[ ٨٩ ]
القاعدة الأولى:
الأدلة التي تثبت بها أسماء الله تعالى وصفاته هي (١):
١ - كتاب الله - تعالى -،
٢ - وسنة رسوله - ﷺ -؛
فلا تثبت أسماء الله وصفاته بغيرهما.
وعلى هذا فما ورد إثباته لله - تعالى - من ذلك في الكتاب أو السنة وجب إثباته،
وما ورد نفيه فيهما وجب نفيه، مع إثبات كمال ضده،
وما لم يرد إثباته ولا نفيه فيهما:
١ - وجب التوقف في لفظه؛ فلا يُثْبت ولا يُنفى لعدم ورود الإثبات والنفي فيه.
٢ - وأما معناه فيفصل فيه؛ فإن أريد به حق يليق بالله - تعالى - فهو مقبول، وإن أريد به معنىً لا يليق بالله - ﷿ - وجب رده.
فمما ورد إثباته لله - تعالى -:
كل صفة دل عليها اسم من أسماء الله - تعالى - دلالة مطابقة، أو تضمن، أو التزام.
ومنه: كل صفة دل عليها فعل من أفعاله؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦ وَ٢٩٨)، والحموية (ص ٢٧١)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٨٥).
[ ٩١ ]
القيامة، ونحو ذلك من أفعاله التي لا تحصى أنواعها فضلًا عن أفرادها " وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ " [إبراهيم: ٢٧].
ومنه: الوجه، والعينان، واليدان ونحوها.
ومنه: الكلام، والمشيئة، والإرادة بقسميها: الكوني والشرعي؛ فالكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة.
ومنه: الرضا، والمحبة، والغضب، والكراهة ونحوها (١).
ومما ورد نفيه عن الله - سبحانه - لانتفائه وثبوت كمال ضده: الموت، والنوم، والسِّنَة، والعجز، والإعياء، والظلم، والغفلة عن أعمال العباد، وأن يكون له مثيل أو كفؤ ونحو ذلك.
ومما لم يرد إثباته ولا نفيه: لفظ (الجهة)؛ فلو سأل سائل: هل نثبت لله تعالى جهة؟
قلنا له:
١ - لفظ الجهة لم يرد في الكتاب والسنة إثباتًا ولا نفيًا، ويغني عنه ما ثبت فيهما مِنْ أَنَّ الله - تعالى - في السماء.
٢ - وأما معناه؛ فإما أن يراد به:
أ - جهة سفل.
ب - أو جهة علو تحيط بالله.
ج - أو جهة علو لا تحيط به.
_________________
(١) قال المؤلف: أدلة هذه مذكورة في مواضعها من كتب العقائد. قلت: انظر توضيح مقاصد العقيدة الواسطية؛ فكثير منها شكره شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في الواسطية.
[ ٩٢ ]
فالأول باطل؛ لمنافاته لعلو الله - تعالى - الثابت بالكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة، والإجماع.
والثاني باطل - أيضًا -؛ لأن الله - تعالى - أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته.
والثالث حق؛ لأن الله - تعالى - العلي فوق خلقه، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته.
ودليل هذه القاعدة: السمع، والعقل.
فأما السمع فمنه: قوله تعالى: " وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [الأنعام: ١٥٥]، وقوله: " فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ " [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا " [الحشر: ٧]، وقوله: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا " [النساء: ٨٠]، وقوله: " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا " [النساء: ٥٩]، وقوله: " وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ " [المائدة: ٤٩]. إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن والسنة.
وكل نص يدل على وجوب الإيمان بما جاء في القرآن فهو دال على وجوب الإيمان بما جاء في السنة؛ لأن مما جاء في القرآن الأمر باتباع النبي - ﷺ - والرد إليه عند التنازع، والرد إليه يكون إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته.
فأين الإيمان بالقرآن لمن استكبر عن اتباع الرسول - ﷺ - المأمور به في القرآن؟!
[ ٩٣ ]
وأين الإيمان بالقرآن لمن لم يَرُدَّ النزاعَ إلى النبي - ﷺ - وقد أمر الله به في القرآن؟!
وأين الإيمان بالرسول الذي أمر به القرآن لمن لم يقبل ما جاء في سنته؟!
ولقد قال الله تعالى: " وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ " [النحل: ٨٩]، ومن المعلوم أن كثيرًا من أمور الشريعة العلمية والعملية جاء بيانها بالسنة، فيكون بيانها بالسنة من تبيان القرآن.
وأما العقل فنقول: إن تفصيل القول فيما يجب أو يمتنع أو يجوز في حق الله - تعالى - من أمور الغيب التي لا يمكن إدراكها بالعقل، فوجب الرجوع فيه إلى ما جاء في الكتاب والسنة.
التعليق
مضمون هذه القاعدة: أن المعوَّل عليه في معرفة الله بأسمائه وصفاته هو الكتاب والسنة.
فكل ما أخبر الله به عن نفسه أو أخبر به عنه رسوله وجب الإيمان به، فإن الله - تعالى - أمر بالإيمان به وبرسوله وكتابه " فامنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا " [التغابن: ٨]، فهذا يتضمن الإيمان بكل ذلك، وهذا معنى قولنا: أن أسماء الله وصفاته توقيفية، يعني: إنما يعول فيها على توقيف الشرع، ونص الشرع، ودلالة الشرع.
وصفاته تعالى إما صفات ثبوتية أو صفات سلبية، لكن الصفات السلبية هي صفات النفي، والنفي - كما تقدم - لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن إثباتًا لكمال؛ فالله - تعالى - موصوف بإثبات صفات الكمال؛ كالحياة والسمع والبصر والفعل فهو فعال لما يريد، وموصوف بنفي النقائص.
[ ٩٤ ]
والنقائص منها ما نُص على نفيه في الكتاب والسنة؛ كالنوم والسنة والموت واللغوب والأَوْدُ (١) والغفلة والضلال والنسيان، وكما في السنة: " إنكم لا تدعون أصم " (٢) فيه تنزيه الله - تعالى - عن الصمم.
ومن النقائص ما لم يصرح بنفيه، لكن إثبات أحد الضدين نفي للآخر: فإثبات العلم يتضمن نفي الجهل وكل ما ينافي العلم، وإثبات الحياة فيه نفي للموت وكل ما ينافي كمال الحياة، وإثبات القدرة يتضمن نفي العجز وكل ما ينافي كمال القدرة، وإثبات القوة يتضمن نفي الضعف وكل ما يستلزم الضعف، وإثبات السمع يتضمن نفي الصمم عن الله وكل ما ينافي كمال السمع وهكذا.
فالنقائص:
١ - منها ما هو منصوص على نفيه.
٢ - ومنها ما يعلم نفيه بإثبات ضده.
٣ - ومنها ما يعلم نفيه بطريق اللزوم.
فكل ما يستلزم النقص فإنه يجب نفيه عن الله، قالوا مثل: الحزن، والبكاء، والأكل، والشرب، وكذلك أدوات الأكل، وكذلك مما نزه الله نفسه عنه: الصاحبة، والولد وهكذا كل ما يتصل بهذا فإنه يجب تنزيهه - تعالى - عنه.
أما ما لم يدل على نفيه ولا على إثباته دليل بوجه من الوجوه، لا بالنص ولا بطريق التضمن ولا بطريق اللزوم، فإنه يجب التوقف فيه،
_________________
(١) كما في قوله تعالى: " ولا يؤوده حفظهما " [البقرة: ٢٥٥] ومعناه: لا يشق على الله - تعالى - ولا يعجزه ولا يكرثه ولا يثقله حفظ هذه العوالم العلوية والسفلية؛ انظر: الصفدية (٣٥٢)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (ص ٥٤).
(٢) تقدم في صفحة رقم ().
[ ٩٥ ]
ومن الأمثلة في هذا: (الأُذُن) لله - تعالى - فهذه مما يجب التوقف فيها، فلا تنفى ولا تثبت، لأنه ليس عندنا ما يدل على إثباتها نصًا ولا لزومًا ولا تضمنًا (١).
وأما ما أحدثه المتكلمون من العبارات المحدثة التي أضافوها لله، فهذه فيها التفصيل الذي ذكر الشيخ، مثل: الجسم، والجهة، والحيز، والمتحيز، والمركب؛ فهذه ألفاظ مبتدعة وجمهورهم يقولون: إن الله ليس بجسم، ولا في جهة، وليس بمركب، فيقال: هذه الألفاظ:
أولًا: محدثة لم يأتِ في الكتاب ولا في السنة النص على إثباتها ولا نفيها.
وثانيًا: هي ألفاظ مجملة تحتمل حقًا وباطلًا.
ولهذا الواجب أن يستفصل ممن تكلم بها ويسأل عن مراده:
١ - فإن أراد حقًا قبل.
٢ - وإن أراد باطلًا رد.
٣ - وإن أراد حقًا وباطلًا مُيَّز، فقبل الحق ورد الباطل.
فالجسم له معان، فله معنًى في اللغة ومعاني اصطلاحية كلامية، فإذا قال قائل: الله - تعالى - ليس بجسم.
قلنا: ما تريد بالجسم؟
فإن قال: الجسم هو الذي تقوم به الصفات، لأن ما قامت به الصفات فهو جسم.
نقول: هذا باطل؛ فالله - تعالى - تقوم به الصفات، فلا يجوز نفي الجسم بهذا المعنى.
_________________
(١) شرح الرسالة التدمرية (٣٩٥).
[ ٩٦ ]
وإذا قال: المراد بالجسم هو: المركب من الجواهر المفردة.
قلنا: هذا المعنى في نفسه باطل، ونظرية الجوهر الفرد والجواهر المفردة هي في نفسها باطلة (١).
فإذا قيل: إنه - تعالى - ليس بجسم، أي: ليس بمركب من الجواهر المفردة؛ فنقول: هذا حق.
وإذا قال: الجسم هو الذي يقبل الإشارة، فيقول: الله ليس بجسم أي لا يقبل الإشارة.
قلنا: هذا باطل، فالله - تعالى - يقبل أن يشار إليه، فالرسول - ﷺ - وهو أعلم الخلق به أشار إليه بأصبعه في أعظم جمع وقال: " اللهم اشهد " (٢)، وتقول: الله فوق وتشير إليه.
وإذا قال: الجسم هو القائم بنفسه.
قلنا: هذا حق لا يجوز نفيه، فالله قائم بنفسه.
فلفظ الجسم منه معان لا يجوز نفيها عن الله، وله معان يجب نفيها، ومنها معان يمكن أن يقال: يتوقف فيها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٦/ ١١٣)، جامع المسائل (المجموعة الخامسة / ١٦٨ وما بعدها)، الرسالة الصفدية (١٤٤)، درء تعارض العقل والنقل (١/ ١١٩، ٣/ ٣٥٥ مهم، ٤/ ٢٠١ مهم)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٣٤ وما بعدها)، وقال في المنهاج (٢/ ١٣٩): فالقول بأن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، قولٌ لا يعرف عن أحدٍ من أئمة المسلمين، لا من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسانٍ ولا من بعدهم من الأئمة المعروفين وهذا خلاف ما دلَّ عليه السمع والعقل والعيان، ووحود جواهر لا تقبل القسمة منفردة عن الأجسام مما يُعْلَمُ بطلانه بالعقل والحس . وانظر: شرح الرسالة التدمرية (١٧٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) من حديث جابر - ﵁ -؛ وأصل تقرير النبي - ﷺ - للصحابة في حجة الوداع بقوله: " اللهم اشهد " ثابت في الصحيحين.
[ ٩٧ ]
ومن الألفاظ المجملة ما ذكره الشيخ: لفظ (الجهة)، وقد ذكر شيخ الإسلام هذا المعنى في القاعدة الثانية في التدمرية (١) فذكر قاعدة في الألفاظ المحدثة المجملة فذكر لفظ (الجهة)، ولفظ (التحيز) أو (المتحيز).
فلفظ (المتحيز) إن أريد به الذي تحيط به الأوعية والأمكنة؛ فالله ليس بمتحيز لأنه لا يحيط به شيء، وإن أريد بالمتحيز المنحاز المتميز عن العالم، فوق جميع العالم؛ فنعم هو - تعالى - متحيز؛ فنفي هذا المعنى باطل ونفي الأول حق.
ثم ختم الشيخ هذه القاعدة بذكر الأدلة عليها، وهو كل ما في القرآن من الأمر باتباع القرآن واتباع الرسول، وطاعة الله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله، فكلها تتضمن الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله - ﷺ -؛ والله أعلم.
_________________
(١) التدمرية (ص ٢٠٥).
[ ٩٨ ]
القاعدة الثانية:
الواجب في نصوص القرآن والسنة إجراؤها على ظاهرها دون تحريف،
لاسيما نصوص الصفات حيث لا مجال للرأي فيها (١).
ودليل ذلك: السمع، والعقل.
أما السمع:
فقوله تعالى: " نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ " [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وقوله: " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [يوسف: ٢].
وقوله: " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [الزخرف: ٣].
وهذا يدل على وجوب فهمه على ما يقتضيه ظاهره باللسان العربي إلا أن يمنع منه دليل شرعي.
وقد ذم الله - تعالى - اليهود على تحريفهم، وبَيَّنَ أنهم بتحريفهم من أبعد الناس عن الإيمان، فقال: " أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٨٢ وَ٤/ ٢٦ وَ٥/ ١٩٥، ٢٥٧ وَ٦/ ٥١٥ وَ٣٣/ ١٧٧)، والحموية (ص ٢٧١)، شرح الرسالة التدمرية (٢١١ وما بعدها)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (٣٣).
[ ٩٩ ]
وَهُمْ يَعْلَمُونَ " [البقرة: ٧٥]، وقال تعالى: " مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" [النساء: ٤٦] الآية.
وأما العقل: فلأن المتكلم بهذه النصوص أعلم بمراده من غيره، وقد خاطبنا باللسان العربي المبين؛ فوجب قبوله على ظاهره، وإلا لاختلفت الآراء وتفرقت الأمة.
التعليق
لا شك أن الواجب في كلام الله وكلام رسوله إجراؤه على ظاهره؛ بل هذا هو الأصل في حمل كلام أي مخاطب، ما لم يقم دليل يوجب صرفه عن ظاهره، وإلا لما كان الكلام بيانًا ولا دالًا على مراد المتكلم.
فالأصل أن الكلام يبين به المتكلم مراده، ولا يأتي الخلل إلا:
١ - من نقص بيانه وفصاحته؛ فقد يتكلم بكلام لا يدل على مراده بسبب عجزه وضعف بيانه وعدم فصاحته.
٢ - أو إرادة التلبيس على المخاطب؛ فيخاطبه بخلاف مراده حتى يفهم من ذلك الكلام خلاف المراد.
ولهذا ذكر شيخ الإسلام (١) أنه إذا توفرت هذه المقومات وهي: العلم، والبيان، والنصح = لزم من ذلك أن يتحقق البيان، والرسول - ﷺ - أعلم الخلق وأفصحهم وأنصحهم فوجب أن يدل كلامه على مراده أتم دلالة وأكمل بيان.
وخلاف ذلك حَمْلٌ لكلام المتكلم على معان قد يحتملها لكن بغير حجة وهذا هو التحريف؛ فالتحريف: صرف الكلام عن ظاهره بغير حجة، ويسميه المتأخرون تأويلًا، فيقولون التأويل: صرف اللفظ عن
_________________
(١) الحموية (٢٨٠ - ٢٨٢).
[ ١٠٠ ]
الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل، لكن الشأن في ذلك الدليل.
فأهل التأويل من نفاة الصفات - لأن نفاة الصفات طائفتان مفوضة ومؤولة كما تقدم (١) - يفسرون نصوص الصفات بخلاف ما تدل عليه، ثم يضطربون في هذا التأويل، فيصرفون كلام الله وكلام رسوله عن ظاهره بغير حجة؛ بل بشبهات يسمونها عقليات، وهي في الحقيقة جهليات، وقد عمدوا إلى أفضل أنواع النصوص - وهي نصوص الأسماء والصفات - فصرفوها عن ظواهرها، بناء على ما أصَّلوه بالشبهات الباطلة من أنه - تعالى - لا تقوم به الصفات؛ فالجهمية والمعتزلة لما أصلوا نفي الصفات لابد أن يكون لهم موقف من هذه النصوص، كيف يصنعون بها؟ فلجؤا إلى التأويل، فصارت النصوص عندهم لا تدل على إثبات الصفات.
يقول شيخ الإسلام في التدمرية (٢): (القاعدة الرابعة: وهي أنَّ كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثيرٍ منها، أو أكثرها، أو كلها = أنها تماثل صفات المخلوقين؛ ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مثل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ أنَّ مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: إنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعَطَّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنِّه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظنَّ أنَّ الذي يُفهم
_________________
(١) تقدم في صفحة ().
(٢) التدمرية (ص ٢٣٤).
[ ١٠١ ]
من كلامهما هو التمثيل الباطل - قد عَطَّلَ ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله - تعالى -.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علمٍ، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب - تعالى -.
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عَطَّلَ صفات الكمال التي يستحقها الرب - تعالى -، ومَثَّلَهُ بالمنقوصات والمعدومات، وعَطَّلَ النصوص عما دلَّت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل؛ فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته).
وذكر الشيخ ابن عثيمين هنا: أن التحريف سبيل اليهود، فاليهود نعتهم الله بالتحريف، فهؤلاء الجهمية والمعتزلة ومن شابههم كل بحسبه، قد شابهوا اليهود في تحريف كلام الله كما قال تعالى: " يحرفون الكلم عن مواضعه " [النساء: ٤٦]، وقال: " يحرفون الكلم من بعد مواضعه " [المائدة: ٤١]، وهذا سبيل كل مبطل، فكل مبطل تعارض النصوص مذهبه فإنه يقف منها هذا الموقف، يلتمس لها التأويلات ليتخلص منها هذا فيما لم يقدر على رده، أما ما قدر على رده دفعه، وقال: هذا كذب، هذا لم يصحَّ، هذا خبر آحاد وما أشبه ذلك، فإن لم يقدر على الرد بطريق من الطرق ذهب إلى التحريف، وحقيقة التحريف صرف الكلام عن ظاهره إلى غيره بغير حجة توجب ذلك (١).
_________________
(١) يشهد لهذا ما نقله الدارمي في رَدِّهِ على بشرٍ المَرِيْسِي (٢/ ٨٦٨): لا تَرُدُّوهُ فتفتضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل، فتكونوا قد رددتموها بلطف! إذ لم يمكنكم ردُّها بعنف!! وانظر: توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (١٦٥، ١٧٤).
[ ١٠٢ ]
والشيخ محمد - ﵀ - استدل على هذه القاعدة بأن الله أخبر أنه خاطب عباده بلسان عربي مبين، فوجب حمل كلام الله على ما يقتضيه اللسان العربي، وإلا لما كان بيانًا ولهذا الذين حرفوا النصوص أو فوضوا فيها لزم من قولهم: أن القرآن ليس هدى ولا بيانا ولا شفاء، فالهدى والبيان والشفاء يكون بالكلام البين الذي يدل على معان بحسب ظاهره، أما إذا قيل: إن هذا الكلام لا يدل على شيء ولا يفهم منه شيء لم يكن هدى ولا بيانا ولا شفاء، أو قيل: إنه يدل على معان هي خلاف الظاهر فكذلك يكون المتكلم ملغز بكلامه لا مبين.
وإجراء النصوص على ظاهرها هو موجب الشرع - كما قال الشيخ - للأدلة التي ذكرها، وهو موجب العقل كما قلنا: إن الواجب حمل كلام المتكلم على ظاهره دائمًا، سواء كان كلام الله أو كلام الرسول أو كلام سائر المخاطِبين إلا أن يدل دليل على وجوب حمله على خلافه؛ هذا هو الأصل وهذا هو المعروف في عرف العقلاء؛ والله أعلم.
[ ١٠٣ ]
القاعدة الثالثة:
ظواهر نصوص الصفات معلومة لنا باعتبار، ومجهولة لنا باعتبار آخر، فباعتبار المعنى هي معلومة، وباعتبار الكيفية التي هي عليها مجهولة.
وقد دل على ذلك: السمع، والعقل.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ " [ص: ٢٩].
وقوله تعالى: " ِإنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " [الزخرف: ٣].
وقوله - جل ذكره -: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " [النحل: ٤٤].
والتدبر لا يكون إلا فيما يمكن الوصول إلى فهمه، ليتذكر الإنسان بما فهمه منه.
وكون القرآن عربيًا ليعقله من يفهم العربية يدل على أن معناه معلوم، وإلا لما كان فرق بين أن يكون باللغة العربية أو غيرها.
وبيان النبي - ﷺ - القرآن للناس شامل لبيان لفظه وبيان معناه.
وأما العقل:
فلأن من المحال أَنْ يُنْزِلَ الله - تعالى - كتابًا أو يتكلم
[ ١٠٤ ]
رسوله - ﷺ - بكلام يقصد بهذا الكتاب، وهذا الكلام أن يكون هداية للخلق، ويبقى في أعظم الأمور وأشدِّها ضرورة مجهول المعنى، بمنزلة الحروف الهجائية التي لا يُفهم منها شيء؛ لأن ذلك من السَّفَهِ الذي تأباه حكمة الله - تعالى -، وقد قال الله - تعالى - عن كتابه: " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " [هود: ١].
هذه دلالة السمع والعقل على علمنا بمعاني نصوص الصفات.
وأما دلالتهما على جهلنا لها باعتبار الكيفية، فقد سبقت في القاعدة السادسة من قواعد الصفات (١).
وبهذا عُلِمَ بطلان مذهب المفوضة الذين يفوضون علم معاني نصوص الصفات، ويَدَّعون أن هذا مذهب السلف، والسلف بريئون من هذا المذهب، وقد تواترت الأقوال عنهم بإثبات المعاني لهذه النصوص إجمالًا أحيانًا وتفصيلًا أحيانًا، وتفويضهم الكيفية إلى علم الله - ﷿ -.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المعروف بـ (العقل والنقل) (ص ١١٦ / جـ ١) المطبوع على هامش (منهاج السنة): (وأما التفويض: فمن المعلوم أن الله أمرنا بتدبر القرآن وحَضَّنَا على عَقْلِهِ وفهمه، فكيف يجوز مع ذلك أن يراد منا الإعراض عن فهمه ومعرفته وَعَقْلِهِ - إلى أن قال (ص ١١٨): وحينئذٍ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه؛ بل يقولون كلامًا لا يعقلون معناه، قال: ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدىً
_________________
(١) صفحة رقم ().
[ ١٠٥ ]
وبيانًا للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نُزِّلَ إليهم وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته لا يعلم أحد معناه فلا يُعْقَل ولا يُتَدبر، ولا يكون الرسول بين للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين، وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها، وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدل به، فيبقى هذا الكلام سدًا لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحًا لباب من يعارضهم، ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا لا في طريق الأنبياء؛ لأننا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون فضلًا عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع والإلحاد. اهـ. كلام الشيخ؛ وهو كلام سديد من ذي رأي رشيد، وما عليه مزيد - رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وجمعنا به في جنات النعيم -.
التعليق
هذه القاعدة هي مضمون القاعدة الخامسة في التدمرية؛ يقول شيخ الإسلام: (القاعدة الخامسة: أنا نعلم ما أخبرنا به من وجهٍ دون وجه، فإنَّ الله - تعالى - قال: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا " [النساء: ٨٢]، وقال: " أفلم يتدبروا القول " [المؤمنون: ٦٨]، وقال: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب " [ص ٢٩]، وقال: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها " [محمد: ٢٤]
[ ١٠٦ ]
فأمر بتدبر الكتاب كله) (١).
والوجهان - كما ذكرهما الشيخ محمد ﵀ - نعلمهما من جهة المعنى، فنعلم معانيها ونفهمها ونتدبرها ونعرف ربنا بها ونعرف مراده من هذه الأخبار، ونعرف مراده من الإخبار عن اليوم الآخر، ولكن لا نعلمها من جهة حقائقها وكيفياتها، فلا يلزم من العلم بمعنى الشيء إجمالا الإحاطة به.
وهذا كثير، ولعله يكون حتى في المحسوسات فالشمس نعلمها ونعرفها ويراها الناس، لكن هل يحيط الناس بها؟ وهل يحيط الناس بحقيقتها وما هي عليه كما خلقها الله؟ قد يعرفون أشياء لكن هل يعرفون حقيقة الشمس على ما هي عليه كما خلقها الله - ﷾ -؟
والشيخ - ﵀ - في التدمرية (٢) ضرب مثلًا للعجز عن معرفة الكيفية بالروح؛ فهذه الروح التي في الناس وبها حياتهم ولها شأن وصفات وهي معروفة، ومع ذلك لا يدرك الناس كنهها أبدًا، والعقول عاجزة عن تكييفها، فإذا كانت العقول عاجزة عن تكييف الروح فهي عن تكييف ذات الرب وصفاته أعجز.
وذكر شيخ الإسلام في القاعدة الخامسة الدليل على الوجه الأول، وهو نفس ما ذكره الشيخ محمد فذكر آيات التدبر: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " [محمد: ٢٤]، وقوله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا " [النساء: ٨٢]، وقوله تعالى: " أفلم يدبروا القول " [المؤمنون: ٦٨]، وقوله تعالى: " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته " [ص: ٢٩]، ثم قال: (فأمر بتدبر الكتاب كله) (٣).
_________________
(١) التدمرية (ص ٢٥١).
(٢) التدمرية (ص ١٦٩).
(٣) التدمرية (ص ٢٥١).
[ ١٠٧ ]
إذن؛ فالقرآن كله يمكن فهمه، وأعظم ذلك وَأَوَّلُهُ وَأَوْلَاه نصوص الصفات، فهي أشرف كلام الله، وأشرف آي القرآن، لأن أشرف العلوم الشرعية هي العلم بالله بأسمائه وصفاته، وأما الوجه الثاني الذي لا نعلمه فاستدل له بقوله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله " [آل عمران: ٧]، والتأويل في هذه الآية ولاسيما على قراءة الجمهور - وهي: الوقف على لفظ الجلالة - هو الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، فلا يعلم تأويل ما تشابه من القرآن، يعني لا يعلم حقيقته وما يؤول إليه إلا الله، فلا يعلم كنه ذات الرب وصفاته ولا كنه ما أخبر به عن اليوم الآخر إلا الله، حتى إنه سبحانه في الحديث القدسي قال: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَرَ على قلبِ بشر " (١).
وفي آيات الأمر بالتدبر وذم المعرضين عن تدبر القرآن: الرد على أهل التفويض، وهذا هو المقصود من تقرير هذه القاعدة، وأهل التفويض هم الذين يقولون: إن نصوص الصفات لا يعلم أحد معناها ولا الرسول - ﷺ -، فلا يعلم معناها إلا الله؛ ولهذا سماهم الشيخ في الحموية أهل التجهيل (٢)، لأنهم بزعمهم هذا يجهلون الرسول - ﷺ - والصحابة بمعان كلام الله؛ بل على قولهم: إن الرسول - ﷺ - يتكلم بما لا يعلم معناه من حديثه، فأحاديث الصفات - أيضًا - لا يعلم معناها إلا الله، فقولهم يتضمن أن الرسول - ﷺ - يتكلم بما لا يعلم ويعقل معناه، وكفى بهذا فسادًا، وكفى بهذا طعنا في كلام الله، وفي حكمة الله وفي كلام الرسول وقدره - ﷺ -، سبحان الله ما أقبح هذا الكلام وهذا المذهب، مع أن كلمة
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٤٤) وفي مواضع أخر، ومسلم (٢٨٢٤) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) الحموية (ص ١٩٥ - ٢٠٧).
[ ١٠٨ ]
التفويض يستروح لها بعض الناس ويظنون أن مذهب التفويض حقٌ، ولا يعلمون أنه يستلزم أمورًا باطلة، منها: أن القرآن ليس هدى ولا شفاء ولا بيانًا ولا فيه تعريف بالله بما يجب له وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.
فأهل التفويض معطلة نفاة لصفات الله، فالمعطلة لاسيما من الأشاعرة ونحوهم من الماتردية: منهم من ينحو إلى التفويض، ومنهم من ينحو إلى التأويل، أما الجهمية والمعتزلة فالغالب عليهم والأصل فيهم هو التأويل.
ولهذا يقول الشيخ - ﵀ - في التدمرية ينعت هؤلاء الذين يفرقون بين الصفات يقول: (الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض وإما التأويل)، يعني بعضهم يقول بالتفويض وبعضهم يقول بالتأويل والكل ينفي؛ فمثلا من الصفات التي ينفيها الأشاعرة الاستواء على العرش، فكلهم يتفقون على نفي حقيقة الاستواء على العرش والعلو والارتفاع على العرش، فينفون العلو، لكن ماذا يعتذرون عن الآية؟
أهل التأويل يقولون: استوى بمعنى استولى هذا نموذج من تأويلاتهم، وأهل التفويض يقولون: الله أعلم بمراده لا ندري ما معنى " الرحمن على العرش استوى " [طه: ٥]، فاتفقوا على نفي الاستواء على العرش، واختلفوا في موقفهم من الآية، وقل مثل ذلك في سائر نصوص الصفات التي ينفونها، مثل: النزول، والغضب، والرضا، وغير ذلك.
فمثلًا في آيات المحبة والرضا والغضب والسخط، فأهل التأويل منهم من يفسر هذه الصفات بالإرادة إما بإرادة الإنعام أو الانتقام أو ببعض المخلوقات من الثواب والعقاب، وأهل التفويض يقولون: الله أعلم بمراده، لا ندري ما معنى " يحبهم " [المائدة: ٥٤]، ولا ندري ما معنى " يحب الذين يقاتلون " [الصف: ٤]، ولا ندري ما معنى " غضب الله عليهم " [الممتحنة: ١٣]، فكما قال شيخ الإسلام في آخر الكلام الذي
[ ١٠٩ ]
نقله الشيخ محمد: هؤلاء جعلوا أشرف ما في القرآن وهي نصوص الصفات غير معلومة ولا ينتفع بها، ويلزم على قول هؤلاء إن الكتاب والسنة ليسا طريقا لمعرفة الله وإنما يعرف الله بالعقول، وعلى هذا فكل صاحب فكر يدعي أن ما أدركه بعقله هو الواقع وهو الحق، ولهذا نصَّ شيخ الإسلام في الحموية (١) على أنه يلزم على قول أهل التفويض وأهل التأويل أن ترك الناس بلا رسالة أهدى لهم، لأن هذه النصوص - على زعمهم - ما دلت على الحق في باب معرفة الله، وما دلت على الحق المطابق للواقع، فأهل التأويل والتفويض كلهم يتفقون على أن هذه النصوص لا تدل على إثبات صفات قائمة بالرب سبحانه، لا صفات ذاتية ولا فعلية - تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا -؛ والله أعلم.
_________________
(١) الحموية (ص ٢٣٥).
[ ١١٠ ]
القاعدة الرابعة:
ظاهر النصوص ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني، وهو يختلف بحسب السياق وما يضاف إليه الكلام (١)
فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، ومعنى آخر في سياق، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه ومعنى آخر على وجه.
فلفظ (القرية) - مثلًا - يراد به: القوم تارة، ومساكن القوم تارة أخرى.
فمن الأول: قوله تعالى: " وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا " [الإسراء: ٥٨].
ومن الثاني: قوله تعالى عن الملائكة ضيف إبراهيم: " إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَة " [العنكبوت: ٣١].
وتقول: صنعت هذا بيدي، فلا تكون اليد كاليد في قوله تعالى: " لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ " [ص: ٧٥]؛ لأن اليد في المثال أضيفت إلى المخلوق فتكون مناسبة له، وفي الآية أضيفت إلى الخالق فتكون لائقة به، فلا أحد سليم الفطرة صريح العقل يعتقد أن يد الخالق كيد المخلوق أو بالعكس.
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ١١٥ - ١١٦)، شرح الرسالة التدمرية (٢١١ - ٢١٤، ٢٣٤ - ٢٣٦، ٢٥٦ - ٢٧٢).
[ ١١١ ]
ونقول: ما عندك إلا زيد، وما زيد إلا عندك، فتفيد الجملة الثانية معنى غير ما تفيده الأولى مع اتحاد الكلمات، لكن اختلف التركيب فتغير المعنى به.
إذا تقرر هذا فظاهر نصوص الصفات ما يتبادر منها إلى الذهن من المعاني.
وقد انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام (١):
القسم الأول: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقًا يليق بالله - ﷿ - وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم.
وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: (أهل السنة مُجْمِعُوْنَ على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة) (٢) اهـ.
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: (لا يجوز رَدُّ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخَلْق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة) اهـ. نَقَلَ ذلكَ عنِ ابنِ عبدِ البر والقاضي = شيخُ الإسلامِ ابنُ
_________________
(١) الحموية (ص ٥٣٩).
(٢) التمهيد (٧/ ١٤٥).
[ ١١٢ ]
تيمية في الفتوى الحموية (ص ٨٧ - ٨٩ جـ ٥) من مجموع الفتاوى لابن القاسم.
وهذا هو المذهب الصحيح، والطريق القويم الحكيم، وذلك لوجهين:
الأول: أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته، كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف.
الثاني: أَنْ يُقَال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف أو فيما قاله غيرهم؛ والثاني باطل، لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان تكلموا بالباطل تصريحًا أو ظاهرًا، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحًا ولا ظاهرًا بالحق الذي يجب اعتقاده.
وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه؛ وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.
القسم الثاني: مَنْ جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا لا يليق بالله، وهو التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم المشبهة ومذهبهم باطل محرم من عدة أوجه:
الأول: أنه جناية على النصوص وتعطيل لها عن المراد بها، فكيف يكون المراد بها التشبيه وقد قال الله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]؟.
الثاني: أن العقل دل على مباينة الخالق للمخلوق في الذات والصفات، فكيف يُحْكَمُ بدلالة النصوص على التشابه بينهما؟
[ ١١٣ ]
الثالث: أن هذا المفهوم الذي فهمه المشبه من النصوص مخالف لما فهمه السلف منها فيكون باطلًا.
فإنْ قالَ المُشَبِّهُ: أنا لا أعقل مِنْ نزولِ اللهِ ويده إلا مثل ما للمخلوق من ذلك، والله - تعالى - لم يخاطبنا إلا بما نعرفه ونعقله؛ فجوابه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الذي خاطبنا بذلك هو الذي قال عن نفسه: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، ونهى عباده أن يضربوا له الأمثال، أو يجعلوا له أندادًا فقال: " فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " [النحل: ٧٤]، وقال: " فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ " [البقرة: ٢٢]، وكلامه - تعالى - كُلُّهُ حق يُصَدِّقُ بعضه بعضًا، ولا يتناقض.
ثانيها: أن يقال له: ألست تعقل لله ذاتًا لا تشبه الذوات؟
فسيقول: بلى!
فيقال له: فلتعقل له صفات لا تشبه الصفات؛ فإن القول في الصفات كالقول في الذات، ومَنْ فَرَّقَ بينهما فقد تناقض!.
ثالثها: أن يقال: ألست تشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؟
فسيقول: بلى!
فيقال له: إذا عقلت التباين بين المخلوقات في هذا؛ فلماذا لا تعقله بين الخالق والمخلوق؟!، مع أن التباين بين الخالق والمخلوق أظهر وأعظم؛ بل التماثل مستحيل بين الخالق والمخلوق - كما سبق في القاعدة السادسة من قواعد الصفات - (١).
_________________
(١) في صفحة (٨٠).
[ ١١٤ ]
القسم الثالث: مَنْ جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلًا، لا يليق بالله وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عامًا في الأسماء والصفات، أم خاصًا فيهما، أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معانٍ عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطرابًا كثيرًا، وسموا ذلك تأويلًا، وهو في الحقيقة تحريف.
ومذهبهم باطل من وجوه:
أحدها: أنه جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له.
الثاني: أنه صرف لكلام الله - تعالى - وكلام رسوله - ﷺ - عن ظاهره، والله - تعالى - خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي - ﷺ - خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله - ﷿ -.
الثالث: أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا علم وهو محرم؛ لقوله - تعالى -: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ " [الأعراف: ٣٣]. ولقوله - سبحانه -: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا " [الإسراء: ٣٦].
فالصارف لكلام الله - تعالى - ورسوله عن ظاهره إلى معنى
[ ١١٥ ]
يخالفه قد قَفَا ما ليس له به علم، وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله - تعالى - ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.
وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟!
مثال ذلك: قوله - تعالى - لإبليس: " مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي " [ص: ٧٥]، فإذا صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا.
قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل - وأَنَّى له ذلك - وإلا كان قائلًا على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
الوجه الرابع في إبطال مذهب أهل التعطيل: أن صرف نصوص الصفات عن ظاهرها مخالف لما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها؛ فيكون باطلًا، لأن الحق بلا ريب فيما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه، وسلف الأمة وأئمتها.
الوجه الخامس: أن يقال للمعطل:
هل أنت أعلم بالله من نفسه؟
فسيقول: لا.
ثم يُقَالُ له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟
[ ١١٦ ]
فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم كلامًا أفصح وأبين من كلام الله - تعالى -؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تظن أن الله - ﷾ - أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟
فسيقول: لا.
هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.
أما باعتبار ما جاء في السنة؛ فيقال له:
هل أنت أعلم بالله من رسوله - ﷺ -؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله - ﷺ - عن الحق صدق وحق؟
فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أفصح كلامًا، وأبين من رسول الله - ﷺ -؟
فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحدًا من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله؟
فسيقول: لا.
فيقال له: إذا كنت تقر بذلك؛ فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله - تعالى - لنفسه، وأثبته له رسوله - ﷺ - على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة
[ ١١٧ ]
في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟
وماذا يضيرك إذا أَثْبَتَّ لله - تعالى - ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذتَ بما جاء في الكتاب والسنة إثباتًا ونفيًا؟
أليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: " مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ " [القصص: ٦٥].
أفليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟! فلعل المراد يكون - على تقدير جواز صرفها - غير ما صرفتها إليه.
الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة؛ وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
فمن هذه اللوازم:
أولًا: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله - تعالى - بخلقه، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله - تعالى -: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]. قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري - رحمهما الله -: من شَبَّهَ الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. اهـ.
ومن المعلوم أَنَّ مِنْ أَبْطَلِ الباطلِ أَنْ يُجْعَلَ ظاهرُ كلامِ اللهِ - تعالى - وكلامِ رسوله - ﷺ - تشبيهًا وكفرًا أو موهمًا لذلك.
ثانيًا: أن كتاب الله - تعالى - الذي أنزله تِبْيَانًا لكل شيء، وهدى للناس، وشفاءً لما في الصدور، ونورًا مبينًا، وفرقانًا بين
[ ١١٨ ]
الحق والباطل لم يبين الله - تعالى - فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكلًا إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون؛ وهذا ظاهر البطلان.
ثالثًا: أن النبي - ﷺ - وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله - تعالى - من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله - تعالى - وسموه تأويلًا.
وحينئذٍ؛ إما أن يكون النبي - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل!!
رابعًا: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعًا للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلاههم الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع؛ بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة، وما خالفها فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، أو التحريف الذي يسمونه تأويلًا إن لم يتمكنوا من تكذيبه.
خامسًا: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله - تعالى -: " وَجَاءَ رَبُّكَ " [الفجر: ٢٢] إنه لا يجيء؛ وفي قوله - ﷺ -: " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا " (١) إنه لا ينزل؛ لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه.
_________________
(١) سبق تخريجه في صفحة ().
[ ١١٩ ]
ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء - أيضًا -.
ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض؛ كالأشعرية والماتريدية: أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه.
فنقول لهم: نَفْيُكُم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي.
مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.
أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ " [البقرة: ٢٥٣].
وأما العقل:
فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة.
ونفوا الرحمة؛ لأنها تستلزم لِيْنَ الراحمِ وَرِقَّته للمرحوم، وهذا محال في حَقِّ الله - تعالى -.
وَأَوَّلُوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام.
فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله - تعالى - بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عددًا وتنوعًا من أدلة الإرادة.
فقد وردت بالاسم مثل: " الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " [الفاتحة: ٣].
[ ١٢٠ ]
والصفة مثل: " وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ " [الكهف: ٥٨].
والفعل مثل: " وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ " [العنكبوت: ٢١].
ويمكن إثباتها بالعقل: فإنَّ النِّعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنِّقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله - ﷿ -، ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.
وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرِّقَّة؛
فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها؛ فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله - تعالى - مُنَزَّه عن ذلك.
فَإِنْ أُجِيْبَ: بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.
وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كانت تعطيلًا عامًا أو خاصًا.
وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ طريقَ الأشاعرةِ والماتريديةِ في أسماء الله وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية، وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي - ﷺ - ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تُدْفَعُ بالبدعةِ وإنما تدفع بالسنة.
الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة؛ فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من
[ ١٢١ ]
الصفات بما زعمتموه دليلًا عقليًا وَأَوَّلْتُم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلًا عقليًا، ونأوِّل دليله السمعي؟! فلنا عقول كما أن لكم عقولًا، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة؟!، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة؟! وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم واتباع الهوى.
وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله - تعالى - من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله - ﷺ - إثباتًا لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهًا لا تعطيل فيه ولا تحريف " وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ " [النور: ٤٠].
تنبيه: عُلِمَ مما سبق؛ أن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل.
أما تعطيل المعطل فظاهر، وأما تمثيله فلأنه إنما عطل لاعتقاده أن إثبات الصفات يستلزم التشبيهَ فَمَثَّلَ أولًا، وعَطَّلَ ثانيًا، كما أنه بتعطيله مثله بالناقص (١).
_________________
(١) قال ابن القيم في الداء والدواء (ص ٣٣٠): فإنَّ المشركَ المقرَّ بصفاتِ الرب خيرٌ من المعطل الجاحد لصفات كماله؛ كما أنَّ مَنْ أقرَّ لِمَلِكٍ بالمُلْك، ولم يجحد مُلكه، ولا الصفات التي استحقّ بها الملك، لكن جَعَلَ معه شريكًا في بعض الأمور يُقرِّبُهُ إليه = خيرٌ ممن جحد صفات المِلك وما يكون به مَلَكًا. هذا أمرٌ مسقر في سائر الفِطَر والعقول؛ فأين القدح في صفات الكمال والجحدُ لها، من عبادة واسطةٍ بين المعبود الحقّ وبين العابد يتقرَّب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظامًا له وإجلالًا؟ فداء التعطيل هو الداء العضال الذي لا دواء له.
[ ١٢٢ ]
وأما تمثيل الممثل فظاهر، وأما تعطيله فمن ثلاثة أوجه:
الأول: أنه عطل نفس النص الذي أثبت به الصفة، حيث جعله دالًا على التمثيل مع أنه لا دلالة فيه عليه، وإنما يدل على صفة تليق بالله - ﷿ -.
الثاني: أَنَّهُ عَطَّلَ كُلَّ نَصٍّ يدل على نفي مماثلة الله لخلقه.
الثالث: أنه عَطَّلَ الله - تعالى - عن كماله الواجب حيث مَثَّلَهُ بالمخلوق الناقص.
التعليق
ما ذكره المؤلف - ﵀ - في هذه القاعدة هو شرحٌ وتفصيلٌ لما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في القاعدة الثالثة من العقيدة التدمرية، وحاصل القول: إن الناس اختلفوا في ظاهر نصوص الصفات، وهل هو مرادٌ أو ليس بمرادٍ؟ على ثلاث طوائف.
وقبل ذكرها ينبغي أنْ يُعرف المراد بظاهر النصوص وظاهر الكلام؛ فإذا قيل: ظاهر الكلام كذا؛ فالمراد منه: ما يتبادر إلى ذهن سليم الفهم بلغة المتكلم وحاله.
فإذا قيل ما ظاهر نصوص الصفات؟ فالمراد: المعنى المتبادر منها، وهنا محلُّ النزاع.
فمذهب أهل السنة والجماعة: أنَّ ظاهر نصوص الصفات إثبات ما دلت عليه من المعاني صفاتٍ لله على ما يليق به ويختص به لا يشبه في ذلك صفات خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه في شيءٍ من صفاته.
فظاهر النصوص عند أهل السنة والجماعة حقٌ يجب الإيمان به، وهو مراد الله من كلامه ومراد رسوله - ﷺ -؛ وأما المعطلة من الجهمية
[ ١٢٣ ]
والمعتزلة ومن وافقهم فظاهر نصوص الصفات عندهم وَصْفُهُ - تعالى - بما دلت عليه، وهذا عندهم تجسيم وتشبيه وتركيب، فظاهرها عندهم باطل لا يجوز اعتقاده، لأنه غير مرادٍ لله - تعالى - ولا لرسوله - ﷺ -، ثم منهم مَنْ لا يفسر هذه النصوص؛ بل يمرها ألفاظ من غير فهمٍ لمعناها؛ بل يقول: إنه لا معنى لها، أو لا يعلم معناها إلا الله، وهذه طريقة أهل التفويض من المعطلة.
ومنهم من يفسر هذه النصوص بخلاف ظاهرها للشُّبَهِ التي بنوا عليها نفيهم للصفات، فقالوا: يجب صرف هذه النصوص عن ظاهرها، لأنَّ ظاهرها كفرٌ وباطل، ويسمون صرف النصوص عن ظاهرها تأويلًا، ولذلك سُمُّوا أهل التأويل؛ والحق: أنه تحريف للكلم عن مواضعه.
وأما الطائفة الثالثة: وهم المشبهة فيقولون: إنَّ ظاهر نصوص الصفات، وصفه - تعالى - بصفاتٍ مثل صفاتنا، ويجب اعتقاد هذا المعنى، فيقول أحدهم: لله سمعٌ كسمعي، وبصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وعلمٌ كعلمي، وقدرةٌ كقدرتي، ونحو ذلك.
فظاهر النصوص عندهم هو التشبيه وهو مراد، وظاهرها عند المعطلة التشبيه وليس بمراد؛ بناءً على اعتقادهم أنَّ إثبات الصفات لله تشبيه.
فمذهب أهل السنة حق محض، وهم وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل؛ وأما مذهب المشبهة والمعطلة، فكل منهما فيه حق وباطل؛ فإثبات المشبهة للصفات حقٌ وتشبيه صفاته - تعالى - بصفات خلقه باطل؛ فلزم من قولهم تعطيل الرب من صفاته اللائقة به.
ونفي المعطلة التشبيه عن الله حقٌ ونفيهم للصفات باطل، وهو مستلزم لتشبيهٍ أقبح، فنفروا من تشبيهه - تعالى - بالموجودات فشبهوه بالمعدومات والناقصات والممتنعات؛ فكلٌ من المعطلة والمشبهة جمعوا بين التشبيه والتعطيل.
[ ١٢٤ ]
فالمعطلة شبهوا أولًا، ثم عطلوا ثانيًا، ثمَّ شبهوا ثالثًا؛ والمشبهة شبهوا أولًا، وعطلوا ثانيًا.
وقد أوضح المصنف - ﵀ - هذه المذاهب، وميز الحق منها من الباطل بالأدلة العقلية والنقلية مما فيه إحقاق الحق وإبطال الباطل؛ فجزاه الله خيرًا، وأثابه على ما بَيَّن.
ومما جاء في كلامه - ﵀ - أنَّ التعطيل: (جناية على النصوص حيث جعلوها دالة على معنى باطل غير لائق بالله ولا مراد له) يعني: جعلوها دالة على إثبات الصفات وإثبات الصفات تشبيه عندهم، فجعلوها دالة على الكفر لأن تشبيه الله بخلقه كفر، فيقولون: إن ظاهرها معنى باطل، وهو كفر فيجب تأويلها ولا يجوز اعتقاد ظاهرها.
ولاشك أن المذاهب الباطلة تستلزم أمورًا باطلة في العقل، فذكر الشيخ قاعدة مهمة وهي: (إن بطلان اللازم يستلزم بطلان الملزوم)، فنفي الصفات عن الله وتحريف النصوص يستلزم هذه اللوازم الباطلة:
١ - يستلزم تجهيل الرسول والصحابة والأئمة، أو كتمانهم للحق.
٢ - ويستلزم الطعن في حكمة الله - ﷾ - والطعن في كلامه.
٣ - ويستلزم أن ترك الناس بلا رسالة أهدى لهم.
فكل هذه معان باطلة؛ فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
وما ذكره الشيخ من هذه اللوازم ذكرها شيخ الإسلام في العقيدة الحموية (١)، فقد ذكر الأدلة العقلية على أن الرسول - ﵊ - قد بيَّن للناس، وبلغ ما يجب عليهم اعتقاده في ربهم، مما يجب له أو يجوز عليه أو يمتنع عليه، وبين ما يستلزمه قول المعطلة النفاة من اللوازم الباطلة.
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٢٣٢ وما بعدها).
[ ١٢٥ ]
وما مستند مذاهب المعطلة؟!
لا مستند لهم من شرع، إنما يعولون على ما يزعمونه من قولهم: إن إثبات الصفات يستلزم التشبيه ويستلزم التجسيم والتركيب، فكأنهم يعترضون على الله ورسوله؛ فالله يخبر بهذه الصفات ثم يقولون: لا نثبت هذه الصفات.
وهذا المذهب كما ذكر شيخ الإسلام في العقيدة الحموية أن أصله مستمد من اليهود والصابئة والمجوس (١)؛ فهذا المذهب مستمد من أمم الكفر والإلحاد، وليس لهم أي مستند من الشرع.
فما ذكره الشيخ هنا من هذا التفصيل وهذا البيان كثير منه معناه مبين في الفتوى الحموية للإمام ابن تيمية، والشيخ محمد بن عثيمين - ﵀ - قد كان له عناية بالحموية حيث لخصها قديمًا في كتاب أسماه: (فتح رب البرية في تلخيص الحموية) (٢).
ومما تضمنه كلام الشيخ - ﵀ -: أن المعطلة طوائف وفرق متفاوتون في التعطيل، فبعضهم أشد مبالغة في التعطيل، ففيهم الغلاة، وغلاة الغلاة.
فالمعطلة المحضة هم: الذين ينفون الأسماء والصفات مطلقًا؛ وهذا مذهب الجهمية، فالجهمية هم الأصل في هذا الباب، فإنهم ينفون الأسماء والصفات، ويقولون عما جاء في النصوص كلها مجاز، فالأسماء أسماء لبعض مخلوقاته، والصفات يتأولونها بشتى المعان التي تخرجها عن مراد الله ورسوله.
_________________
(١) الفتوى الحموية (ص ٢٤٣).
(٢) وقد طُبِعَ الكتابُ عدةَ مرات، من آخرها الطبعة التي أشرفت عليها مؤسسة الشيخ ابن عثيمين لدى دار ابن الجوزي عام ١٤٢٧ هـ.
[ ١٢٦ ]
وشَرٌّ منهم: الجهمية الباطنية فهم غلاة الغلاة؛ فإنهم ينفون النقيضين، ينفون الصفات ونقائضها، يقولون: ليس بسميع ولا أصم، ولا بصير ولا أعمى، ولا موجود ولا معدوم، ذكر هذا شيخ الإسلام في مواضع من التدمرية وغيرها (١).
ودون هؤلاء وأولئك: المعتزلة؛ فإن المشهور من مذهبهم أنهم يثبتون الأسماء، لكنهم يجعلونها أسماء محضة، لا تدل على
معانٍ، إنما هي أعلام محضة (٢)، وينفون سائر الصفات، ولا يثبتون هم والجهمية إلا ذاتًا مجردة عن جميع الصفات.
ودون هؤلاء: الأشاعرة والماتريدية؛ فهم أقرب إلى أهل السنة حيث يثبتون بعض الصفات على ما في إثباتهم من انحراف ومن فساد، كما أنهم يثبتون - مثلا - صفة الكلام، لكنه ليس على الوجه المعقول والمشروع (٣).
فكل من نفى شيئًا يسمي من أثبته مشبهًا، فالغلاة يسمون الجهمية مشبهة، والجهمية يسمون المعتزلة مشبهة لإثباتهم الأسماء، والمعتزلة يجعلون الأشاعرة بناءً على مذهبهم مشبهة لأنهم يثبتون بعض الصفات، والجميع يجعلون أهل السنة مشبهة.
وبهذا يتبين أنَّ فِرَقَ التعطيل متناقضون، ومن طريقة شيخ الإسلام - ﵀ - أن يضرب بعضهم ببعض (٤)، وهذا هو المعنى الذي نقله الشيخ بعباراته لكن مضمونه قد قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، فالأشاعرة قد فرقوا بين المتماثلات، حيث أثبتوا بعض الصفات زاعمين أن العقل يدل عليها، ونفوا بعض الصفات زاعمين أن العقل
_________________
(١) التدمرية (ص ٨٥).
(٢) التدمرية (ص ٩٢).
(٣) التدمرية (ص ١١٦).
(٤) التدمرية (ص ١١٦).
[ ١٢٧ ]
دل على نفيها أو لم يدل عليها، والحق أنه لا فرق فالقول في بعض الصفات كالقول في بعض، لا فرق بين الصفات (١)، فإما إثبات الجميع أو نفي الجميع، وبسبب هذا التناقض كل طائفة ترد على الأخرى.
فيمكن الرد على الأشاعرة فيما نفوه بما يردون به هم على المعتزلة فيما أثبتوه، فما يحتجون به على المعتزلة يحتج به أهل السنة عليهم.
وكذلك المعتزلة مع الجهمية؛ فما يرد به المعتزلة على الجهمية يرد به الأشاعرة وأهل السنة على المعتزلة.
وهذا الأسلوب من الاحتجاج والرد قرره شيخ الإسلام في التدمرية في تقريره الأصل الأول (٢)، في قوله: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض)، وذكر الأشاعرة لا باسمهم لكن بمذهبهم، وأتبعهم بذكر المعتزلة ثم الجهمية، ثم الجهمية مع من بعدهم من الغلاة، وذكر هذا المعنى الذي ذكره الشيخ هنا في الرد على الأشاعرة ونحوهم في التناقض، حيث لا فرق بين ما نفوا وبين ما أثبتوا. فيرد عليهم في الصفات التي أثبتوها زاعمين أن العقل يدل عليها، بأن يقال: يمكن إثبات ما نفيتم بمثل ما أثبتم به تلك الصفات، فشيخ الإسلام ابن تيمية هناك طبقها على الصفات السبع، والشيخ محمد هنا طبقها على واحدة من الصفات السبع وهي الإرادة؛ فمن الصفات التي يثبتونها الإرادة ومن الصفات التي ينفونها الرحمة، فيقال: لا فرق بين إثبات الإرادة والرحمة، فإذا قلتم: إن الإرادة دل العقل عليها، قلنا: يمكن إثبات الرحمة بالعقل؛ فإنعام الله على العباد ونفعهم بالإحسان يدل
_________________
(١) التدمرية (ص ١١٦).
(٢) التدمرية (ص ١١٦).
[ ١٢٨ ]
على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة، فيحسن أن يرجع طالب العلم إلى هذا في التدمرية، فإنه هو الأصل في تقرير هذا الاحتجاج.
والشيخ محمد هنا - أخيرًا - نَبَّهَ إلى أن المعطلة مشبهة، والمشبهة معطلة؛ فكل معطل مشبه، وكل مشبه معطل، وقد تقدم بيانه (١)؛ والله أعلم.
_________________
(١) في صفحة رقم (٨٣ ).
[ ١٢٩ ]