الاعتماد على الاثبات المجرد عن نفي التشبيه طريقة المشبهة
قوله: القاعدة السادسة
إن لقائل أن يقول لابد في هذا الباب من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز.
فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه. فهذا باطل. وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم. لزمك هذا في سائر ما تثبته.
ش: يقول الشيخ بعد ما سبق من البحث مع طوائف المبتدعة ومناقشتهم إذا سأل أحدا من الناس قائلا ما هو الأصل الذي يعتمد عليه في باب الأسماء والصفات قيل له: لك إن تسأل هذا السؤال وجوابنا عليه هو أن هناك أصلا يعتمد عليه وضابطا يركن إليه وهو الكتاب والسنة فما جاء في القران أو صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من صفات الله ونفي المثيل عنه فهو المعتمد، إما الاعتماد على النفي المجرد عن الإثبات كما هي طريقة المعطلة فلا يكفي، وكذلك الاعتماد على الإثبات المجرد عن نفي التشبيه كما هي طريقة المشبهة فلا يكفي، بل هذا قول فاسد ورأي ليس بسديد، فإنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك "هو المعنى العام" وقدر مميز هو ما يختص به كل منهما وقد سبق الكلام على هذه المسألة: وحينئذ إذا قال المعطل إثبات الصفات يقتضي تشبيه الله بخلقه: قيل له إن أردت أن إثبات الصفات يقتضي تشبيه الله بخلقه: قيل له إن أردت أن إثبات الصفات تقتضي المشابهة من كل وجه فهذه دعوى غير صحيحة، وإن أردت أن المشابهة تحصل من وجه هو الاتفاق في الاسم وفي المعنى العام دون وجه هو ما يمتاز به أحدهما عن الآخر فيجب أن تقول هذا في سائر أسماء الله وصفاته. وهذا الإلزام شامل للأشاعرة والمعتزلة والجهمية، فإن
[ ٢ / ٥ ]
الجميع ينفون شيئا ثابتا بينما يثبتون شيئا يلزمهم فيه نفس المحذور الذي فروا منه كما تقدم. وسبيل المؤمنين في الاعتقاد هو الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه وسمى بها نفسه في كتابه أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها أو نقص منها.
[ ٢ / ٦ ]
معنى التشبيه عند المعطلة
قوله:
وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له، ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من هذا نفي التشابه من بعض الوجوه كما في الأسماء والصفات المتواطئة ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسر بمعنى من المعاني. ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا إنه مشبه ومنازعهم يقول ذلك المعنى ليس من التشبيه.
ش: يعني أنه يقال لمن نفى الصفات زاعما أن إثباتها يقتضي التشبيه يقال له بالإضافة إلى ما سبق أنكم معشر النفاة قد أقمتم البرهان على نفي التشبيه الذي مقتضاه أنه يجب لله ما يجب للمخلوق ويجوز عليه ما يجوز عليه ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ولا شك أن التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول. لفساده ووضوح بطلانه. ولكن إثبات الصفات مع نفي مماثلة الله للمخلوقات ليس من هذا القبيل، وحينئذ فاتفاق الخالق والمخلوق في الاسم وفي المعنى العام لا يقتضي تشبيها ولكن المعطلة اصطلحوا على تسمية تعطيلهم توحيدا، وتسمية توحيد المرسلين تشبيها، فيقال لهؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم: المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة وأجمعت الأنبياء على بطلانه هو أن يكون مع الله آلهة أخرى أو أن يكون لله مثيل أو ند لا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه له الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا.
[ ٢ / ٦ ]
المحذور الذي نفته الأدلة هو أن يكون لله شريك أو مثيل
قوله:
وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبه ممثل، فمن قال: بأن لله علما قديما أو قدرة قديمة كان عندهم مشبها ممثلا لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت له صفة قديمة فقد أثبت لله مثلا قديما ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار، ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا بل يقولون أخص وصفه ما لا يتصف به غيره مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير وأنه إله واحد ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك.
ش: التشابه ليس هو التماثل في اللغة، فتشبيه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضى التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع، فإذا قيل هذا حي عليم قدير وهذا حي عليم قدير فقد تشابها في مسمى الحي والعليم والقدير ولم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلا لهذا المسمى من كل وجه، فهناك ثلاثة أشياء:
أحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما.
والثاني: ما يختص به الرب من الحياة والعلم والقدرة وسائر صفاته.
والثالث: ما يختص به العبد في الحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك فما اختص به الرب ﷿ لا يشركه فيه العبد ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب ولا يستحق شيئا من صفات الكمال التي يختص بها الرب ﷿. وأما القدر المشترك "وهو المعنى الثابت في ذهن الإنسان" فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق فالمماثلة تقتضي المساواة من كل
[ ٢ / ٧ ]
وجه بخلاف المشابهة، وقد يعبر بأحدهما عن الآخر. ولهذا عبر المؤلف بقوله: وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل. والمعتزلة والجهمية ونحوهم اصطلحوا على تسمية إثبات أسماء لله وصفاته تشبيها وتمثيلا. ولذلك قالت المعتزلة: إن أخص وصف الرب هو القدم، وأن ما شاركه في القدم فهو مثله، فإذا أثبت له صفة قديمة لزم التشبيه وكل من أثبت صفة قديمة فهو مشبه. وقوله ونحوهم: يعنى كالجهمية فإنهم قالوا نحن نثبت قديما واحدا ومثبتو الصفات يثبتون عدة قدماء قالوا: والنصارى أثبتوا ثلاثة قدماء مع الله تعالى فكفرهم. فكيف من أثبت سبعة قدماء أو أكثر. قال الشيخ: فانظر إلى هذا التدليس والتلبيس الذي يوهم السامع أنهم أثبتوا قدماء مع الله تعالى وإنما أثبتوا قديما واحدا بصفاته، وصفاته داخلة في مسمى اسمه كما أنهم إنما أثبتوا إلها واحدا ولم يجعلوا كل صفة من صفاته إلها بل هو الإله الواحد بجميع أسمائه وصفاته. وقول الطائفتين متلقى من عباد الأصنام المشركين بالله تعالى المكذبين لرسوله حيث قالوا يدعو محمد إلها واحدا ثم يقول يا الله يا سميع يا بصير فيدعو آلهة متعددة وقد أنزل الله في الرد عليهم: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى﴾ والمعنى أي اسم دعوتموه به فإنما دعوتم المسمى بذلك الاسم فالمعتزلة إذا نفوا الصفات بناء على أنها قديمة والقدم عند أكثرهم أخص أوصاف الإله فحيث أثبتت الصفات صارت مثلا له وكلا الرأيين باطل، فإن أخص أوصافه سبحانه ما لا يتصف به سواه ككونه رب العالمين وعلى كل شيء قدير وبكل شيء عليم وكونه الغني عما سواه والصفة لا تتصف بهذه الخصائص. والصفة لا تكون مثلا للموصوف إذ الموصوف هو الذات القائمة بنفسها والصفة قائمة بها والقائم بغيره لا يكون مثل القائم بنفسه. قال الشيخ وإذا كانت صفة النبي المحدث موافقة له في الحدوث ولم يلزم أن تكون نبيا مثله فكذلك صفة الرب اللازمة له إذا كانت قديمة بقدمه لم يلزم أن تكون إلها مثله. فالمعتزلة مذهبهم نفي صفاته اللازمة لذاته وشبهتهم أنها لو كانت قديمة لكان القديم أكثر من وأحد. وهذا تلبيس فليس
[ ٢ / ٨ ]
بواجب أن تكون صفة الإله إلها. كما أن صفة الإنسان ليست إنسانا ولا صفة النبي نبيا ولا صفة الحيوان حيوانا. فلفظ القديم فيه إجمال فإذا أريد به القائم بنفسه، والفاعل القديم أو الرب القديم ونحو ذلك. فالصفة ليست قديمة بهذا الاعتبار بل هي صفة القديم وإذا أريد ما لا ابتداء له أو ما لم يسبقه عدد مطلقا فالصفة قديمة.
[ ٢ / ٩ ]
من الصفاتيه من لا يصف الصفات بالقدم
قوله:
ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات أنها قديمة بل يقول. الرب بصفاته قديم. ومنهم من يقول هو قديم، وصفته قديمة، ولا يقول هو وصفاته قديمان. ومنهم من يقول هو وصفاته قديمان ولكن يقول ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه. فإن القدر ليس من خصائص الذات المجردة بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلا عن أن تختص بالقدر والصفات متصفة بالقدر.
وليست الصفات إلها ولا ربا كما أن النبي ﷺ محدث وصفاته محدثة، وليست صفاته نبيا.
ش: بعد أن فرغ المؤلف من ذكر شبهة المعتزلة في نفيهم الصفات، وأنهم فروا من ذلك خشية أن يثبتوا قديما مع الله، بين رأي المثبتين في وصف الصفة بالقدم فذكر أن منهم من لا يصف الصفة وإنما يصف الرب بذاته وصفاته بأنه قديم: أما الصفة وحدها فيتحاشا من وصفها به لا شعار ذلك بانفصال الصفة عن الموصوف، ومنهم من لا يرى بأسا بوصف الصفة بالقدم كما يوصف الرب بالقدم مع العلم بأن قدم الصفة تابع لقدم الموصوف، ولكن هذا الصنف يتحاشا من وصف الرب وصفاته بالقدم بصيغة التثنية: فلا يقول الرب وصفاته قديمان لإشعار التثنية بشيء من استقلال أحد المثنيين عن الآخر ولكن يقول الرب قديم وصفته قديمة
[ ٢ / ٩ ]
، ومنهم من لا يرى من قوله الرب وصفاته قديمان بصيغة التثنية لأن الصفة قديمة بقدم الموصوف وليست مثلا له.
وطائفة من المثبتة كابن كلاب لا تقول في الصفات وحدها بأنها قديمة حتى لا تقول بتعدد القدماء بل تقول الله بصفاته قديم كما أن القدم ليس من خصائص الذات المجردة عن الصفات لا وجود لها فضلا عن أن يكون القدم من خصائصها، وقد يقول هذا الصنف الذات متصفة بالقدم والصفة متصفة بالقدم والجميع يعلمون أن الذات المجردة عن الصفات لا وجود لها كما يعلمون أن صفة الذات لا تكون مثلا لها فالقدم يوصف به الله وليس القدم إلها ولا ربا، وكمثال على ذلك ذكر المؤلف أن النبي ﷺ يوصف بأنه مخلوق محدث وصفاته مخلوقة محدثة وليست صفاته نبيا.
[ ٢ / ١٠ ]
اصطلاح المعتزلة والجهمية في مسمى التشبيه
قوله:
فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم التشبيه والتمثيل كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك ثم يقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيها فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية، والقرآن قد نفى مسمى المثل والكفء والند ونحو ذلك ولكن يقولون الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده فلا يدخل في النص. وأما العقل فلم ينف مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة.
ش: الإشارة في قوله فهؤلاء راجعة إلى المعتزلة ونحوهم، والإشارة في قوله أولئك راجعة إلى أهل السنة والجماعة والأشاعرة أيضا فإن الجميع يطلق عليهم لفظ الصفاتية نسبة إلى الصفات فأهل السنة صفاتية
[ ٢ / ١٠ ]
لإثباتهم جميع الصفات والأشاعرة صفاتية بالنسبة لإثباتهم بعضها، والجميع خصوم للمعتزلة والجهمية، والمعنى أن المعتزلة والجهمية إذا أطلقوا على إثبات الصفات اسم التشبيه والتمثيل كان هذا الإطلاق حسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه المثبتون ثم يقول لهم المثبتون: افرضوا أيها النفاة أن إثبات حقائق الأسماء والصفات لله سبحانه قد يسمى في اصطلاحكم تشبيها لله بخلقه، فهذا المعنى لم ينفه دليل صحيح أو عقل صريح، والواجب نفي ما نفاه الكتاب والسنة وإثبات ما أثبته الكتاب والسنة وقد ورد في النصوص الكفء والند والمثل لله، والصفات التي وصف بها الرب نفسه أو وصفه بها رسوله ليست كفؤا له ولا مثلا ولا ندا، فلا تدخل فيما نفته النصوص، فليس في لغة العرب تسمية صفة الموصوف كفؤا أو ندا أو مثلا له، ثم إن العقل الصريح الخالي من لوثة الإلحاد وأمراض الشبه لم ينف أسماء الله وصفاته التي سمت المعتزلة والجهمية إثباتها تشبيها، قال الشيخ: إذا علم الرجل بالعقل أن محمدا رسول الله وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه وأن لا يقدم رأيه على قوله ويعلم أن عقله قاصر بالنسبة إليه وأنه أعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته واليوم الآخر منه، وأن التفاوت الذي بينهما في العلم بذلك أعظم من التفاوت الذي بين العامة وأهل العلم بالطب فإذا كان عقله يوجب أن ينقاد لطبيب يهودي فيما أخبره به من مقدرات الأغذية والأشربة والأضمدة والمسهلات واستعمالها على وجه مخصوص مع ما في ذلك من الكلفة والألم لظنه أن هذا أعلم بهذا منه وأنه إذا صدقه كان ذلك أقرب إلى حصول الشفاء له مع علمه بأن الطبيب يخطئ كثيرا وإن كثيرا من الناس لا يشفى بما يصفه الطبيب بل قد يكون استعماله لما يصفه سببا في هلاكه ومع هذا يقبل قوله ويقلده وإن كان ظنه واجتهاده قد يخالف وصفه، فكيف حال الخلق مع الرسل عليهم الصلاة والسلام؟، والرسل صادقون مصدقون لا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به قط، وأن الذين يعارضون
[ ٢ / ١١ ]
أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال ما لا يحصيه إلا ذو الجلال فكيف يجوز أن يعارض ما لم يخطئ قط بما لم يصب في معارضته له قط؟.
[ ٢ / ١٢ ]
فساد القول بتماثل الأجسام
قوله:
وكذلك أيضا يقولون إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام وهذا هو التشبيه.
ش: يعنى وبالإضافة إلى الشبهة السابقة وهي أن إثبات صفة قديمة لله يلزم منه إثبات مثيل له بالإضافة إلى هذه الشبهة تقول المعتزلة والجهمية: إن الصفات كالحياة والعلم والقدرة والاستواء والعلو والمحبة والرضا لا تقوم إلا بجسم متحيز والأجسام متماثلة فلو أثبتنا لله الصفات للزم أن يكون جسما متحيزا وهذا هو التشبيه. هذا هو تقرير شبهتهم والجواب أن يقال أولا: ما تعنون بالمتحيز هل تعنون به المباين لغيره أم تقصدون به الداخل في الأحياز بحيث تحيط به إحاطة الظرف بالمظروف، فإن عنيتم الأول فهذا المعنى ثابت لله فهو فوق سمواته عال وعلى عرشه مباين لخلقه وإن عنيتم الثاني فالله أعظم وأجل من أن يحوزه شيء من مخلوقاته قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرض جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ويقال لهم ثانيا: ما تعنون بالجسم أتعنون به الذات التي تمكن رؤيتها بالأبصار وتصح الإشارة إليها وتتصف بالحياة والسمع والبصر والوجه واليدين والاستواء ونحو ذلك من الصفات أم تعنون به ما كان مركبا من المادة والصورة أو ما كان مركبا من الجواهر الفردة، فإن عنيتم الأول فهو حق وإن عنيتم الثاني فهو باطل وقد سبق بيان هذا عند الكلام على القاعدة الثانية.
ويقال لهم ثالثا: قولكم بأن الأجسام متماثلة دعوى غير صحيحة،
[ ٢ / ١٢ ]
فمن المعلوم أن الموجودين إذا اشتركا في أن هذا قائم بنفسه لم يكن أحدهما مثلا للأخر وإذا اشتركا في أن هذا لون وهذا لون وهذا طعم وهذا طعم وهذا عرض وهذا عرض لم يكن أحدهما مثلا للآخر، فإذا اشتركا في أن لهذا مقدارا ولهذا مقدارا ولهذا حيزا ومكانا ولهذا حيزا ومكانا كان أولى أن لا يوجب هذا تماثلهما لأن الصفة للموصوف أدخل في حقيقته من القدر للمقدر والمكان للمتمكن والحيز للمتحيز، فإذا كان اشتراكهما فيما هو أدخل في الحقيقة لا يوجب التماثل، فاشتراكهما فيما هو دونه أولى بعدم التماثل، قال الشيخ: فإنا نعلم أن النار والثلج والتراب والخبز والإنسان والشمس والفلك وغير ذلك كلها مشتركة في أنها متحيزة ممتدة في الجهات كما أنها مشتركة في أنها موصوفة بصفات قائمة بها وفي أنها حاملة لتلك الصفات، وما به افترقت وامتاز بعضها عن بعض أعظم مما فيه اشتركت، فالصفات الفارقة بينها الموجبة لاختلافها ومباينة بعضها لبعض أعظم مما يوجب تشابهها ومناسبة بعضها لبعض.
[ ٢ / ١٣ ]
معنى الأفعال الاختيارية
قوله:
وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات. وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون الصفات قد تقوم بما ليس بجسم وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسما، وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه. فلهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه مشبها ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبها كما يقول صاحب الإرشاد وأمثاله. وكذلك يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبويعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو لكن هؤلاء يجعلون "العلو" صفة خبرية كما هو أول قولي القاضي أبي يعلى. فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه. وقد يقولون إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم كما يقولونه في سائر الصفات، والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق.
[ ٢ / ١٣ ]
ش: يعني ومثل المقالة السابقة للمعتزلة والجهمية قول كثير من مثبتة بعض الصفات كالأشاعرة فإنهم هم المراد بالصفاتية هنا فهؤلاء يسمون إثبات ماعدا الصفات السبع تشبيها. كما يقولون ذلك في العلو والاستواء ونحوه من الصفات الاختيارية ويقولون الصفات التي نثبتها يمكن قيامها بغير جسم وأما العلو والاستواء ونحوه فلا يمكن أن يتصف بها إلا ما هو جسم وهذا معنى قول المؤلف ولهذا تجد هؤلاء يسمون من أثبت العلو ونحوه يعني كالاستواء مشبها، ولا يسمون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه يعني كالعلم والقدرة والإرادة والحياة مشبها. ويقولون إثبات هذه الصفات يلزم منه الجسمية والأجسام متماثلة فنفوا تلك الصفات بناء على هذا الزعم. والقاضي أبو يعلى يوافق النفاة في القول بتماثل الأجسام وإن كان يثبت صفة العلو لكنه وأمثاله يقولون إن العلو من الصفات السمعية، فهو كالوجه والعينين واليدين، وهؤلاء الأشاعرة قد يقولون بأن الصفات السبع لا تنافي الجسمية وإن كان الاتصاف بها غير مستلزم لذلك. والعاقل إذا تدبر الأمر وجد الباب وأحدا وأن الكلام فيما أثبتوه وهو الصفات السبع من جنس الكلام فيما نفوه وهو ما عدا الصفات السبع بل ما يقال في أحدهما يقال في الآخر وأفعال الله الاختيارية هي الأمور التي يتصف بها ﷿ فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثل كلامه وسمعه وبصره وإرادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه ومثل خلقه وإحسانه وعدله ومثل استوائه وإتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب والسنة. والإرشاد هو الكتاب المسمى "بالإرشاد إلى قواطع الأدلة" وصاحبه: هو أبو المعالي عبد الملك ابن عبد الله بن يوسف ابن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني المعروف بإمام الحرمين المتوفى سنة ٤٧٨هـ، وقد شرح كتابه المذكور تلميذه أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري المتوفى سنة ٥١٢هـ.
والقاضي أبو يعلى هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد ابن الفراء شيخ الحنابلة في عصره سنة ٤٥٨هـ ذكر له ابنه في طبقات
[ ٢ / ١٤ ]
الحنابلة سبعة وخمسين مصنفا: منها إبطال التأويلات لأخبار الصفات وأربعة ردود على الأشعرية والكرامية والسالمية. وقول المؤلف وأمثاله "يعني" كابن عقيل وأبي الحسن ابن الزاغوني فإنهما يوافقان القاضي على القول بتماثل الأجسام وفي جعل صفة العلو من الصفات الخبرية أما أمثال أبي المعالي فكالقاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي أبى بكر ابن العربي. وقد قال شيخ الإسلام في هؤلاء المذكورين أنه ما من هؤلاء إلا وله في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة - وهم فضلاء عقلاء - احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين وصار الناس بسبب ذلك فيهم فريقين منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل وخيار الأمور أوساطها والله يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات ويتجاوز لهم عن السيئات قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمان وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
والأشعري وأئمة أصحابه كأبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني: متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليد وإبطال تأويلها ليس له في ذلك قولان أصلا.
ولأتباعه في ذلك قولان: وأول من اشتهر عنه نفيها أبو المعالي الجويني. فإنه نفى الصفات الخبرية وله في تأويلها قولان: ففي الإرشاد
[ ٢ / ١٥ ]
أولها ثم إنه في الرسالة النظامية رجع عن ذلك وحرم التأويل: والقاضي أبو يعلى ينفي الصفات الاختيارية في أحد قوليه.
[ ٢ / ١٦ ]
معنى الهيولى
قوله:
وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات مستلزم للتجسيم. والأجسام متماثلة. والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى. وتارة بمنع المقدمة الثانية. وتارة بمنع كل من المقدمتين وتارة بالاستفصال. ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل سواء فسروا الجسم بما يشار إليه أو بالقائم بنفسه أو بالموجود أو بالمركب من الهيولى والصورة ونحو ذلك، فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر الفردة على أنها متماثلة فهذا يبنى على صحة ذلك وعلى إثبات الجوهر الفرد وعلى أنه متماثل. وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك.
ش: يقول الشيخ إن أصل شبهة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأتباعهم هو أن إثبات الصفات يستلزم الجسمية والأجسام متماثلة، والرد عليهم يكون طورا بمنع المقدمة الأولى: وهو أن يقال الاتصاف بالصفات لا يستلزم الجسمية وطورا بمنع المقدمة الثانية، وهو أن يقال قولكم بأن الأجسام متماثلة غير مسلم، وطورا بمنع كل من المقدمتين وذلك بأن يقال: ليس كل متصف بالصفة فهو جسم وليست الأجسام متماثلة: وطورا بالاستفصال عن المراد بالجسم. والجسم بأي تفسير فسروه فلا شك في بطلان قولهم: بأن الأجسام متماثلة فإنه قول مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول: وقول المؤلف أما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة الخ. معناه أنهم حين يفسرون الجسم بأنه المركب من الجواهر الفردة فهذا القول يبنى على صحة كونه مركبا وعلى صحة وجود الجواهر الفرد وعلى صحة تماثل الأجسام. وكل هذه الأقوال ليس مع أصحابها سوى الظنون الكاذبة والشبه الفاسدة ولذلك يخالفهم فيها جماهير العقلاء على اختلاف أصنافهم. والهيولى هي كما قال في "شفاء الغليل فيما في كلام العرب من
[ ٢ / ١٦ ]
الدخيل" عن المزهر في كلام المتكلمين: أصل الشيء فإن يكن من كلام العرب فهو صحيح الاشتقاق. ووزنه فعولى أولا: والصواب أنه لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة وفي الاصطلاح. جوهر في الجسم قابل لما يعرض له من الاتصال والانفصال.
[ ٢ / ١٧ ]
قول الروافض لا ولاء الا ببراء
قوله:
والمقصود هنا أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيما بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم كإطلاق الرافضة "النصب" على من تولى أبا بكر وعمر ﵄ بناء على أن من أحبهما فقد أبغض عليا ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى ولهذا يقول هؤلاء: أن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينا فساد قول من يقول بتماثلها.
ش: يعني وخلاصة القول أن النفاة يطلقون اسم التشبيه على ما يعتقدونه مقتضيا للجسمية وهو إثبات الصفات. وهذا الحكم منهم مبناه على القول بتماثل الأجسام والمثبتون لأسماء الله وصفاته ينازعونهم في هذا الحكم، فليس إثبات الصفات تشبيها بل هو التوحيد وليست الأجسام متماثلة، فليس السماء كالأرض ولا الخبز كاللبن ولا الحديد كاللحم وهكذا سائر الأجسام. ومثل مقالة هؤلاء النفاة مقالة الرافضة وحكمهم بأن من تولى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لآل البيت فإنه حكم باطل ينازعهم فيه أهل السنة والجماعة فإنهم يحمون الجميع ويترضون عنهم ومحبة بعضهم لا تنافي محبة البعض الآخر. ولكن هؤلاء الرافضة جعلوا الأشياء لا تتفق من وجه وتختلف من وجه آخر فعندهم لا ولاء إلا ببراء، ولاشك في أن قولهم من تولى أبا بكر وعمر فقد نصب العداوة لعلي مقدمة باطلة، وأما
[ ٢ / ١٧ ]
قولهم ومن أبغضه فهو ناصبي فهي مقدمة صحيحة فإن من أبغض أحدا من الصحابة فقد نصب العداوة له، وحب أصحاب رسول الله ﷺ جميعا واجب كما ثبتت به النصوص. فإذا قال الرافضي: أنتم ناصبة تنصبون العداوة لآل محمد فإنه يقال له نحن نتولى الصحابة والقرابة فإذا قال لا ولاء ببراء فمن لم يتبرأ من الصحابة لم يتول القرابة بل يكون قد نصب لهم العداوة قيل له هب أن هذا يسمى نصبا فلم قلت أن هذا محرم فإنه لا دلالة على ذم النصب بهذا التفسير كما أنه لا دلالة على ذم الرفض بمعنى موالاة أهل البيت. إذا كان الرجل مواليا لهم. ولقد أحسن القائل:
فإني كما زعموا ناصبي إذا كان نصبا ولاء الصحاب
فلا أبرح الرفض من جانبي وإن كان رفضا ولاء الجميع
والرفض هو بغض أبي بكر وعمر ﵄، قيل للإمام أحمد: "من الرافضي؟، قال: الذي يسب أبا بكر وعمر"، وبهذا سميت الرافضة فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي.
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة فإنه ابتدعه بن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه وادعى العصمة له، ولهذا لما كان مبدؤه من النفاق قال بعض السلف حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما نفاق، واعلم أن الأصل في الحكم على الأشياء وتسميتها هو باعتبار أن الألفاظ نوعان مذكور في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وكلام أهل الإجماع فهذا يجب اعتبار معناه وتعليق الحكم به. فإن كان المذكور به مدحا استحق المدح وإن كان ذما استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته وإن نفي شيئا وجب نفيه لأن كلام الله حق وكلام رسوله حق وكلم أهل الإجماع حق، وحينئذ فمن دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما كاسم الكافر والمنافق والملحد ونحو ذلك ومن دخل في اسم محمود في الشرع كان محمودا كاسم المؤمن والتقي والصديق وما أشبه ذلك.
[ ٢ / ١٨ ]
وأما الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها. والألفاظ التي يعارض فبها النفاة النصوص هي من هذا الضرب كلفظ الجسم والحيز والجهة والجوهر والعرض والتركيب. وقول المؤلف: "وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع" معناه أنه قد استوفى الكلام على مسالة الرفض والنصب كما أوضح القول في بطلان تماثل الأجسام وتهافت حجج القائلين بذلك: والبراهين العقلية والنصوص السمعية الدالة على عدم تماثلها: قد بسط الكلام على هذا في غير هذه الرسالة كما في كتابيه منهاج السنة وموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
[ ٢ / ١٩ ]
من دخل في اسم مذموم في الشرع كان مذموما
قوله:
وأيضا فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل وذلك أنه إذا ثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم. وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم وثبت امتناع الجسم كان هذا وحده كافيا في نفي ذلك لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى "التشبيه" لكن نفي التجسيم يكون مبنيا على نفي هذا التشبيه بأن يقال لو ثبت له كذا وكذا لكان جسما. ثم يقال. والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع. وهذا ممتنع عليه لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدا في نفي التشبيه على نفي التجسيم. فيكون أصل نفيه نفي الجسم. وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
ش: يقول الشيخ بالإضافة إلى ما سبق من الرد على النفاة وإبطال مقدماتهم التي جعلوها أساسا لنفي الصفات يقال لهم: اعتمادكم على نفي التشبيه بطريق نفي الصفات لاستلزامها الجسمية وكون الأجسام متماثلة اعتماد باطل لأنه على فرض أن الأجسام متماثلة فأنتم لا تنفون الصفات إلا بالحجة التي تنفون بها الجسمية وإذا ثبت انتفاء الصفات وانتفاء الجسمية كان هذا وحده كافيا في نفي التشبيه لا يحتاج في الأمر إلى
[ ٢ / ١٩ ]
نفي مدلول التشبيه الذي هو تماثل الجسمين بحيث يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه لكن في هذه الحال يكون من اعتمد على نفي الجسمية لاستلزامها التشبيه نافيا للجسم أولا ثم نافيا للتشبيه لانتفاء الجسمية وهذا مسلك غير المسلك الأول الذي هو الاعتماد في نفي الجسمية على نفي الصفات، وكون الأجسام متماثلة فإن المسلك الأخير هو الاعتماد في نفي التشبيه على امتناع الجسمية فقط: وسيتكلم المؤلف على هذا المسلك عند قوله فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها.
[ ٢ / ٢٠ ]
بيان فساد طريقة المعطلة
قوله:
وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما ينفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو سبحانه مقدس عنه فإن هذه طريقة صحيحة، وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال ونفي مماثلة غيره له فيها فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له وهذا حقيقة التوحيد وهو أن لا يشاركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه، وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيها أحد. ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف الله به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات.
ش: يقول المؤلف إنما المراد في هذا البحث هو بيان فساد طريقة النفاة المعطلة حيث اعتمدوا في نفي مشابهة الله لخلقه على النفي المجرد عن إثبات الصفات، فان هذا طريق فاسد وإنما الطريق الصحيح إثبات حقائق أسماء الله وصفاته ونفي مماثلته لشيء من مخلوقاته: وكونه سبحانه يتفق مع المخلوق في الاسم وفى المعنى الكلي المشترك لا يلزم منه مماثلته لخلقه: فإنه ما من موجودين إلا وبينهما اتفاق من وجه واختلاف من وجه آخر ألا ترى أنه إذا قيل بين الإنسان والفرس تشابه من جهة أن هذا
[ ٢ / ٢٠ ]
حيوان وهذا حيوان واختلاف من جهة أن هذا ناطق وهذا صاهل وغير ذلك من الأمور كان ذلك صحيحا: فإن بين الصفتين من التشابه والاختلاف بحسب ما بين الذاتين: فالله تعالى موصوف بصفات الكمال الذي لا نقص فيه منزه عن صفات النقص مطلقا ومنزه عن أن يماثله غيره في صفات كماله: وحينئذ فإثبات أسماء لله وصفاته مع نفي المماثلة لأحد من مخلوقاته هو محض التوحيد فلا يشركه أحد في خصائصه وأوصافه المضافة إليه وله المثل الأعلى: فكل وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه فهو متصف به على وجه لا يماثله فيه أحد: وكل وصف نقص وعيب فهو منزه عنه: ومن أجل أن الاعتماد في نفي التشبيه على الإثبات البريء من التمثيل والنفي الخالي من التعطيل هو الموافق لصريح كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو مقتضى العقول السليمة والفطر المستقيمة من أجل ذلك كان مذهب سلف الأمة وأئمتها وصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ في النفي والإثبات: فالله ﷾ قد نفى عن نفسه مماثلة المخلوقين فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحد اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحد﴾ فبين سبحانه أنه لم يكن أحد كفوا له: وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ فأنكر أن يكون له سمي وقد بين سبحانه أن لا مثل له في صفاته ولا أفعاله فإن التماثل في الصفات والأفعال يتضمن التماثل في الذات فإن الذاتين المختلفتين يمتنع تماثل صفاتهما وأفعالهما: إذ تماثل الصفات والأفعال يستلزم تماثل الذوات فإن الصفة تابعة للموصوف بها والفعل أيضا تابع لفاعله: بل هو مما يوصف به الفاعل.
[ ٢ / ٢١ ]
من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام لزمه التعطيل المحض
قوله:
فإن قيل إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه من ذلك الوجه. ما جاز عليه ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه، قيل هب أن الأمر كذلك ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب سبحانه ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعا كما إذا
[ ٢ / ٢١ ]
قيل أنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض عباده حيا سميعا عليما بصيرا، قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعا على الرب تعالى، فإن ذلك لا يقتضي حدوثا ولا إمكانا ولا نقصا، ولا شيئا مما ينافي صفات الربوبية وذلك أن القدر المشترك هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم أو السمع أو البصر، أو السميع أو البصير، أو القدرة أو القدير، والقدر المشترك مطلق كلى لا يختص بأحدهما دون الأخر، فلم يقع بينهما اشتراك، لا فيما يختص بالممكن المحدث ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه فإذا كان القدر المشترك الذي فيه صفة كمال كالوجود والحياة والعلم والقدرة ولم يكن في ذلك شيء مما يدل على خصائص المخلوقين. كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق، لم يكن في إثبات هذا محذورا أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا ومن نفي هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود.
ش: يعني أن قال قائل: إن الموجودين إذا تشابها من وجه جاز على أحدهما من ذلك الوجه ما جاز على الآخر ووجب له من ذلك الوجه ما وجب للآخر وامتنع عليه من ذلك الوجه ما امتنع على الآخر قيل له افرض أن ذلك صحيح ولكن إذا كان لازم ذلك القدر المشترك الذي حصل فيه الاتفاق ليس فيه محذور وليس ممتنعا ولا يستلزم نفي صفات كمال ولا إثبات أوصاف نقص كما إذا قيل عن الله سبحانه أنه موجود حي عليم قدير سميع بصير والمخلوق يوصف بهذه الصفات فقد اتفقا في المعنى العام وهو القدر المشترك وهو مدلول الوجود ضد العدم والموجود ضد المعدوم ومدلول الحي ضد الميت والحياة ضد الموت ومدلول العليم ضد الجاهل والعلم ضد الجهل ومدلول القدير ضد العاجز والقدرة ضد العجز. ومدلول السميع ضد الأصم والسمع ضد الصمم ومدلول البصير ضد الأعمى والبصر ضد العمى: فقد اتفقا في مدلول الاسم ومدلول الصفة وذلك هو القدر المشترك
[ ٢ / ٢٢ ]
وهو معنى عام كلي ولم يوجب ذلك أن يشترك المحدث الممكن وهو المخلوق مع الواجب القديم وهو الله سبحانه فيما هو من خصائص أحدهما: بل ما أضيف إلى وأحد منهما فهو مختص به وهو على ما يليق به فإن الصفة تتبع الموصوف: فإذا كان القدر المشترك كما لا نقص فيه: ولم يحصل اشتراك فيما يختص بكل منهما لم يكن في إثبات ذلك القدر محذور؟ بل إثباته من مقتضيات الوجود: فإن الموجودات لابد بينها من الاتفاق في المعنى العام ومن نفى هذا المعنى المشترك لزمه تعطيل سائر الموجودات عن الوجود.
قوله:
ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذه حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة، وكان جهم ينكر أن يسمى الله شيئا، ولربما قالت الجهمية هو شيء لا كالأشياء. فإذا نفى القدر المشترك مطلقا، لزم التعطيل العام، والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى، كالحياة والعلم والقدرة، بل والوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك تجب لوازمها، فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا. بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم، ونحو ذلك، والله سبحانه منزه عن خصائص المخلوقين وملزومات خصائصهم، وهذا الموضع من فهمه فهما جيدا وتدبره زالت عنه عامة الشبهات وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة. وبين فيها: أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدها الأخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله.
[ ٢ / ٢٣ ]
ش: يعني ومن أجل أن من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام يلزمه التعطيل المحض لكل موجود من أجل ذلك كان أهل السنة والجماعة يسمون نفاة صفات الله معطلة: لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله عن الوجود: وكان رأسهم الجهم ينكر أن يسمي الله شيئا زعما منه أن إثبات كون الله شيئا يلزم منه مشابهته لسائر الأشياء، وبعدا وسحقا لتنزيه مدلوله، تعطيل الذات العلية عن الوجود، وأتباع الجهم قد يتحاشون في بعض الأحيان عن قول الجهم بإنكار كون الله شيئا فيقولون هو شيء لا كالأشياء وهذه الكلمة حق فالله سبحانه شيء لا يماثله أحد من خلقه: ولكن يقال لهم هلا أثبتتم أسماء الله وصفاته الواردة في كتابه وعلى لسان رسوله وقلتم بنفي المماثلة كما قلتم أنه شيء لا كالأشياء، والحقائق التي يوصف بها الرب من حياة وعلم وقدرة ووجود وذات ونحو ذلك ككونه شيئا ثابتا هذه الحقائق تجب لوازمها ولوازمها هي صفات الحي الموجود الرب الكامل: فالذات والحقيقة والوجود ملزومات والصفات لازمها: وثبوت الملزوم يوجب ثبوت اللازم ولازم صفات الله الكمال كما أن لازم أوصاف المخلوق النقص: ومن أدرك هذه الحقائق وميّز ما تشترك فيه وما تختلف فيه زالت عنه الشبهة التي التبس عليه الأمر بسببها وانكشف له غلط كثير من الأذكياء الذين غلطوا في باب أسماء الله وصفاته لالتباس هذه الحقائق عليهم والأمور الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها. وإنما الاشتراك في المعنى العام الذي يطلق على هذه الحقيقة وهذه الحقيقة. وليس في الخارج ذات موجودة تشترك فيها الموجودات. أما الموجودات التي في الخارج فبعضها متميز عن بعض في الذات والصفات والأفعال. وقد بسط المؤلف هذا البحث في عدد من كتبه. ومنها رسالته التي رد فيها على أهل القول بوحدة الوجود.
[ ٢ / ٢٤ ]
الاشاعرة يجمعون بين الأمرين المتناقضين
قوله:
ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس متناقضا في هذا المقام،
[ ٢ / ٢٤ ]
فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك حجة فيما يظن نفيه من الصفات، حذرا من ملزومات التشبيه. وتارة يتفطن إلى أنه لابد من إثبات هذا على تقدير فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة.
ش: يقول الشيخ ولكون الموجودات في الخارج يتميز بعضها عن بعض وإنما اشتراكها في المعنى العام الموجود في الذهن لذلك تجد بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة يجمعون بين الأمرين المتناقضين فطورا ينفون الاشتراك في المعنى العام خشية التشبيه ظنا منهم أن الصفات تقتضي المشابهة. فملزومات التشبيه على زعمهم هي الصفات ولازمها هو التشبيه فيجحدونها لهذا الزعم الموهوم. وطورا يثبتون الاتفاق في القدر المشترك بين الخالق والمخلوق وأن ذلك لا يوجب أن تكون الصفة المضافة إلى الله مثل الصفة المضافة إلى المخلوق وإن حصل اشتراك واتفاق في المعنى الكلي كما يقولون ذلك بالنسبة للصفات السبع التي يثبتون. وحينما ينازعهم الجهمي أو المعتزلي في إثباتهم للصفات السبع يجيبونه قائلين: إن الاتفاق في المعنى العام لا يوجب المماثلة. فالله ما يليق به وللمخلوق ما يليق به والقدر المشترك بينهما لا يقتضي المشابهة فيما يخص وأحدا منهما.
[ ٢ / ٢٥ ]
اضطراب أساطين الكلام في المسائل الخمس
قوله:
ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب. هل هو عين ماهيته. أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ ﴿الوجود﴾ مقول بالاشتراك اللفظي أو التواطؤ. أو التشكيك. كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها. وفي أن المعدوم. هل هو شيء أم لا؟
وفي وجود الموجودات. هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر من أئمة النظار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات. فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين. ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها. وتارة
[ ٢ / ٢٥ ]
يبقى في الشك والتحير. وقد بسطنا الكلام في هذه المقامات. وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة بما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة. وبينا أن الصواب هو: أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج. وأن لفظ "الذات" و"الشيء" و"الماهية" و"الحقيقة"﴾ ونحو ذلك. ألفاظ كلها متواطئة. فإذا قيل.. إنها مشككة لتفاضل معانيها. فالمشكك نوع من المتواطىء العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك. سواء كان المعنى متفاضلا في موارده أم متماثلا. وببنا أن المعدوم شيء أيضا في العلم والذهن. لا في الخارج "فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعلم القائم به وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة وصفاتها القائمة بها المعينة فتتشابه بذلك وتختلف به، وأما هذه الجملة المختصرة، فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة من فهمها علم قدر نفعها، وانفتح له. باب الهدى، وأمكنه إغلاق باب الضلال ثم بسطها وشرحها له مقام آخر إذ لكل مقام مقال.
ش: يقول الشيخ ومن أجل حصول الاتفاق بين الموجودات في القدر المشترك، حصل الإشكال في هذه المسائل الخمس وكثر الاضطراب والتناقض من أئمة الفلسفة وأساطين الكلام. فطورا تجد أحدهم يقول في المسالة قولين متناقضين ويحكي عن غيره من أرباب الكلام أقوالا لم تصدر عنهم وطورا يبقى الواحد منهم حائرا لا يستطيع الجزم برأي معين. وذكر المؤلف أنه قد بسط البحث في هذه المسائل في كتبه المطولة وذكر هنا رأيا مختصرا جامعا شافيا في هذه المسائل. وهو كما يلي: أولا: الصحيح أن وجود الرب سبحانه هو عين ماهيته في الخارج بل الصواب أن وجود كل
[ ٢ / ٢٦ ]
موجود في المشاهد هو عين ماهيته فلا فرق بين الوجود والماهية في المشاهدة. بخلاف الماهية التي في الذهن. فإنها مغايرة للموجود في الخارج إذ الماهية التي في الذهن عامة مشتركة والماهية التي في الشاهد معينة خاصة. ثانيا: الصواب في لفظ الذات ولفظ الشيء والماهية ونحو ذلك كالحياة أنها متواطئة لتوافقها في اللفظ والمعنى، ومن أطلق عليها اسم المشكك فهو مصيب. فإن المشكك نوع من المتواطيء فإن الحقائق إما أن تتساوى في محالها وإما أن تتفاضل. فالأول هو التواطؤ العام الذي يلاحظ فيه وجود القدر المشترك بين الحقائق مع قطع النظر عن تساويها أو تفاوتها، والثاني هو المسمى بالمتواطيء المشكك. ثالثا: الصواب أن المعدوم شيء بالنسبة للعلم به وكونه متصورا في الذهن أما أنه موجود في المشاهد فلا. والثبوت والوجود بمعنى وأحد. والوجود الذهني يخالف الوجود في الشاهد والتصور الذهني للشيء ليس هو عين حقيقته وإنما هو تابع للعلم القائم بتلك الحقيقة المعلومة. رابعا: الصواب أن الأحوال لا وجود لها إلا في الذهن أما في المشاهدة فلا يوجد إلا الذوات وصفاتها القائمة بها، والأحوال عند القائلين بها هي كون الصفة قائمة بالذات فهي عبارة عن نسبة الصفة إلى الموصوف. والأحوال تختلف وتتشابه باختلاف الذوات وصفاتها والجواب على المسالة الخامسة هو الجواب على المسالة الأولى فالصواب أن الوجود الخارجي لسائر الموجودات هو عين ماهيتها الخارجية. وبين ﵀ أن هذه الجمل الموجزة التي ذكر في هذه الرسالة المختصرة لا تتسع لبسط القول في هذه المقامة العظيمة. ومقام الاختصار غير مقام الإطالة والإسهاب ولكل مقام مقال كما قرره أهل البيان. وأنا أذكر لك هنا خلاصة مما بسطه المؤلف في غير هذه الرسالة تكون كالتفصيل لما أسلفت من الشرح الموجز لهذه المسائل. فالذي عليه أهل السنة والجماعة وسائر العقلاء أن ماهية كل شيء عين وجوده وأنه ليس وجود الشيء قدرا زائدا على ماهيته بل ليس في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته. قال الشيخ: فيقال إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات
[ ٢ / ٢٧ ]
زائدة عليها، وإن أريد بالذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات وإن كانت زائدة على الذات التي يقدر تجردها عن الصفات. وقد ظن طائفة أن من قال: الوجود متواطيء عام فإنه يقول وجود الخالق زائد على حقيقته وطائفة ظنت أن لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي وهذه مكابرة للعقل فإن هذه الأسماء عامة قابلة للتقسيم كما يقال الموجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم وحادث. ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام. فإن تفاضل المعنى المشترك الكلي لا يمنع أن يكون أصل المعنى مشتركا بين اثنين كما أن معنى السواد مشترك بين هذا السواد وهذا السواد وبعضه أشد من بعض. والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيئا وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء وأحد وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم. قال الله تعالى لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإنسانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ولو كان المعدوم شيئا لكان التقدير لا يظلمون موجودا ولا معدوما: والمعدوم لا يتصور أن يظلموه ونظائر ذلك كثير فمتصورات العقل ومقدراته أوسع مما هو موجود حاصل بذاته كما يتصور المعدومات والممتنعات ويقدر ما لا وجود له البتة مما يمكن أولا يمكن كتصور جبل ياقوت وبحر زئبق وإنسان من ذهب وفرس من حجر فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج بل العالم يعلم الشيء ويتكلم به ويكتبه وليس لذاته في الخارج ثبوت ولا وجود أصلا. قال الشيخ: وإنما نشأ الاشتباه على هؤلاء والله أعلم من حيث رأوا أن الله سبحانه يعلم ما لم يكن قبل كونه وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فرأوا أن المعدوم الذي يخلقه ويتميز في علمه وإرادته وقدرته شيء ثابت وظنوا ذلك التمييز ذات له ثابتة وليس الأمر كذلك وإنما هو متميز في علم الله. والواحد منا يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستحيل
[ ٢ / ٢٨ ]
ويعلم ما كان كآدم والأنبياء ويعلم ما يكون كالقيامة والحساب، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون كما يعلم ما أخبر الله به عن أهل النار في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه﴾ وأنهم ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ وأنه ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ونحو ذلك. فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك وهو ثبوت حقيقتها التي هي هي، فينبغي للعاقل أن يفرق بين ثبوت الشيء ووجوده نفسه وبين ثبوته ووجوده في العلم فإن ذاك هو الوجود الذهني والعلمي وما من شيء إلا له هذان الثبوتان.
[ ٢ / ٢٩ ]
بيان فساد مسلك المعطلة في ردهم
قوله:
والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما ينفى عن الرب وينزه عنه، كما يفعله كثير من المصنفين خطأ لمن تدبر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة.
ش: يعنى والمهم أن الاعتماد في تنزيه الله عن النقائص على نفي صفات الكمال عنه طريق باطل ومسلك غير صحيح كما أن الاعتماد في إثبات الصفات على نفي التشبيه لا يكفي ما لم تكن الصفة واردة في كتاب لله أو سنة رسول الله ﷺ كما سيأتي قريبا إن شاء تعالى.
قوله:
فصل وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه، مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون. انه بكى على الطوفان حتى رمد. وعادته الملائكة والذين يقولون بالإلهية بعض البشر وأنه الله فإن كثيرا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك، ويقولون لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسما أو متحيزا وذلك ممتنع، وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة نفاة الأسماء والصفات.
[ ٢ / ٢٩ ]
ش: يقول الشيخ: وأفسد من الطريق السابق وهو الاعتماد في تنزيه الله على مجرد النفي. أفسد من ذلك الطريق الذي يعتمدون عليه في تنزيه الله عن النقائص والعيوب كالحزن والبكاء واللغوب والقول بأنه استراح بعد خلقه السماوات والأرض والقول بأن يده مغلولة وأشباه هذه الأقوال التي هي من أعظم الكفر وأشنع الضلال. إذا أراد نفاة الصفات أو نفاة بعضها أن ينزهوا الله سبحانه عن هذه النقائص وأن يردوا على أصحابها. اعتمدوا في ردهم على نفي الجسمية والتحيز ونحو ذلك كالتركيب. فمثلا: إذا أرادوا أن يردوا على اليهود القائلين بأن الله بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه ثم عادته الملائكة إلى غير ذلك من أوصاف النقص التي وصفوا الله بها. أو على النصارى القائلين بإلهية عيسى. أو على غلاة الشيعة القائلين بإلهية على. قالوا لو كان الله متصفا بهذه الصفات التي ذكرتم لكان جسما أو متحيزا والله منزه عن أن يكون جسما أو متحيزا. وبسلوكهم هذا المسلك الفاسد. تطاول عليهم الفلاسفة ونحوهم من الملاحدة. قال الشيخ: ومن هنا دخلت الملاحدة الباطنية على المسلمين حتى ردوا عن الإسلام خلقا عظيما فصاروا يقولون لمن نفى شيئا عن الرب مثل من ينفي بعض الصفات، أو جميعها أو الأسماء: لم نفيت هذا؟ فيقول لأن ذلك يستلزم التشبيه والتجسييم فيقولون وهذا اللازم يلزمك فيما أثبته فيحتاج أن يوافقهم على النفي شيئا بعد شيء حتى ينتهي أمره إلى أن لا يعرف الله بقلبه ولا يذكره بلسانه ولا يعبده ولا يدعوه، فالملاحدة ألزموهم في النصوص نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات: فقالوا لهم نحن نعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بمعاد الأبدان وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منه: فكيف يجوز أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به من المعاد وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟
قال الشيخ: ولهذا كان ابن النفيسة المتطبب الفاضل يقول ليس إلا مذهبان مذهب أهل السنة أومذهب الفلاسفة: فأما هؤلاء المتكلمون
[ ٢ / ٣٠ ]
فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف: يعني وأهل السنة أثبتوا كل ما جاء به الرسول وأولئك جعلوا الجميع تخييلا وتوهيما ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء، ومذهب الملاحدة. فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل السنة والجماعة.
[ ٢ / ٣١ ]
أمور أربعة يتضح بهافساد مسلك المعطلة
فساد مسلك المعطلة يتضح في أربعة أمور
قوله: فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه:
أحدها: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام والدليل معرف للمدلول ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود.
الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا. نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال. فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال ومن وصفه بصفات النقص وأحدا ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق وأحد وهذا في غاية الفساد. الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه صفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع. فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة.
ش: يعنى أن الاعتماد في تنزيه الله على نفي التجسيم والتحيز ونحو ذلك لا يحصل به المراد لأمور:
أحدها: أن وصف الرب بهذه الآفات والعيوب أظهر فسادا في المعقول الصريح والمنقول الصحيح من وصفه بالتجسيم والتحيز فإن وصفه
[ ٢ / ٣١ ]
بهذه النقائص أمر واضح الفساد وبين البطلان لكل ذي عقل سليم وفطرة مستقيمة. وكفر صاحبه واضح لا إشكال فيه بينما التجسيم والتحيز والتركيب ألفاظ مجملة تحتمل الحق والباطل لما فيها من الاشتباه وخفاء المراد وحينئذ لا يجوز الاستدلال بما فيه الاشتباه وخفاء على ما هو واضح بين، فشأن الدليل إيضاح المدلول وتعريفه. فهو كالحد الذي يشرح المحدود ويعرفه تعريفا واضحا.
ثانيها: أن الذين يصفون الله بهذه النقائص والعيوب يستطيعون أن يقولوا: نحن نصف الله بهذه الأوصاف دون أن نصفه بالجسمية والتحيز، وإذا أجابوا بهذا الجواب كان النزاع مع من يثبت أوصاف النقص كالنزاع مع من يثبت أوصاف الكمال من كلام وعلم وقدرة إلى غير ذلك من الصفات ويكون رد المعطلة على الجميع وأحدا، بأن يقولوا: لا نصف الله بالصفات الواردة في الكتاب والسنة كما لا نصفه بأوصاف النقص: لأنه لا يتصف بهذه أو تلك إلا جسم متحيز وهذا ممتنع في حق الله، فتبين بهذا فساد الطريق الذي سلكوه في ردهم على من يصف الله بأوصاف النقص.
ثالثها: أن هؤلاء المعطلة ينفون عن الله أوصاف الكمال بهذا الطريق الفاسد في حين أن الرب سبحانه متصف بأوصاف الكمال ونعوت الجلال، كما وردت بذلك النصوص وكما هو مقتضى العقل السليم والفطرة المستقيمة؟ فيكون نفيهم هذا دليلا على فساد طريقتهم: وأنهم لم يستفيدوا بها إحقاق حق وإنما استفادوا إطال ما هو حق ثابت بالعقل والشرع.
قوله:
الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات. كما أن كل من نفى شيئا منهم الزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي. فمثبتة الصفات كالحياة والعلم
[ ٢ / ٣٢ ]
والقدرة والكلام والسمع والبصر. إذا قال لهم النفاة كالمعتزلة هذا تجسيم إن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بالجسم أولانا لا نعرف موصوفا بالصفات إلا جسما قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم أنه حي عليم قدير. وقلتم ليس بجسم وأنتم لا تعلمون موجودا حيا عالما قادرا إلا جسما فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم. فكذلك نحن وقالوا: لم أنتم أثبتم حيا عالما قادرا بلا حياة ولا علم ولا قدرة. وهذا تناقض يعلم بضرورة العقل. ثم هؤلاء المثبتون إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض إلى من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء. وبالوجه واليد ونحو ذلك إذا قالوا: هذا يقتفي التجسيم. لأنا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم.
قالت المثبتة فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام وهذا كهذا. فإذا كان هذا يوصف به الجسم فالأخرى كذلك. وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين.
ش: يقول المؤلف: الرابع من الأمور التي يتضح بها فساد المسلك المذكور: هو أن هؤلاء المبتدعين الرادين على من يصف الله بأوصاف النقص بنفي التجسيم والتحيز متناقضون ومتضاربة أقوالهم فمن يثبت شيئا من الصفات يرد على من ينازعه في إثباتها قائلا: أنت توافقني على إثبات الأسماء، ومن ينفي شيئا من الصفات يقول له من ينفي الصفات كلها: أنت توافقني في نفي شيء من الصفات، ثم شرح الشيخ هذه القضية بمناقشة الأشعري مع المعتزلي بقوله: "فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر إلى آخره"، وخلاصة ذلك أن المعتزلة إذا قالوا للأشاعرة أنتم تثبتون الصفات السبع وهي أعراض والأعراض حادثة فهي لا تقوم إلا بجسم حادث ولا يعلم في المشاهد متصف بالصفات إلا ما هو جسم حادث. قال الأشاعرة: وأنتم أيها المعتزلة تثبتون الأسماء لله مع أنه لا
[ ٢ / ٣٣ ]
يعلم في المشاهد مسمى حيا عليما قديرا إلا ما هو جسم، فقد أثبتم ذلك على خلاف ما تعلمونه في المشاهد، فنحن إذًا نثبت الصفات السبع لله على خلاف ما هو معلوم في المشاهد، ويقولون أيضا أنتم أيها المعتزلة تثبتون أسماء محضة لا تتضمن صفات وهذا معلوم الفساد بالضرورة.، فإن الحي هو المتصف بالحياة، والعليم هو المتصف بالعلم وهكذا سائر الأسماء. ثم إن هؤلاء المثبتين للصفات السبع إذا قالوا لمن يثبت الصفات الذاتية والفعلية والاختيارية والخبرية نحن لا نجد في الشاهد متصفا بهذه الصفات إلا ما هو جسم، والأجسام متماثلة فمن أثبتها لله فقد مثله بخلقه إذا قالوا هذه المقالة قال لهم سائر أهل الإثبات أنتم قد أثبتم الصفات السبع فما نفيتم هو مثل ما أثبتم فإن كان الذي أثبتموه يقتضي الجسمية والمماثلة فالذي نفيتموه مثله وإلا فلا، وحينئذ فتفريقكم بين الصفات السبع وبين ما عداها تفريق بين متماثلين، وهذا خلاف ما تقتضيه المعقولات بل هو خلاف المعقول والمنقول وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
قوله:
ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقا فاسدا لم يسلكه أحد من السلف ولا الأئمة، فلم ينطق أحد منهم في وصف الله بالجسم لا نفيا ولا إثباتا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك، لأنها عبارات مجملة لا تحق حقا ولا تبطل باطلا، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على إليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتدع الذي أنكره السلف والأئمة.
ش: يقول الشيخ: ومن أجل أن رد المبتدعة على من يصف الله بالبكاء والحزن ونحو ذلك من صفات النقص، بأن هذه الأوصاف لا تقوم إلا بجسم متحيز، من أجل أن هذا الطريق طريق غير صحيح لم يسلكه أحد من سلف الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة السنة، فلم يقولوا بأن
[ ٢ / ٣٤ ]
الله جسم أو ليس بجسم. وهكذا بالنسبة للجوهر والتحيز ونحوه كالتركيب والعرض، وذلك أن هذه ألفاظ مستحدثة مجملة لا يحصل بواسطتها بيان حق ولا دحض باطل، لذلك لم ترد في القرآن العزيز في رد الله سبحانه على اليهود والنصارى والمشركين الذين نسبوا إليه النقائص والعيوب التي يتقدس عنها، وسلف الأمة وأئمة السنة قد أنكروا على المبتدعين هذه الألفاظ المجملة وبينوا ما تحتها من المعاني التي يقصدونها وقد تقدم ذلك.
[ ٢ / ٣٥ ]
الأعتماد على مجرد نفي التشبيه لا يكفي في إثبات الصفات
فصل: قوله:
وأما في طرق الإثبات، فمعلوم أيضا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف سبحانه من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه. وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم. ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم. ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم كما قيل له وجه كوجوههم. ويدان لا كأيديهم حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فإنه يقال: لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات، ما الفرق بين هذا وما أثبته إذا نفيت التشبيه وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيا في الإثبات؟ فلابد من إثبات فرق في نفس الأمر.
ش: يعنى أن الاعتماد في إثبات الصفات لله لا يكفي فيه مجرد نفي التشبيه: فلا يقال نصف الله بكل وصف حتى ولو كان غير وارد، مادمنا ننفي مشابهته لخلقه، فهذا الطريق لا يكفي لما يترتب عليه من اللوازم الباطلة، إذ لو كان الأمر كذلك لجاز أن يوصف الرب بما يمتنع عليه من أوصاف النقص كأن يقال له بكاء وحزن وجوع وعطش وأكل وشرب لا يماثل ما يختص بالمخلوقين، كما يوصف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والمحبة والرضا والوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الواردة في الكتاب والسنة، أو لجاز أن يقال: له أعضاء كما أن للمخلوق أعضاء دون
[ ٢ / ٣٦ ]
أن يكون ما يختص بالله مماثلا لما يختص بالمخلوق الفقير المحدث. ولو كان الاعتماد في الإثبات يكفي فيه النفي المجرد عن التشبيه، لقيل لمن ينفي أوصاف النقص عن الله ويثبت له أسماءه الحسنى وصفاته العليا دون تفريق بين بعضها والبعض الآخر: ما الفرق بين ما نفيت وبين ما أثبت، مادام أن العمدة في الإثبات هو مجرد نفي التشبيه دون اعتبار آخر؟ وحينئذ فلابد من فارق ثابت بين ما يجوز إثباته لله وما لا يجوز. وأنت خبير بأن الفارق هو ورود الوصف أو عدم وروده، وما يليق بالله وما لا يليق به كما سيأتي.
قوله:
فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع فما جاء به السمع أثبته دون ما لم يجئ به السمع. قيل له: أولا: السمع هو خبر الصادق عن ما هو الأمر عليه في نفسه. فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات. والخبر دليل على المخبر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه. فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتا في نفس الأمر وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن نفاه. ومعلوم أن السمع لم ينف هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلابد في ذكره ما ينفيها من السمع وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها. وأيضا فلابد في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وبين ما ينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض في الجواز والوجوب والامتناع، فلابد من اختصاص المنفي عن المثبت بما يخصه بالنفي ولابد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.
وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لابد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله كما أنه لابد من أمر يثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيا كان مخبرا عما هو الأمر عليه في نفسه. فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟. فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة لله فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد
[ ٢ / ٣٧ ]
الضدين يستلزم نفي الآخر فإذا علم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم، علم امتناع العدم والحدوث عليه، وعلم أنه غني عما سواه. فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه لنفسه ليس هو موجودا بنفسه، بل وجوده بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه. فلا يوجد إلا به وهو سبحانه غني عن كل ما سواه. فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه وهو سبحانه قدير فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه وهو سبحانه حي قيوم فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه.
ش: يعني أن المثبت للأسماء والصفات النافي لصفات النقص قد يعترض عليه من يثبت لله أوصافا كالأكل والشرب والعطش والجوع وشبه ذلك من أوصاف لا تليق به، إذا قال المثبت العمدة في هذا الباب على السمع فما ورد في السمع أثبتناه، وما لم يرد به السمع لم يكف في إثباته مجرد نفي التشبيه. إذا قال هذا القول قال له المعترض: السمع هو خبر الله أو خبر رسوله عن ما الأمر عليه في الواقع، فما ورد في الكتاب أو السنة من نفي أو إثبات فهو حق يجب تصديقه دون أن ننفي ما لم ينف كما لم نثبت ما لم يثبت، فإن الدليل دال على المخبر عنه، وحال الدليل أنه لا ينعكس فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول. فمثلا: ما لم يرد السمع بنفيه يجوز أن يكون في الواقع ثابتا لله مادام أن السمع لم يرد بنفيه، ومن المعلوم أن النصوص لم تنف الأكل والشرب والبكاء والحزن ونحو ذلك بأسمائها الخاصة بها فلابد والحالة هذه من ورود نفي هذه الصفات بأسمائها وإلا فلا يجوز الحكم بنفيها كما قلتم لنا بأنه لا يجوز إثباتها لله. ويقول المعترض بالإضافة إلى ما سبق لابد من أمر يميز لنا بين الأشياء التي يجوز إثباتها لله وما لا يجوز إثباته، ويميز لنا بين الأشياء التي تنفى عن الله وبين الأشياء التي لا يصح نفيها، فإن الثبوت والنفي متماثلان فيما يجب ويجوز ويمتنع فلابد من فارق يميز الإثبات عن النفي والنفي عن الإثبات وإلا فلا يجوز حينئذ أن ننفي شيئا غير منفي في النص كما لا يجوز أن نثبت شيئا غير وارد
[ ٢ / ٣٨ ]
فيه. وبعبارة أصرح قد يعبر عما سبق بأن يقال: لابد من اعتبار يحتم ما يجب إثباته لله ويحتم ما يجب نفيه عنه، وإن كان النص كافيا في ذلك كان خبره مطابقا لما الأمر عليه في نفس الواقع، وحينئذ فما الفرق بين نفي ما ينفى وإثبات ما يثبت؟ فكما تقولون يجب أن لا يثبت لله إلا ما ورد في النص فقولوا لا ينفى عن الله إلا ما جاء السمع بنفيه. هذا حاصل كلام المعترض فيقال ردا عليهم ودحضا لباطلهم: كل ما نافى صفات الكمال فهو منفي عن الله، فإن إثبات الشيء نفي لضده، كما أن نفي الشيء إثبات لضده. فمثلا: هو سبحانه موصوف بالوجود والأولية والغنى والحياة والقيومية والقدرة والقوة وإثبات هذه الأوصاف مستلزم لنفي أضدادها.
[ ٢ / ٣٩ ]
اعتراض المعتزلة على الأشاعرة
قوله:
وبالجملة. فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفء فإن إثبات الشيء نفي لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه، فطرق العلم بنفي ما ينزه عنه الرب متسعة لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم. كما فعله أهل القصور والتقصير الذين تناقضوا في ذلك وفرقوا بين المتماثلين، حتى أن كل من أثبت شيئا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبه، وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور، حتى نفوا النفي والإثبات، فقالوا: لا يقال لا موجود ولا ليس بموجود ولا حي، ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم، فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعا، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم مما فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عما هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.
[ ٢ / ٣٩ ]
ش: بعد أن مثل المؤلف بصفة الوجود والأولية والغنى المطلق والقوة والقدرة والحياة والقيومية وأن إثبات هذه الأوصاف مستلزم لنفي أضدادها أردف يقول: ومجمل القول أنه قد ورد في النصوص من أسماء الله الحسنى وأوصافه العليا ما هو ثابت معلوم، وإثبات ذلك مستلزم لنفي ضده كالعلم مع الجهل والكلام مع الخرس والسمع مع الصمم وأشباه ذلك ونفي الشيء إثبات لضده كالظلم مع العدل ونفي المثيل والكفء والشريك إثبات للوحدانية والتفرد بالخلق والتدبير والكمال المطلق: فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه ولقد أحسن القائل:
والضدُّ يظهرُ حسنَه الضدُّ وبِضِدِّها تتبينُ الأشياءُ
وسيأتي بعد هذا في كلام الشيخ أمثلة توضح هذا المقام، والعاقل بما وهبه الله من عقل سليم يدرك ذلك فهي قضية بدهية ضرورية، وحينئذ فطرق تنزيه الله عما لا يليق به متعددة ليست منحصرة فيما يدعيه أهل الجهل والتفريط من أن نفي التشبيه يكفي في إثبات ما لم يرد من الصفات، أو أنه يعتمد عليه في نفي ما ورد بحجة التنزيه كما هي طريقة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وأضرابهم. فقد أثبت البعض شيئا ونفى شيئا والبعض منهم نفى الجميع، ولاشك أن هذه الطوائف قد تناقضت في مقالاتها وفرقت بين الأمور المتماثلة في الحكم. وأخذ بعضها يحتج على البعض الآخر بما يوافقه فيه. ثم إنهم لم يستفيدوا من دعوى التنزيه ونفي التشبيه إلا تنقص رب العالمين وتشبيهه بالناقصات، فقد فروا من تشبيهه سبحانه بالأحياء الكاملين، على زعمهم أن إثبات صفاته تشبيه، فوقعوا في التشبيه بالجماد والمعدوم والممتنع، شأنهم في ذلك شأن القرامطة النافين الإثبات والنفي، زعما منهم أن الإثبات يلزم منه التشبيه بالموجودات والنفي يلزم منه التشبيه بالمعدومات، فوقعوا في تشبيهه بالممتنعات. وحينئذ فتنزيه الله عما لا يليق به لا يكون بوصفه بأوصاف النقص، كما لا يكون بنفي أوصاف الكمال.
[ ٢ / ٤٠ ]
سورة (قل هو الله أحد): هي نسب القرآن
قوله:
وقد تقدم أن نفي ما ينفي عنه سبحانه، نفي متضمن للنفي والإثبات إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس هذا مدحا، لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقا كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه الرب ﵎ والنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك، فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسنة ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، وكذلك اللغوب نقص في القدرة والقوة، وأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك تتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته وأفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيا عنه بنفسه فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب، ولهذا كانت الملائكة صمدا لا تأكل ولا تشرب، وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه المخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك، والسمع قد نفى ذلك في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهذه السورة هي نسب الرحمن، أو هي الأصل في هذا الباب. وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾، فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى. والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل، إذ ذاك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل، وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك
[ ٢ / ٤١ ]
وأسبابه. وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم الضعف والعجز الذي ينزه عنه سبحانه، وبخلاف الفرح والغضب، فإنه من صفات الكمال. فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم، فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن وبالضحك دون البكاء ونحو ذلك.
ش: يقول الشيخ: قد تقدم يعني في القاعدة الأولى، أن جميع ما وصف لله به نفسه من النفي فهو متضمن لنفي أوصاف النقص وإثبات أوصاف الكمال. فنفي السنة والنوم واللغوب وكونه لا يؤوده حفظ السماوات والأرض ولا يعزب عنه شيء وكونه يرى ولا يحاط به رؤية، كل ذلك نفي متضمن لإثبات الكمال، ونفي ما يضاد هذه الحال، وهكذا القول في سائر ما ورد، وحينئذ فالنفي المحض ليس بشيء، ولهذا يوصف به المعدوم والمعدوم لا يشبه الموجودات وليس ذلك مدحا له لأن مشابهة الناقص نقص بكل حال كما أن المماثلة لشيء من الموجودات فيه مشابهة ومماثلة للغير، وذلك نقص كما أن عدم المماثلة كمال. ولذلك يوصف الرب بأوصاف الكمال دون أضدادها كما يتنزه ويتقدس عن الشبيه والمثال. ثم سرد المؤلف أمثلة لأوصاف الكمال المستلزمة لنفي أضدادها، ونفي أوصاف النقص المستلزمة لإثبات أضدادها فقال: "وذلك أنه قد علم أنه حي والموت ضد ذلك فهو منزه عنه" إلى قوله: "والأكل والشرب فيه افتقار إلى موجود غيره" يعني ففي إثبات هذه الصفات نفي لأضدادها ولما يستلزم أضدادها. وقوله: "والآكل والشارب أجوف والمصمت الصمد أكمل من الآكل والشارب " إلى قوله: "فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأحرى" معناه: إذا عرف أن من اعتضد بغيره واستعان به في أن يحمله أو يقضي حوائجه فهو مفتقر إلى ذلك الغير، فمن يأكل ويشرب مفتقر إلى الأكل والشرب لتقوم به ذاته ويقوى به. والمصمت أكمل من الأجوف لعدم افتقاره إلى
[ ٢ / ٤٢ ]
وقوله: "وهذه السورة، هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب " يعني: كما أخرج الإمام أحمد وابن خزيمة والبيهقي في "الأسماء والصفات " عن أبي ابن كعب أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: "يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ "ليس شيء يولد إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ "لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله
[ ٢ / ٤٣ ]
شيء" وروى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ بعث رجلا في سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟! فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال: أخبروه أن الله تعالى يحبه ".
قوله:
وأيضا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفء له ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيعلم قطعا أنه ليس من جنس المخلوقات لا الملائكة ولا السموات، ولا الكواكب ولا الهواء، ولا الماء ولا الأرض ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم ولا غير ذلك بل يعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر. فإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى ووجب لها ما يجب لها: فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذلك من الوجوب والغنى فيكون الشيء الواحد واجب بنفسه غير واجب بنفسه موجودا معدوما، وذلك جمع بين النقيضين. وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون بصر كبصري، أو يد كيدي ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له ولا ما ينزه عنه واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيا وإثباتا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته والله أعلم.
[ ٢ / ٤٤ ]
ش: يعني أن العقل السليم يدرك أن الرب الخالق للكون بأسره لا بد أن يكون متصفا بالكمال ومنزها عن النقص، كما أن السمع قد ورد بذلك فيعلم بالضرورة من العقل والسمع أن ذات الله سبحانه ليست كذوات المخلوقين ولا صفاته كصفاتهم فليس كشيء من الموجودات من سماء أو ملائكة أو أبدان آدميين أو أرواحهم أو غير ذلك، ويعلم علما يقينيا أن مباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة مخلوق لمخلوق، فإذا كان بعض الموجودات لا يماثل بعضا فالمباينة التي بين الخالق والمخلوق أعظم من ذلك. فإذا انتفت المماثلة بين مخلوق ومخلوق فانتفاؤها بين الخالق والمخلوق بطريق الأولى، والحقيقتان إذا تماثلتا جاز على إحداهما ما يجوز على الأخرى ووجب لها ما وجب لها، فلو تماثل الخالق والمخلوق لجاز على الله ما يجوز على المخلوق من العدم والحدوث والافتقار، ووجب للمخلوق ما يجب للخالق من البقاء والقيومية والغنى المطلق ووجوب الوجود، وحينئذ فيكون كل منهما واجب الوجود ليس واجب الوجود، غني عما سواه غير غني عما سواه، باقيا ليس باقيا وهكذا. وحينئذ فيلزم الجمع بين النقيضين وذلك ممتنع، وبهذا يعلم أن قول المشبه: لله سمع وبصر ويد واستواء كسمعي وبصري ويدي واستوائي ونحو ذلك قول واضح الفساد، حيث يلزم منه أن يجوز على الخالق ما يجوز على المخلوق ويجب له ما يجب له، وليس القصد في هذه الرسالة المختصرة استيعاب طرق النفي والإثبات، فمحل بسط ذلك هو المطولات وإنما المقصود هنا لفت النظر إلى ضوابط وقواعد نافعة مع لفت النظر والتنبيه إلى طرق النفي والإثبات الواجبين لله، وإذا عرف هذا فما أثبته الشرع وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه وما سكت عنه فلم يثبته ولم ينفه فإن كان في العقل ما يثبته ككونه وصف كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه أثبتناه ضمن المثل الأعلى وإن كان في العقل ما ينفيه ككونه وصف نقص نفيناه ضمن المثل الأعلى أيضا، وإن لم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه فلم نثبته ولم ننفه والله جل وعلا متصف بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله وهو أعلم بما يستحقه مما علمنا وما لم نعلم من
[ ٢ / ٤٥ ]
أوصاف الكمال ونعوت الجلال.
[ ٢ / ٤٦ ]
اشارة الشارح إلى القاعدة السابعة
إلى هنا تمت القواعد الست الموجودة في النسخ المتداولة، وقد وجد البحاثة النجدي الشيخ عبد الرحمن بن قاسم نسخة لمتن التدمرية بمكتبة الآلوسي بالعراق، ولما جمع فتاوى ابن تيمية ورتبها وطبع المجموع كان فيه متن التدمرية وكان ضمنه قاعدة سابعة اشتملت عليها الخاتمة الجامعة، وقد رقم الشيخ ابن قاسم لهذه القاعدة بالحروف الأبجدية إشارة إلى أنها ليست من صلب التدمرية في النسخ المعتمدة.
وكنت قد عزمت على شرحها وضمها إلى القواعد الست وبعد النظر والتأمل فيها وجدتها غير خالية من سقط في الكلمات وارتباك في التعبير في بعض المواضع. وظهر لي أنها ربما كانت موجودة في نسخة مسودة. ثم بيضت الرسالله بدونها ولهذا نجدها لم ترد في النسخ المشهورة والمتداولة بين الناس بل أهملت ولم تذكر، ومن أجل ذلك عدلت إلى إغفالها وعدم ضمها إلى أخواتها في هذا الشرح. على أن جل ما فيها قد وردت زبدته في كلام الشيخ في موضعين، أحدهما عند قوله في الأصل الأول: "فإن قال أنا أنفي النفي والإثبات قيل له فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات" إلى قوله: "فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم، هو أعظم الممتنعات وهذا غاية التناقض والفساد".
والثاني عند قوله: في القاعدة الأولى:
"ومن قال أنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم لزمه أن يكون ميتا أصم أعمى أبكم" إلى قوله:
"واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصاله بالنقيضين حتى يقولون ليس بموجود ولا ليس بموجود ولا حي ولا ليس بحي، ومعلوم أن الخلو من النقيضين ممتنع في بدائه العقول. كالجمع بين النقيضين، والله الموفق للصواب".
[ ٢ / ٤٦ ]
الأصل الثاني من نوعي التوحيد
قوله:
وأما الأصل الثاني وهو التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعا فنقول لابد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، وقدر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرض إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ويجب الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه.
ش: هذا شروع في بيان الأصل الثاني من نوعي التوحيد وهو توحيد الشرع والقدر، وقد سبق الكلام في أنهما متلازمان وأنه لابد من الإيمان بالشرع والقدر إيمانا خاليا من الزلل، وكما أنه لابد في الأصل الأول من أمرين وهما إثبات ما أثبته الله ورسوله من أوصاف الكمال ونفي ما يجب نفيه مما يضاد هذه الحال، فلابد أيضا في باب شرع الله وتقديره من أمرين:
أحدهما: الإيمان بربوبية الله الشاملة وأنه خالق كل شيء ومليكه. وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا تحول للخلق من حال إلى حال ولا قوة لهم إلا به وأنه العليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، يعلم ما كان قبل كونه وما لم يكن لوكان كيف يكون، علم ما العباد فاعلون وكتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض، فإنه لا يكون إلها مستحقا للعبادة إلا من كان خالقا رازقا مالكا متصرفا مدبرا لجميع الأمور حيا قيوما
[ ٢ / ٤٧ ]
سميعا بصيرا عليما حكيما موصوفا بكل كمال منزها عن كل نقص غنيا عما سواه، مفتقرا إليه كل ما عداه، فاعلا مختارا لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا تخفى عليه خافية. والثاني: أنه لابد من الإيمان بأنه سبحانه شرع الشرائع وأمر العباد ونهاهم، ليطيعوا أمره ويجتنبوا نهيه فقد خلقهم ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فحيث كان متفردا بالخلق والبدء والإعادة ولا يشركه في ذلك أحد، فهو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة دون سواه كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهذه هي الحكمة من خلق الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وبذلك أنزل كتبه المقدسة وأرسل رسله عليهم الصلاة والسلام كما قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والشاهد من آية الحج كونه سبحانه يعلم كل شيء في السماء والأرض وأن ذلك مكتوب عنده في كتاب. والشاهد من الحديث كونه تعالى قدر مقادير الخلق قبل خلقه لسمواته وأرضه، بهذه المدة المذكورة، وهذا الحديث رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" ومثله رواه البخاري في صحيحه من حديث عمران بن حصين ﵁ "أن النبي ﷺ قال: يا بني تميم اقبلوا البشرى، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، فأقبل على أهل اليمن فقال: اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا قد قبلنا يا رسول الله، قالوا جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وفى لفظ معه وفي لفظ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض " قال ثم جاءني رجل فقال: أدرك ناقتك فذهبت فإذا السراب ينقطع دونها فوالله لوددت أني تركتها ولم أقم"، وقوله: "اسمه كتب في الذكر" يعني اللوح
[ ٢ / ٤٨ ]
المحفوظ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي من بعد اللوح المحفوظ، ومعنى الحديث إخباره ﷺ عن خلق هذا العالم المشهود، الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش كما أخبر القرآن العظيم بذلك في غير موضع ومثله أيضا الحديث الذي رواه أبوداود والترمذي وغيرهما عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "أول ما خلق الله القلم فقال اكتب قال وما أكتب قال ما هو كائن إلى يوم القيامة". فهذا القلم خلقه الله لما أمره بالتقدير المكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان مخلوقا قبل السموات والأرض، وهو أول ما خلق من هذا العالم، وخلقه بعد العرش كما دلت عليه النصوص وهو قول جمهور السلف. والأمر يراد به المصدر ويراد به المفعول به وهو المأمور الذي كونه الله بأمره، والشرع هو ما سن الله من الدين وأمر به كالصوم والصلاة والحج والزكاة وسائر أعمال البر، و"القدر" مصدر قدر يقدر وقد تسكن داله، وهو ما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور، كما سيأتي.
[ ٢ / ٤٩ ]
معنى حديث الأنبياء اخوة لعلاة
قوله:
وعبادته تتضمن كمال الذل والحب له. وذلك يتضمن كمال طاعته ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء
[ ٢ / ٤٩ ]
إخوة لعلات وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، إنه ليس بيني وبينه نبي".
ش: جماع العبادة هو كمال الحب مع كمال الذل. وهي كما قال الشيخ اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة. كالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر وأمثال ذلك. والباطنة كالصبر والرضاء بقضاء الله والتوكل عليه والرجاء لرحمته والخوف من عذابه وأمثال ذلك. وذلك كله يتضمن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وقد جعل الله ﷿ طاعة رسوله طاعة له وعلق محبته سبحانه باتباع رسوله ﷺ كما في آيتي النساء وآل عمران، والشاهد من آية النساء والزخرف وآية الأنببياء والمؤمنون والشورى هو أن الغاية من إنزال الكتب السماوية جميعها وإرسال الرسل كلهم هي عبادة لله وحده وترك عبادة ما سواه، وهذا الحديث متفق عليه، وهو مروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، والشاهد منه أن القدر المشترك بين الأنبياء هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرعتهم ومناهجهم كما في قوله ﷻ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وقوله سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ الآية﴾ . معناه كما قال أهل التفسير: شرع لكم ولمن قبلكم من الأنبياء دينا واحدا، يعني التوحيد، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وخص نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى بالذكر مع نبينا عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرباب الشرائع. ثم أمرهم سبحانه بإقامة الدين ونهاهم عن الاختلاف فيه، أي لا يختلفوا في التوحيد والإيمان بالله وطاعة رسله وقبول شرائعه فإن هذه قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان فلا ينبغي الخلاف في مثلها.
[ ٢ / ٥٠ ]
وليس من هذا فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الأمارات وتتباين فيها الأفهام فإنها من مطارح الاجتهاد ومواطن الخلاف. والعلات: جمع بمعنى الضرات وحده علة، سميت بذلك لأن الذي تزوج أخرى على أولى قد كانت قبلها "نهل " ثم "عل " من هذه. ومعنى أولاد علات: أي بني أمهات شتى من رجل واحد، والمعنى في الحديث أن الأنبياء بعثوا متفقين في أصول التوحيد متباينين في فروع الشرع، وقيل: أراد أن الأنبياء يختلفون في أزمانهم وإن شملتهم النبوة، فكأنهم أولاد علات لم يجمعهم زمن واحد، كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد.
[ ٢ / ٥١ ]
دين الأنبياء واحد وان اختلفو افي الشرعة والمنهاج
قوله:
وهذا الدين هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله دينا غيره لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَه﴾ إلى قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ وقال في حواري المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركا ومن لم يستسلم له كان مستكبرا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده فهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون
[ ٢ / ٥١ ]
بأن يطاع في كل وقت، بفعل ما أمر به في ذلك الوقت فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمرنا ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين الأمر به داخلا في الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلي، فكذلك الرسل، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدين واحدا كما لم يمنع ذلك في شريعة الرسول الواحد.
ش: يقول الشيخ: إن دين الأنبياء والمرسلين دين واحد وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاج. فدين المرسلين يخالف دين المشركين المبتدعين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وهذا التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا غيره وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأمثال ذلك من الآيات. وقد ذكر الله ﷿ أن كل واحد من الرسل افتتح دعوته بأن قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي المسند عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم"، واعلم أن الله قد خص نبينا محمدا ﷺ بخصائص ميزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين وجعل له شرعة ومنهاجا هي أفضل شرعة وأكمل منهاجا كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس. فهم يوفون سبعين أمة هم خيرها وأكرمها على الله من جميع الأجناس. هداهم لله بكتابه وإرسال رسوله لما اختلف فيه من الحق قبلهم وجعلهم وسطا عدلا خيارا. فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته وفي الإيمان
[ ٢ / ٥٢ ]
برسله وكتبه وشرائع دينه من الأمر والنهي والحلال والحرام فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث، لم يحرم عليهم شيئا من الطيبات كما حرم على اليهود، ولم يحل لهم شيئا من الخبائث كما استحلتها النصارى، ولم يضيق عليهم باب الطهارة والنجاسة، بينما كانت اليهود لا يرون إزالله النجاسة بالماء بل إذا أصابت ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، والنصارى ليس عندهم شيء نجس. وكذلك المسلمون وسط في الشريعة فلم يجحدوا شرعة الناسخ لأجل شرعة المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيروا شيئا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلو النصارى ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود ولا جعلوا الخالق ﷾ متصفا بخصائص المخلوق ونقائصه ومعايبه من الفقر والبخل والعجز كفعل اليهود ولا المخلوق متصفا بخصائص الخالق سبحانه التي ليس كمثله فيها شيء كفعل النصارى. ولم يستكبروا عن عبادته كفعل اليهود ولا أشركوا بعبادته أحدا كفعل النصارى. وأهل السنة والجماعة في الإسلام كاهل الإسلام في أهل الملل. فهم وسط في باب صفات الله ﷿ بين أهل الجحد والتعطيل وبين أهل التشبيه والتمثيل. يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتا لصفات الكمال وتنزيها له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال.
فالإسلام بهذا المفهوم العام متضمن للانقياد التام والطاعة الكاملة لله وحده دون من سواه، وحينئذ فمن انقاد لغيره وعبده فهو غير مسلم له. بل هو مستكبر عن الاستسلام له وجاحد لألوهيته، كما أن من عبده وعبد غيره مشرك به سواه وغير مستسلم له. وكل من المتكبر عن عبادته والمشرك به غير مسلم. فإن الاستسلام له سبحانه يستلزم عبادته وطاعته وحده لا شريك له،
[ ٢ / ٥٣ ]
فالدين الذي لا يقبل الله من جميع الأمم سواه هو الإسلام بهذا المعنى. وحقيقة الأمر أن طاعته في كل حين هي الإسلام: فمثلا ما شرعه الله لموسى وعيسى من العبادة وإن اختلف عما شرعه الله لنبينا محمد عليهم الصلاة والسلام بأن اختلفت في كيفية عبادة أو تحليل شيء كان محرما أو تحريم شيء كان حلالا. فتختلف في شريعة رسول عنها في شريعة رسول آخر، إلا أن الأصل واحد وهو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة. قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ فهذا الاختلاف في المنهج مع الاتفاق في الأصل حاصل ما بين شريعة وشريعة كما يحصل في شريعة الرسول الواحد. فأمر الرسول ﷺ باستقبال الصخرة في بيت المقدس، وامتثاله لذلك طاعة وإسلام قبل النسخ ثم أمره بالتحول إلى استقبال الكعبة بالبيت الحرام وامتثاله لذلك طاعة وإسلام. والشاهد من آية يونس وآيات البقرة وأيضا آية يونس وآيتي المائدة الشاهد من الجميع: أن جميع الرسل جاؤوا بدين الإسلام الذي هو التوحيد، وسفه نفسه: جهلها. والحواريون هم أصفياء عيسى وأنصار دينه وأول من آمن به. والمسيح هو عيسى بن مريم ﵇ وسمي بذلك لأنه مسح الأرض أي ذهب فيها فلم يستكن بها، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ فسمي مسيحا. فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل أو لأنه كان ممسوح الأخمصين أو لأنه مسح بالتطهير من الذنوب وهو على هذين القولين فعيل بمعنى مفعول. وأما الدجال فسمي مسيحا لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل لأنه يمسح الأرض أي يطوف ببلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس. وبلقيس هي بنت شرحبيل ملكة سبأ بمدائن اليمن، والمنسك هو العبادة عموما فيشمل الحج وغيره.
[ ٢ / ٥٤ ]
أول الرسل يبشر بآخرهم
قوله:
والله تعالى جعل من دين الرسل، أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابن عباس: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، وجعل الإيمان بهم متلازما وكفر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كله، ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالله محمد ﷺ فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا، بل يكون كافرا وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن، كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
[ ٢ / ٥٥ ]
الْخَاسِرِينَ﴾ قالت اليهود والنصارى فنحن مسلمون، فأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقالوا لا نحج فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ .
ش: يعني أن الله سبحانه قد جعل من ضمن ما شرعه لعباده أن السابق من الأنبياء يبشر باللاحق وأن المتأخر يؤمن بالمتقدم، كما في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية. وكما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي أمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟، قال: "دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام" وكما في الأثر الذي رواه الإمام أحمد أيضا بسنده إلى عبد الله بن مسعود في قصة وفد قريش إلى النجاشي في طلب المهاجرين إلى الحبشة وفيه "قال جعفر بن أبي طالب: أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد، فقالوا: له ما لك لا تسجد للملك؟، قال: إنا لا نسجد إلا لله ﷿، قال: وما ذاك، قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ﷿ وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى بن مريم، قال: ما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟، قال: نقول كما قال ﷿: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، قال: فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذان، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الذي يبشر به عيسى بن مريم انزلوا حيث شئتم"، وكما أن
[ ٢ / ٥٦ ]
السابق يبشر باللاحق ويؤمن به فاللاحق يصدق السابق ويؤيده، كما في آية المائدة التي استشهد بها المؤلف وأمثالها من الآيات. وقد جعل الله الإيمان بالرسل مرتبطا بعضه ببعض، فمن فرق بينهم في الإيمان فليس بمؤمن بأحد منهم كما دل على ذلك آية النساء وآيتا البقرة ومثلهما آية آل عمران: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية. وحينئذ فمن جملة الرسل نبينا محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام وقد أخذ الله على جميع من سبقه من الأنبياء أن يؤمنوا به وأن يأخذوا العهد على أممهم: بالإيمان به كما في آية آل عمران. وقد ذكر المؤلف أثر ابن عباس كشاهد على معنى الآية الكريمة وقد روى هذا الأثر ابن جرير وغيره عن ابن عباس ﵄. ومثله ما رواه بن جرير أيضا عن علي ﵁ قال: "لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ الآية".
وإذًا فعلى جميع من بلغته رسالة خاتم الرسل محمد ﵊ أن يؤمن بمقتضاها وأن لا يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. وقد حكم الله على اليهود والنصارى حين زعموا الإسلام وأمروا بالحج فامتنعوا بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا الأثر رواه بن جرير والبيهقي في سننه عن عكرمة ولفظه: قال لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينا﴾ قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون، فقال لهم النبي ﷺ: "إن الله فرض على المسلمين حج البيت"، فقالوا: أيكتب علينا؟ وأبوا أن يحجوا، قال الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ وذلك أن حج بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام الخمسة كما في حديث ابن عمر الذي رواه البخاري ومسلم، فقد ختم الله الأنبياء بمحمد ﷺ وأكمل له ولأمته الدين كما في آية المائدة. وقوله: "ولهذا لما وقف النبي بعرفة". يشير إلى ما رواه البخاري ومسلم عن طارق بن شهاب قال قالت اليهود لعمر: "إنكم
[ ٢ / ٥٧ ]
تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: وأية آية؟ قالوا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت فيها: نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة في يوم جمعة". وأقررتم هو من الإقرار بمعنى الاعتراف. والإصر في اللغة: الثقل سمي العهد إصرا لما فيه من التشديد، والمعنى وأخذتم على ذلك عهدي. والأسباط: هم أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولدا وكل واحد منهم له من الأولاد جماعة. والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون.
الفرق بين مسمى الإيمان والإسلام
وقوله: "لم يكن مسلما ولا مؤمنا" يشير إلى أن من لم يؤمن بجميع ما بعث به محمد ﷺ فليس بمسلم وبطريق الأولى نفي الإيمان عنه، لأن الإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يفسر بالأعمال الباطنة كما فرق النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ بين مسمى الإسلام ومسمى الإيمان. وهذا إنما هو إذا ذكرا جميعا. وأما إذا ذكر أحدهما فقط فإن الآخر يدخل فيه. كما في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ الآية. وكما في قوله ﷺ في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى عن النبي ﷺ. قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب الحديث" فالإسلام داخل في مسمى الإيمان. ومثال دخول الإيمان في مسمى الإسلام قوله تعالى: ﴿وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ .
فالحاصل أن دين الأولين والآخرين من الأنبياء وأتباعهم هودين الإسلام وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وعبادته تعالى في كل زمان ومكان تكون بطاعة رسله ﵈ فلا يكون عابدا له من عبده بخلاف ما جاءت به رسله، ولا يكون مؤمنا به ولا عابدا له إلا من آمن بجميع رسله وأطاع من أرسل إليه فيطاع كل رسول إلى أن يأتي الذي
[ ٢ / ٥٨ ]
عده فتكون الطاعة للرسول الثاني طاعة للأول ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه﴾، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾ ! ومن فرق بين رسله فآمن ببعض وكفر ببعض كان كافرا.
[ ٢ / ٥٩ ]
تنازع الناس في اسلام من تبقى من أمة موسى وعيسى
قوله:
وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى: هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فالإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا ﷺ المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام المتناول لكل شريعة، بعث الله بها نبيا فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء، ورأس الإسلام مطلقا: شهادة أن لا إله إلا الله وبها بعث جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقال تعالى عنه: ﴿أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وذكر عن رسله كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
[ ٢ / ٥٩ ]
ش: يقول الشيخ: اختلف العلماء في جواز إطلاق اسم الإسلام على من سبق الأمة المحمدية من الأمم. والخلاف في الحقيقة ما هو إلا لفظي. فإن الجميع متفقون على أن كل امة أطاعت رسولها الذي جاءها بشرع الله فهي مسلمة منقادة لأمر الله خاضعة لشرعه الذي شرعه على لسان ذلك الرسول المرسل. فإن الإسلام دين والدين مصدر دان يدين دينا إذا خضع وذل، ودين الإسلام الذي ارتضاه الله وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده فأصله في القلب الخضوع لله بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلها آخر لم يكن مسلما، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلما.
وأما الإسلام الخاص فهو كما فسره رسول الله ﷺ في حديث جبريل: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا لله وأن محمدا رسول الله.. الخ" رواه مسلم، وروى الإمام أحمد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: والله يا رسول الله ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه أن لا آتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثت به؟، قال: الإسلام، قال: وما الإسلام؟، قال: أن تسلم قلبك لله وأن توجه وجهك إلى لله وأن تصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة أخوان نصيران لا يقبل الله من عبد أشرك بعد إسلامه.. الحديث"، وذكر الله تعالى عن موسى أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ! وأخبر تعالى عن السحرة أنهم قالوا لفرعون: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى عن المسيح: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وكما قال عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
[ ٢ / ٦٠ ]
فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقال تعالى عن يوسف الصديق: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال عن بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالإسلام عند الجميع هو الاستسلام لله وهو الخضوع له والعبودية له، كما يقول أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، وحينئذ فرأس جميع الأديان هو الشهادة بوحدانية الله دون من سواه كما في آية النحل والأنبياء والشعراء والممتحنة، وآيتي الزخرف، ولقد أخبر الله تعالى عن كل رسول بأنه أمر قومه بعبادة الله وحده كما حكى ذلك عن نوح وهود وصالح، وإخوانهم من الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقال عن شعيب: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وأخبر سبحانه عن أهل الكهف أنهم قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطا﴾، والخلة أعلى مراتب المحبة، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي جعل إبراهيم كلمة التوحيد باقية في ذريته بأن وصاهم بها كما في قوله سبحانه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ والكهف جمعه كهوف وهو الغار المتسع في الجبل ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي قويناها على قول الحق، ﴿ولَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي قولا ذا شطط أي إفراطا في الكفر أن دعونا إلها غير الله.
[ ٢ / ٦١ ]
قوله:
وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ذكر ذلك في موضعين من كتابه، وقد بين في كتابه الشرك بالملائكة والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب والشرك بالأصنام فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إله إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر ومعلوم أن واحدا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان ومريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال. بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلها مساويا لله في جميع صفاته وعامة المشركين بالله مقرون بأنه ليس شريكه مثله. بل عامتهم يقرون أن الشريك مملوك له، سواء كان ملكا أو نبيا أو كوكبا أو صنما، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هولك، تملكه وما ملك، فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد وقال: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع
[ ٢ / ٦٢ ]
الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك عن الثنوية الذين يقولون بالأصلين النور والظلمة وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور، وقد أخبر الله سبحانه عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بينه في كتابه، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ إلى قوله ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ .
ش: بعد أن بين الشيخ أن الإسلام بمعناه العام هودين جميع الرسل وأن من أطاع رسوله من الأمم السابقة، يقال له مسلم كما يقال ذلك لأمة محمد ﷺ. بين بعد ذلك أن من صرف شيئا من أنواع العبادة لغير لله بأن تقرب إلى ملك أو نبي أو ولي أو كوكب، أو شجرة، أو حجر، فهو مشرك وقد قال الله جل وعلا في حق المشركين ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقال في الموضع الآخر من سورة النساء أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾، ثم استشهد المؤلف بآية براءة وآية المائدة وآية آل عمران على ذم عابد العلماء والعباد والملائكة والأنبياء وبيان شركهم وكفرهم، وحكم الله عليهم بالكفر إنما
[ ٢ / ٦٣ ]
هو بسبب شركهم مع الله في عبادته ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، فكان المشركون من النصارى والعرب وغيرهم من أصناف الأمم الضالة، يعتقدون في الملائكة أو الأنبياء أو الشيوخ أنهم شفعاء لهم عند الله كما يشفع الشفعاء إلى ملوك الدنيا ويضربون لله مثلا فيقولون: من أراد أن يتقرب إلى ملك عظيم فلا ينبغي له أن يأتي إليه أولا، بل يتقرب إلى خاصته وهم يرفعون حوائجه ويقربونه إليه قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ذكر سبحانه هذا بعد قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ وقد نفى هذه الشفاعة التي يزعمونها كما قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ .
[ ٢ / ٦٤ ]
قال الشيخ: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأما شفاعته ﷺ في الآخرة فقد أخبر "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا، فإذا سجد وحمد ربه بمحامد يفتحها عليه، قيل له أي محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فيقول أي رب؟ أمتي، فيحد له حدا فيدخلهم الجنة وكذلك في الثانية وكذلك في الثالثة، قال أبوهريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة، قال من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ليست لمن أشرك بالله ولا تكون إلا بإذن الله" وحقيقة الأمر أن الله هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافع الذي أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك وينال المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، كما كان ﷺ في الدنيا يستسقي لهم ويدعو لهم، فمقصود القرآن بنفي الشفاعة نفي الشرك وهو أن لا يعبد إلا الله ولا يدعى سواه ولا يسئل غيره ولا يتوكل على غيره لا في شفاعة ولا غيرها، فليس له أن يتوكل على أحد في أن يرزقه وإن كان الله يأتيه بأسباب، وحينئذ فالمشركون جميعا لم يكونوا جاحدين يرب العالمين، ولا قال أحد قط من الآدميين أن الشمس أو القمر أو شيئا من الكواكب أبدع السموات أو غيرها بل عباد الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب يعبدونها كما يعبد عباد الأصنام الأصنام بل قد يجعلونها شفعاء ووسائط بينهم وبين رب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ حتى الثنوية من المجوس يقولون أن العالم صادر عن أصلين، النور والظلمة، والنور عندهم هو إله الخير المحمود والظلمة هي الإله الشرير المذموم، وبعضهم يقول أن الظلمة هي الشيطان. ومنهم من قال إن الظلمة قديمة أزلية مع أنها مذمومة ليست مماثلة للنور ومنهم من قال بل هي حادثة، وأن النور فكر فكرة رديئة فحدثت الظلمة عن تلك
[ ٢ / ٦٥ ]
الفكرة الرديئة، وهؤلاء مع إثباتهم اثنين وتسمية الناس لهم بالثنوبة فهم لا يقولون أن الشر مماثل للخير، ومن ظن أن قوم إبراهيم الخليل كانوا يعتقدون أن النجم أو الشمس أو القمر رب العالمين أو أن الخليل ﵇ لما قال هذا ربي أراد به رب العالمين فقد غلط غلطا بينا، بل قوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع وكانوا يشركون بعبادته كأمثالهم من المشركين. قال الله تعالى عن الخليل: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ، قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ، قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ - إلى قوله- فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ، وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ! فأخبر الله تعالى عن الخليل أنه عدو لكل ما يعبدون إلا رب العالمين، وأخبر عنهم أنهم يقولون يوم القيامة ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يعني آلهتكم، فلم يكونوا جاحدين للصانع بل عدلوا به وجعلوا له أندادا في العبادة والمحبة والدعاء، وكذلك مشركو العرب وأمثالهم كانوا مقرين بالصانع وأنه خلق السموات والأرض، إذ كانوا مقرين بأن هذه السموات والأرض مخلوقة لله حادثة بعد أن لم تكن. وقد استشهد المؤلف على ذلك بآية العنكبوت وآية الزمر وآيات المؤمنون، ثم استشهد بما كان العرب يقولونه في تلبيتهم من الإقرار بربوبية الله الشاملة، كما ذكر أهل السير أن التلبية من عهد إبراهيم ﵇: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، حتى كان عمرو بن لحي الخزاعي فبينما هو يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فقال: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكا هو لك، فأنكر ذلك عمرو وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: تملكه وما ملك فإنه لا بأس بهذا فقالها ودانت بها العرب، وقد روى مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ: رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخا بني كعب وهو يجر قصبه في النار". ومن العلم المشهور أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأنصاب حول المبيت، ويقال أنه جلبها من
[ ٢ / ٦٦ ]
البلقاء من أرض الشام متشبها بأهل البلقاء وهو أول من سيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحام. قال الشيخ: ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم، على شريعة التوحيد والحنيفية السمحة دين أبيهم إبراهيم، فتشبهوا بعمرو بن لحي وكان عظيم أهل مكة يومئذ لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش وكانوا سائر العرب متشبهين بأهل مكة لأن فيها بيت الله وإليه الحج. فتشبه عمرو بمن رآه في الشام واستحسن بعقله ما كانوا عليه ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي تعظيما لله ودينا فكان ما فعله أصل الشرك في العرب وأصل تحريم الحلال فلم يزل الأمر يتزايد ويتفاقم حتى غلب الشرك بالله ﷿ وتغير دينه الحنيف إلى أن بعث الله رسوله ﷺ فأحيا ملة إبراهيم ﵇ وأقام التوحيد وحلل ما كانوا يحرمونه، وقوله فأهل رسول الله ﷺ يعني كما في الحديث الطويل الذي رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁ "أن رسول ﷺ أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وكذلك عبادة الأحبار والرهبان لم تكن لاعتقادهم فيهم مشاركة الله في ربوبيته بل كان اعتقادهم كما قال الربيع بن أنس: "قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل، قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء: فما أمرونا به ائتمرنا، وما نهوا عنه انتهينا، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم"، وقد بين النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم أو صاموا لهم، أو دعوهم من دون الله، وفى حديث عدي بن حاتم الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما، وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: فقلت بلى، قال: فتلك عبادتهم" والصنم هو الوثن جمعه أصنام وهو ما قصد
[ ٢ / ٦٧ ]
بنوع من أنواع العبادة من دون الله من القبور والمشاهد والتماثيل، يقول الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ مع قوله: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، وقوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُون﴾ فبذلك يعلم أن الوثن يطلق على الأصنام مما عبد من دون الله، وقيل الصنم هو ما صور على هيئة الإنسان وعبد من دون لله من خشب أو حجر أو ذهب أو فضة أو غير ذلك وقوله: وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات معناه أن الباحثين في الملل والمتحدثين عن الديانات مثل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتابه الملل والنحل ومثل عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي في كتابه "الفرق بين الفرق". ومثل أبي محمد علي بن حزم الأندلسي. في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل " فقد تحدث هؤلاء وغيرهم عن نحل العا لم ولم يذكروا عن أحد إثبات شريك مشارك لله في خلق جميع المخلوقات ولا مماثل له في جميع الصفات.
وقوله سبحانه في آيتي النساء ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ معناه: أن ما دون الشرك بالله من سائر المعاصي فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذب مرتكبه وإن شاء غفر له، ففي ذلك رد على كل من الخوارج المكفرين بالذنوب وعلى المعتزلة القائلين بأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وليسوا عندهم بمؤمنين ولا كفار، ولا يجوز أن يحمل قوله: سبحانه ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ﴾ على التائب فإن التائب من الشرك مغفور له كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فهنا عم وأطلق، لأن المراد هنا التائب وهناك خص وعلق لأن المراد به من لم يتب.
[ ٢ / ٦٨ ]
ما وقع من الغلط في مسمى التوحيد
قوله:
وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى "التوحيد" فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر، غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له، واشهر الأنواع الثلاثة، عندهم هو الثالث، وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم، واحد وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا "لا إله إلا الله" حتى يجعلوا معنى الإلهية، القدرة على الاختراع ومعلوم، أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمدصلى الله عليه وسلم أولا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدرة أيضا، وهم مع هذا مشركون.
فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك ولكن غاية ما يقال، أن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا أنهم خالقو أفعالهم.
وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون أنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق فأما من أنكر الصانع، فذاك جاحد معطل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله، المقرين بوجوده فإن هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وكذلك النوع الثاني وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته فإنه ليس في الأمم من أثبت قديما مماثلا له في الاستواء، وقال إنه
[ ٢ / ٦٩ ]
يشاركه، أو قال إنه لا فعل له، بل من يشبه به شيئا من مخلوقاته فإنما يشبهه به في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين، كما تقدم. وعلم أيضا بالعقل، أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد بينهما من قدر مشترك. كاتفاقهما في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية، وقد تقدم الكلام على ذلك.
ش: يقول الشيخ: بما تقدم من تقرير توحيد المرسلين الذي هودين الإسلام بمعناه العام وأن ضده الشرك وهو اتخاذ مع الله آلهة أخرى يتضح خطأ من غلط من أرباب الكلام وأهل التصوف الذين جعلوا الإقرار بربوبية الله الشاملة هو النهاية في التوحيد، وأن معنى كلمة الإخلاص: هو القادر على الاختراع. وقد استدلوا على أن توحيد الربوبية هو الغاية بدليل التمانع المشهور، وهو أنه لوكان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته فإما أن يحصل مرادهما أو مراد أحدهما أو لا يحصل مراد واحد منهما، والأول ممتنع لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، والثالث: ممتنع لأنه يستلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع ويستلزم أيضا عجز كل منها والعاجز لا يكون إلها، وإذ حصل مراد أحدهما دون الآخر كان هو الإله القادر والآخر عاجزا لا يصلح للإلهية، ولا ريب أن هذا غلط واضح واعتقاد فاسد فإن معنى لا إله إلا لله لا معبود بحق سوى الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إله إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فأجابوا ردا عليه بقولهم: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ
[ ٢ / ٧٠ ]
آبَاؤُنَا﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، فالإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ليس الإله بمعنى القادر على الخلق كما يقول ذلك من يقوله من الأشاعرة وغيرهم، فلو أقر الإنسان بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يشهد أن لا إله إلا الله فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة ويلتزم بعبادة لله وحده لا شريك له فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء ومع ذلك كانوا مشركين. وقد أنكروا ما جاء به ﷺ من التوحيد، وما نفاه من الشركاء فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وقصرها على الله سبحانه وقالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي لأمر بالغ في العجب إلى الغاية، فهم إذًا أعلم بمعنى كلمة الإخلاص من أرباب الكلام والتصوف، كما كان المشركون يقرون بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة. وبما سبق يتضح أنه ليس أحد من طوائف بني ادم ينازع في أصل الربوبية على اعتبار وجود ربين متماثلين من كل وجه، بل غاية ما يقال أن بعض الطوائف المشركة تنسب شيئا من التأثير لغير الله كما تقول القدرية في أفعال العباد بأنها مخلوقة لهم وأن كانوا يقرون أن الله هو خالق العباد وخالق قدرتهم على الفعل، وكما تقول المجوس بأن الظلمة تخلق الشر مع إقرارهم أن الله خالق الخير ويعبرون عنه بالنور، وكما تقول الفلاسفة بأن الكواكب السبع والاثني عشر برجا تحدث أمورا من غير إحداث الله لها.
وكما تقول: المنانية بأزلية الطبائع الأربع وأنها كانت بسائط غير
ممتزجة ثم حدث الامتزاج بينها فحدث العالم بامتزاجها، وكثير من المشركين قد يظن في آلهته شيئا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك، فهؤلاء جميعا مشركون في الربوبية بهذا الاعتبار مع اعتقاد جميع هذه الطوائف أن العالم بأسره مخلوق مربوب، للكبير المتعال، غير أن هناك من يجحد ربوبية
[ ٢ / ٧١ ]
الله سبحانه عنادا وتجاهلا كفرعون فهو أشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع، وقد كان مستيقنا به في الباطن، كما قال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ وقال تعالى عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ وما يقربه هؤلاء النظار لا ينازعهم فيه المشركون الذين بعث إليهم الرسول ﷺ، فإنهم يدعون آلهتهم كما يدعون الله ويسجدون وينسكون لها ويتقربون إليها ثم يقولون إن هذا ليس بشرك وإنما الشرك إذا اعتقدنا أنها هي المدبرة لنا فإذا جعلناها سببا وواسطة لم نكن مشركين. ولكن الكلام هنا مع المقرين بالله مع اتخاذهم آلهة أخرى، فهم إذًا مقرون بأن الله رب كل شيء ومليكه ومع هذا فهم غير موحدين بل هم كفار مشركون، كما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام. وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد سبق الشيء الكثير من الآيات والأحاديث المصرحة بذلك.
وقوله غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع فيقولون هو واحد في ذاته لا قسيم له وواحد في صفاته لا شبيه له وواحد في أفعاله لا شريك له، معناه: أن هؤلاء المتكلمين يقسمون التوحيد في عرفهم إلى ثلاثة أقسام، أشهرها عندهم توحيد الله بأفعاله ويعبرون عنها بهذه العبارات المجملة فقولهم: (واحد) إن أرادوا به ما أراده الله ورسوله في قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ - وقوله- ﴿هو الله الواحد القهار﴾ ونحو ذلك فهذا حق، وإن أرادوا بالواحد ما تريده الجهمية نفاة الصفات: من أنه ذات مجردة عن الصفات فهذا باطل، فإنهم يدرجون في هذا نفي علوه على خلقه واستوائه على عرشه ونفي ما ينفونه من صفاته ويقولون أن إثبات ذلك يقتضي أن يكون مركبا منقسما، ومن المعلوم أن من لا صفة له فلا حقيقة له في الخارج وإنما يقدر في الأذهان لا في الأعيان. وقولهم (واحد في صفاته) لا شبيه له إن أرادوا بذلك أنه سبحانه مسمى بالأسماء الحسنى ومتصف بالصفات الكاملة العليا التي لا يماثله فيها أحد
[ ٢ / ٧٢ ]
فهذا حق، وقد علم بالضرورة أنه ليس هناك أحد من بني آدم اعتقد وجود إله قديم لرب العالمين في ذاته سواء كان المعتقد لوجود إله آخر ينسب إليه نوع شركة مع الله في أفعاله أو كان يعتقد أن إلهه ليس له شيء من التدبير، بل غاية ما يقال أن من شبه به أحدا من خلقه فإنما يشبهه به في شيء دون شيء، وأما إن أراد القائل المعنى الباطل من أنه سبحانه غير مستو على عرشه ولا ينزل من السماء الدنيا، ولا يجيء لفصل القضاء يوم القيامة ولا يفعل ما يريد إلى غير ذلك فهو ملحد ضال، ومما هو معلوم بصريح العقل الموافق لصحيح النقل أن الله ﵎ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله بل ذلك ممتنع فإنه يلزم منه أن يجوز على مثيله ما يجوز عليه، ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه وهذا جمع بين النقيضين لأنه يكون كل منهما واجب الوجود ليس بواجب الوجود، خالقا ليس بخالق، قديما ليس بقديم إلى غير ذلك، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في آخر القاعدة السادسة، كما سبق أيضا القول بأن كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتركان فيه كمدلول الوجود ومدلول القيام بالنفس والذات والعلم والقدرة ونحو ذلك من المعاني العامة المشتركة ويختلفان في أن لكل منهما ما يضاف إليه ويليق به فالخالق وإن اتفق مع المخلوق في أن كلا منهما متصف بالصفات إلا أنهما يختلفان في أن لكل منهما ما يناسبه، أما اتصاف كل منهما بالصفات فليس فيه مماثلة بينهما ولله خصائصه التي اختص بها وللمخلوق خصائصه التي اختص بها فمن ادعى مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه فهو المشبه الممثل، والنوع الثالث سيأتي الكلام عليه في محله قريبا.
[ ٢ / ٧٣ ]
القرآن منزل غير مخلوق
قوله:
ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى ذلك، فصار من قال: إن لله علما أو قدرة أو أنه يرى أو أن القرآن كلام الله غير مخلوق، يقولون: إنه مشبه ليس بموحد وزاد عليهم غلاة الفلاسفة
[ ٢ / ٧٣ ]
والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبه ليس بموحد، وزاد عليهم غلاة القرامطة وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا بالإثبات، لأن في كل منهما تشبيها له. وهؤلاء كلهم وقعوا في جنس تشبيه هو شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، فرارا من تشبيههم إياه - بزعمهم - بالأحياء ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما تثبت لمخلوق أصلا وهو سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة الذوات لذاته لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه ويسمون أنفسهم الموحدين.
ش: يعني أن المعتزلة وأشباههم من أهل التجهم يدخلون نفي أسماء الله وصفاته في مدلول التوحيد عندهم، فيقولون من أثبت لله سمعا أو بصرا أو عزة أو حكمة أو علما أو قدرة، أو قال بأن المؤمنين يرونه سبحانه في الآخرة عيانا بأبصارهم، من أثبت ذلك ونحوه فهو عندهم مشبه مجسم، وقد تبعهم في ذلك الفلاسفة والقرامطة بل زادوا على المعتزلة في عدد إثبات الاسم ولو كان غير دال على صفة وزادوا على بعض الجهمية في إثباتهم الاسم مجازا، وزاد عليهم غلاتهم فقالوا من وصف لله بالإثبات فهو مشبه ومن وصفه بالنفي فهو مشبه. وهؤلاء جميعا قد فروا من التشبيه على زعمهم بالحي المتصف بأوصاف الكمال فوقعوا في شر مما فروا منه، حيث شبهوه بالجماد أو المعدوم أو الممتنع ومن المعلوم أن الله جل وعلا متصف بما له من حقائق الأسماء والصفات على وجه لا يماثل فيه أحد من خلقه البتة، إذ هو سبحانه الكامل في ذاته وصفاته ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وثبوت الصفات هو فرع ثبوت الذات، فكما أن الذات المقدسة ثابتة بحقيقة الإثبات فالأسماء الحسنى والصفات العلى
[ ٢ / ٧٤ ]
ثابتة بحقيقة الإثبات وليست الصفة كالصفة كما أن الموصوف ليس مثل الموصوف. وهؤلاء النفاة قد زعموا أن نفيهم للصفات هو تنزيه الله عن النقص وسموا أنفسهم بالموحدين، وفى واقع الأمر أنهم هم المعطلون الجاحدون المشبهون، وليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيه، قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في (الفقه الكبير): "لا يشبه شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه"، ثم قال بعد ذلك: "وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا ويقدر لا كقدرتنا ويرى لا كرؤيتنا" وهكذا قول سائر الأئمة، كنعيم بن حماد والشافعي وقد سبق ذكر نموذج من ذلك، فسلف الأمة وأئمة السنة ومن تبعهم بإحسان هم ورثة الرسل وهم الموحدون، أما الجعديون والواصليون وأضرابهم فهم الملحدون المعطلون، وقوله عن النفاة الذين يصفون من قال أن القرآن كلام الله غير مخلوق، بأنه مشبه معناه أن الجهمية من المعتزلة وإخوانهم يقولون بأن كلام الله مخلوق غير منزل، ويستدل على ذلك، بمثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ويدخلون كلام الله في عموم (كل) . وقد غلطوا غلطا فاحشا وضلوا ضلالا مبينا فإن القرآن الكريم هو كلام الله وكلامه من صفاته، وصفاته داخلة في مسمى اسمه كعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره ووجهه، وحينئذ فطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة والحياة وسائر الصفات، وذلك صريح الكفر فإن علمه شيء وقدرته شيء وحياته شيء فيدخل ذلك في عموم (كل) فيكون مخلوقا، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره لصح أن يقال للبصير أعمى وللأعمى بصير لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره. والأعمى قد قام وصف البصر بغيره، إذا عرف هذا فعموم (كل) في كل موضع بحسبه، ويعرف ذلك بالقرائن ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ فمساكنهم شيء، ولم تدخل في عموم كل شيء دمرته الريح، وذلك لأن المراد في الآية كل شيء يقبل التدمير بالريح عادة واستحق التدمير، وكذا قوله تعالى حكاية عن
[ ٢ / ٧٥ ]
لقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، فإن المراد من كل شيء يحتاج إليه الملوك، وهذا القيد يفهم في قرائن الكلام، إذ مراد الهدهد أنها ملكة كاملة في أمر الملك غير محتاجة إلى ما يكمل به أمر ملكها، ونظائر هذا كثيرة، فالمراد من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي كل شيء مخلوق، وكل موجود سوى الله فهو مخلوق ولم يدخل في العموم (الخالق تعالى) وهو سبحانه موصوف بأوصاف الكمال، وصفاته ملازمة لذاته المقدسة. وشيخ المعتزلة الجهمية: الجعد بن درهم وتلميذه الجهم بن صفوان، هما أول من نقل عنه هذا الرأي الزائغ الفاسد، قال الشيخ: "والناس يقرؤون القرآن بأصواتهم ويكتبونه بمدادهم وما بين اللوحين كلام الله غير مخلوق، والمداد الذي يكتب به القرآن مخلوق، والصوت الذي يُقرأ به صوت العبد، والعبد وصوته وحركاته وسائر صفاته مخلوقة، فالقرآن الذي يقرأه الخلق كلام الباري والصوت صوت القارئ".
[ ٢ / ٧٦ ]
اقرار المرء بأن الله خالق كل شيء لا يغني عنه إلا إذا نطق بالشهادتين
قوله:
وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته أو لا جزء له أو لا بعض له، لفظ مجمل. فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق، أو يتحيز، أو يكون قد ركب من أجزاء، لكنهم يريدون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه وامتيازه عنهم ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد، فقد تبين أن ما يسمونه توحيدا فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقا، فغن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن. وقاتلهم عليه الرسول ﷺ. بل لابد أن يؤمنوا بأنه لا إله إلا الله، وليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع- كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين- حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره، فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن -
[ ٢ / ٧٦ ]
المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه بل ٠ (الإله) الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى (مألوه) لا بمعنى (إله) والتوحيد أن تعبد الله وحده لا شريك له والإشراك أن تجعل مع الله إلها آخر.
ش: يعني أن النوع الثالث من أنواع التوحيد عند أرباب الكلام والتصوف، هو قولهم أن لله واحد في ذاته لا قسيم له ولا جزء له ولا بعض له وهذا كلام مجمل مشتمل على حق وباطل فقد يراد به معنى صحيح كما إذا قصد به أن الله سبحانه لا يجوز عليه أن يتفرق بل هو أحد صمد. وقد يراد به نفي صفاته، وحينئذ فهم إنما يقصدون تعطيل حقائق أسمائه وصفاته التي هي من لوازم ذاته المقدسة زاعمين أن ذلك من التوحيد. وبما ذكر ينكشف زيغهم ويتضح باطلهم، فإن هذه المعاني التي تتناولها عباراتهم فيها ما يوافق ما جاء به الرسول ﷺ وفيها ما يخالفه. وليس الحق الذي فيها هو الغاية التي جاء بها الرسول بل التوحيد الذي جاء به أمر يتضمن الحق الذي في هذا الكلام وزيادة أخرى، ومقالتهم هذه هي الكلام الذي لبس فيه الحق بالباطل فلو أقر الإنسان بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما تنزه عنه وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدا حتى يقر بأن لله وحده هو الإله المستحق للعبادة، والإله بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة ليس هو الإله بمعنى القادر على الخلق.
قال ابن جرير: الله أصله الألاه أسقطت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي عين الاسم واللام الزائدة وهي الساكنة فأدغمت في الأخرى فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة، وأما تأويل الله فإنه على معنى ما روي لنا عن ابن عباس قال: هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق. وساق بسنده عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال: الله ذو الألوهية
[ ٢ / ٧٧ ]
والعبودية على خلقه أجمعين انتهى" فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا، ولله ﷿ حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله، وأول ذلك أن لا تجعل مع الله إلها آخر فلا تحب مخلوقا كما تحب الله ولا ترجوه كما ترجو الله ولا تخشاه كما تخشى الله، ومن سوى بين المخلوق والخالق في شيء من ذلك فهو من الذين بربهم يعدلون وقد جعل مع الله إلها آخر وإن كان مع ذلك يعتقد أن الله وحده خلق السماوات والأرض، فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السموات والأرض وكانوا مع ذلك مشركين يجعلون مع الله آلهة أخرى. وقد سبق ذكر جملة من الآيات الدالة على ذلك. فتبين أن جعل هذا التوحيد الذي يقر به المتكلمون هو الغاية لا يخرجهم عن الشرك، فقد كان المشركون يقرون به ومع ذلك وصفهم الله بالشرك، وقاتلهم الرسول ﷺ فالتوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو أن يعبد الله وحده لا شريك له، وضده الشرك وهو أن يتخذ مع الله آلهة أخرى.
قوله:
وإذا تبين أن غاية ما يقرره هؤلاء النظار- أهل الإثبات- للقدر المنتسبون إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء ومع هذا فالمشركون كانوا مقرين بذلك مع أنهم مشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف والمنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد: هو شهود هذا التوحيد، وأن تشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا سيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده وبمعروفه عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها.
[ ٢ / ٧٨ ]
ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما، فضلا عن أن يكون وليا لله أو من سادات الأولياء وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقررون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية، مع إثبات الخالق للعالم المباين لمخلوقاته، وآخرون يضمون هذا إلى نفي الصفات، فيدخلون في التعطيل مع هذا. وهذا شر من حال كثير من المشركين.
ش: يعني إذا اتضح وتقرر ما سبق من أن أرباب الكلام المثبتين
لمشيئة الله النافذة وقدرته التامة المنتسبين إلى الشريعة إذا تقرر أن غاية التوحيد عندهم هو الإقرار بأن الله هو رب كل شيء ومليكه وكذلك إذا تبين أن أرباب التصوف المدعين التحقيق والمعرفة والزاعمين أنهم بلغوا من التوحيد غايته، إنما حاصل ما عندهم هو الإقرار بربوبية لله الشاملة فليعلم أن هذا هو حقيقة ما أقر به المشركون، ومع ذلك لم يدخلهم هذا الاعتراف في الإسلام بل نعتهم الله بالشرك في غير ما آية من القرآن، وقاتلهم رسول الله ﷺ واستباح دمائهم. ثم إن طائفة من الصوفية يقرون بأن الله رب كل شيء ومليكه ويثبتون أسماءه الحسنى وصفاته العليا، وطائفة منهم يعترفون بربوبية الله الشاملة، أما أسماء الله وصفاته فيجحدونها. وصنعهم هذا أسوأ حالا من كثير من المشركين فإنهم كانوا يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة. والحاصل أن هؤلاء النظار والمتصوفة المثبتين للصفات منهم والنافين لها غاية ما عندهم من التوحيد: هو الإقرار بأن الله هو خالق الخلق لا خالق لهم غيره ولا رب لهم سواه، أما أن يشرك معه غيره باتخاذ الوسائط ونحو ذلك من أنواع الشرك فذلك عندهم لا يضر مع الإقرار بالربوبية، وإذا كان ذلك حالهم فكيف يستحقون أن يوصفوا بأنهم مسلمون، فضلا عن أن يوصفوا بأنهم من أولياء الله أو من كبار عظمائهم. وقد تقدم الكثير من الأدلة على أن هذا هو عين شرك المشركين، وقوله: "لا سيما إذا غاب العارف عندهم بموجوده عن معرفته ودخل في فناء توحيد الربوبية بحيث
[ ٢ / ٧٩ ]
يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل" معناه: أن البالغ في التوحيد عندهم نهايته هو من يصل إلى هذه الحالة، ومعنى فناء المعرفة في المعروف، اضمحلال معرفته وتلاشيها في معروفه وهو الرب سبحانه بأن يغيب بمعروفه عن معرفته كما يغيب بمشهوده عن شهوده وبمذكوره عن ذكره وبمحبوبه عن حبه وبمخوفه عن خوفه، قال ابن القيم ﵀ وهذا: لا ريب في إمكانه ووقوعه فإن القلب إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره وأنت ترى الرجل يشاهد محبوبه الذي قد استغرق في حبه بحيث تخلل حبه جميع أجزاء قلبه أو يشاهد المخوف الذي امتلأ قلبه بخوفه فتراه دهشا عن شعوره بحبه أو خوفه، لاستيلاء سلطان المحبوب أو المخوف على قلبه وعدم اتساعه لشهود غيره البتة، لكن هذه حالة نقص لا حالة كمال والكمال وراء ذلك فإنه لا أحد أعظم محبة لله ﷿ من الخليلين عليهما الصلاة والسلام وكانت حالهما أكمل من هذه الحال وشهود العبودية أكمل وأتم وأبلغ من الغيبة عنها بشهود المعبود، فشهود العبودية والمعبود درجة الكمل والغيبة بأحدهما عن الآخر درجة الناقصين فكما أن الغيبة بالعبادة عن المعبود نقص فكذلك الغيبة بالمعبود عن عبادته نقص. فالحق تعالى، مراده من عبده استحضار عبوديته لا الغيبة عنها فكيف يكون قائما بحقيقة العبودية من يقول إياك نعبد ولا شعور له بعبوديته البتة، فإن حقيقة إياك نعبد، علم ومعرفة وقصد وإرادة وعمل، وهذا مستحيل في وادي الفناء" انتهى كلامه ﵀، وسيأتي قريبا مزيد بيان لهذا البحث إن شاء الله تعالى.
[ ٢ / ٨٠ ]
معنى الجبر
قوله:
وكان جهم بن صفوان ينفي الصفات ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب فارق المشركين من هذا الوجه لكن جهما ومن اتبعه يقولون بالإرجاء فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده، والنجارية والضرارية وغيرهم
[ ٢ / ٨٠ ]
يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان مع مقاربتهم له أيضا في نفي الصفات. والكلابية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات فإنهم يثبتون لله الصفات الفعلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية أيضا كما فصلت اقوا لهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة، والكلابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، الذي سلك الأشعري خطته وأصحاب بن كلاب كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي ونحوهما خير من الأشعرية في هذا وهذا.
فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل. والكراميه قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم تصديق القلب فيجعلون المنافق مؤمنا. لكنه يخلد في النار فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم وأما في الصفات والقدر والوعد، فهم أشبه بأكثر طوائف المتكلمين الذين في أقوالهم مخالفة للسنة.
ش: يعني أن رئيس أهل التعطيل وزعيم القائلين بأن العبد مجبور على أفعاله لا مشيئة له فيها ولا اختيار هو جهم، فقد كان يقول بذلك. وقاربه في هذا المذهب الشنيع طائفة النجارية وفرقة الضرارية فقد شابهت هاتان الطائفتان جهم في التعطيل وفي الغلو في إثبات القدر، والجهمية يشبهون المشركين حيث يقولون أن التدبير في أفعال الخلق كله لله تعالى، وهي كلها اضطرارية كحركات المرتعش والعروق النابضة وحركات الأشجار، والمشركون يقولون: لو شاء الله ما أشركنا، فالكل مخاصم لله ومحتج بالقدر، لكن فرق ما بين الجهمية والمشركين أن الجهمية يؤمنون بما يأمر الله به من أوامر كإفراده بالعبادة وسائر الطاعات وما ينهى عنه من نواهي كالشرك وسائر المعاصي، وأثبتوا ما يترتب على ذلك من الجزاء ولكن يضعف إيمانهم بذلك قولهم بالإرجاء. والكلابية والأشاعرة خير من هؤلاء
[ ٢ / ٨١ ]
الجهمية ومن قاربهم حيث أن أصحاب ابن كلاب والمنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري يثبتون لله الصفات الفعلية الاختيارية كالاستواء والنزول والمجيء لفصل القضاء ونحو ذلك، كما أن زعماء هاتين الطائفتين يثبتون بالإضافة إلى الصفات الفعلية الصفات الخبرية كالوجه واليدين ونحو ذلك كما قد بسط الكلام في هذا المقام في غير هذا الموضع. وهذه الطوائف جميعا يتشابهون في مسألة الأسماء كالفاسق والكافر والمؤمن كما يتشابهون في مسألة الحكم على بعض الناس بالإيمان والكفر والفسوق، كما يتشابهون أيضا في التخبيط في قدر الله السابق. والكلابية هم المنسوبون إلى أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان التميمي البصري المتكلم رئيس الطائفة الكلابية وهو من المنتسبين إلى السنة، كانت بينه وبين المعتزلة مناظرات في زمن المأمون. وتوفي سنة أربعين ومائتين. ويقال له ابن كلاب لشدة مجادلته في مجلس المناظرة، وهو لقب له مأخوذ من الكلاب الذي هو المهماز وهو الحديدة التي على خف رائض الخيل. لا أن كلابا جده. ولهذا يصح أن يقال الكلابي بدل ابن كلاب. وابن كلاب هذا الذي سلك الأشعري منهجه في كثير من الأقوال الكلامية حين جرى بينه وبين أستاذه الجبائي المعتزلي مناظرة في مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية. ابن كلاب هذا خير في الأشعرية في مسائل الإيمان والصفات كما أنه أيضا خير منهم في مسائل الأسماء والأحكام والقدر، كما أن أصحاب ابن كلاب كالحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وأمثالهما من أصحابه هم أيضا خير من الأشاعرة في المسائل المذكورة. والضابط في هذا التفضيل، أنه كلما كان القول أقرب إلى الكتاب والسنة كان أعلى وأفضل من غيره، والكرامية لهم في مسألة الإيمان قول شنيع لم يسبقهم إليه أحد من الطوائف، وهو قولهم أن الإيمان يكفي فيه مجرد النطق باللسان وإن كان القلب غير مصدق، وعلى هذا فالمنافق عندهم مؤمن لكنهم يحكمون عليه بالخلود في النار فهو عندهم مؤمن في الاسم لا في الحكم، أما رأي الكرامية في مسائل
[ ٢ / ٨٣ ]
الصفات والقدر والوعيد فهو شبيه برأي كثير في طوائف المتكلمين الذين يوجد في آرائهم شيء من الصواب وشيء من مخالفة الشرع، والجبر: لفظ مجمل فإنه يقال جبر الأب ابنته على النكاح وجبر الحاكم الرجل على بيع ما له لوفاء دينه. ومعنى ذلك أكرهه ليس معناه جعله مريدا لذلك مختارا محبا له راضيا به، ومن قال أن الله تعالى جبر العباد بهذا المعنى فهو مبطل فإن الله أعلى وأجل قدرا في أن يجبر أحدا، وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله مريدا للفعل مختارا له راضيا به، والله سبحانه قادر على ذلك فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له راضيا به فكيف يقال أجبره وأكرهه كما يجبر المخلوق المخلوق؟ وإذا أريد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات فهذا المعنى صحيح، قال الأوزاعي وغيره: ليس في الكتاب والسنة لفظ جبر وإنما في السنة لفظ (جبل) كما في الصحيح أن النبي ﷺ قال لأشج عبد القيس لما قدم عليه وفد عبد القيس من البحرين: "إن فيك لخلقين يحبهما الله الحلم والأناة فقال أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما قال بل جبلت عليهما، فقال الحمد لله الذي جبلني على ما يحب " ومن أجل ذلك أنكر الأوزاعي والثوري وأحمد وغيرهم من السلف لفظ الجبر في النفي والإثبات، ومن المعلوم بالضرورة أن الأفعال تنقسم إلى ما ينفع العباد والى ما يضرهم ولله قد بعث رسوله ﷺ يأمر المؤمنين بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، فمن لم يتبع شرع الله ودينه تبع ضده من الأهواء والبدع وكان احتجاجه بالقدر من الجدل بالباطل، ليدحض به الحق. والإرجاء هو التأخير ولذلك سمي أصحاب هذا الرأي بالمرجئة لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان حيث زعموا أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأن الناس في الإيمان سواء فإيمان أفسق الناس كإيمان الأنبياء وأن الأعمال الصالحة ليست من الإيمان، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية، وشبهتهم الواهية هي مثل قولهم الإيمان في اللغة هو التصديق والرسول إنما خاطب الناس بلغة العرب لا بغيرها فيكون مراده بالإيمان التصديق، ثم قالوا والتصديق إنما يكون بالقلب واللسان أو القلب فقط، فالأعمال ليست في الإيمان. قال الشيخ: والمرجئة ثلاثة أصناف: الصنف الأول من يقول الإيمان مجرد ما في القلب. والثاني: من يقول هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: من يقول هو تصديق القلب وقوة اللسان وهذا هو المشهور عن مرجئة الفقهاء. والحق أن الإيمان قوة وعمل، قول باللسان وإقرار واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، وكل ما يطاع الله ﷿ به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي. وأهل الذنوب مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر. والخوارج والمعتزلة يقولون أن الدين والإيمان قول وعمل واعتقاد ولكن لا يزيد ولا ينقص، ومن أتى كبيرة كفر عند الحرورية وصار فاسقا عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، وأما الحكم فالمعتزلة وافقوا الخوارج على حكمهم في الآخرة فعندهم أن من أتى كبيرة فهو خالد مخلد في النار لا يخرج منها لا بشفاعة ولا بغير شفاعة، أما في الدنيا فالخوارج حكموا بكفر العاصي واستحلوا دمه وماله وأما المعتزلة فحكموا بخروجه من الإيمان ولم يدخلوه في الكفر ولم يستحلوا منه ما استحله الخوارج، وقابلتهم المرجئة والجهمية ومن اتبعهم فقالوا ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة ولا ترك المحظورات البدنية، فإن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان بل هو شيء واحد، والنجارية هم أصحاب الحسين بن محمد النجار وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل العامة، والضرارية هم أصحاب ضرار بن عمرو، الذي ظهر في أيام واصل بن عطاء، والحارث هو ابن أسد المحاسبي الزاهد الناطق بالحكمة صاحب المصنفات في التصوف والأحوال وهو أحد شيوخ الجنيد وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وأبو العباس القلانسي هو أحد متكلمي أهل السنة في القرن الثالث، وله كتب ورسائل عديدة، والكرامية هم أصحاب أبي عبد الله محمد ابن كرام الذي ظهر ونشر بدعته في أيام محمد بن طاهر بن عبد لله.
[ ٢ / ٨٤ ]
مذهب القدرية والجهمية في الوعد والوعيد
قوله:
وأما المعتزلة، فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم لكنهم ينفون القدر: فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد وغلوا فيه مكذبون بالقدر ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب، والإقرار بالوعد والوعيد مع إنكار القدر خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم الخوارج والحرورية، وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة. فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم. أولئك يشبهون المجوس، وهؤلاء يشبهون المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ والمشركون شر من المجوس، فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله" وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين أو أحدهما مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد، والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله، إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول الله فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر فلابد كل من الكلام في هذين الأصلين.
ش: بعد أن بين المؤلف رأي الجهمية القائلين بالتعطيل والجبر والإرجاء شرع في بيان مذهب المعتزلة كعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأضرابهما فذكر أن القدرية وإن قاربوا جهما في التعطيل إلا أنهم يقولون أنه لا يغفر لمرتكب الكبيرة إلا بالتوبة وأن أهل الكبائر مخلدون في
[ ٢ / ٨٥ ]
النار ويخرجونهم من الإيمان بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ وغيره زعما منهم أنه إذا أوعد عبيده فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده، كما يغلون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويدخلون تحت ستار ذلك الخروج على الأئمة، بينما الجهمية المرجئة لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر فلا يجزمون بثواب من تاب كما لا يجزمون بعقوبة من لم يتب، وبذلك يضعف جانب إثباتهم للأمر والنهي والجزاء على الأعمال، غير أن المعتزلة وأن عظموا جانب الأمر والنهي فهم مكذبون بقدر الله السابق ومعتقدون بأن العبد يخلق فعل نفسه، ومن هذه الجهة فهم مشركون في الربوبية، وإنكارهم للقدر وغلوهم في الوعد والوعيد وإن كان باطلا إلا أنه خير من إثبات القدر مع الغلو فيه، وحينئذ فأهل الكلام وأرباب التصوف المجبرة شر من المعتزلة ونحوهم كالشيعة القدرية فإن هؤلاء يعظمون الأمر والنهي والوعد والوعيد وطاعة الله ورسوله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لكن ضلوا في القدر واعتقدوا أنهم إذا أثبتوا مشيئة عامة وقدرة شاملة وخلقا متناولا لكل شيء لزم من ذلك القدح في عدل الرب وحكمته، وقد غلطوا في ذلك. أما أهل الكلام والتصوف، فأثبتوا القدر وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء، وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهي والوعد والوعيد وأفرطوا حتى أفضى بهم ذلك إلى الإلحاد فصاروا من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ والقدرية يشبهون المجوس، وهؤلاء المتصوفة المجبرة يشبهون المشركين فأولئك القدرية وإن كانوا يشبهون المجوس من حيث أنهم أثبتوا فاعلا غير الله سبحانه فهؤلاء شابهوا المشركين والمشركون شر من المجوس فإن المجوس يقرون بالجزية باتفاق المسلمين، وذهب بعض العلماء إلى حل نسائهم وطعامهم، وأما المشركون فاتفقت الأمة على تحريم نكاح نسائهم. أما إقرارهم على الجزية فجمهور العلماء على أن مشركي العرب لا يقرون بها وإن أقرت المجوس، فإن النبي ﷺ لم يقبل الجزية من
[ ٢ / ٨٦ ]
المشركين بل قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ﷿" وبما ذكر من تقرير توحيد الشرع وبيان ارتباطه بالقدر اتضح أن هذا الأصل هو العمدة الذي يميز بين الأبرار والفجار والمسلمين والكفار، فهذا حقيقة التوحيد: شهودا بوحدانية لله وبرسالة رسول الله علما وعملا، خلافا لأرباب الكلام وأهل التصوف الذين يعتقدون أن مشاهدة الربوبية العامة والفناء في معرفتها هو الغاية في التوحيد وأن معنى الإله هو القادر على الاختراع. وحينئذ فلابد في تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بأن لا يعبد إله غير الله، وشهادة أن محمدا رسول الله بأن لا يعبد الله إلا بما شرعه رسول الله ﷺ، وقوله: "ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي والوعد والوعيد ولكن نبغ فيهم القدرية كما نبغ فيهم الخوارج والحرورية وإنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة":
يعني ومن أجل أن مقالة المجبرة شر من مقالة نفاة القدر نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يوجد في عهدهم من ينكر الأمر والنهي والوعد والوعيد، أما إنكار القدر فقد وجد من يقول به في أواخر عهد الصحابة، كما روى مسلم وأبوداود وغيرهما عن يحي بن يعمر، قال: "كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبدا الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلا في المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وأنهم مني براء والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبله
[ ٢ / ٨٧ ]
الله منه حتى يؤمن بالقدر"، وروى أحمد وأبوداود عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: حدثني أبي قال: "دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال أجلسوني قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟، قال: تعلم أن ما أخطاك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" يا بني إنك إن مت ولست على ذلك دخلت النار" وهذا يدل على بشاعة الاحتجاج بالقدر وإنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد، والبدعة إنما تقوى وتنتشر كلما بعد الناس عن نور الرسالة وضعف الدعاة إليها، ولما كان القدر من المسائل الشائكة ذات الخفاء والإشكال وجد من ينكره حتى في العهد القريب من نور الرسالة، وقد أنكرت هذه البدعة أشد الإنكار وحوربت أعظم المحاربة، والمجوس هم عبدة النيران القائلون: أن العالم صادر عن أصلين هما النور والظلمة، والمجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات والميم والنون يتعاقبان. والمجوس أقدم الطوائف وأصلهم من بلاد فارس، وقد نبغوا في علم النجوم، ومن جملتهم المانوية المنسوبون إلى أحد زعمائهم وهو مانىء بن فاتك الحكيم الذي ظهر فى زمان شابور بن أزدشير وذلك بعد عيسى ﵇. وقد استخرج مذهبه من المجوسية والنصرانية فهو ثنوي زنديق. ومنهم المزدكية المنسوبون إلى مزدك الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان، وقول المزدكية كقوة المانوية في الأصلين إلا أن مزدك كان يقول النور يفعل بالقصد والاختيار، والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق. قال الشهرستاني: "وكان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال، ولما كان أكثر ذلك إنما يقع بسبب النساء والأموال أحل النساء والأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ"، قال في حاشية الملل نقلا عن ابن خلدون: "مزدك الزنديق كان
[ ٢ / ٨٨ ]
إباحيا وكان يقول باستباحة أموال الناس وأنها فيء وأنه ليس لأحد ملك شيء ولا حجزه، والأشياء كلها ملك لله مشاع بين الناس لا يختص به أحد. وقد أمر مزدك أصحابه بتناول اللذات والعكوف على بلوغ الشهوات والأكل والشرب والمواساة والاختلاط وترك استبداد بعضهم على بعض. ولهم مشاركة في الحرم والأهل لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر ولا يمنعه، ولهم مذهب في الضيافات ليس هو لأحد من الأمم إذا أضافوا الإنسان لم يمنعوه من شيء يلتمسه كائنا ما كان"، وإذًا فمذهب المزدكية هو أصل الشيوعية الحمراء التي نادى بها كارل ماركس واحتضنها تلميذه لينين مؤسس الدولة الماركسية التي يغطي دخان جحيمها في هذه الأزمان سماء عدد من الأقطار المفتونة بمعسول قولها والمخدوعة ببريق دعايتها التي في ظاهرها الرحمة وفى باطنها العذاب. والخوارج هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي ﵁ حين جرى أمر الحكمين واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة، وفيهم قال النبي ﷺ: "تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم ويحقر صيام أحدكم في جنب صيامهم ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم"، وهم المارقة الذين قال فيهم ﷺ: "سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، ويجمع طوائفهم القول بالتبرؤ من عثمان وعلي ويقدمون ذلك على كل طاعة ولا يصححون المناكحة إلا على ذلك. ويكفرون أصحاب الكبائر. وقوله: "غنما يظهر من البدع أولا ما كان أخفى" يعني أن هؤلاء المجبرة لم يكونوا موجودين في عصر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن البدع إنما يظهر منها أولا فأولا الأخفى فالأخفى، كما حدث في آخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والشيعة. ثم في آخر عصر الصحابة بدعة المرجئة والقدرية، ثم في آخر عصر التابعين بدعة الجهمية معطلة الصفات. وأما هؤلاء المباحة المسقطون للأمر والنهي محتجين على ذلك بالقدر فهم شر من جميع هذه الطوائف، وإنما حدثوا بعد هؤلاء كلهم، وكان ظهور جهم ومقالته في تعطيل الصفات وفي الجبر والإرجاء في أواخر
[ ٢ / ٨٩ ]
دولة بني أمية بعد حدوث القدرية والمعتزلة وغيرهم، فإن القدرية حدثوا قبل ذلك فلما حدثت المقالة المقابلة لمقالة القدرية أنكرها السلف والأئمة كما أنكروا قول القدرية من المعتزلة ونحوهم، (والوعيد) التخويف والتهديد وضده الوعد، فالوعيد والإيعاد فيما يحضر ويخاف منه. والوعد والعدة فيما يرغب ويشتاق إليه.
قال الشاعر:
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي وإني وإن أوعدته أو وعدته
ومذهب أهل السنة والجماعة في نصوص الوعيد هو إمرارها كما جاءت وعدم التعرض لها بالتأويل قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد عند شرحه لقوله ﷺ في حديث أبي موسى: "ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر ومصدق بالسحر وقاطع الرحم" ما نصه: "هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف تأويلها وقالوا: أمروها كما جاءت. ومن تأولها فهو على خطر من القول على الله بلا علم وأحسن ما يقال: أن كل عمل دون الشرك والكفر المخرج عن ملة الإسلام فإنه يرجع إلى مشيئة الله، فإن عذبه فقد استوجب العذاب، وإن غفر له فبفضله وعفوه ورحمته" انتهى.
[ ٢ / ٩٠ ]
لابد من تحقيق الشهادتين
تفسير الشهادتين
قوله:
الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه سبحانه أخبر عن المشركين كما تقدم بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقال عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِنِّي
[ ٢ / ٩٠ ]
آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيع﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، قال طائفة من السلف: "كان قوم يدعون العزير والمسيح فأنزل الله هذه الآية، يبين فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه". ومن تحقيق التوحيد أن يعلم، أن الله تعالى أثبت له حقا لا يشركه فيه مخلوق كالعبادة والتوكل والخوف والتقوى، كما قال تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: َ ﴿الشَّاكِرِينَ﴾، وكل واحد من الرسل قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿وحَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ
[ ٢ / ٩١ ]
أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وقال في التوكل: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل (ورسوله) أن الإيتاء هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وأما الحسب فهو الكافي والله وحده هو كاف عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فهو وحده حسبهم كلهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك كما يظنه بعض المغالطين، إذ هو وحده كاف نبيه، وهو حسبه ليس معه من يكون هو وإياه حسبا للرسول، وهذا في اللغة كقول الشاعر: "فحسبك والضحاك سيف مهند"، وتقول العرب: "حسبك وزيدا درهم" أي يكفيك وزيدا جميعا درهم وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فأثبت الطاعة لله وللرسول وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ فجعل العبادة والتقوى لله وحده وجعل الطاعة له، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ . وفي الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: "لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟، فقال النبي
[ ٢ / ٩٢ ]
ﷺ: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾، ومن هذا الباب، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا"، وقال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد"،ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف الواو وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف (ثم) وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول بخلاف المشيئة فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله.
الأصل الثاني: في حق الرسول ﷺ، فعلينا أن نؤمن به ﷺ ونطيعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال ذلك: قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك.
ش: هذا شروع في بيان ما أجمله المؤلف في قوله: "فلابد من الكلام على هذين الأصلين" وتحقيقهما هو كما قال المؤلف قبل ذلك "فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدا رسول لله فيجب تصديقه فيما أخبر. وطاعته فيما أمر"، وقد شرح الأول
[ ٢ / ٩٣ ]
بقوله "الأصل الأول توحيد الإلهية: فإنه سبحانه أخبر عن المشركين- كما تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينه وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء بدون إذن الله" يعني فلابد من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فإن الله سبحانه قد كفر الذين دعوا معه آلهة أخرى أو تقربوا بهم إليه واتخذوهم وسطاء وشفعاء دون أن يأذن الله لهم بذلك. ثم استشهد المؤلف بجملة آيات تصرح بشرك وكفر من دعا غير الله، والتمس منه الشفاعة، وتبين الآيات أنهم لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا وأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى وأنه لا شفاعة عند لله إلا بإذنه وأن هؤلاء المدعوين من ملائكة وأنبياء وصالحين لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا فضلا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم وليس لهم من شرك في السموات ولا في الأرض ولا يملكون مثقال ذرة فيهما. وليست لله منهم عون ولا نصير بل الكون كله بأسره ملكه وتحت تصرفه، ثم بين المؤلف أن من تحقيق هذا الأصل أن يفرد الله جل وعلا بكل أنواع العبادة من خوف ورجاء وتوكل ورغبة وخشية وقد استشهد بعدة آيات فيها التصريح باستحقاق الله وحده سائر أنواع العبادات وإفراده بها دون من سواه، وأشار إلى بعض الأسرار التي تؤخذ من تعبير الآيات الكريمات كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، وكما في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وقوله عن نوح ﵇: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾، وقد بين الثاني بقوله: "الأصل الثاني في حق الرسول ﷺ فعلينا أن نؤمن به ﷺ ونطيعه ونرضيه ونحبه ونسلم لحكمه وأمثال ذلك " يعني ولابد من تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله بأن يطاع في كل ما أمر ويجتنب ما عنه نهى وزجر وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، وذلك يتضمن تقديم طاعته على طاعة كل أحد ومحبته وإرضائه باتباعه، وقد استشهد الشيخ على وجوب تحقيق هذا الأصل بجملة آيات، تبين أن طاعة الرسول طاعة لله وأن محبته ورضاه، مقرون برضاه.
[ ٢ / ٩٤ ]
قال الشيخ: وبالجملة فمعناه أصلان عظيمان: أحدهما أن لا نعبد إلا الله، والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع فلا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، وفي لفظ في الصحيح "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"، وفي الصحيح وغيره أيضا "يقول لله تعالى أنا أغنى الشركاء من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك"، وقد سبق إيضاح أنه ما من رسول إلا وقد أمر بأن يقول لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقوله: "قال طائفة من السلف" يعني كمجاهد وابن عباس وقوله: "وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي "حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله إلى آخره " المعنى أن الله وحده كافيك وكافي أتباعك فلا تحتاجون معه إلى أحد، وهذا اختيار المحققين كالشيخ ﵀، وقيل المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون، قال ابن القيم ﵀: "وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه فإن الحسب والكفاية لله وحده كالتوكل والتقوى والعبادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾، ففرق بين الحسب والتأييد فجعل الحسب له وحده وجعل التأييد له بنصره وبعباده وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث أفردوه بالحسب فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله ونظير هذا قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ورسوله وجعل الحسب له وحده فلم يقل وقالوا حسبنا الله ورسوله بل جعله خالص حقه كما قال: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فجعل الرغبة إليه وحده كما قال: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، فالرغبة والتوكل والإنابة
[ ٢ / ٩٥ ]
والحسب لله وحده كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والخشية لا تكون إلا له ﷾. وتقرير الشيخ لهذا المعنى هو الموافق لما جاء في اللغة العربية كما في قول الشاعر:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند
فإن المعنى: يكفيك سيف مهند مع الضحاك، ومعنى "حسبك وزيدا درهم" أي يكفيك أنت وزيد مجتمعين درهم واحد، وقوله: "وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ "إلى آخره المعنى كما قال ابن جرير عن الربيع بن أنس قال: "الإيمان هو الإخلاص لله وحده"، وقال ابن كثير في الآية: "أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده ولم يشركوا به شيئا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة". قال الشيخ في معنى حديث ابن مسعود: والذي شق عليهم أنهم ظنوا أن الظلم المشروط عدمه هو ظلم العبد نفسه وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه فبين لهم النبي ﷺ ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانه بهذا الظلم فكان من أهل الأمن والاهتداء كما كان من أهل الاصطفاء في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة: الشرك وظلم العباد وظلمه لنفسه بما دون الشرك كان له الأمن التام والاهتداء التام ومن لم يسلم من ظلمه لنفسه كان له مطلق الأمن والاهتداء بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة كما وعد بذلك في النصوص الأخرى وقد هداه الله إلى الصراط
[ ٢ / ٩٦ ]
المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى الجنة ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه لنفسه وليس مراد النبي ﷺ بقوله: "إنه الشرك" أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام فإن أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف وحينئذ فمن لم يفرد الله سبحانه بجميع أنواع العبادة فإنه لم يحقق هذا الأصل، ثم بين المؤلف في معرض ذكره لبعض أسرار التعبير أن من هذا القبيل قول النبي ﷺ في خطبته: "من يطع الله ورسوله" بينما قال في المشيئة: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، بل قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" ففرق بين الطاعة والمشيئة، وقوله ﷺ: "ومن يعصهما" هو مثل قوله ﷺ في حديث أنس ﵁ قال: "لما كان يوم خيبر أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة فنادى أن لله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس" متفق عليه بتثنية الضمير لله تعالى ولرسوله، وقد ثبت أنه ﷺ قال للخطيب الذي قال:"في خطبته من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما الحديث: "بئس خطيب القوم أنت" لجمعه بين ضمير الله تعالى وضمير رسوله ﷺ، وقال: "قل ومن يعص الله ورسوله" وقد أجيب عن هذا الإشكال بجوابين أحدهما: أنه ﷺ نهى الخطيب عن ذلك لأن مقام الخطابة يقتضي البسط والإيضاح فأرشده إلى أن يأتي بالاسم الظاهر لا بالضمير وأنه ليس العتب عليه من حيث جمعه بين ضمير الله وضمير رسول الله ﷺ، والثاني: أنه ﷺ له أن يجمع بين الضميرين وليس ذلك لغيره لعلمه بجلال ربه وعظمته. وقوله: "ومن هذا الباب أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته الخ"، يشير إلى ما رواه أبوداود من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ "أن رسول الله ﷺ كان إذا تشهد قال: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهد الله فلا مضل له وفي يضلل فلا هادي له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله
[ ٢ / ٩٧ ]
شيئا"،وقوله: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد"، يشير إلى ما رواه النسائي من حديث قتيلة بنت صيفي الأنصارية ﵂: "أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال إنكم تشركون تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت"،وقوله: "بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس وما شاء الناس لم يكن إن لم يشأ الله" يعني كما جاء في الأثر أن رسول الله ﷺ قال: "كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت، ولا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر الناس، ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله شيئا ويريد الناس شيئا، وما شاء الله كان ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد ولا يكون شيء إلا بإذن الله"، وما أحسن قول الإمام الشافعي:
فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
خلقتَ العباد على ما علمتَ ففي العلم يجري الفتى والمسن
على ذا مننتَ وهذا خذلتَ وهذا أعنتَ وذا لن تُعن
فمنهم شقي ومنهم سعيد ومنهم قبيح ومنهم حسن
وعشيرتكم: قبيلتكم وهم بنو أب واحد. واقترفتموها: اكتسبتموها، وكساد التجارة: بوارها، والتربص: الانتظار.
[ ٢ / ٩٨ ]
مراتب القدر
فصل: قوله:
إذا ثبت هذا فمعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره، وبقضائه وشرعه، وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق مجوسية، ومشركية، وإبليسية. فالمجوسية: الذين كذبوا بقدرة الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم، والفرقة الثانية: المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة. والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية: الذين أقروا بالأمرين لكن جعلوا هذا تناقضا من الرب ﷾ وطعنوا في حكمته وعدله كما يذكر عن إبليس مقدمهم كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب.
ش: يقول الشيخ: إذا تقرر أن أصل الدين وزبدة التوحيد: هوتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، فلابد بالإضافة إلى ذلك من الإيمان بخلق الله وبقضائه وشرعه وأمره، فإن الإيمان بالقدر السابق مرتبط بالإيمان بالشرع ارتباطا وثيقا فالإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه وأنه علم الأشياء وكتبها قبل أن تكون مستلزم للإيمان بأن الله شرع الشرائع، فأمر ونهى ووعد وتوعد وسيجازي كلا بعمله: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وأهل الزيغ المخبطون في قدر الله انقسموا في هذا الباب إلى ثلاثة أصناف مجوسية ومشركية وإبليسية، فالمجوسية هم القدرية المشبهون بالمجوس لاخراجهم أفعال العباد عن قدرة الله وهم قسمان: غلاة ومقتصدون، فالغلاة أنكروا مرتبتي العلم والكتابة كمعبد الجهني وهشام بن
[ ٢ / ٩٩ ]
عمرو الغوطي أما غير الغلاة منهم فلم ينكروا المرتبتين السابقتين وإنما أنكروا عموم مرتبتي الخلق والمشيئة، وإذًا فهذا الصنف هم المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة، فهنا أربع مراتب، أولا: مرتبة العلم السابق، ثانيا: مرتبة الكتابة وهي أن الله كتب مقادير الخلائق وما هوكائن إلى يوم القيامة فى اللوح المحفوظ، ثالثا: مرتبة المشيئة وهي إثبات مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، رابعا: مرتبة الخلق والإيجاد فكل ما سوى الله فهو مخلوق موجود كائن بعد أن لم يكن، قال الحافظ بن رجب: "والإيمان بالقدر على درجتين، أحدهما: الإيمان بأن الله سبق فى علمه ما يعمله العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هومنهم من أهل الجنة، ومن هم منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه. والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان وشاءها منهم فهذه الدرجة يثبتها كثير من القدرية ونفاها غلاتهم، الصنف الثاني: هم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر وزعموا أن ذلك لا يوافق الأمر والنهي واحتجوا بالقدر تماما كما قال المشركون فيما حكى الله عنهم ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، فهؤلاء حقيقة أمرهم تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبية العامة، وهذا الاعتقاد الفاسد قد فشى في كثير من أهل التصوف المدعين التحقيق والمعرفة وهم مجبرة المشركية.
الصنف الثالث: أقروا بالأمر والنهي وبالقضاء النافذ والقدر السابق ولكن جعلوا الجمع بين هذا وذاك تناقضا من الرب تعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا، فطعنوا فى حكمة الرب ﷿ وعدله، وهؤلاء هم الملاحدة والزنادقة المشبهون برئيسهم إبليس فى اعتراضه على ربه، كما نقل ذلك عن أهل الكتاب، فيما حكاه أرباب المقالات كالشهرستاني فقد
[ ٢ / ١٠٠ ]
ذكر في كتابه (الملل والنحل) أنه جاء في التوراة وفي شرح الأناجيل: "أن إبليس لعنه الله اعترض على ربه باعتراضات منها قوله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر ولا يسأل عن قدرته ومشيئته فإنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون وهو حكيم ولكن لقد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني فلم خلقني أولا وما الحكمة في خلقه إياي، وقال: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئة فلم كلفني بمعرفته وطاعته وما الحكمة في التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية"، قال شارح الإنجيل: "فأوحى الله تعالى إلى الملائكة ﵈ أن قولوا له إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي بـ (لم)، فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون"، قال الشيخ: "وهوسبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وله فيما خلقه حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة عامة وخاصة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته فإنه ﷾ أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين" والخوض: هو اعتقاد الباطل والتكلم به في آيات الله وأحاديث رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ١٠١ ]
مجرد الأسباب لايوجب حصول المسبب
قوله:
والمقصود أن هذا مما تقوله أهل الضلال، وأما أهل الهدى والفلاح، فيؤمنون بهذا وهذا ويؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وأحاط بكل شيء علما، وكل شيء أحصاه في إمام مبين، ويتضمن هذا الأصل، من إثبات علم الله وقدرته ومشيئته، ووحدانيته وربوبيته وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه، ما هو من أصول الإيمان ومع هذا لا ينكرون ما خلق الله في الأسباب التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال
[ ٢ / ١٠١ ]
تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ فأخبر انه يفعل بالأسباب، ومن قال أنه يفعل عندها لا بها فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى، التي في الحيوان التي يفعل بها مثل قدرة العبد، كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولابد من عدم مانع يمنع مقتضاه، إذا لم يدفعه الله عنه فليس في الوجود شيء واحد يفعل شيئا إذا شاء إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
ش: يقول الشيخ: والخلاصة أن مقالة الأصناف الثلاثة هي مما
افتراه أهل الزيغ والإلحاد، أما أهل الإيمان والتوحيد والاستقامة على الشرع فيؤمنون بقدر الله السابق وبما شرعه من شرائع وأن الله خالق كل شيء ولا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه بكل شيء عليم وكل شيء قد أحصاه في إمام مبين، والإيمان بهذا الأصل هو أحد دعائم الإيمان بوحدانية الله وربوبيته الشاملة، ومع الإقرار بما ذكر فأهل الإيمان والتوحيد لا ينكرون ما خلقه الله من الأمور التي جعلها الله سببا في حصول المسببات، وذلك أن الله علم الأشياء على ما هي عليه وقد جعل لها أسبابا بها يعلم أنها تكون فلابد من الأسباب التي قد علمها الله ﷾، فلا ينال العبد شيئا إلا بما قدره الله من جميع الأسباب والله خالق ذلك الشيء وخالق الأسباب، ولهذا قيل: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع"، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب بل لابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، مثال ذلك الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة المعلق عليها جلب المنافع أو دفع المضار فإن الكلمات بمنزلة
[ ٢ / ١٠٢ ]
الآلة في يد الفاعل تختلف باختلاف قوته وما يعينها وقد يعارضها مانع من الموانع وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته، أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك فأجيبت دعوته فيظن أن السر في ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي. قال الشيخ: وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعا في الوقت الذي ينبغي فانتفع به فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب كان غالطا، فالأدعية والتعوذات والرقي بمنزلة السلاح والسلاح بضاربه لا بحده فقط فمتى كان السلاح سلاحا تاما والساعد ساعدا قويا والمحل قابلا والمانع مفقودا حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثَمّ مانع من الإجابة لم يحصل الأثر. والشاهد من آية الأعراف أن لله أخبر أن إنشاء السحاب سبب للمطر، روى أبو الفرج بن الجوزي بإسناد يرفعه إلى عبيد بن عمير أنه قال: "يبعث الله ريحا فتقم الأرض، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب وذلك أنها تحمل الماء فتمجه في السحاب، ثم يمر به فيدر كما تدر اللقحة"، وقد روي في الأثر: "أن الرياح أربع: ريح تقم وريح تثير فتجعله كسفا وريح تؤلف، فتجعله ركاما، وريح تمطر". وروي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: "إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا، وينزل عليه المطر فتتمخض به الريح كما تمخض النتوج بولدها" وأن الماء سبب لإنبات النبات، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج﴾ والشاهد من آية المائدة والبقرة: أن القرآن الكريم سبب في الهداية لقوم، ويكون سبب في الإضلال، لقوم آخرين كما بين الله ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ
[ ٢ / ١٠٣ ]
كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، فأما من زعم أن الله يفعل عند حصول السبب فقد أنكر ما صرح به القرآن العزيز من أن الله يفعل بالسبب، وأنكر أيضا ما خلقه من القوى والطبائع التي كونها الله في المخلوقات كالقوة المحرقة التي جعلها الله من طبيعة النار، وكالقوة المبردة التي جعلها من طبيعة الثلج وكالقوة التي وهبها الله للإنسان فبها يقوم ويقعد ويعمل ويتلذذ ويتصرف، وكالإسكار الذي جعله الله من طبيعة الخمر، وكطبيعة مني الرجال الذي يحصل منه الولد، ومني الجمال الذي تحصل منه الإبل، إلى غير ذلك من الشائع التي جبل الله خلقه عليها، فسبحان مبدع الخلق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى، كما أن من جعل الحيوان هو الذي يوجد فعل نفسه، أو جعل شيئا من الأمور الطبيعية يفعل بمقتضى طبيعته فقد أشرك مع الله غيره في الخلق بإضافة فعل ذلك الشيء إلى غير الله، وقد سبق إيضاح أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر لا استقلال له البتة، ولابد أيضا في حصول المسبب من انتفاء الموانع مع قبول المحل، والله ﵎ خالق الأسباب ومسبباتها، فما من أحد يفعل بالاستقلال ما يريد إلا رب كل شيء ومليكه، قال ﷿: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يعني فتعلمون أن خالق الزوجين من جميع أصناف الخلق واحد لا إله للخلق غيره ولا رب لهم سواه. قال الشيخ وأما الأسباب المخلوقة كالنار. في الإحراق، والشمس في الإشراق والطعام والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحده بل لابد أن ينضم إليه سبب آخر، فالمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك، ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى، ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف المفسدات، والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك فهو مع أن الله يخلق فيه الإرادة والقوة والفعل فلا يتم ما
[ ٢ / ١٠٤ ]
يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته تعينه على مطلوبه، ولو كان ملكا مطاعا ولابد أن يصرف عن الأسباب المعينة ما يعارضها ويمانعها، فلا يتم المطلوب إلا بوجود المقتضي وعدم المانع.
قوله:
ولهذا من قال: أن الله لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد كان جاهلا فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء لا واحد ولا اثنان إلا الله ﴿الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾، فالنار التي جعل فيها حرارة لا يحصل الإحراق إلا بها، وبمحل يقبل الاحتراق فإذا وقعت على السمندل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون منها الشعاع لابد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه فإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته وقد بسط هذا في غير هذا الموضع.
ش: يعني ومن أجل أن الباري سبحانه هو خالق الأسباب والمسببات والجاعل من كل زوجين اثنين كانت مقالة أهل الضلال: "بأن الله لا يصدر عنه إلا واحد لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد" قولا باطلا وضلالا مبينا، فإنه ليس في الوجود أحد صدر عنه واحد أو اثنان بالاستقلال غير خالق الأزواج كلها ﴿ومما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾، وكمثال على أنه لابد مع حصول السبب من انتفاء المانع مَثَّل الشيخُ بالنار والشمس، فالنار قد أودعها الله تعالى قوة الإحراق ولكن لا يحصل هذا إلا في المحل القابل، ولهذا فالسمندل والياقوت قد جعل الله فيهما طبيعة تضاد الاحتراق، كما أن بعض الأدهان قد خلق فيها مناعة تنافي الاحتراق فلا يحترق الجسم المطلي بها، وكذلك الشمس قد أودع الله فيها طبعية الحرارة ولكن لابد مع حصول هذه الحرارة من انتفاء الموانع، فالجسم الذي تحت سقف لا تصيبه حرارتها لعدم انعكاس شعاعها عليه
[ ٢ / ١٠٥ ]
وكذلك إذا وجد السحاب لم ينفذ شعاعها إلى ما تحته فلابد من وجود جسم ينعكس عليه شعاعها مع انتفاء الموانع، وحينئذ فليس وجود السبب كافيا في حصول المسبب بل لابد مع ذلك من انتفاء الموانع. والسمندل هوى كما قال في القاموس المحيط: "طائر بالهند لا يحترق بالنار"، والياقوت هو من الجواهر معرب أجوده الأحمر الروماني. وقد ذكرنا فيما سبق أن أهل الإلحاد يدخلون في مسمى الواحد عندهم نفي أوصاف الرب جل وعلا، فقولهم: "واحد لا قسيم له" مثل قولهم: "الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"، ومن المعلوم أنه ليس في كلام العرب بل ولا عامة أهل اللغات أن الذات الموصوفة بالصفات لا تسمى واحدا، بل المنقول بالتواتر عن العرب تسمية الموصوف بالصفات واحدا ووحيدا قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ وهو الوليد بن المغيرة وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، فسماها وهي امرأة متصفة بالصفات واحدة ويقال إنه أحد الرجلين، ويقال للأنثى إحدى المرأتين ويقال للمرأة واحدة، وللرجل واحد ووحيد، ولم يعرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ ما لم يوصف بالصفات أصلا، قال الشيخ: وهذا مما يبين لك خطأ المتفلسفة الذين قالوا: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعية كالمسخن والمبرد ونحو ذلك فإن هذا غلط، فإن التسخين لا يكون إلا بشيئين (أحدهما) فاعل كالنار (والثاني) قابل كالجسم القابل للسخونة والاحتراق وإلا فالنار إذا وقعت على السمندل والياقوت لم تحرقه، وكذلك الشمس فإشعاعها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذي ينعكس عليه الشعاع، وله موانع من السحاب والسقوف وغير ذلك.
[ ٢ / ١٠٦ ]
حديث ما منكم أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار
قوله:
والمقصود هنا أنه لابد من الإيمان بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد، كما قال ابن عباس: "هو نظام التوحيد" فمن وحد الله وآمن بالقدر، تم توحيده، ومن وحد الله وكذب بالقدر نقص توحيده، ولابد من
[ ٢ / ١٠٦ ]
الإيمان بالشرع وهو الإيمان بالأمر والنهي والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل كتبه، والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لابد له من حركة يجلب بها منفعته وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميز له بين الأفعال التي تنفعه والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده فلا يمكن للآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميزون به بين ما يفعلونه وما يتركونه وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لابد له من فعل وترك، فإن الإنسان همام حارث كما قال النبي ﷺ: "أصدق الأسماء حارث وهمام" وهو معنى قولهم "متحرك بالإرادات" فإذا كان له إرادة فهو متحرك بها ولابد أن يعرف ما يريده، هل هو نافع له أو ضار وهل يصلحه أو يفسده وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم وبعضهم يعرفه بالاستدلال الذي يهتدون إليه بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانها وهدايتهم لهم.
ش: يعني والحاصل مما تقدم أنه لابد من الإيمان بقدر الله السابق وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها وأن الله علم ما سيكون كله قبل أن يكون، كما أنه لابد من الإيمان بما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله من أوامر ونواهي ووعد ووعيد وأن ذلك هو النهج الصحيح والسبيل المستقيم، وأنه لا حجة لأحد على الله في ترك مأمور أو فعل محظور، كما روى البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ ببقيع الغرقد في جنازة فقالت: "ما منكم أحد إلا قد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. فقالوا: يا رسول لله أفلا نتكل على الكتاب وندع العمل؟، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة" ثم قرأ قوله تعالى:
[ ٢ / ١٠٧ ]
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، وفي الصحيح أيضا أنه قيل له: "يا رسول الله أعُلم أهل الجنة من أهل النار؟، فقال: نعم، فقيل له: ففيم العمل؟، قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، قال الشيخ في بيان معنى هذا الحديث: "فبين النبي ﷺ أن الله علم أهل الجنة من أهل النار وأنه كتب ذلك ونهاهم أن يتكلوا على هذا الكتاب ويدَعو العمل كما يفعله الملحدون وقال: "كل ميسر لما خلق له" وإن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة وهذا من أحسن ما يكون من البيان وذلك أن الله ﷾ يعلم الأمور على ما هي عليه وقد جعل للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها، فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى الوطء كان أحمق لأن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء وكذلك إذا علم أن هذا ينبت له زرع بما يسيقه من الماء ويبذره من الحب، فلو قال إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى بذر كان جاهلا ضالا لأن الله علم أن سيكون بذلك، وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروى بالشرب وهذا يموت بالقتل فلابد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها، وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا شقيا في الآخرة، قلنا: ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء فالله علم أنه يشقى بهذا العمل، فلو قيل هو شقي وإن لم يعمل كان باطلا لأن الله لا يدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى: ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم أنه يملؤها من إبليس وأتباعه ومن اتبع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله، ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين: "قال الله أعلم بها كانوا عاملين" يعني أن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا، وقد روي أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية، وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به
[ ٢ / ١٠٨ ]
وطاعته فمن قدر أن يكون منهم يسَّره للإيمان والطاعة، فمن قال إني داخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم أني من أهلها كان مفتريا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذي علم الله أنه يدخل الجنة، بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لا من أهل الجنة، ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء. وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب، يسوق المقادير إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب والله خالق الأسباب والمسببات، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن الولد لا يولد بمجرد إنزال الماء في الفرج بل كم من أنزل ولم يولد له بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع، وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هو سبب ولهذا قال النبي ﷺ: "إنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول لله. قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"، أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها من النصوص فهذه (باء السبب) أي بسبب أعمالكم والذي نفاه النبي ﷺ: (باء المقابلة) كما يقال: اشتريت هذا بهذا، فالمعنى ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته فبعفوه يمحو السيئات ورحمته يأتي بالخيرات وبفضله يضاعف البركات، وقد سبق آنفا نظير لهذا البحث فيما نقلناه عن الشيخ رحمه الله تعالى، وحينئذ فالإيمان بالقدر أحد دعائم الإيمان فمن لم يؤمن بقدر لله لم يوحد الله، وفي هذا المقام يقول حبر الأمة فيما صح عنه: "القدر نظام التوحيد" يعني قوامه الذي يرتكز عليه، ولما كان الإنسان مضطرا في دروب سيره إلى الله وفي معاشه وفي حياته إلى نور يضيء له
[ ٢ / ١٠٩ ]
السبيل: "اقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها" قال في شرح الطحاوية: "ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. والثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم، ولهذا سمى الله ما أنزل على رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه ونورا لتوقف الهداية عليه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾، وإذا فشرع الله هو الشفاء من كل داء وهو عدله بين عباده الملائم لأحوالهم في أي زمان وفي أي مكان، والأمم المتناحرة في هذه الأزمان والتي لا تخرج من فتنة إلا لتدخل في مثلها أو تزيد لا نجاة لها من تخبطها وتعثرها إلا بالرجوع إلى نور الله وشرعه وصراطه المستقيم، يقول الأستاذ محمد قطب في كتابه جاهلية القرن العشرين: "لا مخلص للناس من جاهليتهم وضلالهم وحيرتهم، وقلقهم واضطرابهم وتمزق حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم إلا بالإسلام ولم يكن للناس مخلص من الجاهلية في تاريخهم كله إلا بالإسلام بمعناه الواسع الشامل الإسلام الذي جاء به نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وقد اكتمل الإسلام في دين الله الأخير: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا﴾، وهذا الإسلام في صورته الأخيرة المكتملة: هو العلاج الوحيد لكل جاهليات الأرض ولهذه الجاهلية الحديثة على وجه التخصيص، إن الإسلام هو الذي يعطي الوضع الصحيح لكل ما انحرفت به الجاهلية في التصور والسلوك، في السياسة والاجتماع والاقتصاد، في الأخلاق والفن وعلاقات الجنس وكل شيء في حياة
[ ٢ / ١١٠ ]
الإنسان" انتهى. ووجه اضطرار الإنسان في حياته الدنيا إلى الشرع ليميز به بين ما يضره وما ينفعه: أن الله قد خلقه وركبه على صورة لا تصلح حياتها وبقائها إلا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته، وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، فله تفكير وهمة وقدرة يستطيع بها على العمل، وحركته وإرادته يحتاج معهما إلى التوجيه السليم فلا يمكن لأحد من بني ادم أن يعيش عيشة هانئة مستقرة إلا باتباعه لشرع الله الذي يعرفه بمصالحه، ويحرضه على هدايته ويأخذ بحجزه عن النار ويدله على طريق النجاة، وليس المعنى أن الشرع إنما يحتاج له المجتمع بشكله العام في فض منازعات العباد وتنظيم أحوالهم من حيث أنه لابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طبائعهم الحيوانية من العدوان والظلم، بل كل فرد محتاج إلى نور الله وهدايته في تحصيل منافعه ودفع مضاره، ولإضاءة السبيل له حتى يفرق بين ما يصلح شأنه وما يفسده من معاملات وعبادات. فالشرع هو الذي يميز له بين الأمرين، على أن هناك من الأمور التي يحتاج لها الناس في معاشهم ما قد يعرفه الإنسان بمقتضى فطرته التي خلق عليها كمعرفته كيف يبذر وكيف يحصد وكيف يلقح، وكما يعرف الصبي ثدي أمه ويتناول الغذاء منه، ومنها ما قد يعرف عن طريق التجارب والاستدلال بالأقيسة العقلية على حصول النتائج ومنها ما لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي من كتاب أو سنة، وحينئذ فالإنسان بما جبله الله عليه وما ركبه فيه من طبائع محتاج إلى الأخذ بيده إلى ما ينفعه وحجزه عما يضره فإنه متحرك مريد وحارث وهمام، وحديث أصدق الأسماء حارث وهمام أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الجثمي ولفظه: "تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن وأصدقها حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة".
[ ٢ / ١١١ ]
اتفاق الناس على ان الفعل يلائم الفاعل او ينافره يعلم بالعقل
قوله:
وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال، هل يعرف حسنها وقبيحها بالعقل، أم ليس فيها حسن ولا قبيح يعرف بالعقل؟ كما بسط في غير هذا الموضع وبينما وقع في هذا الموضع من الاشتباه فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سببا لما يحبه الفاعل ويلتذ به، أو سببا لما يبغضه ويؤذيه، وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى وبهما جميعا لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعرف إلا بالشرع فيما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم كما أن ما أخبرت به الرسل من تفاصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك، وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان وجاء به الكتاب هو ما عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْي﴾، ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا وأنه يعلم بالعقل وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت.
ش: يعني وفى باب قدر الله وأمره ونهيه تنازع الناس من أهل السنة والجماعة، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، فالحنفية وبعض المالكية والشافعية والحنبلية يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، فالأفعال فيها الحسن والقبيح ويعرف ذلك بالعقل عند هؤلاء، أما كثير من الشافعية والمالكية والحنبلية فينفون ذلك، فالأفعال ليس فيها حسن ولا قبيح ولا
[ ٢ / ١١٢ ]
يمكن معرفة ذلك بالعقل عند هؤلاء. وقد أشبع الشيخ رحمه لله البحث في هذه المسألة في كثير من كتبه، وبين هناك ما وقع في مسألة التحسين والتقبيح من الخفاء والاشتباه وما وقع فيها من الغلط والنزاع. وقد اتفق الفريقان على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعا للفاعل ملائما له أو كونه ضارا للفاعل منافرا له أمكن معرفته بالعقل، وهذا حق فإن جميع الأفعال التي أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم، وجميع الأفعال التي نهى الله عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة لهم، والحمد والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له والذم والعقاب المترتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له، فالله تعالى عليم حكيم علم بما تتضمنه الأحكام من المصالح فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحذور من مصالح العباد ومفاسدهم، وحينئذ فكون الفعل سببا لما يحبه الفاعل ويلتذ به أو سببا لما يبغضه ويؤذيه يُعلم تارة بالعقل وتارة بالشرع وقد يعلم بالشرع والعقل جميعا، لكن معرفة الملائم والمنافر على وجه التفصيل ومعرفة النهاية التي هي نتيجة وثمرة الأفعال من نعيم أو عذاب على وجه التفصيل ومعرفة تفصيل ما شرعه من الشرائع وما أخبر به من حقائق الآخرة وحقائق أسمائه وصفاته معرفة ذلك بالتفصيل لا تمكن إلا عن طريق النصوص وإن كان الناس قد يعرفون ذلك بعقولهم بصفة إجمالية، وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان بما خبر الله به وورد به النص هو ما عنت آية الشورى وآية سبأ وآية الأنبياء وأمثالهن من النصوص. لكن المعتزلة وأتباعهم أثبتوا حسنا وقبحا لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته، إذ عندهم لا يقوم بذاته لا وصف ولا فعل بمعنى أنهم يقولون بالتحسين والتقبيح ويجعلون ذلك صفات ذاتية للفعل لازمة له ولا يجعلون الشرع إلا كاشفا عن تلك الصفات لا سببا لشيء منها، والأشاعرة وأتباعهم يقولون إن الأفعال لم تشتمل على صفات هي أحكام ولا على صفات هي علل للأحكام، بل القادر أمر بأحد المتماثلين دون
[ ٢ / ١١٣ ]
الآخر لمحض الإرادة لا لحكمة ولا لرعاية مصلحة في الخلق والأمر، ويقولون إنه يجوز أن يأمر بالشرك وينهى عن عبادته وحده ويجوز أن يأمر بالظلم والفواحش وينهى عن البر والتقوى، وليس المعروف في نفسه معروفا ولا المنكر في نفسه منكرا عندهم، بل إذا قال: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ فإنما يعبر عن ذلك بما يلائم الطبائع وذلك لا يقتضي عندهم كون الرب يحب المعروف ويبغض المنكر، فهذا القول ولوازمه باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والفقهاء مع مخالفته أيضا للمعقول الصريح، فإن الله نزه نفسه عن الفحشاء فقال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، كما نزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾، وعلى قولهم: لا فرق في التسوية بين هؤلاء وهؤلاء وبين تفضيل بعضهم على بعض، وليس تنزيهه عن أحدهما بأولى من تنزيهه عن الآخر، والحاصل أن المعتزلة وأتباعهم زعموا أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع، والأشعرية ونحوهم ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان وأن الأفعال ليست لها صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع، وهذا معنى قول المؤلف: "ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا فكلا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أوالشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت"، فالطائفة الأولى هي المعتزلة ومن تبعهم، والطائفة الثانية هي الأشاعرة ومن تبعهم والأولى تفسر الحسن القبح بغير معنى الملائم والمنافر وتعتقد أن ذلك إنما يثبت بالعقل دون الشرع، والثانية نفت الحسن والقبح العقليين وأثبتت الحسن والقبح
[ ٢ / ١١٤ ]
الشرعيين وفسرته بغير الملائم والمنافر.
[ ٢ / ١١٥ ]
المعتزلة لا يثبتون حكمة تعود إلى الله تعالى فيما خلقه وأمر به
قوله:-
ثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط والفرح ونحو ذلك، مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلت عليه الشواهد العقلية تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع لذاته، وأنه لا يتصور قدرته على ما هو قبيح أو أنه سبحانه منزه عن ذلك، لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين والقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محمودا على ما فعله من العذاب أو ما تركه من الظلم ولا ما فعله من الإحسان والنعمة، وما تركه من التعذيب والنقمة والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح وشبهوه بعباده فيما يأمر به وينهى عنه.
ش: يعني أن المعتزلة وأتباعهم، والأشاعرة وأتباعهم بناء على قول الطائفة الأولى أن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة تعود إلى الخلق من غير أن يعود إليه من ذلك حكم أو يقوم به فعل أو نعت، وقول الطائفة الثانية أن الله خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلة ولا داع ولا باعث بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصرف الإرادة وبناء على نفيهم صفة المحبة والبغض والغضب والرضاء والسخط والفرح ونحو ذلك من الصفات التي ينفيها كل من الطائفتين مما دل عليه نصوص الكتاب والسنة وشهدت به البراهين العقلية، بناء على كل ما سبق تنازعوا في عدم وقوع الظلم من الله، هل ذلك ممتنع لذاته وليس ممكنا ولا مقدورا أم أنه ممتنع على الله لمجرد القبح العقلي فقط؟، وكل من هذين القولين باطل وهما في
[ ٢ / ١١٥ ]
البطلان كالقولين الماضيين لهاتين الطائفتين في الحسن والقبح، مع أنهم جميعا متفقون على أن الله لا يفعل ما هو قبيح، والأشاعرة وأتباعهم بناء على نفيهم حكمة الله في خلقه وأمره، لم يفرقوا بين ما شاء وبين ما أمر به، بمعنى أنهم لم يميزوا بين ما هو هدى تترتب عليه السعادة ويمدح فاعله ويكون صاحبه من المؤمنين الأبرار، وبين ما هو ضلال يترتب عليه الشقاء، ويكون صاحبه من الكفار أو الفجار، وبناء على قولهم إن الظلم ممتنع على الله وأنه لا يتصور قدرته عليه جعلوا الله غير محمود على ما فعله من الإحسان والرحمة وغير محمود على ما تركه من العقاب والنقمة، وهذا عين قول الجبرية، ولا ريب في شناعة هذا القول وبطلانه فإن الله تعالى هو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل ويغني ويفقر ويضل ويهدي ويسعد ويشقي، وهو سبحانه حكم عدل لا يضع الشيء إلا في موضعه الذي يناسبه ويقتضيه العدل والمصلحة وهو سبحانه لا يفرق بين متماثلين ولا يساوي بين مختلفين فلا يعاقب إلا من يستحق العقوبة فيضعها موضعها لما في ذلك من الحكمة ولا يعاقب أهل البر والتقوى، أما المعتزلة ومن تبعهم فلم يثبتوا حكمة تعود إلى الله فيما خلقه وأمر به وإنما أثبتوا حكمة تعود إلى المخلوق فقط، ولم يثبتوا الحسن والقبح بالمعنى الذي يثبته الشرع ويشهد به العقل بل قاسوه على خلقه فيما يحسن ويقبح وجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته وعدله، والحاصل: أنهم قاسوا الله على خلقه بقولهم ما حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق فهم مشبهة الأفعال وهذا باطل كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق في الصفات باطل. وقوله: "والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه ولا حقيقة له" يعني أن المعتزلة تقول الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن فعل القبائح فلا تكون فعلا له، قالوا ولا يمكن إثبات كونه
[ ٢ / ١١٦ ]
سبحانه عدلا لا يظلم إلا بالقول بأنه لم يرد وجود الكفر والفسوق والعصيان ولا شاءها بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئته وإرادته، كما فعلوه بغير إذنه وأمره وقد رد عليهم سلف الأمة وأئمة السنة بأن الله خالق كل شيء وأنه ماشاء كان وما لم يشأ لم يكن، يضل من يشاء ويهدي من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة فيفعلون بمشيئتهم وقدرتهم، كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ الآية﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فكل شيء واقع بقدرته ومشيئته ولا يكون في ملكه ما لا يريد، وهو سبحانه لا يرضى لعباده الكفر ولا يحب إلا ما تعلق بالإرادة الدينية المتضمنة لرضاه وقد يريد ما يبغضه ويأباه إرادة كونية تتعلق بما قدره وقضاه وله في جميع خلقه حكمة بالغة، قال الشيخ ﵀: الحكمة تتضمن شيئين أحدهما: تعود إليه سبحانه يحبها ويرضاها. الثاني: إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويتلذذون بها وهذا في المأمورات وفى المخلوقات أما في المأمورات فإنه يحب الطاعة ويرضاها ويفرح بتوبة التائب أعظم فرح، فهو يفرح أعظم مما يفرح الفاقد لزاده وراحلته في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس. كما أنه يغار أعظم من غيرة العباد، وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه فهو يغار إذا فعل العبد ما نهاه ويفرح إذا تاب ورجع إلى ما أمر به، والطاعة عاقبتها سعادة الدنيا والآخرة وذلك مما يفرح به العبد المطيع فكان فيما أمر الله به من الطاعات عاقبة حميدة تعود إليه وإلى عباده، ففيها حكمة له ورحمة لعباده قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، ففي الجهاد عاقبة محمودة للناس في الدنيا
[ ٢ / ١١٧ ]
يحبونها وهي النصر والفتح وفى الآخرة الجنة وفيه النجاة من النار. وقال تعالى في أول السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، ففيه حكمة عائدة إلى الله تعالى وفيه رحمة للعباد وهي ما يصل إليهم من النعمة في الدنيا والآخرة وهكذا سائر ما أمر به، وكذلك ما خلقه سبحانه خلقه لحكمة تعود إليه يحبها، وخلقه لرحمة بالعباد ينتفعون بها. ثم قال ﵀: "ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا رب غيره ولا خالق سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وهو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، والعبد مأمور بطاعة الله وطاعة رسوله، منهي عن معصية الله ومعصية رسوله، فإن أطاع كان ذلك نعمة وإن عصى كان مستحقا للذم والعقاب وكان لله عليه الحجة البالغة ولا حجة لأحد على الله تعالى وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته وقدرته لكن يحب الطاعة ويأمر بها ويثيب أهلها ويكرمهم ويبغض المعصية وينهى عنها ويعاقب أهلها ويهينهم، وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه وما يصيبه من الشر فبذنوبه ومعاصيه كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، أي ما أصابك من خصب ونصر وهدى فالله أنعم به عليك وما أصابك من حزن وذل وشر فبذنوبك وخطاياك، فمن نظر إلى الحقيقة القدرية وأعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد كان مشابها للمشركين، ومن نظر إلى الأمر والنهي وكذب بالقضاء والقدر كان مشبها للمجوسيين، ومن آمن بهذا وبهذا: فإذا أحسن حمد الله تعالى وإذا أساء استغفر الله تعالى وعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره فهو من المؤمنين، فإن آدم ﵇ لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه، وإبليس أصر واحتج فلعنه الله وأقصاه، فمن تاب كان آدميا، ومن أصر واحتج بالقدر كان إبليسيا. فالسعداء يتبعون أباهم والأشقياء يتبعون عدوهم إبليس" واعلم أن الظلم الذي تنزه الله عنه هو المذكور في مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ أي لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره ولا يهضم من
[ ٢ / ١١٨ ]
حسناته، وفي مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقول النبي ﷺ في حديث (البطاقة) الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما: "يجاء برجل من أمتي يوم القيامة فتنشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، فيقال: هل تنكر من هذا شيئا؟، فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر، ألك حسنة؟، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم قال فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة – قال ﷺ - فطاشت السجلات وثقلت البطاقة".
[ ٢ / ١١٩ ]
خطأ من شهد الربوبية العامة فقط
قوله:
فمن نظر إلى القدر فقط وعظم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية لم يميز بين العلم والجهل والصدق والكذب والبر والفجور، والعدل والظلم والطاعة والمعصية والهدى والضلال والرشاد والغي، وأولياء الله وأعدائه وأهل الجنة والنار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتاب الله ودينه وشرائعه فهم مخالفون أيضا لضرورة الحس والذوق وضرورة العقل والقياس، فإن أحدهم لابد أن يلتذ بشيء فيميز بين ما يأكل ويشرب وما لا يأكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية، ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائما فقد افترى وخالف ضرورة الحس ولكن قد يعرض للإنسان في بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فإما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يفقد إحساس نفسه بل يرى في منامه ما يسوؤه تارة وما يسره أخرى، فالأحوال التي يعبر عنها بالاصطلام- كالفناء والسكر ونحو ذلك- إنما تنشأ عن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه
[ ٢ / ١١٩ ]
التمييز مطلقا، ومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقا وعظم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرا وشرعا، وغلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن وجود هذا ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح ولا مدح في عدم التمييز وفقدان العقل والمعرفة.
ش: يقول الشيخ إن من احتج بالقدر وشاهد الربوبية العامة فقطلم يفرق بين المأمور والمحظور والمؤمنين والكافرين وأهل الطاعة وأهل المعصية ولم يفرق بين النبي الصادق والمتنبىء الكاذب وأولياء الله وأعدائه وهكذا سائر الأضداد بل يشهدون وجه الجمع من جهة كون الكل بقضاء الله وقدره وإرادته العامة ولا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه، والقدر هوقدرة الله وهو المقدر لكل ما هو كائن، لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد، وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به نعيم ومنها ما يضر صاحبه فيحصل له به عذاب، والجميع سواء من جهة المشيئة والربوبية، لكن هناك فرقا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور، وحينئذ فالإنسان لابد أن يجوع ويعطش فلا يسوي بين الخبز والشراب وبين الملح الأجاج والعذب الفرات، بل لابد أن يفرق بينهما ويقول هذا طيب وهذا ليس بطيب، فمن الأمور ما هو ملائم للإنسان نافع له يحصل له به اللذة ومنها ما هو مضاد له ضار يحصل له به الألم وهذا الفرق معلوم بالحس والعقل والشرع، مجمع عليه بين الأولين والآخرين فما دام الإنسان حيا فلابد أن يفرق بين ما ينفعه وينعمه ويسره وبين ما يضره ويشقيه ويؤلمه، وهذا حقيقة الأمر والنهي فإن الله تعالى أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم، فقد بعث الرسل بتكميل الفطرة فأرشدوا الخلق إلى ما ينالون به النعيم في الآخرة وينجون به من العذاب، ومن لم يدرك هذا الفرق فإن كان لسبب أزال عقله هو به معذور، وإلا كان مطالبا بما فعله من الشر وما تركه من الخير، وإذًا فهذا الصنف من الناس مع مخالفتهم ما هو معلوم بالضرورة من الدين فهم مخالفون لما هو معلوم بالضرورة من
[ ٢ / ١٢٠ ]
الحس والعقل، وكونه يفرق بين النافع والضار معناه أنه يستطيع التمييز بين أمر الله وخلقه، فإن الشرع قد فصل له ما ينفعه وما يضره، ومن زعم أن أحدا من الناس يصل به الأمر إلى درجة لا يميز فيها بين هذه المتضادات فقد ضل وافترى، وإن كان الإنسان قد يأتي عليه أحيانا ما يجعله في حالة يضعف فيها تمييزه ويقل فيها إدراكه ووعيه، كحالة السكران والمغمى عليه، هذا شيء مسلم به ولكن مع ذلك فإن إحساسه لا يذهب كله بل يبقى معه شيء من شعوره وإدراكه، فإما أن يذهب تمييزه نهائيا فهذا غير صحيح، وقوله:"ونحو ذلك" يعني كحالة النائم فإن النائم مع أنه أعظم نقصا من حالة السكران والمغمى عليه فإنه لا يذهب إحساسه كله بل يدرك ويشعر بأمور يراها في نومه مما قد يسوؤه أو يسره، فالأحوال التي تعبر عنها الصوفية بالاصطلام إنما تنشأ من عدم إحساس أصحابها ببعض الأمور ولكنها مع نقص حالة أصحابها فهي لا تصل إلى حالة يسقط معها التمييز سقوطا كاملا، ومن ادعى سقوط التمييز سقوطا تاما وعظم الفناء في مشاهدة الربوبية فقد غلط غلطا شنيعا وقصر في أمر الله وشرعه تقصيرا يخرجه إلى كفر أعظم منه في اليهود والنصارى، فإن هؤلاء مع كفرهم يقرون بنوع من الأمر والنهي والوعد والوعيد، بخلاف هؤلاء المباحية المسقطة للشرائع مطلقا، فإنهم يقولون أن العارف إذا صار في هذا المقام لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، لشهوده الربوبية العامة والقيومية الشاملة، وحينئذ فمن ادعى سقوط التمييز سقوطا تاما فقد غلط غلطا بينا في تفريقه بين خلق الله وأمره وفي اعتقاده أن عمله هذا ممدوح فإنه لا وجود لهذا ولا مدح في عدم العلم وسقوط المعرفة، وهذا حال المتأخرين من الصوفية. قال الشيخ: "وأما أئمة الصوفية، والمشايخ المشهورون من القدماء: مثل الجنيد بن محمد وأتباعه، والشيخ عبد القادر وأمثاله، فهؤلاء من أعظم الناس لزوما للأمر والنهي، وتوصية بذلك وتحذيرا من المشي مع القدر، فالشيخ عبد القادر كلامه كله يدور على اتباع المأمور وترك المحذور، والصبر على المقدور، ولا يثبت طريقا تخالف ذلك أصلا، لا هو
[ ٢ / ١٢١ ]
ولا عامة المشائخ المقبولين عند المسلمين، وكان يحذر عن ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي، كما أصاب أولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية، وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي المحمدي. الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه"، والأحوال هي أعمال القلوب التي تسميها الصوفية مقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين، وفيها ما هو من الإيمان وفيها ما هو من وحي الشيطان، والذوق: هو مباشرة الحاسة الظاهرة أو الباطنة للملائم والمنافر، قال ابن القيم: "ولا يختص ذلك بحاسة الفم في لغة القرآن بل ولا في لغة العرب"، قال الله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وقال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وقال: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وفي الصحيح عن النبي ﷺ: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولا" فأخبر أن للإيمان طعما وأن القلب يذوقه كما يذوق طعم الطعام والشراب "والاصطلام": هو شهود القيومية العامة والفناء في شهود توحيد الربوبية وقوله: "بل يرى في منامه ما يسؤوه تارة وما يسره أخرى"، معناه أن الإنسان الحي غير فاقد للإحساس فقدانا تاما حتى حالة غيبوبته عما حوله من المحسوسات فإنه أحيانا يشاهد وهو نائم ما يزعجه ويؤلمه وهي المرائي السيئة وأحيانا يشاهد ما يسره ويفرح به قلبه وهي المرائي الصالحة، روى مسلم في صحيحه، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال لأعرابي جاءه فقال: "إني حلمت أن رأسي قطع، فأنا أتبعه. فزجره النبي ﷺ، وقال: لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام" وفي رواية: "أن أعرابيا قال: يا رسول الله، رأيت في المنام: كان رأسي ضرب، فتدحرج، فاشتددت في أثره فقال رسول الله ﷺ: لا تحدث بتلاعب الشيطان بك في منامك"، وقال: سمعت رسول الله ﷺ بعد يخطب، فقال: "لا يحدثن أحدكم بتلاعب الشيطان به في منامه" زاد في رواية "فضحك النبي ﷺ "، وروى مسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رأيت الليلة - وفى رواية - رأيت
[ ٢ / ١٢٢ ]
ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن رافع، وأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت: أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب" وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله منه، فلن يضره"، وفى رواية قال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فإذا رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحدا، فإنها لن تضره"، هذه رواية البخاري ومسلم وأخرجه في الموطأ وزاد بعد قوله: "لن تضره إن شاء الله" قال أبو سلمة: "إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل فلما سمعت هذا الحديث فما كنت أباليها"، وعن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن رسول الله ﷺ قال " إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها، ولا يذكرها لأحد فإنها لن تضره" أخرجه البخاري والترمذي.
[ ٢ / ١٢٣ ]
قول بعض الصوفية أريدأن لا أريد
قوله:
وإذا سمعت بعض الصوفية يقول: أريد أن لا أريد، أو أن العارف لا حظ له وأنه يصير كالميت بين يدي الغاسل ونحو ذلك فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه ومن أراد بذلك، أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذات والألم، والنافع والضار، فهذا مكابر مخالف لضرورة الحس والعقل ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدين والعقل.
[ ٢ / ١٢٣ ]
ش: يقول المؤلف إذا بلغك أن بعض مشائخ الصوفية يعبر بقولهأريد أن لا أريد كقول أبي يزيد الصوفي: أو إن العارف ليس له من نفسه أمر ونحو ذلك من العبارات وذلك كقول الشيخ عبد القادر "علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط فلا يكن لك غرض ولا تقف لك حاجة ولا مرام لأنك لا تريد مع إرادة الله سواها"، إذا سمعت هذه العبارات المروية عن بعض فضلاء الصوفية فاعلم أن مقصودهم أن لا يريد المريد شيئا إلا أن يكون مأمورا بإرادته، فقوله: "علامة فناء إرادتك بفعل الله أنك لا تريد مرادا قط" معناه أنك لا تريد مرادا لم تؤمر بإرادته فأما ما أمر الله ورسوله بإرادتك إياه فإرادته إما واجب وإما مستحب وترك إرادة هذا إما معصية وإما نقص. وهكذا قولهم "ينبغي أن يكون الإنسان كالميت بين يدي الغاسل" ليس معناه أن لا تكون له إرادة أصلا وهذا معنى قول المؤلف: "فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه"، وحينئذ فلا يجوز حمل كلام المشائخ المستقيمين، على ترك الإرادة مطلقا فإن هذا غلط فاحش، وذلك أن الحي لابد له من إرادة، فإن الإرادة التي يحبها الله ورسوله ويأمر بها أمر إيجاب وأمر استحباب لا يدعها إلا كافر أو عاصي إن كانت واجبة، وإن كانت مستحبة كان تاركها تاركا لما هو خير له، والله تعالى قد وصف الأنبياء والصديقين بهذه الإرادة فقال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وحينئذ فالله يأمر بإرادته وإرادة ما يأمر به وينهى عن إرادة غيره وإرادة ما نهى عنه، فهما إرادتان إرادة يحبها الله ويرضاها وإرادة لا يحبها الله ولا يرضاها، وأما من اعتقد أنهم فرغوا من الإرادة مطلقا ولم يبق لهم مراد وأن هذا المقام هو أكمل المقامات وأن من قام بهذا فقد قام بالحقيقة القدرية الكونية من اعتقد هذا الاعتقاد أو نسبه
[ ٢ / ١٢٤ ]
للشيوخ الفضلاء فقد ضل ضلالا مبينا، وإذا فالذين يغلطون ويظنون أن الحقيقة القدرية يجب الاسترسال معها دون مراعاة الحقيقة القدرية الدينية التي تتصمن مرضاة الرب ومحبته وأمره ونهيه ظاهرا وباطنا هؤلاء بالإضافة إلى مخالفتهم لما شرع الله فهم مخالفون أيضا للحس والعقل، فإن الجائع يفرق بين الخبز والشراب والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه، ومن اعتقد هذا الاعتقاد أو مدح هذا الطريق فهو مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فقد ذم الله من حرم ما لم يحرمه، أو شرع ما لم يشرعه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْط﴾، وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
والنسبة في الصوفية إلى الصوف لأنه غالب لباس الزهاد وقد قيل هو نسبة إلى (صوفة بن مراد) قبيلة من العرب كانوا يجاورون حول البيت وأما من قال هو نسبة إلى "الصفة" فقد قيل كان حقه أن يقال "صُفِّية"، وكذلك من قال نسبة إلى "الصفا" قيل له كان حقه أن يقال "صفائية"، ولو كان مقصورا لقيل "صفوية"، ومن قال نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله، قيل له: كان حقه أن يقال: "صفية"، ولا ريب أن هذا يوجب النسبة والإضافة إذا أعطي الاسم حقه من العربية، قال الشيخ: "وقد تكلم بهذا الاسم قوم من الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وقد تكلم به أبو سليمان الداراني وغيره، وأما الشافعي فالمنقول عنه ذم الصوفية، وقد ذم طريقهم طائفة من أهل العلم من أصحاب احمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة وقد مدحه آخرون، والتحقيق فيه أنه مشتمل على الممدوح والمذموم كغيره من الطرق وأن المذموم منه قد يكون اجتهاديا وقد لا يكون، وأنهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في الرأي فإنه قد ذم الرأي من العلماء طوائف كثيرة وفي المتسميين بذلك من أولياء الله وصفوته وخيار عباده ما لا يحصى عدده إلا الله"، وقد سبقت الإشارة إلى
[ ٢ / ١٢٥ ]
ذلك في المثل الأول عند قول الشيخ: "وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب".
[ ٢ / ١٢٦ ]
لفناء يراد به ثلاثة أمور
قوله:
والفناء يراد به ثلاثة أمور أحدها: الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب وهو أن يفنى عما لم يأمره الله به بفعل ما أمره الله به فيفنى عن عبادة غير الله بعبادته وعن طاعة غير الله بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، فهذا كله مما أمر الله به ورسوله.
وأما الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية فهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبمعروفه عن معرفته بحيث يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى فهذا حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين وليس هو من لوازم طريق الله ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي ﷺ ولا السابقين الأولين ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضال ضلالا مبينا وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطىء خطأ فاحشا بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك. وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق وأن الوجود فيهما واحد بالعين"، فهذا قول أهل الالحاد والاتحاد الذين هم أضل العباد.
[ ٢ / ١٢٦ ]
ش: الفناء مصدر فني يفنى فناء إذا اضمحل وتلاقى وعدم، وقد
يطلق على ما تلاشت قواه وأوصافه مع بقاء عينه كما قال الفقهاء لا يقتل في المعركة شيخ فان. وقال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أي هالك ذاهب وأما معناه في كلام الصوفية فيراد به ثلاثة أمور الفناء عن إرادة السوى، والفناء عن شهود السوى والفناء عن وجود السوى، وقد بين المؤلف، الأول بقوله: "أحدها الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب وهو أن يفنى عن ما لم يأمره الله به بفعل ما أمره الله به" ومعنى هذا أن القلب يفنى عن إرادة ما سوى الرب وهو في الحقيقة عبادة القلب وتوكله واستعانته وتألهه وإنابته وتوجهه إلى الله وحده لا شريك له، وليس لأحد خروج عن هذا، وهو ترجمة قول لا إله إلا لله وقول النبي ﷺ: "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن"، وبهذا الفناء يكون العبد غير متبع هواه بغير هدى من الله بل يكون على هدى مستقيم، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما كما يوضح ذلك آية براءة وحديث أنس الذي رواه البخاري ومسلم قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" وهذا في الجملة هو أول الدين وآخره وهو حقيقة الإخلاص وليس لأحد خروج عنه. وبين الثاني بقوله: "فهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله بحيث يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى" يعني أن الواحد منهم يغيب عن سوى مشهوده فيغيب حتى عن نفسه وشهودها لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته وبمذكوره عن ذكره وبموجوده عن وجوده وبمحبوبه عن حبه، وهذا الفناء هو الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين ويعدونه الغاية، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه "منازل السائرين" وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه، وليس مراد القوم فناء وجود ما سوى الله في الخارج بل مرادهم فناؤه عن شهودهم وحسهم، وقد يغلب شهود القلب لمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به فيظن أنه اتحد به
[ ٢ / ١٢٧ ]
وامتزج بل يظن أنه هو نفسه كما يحكى "أن محبوبا وقع في اليم فألقى المحب نفسه خلفه فقال: أنا وقعت فأنت ما الذي أوقعك؟، فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني"، وصاحب هذا الحال إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطا في ذلك وأن الحقائق متميزة في ذاتها، فالرب رب والعبد عبد والخالق خالق بائن عن المخلوقات ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا شك أن شهود العبد قيامه بالعبودية أكمل في العبودية من غيبته عن ذلك، فإن أداء العبودية في حال غيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السكران والنائم. وأداؤها في حال كما يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها أتم وأكمل وأقوى عبودية، قال ابن القيم: "فتأمل حال عبدين في خدمة سيدهما أحدهما يؤدي حقوق خدمته في حال غيبته عن نفسه وعن خدمته لاستغراقه بمشاهدة سيده، والآخر يؤديها في حال كمال حضوره وتمييزه وإشعار نفسه بخدمة السيد وابتهاجها بذلك فرحا بخدمته وسرورا والتذاذا منه واستحضارا لتفاصيل الخدمة ومنازلها وهو مع ذلك عامل على مراد سيده منه لا على مراده من سيده فأي العبدين أكمل" ولاشك أن هذا حال ناقص يحصل أحيانا لبعض السائرين إلى الله وليس هذا الحال الناقص من مقتضيات سلوك الدرب الموصل إلى الله بل ذلك عارض يعرض لبعض الناس فيكون به أدنى مرتبة من غيره ﴿فإن هذا لم يكن للنبي ﷺ ولا حالا من أحواله، ولهذا في ليلة المعراج لما أسرى به وعاين ما عاين مما أراه الله إياه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه الحال بل كان كما وصفه لله ﷿ بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، وكذلك الصحابة ﵃ وهم سادات العارفين زائمة الواصلين المقربين وقدوة السالكين لم يكن منهم من ابتلي بذلك ولا شم له رائحة ولم يخطر على قلبه فلو كان هذا الفناء كمالا لكانوا هم أحق به وأهله وكان لهم منه ما لم يكن لغيرهم"، وحينئذ فهذا الفناء هو كما قال الشيخ: "هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض فيكون من جعله نهاية السالكين ضالا ضلالا مبينا كما أن من جعله من لوازم طريق
[ ٢ / ١٢٨ ]
الله فهو مخطىء خطأ فاحشا، وإذًا فأولى الناس بالله وكتبه ورسله ودينه هم المؤمنون بالحقيقة الدينية والكونية المعطون كل حقيقة حظها من العبادة. والسلوك سلوكان: سلوك الأبرار أهل اليمين وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنا وظاهرا. والثاني: سلوك المقربين السابقين وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان وترك المكروه والمحرم كما قال النبي ﷺ: "إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وكلام الشيوخ الكبار، كالشيخ عبد القادر وغيره يشير إلى هذا السلوك، ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب وينهون عما هو مكروه غير محرم، وطريق الخاصة طريق المقربين أن لا يفعل العبد إلا ما أمر به ولا يريد إلا ما أمر الله ورسوله بإرادته، وهو ما يحبه الله ويرضاه". وبين الثالث بقوله: "هو الفناء عن وجود السوى بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق وأن الوجود فيهما واحد بالعين"، يعني أن الملاحدة القائلين بوحدة الوجود وأنه ما ثم غير، وأن غاية العارفين والسالكين الفناء في الوحدة المطلقة ونفي التكثر والتعدد، لا يفرقون بين كون وجود المخلوقات بالله وبين كون وجودها هو عين وجوده فليس عندهم فرقا بين العالمين ورب العالمين، وإذا فهؤلاء الزنادقة يجعلونه عين الموجودات وحقيقة الموجودات وأنه لا وجود لغيره، لا بمعنى أن قيام الأشياء ووجودها به كما قال النبي ﷺ: "أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا لله باطل"، فإنهم لو أرادوا ذلك لكان ذلك هو الشهود الصحيح، لكنهم يريدون أنه عين الموجودات وهذا كفر وضلال، وقد سبق بيان هذا في الكلام على القاعدة الخامسة عند قول المؤلف: "حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود".
[ ٢ / ١٢٩ ]
مخالفة الجبرية للعقل والقياس
قوله:
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله فإنه إذا كان مشاهدا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور فعومل بموجب ذلك مثل أن يُضرب ويُجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاف والأوجاع فإن لام من فعل ذلك به وعابه، فقد نقض قوله وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له هذا الذي فعله بك مقتضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمكما فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له، فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر ويعرض عن الأمر والنهي.
ش: يعني أن هؤلاء المتصوفة المجبرة الناظرين إلى الحقيقة القدرية والمشيئة العامة غير مشاهدين لأمر الله ونهيه ولا مفرقين بين ما يحبه الله ويبغضه، ليسوا على قاعدة مستمرة ولا رأي ثابت بل هم متناقضون مخالفون للحقائق العقلية والاعتبارات الصحيحة. فإنه لا يوجد أحد يحتج بالقدر في ترك الواجب وفعل المحرم إلا وهو متناقض لا يجعله حجة في مخالفة هواه بل يعادي من آذاه وإن كان محقا ويحب من وافقه على غرضه وإن كان عدوا لله، فيكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته بحسب هواه وغرضه وذوق نفسه، لا بحسب أمر الله ونهيه، ولا يمكن أن يجعل القدر حجة لأحد فإن هذا مستلزم للفساد الذي لا صلاح معه والشر الذي لا خير فيه، إذ لو جاز أن يحتج كل أحد بالقدر لما عوقب معتد ولا اقتص من ظالم ولا أخذ لمظلوم حقه من ظالمه، ولفعل كل أحد ما يشتهيه من غير معارض يعارضه فيه، وحينئذ فكلام هؤلاء ساقط ورأيهم متهافت مخالف لما هو معلوم بضرورة العقل والقياس، فإن الجائع يفرق بين الخبز والشراب، والعطشان يفرق بين الماء والسراب فيحب ما يشبعه ويرويه دون ما لا ينفعه والجميع مخلوق لله تعالى. قال الشيخ: "ومن المعلوم أن من أسقط الأمر والنهي الذي بعث الله به رسله فهو كافر باتفاق المسلمين فإن هؤلاء قولهم
[ ٢ / ١٣٠ ]
متناقض لا يمكن أحد منهم أن يعيش به ولا تقوم به مصلحة أحد من الخلق، ولا يتعاشر عليه اثنان، فإن القدر إن كان حجة فهو حجة لكل أحد وإلا فليس حجة لأحد، فإذا قدر أن الرجل ظلمه ظالم أو شتمه شاتم أو أخذ ماله أو أفسد أهله أو غير ذلك فمتى لامه أو ذمه أو طلب عقوبته أبطل الاحتجاج بالقدر، وإذا فقوله: "فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله الخ " معناه: أن هؤلاء المتصوفة المشركية المدعين التحقيق والمعرفة، متناقضون مخالفون للشرع والعقل والذوق، فإنهم لا يسوون بين من أحسن إليهم وبين من ظلمهم ولا يسوون بين العالم والجاهل والقادر والعاجز ولا بين الطيب والخبيث، وهؤلاء المجبرة لا يقفون لا مع القدر ولا مع الأمر، بل كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أيَّ مذهب يوافق هواك تمذهب به، وبهذا يتضح فساد قولهم وشناعة رأيهم وأنه مخالف للنهج المستقيم، والأوصاب: هي الأمراض واحدها وصب.
[ ٢ / ١٣١ ]
المؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحذور
قوله:
والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور ويترك المحظور، ويصبر على المقدور كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئا﴾، وقال في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فالتقوى فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار﴾، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لابد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم. قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"، وقال: "أنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة"، وكان يقول: "اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وهزلي وجدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما
[ ٢ / ١٣١ ]
أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر"، وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه وعن إبليس أبي الجن أنه أصر متعلقا بالقدر، فلعنه وأقصاه فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ومن أشبه أباه فما ظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ولهذا قرن الله سبحانه بين التوحيد والاستغفار في غير آية كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾، وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: "يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"، وقد ذكر الله سبحانه عن ذي النون أنه ﴿نَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إله إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال النبي ﷺ: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله كربه".
ش: يعني أن الناظرين إلى القدر المعرضين عن الشرع قد أخطئوا الصواب واتبعوا غير سبيل المؤمنين فإن واجب المؤمن الذي فرضه الله عليه، هو فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه والصبر على ما قدره لله وقضاه من المصائب، كما في آية آل عمران وآية يوسف، وإذا فحقيقة تقوى الله هي فعل المأمور واجتناب المحظور والصبر على المقدور كما في آية غافر، فقد أمر الله فيها بفعل الطاعات والصبر والندم والإقلاع والعزم على ترك الذنوب وطلب العفو من الرحمن الرحيم، والعباد كلهم مأمورون بأن يتوبوا إلى الله
[ ٢ / ١٣٢ ]
ويستغفروه قال تعالى في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم"، وقوله ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى ربكم"، أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي لله عنه، وقوله ﵊: "إنه ليغان على قلبي" رواه مسلم من حديث أبي بردة عن الأغر المزني. وقوله ﷺ: "يغان على قلبي" معناه هو كما قال في فتح الباري عن عياض: "المراد (باِلغَين) فترات عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه فإذا فتر عنه لأمر عد ذلك ذنبا فاستغفر عنه"، وقيل هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، وقيل هو السكينة التي تغشى قلبه والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر لما أولاه، وقال الشيخ الهروردي: "لا يعتقد أن الغين فيه حالة نقص بل هو كمال أو تمة كمال ثم مثل لذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا فإنه يمنع العين من الرؤية فهو من هذه الحيثية نقص وفي الحقيقة هو كمال"، وقوله ﷺ: "اللهم اغفر لي خطئي" رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى ﵁. وقوله: "وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه فاجتباه ربه فتاب عليه وهداه وعن إبليس أبي الجن أنه أصر متعلقا بالقدر فلعنه وأقصاه فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه ومن أشبه أباه فما ظلم" يعني كما في قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ، وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، وكما في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا
[ ٢ / ١٣٣ ]
فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ، قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ، قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ، وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ، قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وحينئذ فمن ارتكب معاصي الله وتمرد عن طاعته وأصر على ارتكابه المحرمات فقد أشبه عدو أبيه، ومن جعل أباه قدوة له وإماما فسار سيرته واتبع أثره فقد ربح وفاز بسعادة الدنيا والآخرة، كما أن الذي يشبه أباه في خلقته أو سجاياه لم يظلم أمه لأنه جاء على مثال أبيه الذي ينسب إليه، وذلك أنه لو خالف أباه لنسب الناس أمه إلى الزنا وهذا القول مقتبس من بيت رؤبة ابن العجاج يمدح به عدي بن حاتم الطائي وأصله:
بأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
والشاهد من آية الأحزاب أن الله سبحانه عفو كريم، رؤوف بعباده رحيم، يتوب على من تاب وأقلع عن المعاصي وأناب، ومن أجل أن التوبة تمحو الذنب وتقضي عليه نجد أن الله ﵎ قد ذكر في كتابه العزيز، الاستغفار من الذنوب إلى جانب الأمر بتوحيده وطاعته كما في آية القتال وحم السجدة وهود، والعدو اللدود حريص على إغواء الناس وإضلالهم فهو يتحسر على أنهم أهلكوه بالذكر وطلب الغفران، وإنه حين رأى منهم ذلك لجأ إلى طريقة ينفذ منها إلى غرضه وهي بث الفرقة
[ ٢ / ١٣٤ ]
والاختلاف بينهم في الآراء والمذاهب، كما في الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم، وقوله "وغيره": يعني وقد رواه أيضا أبو يعلى بسنده عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ: "عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال إنما أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالإغواء فهم يحسبون أنهم مهتدون" وقد روى الطبراني وابن مردويه عن عبد بن عمرو عن النبي ﷺ:"أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار - ثم قرأ- ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إله إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ " وفى ذلك كله حث على كثرة الذكر والاستغفار: ومعنى قوله: "فهم يذنبون ولا يتوبون لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" أن أهل البدع والشبهات من هذه الأمة مصرون على ما هم عليه لاعتقادهم أنهم مصيبون، وهذا متناول لكل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطىء وعمله مردود كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ وقد فسر الله سبحانه في آية الكهف الأخسرين أعمالا بالذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أي يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون، والله جل وعلا يجيب دعاء الداعين ويسمع استغاثة الملهوفين ويتوب على التائبين كما حكى الله ذلك في قصة ذي النون في سورة الأنبياء.
وذو النون هو يونس بن متى ولقب ذا النون لابتلاع الحوت له فإن النون من أسماء الحوت، والمراد بالظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، وكان نداؤه هو قوله: ﴿لا إله إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ومعنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيها لك من أن يعجزك شيء، ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يظلمون أنفسهم، قال الحسن وقتادة: "هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته قال ذلك وهو في بطن الحوت"، ثم
[ ٢ / ١٣٥ ]
أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ بإخراجنا له من بطن الحوت ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي نخلصهم من همومهم وقوله ﷺ: "دعوة أخي ذي النون الخ ". هذا الحديث رواه الترمذي وأحمد عن سعد بن أبي وقاص ولفظه سمعت رسول لله ﷺ يقول: "دعوة أخي ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء إلا استجاب له"، وقد سمى ﷺ قول ذي النون "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" دعوة لأنها تتضمن نوعي الدعاء، فقوله: "لا إله إلا أنت" اعتراف بتوحيد الإلهية وتوحيد الإلهية أحد نوعي الدعاء فإن الإله هو المستحق لأن يدعى دعاء عبادة ودعاء مسألة، وقوله: "إني كنت من الظالمين" صيغة خبر يتضمن طلب المغفرة فإن الطالب السائل تارة يسأل بصيغة الطلب وتارة يسأل بصيغة الخبر، إما بوصف حاله وإما بوصف حال المسئول وإما بوصف الحالتين، كقول نوح ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فهذا ليس صيغة طلب وإنما هو إخبار عن الله أنه إن لم يغفر له ويرحمه خسر، ولكن هذا الخبر يتضمن سؤال المغفرة، وكذلك قول آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ هو من هذا الباب، ومن ذلك قول موسى ﵇: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فإن هذا وصف لحاله بأنه فقير إلى ما أنزل الله إليه من الخير وهو متضمن لسؤال الله إنزال الخير.
وقريب من حديث ذي النون الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا لله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
والكرب: والكربة، الحزن والمشقة والغم الشديد، والمكروب:
[ ٢ / ١٣٦ ]
لمهموم.
وابن أبي عاصم، هو عاصم ابن علي الحافظ الإمام الثقة سمع أباه وعكرمة ابن عمار وغيرهما وحدث عنه البخاري في صحيحه وأحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي وغيرهم توفي سنة إحدى وعشرين ومائتين سنة ٢٢١هـ. وأبوه هو علي بن عاصم بن صهيب مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق وكان مولده سنة خمس ومائة وتوفى سنة ٢٠١هـ، كان حافظا حدث عنه أحمد ابن حنبل وأبو داود وغيرهما. وقوله: "وعن إبليس أبي الجن" معناه: أن الشيطان أصل الجن، كما أن آدم أصل البشر، وبذلك قال بعض السلف، وعليه فالاستثناء في الآيات التي فيها أمر الملائكة بالسجود لآدم منقطع. وقال الجمهور بل هو من الملائكة من حي يقال لهم الجن كما في آية الصافات، وعليه فالاستثناء في الآيات متصل. ومحل بسط ذلك كتب التفسير.
[ ٢ / ١٣٧ ]
لابد للعبد في الأمر من أصلين وفي القدر من أصلين
ما يلزم على المسلم تحقيقه في باب الأمر والقدر
قوله:
وجماع ذلك، أنه لابد له في الأمر من أصلين ولابد له في القدر من اصلين، ففي الأمر، عليه الاجتهاد في امتثال الأمر علما وعملا، فلا يزال يجتهد في العلم بما آمر الله به والعمل بذلك ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في الأوامر وتعديه الحدود، ولهذا كان من المشروع أن يختم جميع الأعمال بالاستغفار فكان النبي ﷺ إذا صلى استغفر ثلاثا، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ فقاموا بالليل وختموه بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، وفي الصحيح عن عائشة: "أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن".
وأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه
[ ٢ / ١٣٧ ]
ويدعوه ويرغب إليه ويستعين به، ويكون مفتقرا إليه في طلب الخير وترك الشر وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدر عليه، ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى لما قال موسى: "يا آدم، أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبا علي من قبل أن أخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾، قال: بكذا وكذا، فحج آدم موسى"، وذلك أن موسى لم يكن عتبه على آدم لأجل الذنب فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب وأن يستغفروا من المعائب كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فمن راعى الأمر والقدر- كما ذكر- كان عابدا لله مطيعا له مستعينا به متوكلا عليه، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
ش: يعني والقول الجامع للبحث السابق في باب شرع الله وقدره، أنه يجب على العبد في كل منهما أصلان، ففي الأمر عليه الاجتهاد في تحصيل العلم بأوامر الله وامتثالها وهذا هو الأصل الأول، وعليه أن يستغفر الله من زلاته وتقصيره في واجباته وترك المحرمات فلا يتعدى حدود لله وهذا هو الأصل الثاني، ومن أجل أن على العبد أن يفعل المأمور ويترك المحذور ويستغفر عن خطيئته، شرع أن تختم الأعمال بالاستغفار كما في الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن ثوبان ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قيل للأوزاعي وهو أحد رواة الحديث: "كيف الاستغفار؟، قال: يقول أستغفر الله"، وفي آية آل عمران بين الله جل وعلا أن المتقين كانوا إذا تهجدوا بالليل ختموا تهجدهم بالاستغفار. فقال
[ ٢ / ١٣٨ ]
سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾، وكان آخر سورة نزلت هي سورة النصر وفيها أمر الله نبيه بالتسبيح والاستغفار، وقد روى ابن جرير بسنده عن عائشة ﵂ قالت: "كان رسول لله ﷺ يكثر من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قوة سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه فقد رأيتها"، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ - فتح مكة- ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ فقد أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده وأتى بما أمر الله به مما لم يصل إليه أحد غيره أن يستغفر. وقوله: "وفي الصحيح" يعني وفي الحديث الصحيح فقد رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ كما تقدم بيانه، والشاهد منه استغفاره ﷺ وامتثاله ما أمر به في قوله سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ . وعليه في باب القدر أن يستعين بالله في فعل المأمور واجتناب المحذور ويرغب إلى الله فيلجأ إليه ويسأله المدد والعون والتأييد، وأن ييسر له اليسرى ويجنبه العسرى وهذا هو الأصل الأول، وعليه أن يصبر على ما قضاه الله وقدره عليه من المصائب والآلام فلا يجزع أو يتسخط بل يعلم أن ذلك من عند الله فيرضى ويسلم، وأن يعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء أن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وهذا هو الأصل الثاني. ومن قبيل الرضا بالمقدور ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في احتجاج آدم وموسى ﵉ لما قال له موسى: "أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وعلمك أسماء كل شيء، لما أخرجتنا ونفسك من الجنة؟، فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وخط لك التوراة بيده فبكم وجدت مكتوبا علي قبل أن أخلق ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾
[ ٢ / ١٣٩ ]
قال بأربعين عاما (كما في رواية مسلم) قال فحج آدم موسى"، فآدم ﵇ أنما حج موسى لأن موسى لامه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه لأحق حق الله في الذنب فإن آدم كان قد تاب من الذنب فتاب عليه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾، وموسى ومن هو دون موسى يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى ملام على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يحتج بالقدر على الذنب وموسى ﵇ أعلم بالله تعالى من أن يقبل هذه الحجة فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم وحجة لفرعون عدو موسى وحجة لكل كافر وفاجر ولبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التي حصلت له بفعله ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة وقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ .
وحينئذ فالعباد مأمورون باتباع المأمور وترك المحذور والصبر على المقدور وعدم ملاحظة القدر المحض بدون اتباع الأمر والنهي خلافا لأولئك الصوفية الذين شهدوا القدر وتوحيد الربوبية وغابوا عن الفرق الإلهي الديني الشرعي الذي يفرق بين محبوب الحق ومكروهه. وبالمراعاة الصحيحة لقدر لله وشرعه يصير الإنسان عابدا حقيقة فيكون مع الذين أنعم الله عليهم من أنبياء وصديقين وشهداء وصالحين وكفى بهذه الصحبة غبطة وسعادة.
[ ٢ / ١٤٠ ]
الأصلان اللذان لابد منهما في عبادة الله
قوله:
وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله في أم الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ
[ ٢ / ١٤٠ ]
بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ .
فالعبادة إنما هي لله والاستعاذة والاستعانة لا تكون إلا بالله ولذلك كان النبي ﷺ يقول عند الأضحية: "اللهم منك ولك" فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم.
ش: يقول الشيخ أن من الأصلين الواجبين في باب القدر: الاستعانة بالله وعبادته والإنابة إليه وقد جمعهما الله في مواضع عديدة من كتابه كما في آية الفاتحة وهود والشورى والطلاق، وحينئذ فالعبادة إنما هي لله والاستعاذة والاستعانة لا تكون إلا بالله ولذلك كان النبي ﷺ يقول عند ذبح الأضحية: "اللهم منك ولك" كما في الحديث الذي رواه أبو داود والبيهقي وابن ماجه عن جابر ﵁ ولفظه: "ضحى رسول الله ﷺ يوم عيد بكبشين، فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته".
والله سبحانه هو المعطي والمنعم المتفضل كما أنه المانع، وحينئذ فما لم يكن بالله لا يكون فإنه لا تحول من حال إلى حال إلا بالله العلي العظيم، وأي مسعى أو عمل لا يكون لله فإنه غير نافع لصاحبه ومآله إلى الذهاب والزوال، فإن ما عند العباد فانٍ، وما عند الله باقٍ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ .
الأصلان اللذان لا بد منهما في عبادة الله
قوله:
ولابد في عبادته من أصلين أحدهما إخلاص الدين والثاني موافقة أمره الذي بعث به رسله، ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا"، قال الفضيل في قوله تعالى: " ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟، فقال: إذا كان العمل
[ ٢ / ١٤١ ]
خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل"، والخالص: أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة، ولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين الذي لم يأذن به الله من عبادة غيره وعبادته بما لم يشرعه من الدين. كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾، كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله. والدين الحق: أنه لا حرام إلا ما حرم الله ولا دين إلا ما شرعه.
ش: يعني فإن دين الإسلام مبني على أصلين أحدهما أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيء. والثاني: أن يعبد بما شرعه على لسان نبيه ﷺ وهذان هما حقيقة قولنا أشهد أن لا إله إلا لله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا، والله ﷿ له حق لا يشركه فيه غيره فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله، وكل من لم يعبد الله بعد مبعث محمد ﷺ بما شرعه الله من واجب ومستحب فليس بمسلم، ولابد في جميع الواجبات والمستحبات أن تكون خالصة لله رب العالمين كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾، فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله ورسوله والعبادات البدنية والمالية والإحسان إلى عباد الله هو مأمور بأن يفعله خالصا لله صوابا على السنة، والشاهد من كلام الخليفة الراشد هو أن العمل لا يكون مقبولا إلا إذا خلا من شوائب الشرك والبدع وكذلك الشاهد من تفسير الفضيل للآية الكريمة هو أن العبادة لها ركنان هما الإخلاص والمتابعة. ومن أجل ما ذكر نجد الله جل وعلا قد ذم المشركين
[ ٢ / ١٤٢ ]
لصرفهم العبادة أو شيئا منها لغير لله أو عبادتهم إياه بغير ما شرعه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ كما في آية الشورى. كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه كما في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ الآية.
فالحرام ما حرمه الله والحلال هو ما أحله، كما أن الدين هو ما أنزل به كتبه وأرسل به رسله.
وعمر بن الخطاب هو أبو حفص العدوي الفاروق وزير رسول الله ﷺ ومن أيد الله به الإسلام وفتح به الأمصار وهو الصادق الملهم الذي جاء عن المصطفى ﷺ أنه قال: "لو كان بعدي نبي لكان عمر"، وهو الذي فر منه الشيطان وأعلى به الإيمان، وأعلن الأذان. وقد استشهد ﵁ في أواخر الحجة من سنة ٣٢ وعاش نحوا من ستين سنة، والفضيل بن عياض هو الإمام القدوة أبو علي التميمي اليربوعي المروزي شيخ الحرم حدث عن منصور بن المعتمر وحصين بن عبد الرحمن وعطاء بن السائب وطبقتهم بالكوفة وروى عنه ابن المبارك ويحي القطان والقعنبي وخلق كثير وكان ربانيا قانتا ثقة، قال هارون الرشيد: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك ولا أورع من الفضيل. توفي يوم عاشوراء سنة سبع وثمانين ومائة وقد نيف على الثمانين رحمة الله عليه.
[ ٢ / ١٤٣ ]
الناس في عبادة الله والاستعانة به أربعة أقسام
قوله:
ثم إن الناس في عبادته واستعانتهم به على أربعة أقسام: فالمؤمنون المتقون هم له وبه يعبدونه ويستعينونه وحده، وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر فتجد عند أحدهم تحريا للطاعة والورع ولزوم السنة، ولكن ليس لهم توكل ولا استعانة ولا صبر بل فيهم عجز وجزع، وطائفة: فيهم استعانة وتوكل وصبر من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة، فقد
[ ٢ / ١٤٣ ]
يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا، ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين والعاقبة للتقوى، فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتبع فيه السنة. وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه فهو لا يشهد أن عمله لله ولا أنه بالله.
ش: لما بين المؤلف أنه لابد في باب القدر مع الصبر من عبادة الله والاستعانة به وأن الله قد قرن بينهما في مواضع عديدة من كتابه وأن العبادة لا تستقيم ولا تصح إلا بالإخلاص والمتابعة، ذكر بعد ذلك أن الناس في عبادة الله والاستعانة به أصناف أربعة أحدها - وهو المحمود - من جمع بين عبادة الله والاعتماد عليه فاستعان بالله واستقام على طاعته وهؤلاء هم الذين حققوا قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ فاستعانوا به على طاعته وشهدوا أنه إلههم الذي لا يجوز أن يعبد إلا إياه واعتقدوا أنه ربهم الذي ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع وفهموا معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، والثاني: من عنده تعبد وورع وتحر لاتباع الشرع ولكن عنده إلى جانب ذلك ضعف وخور فلا صبر له وليس عنده استعانة بالله ولا توكل عليه وهؤلاء هم قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي ويشاهدون إلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه غير ناظرين إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجوء إليه هي التي تقوي العبد وتيسر
[ ٢ / ١٤٤ ]
عليه الأمور وقد فقدوها، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع وقد جاء وصف النبي ﷺ بأنه المتوكل كما فى الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﷺ صفته في التوراة: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للآدميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويغفر ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء فافتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا بأن يقولوا لا إله إلا الله"، ولهذا روي أن حملة العرش إنما أطاقوا حمله بقولهم لا حول ولا قوة إلا بالله. وفى صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار وقالها محمد ﷺ حين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُم﴾ "، وحينئذ فأهل العبادة والاستعانة بالله هم المؤمنون المتقون حقا، والثالث: من عنده استعانة بالله وتوكل عليه وعدم جزع، ولكن ليس عنده استقامة على طاعة الله بل هو معرض عن أوامره ومرتكب لنواهيه مشاهد لربوبية الحق غير ناظر إلى حقيقة أمره ونهيه ورضاه وغضبه، وهذا حال كثير من المتصوفة، وقوله: "فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنا وظاهرا ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول ولكن لا عاقبة له فإنه ليس من المتقين والعاقبة للتقوى" معناه أن هذا الصنف من الناس قد يحصل له ما لا يحصل للصنف الثاني، من العلم بالكونيات والقدرة على التأثير فيها بالحال والقلب كالأحوال الفاسدة من العين والسحر، وكالاطلاع على سيئات العباد وركوب السباع والاجتماع بالجن والمشي على الماء وأمثال ذلك، وكثير من هؤلاء يبنون أحوالهم على منامات وأذواق وخيالات يحتقدونها كشفا؟ وهي خيالات غير مطابقة وأوهام غير صادقة: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وهؤلاء كثيرا ما يسلبون أحوالهم، وقد يعودون بأنواع من المعاصي
[ ٢ / ١٤٥ ]
والفسوق، بل كثير منهم يرتد عن الإسلام لأن العاقبة للتقوى ومن لم يقف عند أمر الله ونهيه فليس من المتقين فهم يقعون في بعض ما وقع المشركون فيه، تارة في بدعة يظنونها شرعة، وتارة في الاحتجاج بالقدر على الأمر، والله تعالى لما ذكر ما ذم به المشركين في سورة الأنعام ذكر ما ابتدعوه من الدين وجعلوه شرعة كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، واعلم أن الكشف والتأثير منه ما هو محمود نافع ومنه ما هو مذموم ضار، كما أنهما قد يقعان للمؤمن الطائع وقد يقعان للمنافق والفاجر، فالأول هو علم الدين والعمل به والأمر به، بأن يؤتى الإنسان من علم الدين والعمل به ما يستعمل به الكشف والتأثير الكوني بحيث تقع الخوارق الكونية تابعة للأوامر الدينية، أو أن تخرق له العادة في الأمور الدينية بحيث ينال من العلوم الدينية ومن العمل بها ومن الأمر بها ومن طاعة الخلق فيها ما لم ينله غيره في مطرد العادة، فهذا أعظم الكرامات والمعجزات وهو حال نبينا محمد ﷺ وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأمثالهم من المؤمنين المتقين. والثاني: كمخاطبة الشياطين، للمستغيث بغير الله من غائب وميت وقضائهم حوائجهم ودفعهم عنهم بعض ما يضرهم فيظن أحدهم أن الولي أو الميت هو الذي فعل ذلك فيقول أحدهم هذا سر المستغاث به وحاله وإنما هو الشيطان تمثل به ليضل المشرك المستغيث به فقد تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب.
قال الشيخ ﵀: ومن هؤلاء من يأتي إلى قبر الشيخ الذي يشرك به ويستغيث به فينزل عليه من الهواء طعام أو نفقة أو سلاح أو غير ذلك مما يطلبه فيظن ذلك كرامة شيخه وإنما ذلك كله من الشياطين، وهذا من أعظم الأسباب التي عبدت بها الأوثان، وقوله: "فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز وهؤلاء لأحدهم حال وقوة ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتبع فيه السنة"
[ ٢ / ١٤٦ ]
يعني أن الصنف الثاني وهو من عنده عبادة وليس له صبر ولا استعانة، له دين ضعيف ومع ضعفه فهو باق مستمر إن لم يغلب على صاحبه الكسل والخمول، وأما هذا الصنف فعنده عمل وصبر ولكن لا يبقى معه من أعماله إلا ما كان على مقتضى شرع الله الذي أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، قال ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
والرابع: وهو شر الأصناف من يعرض عن عبادة لله والاستعانة به فلا يلاحظ أنه خلق لعبادة لله ولا يدرك أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، في حين أن العبادة هي الغاية التي خلق الجن والإنس من أجلها فالعبد لا يكون مطيعا لله ورسوله فضلا أن يكون من خواص أوليائه المتقين إلا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، وفى حين أن العبد عاجز عن الاستقلال في جلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿ فمن أعانه الله فهو المعان ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى لا حول ولا قوة إلا بالله فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحذورات والصبر على المقدورات كلها، فالصبر واجب على المؤمن حتما وفي الصبر خير كثير، فإن الله أمر به ووعد عليه جزيل الأجر قال ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
قوله:
فالمعتزلة ونحوهم من القدرية، الذين أنكروا القدر هم في تعظيم
الأمر والنهي والوعد والوعيد، خير من هؤلاء الجبرية القدرية، الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي والوعد والوعيد حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك ويصيرون أيضا معتزلة لجماعة المسلمين
[ ٢ / ١٤٧ ]
ش: يقول الشيخ إذا عرف كل ما تقدم من التفصيل في بحث القدر فليعلم أن القدرية المعتزلة - وهم نفاة القدر - هم من جهة تعظيم أوامر الله ونهيه واحترام وعد الله ووعيده أفضل من القدرية المجبرة وهم الذين يغلون في إثبات القدر حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره كما سبق بيان ذلك. فإن المجبرة بسلبهم قدرة العبد واختياره لم يعظموا شرع الله ووعده ووعيده بل أعرضوا عن ذلك، وهؤلاء الصوفية المجبرة هم من جهة ملاحظتهم القضاء والقدر وعموم المشيئة أفضل من أولئك المعتزلة حيث قالوا إن العبد يخلق أفعال نفسه، على أن في الصوفية المجبرة من هو متلبس بشيء من البدع وفيه إعراض عن بعض أوامر الله ونهيه وعدم اكتراث بوعيده حتى يصل بهم الحال إلى أن يجعلوا مشاهدة الربوبية العامة والاستغراق في ملاحظتها هو الغاية المطلوبة من توحيد الله، وبهذا يكونون بمنأى عن جماعة المسلمين، وفي حيز عن شرع الله، وينطبق عليهم بهذا الاعتبار وصف المعتزلة على أن بدعتهم قد تكون أشنع وأخبث من بدعة القدرية المعتزلة. وكل من نفاة القدر والمحتجين به كان منشؤهم ومنطلق بدعتهم هو البصرة بالعراق.
[ ٢ / ١٤٨ ]
دين الله هو ما بعث به رسله
قوله:
إنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله ﷺ خير القرون وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فرضي عن السابقين الأولين رضا مطلقا ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة خير القرون القرن
[ ٢ / ١٤٨ ]
الذين بعث فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب رسول الله ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"، وقال حذيفة بن اليمان ﵄: "يا معشر القراء، استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقا بعيدا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم. ضلالا بعيدا"، وقال عبد الله بن مسعود ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا وخط لنا خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: "هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقد أمرنا سبحانه أن نقول في صلاتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾، وقال النبي ﷺ: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه والنصارى عبدوا الله بغير علم ولهذا كان يقال: "تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون"، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، قال ابن عباس ﵄: "تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة وقرأ هذه الآية"، وكذلك قوله تعالى: ﴿ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأخبر أن هؤلاء مهتدون مفلحون وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.
فنسأل الله أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم صراط الذين أنعم
[ ٢ / ١٤٩ ]
الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
ش: يعني أن ما عليه المبتدعة والملاحدة من جبرية وقدرية وجهمية ومعتزلة وغيرهم ممن زاغ عن سبيل المؤمنين ليسوا على هدى ولا شرع من الله، وإنما دين الله هو ما شرعه في كتابه العزيز، "الذي فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا وحكم ما بيننا الذي هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله هو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به اللسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولاتنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم"، كما قال ذلك الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ فيما رواه أبو عيسى الترمذي ﵀، وكذلك دين الله هو ما سنه رسول الله ﷺ فقد شرع الشرائع وسن السنن بإذن ربه ووحيه، لا من تلقاء نفسه كما شهد لله له بذلك في قوله ﷿ ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾، وعلى هذا النهج المستقيم درج الصحابة ﵃ أجمعين يستضيؤون بمشكاة القرآن فيهديهم أقوم الطريق ويتحاكمون إليه وإلى سنة رسول الله ﷺ، ولقد مدحهم سبحانه وأثنى عليهم حيث قبلوا عن رسول الله ما بلغه إليهم وهم المهاجرون والأنصار الذين ضرب بهم المثل في التوراة والإنجيل والقرآن فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية، فهم حجة الله على خلقه بعد رسول الله ﷺ يؤدون عن رسوله ما أدى إليهم لأنه بذلك أمرهم فقال: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب"،
[ ٢ / ١٥٠ ]
ولقد مدحهم رسول الله ﷺ كما في الحديث الذي رواه مسلم عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا - ثم إن بعدكم قوم يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن"، وروى مسلم أيضا بسنده عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته"، ومعنى الخيرية في الأحاديث راجعة لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون ويتفاضل فيها العاملون، فقد غلب الخير وكثر أهله واعتز فيها السلام والإيمان وكثر فيها العلم والعلماء ثم الذين يلونهم فضلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم وكثرة الداعي إليه والراغب فيه والقائم به وما ظهر فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة، فهذه البدع وإن كانت قد ظهرت فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان ويكثر القتل فيمن عاند منهم ولم يتب. والمشهور في الروايات أن القرون المفضلة ثلاثة الثالث دون الأولين في الفضل لكثرة البدع فيه، لكن العلماء متوافرون والإسلام فيه ظاهر والجهاد فيه قائم، وإذًا فالشاهد من آية براءة وحديث عمران بن حصين هو مدح أصحاب رسول الله ﷺ والثناء عليهم، لاستقامتهم على أمر الله وتمسكهم بهدي رسول الله. وقوله: "فرضي الله عن السابقين رضا مطلقا ورضي عن التابعين لهم بإحسان" معناه أن الله أوجب لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا لم يشرطه فيهم وهو اتباعهم إياهم بإحسان، فالصحابة حصل لهم بصحبتهم للرسول ﷺ إيمان ويقين لم يشركهم فيه من بعدهم، ومعنى الذين اتبعوهم بإحسان الذين اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخرون عنهم من الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة وليس المراد بهم التابعين اصطلاحا، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي ﷺ، بل
[ ٢ / ١٥١ ]
هم من جملة من يدخل تحت الآية فتكون (مِن) في قوله (من المهاجرين) على هذا للتبعيض وقيل أنها للبيان فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة، والمهاجرون جمع مهاجر، وأصل المهاجرة عند العرب: أن ينتقل الإنسان من البادية إلى المدن والقرى، والمراد به في الشريعة: من فارق أهله ووطنه وجاء إلى بلد الإسلام وقصد النبي ﷺ رغبة فيه وإيثارا، ثم هي عموما الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام وأثر ابن مسعود في وصف الصحابة ﵃ أجمعين رواه رزين بن معاوية العبدري، ومثله ما جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمه أنه قال: "عليك بلزوم السنة فإنها لك بإذن الله عصمة فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم فأنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا ولهم كانوا على كشفها أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى، وإنهم لهم السابقون وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم حدثَ حدثٌ بعدهم فما أحدثه إلا من ابتغى غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنه من تبعهم بإحسان ولقد وصفوه منه ما يكفي وتكلموا منه بما يشفي فمن دونهم مقصر ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا وطمح آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم"، وأثر حذيفة رواه البخاري، ومعشر القراء المراد بهم علماء القرآن والسنة، وقوله: "فقد سبقتم" قيل الرواية الصحيحة بفتح السين والباء، والمشهور ضم السين وكسر الباء، والمعنى على الأول اسلكوا طريق الاستقامة لأنكم أدركتم أوائل الإسلام فاستمسكوا بالكتاب والسنة لتسبقوا إلى خير، إذ من جاء بعدكم وإن عمل بعملكم لا يصل إلى سبقكم إلى الإسلام، وعلى الثانية سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى الله فكيف ترضون لنفوسكم هذا التخلف المؤدي إلى
[ ٢ / ١٥٢ ]
انحراف عن سنن الاستقامة يمينا وشمالا الموجب للهلاك الأبدي، وحذيفة هو ابن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ، شهد أحدا وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين مات بالمدائن سنة ٣٦هـ. وقول عبد الله بن مسعود ﵁: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا الخ" رواه الإمام أحمد في المسند، قال محمد بن نصر المروزي في كتابه السنة قال الله عزوجل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ فأخبر الله أن طريقه واحد مستقيم وأن السبل كثيرة تصد من اتبعها عن طريقه المستقيم ثم بين لنا النبي ﷺ ذلك بسنته. وروى بسنده عن أبي وائل عن عبد الله قال: "خط لنا رسول الله ﷺ خطا ثم قال: هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وشماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية"،فحذرنا الله ثم رسوله المحدثات والأهواء الصادة عن اتباع أمر الله وسنة نبيه ﷺ، ثم أخبرنا النبي ﷺ أن الله لا يدع عبده المؤمن مع ما بين له في كتابه وسنة نبيه حتى يعضه وينبهه بما يخطر بقلبه ليعتصم بذلك من دعاء الشياطين إلى الصد عن سبيله وعن طريق مرضاته، وروى بسنده عن النواس بن سمعان رضي لله عنه عن رسول الله ﷺ قال: "ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سور فيه أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تتعوجوا وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه" فالصراط: الإسلام والستور: حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوقه واعظ في قلب كل مسلم. وروى بسنده عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل﴾ قال البدع والشبهات، وروى أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتابه الشريعة بسنده عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي قالا دخلنا على العرباض بن
[ ٢ / ١٥٣ ]
سارية ﵁ وهو مريض فقلنا له: إنا جئناك زائرين وعامدين ومقتبسين، فقال عرباض رضي لله عنه: "إن رسول الله ﷺ صلى صلاة الغداة ثم أقبل علينا بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول لله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا، قال: أوصيكم بتقوى الله ﷿ والطاعة والسمع وإن عبدا حبشيا فإنه من يعش منكم بعدي سيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" كما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وحينئذ فالشاهد من حديث ابن مسعود الحث على لزوم السنة والتحذير من سلوك سبيل البدعة وأن الخير كله في الاتباع والشر كله في الابتداع، ولقد أمرنا الله جل وعلا أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فإنه إذ هدانا هذا الصراط أعاننا على طاعته وترك معصيته فلم يصبنا شر لا في الدنيا ولا في الآخرة، والذنوب من لوازم النفس وكل أحد محتاج إلى الهدى كل لحظة، وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب، ولهذا أمر به في كل صلاة لفرط الحاجة إليه، قال الشيخ: "وإنما يعرف بعض قدره من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن المأمورين بهذا الدعاء ورأى ما فيها من الجهل والظلم اللذين يقتضيان أن يدعو الإنسان بما حصل به شفاءها في الدنيا والآخرة فيعلم أن الله تعالى بفضله ورحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير المانعة من الشر"، وقوله ﷺ: "اليهود مغضوب عليهم" هذا الحديث رواه الترمذي، ولفظه عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فقال: القوم هذا عدي بن حاتم، وجئت بغير أمان ولا كتاب فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وقد قال قبل ذلك إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي، قال: فقام بي فلقيته امرأة وصبي معها فقالا: إن لنا إليك حاجة فقام معهما حتى قضى حاجتهما ثم أخذ بيدي حتى أتى بي داره فألقت له الوليدة وسادة فجلس
[ ٢ / ١٥٤ ]
عليها وجلست بين يديه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما يضيرك أيضيرك أن تقول لا إله إلا الله فهل تعلم من إله سوى الله؟، قال: قلت: لا. ثم تكلم ساعة ثم قال: ما يضيرك أن تقول الله أكبر، أو تعلم شيئا أكبر من الله؟، قال: قلت لا، قال: فإن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال، قال فقلت: فإني حنيف مسلم، قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا"، وكون اليهود مغضوب عليهم هو من جهة عدم العمل فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه قولا أو عملا وكون النصارى ضالين هو من جهة عملهم بلا علم فهم يجتهدون في أصناف من العبادات بلا شريعة من الله ويقولون على الله ما يعلمون. وهذا معنى قول الشيخ "وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه والنصارى عبدوا الله بغير علم" ومن أجل وصف اليهود والنصارى بما ذكر كان السلف ﵏ يقولون "احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون "، وذلك أن الأول يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه، والثاني: يشبه الضالين الذين يعلمون بغير علم، قال سفيان بن عينية: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى"، ومع أن الله قد حذرنا سبيل اليهود والنصارى فلابد من وقوع ما قدره الله وقضاه مما أخبر به رسوله ﷺ فيما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟، قال: فمن"، وفيما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله كفارس والروم؟، قال: ومن الناس إلا أولئك". قال الشيخ ﵀: فأخبر ﷺ أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ومضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم، وقد كان ﷺ ينهى عن التشبه بهؤلاء وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة"، وأخبر ﷺ: "أن الله لا
[ ٢ / ١٥٥ ]
يجمع هذه الأمة على ضلالة وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته"، وإذًا فالفرقة والاختلاف لابد من وقوعهما في الأمة ولكن كان ﷺ يحذر أمته من ذلك لينجو من الوقوع فيه من شاء الله له السلامة، وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات فعلم أن مشابهة هذه الأمة لليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله. قال الشيخ: "ولا يقال فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه، لأن الكتاب والسنة أيضا قد دلا على أنه لا يزال في هذه الأمة طائفة متمسكة بالحق الذي بعث الله به محمدا ﷺ إلى قيام الساعة وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النهي عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها، والشاهد من آيتي طه والبقرة هو الحث على الاعتصام بحبل الله ولزوم الصراط المستقيم إذ في ذلك سعادة الدنيا والآخرة فلا ضلال في الدنيا ولا شقاء في الآخرة، بل إيمان ويقين ولذة واطمئنان وفوز وفلاح، وهذا بخلاف ما يحصل لليهود والنصارى ومن على شاكلتهم في الزيغ والإلحاد والكفر والعناد، مما وصفه الله ﷿ بقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى، وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وأثر ابن عباس رواه بن أبي حاتم والبيهقي في الشعب ولفظه عن ابن عباس قال: "أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة، ثم قرأ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾، قال: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة"، وأخرج بن أبي شيبة والطبراني عن ابن عباس
[ ٢ / ١٥٦ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة وذلك أن الله يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ".
[ ٢ / ١٥٧ ]
اشارة الشارح إلى أن الرسالة التدمرية لم تشرح قبله
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإخواننا في النسب والدين صحبة المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، فإن هؤلاء قد هدوا صراطا مستقيما وحسن أولئك رفيقا، وهم الموعودون في مثل قوله سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وقوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ، وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، وبالله ثقتنا وعليه اعتمادنا ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وبعد: فإلى هنا ينتهي شرحي للتدمرية وهو جهد المقل، فأنا لا أدعي أنه هو كل ما تستحقه هذه الرسالة العظيمة، غير أنني أومن بأن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولكن قال الأوائل: "المؤلف مثل المكلف لا يخلو من المؤاخذة ولا يرفع عنه القلم"، وقالوا: "من ألف فقد استهدف، وأصم أذنا وإن كان لغيرها قد شنف"، لئن قالوا هذه المقالة وأمثالها فإنهم أيضا بلسان المقال أو بلسان الحال يقولون: "من تخوف ما ألف، ومن طلب الكمال فإنما طلب المحال"، على أنني أرجو أن يكون شرحي هذا فاتحة خير لشروح أخرى يتعرض أصحابها لجونب قد أكون قصرت فيها، ويكفيني ممن يأتي بعدي أن يعترف ويدعو بمثل ما اعترف ودعا به ابن مالك لسلفه ابن معطي حيث يقول:
وهو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا
والله يقضي بهبات وافرة لي وله في درجات الآخرة
[ ٢ / ١٥٧ ]
هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله الطاهرين صلاة وسلاما دائمين متعاقبين ما دامت الأرض والسموات.
[ ٢ / ١٥٨ ]
مراجع الكتاب
- مجموع الفتاوى.
- مجموع الرسائل.
- منهاج السنة.
- موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
- الرد على المنطقيين.
- شرح حديث النزول.
- التوسل والوسيلة.
- جواب أهل العلم والإيمان.
- اقتضاء الصراط المستقيم: لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية١.
- مناقب ابن تيمية لابن عبد الهادي.
- شرح الطحاوية: لعلي بن علي بن محمد بن أبي العز الأذرعي الدمشقي.
- مدارج السالكين.
- مختصر الصواعق.
- اجتماع الجيوش الإسلامية: للعلامة ابن قيم الجوزية.
- الملل والنحل: للشهرستاني.
- الفرق بين الفرق: لعبد القاهر البغدادي.
- مقالات الإسلاميين: لأبي الحسن الأشعري.
- نقض عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي.
[ ٢ / ١٥٩ ]
- الرد على الجهمية له أيضا.
- تذكرة الحفاظ: للذهبي.
- وفيات الأعيان: لابن خلكان.
- مقدمة ابن خلدون.
- الإتقان في علوم القرآن: لجلال الدين السيوطي.
- فتح القدير: للشيخ محمد بن علي الشوكاني.
- فتح المجيد: للشيخ عبد الرحمن بن حسن.
- معارج القبول للشيخ حافظ بن احمد الحكمي.
- الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية: للشيخ زيد بن فياض.
- التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز بن رشيد.
- فتح رب البرية ملخص الفتوى الحموية: للشيخ محمد بن عثيمين.
[ ٢ / ١٦٠ ]