على المسلم أن يكون سلفيًا على الجادة، متبعًا لا مبتدعًا في جميع مسائل الدين، مقتفيًا لآثار الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وأن يعبد الله بما شرع لا باتباع أهل الأهواء والبدع، فعليه أن يحذر منهم ومن طرقهم ومناهجهم، وخاصة منهم الصوفية والجهمية، فإنهم من شر أهل الأهواء والضلال؛ حتى يصلح له أمر دينه ودنياه.
[ ١٧ / ١ ]
لزوم الآثار وأهل الآثار
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وعليك بالآثار وأهل الآثار، وإياهم فاسأل، ومعهم فاجلس ومنهم فاقتبس].
بعدما حذر في الفقرة السابقة من الالتفات إلى علم الكلام والنظر فيه والجلوس إلى أهله جلوس المنادمة والمصادقة والتلقي، رجع إلى الأصل الذي عليه السلف، وهو أن المسلم وطالب العلم بخاصة يجب أن يعنى بالآثار التي هي مصادر التلقي، وهي الكتاب والسنة ثم ما تفرع عنها من آثار السلف التي هي سبيل المؤمنين، فمناهج السلف وتفسيراتهم وطرائقهم في العلم والعمل تدخل في الآثار دخولًا أوليًا؛ لأنها هي سبيل المؤمنين المستمد من الكتاب والسنة.
قال: (وأهل الآثار) يعني: أهل السنة والجماعة؛ لأنهم هم أهل هذا الوصف، وغيرهم لا يتوفر فيه هذا الوصف؛ لأنهم بدلوا وغيروا في مصادر التلقي وفي تقرير الدين ومناهجه وفي طرائق العلم.
وأيضًا المسلم إذا سأل عن دينه ينبغي أن يسأل أهل الذكر، وأهل الذكر هم أهل السنة والجماعة أهل الآثار، وأيضًا إن جالس فليجالس هؤلاء؛ لأنهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم، ويسعد بهم أنيسهم، ومن تلقى عنهم ثبت على المحجة البيضاء بإذن الله.
[ ١٧ / ٢ ]
عبادة الله بالخوف والرجاء لا بالمحبة وحدها
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه ما عبد الله بمثل الخوف من الله وطريق الخوف والحذر، والشفقات والحياء من الله ﵎].
هذا جزء من الأحوال القلبية التي تتم بها العبادة وهي كما تعلمون تبدأ بمحبة الله ﷿ والرجاء والخوف، وهنا الشيخ أشار إلى الخوف ثم الرجاء والذي عبر عنه بالشفقات والحياء من الله ﷿؛ لأن ذلك يؤدي إلى الخوف والرجاء.
قال رحمه الله تعالى: [واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة، ومن يخلو مع النساء وطريق المذهب؛ فإن هؤلاء كلهم في الضلالة].
يشير هنا إلى طوائف من المتصوفة أو إلى مناهج المتصوفة وبعض مصطلحاتهم التي ضلوا بها بعدما ذكر أن من أصول العبادة الخوف والرجاء، فأشار إلى الأصول التي انحرف بها الصوفية في جانب العبادة، حيث وقفت الصوفية عند مصطلح الشوق والمحبة، ولا يقصد بذلك الرجاء والمحبة المعروفة عند أهل السنة والجماعة في الكتاب والسنة، إنما يعني أكثر الصوفية بالشوق عبادة الله ﷿ بالمحبة دون الرجاء والخوف، ويبالغون في الشوق إلى حد يخرجهم عن سمت العبادة الصحيحة والمستقيمة، بحيث إن المتصوف إذا تعبد بالشوق يتهور ويقيس محبة الله ﷿ بمحبة العباد، فيتشوق للخالق كما يتشوق المخلوق للمخلوق، فيقع في عبادته شيء من الانحراف والعدول عن منهج الكتاب والسنة والمبالغة في ذلك، وعدم المبالاة بما شرعه الله ﷿ من ضرورة الخوف والرجاء.
فالمؤلف بهذا يشير إلى منهج الصوفية البدعية الطرقية الذين يقولون: لا نعبد الله رجاء جنته ولا خوف ناره إنما نعبده محبة له.
فهم إذًا يعولون على المحبة والشوق ويبالغون، فيها ويعرضون عن جوانب العبادة الأخرى التي لا تتكامل العبادة إلا بها خاصة الخوف والرجاء.
وأشار أيضًا إلى جانب آخر من انحرافاتهم، وهم أولئك الذين يتعبدون بالخلوة أو يستجيزون الخلوة مع النساء، وهذه الخصلة موجودة عند بعض النساك والعباد الجهلة أو الذين داخلهم الزنادقة، فيتساهلون في هذا الأمر فيسلكون مسلك الرهبان الذين يتساهلون في هذا الأمر فيختلطون في دور العبادة وفي أماكن التعبد التي يتخذونها ويظنون أنهم على الطريق الأسلم وأنهم حينما يفعلون ذلك برآء مما يحدث عند الناس من غوائل الاختلاط.
وطريق المذهب يبدو لي أن المقصود به الطرق الصوفية التي بدأت أصولها في عهد البربهاري لكنها ليست على نحو ما حدث في القرن الثالث وما بعده، إنما بدأ العباد يسلكون مسالك الاتجاهات في بذر الطرق، فلعله يشير إلى هذا في قوله: (وطريق المذهب)، أي: مناهج العباد التي يتخذونها مدارس ويكون لهم في ذلك أتباع يخرجون بها عن سمت أهل السنة والجماعة.
قال: (فإن هؤلاء) أي: أصناف هؤلاء الصوفية (كلهم على الضلالة).
وممكن أن ينتحل صاحب المذهب الباطل المحبة، بمعنى أن يتكلف فيدعي أنه لا يعبد إلا بالمحبة ويلغي الشرائع، ويلغي الخوف والرجاء، فهذا يرد عند مذاهب الضلال، أما في ميزان الحق فلا يمكن أن تكون المحبة الخالصة لله تعالى إلا بالعبادة، والعبادة لا تكون إلا مع الخوف والرجاء، وهذا بدهي! لكنهم لا يعبدون الله حق عبادته، بل يعبدونه بطرائق الوثنيين والفلاسفة التي تنزع إلى الجانب العاطفي دون تصور كمال الله ﷿، ولذلك لا يتصورون لله كمالًا على حقيقته، فيعبدونه عبادة عاطفية يقتصرون فيها على المحبة تبعًا للفلاسفة كما هو معروف.
[ ١٧ / ٣ ]
التوفيق للإسلام وحسن الخاتمة فضل من الله
قال رحمه الله تعالى: [واعلم -رحمك الله- أن الله ﵎ دعا الخلق كلهم إلى عبادته، ومنَّ من بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلًا].
هذه القاعدة واضحة؛ فإن الله ﷿ حينما تفضل على بعض الخلق بأن وفقهم للهدى والإسلام فلا يعني ذلك أن البقية غير مدعوين إلى عبادة الله؛ لأن التوفيق -خاصة في الخاتمة- أمر محجوب عن العباد فيجب أن يعمل جميع العباد بما يرضي الله ﷿، وكل موفق وميسر لما خلق له، لكن الله ﷿ دعا الخلق كلهم لعبادته، وضمن لمن اتبع الحق ألا يضل ولا يشقى، وضمن بأن ينصفه الله ﷿ وأن يجزيه الجزاء الحسن، فبقي ما قدره الله ﷿ من هداية بعض العباد دون بعض أمر غيبي محجوب، وإنما على العباد أن يعبدوا الله كما أمر؛ لأنه دعاهم كلهم إلى ذلك، وليعلم جميع العباد أن طريق السعادة في اتباع أمر الله ﷿، وأن من اتبع أمر الله فلن يظلم، وأن من حاد الله فهو الذي كتب الله عليه الشقاوة.
ولذلك لما ذكر النبي ﷺ أن كتابة السعادة والشقاوة في صحيفة كل إنسان قد وقعت أثناء نفخ روحه بعد مائة وعشرين يومًا وأن هذا أمر مقرر سلفًا، قال الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله إذا كان الأمر قد قدره الله؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وهذا يعني: أن أمر الخاتمة لكل إنسان غيب لا يعلمه إلا الله ﷿، وما دام غيبًا فعلى الإنسان أن يحرص على أن تكون خاتمته سعيدة بسلوك طريق النجاة، والله ﷿ قد بين طريق النجاة وسهله وأمر به وأرشد إليه ويسر أمره، ثم وعد من سلكه.
فليس لأحد عذر!
[ ١٧ / ٤ ]
الكف عما شجر بين الصحابة
قال رحمه الله تعالى: [والكف عن حرب علي ومعاوية وعائشة وطلحة والزبير ﵏ أجمعين ومن كان معهم، لا تخاصم فيهم وكل أمرهم إلى الله ﵎، فإن رسول الله ﷺ قال: (إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني)، وقوله ﷺ: (إن الله ﵎ نظر إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)].
الأصل الكف عما شجر بين الصحابة من أمور الحرب أو ما دون الحرب؛ لأن الذي حدث بين الصحابة ﵃ اجتهاد تأولوه، وكل منهم كان له منزعه في الاجتهاد، ولم يحدث بينهم حرب أرادوها، إنما أوقع الحرب بينهم بعض مشعلي الفتنة.
فالصحابة لم يكن منهم إرادة حرب ولم يعزموا عليها، بل سعوا بكل ما يستطيعون إلى إطفاء نار الحرب، وهذا ثابت عنهم، لكن قصد الشيخ هنا الكف عما شجر بينهم من أمور اختلفوا عليها وطواها التاريخ، فينبغي لنا أن نحسن الظن فيهم، وأن نعرف أنهم إنما فعلوا ذلك عن اجتهاد، فمنهم من أخطأ ومنهم من أصاب، وكلهم على أجر؛ فمن أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران، وعلى هذا فإن الخوض في حقهم أو تجريم أحد منهم على سبيل الانتصار والعصبية يعد من الباطل ومن أكبر المعاصي؛ لأن الله تعالى زكاهم؛ ولأن أغلب الذين حصل بينهم ذلك ممن زكاهم الرسول ﷺ بأعيانهم، وكثير منهم من أهل بدر الذين غفر الله لهم ذنوبهم وضمن لهم الجنة في الجملة فهؤلاء يجب ألا نخوض فيهم أبدًا، وكذلك بقية الصحابة.
والحديث الذي ساقه المؤلف ضعيف بل لا أصل له، إنما الوارد -وهو بطريق حسن- قول النبي ﷺ: (وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، وكذلك أحاديث أخرى مثل: (لا تسبوا أصحابي)، وغيرها أحاديث كثيرة تنهى عن أن نقع في أشخاص أصحاب رسول الله ﷺ أو في جماعاتهم أشد النهي.
[ ١٧ / ٥ ]
التورع عن أموال الناس
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه، وإن كان مع رجل مال حرام فقد ضمنه، لا يحل لأحد أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذنه، فإنه عسى أن يتوب هذا فيريد أن يرده على أربابه، فأخذت حرامًا].
هذه أيضًا مسألة فقهية واضحة في أن الأصل فيمن غصب مالًا أو سرقه ألا يستجاز منه هذا المال ولا يسوغ ما بيد المنتهب والغاصب وما يجري على ألسنة العوام من أن سرقة من السارق حلال لا أصل له، فلا يحل لأحد أن يأخذ شيئًا بغير طريقه ولو كان المال الذي بيد الآخر من كسب حرام أو مغصوب، فإنه لعله يتوب يومًا فيرجع هذا المال إلى أهله، أو لعل أهله يجدونه فيأخذونه منه.
[ ١٧ / ٦ ]
طلب المكاسب والاستغناء عما في أيدي الناس
قال رحمه الله تعالى: [والمكاسب مطلقة ما بان لك صحته فهو مطلق إلا ما ظهر فساده، وإن كان فاسدًا يأخذ من الفساد ممسكة نفسه، ولا تقول: أترك المكاسب وآخذ ما أعطوني، لم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا، وقال عمر بن الخطاب ﵁: كسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس].
أيضًا هذه من الأصول الفقهية والقواعد في الأحكام، فإن الأصل في المكاسب والحرف والرواتب والمكافآت وكسب العيش وطلب الرزق والضرب في الأرض والتجارة، كلها الأصل فيها الحل ما لم يتبين فيها حرام أو مشتبه، فالحرام حرام والمشتبه مكروه.
قوله: (إلا ما ظهر فساده) يعني: أنه محرم أو مغصوب أو مشبوه أو نحو ذلك.
قال: (وإن كان فاسدًا يأخذ من الفساد ممسكة نفسه) يعني: يأخذ ما تقتضيه الضرورة، فمثلًا الميتة لا شك أنها فاسدة وحرام، لكن إذا اضطر لها الإنسان بحيث لم يبق إلا أن يموت أو يأكل منها أكل للضرورة، وكذلك بقية المكاسب الحرام إذا وقعت في يد إنسان هالك إن لم يأكلها فله أن يأكل منها بقدر ما ينقذ حياته فقط، وهذا معنى قوله: (يأخذ من الفساد ممسكة نفسه) يعني: من المال الفاسد، وكذلك عبر عنها في نسخة ط وهي أصح: (يأخذ من المال الفاسد ما تقوم به نفسه عند الضرورة).
قوله: (ولا تقول أترك المكاسب وآخذ ما أعطوني) يعني: كما يفعل كثير من العباد والنساك الأوائل الذين اتكأت عليهم الصوفية فإنهم قعدوا عن كسب العيش وصاروا عالة على الناس ويأخذون ما يعطيهم الآخرون ويتركون المكاسب بدعوى أنهم يريدون أن يتفرغوا للعبادة، وهذا خلل، فإن خيار الخلق رسول الله ﷺ كان يأخذ نصيبه من الدنيا، ويعطي ويتصدق ويعمل بكل الوسائل والأساليب المباحة في الحياة الدنيا، ثم كان خيار الصحابة من بعده الخلفاء الراشدين، وكانوا أصحاب مكاسب يطلبون العيش بأيديهم، يتاجرون ويرابحون ويعملون ولم يقعدوا، فكانوا في العبادة مثالًا يحتذى وفي طلب العيش مثالًا يحتذى، وفي التجارة كانوا مثالًا يحتذى.
فإذًا: هذا هو الأصل، ولذلك تجد أمثل الناس هم الذين يعملون ذلك، وما كان دون ذلك فهو دونه إلا لظروف تحدث لإنسان، كأن تكون الأمة بحاجة إليه في تخصص معين وهو مكفي في حياته لكنه لا يستجدي أحدًا، إنما ييسر الله له رزقه بطرق مشروعة ولا يمد يده للآخرين.
أقول: إن الأمثل من أئمة الدين قديمًا وحديثًا هم الذين لا يتركون المكاسب ويجلسون على عطايا الناس، ولم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا كما قاله الشيخ.
(وقال عمر بن الخطاب ﵁: كسب فيه بعض الدنية) أي: مثل بعض الحرف التي يحتقرها الناس، على أن احتقارهم للحرف ليس مبنيًا على أصل شرعي، ومع ذلك فكسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس، وهذه قاعدة عظيمة.
[ ١٧ / ٧ ]
حكم الصلاة خلف الجهمية
قال رحمه الله تعالى: [والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت خلفه إلا أن يكون جهميًا فإنه معطل، وإن صليت خلفه فأعد صلاتك، وإن كان إمامك يوم الجمعة جهميًا وهو سلطان فصل خلفه وأعد صلاتك، وإن كان إمامك من السلطان وغيره صاحب سنة فصل خلفه ولا تعد صلاتك].
هذه أيضًا قاعدة معروفة وظاهرة وإن كان مقتضاها لم يحدث في عصور السلف (القرون الثلاثة الفاضلة) في قلب البلاد الإسلامية في مصر والشام والحجاز لم يحدث أن كان من الجهمية إمام إلا المأمون ومن بعده، وهم الواثق والمعتصم، فهؤلاء فعلًا كانوا ينزعون إلى مذهب الجهمية، وصلى خلفهم الأئمة، وكان بعض الأئمة الذين يصلون خلفهم يعيد الصلاة وبعضهم لا يعيدها؛ لأنه يرى أن هؤلاء ليسوا جهمية بالأصل إنما غرر بهم وتأولوا، والراجح في مثل المأمون أنه تعاد الصلاة خلفه؛ لأنه جهمي خالص في مسألة القول بخلق القرآن، ومن جاءوا بعده ربما يكونون أخف؛ لأنهم أخذوا بسياسته ولا نعرف أنهم على هذا المذهب من كل وجه والله أعلم.
على أي حال الصلاة خلف الجهمي الخالص تعاد إذا كان إمام المسلمين الأكبر، أما إذا كان إمامًا من الأئمة العاديين دون الإمام الأكبر فلا تجوز الصلاة خلفه أصلًا؛ لأنه هنا يقصد الإمام الأعظم فإن في ترك الصلاة خلفه مفسدة عظمى تؤدي إلى الإخلال بدين الناس وأمنهم ومصالحهم، فمن هنا استجاز السلف الصلاة خلف الإمام الأعظم وإن كان جهميًا؛ لكن إذا ثبت أنه جهمي خالص فتعاد الصلاة، وإذا لم يثبت فالأمر فيه خلاف.
وهذا ليس فيمن يقتدى به، بل حتى عوام الناس، إلا أن من يقتدى به ينبغي أن يكون أكثر حذرًا وأكثر تطبيقًا للسنة.
والعامي الذي لا يلفت النظر تحركه ولا يؤدي إلى فتنة الأولى ألا يصلي خلف هؤلاء لكن هذه مسألة لا تنضبط، فالأولى أن تبقى القاعدة على ما عليه الأئمة والناس تبع لهم، وكذلك الرافضي تعاد الصلاة بعده.
[ ١٧ / ٨ ]
الإيمان بأن الشيخين مدفونان في حجرة عائشة مع الرسول ﷺ
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما في حجرة عائشة مع رسول الله ﷺ قد دفنا هناك معه، فإذا أتيت القبر فالتسليم عليهما واجب بعد رسول الله ﷺ].
هذا أمر معلوم، وربما ساقه الشيخ هنا لأن بعض الرافضة زعموا أن أبا بكر وعمر لم يدفنا مع رسول الله ﷺ، فأراد أن ينفي هذا الزعم.
[ ١٧ / ٩ ]
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
قال رحمه الله تعالى: [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه أو عصاه].
هذه قاعدة، وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم بحسب استطاعته فيما يعلم، ولا يأمر وينهى بغير علم، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بالقلب وباللسان وباليد بحسب الاستطاعة.
(إلا من خفت سيفه وعصاه)، وهو الإمام أو الوالي، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه يكون بحسب المصلحة، لكن إذا لم يقدر المسلم على أن يأمر الوالي وينهاه عن المنكر فعليه أن يناصحه، لأن النصيحة واجبة، وعند خوف السيف أو العصا تبقى درجة المناصحة بالرفق والملاينة بالتي هي أحسن، فإنها لا تثير غضب السلطان الظالم، ولا تجعله يعمل السيف أو العصا على الآمر والناهي، فأقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يسقط بمعناه الاصطلاحي، لكن لا تسقط النصيحة، فالنصيحة تؤدى بأي أسلوب.
[ ١٧ / ١٠ ]
تعميم السلام بين المسلمين
قال رحمه الله تعالى: [والتسليم على عباد الله أجمعين].
يعني: من عرفت ومن لا تعرف من عباد الله المسلمين يجب أن تسلم عليه، وهو يقصد هنا التسليم على المسلمين لا على عموم العباد.
[ ١٧ / ١١ ]
ترك الجمع والجماعات من سمات المبتدعة
قال رحمه الله تعالى: [ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع، والعذر كمرض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد، أو خوف من سلطان ظالم، وما سوى ذلك فلا عذر له، ومن صلى خلف إمام فلم يتقد به فلا صلاة له].
يقصد من تركها قصدًا لا تساهلًا أو عن تأول، فمن تعمد ترك الجماعة لمذهب يذهب إليه كما يقول: والله أنا لا أطمئن إلى الجماعة، أو هؤلاء ليسوا على مذهبي أو على طريقتي.
أما إذا ترك الجماعة تساهلًا فهذا يعتبر عاصيًا وآثمًا لكن لا يسمى مبتدعًا، والشيخ قصد بهذا طوائف من أصحاب الأهواء والبدع يتركون الصلاة في المساجد؛ لأن لهم رأيًا في السنة وأهلها، ولهم عقائد ومقالات تخالف أهل السنة والجماعة، فيتركون الصلاة عمدًا لأنهم من المخالفين في العقيدة أو العبادة، فهذا قصده، والله أعلم.
[ ١٧ / ١٢ ]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير خروج بالسيف
قال رحمه الله تعالى: [والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف].
(بلا سيف) يعني: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب جائز بل مشروع بلا سيف فلا يستعمل المسلم غير الوالي السيف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يشهر السيف على العصاة أو على الظلمة سواء من عامة المسلمين أو من ولاتهم؛ لأن استعمال السيف من حق الولاية؛ لكن يضرب بالعصا إذا كان هذا في حدود ما فوض إليه، وما دون ذلك يضرب باليد وغيرها من أساليب الردع التي يملكها دون السيف، أي: دون استعمال القتال، فإن استعمال القتال بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مناهج الخوارج ومن سلك سبيلهم، من الفرق المخالفة والمفارقة فإنها تسلك طريق الخروج على أئمة المسلمين، بل وعلى جماعاتهم وعامتهم، وهذا اعتقاد الخوارج والرافضة والجهمية والمعتزلة.
[ ١٧ / ١٣ ]
الأسئلة
[ ١٧ / ١٤ ]
حكم الخوض فيما حصل بين الصحابة بهدف الدفاع عنهم
السؤال
ما رأيكم فيمن يخوض فيما حصل بين الصحابة من باب الدفاع عن الصحابة والاعتذار عما حصل بينهم، خصوصًا أنه في بعض البلاد الإسلامية قد شوه تاريخ الصحابة ﵃؟
الجواب
الدفاع عن الصحابة بالأصول الشرعية المعروفة مطلوب، فإذا وجدت من يلمز أو يقدح في الصحابة أو طائفة منهم أو أفراد فيجب أن تدافع عنهم بالأصول الشرعية؛ لكن لا يصل الأمر إلى حد المراء، بل تقيم الحجة وتبين أن الله ﷿ زكاهم، وأن الرسول ﷺ زكاهم، وأنهم كذا وكذا مما ورد فيهم، وأن أكثر ما نسب إليهم مكذوب عليهم، وأنهم وقع بعضهم فيما وقعوا من الاختلاف عن اجتهاد.
هذه هي الأصول العامة فمن لم يقتنع بها فهو صاحب هوى فلا داعي أن تماريه وتجادله، لكن أكثر الناس يجهل هذه الأصول، وهذا مما يجب أن يتنبه له طلاب العلم، فإننا نتصور أن كثيرًا من المثقفين والشباب والقراء وغيرهم ممن غرر بهم تجاه الصحابة، نتصور أن عندهم علمًا في القواعد الشرعية، والصحيح أن أغلبهم وإن كثرت ثقافته لكن ليس عنده علم مؤصل يعرفون به القواعد الشرعية الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ وعند السلف، بل يجهلونها، فهم يحتاجون إلى أن يلقنوها تلقينًا بينًا مع ما يصحب ذلك من الوعظ والتخويف بالله ﷿، وبيان خطورة هذا الأمر على دين المسلم، وأنه من الأمور الغيبية التي انقضت وانطوت، ويجب على المسلم أن يبقى سليم الصدر تجاه عموم المسلمين الذين سبقوا.
هذه القواعد ينبغي أن ننشرها وأن نبينها وأن نعرضها على الناس دائمًا؛ لأن الناس قد كثر خوضهم وخلطهم وخبطهم في هذا الموضوع، وكثر دعاة الضلالة الذين انبروا للقدح في الصحابة ﵃ حتى انطلت شبهاتهم على بعض من ينتسبون إلى الثقافة والعلم.
[ ١٧ / ١٥ ]
ما كان ينفقه رسول الله ﷺ
السؤال
ما هو عمل النبي ﷺ الدنيوي الذي كان يكسب منه وينفق منه؟
الجواب
النبي ﷺ لا يملك أموالًا خاصة به لكنها ترد إليه أموال؛ لأن النبي ﷺ عزف عن الدنيا لكنه لم يمنع من أن تأتي الدنيا والأرزاق والأموال إليه من عدة طرق، منها طريق الجهاد، ومنها ما يرد إلى النبي ﷺ بحكم أنه حاكم المسلمين مما يتعلق بالفيء، وما يتعلق أيضًا بمصارف الزكاة، وما يتعلق بأمور ترد حقوقًا عامة لبيت مال المسلمين.
النبي ﷺ لم يطلب لنفسه شيئًا؛ لكن الله كفاه رزقه فرزقه رزق الكفاف، لكنه ما كان يدعو إلى ترك الدنيا وكان إذا قبض شيئًا مما يهدى إليه يأكل ما يكفيه ويتصدق بما يزيد.
أما ما يتعلق بمصارف الأمة فهو يصرفها على الطرق الشرعية المعروفة، فالنبي ﷺ يملك أموالًا بالهدايا والحقوق التي تخصه مما أباحه الله له من الغنائم والأفياء وغيرها، لكنه ما كان يبقى في يده إلا ما يكفيه، وأحيانًا يمر عليه الأيام وهو طاو ليس في بيته ما يؤكل إلا الأسودان التمر والماء، بل أن النبي ﷺ، كان يجلس ثلاثة أيام بل أحيانًا أربعة لا يأكل شيئًا، لأنه كان ينفق، ولا ذلك أنه كان يمنع أن تصله الدنيا، فقد كانت تصله لكنها تخرج منه إلى مستحقيها من المسلمين الذين يسألونه أو يرى أنهم يحتاجون.
[ ١٧ / ١٦ ]