_________________
(١) الأولى: أنها زينة للسماء الدنيا. الثانية: أنها رجوم للشياطين. الثالثة: أنها علامات يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، فمن اعتقد أنها لغير ذلك فهو قد أضاع نصيبه. وإذا تدبرت القرآن وجدت أن الله ذكر للنجوم ثلاث فوائد، أما ما يحدث في الأرض من حوادث فليس للنجوم فيها تأثير، وإنما المنجمون يُدَلسون ويكذبون على الناس، ويقولون: إن هذه الحوادث بسبب النجوم، قال سبحانه: (والنجوم مسخرات بأمره) [النحل: ١٢]، فهذه الأمور تخل بالعقيدة، ويبطل إيمانه إذا صدق أن النجوم هي التي فعلت هذا الشيء بالكون. أي: لا نصدق أحدًا يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ لأنها الأدلة التي يعتمد عليها، فما خالفها فهو باطل، سواء من الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات. نرى -معشر أهل السنة والجماعة- أن الاجتماع حق والفرقة عذاب، فالاجتماع للأمة على الحق رحمة، والفرقة بينهما عذاب، وهذا من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة، فيجب الاجتماع ونبذ الفرقة، قال ﷾: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) [آل عمران: ١٠٣]، فحبل الله القرآن والإسلام، وقوله:
[ ٢٥٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) (جميعًا) أي: اجتمعوا على القرآن والسنة، وقوله: (ولا تفرقوا) لما أمر الله بالاجتماع نهى عن الفرقة، وأخبر أن الاجتماع يكون على حبل الله، وهو القرآن، ولا يجوز الاجتماع على غيره من المذاهب والحزبيات، فهذا يُسبب الفرقة. فالاجتماع لا يحصل إلا على كتاب الله، قال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا) [آل عمران: ١٠٣] . فأمر الله سبحانه بالاجتماع ونبذ الفرقة في الآراء وفي القلوب، فالمسلمون مهما تفرقوا وبعدت أقطارهم فإنّهم مجتمعون على الحق، وقلوبهم مجتمعة، ويحب بعضهم بعضًا، أما أهل الباطل وإن كانوا في مكان واحد، أحدهم إلى جنب الآخر، فهم مجتمعة أبدانهم متفرقة قلوبهم، قال سبحانه: (تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى) وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) [آل عمران: ١٠٥]، وقال سبحانه: (ولا تكونوا من المشركين* من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل حزب بما لديهم فرحون) [الروم: ٣١، ٣٢]، وقال سبحانه: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [الشورى: ١٣] . فالواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة في عقيدتها وفي عبادتها وفي جماعتها وطاعتها لولي أمرها، فتكون يدًا واحدة،
[ ٢٥٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجسمًا واحدًا، وبنيانًا واحدًا، كما شبهها النبي ﵊، وهذا رحمة للمسلمين، تُحقن دماؤهم، وتتآلف قلوبهم، ويأمن مجتمعهم، فإذا حصل هذا درت عليهم الأرزاق. أما إذا تناحروا وتقاطعوا وتباغضوا تسلط عليهم الأعداء، وسفك بعضهم دماء بعض.
والاختلاف على قسمين:
القسم الأول: اختلاف في العقيدة، وهذا لا يجوز أبدًا؛ لأنه يوجب التناحر والعداوة والبغضاء ويفرق الكلمة، فيجب أن يكون المسلمون على عقيدة واحدة، وهي عقيدة لا إله إلا الله، واعتقاد ذلك قولًا وعملًا واعتقادًا، والعقيدة توقيفية ليست محلًا للاجتهاد، فإذا كانت كذلك فليس فيها مجال للتفرق، فالعقيدة مأخوذة من الكتاب والسنة، لا من الآراء والاجتهادات، فالفرقة في العقيدة تؤدّي إلى التناحر والتباغض والتقاطع، كما حصل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والفرق الضالة التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" (١) فما يجمع الناس إلا ما كان مثل ما عليه النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه أبو داود (رقم٤٥٩٦) وابن ماجه (رقم٣٩٩١) وأحمد ٢/٣٣٢ والحاكم ١/١٢٨ وصححه.
[ ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وأصحابه. القسم الثاني: اختلاف في الاجتهاد الفقهي، وهذا لا يوجب عداوة؛ لأن سببه هو النظر في الأدلة حسب مدارك الناس، والناس يختلفون في ذلك، وليسوا على حد سواء، فهم يختلفون في قوة الاستنباط وفي كثرة العلم وقلته. فهذا الخلاف إذا لم يصحبه تعصب للرأي فإنه لا يفضي إلى العداوة، وكان الصحابة يختلفون في المسائل الفقهية، ولا يحدث بينهم عداوة، وهم إخوة، وكذلك السلف الصالح والأئمة الأربعة يختلفون، ولم يحصل بينهم عداوة، وهم إخوة، وكذلك أتباعهم، فإذا تعصب أحدهم للرأي فإن ذلك يوجب العداوة، ويجب على المسلم أن يأخذ الأقوال التي توافق الدليل من الكتاب أو السنة، قال سبحانه: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء: ٥٩]، وقال سبحانه: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) [الشورى: ١٠] فيرجع في الخلاف إلى الكتاب والسنة ويؤخذ ما ترجح بالدليل.
[ ٢٥٦ ]