يجب على المؤمن أن يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في سنته من صفات وأفعال، ولا يرد شيئًا من ذلك أو يفسره بهواه، ولا يجوز له أن يتفكر في الله أو في صفاته بما لم يرد به الدليل؛ فإن الله تعالى أعظم وأكبر وأجل من كل ما يتخيله المتخيلون سبحانه جل في علاه.
[ ٥ / ١ ]
الإثبات والنفي فيما يتعلق بصفات الله وأفعاله
قال أبو محمد الحسن بن علي البربهاري رحمه الله تعالى: [وكل ما سمعت من الآثار مما لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله ﷺ: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿)، وقوله: (إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا) و(ينزل يوم عرفة) و(ينزل يوم القيامة) و(جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه)، وقول الله تعالى للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك)، وقوله: (إن الله ﵎ ينزل يوم عرفة)، وقوله: (خلق الله آدم على صورته)، وقول النبي ﷺ: (رأيت ربي في أحسن صورة).
وأشباه هذه الأحاديث، فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض لا تفسر شيئًا من هذه بهواك، فإن الإيمان بهذا واجب، فمن فسر شيئًا من هذا بهواه أو رده فهو جهمي].
[ ٥ / ٢ ]
قواعد في الأسماء والصفات
هذه الفقرة تتعلق بقاعدة الإثبات والنفي فيما يتعلق بالله ﷿ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذه القاعدة أشار الشيخ إلى شيء منها ثم ضرب لها أمثلة، ومن خلال كلامه أشار إلى بعض المناهج والقواعد عند السلف تجاه هذه الأمور الغيبية، ويمكن أن نلخص القواعد في هذا قبل أن نستعرض هذه الأمثلة التي ذكرها.
أولًا: أن كل ما جاء في القرآن أو ثبت عن النبي ﷺ من الأخبار عن الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، يجب أن يسلم به المسلم، ويثبت لله ﷿ على الحقيقة كما يليق بجلال الله سبحانه.
ثانيًا: لابد من التصديق والتسليم لهذه الأخبار؛ لأنها أخبار غيب ولأنها جاءت عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ولأنها جاءت بلسان عربي مبين، ولأننا خوطبنا بها ولا يمكن أن نخاطب بها إلا إذا كانت معانيها وحقائقها تحت مدارك البشر.
ثالثًا: لابد من الجزم بنفي المماثلة، أي عندما نثبت هذه الأمور لله ﷿ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فإننا نعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأن المعنى معلوم لكن الكيفية غير معلومة، ولاشك أن هذه الأسماء والصفات والأفعال تشتمل على معاني الكمال لله ﷿، والكمال يلزم منه نفي المماثلة ونفي توهم ما يرد في الخاطر أو ما يرد في القلب من تصور وتوهمات.
رابعًا: هذه الأمور كلها وغيرها مما ثبت عن الله تعالى فإن الله خاطبنا به؛ لأننا نعرف حقيقته على المعنى الذي يليق بالله ﷿ من وجه، وهو أنه حق وأن له معاني حقيقية، وأن هذه المعاني مدركة في الجملة، ولا نعرفه من وجه وهو الكيفيات، وهذا مما لم نطالب به أصلًا في مجرد التصور، فضلًا عن البحث والتنقيب والسؤال والشك والجدل والمراء والتقرير، فكل ذلك محرم علينا، بل من كبائر الذنوب أن نخوض فيما لا يدخل في مداركنا من كيفيات الأمور الغيبية، وأعلاها وأجلها ما يتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وقد ورد النهي الشديد عن الخوض في هذه الأمور.
[ ٥ / ٣ ]
إثبات الأصبع لله تعالى
والشيخ ضرب لهذه الأمور أمثلة منها ما يتعلق بالأفعال، ومنها ما يتعلق بالصفات الذاتية، ومنها ما يجمع بين هذا وذاك، ومنها ما يمكن أن يسمى صفات ومنها ما يمكن أن يكون من باب الأخبار عن الله ﷿، والقاعدة في الأخبار كالقاعدة في الأسماء والصفات والأفعال لا فرق.
والمثال الأول قوله: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، هذا ثبت به الحديث عن النبي ﷺ، ولابد أن نؤمن به على الحقيقة، لأننا خوطبنا به وأمرنا بأن نتدبره وأن نثبت الكمال لله ﷿ وأن لا نخوض في أكثر مما ورد؛ لأن الخوض في أكثر مما ورد محاولة للاطلاع على الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله ﷿، ولأنه إساءة أدب مع الله، لكن نؤمن به كما جاء وأنه على حقيقته على ما يليق بجلال الله، فإثبات الأصبعين والأصبع لله ﷿ ثابت لكن مع نفي الكيفية قطعًا؛ لأن الله ليس كمثله شيء.
[ ٥ / ٤ ]
إثبات النزول لله تعالى
وكذلك قول النبي ﷺ: (إن الله ﵎ ينزل إلى سماء الدنيا)، هذا حق، والنزول لله سبحانه نزول حقيقي؛ لأن الله لا يخبرنا إلا بالحق ولا يتكلم عن نفسه ولا عن غيره إلا بالحق، فيلزم إثبات ذلك على معناه اللائق بجلال الله، والنزول يستلزم الكمال لله ﷿ ولا يستلزم معاني النقص، فإذا كان للنزول لوازم تشعر بالنقص فهي منفية قطعًا، ولا يجوز العدول عن إثبات صفة النزول لمجرد وجود لوازم؛ لأن اللوازم إنما هي مأخوذة من واقع تصورات البشر، وهي لا تحكم في صفات الله ﷿ في شيء.
والتكلم في لوازم صفة النزول التي يرى أهل التأويل أنها لوازم باطلة مثل قولهم يلزم من النزول الحركة، نقول: كلمة الحركة كلمة مجملة تشتمل على معنى حق يثبت به الكمال، وعلى معنى باطل لا يليق بالله ﷿.
ثم يقولون: يلزم من النزول إخلاء مكان وشغور مكان آخر، أقول: إذا كان هذا يلزم في حق المخلوق فلأن المخلوق محدود محكوم ناقص والله ﷿ منزه عن هذه الأمور، فاللوازم التي قلتم بها وأولتم النزول لوازم باطلة.
قد يقولون: إننا نفهم من السياق أن الله ﷿ ينزل الرحمة، نقول: نعم، من لوازم نزول الله ﷿ الرحمة بالعباد، لكن لا يعني قصر الصفة على لازمها، فإنا نعرف أن كثيرًا من الصفات لها لوازم إيجابية وهي كمال وأنها تثبت لله ﷿ من الكمالات؛ لكن لا يعدل إليها عن إثبات الصفة، فالصفة تثبت لله ﷿ كما جاءت في القرآن وكما ثبتت عن الرسول ﷺ، وأن التشبيه والتمثيل منفي، وأن هذه الصفات تشتمل على معان صحيحة نثبتها، لكنا لا نحمل الصفة على بعض معانيها وبعض لوازمها.
وكذلك قوله: (ينزل يوم عرفة) و(ينزل يوم القيامة) و(جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه) هذا فيه إثبات القدم لله ﷿ على ما يليق بجلاله من غير معرفة للكيفية ولا تحكم بها.
[ ٥ / ٥ ]
معنى الهرولة
وقول الله ﷿ للعبد: (إن مشيت إلي هرولت إليك)، الهرولة هنا غير مفسرة بالمعروف عند البشر، وقد اختلف أهل العلم هل الهرولة تثبت لله ﷿ على أنها فعل أو صفة أو مجرد خبر؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم، لكن هذا النص يثبت لله ﷿ على ما يليق بجلاله والله أعلم بمراده به؛ لكن يختلف هذا النص وأمثاله من النصوص التي جاءت على سبيل المشاكلة والمجازاة عن النصوص الأخرى، فإنها مربوطة بأفعال البشر، فالله ﷿ ذكر عن العبد أنه إن مشى إليه مشى إليه، فقرن فعل الله ﷿ بفعل العبد، فإذا اقترن فعل الله بفعل العبد فهمت منه المجازاة، وهذا يشمل الهرولة ويشمل الاستهزاء والمكر، فهي من باب الأخبار.
فإثبات الهرولة لله ﷿ قد يكون من باب الصفة، وهي على ما يليق بجلال الله كما أثبتنا الأصبع وأثبتنا النزول على ما يليق بجلال الله، والهرولة المفهومة عند المخلوق ليست مثبتة لله ﷿ بل تثبت لله على وجه الكمال، هذا إن قلنا صفة، وإن قلنا إنه مجرد فعل من الأفعال فكذلك.
أفعال الله ﷿ لا حصر لها وتحمل على وجه الكمال مع الابتعاد عن تشبيهها بأفعال المخلوقين وكذلك إن كانت لمجرد الخبر فهي حق على ما يليق بجلال الله.
المهم أن الهرولة ليست محل اتفاق في إثباتها كصفة، إنما تثبت كخبر عن فعل من أفعال الله ﷿.
وقوله: (إن الله ينزل يوم عرفة)، مكرر.
[ ٥ / ٦ ]
إثبات الصورة
(وخلق الله آدم على صورته) أي: صورة الرحمن، وهذا هو قول جمهور السلف وإن شذ عنهم بعض الأئمة لاشتباه عندهم، وإلا فالضمير في قوله: (على صورته) يرجع إلى الله ﷿ في الراجح، وهذا أمر غير مفسر الكيفية لكن معناه المجمل مفهوم عند عامة المخاطبين بأن الله ﷿ له الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وأفعاله، والله ﷿ جعل عند المخلوق شيئًا من الكمالات المحدودة التي لا توصله إلى القداسة والكمال المطلق؛ لكنها كمالات محدودة وصفات حميدة.
كذلك الصورة ثبتت لله ﷿ بنصوص أخرى، وهي كسائر الصفات ليس هناك ما يبرر التكلف في تأويلها أو نفيها، فهي كسائر الأخبار عن الله ﷿ وكسائر الصفات، كقوله ﷺ: (رأيت ربي في أحسن صورة).
قال: (فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض).
ولا يقصد التفويض بمعنى عدم إثبات الحقيقة، أو الهروب من الإثبات، ولا يقصد بالتفويض أيضًا اعتقاد أن ليس لها معنى أو أن معناها غير مفهوم عند المخاطبين أو نحو ذلك، إنما يقصد بالتفويض تفويض الكيفية، يعني: أن ما نعلمه بإجمال نثبته، وما لا ندركه ولا نعلمه من الكيفيات نفوضه إلى الله ﷿؛ لأننا ما أمرنا بالكلام فيه، بل نهينا.
والتفويض من الكلمات الحساسة التي ينبغي لطالب العلم أن يتفادى إطلاقها، وليست من الأمور الضرورية في تقرير العقيدة وإن أطلقها بعض السلف كما أطلقها الشيخ هنا، فإنما أطلقها على معنى صحيح لكنه غير شائع وغير مستعمل ويؤدي إلى حرج في إطلاق الصفات، فليس في الصفات ما يفوض على المعنى المفهوم عند المفوضة، إنما تفوض للكيفية؛ إطلاقها في الأمور الغيبية إلا مفسرة، بمعنى أن نقول: إن المفوض هو ما لا نعلمه وما لم نخاطب به، أما ما خوطبنا به فلا نفوضه وهو المعاني والحقائق.
وكذلك الحقائق تنقسم إلى قسمين حقائق بمعنى المعاني، هذه معلومة وحقائق بمعنى الكيفيات لا نفسر شيئًا منها بالرأي، بل إن تفسير هذه الأمور بالرأي يعتبر من كبائر الذنوب ومن البدع المغلظة، فإن الإيمان بها واجب، فمن فسر شيئًا منها بهواه أو رده فهو جهمي؛ لأن هذا هو منهج الجهمية الأوائل كانوا يردون النصوص ولا يبالون، فلما رأوا أن هذا المنهج فيه نوع مغالطة وأنه يصادم عقائد المسلمين وصار ينفر منه حتى العوام، سلكوا مسلكًا آخر وهو مسلك التأويل، وهو التفسير بالهوى.
[ ٥ / ٧ ]
النهي عن التفكر في الله
قال رحمه الله تعالى: [ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله ﷿.
والفكرة في الله ﵎ بدعة لقول رسول الله ﷺ: (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله، فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب)].
المقصود بالفكرة هو أن يسرح الإنسان بفكره وخيالاته إلى التفكر في كيفيات الغيب، والفكرة في الله ﷿ هي التفكر أو إعمال الذهن والعقل والقلب في التفكير في كيفيات ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإن هذا هو منهج المتكلمين والفلاسفة بمعناهم الاصطلاحي البحت أو الخاص، لا بالمعنى المتوسع فيه الآن.
الفلاسفة الذين يتكلمون في الإلهيات بآرائهم هم خصوم الأنبياء في كل عصر، ومنهجهم يقوم على التفكر في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله بما لم يرد في النصوص؛ لأن التفكر قد يقصد به معنى سليم، وهو أن يتفكر الإنسان في حقوق الله ﷿، وفي أسمائه وصفاته وإثبات الحقائق لله سبحانه، فهذا أمر مطلوب، ولا يتم فهم خطاب الله ﷿ وكلامه وخبره إلا بهذا التفكر.
لكن تفكر بما لا يتجاوز حدود العقل، وبما لا يتجاوز معاني النصوص المجملة التي تحت مدارك البشر، أما ما تجاوز مدارك البشر فهو ممنوع؛ لأنه خوض فيما لا يعلمه الناس، فمثلًا: إعمال الفكر في إثبات ما لم يثبت لله ﷿ الصفات التي ليس فيها كمال لاشك أنه من التفكر، ومن التفكر إمعان الفكر في محاولة التطلع إلى الكيفيات.
فالفكرة في الله -أي: التفكر في كيفية ذاته وأسمائه وصفاته- بدعة إلا ما يخطر على الإنسان رغمًا عنه، فإن الخاطر إذا طرده الإنسان وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم زال عنه، لكن القصد اتخاذ التفكر في ذات الله ﷿ وأسمائه وصفاته وأفعاله منهجًا، وكذلك أمور الغيب الأخرى.
أما منهج الفلاسفة والمتكلمين فيقوم على تقرير العقيدة على هذا الأساس، فهم يسرحون في الخيالات والأوهام ثم يقررون أوهامهم وخيالاتهم، ثم يجعلونها قواعد عقلية، فإذا جاء في القرآن ما يعارضها ردوا القرآن أو أولوه وإذا صح في السنة ما يعارض هذه الأمور ردوه أو أولوه.
قوله: (لقول رسول الله ﷺ: (تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله» الحديث فيما أعلم ضعيف، لكن ربما يرقى بمجموع طرقه إلى درجة الحسن، وبعض أهل الحديث صححوا الحديث.
[ ٥ / ٨ ]
سائر المخلوقات مأمورة مسيرة بما قدره الله لها
قال رحمه الله تعالى: [واعلم أن الهوام والسباع والدواب نحو الذر والنمل والذباب كلها مأمورة، لا يعلمون شيئًا إلا بإذن الله ﵎].
قصده بذلك أن هذه المخلوقات مسيرة بما قدره الله ﷿ لها، فالله خلقها وجعل فيها الغرائز وجعل فيها الحركة وأنها ليس لها استقلال عن تدبير الله ﷿، وعما جعله الله في هذا الكون من السنن التي تسير فيها الحياة، فهي سائرة على سنن الله وبأقدار الله ﷿ فلا تسير نفسها ولا يسيرها أحد من الخلق وحركاتها كلها مبنية على تقدير الله لها وعلى ما جعله الله لها من السنن التي بها تتحرك وتعيش وتحيا وتموت كسائر المخلوقات، وهذه أمثلة لمجموع الخلق كله فإنه تحت تدبير الله ﷿ وتحت ربوبية الله وتصريفه: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣] سبحانه.
[ ٥ / ٩ ]
إدخال السلف لبعض المسائل الفقهية ضمن كتب العقائد
قال رحمه الله تعالى: [والإيمان بأن الله ﵎ قد علم ما كان من أول الدهر وما لم يكن وما هو كائن، أحصاه الله وعده عدًا، ومن قال إنه لا يعلم إلا ما كان وما هو كائن فقد كفر بالله العظيم.
ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق قل أو كثر، ومن لم يكن لها ولي فالسلطان ولي من لا ولي له، وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا فقد حرمت عليه ولا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله ويشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا بإحدى ثلاث: زان بعد إحصان، أو مرتد بعد إيمان، أو قتل نفس مؤمنة بغير حق فيقتل به، وما سوى ذلك فدم المسلم على المسلم حرام أبدًا حتى تقوم الساعة].
أدرج الشيخ هنا بعض الأحكام الفقهية كعادة السلف في الأمور التي يكون عند بعض الفرق المعاصرة لهم شيء من الخلاف والخروج عن مقتضى السنة، وكلما خرج الناس بأمر يكون فيه مخالفة صريحة للسنة نوه السلف عن الحق فيه وبينوا القاعدة فيه، كما تقدم في الدرس السابق أن السلف أدخلوا المسح على الخفين ووجوب غسل الرجلين.
في باب العقائد مع أنها في باب الأحكام، لأن هناك من خالف فيها وهي من الأحكام الظاهرة المعلومة، فهي إما أن تكون قطعية متواترة أو مجمعًا عليها، أو تكون من السنن الظاهرة أو الرأي الراجح، أو يكون المخالف فيها لم يقصد مجرد المخالفة إنما قصد الحكم تدينًا، بمعنى أنه يبدّع غيره فقد تشتهر المخالفة في مثل هذه الأمور عند بعض الفرق وإن كانت من باب الأحكام، لكنها لم تجعلها خلافية، بل جعلتها من الحق الذي لا يمكن أن يُسمح فيه بالاجتهاد، ويبدّع من خالفها ويوالى ويعادى عليها، فمن هنا يذكر السلف مثل هذه الأمور من باب أنها من الأمور التي تقررت على هذا الوجه عند جمهور السلف أو عند أكثرهم، أو تكون هي الراجح أو نحو ذلك.
[ ٥ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٥ / ١١ ]
بيان مرجع الضمير في قول المؤلف: (وأمة محمد فيها مؤمنون)
السؤال
يقول المؤلف: (واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام، وأمة محمد ﷺ فيها مؤمنون في أحكامهم ومواريثهم وذبائحهم والصلاة عليهم).
العطف يقتضي تشابك الفقرتين معنى ولفظًا، وجه الإشكال أن الظاهر أن الضمير في قوله: (فيها)، راجع إلى الأمة، في حين أن الصحيح أن الضمير راجع إلى الدنيا؟
الجواب
قوله: (وأمة محمد ﷺ فيها) أي في الدنيا، (مؤمنون في أحكامهم) وهذا هو الصحيح.
[ ٥ / ١٢ ]
الكلام على خبر الهرولة ونحوه
السؤال
ما هو الراجح في صفة الهرولة ونحوها؛ لكي لا يجد أهل البدع على أهل السنة مستمسكًا؟
الجواب
بعض الذين أثبتوا هذه الصفات قالوا: إننا لابد أن نعمم القاعدة بأن كل ما أخبر الله به عن نفسه فلا بد من إثباته وأنه صفة، ويدخل في ذلك الملل: (إن الله لا يمل حتى تملوا) كما ورد في حديث صحيح، والهرولة كما في هذا الحديث، والمشي، والاستهزاء والمكر ونحو ذلك وهذه النصوص لها ما يميزها عن باقي الصفات، وهي أنها كلها جاءت من باب مشاكلة أفعال العباد، ففيها مجانسة ومشاكلة وفيها مجازاة، وغالب النصوص التي تربط الخبر عن الله ﷿ بشيء من عالم الشهادة وأحوال المخلوقين تقيد بهذا التفسير، فمثلًا نحن نعلم أن الاستهزاء جاء ذكره مقابل وعيد المنافقين بأن الله ﷿ سيفعل لهم ما يجازيهم على استهزائهم في الآخرة، أي: بفعل حاصل من المخلوق، وقرن بمعنى معلوم لدى المخاطبين وهو أن هذه المجازاة ستكون من جنس العمل، فرُبط الحال بحال المخلوق.
كذلك الهرولة نحن نعلم أنها جاءت مقابل المشي إلى الله ﷿، ونحن نعلم أن عبادة الله لا تكون بمشي فعلي إليه، إنما يكون المشي على منهجه والسير على الطريق الحق، فإذا كان المشي لا يقصد به المشي الفعلي من العبد فكذلك الهرولة لا يقصد بها الهرولة الفعلية من الله لوجود القرينة المعلومة.
أما بقية الصفات فليس عندنا قرينة معلومة، فلما وجدت القرينة المعلومة فسّرنا النص بمعناه الذي جاء به، أما الأمور التي هي غيبية بحتة فلا نفسرها إلا كما جاءت.
فمن هنا أثبت بعض السلف هذه الأمور على أنها صفات.
وبعضهم قال: إنها أفعال مطلقة وليست من باب الصفات الذاتية أو الفعلية.
وبعضهم قال: أفعال، وهي صفات فعلية.
وبعضهم قال: هذا مجرد خبر نمره كما جاء لأنه يُشكل، وأي أمر يُشكل نمره كما جاء، أما بقية الصفات الأخرى فلا تشكل؛ لأنها تثبت على قاعدة (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).
فإذًا: ربط فعل الله بفعل العبد جعل بعض أهل العلم يقول: إن هذا الربط قصد به معنى معلوم عند المخاطب وهو المشاكلة أو المجازاة، ومع ذلك تبقى المسألة خلافية لا حرج فيها.
[ ٥ / ١٣ ]
معنى أن الله خلق آدم على صورته
السؤال
ما معنى أن الله خلق آدم على صورته؟
الجواب
اختلف فيه أهل العلم كثيرًا، والراجح أن الله ﷿ خلق آدم على صورة الرحمن، يعني في الكمالات التي تليق بالعباد وليست كمالات مطلقة، بمعنى أنه يوجد اشتراك لفظي بين صفات الخالق وصفات المخلوق، هذا الاشتراك اللفظي يوجد فيه اشتراك في بعض المعاني وليس في كل المعاني، فهذه المعاني المشتركة عُبِّر عنها على أنها نوع من الصورة، ومع ذلك فإن بعض أهل العلم أرجع الضمير إلى غير الله ﷿، لكن هذا فيه تكلف؛ لأنه ورد في نص آخر صحيح: (على صورة الرحمن)، فيفسّر هذا بذاك.
[ ٥ / ١٤ ]
وجه تخصيص المؤلف للهوام والدواب بأنها مأمورة
السؤال
لماذا خص هذا الكتاب شرح السنة تلك الهوام والدواب بالعلم دون غيره؟
الجواب
هذا من باب ضرب المثل فقط.
[ ٥ / ١٥ ]
حكم حكاية بعض صفات الله مع تحريك اليد أو غيرها
السؤال
حديث: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن ﷿) ما رأيك فيمن يقرؤه ثم يحرك إصبعيه؟
الجواب
النبي ﷺ أحيانًا يحرك يده أو إصبعه في حكاية بعض الصفات، ولذلك كان بعض رواة الحديث يفعلون ما كان يفعله النبي ﷺ، وكان هذا هو المعهود عند السلف قبل أن تظهر الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام، فلما ظهرت بدع الجهمية والمعتزلة وأهل الكلام أشكل على بعض الناس مثل هذه الأمور، وصار في الإشارة شيء من الفتنة، فلذا بعض السلف يشير إذا أمن الفتنة، وبعضهم لا يشير، وبعضهم يمنع فالقاعدة فيما أعرف أنه إذا كان راوي الحديث أو المتكلم عنه بين طلاب علم يفقهون الأمور وليس فيهم عوام أو أناس توجد عندهم إشكالات في الصفات، فلا مانع من فعل ما كان يفعله النبي ﷺ بشرط البيان دفعًا للإشكال، أما إذا كان المجلس ليس فيه من يدركون هذه الأمور فالأولى عدم الإشارة دفعًا للفتنة والتوهم؛ لأن الناس تحدثوا في هذه الأمور وصارت مما عمت به البلوى، وأصبح التأويل هو الأصل عند كثير من المسلمين، وفي مثل هذا الفعل فتنة على بعضهم.
[ ٥ / ١٦ ]
حكم تفسير اليد بالقدرة
السؤال
يقول السائل: إنه سمع في الإذاعة أحد الذين يتكلمون يفسر قول الله ﷿: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] بأن المقصود به القدرة والهيمنة، وأن الذين يفسّرون هذه الآية بأن لله يدًا جانبوا الصواب؛ لأنهم يفسّرون الآية بظاهرها، وكيف يقولون في قوله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] يقول: هل يفسّرون ذلك أنه سيهلك ويبقى وجهه إلى آخره؟
الجواب
هذا جهل مركب، فالذين يثبتون لله اليد هم السلف، وهو القول الحق، فيثبتونها لأنها وردت في الكتاب والسنة ويثبتون ما ذكره من القدرة والهيمنة؛ ولأن اليد وردت كما تعلمون بسياقات كثيرة، منها أنها وردت مثناة ومفردة ووردت بدلالات كثيرة مختلفة فكلها تدل على إثبات الصفة وإثبات ما يلزم منها من القدرة والنعمة والكرم والسخاء إلى آخر ما يلزم من الكمالات، وأن إثبات اليد ليس من الأمور التي هي رأي أو وجهة نظر لبعض الناس، ولا يفسّرون الآية بظاهرها على المعنى الذي يريده هو إذا قصد بظاهرها التشبيه، إنما يفسّرونها بالمعنى الحق.
أما استدلاله بقول الله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فإن هذا استدلال ناقص؛ لأن ثبوت الوجه لله ﷿ ثابت في عدة نصوص، وفي هذه الآية، ومعلوم عند العرب أنهم يعبّرون بالوجه عن الكل، فالله ﷿ لا يقال يفنى كله إلا الوجه؛ لأنه لا شك أن المقصود بذلك ذات الله ﷿، وأن التعبير بالوجه عن الذات أمر معهود تقتضيه اللغة ويقتضيه السياق ومفهوم بالضرورة، فهذا دليل على جهل من قال بمثل هذا الكلام نسأل الله العافية.
[ ٥ / ١٧ ]