحتراس والاحتراك إن أصابه شيء، أو نابه مؤذ ولا يمكنه أن يتقيه بيديه لإدخاله إياهما تحت الثوب الذي اشتمل به.
قال عبد الغافر الفارسي بعد حكايته لتفسير الفقهاء: وهذا التفسير لا يشعر به لفظ الصماء. قال الصنعاني مؤيدًا قول الفارسي، قوله لا يشعر به لفظ الصماء أقول: لأنه مأخوذ من الصمم وهو انسداد الأذن، وهذا المعنى الذي ذكروا ليس فيه انسداد. وفي القاموس اشتمال الصماء أن يرد الكساء من قبل ميمنته على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلفه يده اليمني وعاتقه الأيمن فيغطيهما، أو الاشتمال بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يضعه على أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو فرجه. وقوله "لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ كما يعلم أتباع بقراط وسيبويه" الخ.
معناه أن أهل العناية بعلم الرسول العالمين بالقرآن وتفسير الرسول ﷺ والصحابة والتابعين لهم بإحسان، عندهم من العلوم الضرورية بمقاصد الرسول ﷺ ومراده أكثر مما يعلمه علماء اللغة، كما أن أهل العلم بمذهب بقراط في الطب، وأهل العلم بمذهب سيبويه في النحو، وما قعدا من قواعد ورسما من ضوابط أكثر معرفة بمقاصدهما وشرح كلامهما من مجرد معرفة المعنى اللغوي.
وقوله ونحوهما يعني كرؤساء أهل الكلام والفلسفة، وتأويل الخبر هو نفس وقوع المخبر به وعين وجوده، كما أن تأويل الأمر هو نفس فعل المأمور به، ولكن تأويل الأمر لا بد من العلم به لامتثال المأمور وترك المحذور. أما تأويل الخبر فيكفي فيه الإيمان به وما ظهر للإنسان من معناه فهو من تعليم الله له، وما لم يظهر له وكل علمه إلى قائله، كما أن الكيفيات وحقيقة الأمر
[ ١ / ١٩٧ ]
على ما هو عليه مما لا يعلمه إلا الله ﷾. ويصلح أن يستشهد بكلام أبي عبيدة على مجيء التأويل في كلام السلف مرادًا به التفسير.
وعائشة هي أم عبد الله حبيبة رسول الله ﷺ، بنت خليفة رسول الله ﷺ، أبي بكر الصديق ﵁ من أكبر فقهاء الصحابة، بنى بها النبي ﷺ في شوال بعد وقعة بدر فأقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، فكانت أحب نسائه ونزلت الآيات في تبرئتها مما رماها به أهل الإفك، وعاشت خمسًا وستين سنة، حدث عنها جماعة من الصحابة، ومسروق والأسود وابن المسيب، وعروة والقاسم والشعبي وعطاء وابن أبي مليكة، ومجاهد وعكرمة، ومعاذ العدوية، ونافع مولى بن عمر، وخلق كثير. وكانت غزيرة العلم بحيث أن عروة يقول "ما رأيت أحدًا أعلم منها بالطب" وكانت عالمة بالقرآن، وبالفريضة، وبالحلال والحرام، والشعر وكلام العرب والنسب، ﵂ توفيت سنة سبع وخمسين.
وسفيان هو بن عيينة بن ميمون، العلامة الحافظ، شيخ الإسلام أبو محمد الهلالي الكوفي، محدث مولى محمد بن مزاحم، أخي الضحاك بن مزاحم، ولد سنة سبع ومائة، وطلب العلم في صغره، سمع عمرو بن دينار والزهري، وأبا إسحاق والأسود ابن قيس، وأممًا سواهم. وحدث عنه الأعمش وابن جريج وشعبة، وخلق لا يحصون فقد كان خلق كثير يحجون والباعث لهم لقيا بن عيينة! فيزدحمون عليه في أيام الحج وكان إمامًا حجة، حافظًا، واسع العلم، كبير القدر. قال الشافعي "لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز" وقال حرملة "سمعت الشافعي يقول: ما رأيت أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان! " وما رأيت أحدًا أكف عن الفتيا منه! وما رأيت أحدًا أحسن لتفسير الحديث منه!! " مات في جماد الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة.
وأبو عبيدة: هو معمر بن المثنى المصري، اللغوي الحافظ، صاحب
[ ١ / ١٩٨ ]
التصانيف الكثيرة روى عن هشام بن عروة، وأبي عمرو بن العلاء، وروى عنه علي بن المديني، وأبو عثمان المازني وغيرهم. قال الجاحظ "لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة" مات سنة عشر بعد المائتين وقيل غير ذلك.
وبقراط: هو أبو الطب المشهور ولد بجزيرة كوس سنة أربعمائة وستين قبل الميلاد، من أشرف بيت من أسرة فريسامس الملك، وتعلم صناعة الطب من أبيه إيرقليدس، ورأى أن صناعة الطب كادت أن تبيد فأحب يذيعها في جميع الأرض وينقلها إلى سائر الناس، ويعلمها مستحقيها، حتى لا تبيد، إذ كانت صناعة الطب قبله كنزًا أو ذخيرة يكنزها الآباء للأبناء من الملوك والزهاد فقط، يقصدون بها الإحسان إلى الناس بالمجان، ولم يزل كذلك، إلى أن نشأ بقراط وتعلم. وهو أول من دون صناعة الطب وشهرها وأظهرها، وله من المؤلفات في ذلك نحو من ثلاثين كتابًا. وقد توفي سنة ثلاثمائة وخمس وستين قبل الميلاد.
وسيبويه: هو أستاذ النحاة أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر، مولى بن الحارث بن كعب. ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه، حتى كانتا كالتفاحتين، فسيبويه في لغة فارس رائحة التفاح. وهو الإمام العلامة شيخ النحاة، فالناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن وقد شرح بشروح كثيرة. أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه. وأخذ أيضًا عن عيسى بن عمر ويونس بن حبيب، وأبي زيد الأنصاري، وأبي خطاب الأخفش الكبير، وغيرهم. قدم من البصرة أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، ورحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، سنة مائتين وثمانين وقد ناف على الأربعين سنة.
[ ١ / ١٩٩ ]
موجودات الدنيا تشبه موجودات الآخرة
قوله:
إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله تعالى به عن نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الأسماء والصفات، هو حقيقة لنفسه المقدسة، المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به تعالى من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد. ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا، وعسلًا وخمرًا ونحو ذلك. وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله ولا حقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أولى، وأن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته. والإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، وفي الغائب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به: من الجنة والنار علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب وفسرنا ذلك.
وأما نفس الحقيقة المخبر عنها مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وكذلك قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك قبله: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان" فبين أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.
[ ١ / ٢٠٠ ]
ش: يعني إذا عرف أننا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه وعرفت أنواع التأويل وأن منها ما يعلمه العباد وهو التفسير، ومنها مالا يعلمه إلا الله وهو الكيفيات وعرف انقسام الكلام إلى خبر وأمر، وأن تأويل الخبر هو عين وقوع المخبر ووجوده، وتأويل الأمر هو نفس فعل المأمور به.
إذا عرف ذلك كله فإن تأويل ما أخبر الله به عن نفسه هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وهي كنه ذاته وصفاته وتأويل ما أخبر الله به عن الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من البعث والنشور والحساب والجزاء والجنة والنار، فكيفية صفات الله هي التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﷾، وكذلك ما وعد به في الجنة يعلم العباد تفسيره.
وأما حقائقه على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها نحن حتى تكون الساعة، ومن أجل أن من التأويل مالا يعلمه إلا الله، يتعين على المسلم أن يعمل بمحكم السنة ويؤمن بمتشابهها. فما جاء في القرآن الكريم أو حديث الرسول ﷺ وجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه، وفي نصوص القرآن والحديث ألفاظ ومعاني تشبه ما نعلمه في الدنيا، ولكن ليست الحقيقة هي نفس الحقيقة، كما أن هذه الحقيقة ليست مماثلة لتلك الحقيقة، بل بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فأسماء الله وصفاته وأن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه في اللفظ والمعنى الكلي، إلا أن حقيقة الخالق وصفاته ليست كحقيقة المخلوق وصفاته، وكذلك الشأن بالنسبة إلى إخبار الله عن اليوم الآخر ففيها ألفاظ تشبه معانيها ما هو معروف لدينا في الدنيا، إلا أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، ففي الآخرة لبن وعسل وخمر وأنهار من ماء، وفيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة، فبينهما اتفاق في الاسم وفي المعنى الكلي المشترك، بواسطته عرفنا معاني ما خوطبنا به، فإن الإخبار عن الغائب لا يفهم أن لم يعبر عنه
[ ١ / ٢٠١ ]
بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، فنحن نعرف أشياء بحسب الظاهر أو الباطن، ثم إنا بمعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية، فلولا أننا نشهد من أنفسنا جوعًا وعطشًا وشبعًا وريا وحبًا وبغضًا ولذةً ورضًا وسخطًا لم نعرف حقيقة ما خوطبنا به إذا وصف لنا وأخبرنا به وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد من حياة وقدرة وعلم وكلام ونحو ذلك لم نفهم ما نخاطب به وحينئذ فبين موجودات الدنيا وموجودات الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبها فهمنا المراد وأحببناه ورغبنا فيه وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا، بل هي داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وقوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿ أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مصداق ذلك في كتاب الله فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءًا بما كانوا يعملون" وإذا كان هذا في هذين المخلوقين فالأمر في الخالق والمخلوق أعظم، فإن مباينة الله لخلقه وعظمته وكبريائه أعظم وأكبر مما بين مخلوق ومخلوق، فإذا كانت صفات ذلك المخلوق مع مشابهتها لصفات هذا المخلوق بينهما من التفاضل والتباين مالا نعلمه ولا يمكن أن نعلمه في الدنيا بل هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، فصفات الخالق ﷿ أولى أن يكون بينها وبين صفات المخلوق من التباين والتفاضل مالا يعلمه إلا الله ﵎. فنحن نفهم ما أخبرنا الله به من صفات المخلوقين ونعلم تفسيره، ونعلم معنى العسل واللحم واللبن والحرير والذهب والفضة ونفرق بين مسميات هذه الأسماء: وما حقائقها على ما هي عليه فلا يمكن أن نعلمها حتى تكون الساعة، بل هذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ﵎، ولهذا كان قول من قال: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله حقًا، وقول من قال "أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله
[ ١ / ٢٠٢ ]
حقًا" فالذين قالوا: "أنهم يعلمون تأويله، مرادهم بذلك أنهم يعلمون معناه، ومن قال أنهم لا يعرفون تأويله أرادوا به الكيفية الثابتة التي اختص الله بعلمها، ومن أجل ذلك أجاب الإمام مالك من سأله عن الاستواء. وكذلك شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكذلك أم سلمة أجابوا بأن الاستواء معلوم وأن كيفيته مجهولة.
فمعنى الاستواء معلوم وهو التأويل الذي يعلمه الراسخون. والكيفية هي التأويل المجهول لبني آدم وغيرهم. وقد ذكر الشيخ نص جواب مالك، ونص جواب ربيعة، كما ترى. وأما جواب أم سلمة فنصه "عن أم سلمة ﵂ في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: قالت الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر".
[ ١ / ٢٠٣ ]
حديث أسألك بكل أسم هو لك
قوله:
ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو. وقد قال النبي ﷺ: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وهذا في صحيح مسلم وغيره. وقال في الحديث الآخر: "اللهم أني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" والحديث في المسند وصحيح أبي حاتم، وقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، لا يعلمها غيره.
ش: يعني مثل ما جاء عن الإمام مالك وغيره من نفي العلم بكيفية الصفات مع معرفة المعنى وتفسيره، يروى أيضًا عن أئمة السنة: كالإمام أحمد والشافعي وأبي حنيفة وعبد العزيز بن الماجشون ونعيم بن حماد وغيرهم، فإن الجميع يوجد في كلامهم نفي العلم بكيفية الصفات مع إثبات المعنى وتفسيره.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقد استشهد المؤلف على عدم العلم بكيفية الصفات وعدم حصر ما لله من الأسماء والصفات بما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت: "فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه، وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم أني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والضمير في قوله وغيره، راجع إلى صحيح مسلم فقد رواه أيضًا الخمسة من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو بهذا الدعاء في آخر وتره.
كما استشهد المؤلف أيضًا بما رواه أبو حاتم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم أني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحًا" فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها".
قال ابن القيم في شرح هذا الحديث "فجعل أسماءه سبحانه ثلاثة أقسام: قسمًا سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه، وقسمًا أنزل به كتابه وتعرف به إلى عباده، وقسمًا استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه" ومنه قوله ﵇ في حديث الشفاعة "فيفتح من محامده بما لا أحسنه الآن" وتلك المحامد هي بأسمائه وصفاته. وقال ﵀ مبينًا أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث وبين
[ ١ / ٢٠٤ ]
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قال "أن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر" فالكلام جملة واحدة. وقوله "من أحصاها دخل الجنة" صفة لا خبر مستقل، والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا يعني أنه ليس أسماء غيرها، بل هذا مثل قولك: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فإنه لا يعني أنه ليس له مماليك غيرهم أعدهم لغير الجهاد.
ومسلم: هو ابن الحجاج، الإمام الحافظ حجة الإسلام أبو حسين القشيري النيسابوري، صاحب التصانيف ولد سنة مائتين وأربع وأول سماعه سنة مائتين وثماني عشرة، سمع من يحيى بن يحيى التميمي، والقعنبي وأحمد بن يونس اليربوعي، وأحمد بن حنبل وخلق كثير. وروى عنه الترمذي وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، وعبد الرحمن بن أبي حاتم وخلق سواهم. وقد قال محمد من الماسرجس: "سمعت مسلمًاِ يقول: صنفت هذا الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة وهو اثنا عشرة ألف حديث" مات مسلم في رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
وأبو حاتم: هو الإمام الحافظ الكبير محمد بن إدريس بن المنذر الرازي أحد الأعلام، ولد سنة خمس وتسعين ومائة وقال: "كتبت الحديث سنة تسع ومائتين" رحل وهو لا يزال أمرد! فسمع عبيد الله بن موسى، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، والأصمعي، وأبا نعيم، وأممًا سواهم. وبقي في الرحلة مدة قال عن نفسه: "أول ما رحلت أقمت سبع سنين ومشيت على قدمي زيادة على ألفي فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة! " وقد حدث عنه يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عوف الطائي، وأبو داود والنسائي وخلق كثير. قال أحمد بن سلمة
[ ١ / ٢٠٥ ]
الحافظ: "وما رأيت بعد محمد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم" توفي أبو حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين وله اثنتان وثمانون سنة.
[ ١ / ٢٠٦ ]
تعتبر الصفات مترادفة بالنسبة لدلالتها على ذات واحدة ومتباينة من جهة اختلاف المعنى
قوله:
والله سبحانه أخبرنا أنه عليم قدير، سميع بصير، غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته. فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ مثل محمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب. وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن والفرقان والهدى والنور والتنزيل والشفاء وغير ذلك. ومثل هذه الأسماء تتنازع الناس فيها، هل هي من قبيل المترادف – لإتحاد الذات – أو من قبيل المتباين لتعدد الصفات؟ كما إذا قيل: السيف والصارم والمهند، والقصد في الصارم معنى الصرم، زفي المهند النسبة إلى الهند، والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات.
ش: يعني أن الله سبحانه أخبرنا في كتابه العزيز وعلى لسان رسوله ﷺ بأنه متصف بالعلم والقدرة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ ومتصف بالسمع والبصر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ومتصف بالمغفرة والرحمة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ إلى غير ذلك مما ورد من أسمائه وصفاته كوصفه بالغضب والرضا، والمحبة والكلام واليدين
[ ١ / ٢٠٦ ]
والاستواء، ونحن نفهم هذه الصفات ونعرف معانيها ونميز بين بعضها والبعض الآخر. ونعلم أن كلها متفقة من جهة دلالتها على ذات الله سبحانه. فهو الموصوف والمسمى بها، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر مع أن الجميع حق. قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فإذا قيل: الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام، فهي كلها أسماء لمسمى واحد ﷾ وأن كان كل اسم يدل على نعت لله تعالى لا يدل عليه الاسم الآخر.
ولولا أن هذه الأسماء والصفات تدل على معنى مشترك كلي، يقتضي من المواطأة والموافقة والمشابهة ما به نفهم ونثبت هذه المعاني لله، لم نكن قد عرفنا من الله شيئًا. ولا صار في قلوبنا أيمان به ولا علم ولا معرفة ولا محبة ولا إرادة لعبادته ودعائه وسؤاله وتعظيمه.
قال الشيخ ومن فهم هذه الحقائق الشريفة والقواعد الجليلة النافعة، حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأسماء الله وصفاته مترادفة من جهة دلالتها على الذات الواحدة، ومتباينة من جهة تغاير معانيها، وقد استشهد المؤلف على كون الأسماء تكون مترادفة باعتبار ومتباينة باعتبار آخر، بثلاثة أمثلة:
أحدها: أسماء الرسول ﷺ، وثانيها: أسماء القرآن الكريم. وثالثها: أسماء السيف. فمحمد وأحمد والماحي والحاشر والعاقب كلها أسماء تدل على شيء واحد هو ذات الرسول محمد ﷺ. قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ
[ ١ / ٢٠٧ ]
مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائيلَ أني رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ .
وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" والعاقب الذي ليس بعده نبي. وعن حذيفة قال: "سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا محمد وأحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة". والفرقان والقرآن والهدى والنور والشفاء والتنزيل كلها أسماء لشيء واحد هو كتاب الله المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ، مع تبلين معانيها، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ وقال ﷿: ﴿أنا أنزَلْنَاهُ قُرْأنًا عَرَبِيا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ وقال: ﴿وَأنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَأنهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وقول المؤلف "وغير ذلك" يعني كتسميته روحًا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ ووحيا ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ وعربيا ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وبصائر ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ وبيانًا ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ وعلمًا ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وحقًا ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وهاديا ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي﴾ وعجبًا ﴿قُرْآنًا عَجَبًا﴾ وتذكرة ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ وصدقًا ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وعدلا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وأمرًا ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ومناديا ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ وبشرى ﴿هُدىً وَبُشْرَى﴾ ومجيدًا ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ وزبورًا ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ وبشيرًا ونذيرًا ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ وعزيزًا ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ وبلاغًا ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ﴾ وقصصًا ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ .
والسيف: يطلق عليه المهند والصارم وكلها أسماء لشيء واحد، هو
[ ١ / ٢٠٨ ]
الآلة الحادة المعروفة، ومعنى هذه الأسماء متباينة، حيث يلاحظ في المهند النسبة إلى الهند، ويلاحظ في الصارم معنى الصرم وهو القطع، فأسماء الله الحسنى كالأول والآخر، والظاهر والباطن، والرحمن والرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، العليم الحكيم. وأمثال ذلك تدل كلها على ذاته. وهو أحد صمد، ويدل هذا من صفاته على مالا يدل عليه الآخر، فهي متفقة في الدلالة على الذات متنوعة في الدلالة على الصفات.
واعلم أن الأسماء منها ما هو مترادف وهو ما اختلف لفظه واتحد معناه: كالليث والأسد والغضنفر، ومنها ما هو مشترك، وهو ما اتحد لفظه واختلف معناه كالعين والقرؤ، ومنها ما متباين، وهو ما اختلف لفظه ومعناه، كالسماء والأرض، ومنها ما هو متواطئ، وهو ما اتفق لفظه ومعناه.
فإن كان المعنى متساويا في الجميع فهو التواطأ المطلق، وأن كان هذا المعنى متفاوتا متفاضلًا، فهو المتواطئ المشكك، كالرجل لزيد وعمر في الأول وكالنور للشمس والسراج في الثاني.
[ ١ / ٢٠٩ ]
التواطؤ والاشتراك
قوله:
ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يعرف الأحكام والتشابه الذي يعمه، والأحكام والتشابه الذي يخص بعضه. قال تعالى ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فأخبر أنه أحكم آياته كلها. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ﴾ فأخبر أنه كله متشابه. والحكم هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يفصل بين الخصمين، والحكم فصل بين المتشابهات، علمًا وعملًا، إذا ميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك
[ ١ / ٢٠٩ ]
الضار، فيقال: حكمت السيف وأحكمته، إذا أخذت على يديه، وحكمت الدابة وأحكمتها، إذا جعلت لها حكمة، وهي ما أحاط بالحنك من اللجام. وإحكام الشيء إتقانه. فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيات الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله ﴿أن هَذَا القرآن يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . وجعله مفتيا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديا ومبشرًا في قوله: ﴿أن هَذَا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ .
وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كان مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿أنكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ . فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضًا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو عن ملزوماته، إذا لم يكن هناك نسخ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا، فيثبت الشيء تارة وينفيه أخرى أو يأمر به وينهى عنه في وقت واحد، ويفرق بين المتماثلين، فيمدح أحدهما ويذم الآخر.
فالأقوال المختلفة هنا: هي المتضادة. والمتشابهة: هي المتوافقة. وهذا التشابه يكون في المعاني وأن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني
[ ١ / ٢١٠ ]
يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضًا، كان الكلام متشابهًا، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا. فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا ينافي بعضه بعضًا.
ش: يعني ومما يوضح أننا نجهل الكيفيات والحقائق التي استأثر الله بعلمها. ونعلم معاني ما خوطبنا به ونفسره، وأن الأسماء تكون مترادفة من جهة دلالتها على شيء واحد ومتباينة من جهة تغاير معانيها مما يوضح ذلك كله: أن الله سبحانه وصف القرآن كله بأنه محكم، كما في آية هود، ووصفه كله بأنه متشابه كما في آية الزمر.
وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ بين أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فهذه الأوصاف كلها نعوت لشيء واحد هو كتاب الله المنزل على عبده ورسوله محمد ﷺ. ولا منافاة بين وصفه كله بالإحكام ووصفه كله بالتشابه، فإن المراد بإحكامه إتقانه وعدم تطرق النقص والاختلاف إليه، وبتشابهه كون يشبه بعضه بعضًا في الحق والصدق والإعجاز، والمحكم لغة مأخوذة من حكمت الدابة. وأحكمت بمعنى منعت، والحكم: هو الفصل بين الشيئين، فالحاكم يمنع الظالم ويفصل بين الخصمين، ويميز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، ويقال حكمت السفيه وأحكمته إذا أخذت على يده، وحكمت الدابة وأحكمتها، إذا جعلت لها حكمة.
وفسر الحكمة بقوله: "وهي ما أحاط بالحنك من اللجام" لأنها تمنع الفرس عن الاضطراب ومنه الحكمة، لأنها تمنع صاحبها عما لا يليق، وإحكام الشيء إتقانه والمحكم المتقن، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز
[ ١ / ٢١١ ]
الصدق من الكذب في إخباره والرشد من الغي في أوامره. والمحكم منه ما كان كذلك. وقد سمى الله القرآن حكيما كما في آية يونس، كما أنه يقص ويفتي، ويهدي ويبشر، وقد استشهد المؤلف على ذلك بآية يوسف، والنساء، والإسراء، فالقرآن كله محكم أي أنه كلام متقن فصيح يميز بين الحق والباطل والصدق والكذب، وهذا هو الإحكام العام، والمتشابه لغة مأخوذ من التشابه، وهو أن يشبه أحد الشيئين الآخر لما بينهما من التناسب.
وتشابه الكلام هو تماثله وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضا. وقد وصف الله القرآن كله بأنه متشابه على هذا المعنى كرا في آية الزمر. فالقرآن كله متشابه أي يشبه بعضه بعضا في الكمال والجودة، ويصدق بعضه بعضا في المعنى، وهذا هو التشابه العام. وكل من المحكم والمتشابه بمعناه المطلق لا ينافي الآخر. فالقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، وهو متماثل يصدق بعضه بعضا. فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، وإنما يأمر به أو بنظيره أو يلازمه كأمره بالصلاة فإنك لا تجده في موضع آخر ينهى عنها،
وإنما يأمر بها نفسها أو يأمر بنظيرها من العبادات كالزكاة، أو يأمر بشيء من لوازمها كالوضوء، وكذلك الشأن في نواهيه وأخباره. فإذا نهى عن الشرك لم تجده في موضع آخر يأمر به وإنما ينهى عنه أو عن نظيره؟ كنهيه عن ضرب الأمثال له المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ أو ينهى عن شيء من لوازمه: كنهيه عن الوسائل المفضية إليه، وإذا أخبر عمن أطاعه أو عصاه من الأمم وماذا عمل بهم أو أعد لهم لم تجده في موضح آخر ينفي هذا الخبر. كما أنه إذا نفى عن نفسه الند والشريك والسنة والنوم، وأشباه ذلك. لم تجده في موضع آخر يثبت ما نفى. وقوله إذا لم يكن هناك نسخ يعني كما في آية التخير للمقيم بين الصوم والفطر مع الفدية مع أيجاب آية الصوم عزما. وكالوصية للوالدين والأقربين المنسوخة بآية المواريث، وكالصلاة إلى القدس المنسوخة بالتوجه إلى الكعبة.
[ ١ / ٢١٢ ]
والكلام المحكم المتقن تتفق معانيه وأن اختلفت ألفاظه فلا تضاد فيه ولا اختلاف ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا والمراد بالاختلاف التناقض والاضطراب فلا يتناول وجوه القراءات. واختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصف القرآن بالمثاني لتثنية القصص فيه وتكرير المواعظ والأحكام، ولأنه يثنى في التلاوة فلا يمل سامعه ولا يسأم قارؤه.
[ ١ / ٢١٣ ]
التشابه الخاص والاحكام الخاص
قوله:
بخلاف الأحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، والتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله وليس كذلك. والأحكام
هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدها بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما. ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبها عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك! فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث
يشتبه على بعض الناس دون بعض ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله فعلم العلماء أنه ليس مثله وأن كان مشبها له من بعض الوجوه.
ش: بعد أن ذكر المؤلف أنه لا منافاة بين الأحكام العام والتشابه العام، بين أن الأحكام الخاص والتشابه الخاص غير متفقين، بل هما ضدان، وهما المذكور أن في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آيات مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأما الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويلهِ وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
[ ١ / ٢١٣ ]
والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وقد عرف التشابه الخاص بقوله: وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، كما عرف الأحكام الخاص بقوله: والأحكام هو الفصل بينهما والوجه الذي يحصل به الاشتباه هو القدر المشترك بين المشتبهين. أما الوجه الذي تحصل به المخالفة فهو القدر الفارق المميز، فأسماء الله تعالى وصفاته تتفق مع أسماء المخلوقين وصفاتهم في اللفظ وفي المعنى الكلي المشترك. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أنتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال ﷿: ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
فالذين لا يفرقون بين الأمور وأن اتفقت من وجه واختلفت من وجه آخر يظنون أنهم إذا أثبتوا الصفات لله شبهوه بالمخلوقات، ومن الناس من يهتدي لمعرفة ما يحصل به الاشتراك وما يحصل به الاختلاف بين
المتشابهين، وهؤلاء هم الذين اثبتوا له ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ، ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله كما قال ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وحينئذ فالتشابه الخاص إنما يعتبر متشابها بالنسبة لبعض الناس دون بعض وليس في حد ذاته متشابها غير أن ذلك، ومثل المؤلف لذلك: باشتباه موجودات الآخرة، من لبن وعسل، وماء وخمر، وذهب وفضة، وحور ومساكن بموجودات الدنيا.
فإن بعض الناس تشتبه عليهم هذه الأمور فيظنون أن هذه الحقيقة مماثلة لتلك الحقيقة من كل وجه. أما أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فيفهمون من النصوص ما يزيل عنه هذا الاشتباه ويعلمون أن ما أعده الله في دار البقاء والخلود من أنواع النعيم أكمل وأعظم مما يشهدونه في دار الفناء والزوال. وقوله "والتشابه الذي لا يتميز معه" معناه أن التشابه الخاص الذي لا يتضح معه المعنى بسبب ما بين الأمرين المشتبهين من
[ ١ / ٢١٤ ]
القدر المشترك ليس هو في حل ذاته متشابها وإنما يشتبه على بعض الناس دون بعض بخلاف المتشابه لذاته، كحقيقة ذات الله وكنهها وكيفية أسمائه وصفاته وحقيقة المعاد، فإن هذا المتشابه بالنسبة لكل الخلق، إذ هو داخل تحت قوله ﵎: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
[ ١ / ٢١٥ ]
ما من شيئين إلاويشتبهان من وجه ويختلفان من وجه آخر
قوله:
ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل حتى تشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل، والقياس الفاسد، إنما
هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه.
فمن عرف الفصل بين الشيئين، اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد، وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه فلهذا كان ضلال بني
آدم من قبل التشابه. والقياس الفاسد لا ينضبط كما قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطىء الناس من جهة التأويل والقياس فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال: والتأويل الخطأ إنما
يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة.
ش: يعني ومن قبيل الضلال بسبب الاشتباه وعدم معرفة الفرق بين الأمور التي يحصل بينهما اشتراك من وجه واختلاف من وجه آخر، من هذا القبيل الشبه التي سرت في الناس فضلوا بسببها. ثم عرف الشبه
بقوله: "وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل" فهي إذًا أقوال مشتبهة يكون فيها ما يقتضي تناولها الحق والباطل، يعارض أصحابها بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
هذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا وهو منشأ البدع، فإن
[ ١ / ٢١٥ ]
البدعة لو كانت حقًا محضًا لا شوب فيه لكانت موافقة للسنة، ولو كانت باطلا محضًا لم تخف على أحد، ولكن البدعة تشتمل على حق وباطل ولهذا قال تعالى فيما يخاطب به أهل الكتاب على لسان محمد ﷺ ﴿يا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فنهاهم عن لبس الحق بالباطل. ولبسه به خلطه به حتى يلتبس أحدها بالآخر.
وأول شبهة وقعت في الخليقة شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم ﵇
وهي الطين. وانشعبت من هذه الشبهة عدة شبه سرت في أذهان الناس حق صارت مذاهب بدعة وضلال وأصبحت تلك الاعتراضات بمثابة البذور، وظهرت منها الشبهات كالزروع.
فمقالات أهل الزيغ لا تعدو شبهة إبليس وأن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص. هذا ومن جادل نوحا وهودا
وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا وموسى وعيسى ومحمد صلوات اله عليهم أجمعين، كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في إظهار شبهاتهم فحاصلها يرجع إلى دفع التكاليف عن أنفسهم وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف بأسرهم، إذ لا فرق بين قولهم ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ وبين قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ .
فالشيطان لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لزم إجراء حكم الخالق في الخلق، والأول غلو، والثاني تقصير. فثار من الشبهة الأولى مذاهب الحلولية والتناسخية، والمشبهة والغلاة من الروافض
حيث غلوا في حق شخص من الأشخاص حتى وصفوه بصفات الجلال.
[ ١ / ٢١٦ ]
وثار من الشبهة الثانية مذاهب القدرية والجبرية. فالمعتزلة غلوا في توحيدهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات، والروافض غلوا في النبوة والإمامة، حتى وصلوا إلى الحلول. وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان أنهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ .
وقد جاء في الآثار تشبيه كل أمة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السابقة فشبهت القدرية بالمجوس، والمشبهة باليهود، والروافض بالنصارى. وبعد أن عرف المؤلف الشبهات ذكر أن القياس الفاسد من جملتها، وعرفه بقوله لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه ومن أوتي العلم بالفصل بين الأمور المتشابهة لم يلتبس عليه الحق بالباطل.
ومما هو معلوم أن ما من شيئين إلا وبينها اشتباه من وجه، وهو القدر المشترك، وافتراق من وجه آخر، وهو الفارق الذي يزيل الاشتباه؟ وذلك مثل جنس الوحي والتنزيل، قال تعالى: ﴿إنا أوحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أوحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقال ﷿: ﴿وَإن الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أولِيائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإنهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال: ﴿"هَلْ أنبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ . فالكهان والمتنبئون، والأنبياء والمرسلون، قد اشتركوا في جنس الوحي والتنزيل، ولكن مع الفارق المميز بين من هو كاذب في قوله فاجر في عمله، ينزل عليه وحي الشيطان بالخبث والبهتان، ومن هو صادق في قوله، بر في عمله، ينزل عليه وحي الرحمن بواسطة الروح الأمين ليحيي به الأرواح والأبدان، ويرشد به إلى ما يصلح أمور الدنيا والدين، ومثل العرش والبعوض، فكل منهما شيء موجود فهما مشتركان في مسمى الشيء والوجود مع اختلافهما في الذات والصفات.
والخطأ في تأويل النص تفسيره بغير مراد المتكلم به وتحريفه عن
[ ١ / ٢١٧ ]
مواضعه. والخطأ في القياس دعوى مماثلة المعاني للمعاني، لما بينها من القدر المشترك. ووجه خطئهم من جهة التأويل تلاعبهم بالنصوص، وإساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال، وليس لهم على ذلك حجة من كتاب ولا سنة، بل العمدة عندهم نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان. ووجه خطئهم من جهة القياس أنهم أتوا بألفاظ مجملة ليست في الكتاب ولا في السنة مثل متحيز ومحدود، وجسم ومركب، ونحو ذلك وجعلوا منها مقدمات مسلما بها عندهم ومدلولا عليها بنوع قياس،
وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الإعراض؟ أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء، فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل.
والقياس الفاسد لا ينضبط كما أن التأويل الفاسد ليس له قانون مستقيم. وذلك أن كلا منهما غير مرتكز على نقل صحيح أو عقل صريح. والتأويل الخطأ يكون في النصوص المتشابهة؟ وذلك كألفاظ نصوص صفات الله وألفاظ نصوص صفات المخلوقين قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أنتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ فتأولت المبتدعة مدلول نصوص صفات الله لما بين النصوص من التشابه. والقياس الخطأ يكون في المعاني المتشابهة حيث أن كلا من المقيس والمقيس عليه له نصيب من المعنى الكلى المشترك.
[ ١ / ٢١٨ ]
حقيقة مذهب الاتحادية
قوله:
قد وقع بنو آدم ني عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود، فظنوا أنه هو،
[ ١ / ٢١٨ ]
فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه أو متحدا به، أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليه وجود الخالق بوجود المخلوقات كلها، حتى ظنوا وجودها وجوده، فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه. وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فرأوا الوجود واحدا ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع.
ش: يقول المؤلف أن كثيرا من الناس قد وقعوا في حبائل الزيغ والضلال بسبب الاشتباه، حتى آل الأمر. بطائفة من بني آدم تدعي أنها بلغت في توحيد الله غايته، وفي العلم والتحقيق نهايته، أن اشتبه عليهم
وجود رب العالمين بوجود كل موجود، فظنوا أن المخلوق هو عين الخالق مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء من بعد مماثلة الخالق للمخلوق، ولا شيء ابعد من أن يكون متحدًا بشيء من بعد اتحاد الخالق بالمخلوق، ولا شيء أبعد من أن يكون حالا في شيء من بعد حلول الخالق في المخلوق. وجهة غلطهم أنه ظنوا أن الوجود شيء واحد غير منقسم، وهؤلاء هم أهل الإلحاد القائلون بوحدة الوجود، وأنه ما ثم موجود قديم خالق وموجود حادث مخلوق، بل وجود هذا العالم هو عين وجود الله وهو حقيقة وجود هذا العالم. فليس عند القوم رب وعبد، ولا مالك ومملوك، ولا راحم ومرحوم، ولا عابد ومعبود، ولا مستعين ومستعان به ولا هاد ولا مهدي، ولا منعم ومنعم عليه، ولا غضبان ومغضوب عليه، بل الرب هو نفس العبد وحقيقته، والمالك هو عين المملوك، والراحم هو عين المرحوم، والعابد هو نفس المعبود، فما سوى ولا غير بوجه مز الوجوه، وإنما الكائنات أجزاء وأبعاض له، بمنزلة أمواج البحر في البحر وآخر البيت من البيت، ومن شعرهم:
[ ١ / ٢١٩ ]
البحر لاشك عندي في توحده وأن تعدد بالأمواج والزبد
فلا يغرنك ما شاهدت من صور فالواحد الرب سار العين في العدد
وقال ابن عربي الحاتمي شيخ الصوفية الناطق بلسانهم:
العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف
إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب أنى يكلف
على أن ابن عربي متناقض مضطرب في مسألة الاتحاد، فالله أعلم بما مات عليه، وبالجملة فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى من جهة أن أولئك قالوا أن الرب يتحد بعبده الذي قربه واصطفاه بعد أن لم يكون متحدين. وهؤلاء يقولون مازال الرب هو العبد وغيره من المخلوقات ليس هو غيره.
ومن جهة أن أولئك خصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح، وهؤلاء جعلوه ساريا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. فكيف بمن قال أن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس وكل شيء؟ وإذا كان الله قد رد قول اليهود والنصارى لما قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. وقال لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ الآية.
فكيف بمن يزعم أن اليهود والنصارى ما هم إلا عين وجود الرب الخالق؟ ليسوا غيره ولا سواه، ولا يتصور، أن يعذب إلا نفسه، وأن كل ناطق في الكون: فهو عين السامع. والواحد بالعين هو الذي لا يقبل التنويع والتقسيم، بل هو شيء واحد والواحد بالنوع هو الذي يقبل التنويع والتقسيم، فهو جنس تندرج تحته أنواع عديدة. واعلم أن الحلول نوعان كما أن الاتحاد نوعان. فهذه أربعة أقسام:
[ ١ / ٢٢٠ ]
الأول هو الحلول الخاص: وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم، ممن يقولون أن اللاهوت حل في الناسوت كحلول الماء في الإناء، وهو قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: أنه حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته. وغالية النساك: الذين يقولون بالحلول فيمن يعتقدون فيه الولاية.
والثاني هو الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى، حيث يقولون أن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزجا وصارا شيئا واحدا.
الثالث هو الحلول العام: وهو القول الذي ذكره أئمة أهل السنة عن طائفة من الجهمية المتقدمين، الذين يقولون أن الله بذاته في كل مكان، ويتمسكون بمتشابه القرآن كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ والرد على هؤلاء كثير مشهور في كلام أئمة السنة وأهل المعرفة. الرابع الاتحاد العام: وهو قول هؤلاء الملاحدة الذين يزعمون أنه عين وجود الكائنات.
[ ١ / ٢٢١ ]
لفظ الوجود من باب التواطؤ
قوله: وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم التشبيه والتركيب. فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم، من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات. وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة، مثل وبود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك فخالفوا الحس والعقل والشرع. وجعلوا ما في الأذهان ثابتا في الأعيان وهذا كله من نوع الاشتباه.
[ ١ / ٢٢١ ]
ش: هذه طائفة أخرى من بني آدم، وقعت في مأزق الضلال بسبب الاشتباه حيث ظنوا أن الخالق إذا وصف بالوجود والمخلوق يوصف بالوجود لزم التشبيه، ولزم أن يكون الخالق مركبا من الصفة والذات، وهذا تشبيه للخالق بالمخلوق. هذا هو زعم هذه الطائفة من الجهمية والمعتزلة وهو قول واضح الفساد، وبين البطلان، فإن الموجود لا يكون مركبا من ذاته وصفته.
اتفاق الموجودين في مسمى الوجود لا يعني أن يكون وجود أحدهما مثل وجود الأخر كما لا يلزم ذلك في سائر الصفات، وقد سبق بيان هذا في غير هذا الموضع ومن أجل أن هؤلاء لا يمكن أن يجحدوا وجود الله قالوا: أن اشتراك الخالق والمخلوق في الوجود إنما هو من باب الاشتراك اللفظي فخالفوا بهذا القول سائر العقلاء على اختلاف أصنافهم وتباين فنونهم حيث اتفقوا على أن الوجود منقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة، كلفظ سهيل المقول على الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو. فإن تلك لا يقال فيها: أن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: أن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى وعلى هذا المعنى مع العلم بأن المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك. وهذا هو المسمى بالمتواطئ المشكك، وقد تكون متساوية في مواردها وهذا هو المتواطئ العام. فالوجود ونحوه من الأسماء أسماء عامة كلية سواء متواطئة أو مشككة ليست ألفاظا مشتركة اشتراكا لفظيا فقط.
وطائفة من الفلاسفة ضلت أيضا بسبب الاشتباه حيث ظنوا أن الموجودات إذا كانت تشترك في مسمى الوجود لزم أن يكون هناك شيء موجود متشخص تشترك فيه، وهذا غلط واضح فإنه إذا قيل يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقا كليا إلا في
[ ١ / ٢٢٢ ]
الذهن. فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه؟ وكل من الحقيقتين ممتازة عن الأخرى والكليات هي الكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، العرض العام. والقول فيها واحد، فليس فيها ما يوجد في الخارج كليا، ولا تكون مطلقة إلا في الأذهان لا في الأعيان.
والحاصل أن قول هذه الطائفة: بأن الكليات المطلقة مثل وجود ضد عدم، وحيوان ضد جماد، وجسم ضد عرض، وإنسان ضد فرس توجد في الشاهد والعيان. وأن الموجودات إذا كانت مشتركة في مسمى الوجود لزم وجود شيء متشخص تشترك فيه قول باطل، مخالف للمعقول والمحسوس، كما أنه مخالف للنصوص، وهذه الطوائف كلها إنما ضلت بسبب الاشتباه وعدم التفريق، بينما تشترك فيه الموجودات وما يمتاز به بعضها عن بعض.
[ ١ / ٢٢٣ ]
دحض شبهة النصارى في استدلالهم بمثل (إنا) و(نحن) على تعدد الآلهة
قوله:
ومن هداه الله فرق بين الأمور وأن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الفارق
الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق وهذا كما أن لفظ "أنا" و"نحن" وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد له شركاء في الفعل، ويتكلم بها لواحد العظيم الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحد يزيل ما هناك من الاشتباه،
[ ١ / ٢٢٣ ]
وكان ما ذكره من صيغة الجمع مبينا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم.
وأما حقيقة ما دل عليه ذلك هن حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمهم إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ . وهذا تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، بخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء، فقد علم أنه هو وأعوانه، مثل كاتبه وحاجبه وخادمه ونحو ذلك أمروا به، وقد يعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.
والله ﷾ لا بعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الأخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
ش: يقول المؤلف أن من أنار الله بصيرتهم وهداهم لتمييز الحق من الباطل، لا يضلون بسبب ما بين الأمور من اشتباه من بعض الوجوه، وهؤلاء هم العلماء الذين يعرفون ما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويعرفون القدر المشترك بين الشيئين وما يمتاز به كل واحد عن الآخر، فيردون المشكل وغير الواضح إلى قطعي الدلالة وواضح المعنى، فيزول الاشتباه، ويتضح ما بين الشيئين من جهة الجمع وجهة الافتراق بواسطة ردهم المتشابه إلى المحكم.
وكمثال على التشابه الخاص الذي يوضحه المحكم ويزيل ما به من الاشتباه مثل المؤلف بلفظ "إنا" و"نحن" كقوله تعالى: ﴿إنا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
[ ١ / ٢٢٤ ]
مُبِينًا﴾ وقوله: ﴿إنا أنزَلْنَاهُ قُرْأنًا عَرَبِيا﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ونحو ذلك كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ و﴿وَرَفَعْنَا﴾ حيث تمسك النصارى بمثل هذه النصوص، واستدلوا بها على أن الله ثالث ثلاثة! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقد غفلوا عن كون هذه الصيغة في أصل وضعها العربي يتكلم بها الواحد المعظم نفسه، ويتكلم بها الواحد الذي معه شركاء في فعله. فيؤتى لهؤلاء النصارى بالآيات المصرحة بوجدانية الله كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ و﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ إنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ . ونحو ذلك من الآيات المصرحة ببطلان ما يدعون، والمزيلة للاشتباه الذي به يلبسون. فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم المتحدث عن نفسه، وللعظيم الذي له أعوان يطيعونه! فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، وحينئذ فالرب ﵎ يتكلم ب"أنا" و"نحن " لما له من العظمة والجلال. وعديد الأسماء والصفات التي لا يحصيها إلا هو وما له من الجود الذين هم عبيده وتحت قهره يديرهم كيف يشاء فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ . كما وصفهم الله في سورة الأنبياء، فهو سبحانه أحق بالتكلم ب"إنا" و"نحن" ونحو ذلك.
فنحن إذا نفهم مراد الله بقوله: "إنا"و"نحن" وإن كنا نجهل ما دل عليه ذلك من كيفية صفات الله وحقيقة ذاته المقدسة كما نجهل حقيقة ذوات الملائكة وكيفية صفاتهم، ولا نعلم عددهم ولا كيف يأمرهم الله يفعلون. أما الملك من البشر إذا تكلم ب" إنا" و"نحن" فقد يكون مراده
[ ١ / ٢٢٥ ]
قوله:
وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وأن زال الاشتباه بما يميز أحد النوعين، من إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: فيها أنهار من ماء. فهناك قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا. لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلومة لنا. وهو ما أعده الله لعباده الصالحين. مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وكذلك مدلول أسمائه وصفاته الذي يختص بها، التي هي حقيقة لا يعلمها إلا هو.
ش: يعني بهذه الأمثلة التي تقدمت في بحث " إنا" و"نحن" وبحث الوجود، يتبين أن الاشتباه يكون في الألفاظ المتواطئة - وهي المتوافقة لفظا ومعنى كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليس بمتواطئ! بل هي مشتركة اشتراك لفظيا فقط. ويزول الاشتباه الحاصل بين الشيئين، ويتميز أحدها عن الآخر بالنص القاطع. النافي للمماثلة ويزول أيضا بالتعريف
[ ١ / ٢٢٦ ]
والإضافة، فالمضاف إلى الجنة يعرف الفرق بينه وبين حقائق الدنيا بمجرد الإضافة إليها، لأن ما في الجنة أعظم وأكمل مما في الدنيا.
وهكذا المضاف إلى الله يعرف الفرق بينه وبين المضاف إلى المخلوق بمجرد الإضافة! لأن صفات العظيم عظيمة. وكذلك التعريف فيحصل الفرق بين المعلوم المعهود وبين نيره بمجرد التعريف بأل وحينئذ فمعاني أسماء الله وصفاته وما أخبر به عن اليوم الأخر معلومة مفهومة من الخطاب وإن كنا نجهل كيفية ذلك، فإن حقائق ما وعد الله به في الآخرة داخلة في قوله ﵎ في الحديث القدسي: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ونجهل حقائق أسماء الله وصفاته، إذ هذا داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
[ ١ / ٢٢٧ ]
يزول الاشتباه بكل من الاضافة والتعريف
قوله:
ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله. وإنما ذمهم لكونه تأولوه على غير تأويله. وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وأن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفوا مطلق لفظ التأويل كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله فذلك لا يعاب بل يحمد. ويراد بالتأويل الحقيقة التي: استأثر الله بعلمها، فذلك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ش: ومن آجل أن معاني صفات الله معلومة ومراده بكلامه مفهوم، أنكر الإمام أحمد بن حنبل وعثمان الدار مي وابن خزيمة وأمثالهم من أئمة السنة وسلف الأمة أنكروا على الجهمية وأشباههم من الزنادقة، والمعتزلة تحريفهم لكلام الله عن مواضعه، وتأويلهم ما تشابه عليهم من كلام الله على غير تأويله، وقد صنف الإمام أحمد كتابا في الرد على هؤلاء وسماه الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على مني تأويله، فعاب أحمد عليهم أنهم يفسرون القرآن بغير معناه.
ولم يقل أحمد ولا احد من الأئمة أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني آيات الصفات وأحاديثها، ولا قالوا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يعرفوا تفسير القرآن ومعانيه. كيف، وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال تعالى: ﴿كِتابٌ أنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ ولم يقل بعض آياته. وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القرآن﴾ وقال: ﴿فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ .
وأمثال ذلك من النصوص التي تبين أن الله يحب أن يتدبر الناس القرآن كله، وأنه جعله نورا وهدى لعباده، ومحال أن يكون ذلك مما لا يفهم معناه. وهذا الكتاب مما ألفه الإمام أحمد بن حبل في حبسه، وقد ذكره عنه الحلال في كتاب السنة والقاضي أبو يعلى، وأبو الفضل التيمي، وأبو الوفاء بن عقيل وغير واحد من أصحابه، وقد قال في أوله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ! ينفون عن كتاب الله تحريف الضالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على
[ ١ / ٢٢٨ ]
الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.
ومما جاء في هذا الكتاب بصدد الرد على الزنادقة فوله "وأما قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلينَ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ﴾ فقالوا: أن الله قد ذم قوما كانوا يصلون فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ﴾ وقد قال في قوم أنهم إنما دخلوا النار لأنهم لم يكونوا يصلون فشكوا في القرآن من أجل ذلك وزعموا أنه متناقض. قال: وأما قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصلينَ﴾ عنى به المنافقين ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ حتى يذهب الوقت ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ يقول إذا رأوهم صلوا وإذا لم يروهم لم يصلوا، وأما قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصلينَ﴾ يعني الموحدين المؤمنين. فهذا ما شكت فيه الزنادقة. وأما قوله. ﷿: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ ثم قال: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ فشكوا في القرآن وقالوا هذا ينقض بعضه بعضا. فهذا بدأ خلق آدم، خلقه الله أول بدء من تراب ثم من طينة حمراء وسوداء وبيضاء من طينة طيبة وسبخة، فكذلك ذريته طيب وخبيث، أسود وأحمر وأبيض ثم بل التراب فصار طينا. فذلك قوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ فلما لصق الطين بعضه ببعض صار طينا لازبا يعني لاصقا ثم قال ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ يقول مثل الطين إذا عصر أنسل من بين الأصابع ثم نتن فصار حمأ مسنونًا فخلق من الحمأ فلما صار صلصالا كالفخار. يقول صار له صلصلة الفخار، له دوي كدوي الفخار، فهذا بيان خلق آدم.
وأما قوله ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ فهذا بدء خلق ذريته من سلالة بعني النطفة "مهين ضعيف" فهذا ما شكت فيه الزنادقة. وبصدد الرد على الجهمية جاء في قوله: "باب بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على
[ ١ / ٢٢٩ ]
العرش فقلنا لم أنكرتم أن يكون الله على العرش؟ وقد قال جل ثناؤه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال ﴿خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فقالوا هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش؟ فهو على العرش، وفي السموات وفي الأرض، وفي كل مكان لا يخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان وتلوا آية من القرآن ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ فقلنا قد عرف السلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظم الرب شيء. فقالوا: أي مكان؟ قلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من عظم الرب شيء، قد أخبرنا أنه الله في السماء. فقال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وقال: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وقال: ﴿أني مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ وقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وقال: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ .
فهذا إخبار الله اخبرنا أنه في السراء ووجدنا كل شيء أسفل منه حيث يقول الله جل ثناؤه هـ: ﴿أن الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْأنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ وقلنا لهم أتعلمون أن إبليس كان مكانه والشياطين مكانهم؟ فلم يكن الله بمجتمع هو وإبليس في مكان واحد؟ وإنما معنى قوله جل ثناؤه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يقول: هو إله من في السموات واله من في الأرض، وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. فذلك قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أن اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأن اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ انتهى.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وحينئذ، فالإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة لم ينكروا التأويل بالمعنى الذي جاء في الكتاب والسنة وتكلم به سلف الآمة، وهو الكيفية والحقيقة التي يؤول إليها الكلام والتفسير وبيان مراد المتكلم بكلامه فإن هذا لا يذمه أحد من السلف وإنما ذمهم منصب على تأويلات الزنادقة وطوائف الابتداع "حيث حرفوا كلام الله عن مواضعه وصرفوا النص عن معناه إلى غير معناه بغير دليل يوجب ذلك.
وقد بسط المؤلف الكلام على هذه المسألة في غير هذه الرسالة ككتابه "موافقة مريح المعقول لصحيح المنقول " كما أنه ﵀ قد ذكر في أول هذه القاعدة انقسام التأويل إلى ثلاثة أقسام بحسب تعدد
الاصطلاحات وبين أن تأويل أهل التحريف والبدع هو الذي حصل في الكلام من حيث الذم والبطلان.
[ ١ / ٢٣١ ]
اضطراب مقالة الطائفة التي تنفي التأويل وتستدل على بطلانه بقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾
قوله:
ومن لم يعرف هذا، اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون أن التأويل باطل، وأنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل، وهذا تناقض منهم، لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقا. وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو.
وأما التأويل المذموم والباطل: فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحظور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني الق نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقا عكنا كان المنفي مثله، وأن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت مثله.
[ ١ / ٢٣١ ]
ش: المعنى أن من لم يعرف أقسام التأويل ولم يميز صحيحها من فاسدها تناقض في أقواله واضطرب في مقالاته، مثل طائفة من الجهمية والمفوضة تقول: أن التأويل باطل وأنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره وتقول: التأويل باطل بدليل قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فقد تناقضت هذه الطائفة من جهتين
أولا من جهة قولها ببطلان التأويل مع قولها يجب إجراء اللفظ على ظاهره، فإن الجملة الأولى تعني أنه ليس له معنى مفهوم. والجملة الثانية تعني أن ما يسبق إلى العقل ويتبادر إلى الفهم من اللفظ هو مراد اله بكلامه.
ثانيا: قولهم ببطلان التأويل فإنه يتنافى مع استدلالهم بآية آل عمران فإن الآية الكريمة تبين أن له تأويلا ولكن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله وهم ينفون التأويل بجميع معانيه وجهة غلطهم أنهم لم يفهموا تأويل الشيء بمعنى حقيقته وتأويله بمعنى تفسيره وإنما يعرفون التأويل الذي هو صرف النص من مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك فظنوا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يراد به هذا المعنى، وهذا غلط فاحش! فإن هذا التأويل من باب تحريف الكلم عن مواضعه، فهو من جس تأويل القرامطة والباطنية وهو التأويل الذي اتفق سلف الآمة وأثمتها على ذمه وصاحوا بأهله من أقطار الأرض ورموا في آثارهم بالشهب وبهذا يتبين أن القول في بعض صفات الله كالقول في سائرها، وأن القول في صفاته كالقول في ذاته فمن نفى النزول والاستواء أو الرضا والغضب أو العلم والقدرة، أو اسم العليم أو القدير، أو الوصف بالوجود، فرارا بزعمه من التشبيه والتركيب والتجسيم لزمه فيما أثبته نظر ما ألزمه لغيره فيما نفاه هو وأثبته المثبت، وكل ما استدل به على نفى النزول والاستواء والرضا والغضب أمكن منازعة أن يتدلى بنظيره على نفى
[ ١ / ٢٣٢ ]
الإرادة والسر والبصر والقدرة والعلم وكل ما استدل به على نفى القدرة والعلم والسمع والبصر، أمكن منازعة أن يتدل بنظيره على نفى العليم والقدير والسميع والبصير وكل ما استدل به على نفى هذه الأسماء يمكن منازعة أن يتدل به على نفي الموجود والواجب.
والحاصل أن ما نفوه هو من جنس ما أثبتوه من حيث لزوم المحذور أو عدم لزومه، فإن كان المعنى المصروف إليه حقا ممكنا لا يقتضى تشبيها فالمعنى المصروف عنه حق ثابت لا يقتضى تشبيها، وأن كان المصروف عنه باطلا ممتنعا يقتضى تشبيها فالمعنى المصروف إليه مثله.
قوله:
وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقا، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه احد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء. وهذا مع أنه باطل فهو متناقض، لأنا إ ذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لا مكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر، فلا يكون تأويلا.
ولا يجوز نفي دلالته ملى معان لا نعرفها على هذا التقدير. فإن تلك المعان التي دل عليها قد لا تكون عارفين بها، ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلان لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به! فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني ولا يفهم منه معنى أصلا لم يكن مشعرا بما أريد به، فلان لا يكون مشعرا بما لم يرد به أولى
[ ١ / ٢٣٣ ]
فلا يجوز أن يقال: أن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلا عن أن يقال: أن هذا التأويل لا يعلمه لم لا الله. اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق. فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لابد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره.
لكن إذا قال هؤلاء: أنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو أنها مجرى على المعاني الظاهرة منها كانوا متناقضين، وأن أرادوا بالظاهر هنا معنى، في هناك معنى، في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسا. وأن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ. أي تجرى على مجرد اللفظ. الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاء فقد فهم معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب.
ش: الإشارة راجعة إلى الطائفة التي اضطربت وتناقضت بسبب عدم معرفة التأويل وعدم تمييز صحيحه من فاسده، ولهذا نعتها المؤلف بقوله: الذين ينفون التأويل مطلقا ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تأويلهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وإذًا فمراد المؤلف أنه يلزم على قول هذه الطائفة أن يكون الرسول لا يعرف معنى ما أنزل إليه من هذه الآيات، ولا أصحابه يعلمون معنى ذلك، بل لازم قولهم: أنه ﷺ لم يكن يعرف معنى ما تكلم به من أحاديث الصفات، بل يتكلم بكلام لا يعرف معناه.
ولاشك في بطلان ظنهم وفساد لوازم قولهم، فالرسول ﷺ ومتبعوه منزهون عن ذلك، بل مات ﷺ وقد تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
[ ١ / ٢٣٤ ]
والحاصل أنه يلزم من قال هذه المقالة احد ثلاثة لوازم إما أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد لا جبريل الذي نزل به من عند الله، ولا الرسول الذي نزل عليه وحي الله ولا الصحابة الذين تلقوا الوحي عن رسول الله. والثاني: أنا خوطبنا في القرآن بما لا معنى له أصلا، بل هي ألفاظ جوفاء مجردة من المعاني. والثالث: أنا خوطبنا في القرآن بما لا نفهم منه شيئا بل هو عبارة عن ألغاز ورموز لا نفهمها.
والقول بنفي التأويل والاستدلال على نفيه بالآية وما يلزم عليه من لوازم قول باطل ومع بطلانه فهو متناقض. وقد بين المؤلف وجه التناقض بأمرين:
أحدهما: قوله لأنا إذا لم نفهم منه شيئا لم يجز لنا أن نقول له تأويل يحالف الظاهر ولا يوافقه ثم بين وجه ذلك بقوله لإمكان أن يكون له معنى صحيح لا يخالف المعنى المعلوم لنا ثم قال فإنه لا ظاهر له على قولهم فلا تكون دلالته على ذلك المعنى الذي يزعمونه دلالة على خلاف الظاهر. فهم يقولون: التأويل باطل! وهذا يعني أنه لا تأويل له، وحينئذ لا يجوز أن يكون دالًا على معان لا نعرفها على تقدير نفي التأويل لأنا والحالة هذه لا نكون عالمين بمعنى من المعاني أصلًا.
والأمر الثاني: ذكره بقوله "ولأنا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلان لا نفهم ما لا يدل عليه اللفظ أولى" ثم شرح ذلك بقوله "لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعار بما لا يراد به ".
وحينئذ فلا يجوز أن يقال إذ هذا اللفظ مصروف عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح، فإنه لا معنى له أصلًا حيث لم يشعر اللفظ بشيء ولا يقال أيضًا بطريق الأولى: له تأويل لا يعلمه إلا الله لا مكان أن يكون المعنى الظاهر المعلوم لنا بمقتضى اللفظ هو المراد، وحيث قالوا نريد
[ ١ / ٢٣٥ ]
بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين فنصرف النص عن هذا المعنى إلى المعنى اللائق بالله. قيل لهم: لاشك أن النصوص ليست دالة على هذا الظاهر، بل ظاهرها السابق إلى العقل والمتبادر إلى الفهم هو إثبات صفات الله اللائقة به، وليست مماثلة لصفات خلقه، وحينئذ فلها تأويل يخالف هذا المعنى الذي تزعمون أنه ظاهرها.
لكن إذا قالت هذه الطائفة: التأويل باطل، وللنصوص تأويل يخالف ظاهرها، أو قالت: التأويل باطل، وتجرى النصوص على ظاهرها كانت بهذا القول متناقضة، ووجه ذلك أن قولهم: التأويل باطل، معناه ليس للنصوص تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه. وقولهم: لها تأويل يخالف الظاهر معناه أنهم يثبتون أن لها تأويلا. وقولهم تجرى على ظاهرها، معناه إثبات تأويل لها فلا يتفق مع قولهم: التأويل باطل لأن مدلول هذه الكلمة نفي دلالة اللفظ على معنى من المعاني.
وحيث قالوا نريد بالظاهر في قولنا للنصوص تأويلا يخالف الظاهر.
نريد بالظاهر هنا ما يماثل صفات المخلوقين، وفي قولنا: ليس لها تأويل يخالف الظاهر أو تجرى النصوص على ظاهرها. نريد بالظاهر هنا المعنى اللائق بالله حين يقولون هذه المقالة في سياق واحد من غير بيان وإيضاح لمرادهم بكلمة الظاهر في الموضعين كان هذا منهم تدليسا على السامع لأنهم ينفون التأويل مطلقا.
وهذا يعني أنه ليس لها معنى يوافق الظاهر أو يخالفه، وحيث قالوا نريد بالظاهر في قولنا، تجرى على ظاهرها مجرد اللفظ من غير أن يفهم منه معنى كانوا متناقضين لأن قولهم: تجرى على ظاهرها، معناه أنهم حكموا بأن لها معنى. كم أن قولهم: لها تأويل يخالف الظاهر حكم منهم بإثبات معنى من المعاني.
[ ١ / ٢٣٦ ]
الإشارة إلى مراجع الكتاب
وبهذا. يتضح أن فول هذه الطائفة في غاية البطلان والتناقض والفساد، وبتقسيم التأويل إلى ثلاثة أقسام، ومعرفة الصحيح منها من الفاسد يتبين تناقض نفاة الصفاة كالجهمية والمعتزلة، ومثبتي بعضها كالأشاعرة "في باب الأسماء والصفات ".
إلى هنا تم الجزء الأول من التحفة المهدية، شرح الرسالة التدمرية ويليه الجزء الثاني أن شاء الله، وأوله القاعدة السادسة هذا وليعلم الناظر في هذا الشرح أنني قد نقلت تراجم الأعلام من تذكرة الحفاظ للذهبي ووفيات الأعيان لابن خلكان، ومنها شيء يسير من سواهما. كما أنني أيضا في غير التراجم قد أنقل بعض الكلام بنصه دون أن اعزوه إلى صاحبه. وذلك طلبا للاختصار من ناحية ومن ناحية أخرى ليحصل الربط المنسجم بين بعض الكلام والبعض الآخر.
وفي الجزء الثاني سأذكر المراجع بإذن الله تعالى علما بأن معظم هذه المراجع إنما هو كتب صاحب المتن رحمة الله عليه. والله جل وعلا هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[ ١ / ٢٣٧ ]