_________________
(١) يسلم، ولكن لا يقبل الله إسلامه، والعاصي يتوب، ولكن لا تقبل توبته. قال سبحانه: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) [النمل: ٨٢] تخرج هذه الدابة فتسم المؤمن والكافر، أي: تضع عليه علامة يتعارف الناس بها، فيتخاطبون، وهذا يقول: يا مسلم، وهذا يقول: يا كافر، ومعنى قول الله: (تكلمهم) بكلام خارق للعادة. وليس عندنا خبر ثابت عن موضع خروجها، لكن نؤمن بخروجها من موضعها الذي يعلمه عالم الغيب والشهادة، قال سبحانه: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) [النمل: ٨٢] . سبق أن ذكر المؤلف الكرامات وضابطها، وأن الكرامات حق ثابت، ولا يجوز الاعتماد عليها، ولا يظن بأن للأولياء مرتبة يُدعون فيها مع الله ﷿، كما يقوله القبوريون والخرافيون، فيتعلقون بالأولياء والصالحين من أهل هذه الخوارق. أما قوله ﵀: (لا نصدق كاهنًا ولا عرافًا) ففيه بيان الفرق بين الكرامة والكهانة والعرافة والسحر والشعوذة والتنجيم، فهذه -أي التي مع الكهان والعرافين- خوارق شيطانية وأعمال
[ ٢٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) حذقوها وتعلموها بسبب تقربهم من الشياطين فيظن الناس والجهال أن هذه كرامات وأنها بسبب ولا يتهم لله، وهذا غلط، إنما هي من فعل الشياطين؛ لخضوعهم لهم وموافقتهم على الشرك، فالسحرة ما توصلوا إلى السحر إلا لخضوعهم للشياطين، فالسحر من عمل الشيطان وهو كفر بالله، فلا يغتر بهم، فهم يقولون: هذه كرامة أو أعمال رياضية أو أعمال بهلوانية، ويحضرون في المحافل والنوادي، ويتركون يعملون السحر أمام الناس، ويقولون: هذه أمور رياضية، ليضلوا الناس وليأكلوا بسحرهم الأموال، فيجب التنبيه على هؤلاء وبغضهم وعداوتهم؛ لأنهم أعداء الله ولرسوله. والسحر على قسمين: القسم الأول: سحر حقيقي: وهو ما يؤثر في بدن المسحور فيمرضه أو يؤثر على عقله أو يقتله، فهذا عمل شيطاني. القسم الثاني: سحر تخييلي، قال الله تعالى: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) [طه: ٦٦] وهو ما يسمى: القمرة، فيعملون شيئًا على أعين الناس، وهو ليس له حقيقة، فيظهر منه أن يضرب نفسه بالسيف، وأنه يأكل المسامير أو النار أو الزجاج، أو يدخل في النار، أو أن السيارة تمشي عليه، أو ينام على مسامير، أو يجر السيارة
[ ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) بشعره، أو يأتي بأوراق عادية، ويروج على الناس أنها نقود، وإذا ذهب سرحه عادت الأوراق إلى أصلها، كما يحصل من النشالين. ومن أعمال السحرة أيضًا: أن يأتي أحدهم بجعلٍ، وهي الحشرة المعروفة، ويُظهر بسحره أمام الناس أنها خروف، وكذلك فهم يروجون على الناس أنهم يمشون على خيط دقيق، وهو ما يسمى السرك، أو ما يسمى بالبهلوان. فهذا كله كذب وتدجيل على الناس، وسحر لأعين الناس، وهو سحر تخييلي، إذا ذهب هذا السحر عادت الأمور كما هي، فيجب علينا أن لا نغتر بهم ولا نصدقهم ولا نمكنهم من أولادنا ولا بلادنا من أجل ترويج سحرهم. وأما الكاهن: فهو الذي يدعي علم الغيب وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الشياطين يسترقون السمع فيسرقون الكلمة، فيخبرون بها الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدقه الناس في كل ما قال بسبب تلك الكلمة، قال سبحانه: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين* تنزل على كل أفاك أثيم* يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٣] وكانت الكهانة في الجاهلية كثيرة، فكان في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن الأمور الغائبة، ولما جاء الإسلام أبطل الكهانة ومنع النبي ﷺ من الذهاب إلى الكهان، قال عليه الصلاة
[ ٢٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسلام: "من أتى كاهنًا لم يقبل منه صلاة أربعين يومًا" (١) وهذا الحديث في صحيح مسلم.
وجاء في السنن "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" (٢)، ولما سُئل عن الكهان قال: "ليسوا بشيء"، وقال النبي ﷺ: "لا تأتوهم"
فالكاهن: هو الذي يدّعي علم الغيب، بسبب تعامله مع الشيطان.
وأما العراف: فهو الذي يدّعي علم الغيب، لكن ليس بواسطة الشياطين، وإنما بالحدس والتخمين، فيقول: يمكن أن يقع كذا وكذا، بناء على تنبؤات كاذبة.
وقال بعض أهل العلم: إن العراف هو الكاهن، كل منهما يخبر عن الأمور الغائبة لكن باختلاف الوسيلة، فيجب على المسلم أن يكفر بالكهانة والعرافة، ولا يصدق أهلها، فهم ليسوا من أولياء الله، إنما هم من أولياء الشيطان، ومن أراد التوسع في هذا فليراجع كتاب "الفرقان" لشيخ الإسلام.
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم٢٢٣٠) .
(٢) أخرجه أحمد (٢/٤٢٩) والحاكم ١/٨ وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا.
[ ٢٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما التنجيم فالمنجم: هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة بواسطة النظر في النجوم، إذا طلع النجم الفلاني يحصل كذا، وإذا غرب النجم الفلاني يحصل كذا، والبرج الفلاني فيه نحس أو فيه سعادة، وهكذا يستندون إلى هذه الأعمال الكاذبة.
فالتنجيم: (هو نسبة الحوادث الأرضية إلى الأحوال الفلكية) كما عرفه شيخ الإسلام. والتنجيم من أمور الجاهلية، قال ﵊: "أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم" (١)، أي: طلب السقاية من النجوم، قال ﷾: (فلا أقسم بمواقع النجوم* وإنه لقسم لو تعلمون عظيم* إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون* لا يمسه إلا المطهرون* تنزيل من رب العالمين* أفبهذا الحديث أنتم مدهنون* وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) [الواقعة: ٧٥، ٨٢]، أي: تنسبون ما يحصل لكم من الرزق للنجوم والحوادث الفلكية، فهذا من اعتقاد الجاهلية، فالنجوم إنما هي خلق من خلق الله مسخرة، وخلقها الله لثلاث حكم:
_________________
(١) أخرجه مسلم (رقم٩٣٤) .
[ ٢٥٢ ]