(١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(فأما علم الربوبية:
فمنه: إثباتُ وجود الباري ﷻ، والاستدلالُ عليه بمخلوقاته، فكلُّ ما جاء في القرآن من التنبيه على المخلوقات، والاعتبار في خِلْقة الأرض والسماوات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار وغير ذلك من الموجودات؛ فهو دليلٌ على خالقه.
ومنه: إثبات الوَحدانية، والردُّ على المشركين، والتعريفُ بصفات الله من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر وغير ذلك من أسمائه وصفاته، وتنزيهُه عما لا يليق به) (^١).
مضمون كلام ابن جزي: أن المخلوقات دليل على ربوبيته تعالى وإلهيته وتوحيده، وهو حق، ولا إشكال فيه فلا يحتاج إلى تعليق.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٦٩ - ٧٠).
[ ١٣ ]
التعليق (٢): مناقشة قول ابن جزي أن التصوف له تعلق بالقرآن
(٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وأما التصوُّفُ: فله تعلُّقٌ بالقرآن؛ لما ورد في القرآن من المعارف الإلهية ورياضة النفوس وتنوير القلوب وتطهيرها باكتساب الأخلاق الحميدة واجتناب الأخلاق الذميمة) (^١).
التصوف البريء من البدع القولية والفعلية، والمقصور على العناية بالأخلاق وأعمال القلوب يشهد له آيات من القرآن، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
فأما التصوفُ البدعيُّ المشتمل على بدع قولية أو فعلية، أو الدعاوى التي لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، فلا تجوز إضافته إلى القرآن؛ فالقرآن لا يدلُّ إلَّا على الحقِّ من الاعتقادات والعبادات الظاهرة والباطنة، وشيوخ الصوفية المتقدمون يتقيدون في تصوفهم وسلوكهم بالكتاب والسنة كالجُنَيد، وأبي سليمان الدارانيِّ، وسهل بن
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٧٩).
[ ١٤ ]
عبد الله التستري، والفضيل بن عياض، قال أحدهم، وهو أبو سليمان الداراني: إنه ليقع بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين من الكتاب والسنة (^١). ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).
_________________
(١) أخرجه السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٧٦)، ومن طريقه القشيري في «الرسالة» (١/ ٦١)، ومن طريق القشيري ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٤/ ١٢٧).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٩٤)، و«درء التعارض» (٥/ ٣٩٤)، و«الصفدية» (١/ ٢٥٣)، و«الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص ١٦١)، و«جامع المسائل» (٤/ ٥٧).
[ ١٥ ]
التعليق (٣): توضيح قول ابن جزي عن الله وأسمائه وصفاته: (وما يجوز عليه وما يستحيل عليه)
(٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(السادس: ما فيه من التعريف بالباري ﷻ، وذكرِ صفاته وأسمائه، وما يجوز عليه وما يستحيل عليه) (^١).
ليس في هذا الكلام إشكال؛ فإن هذه المعاني قد دلَّ عليها القرآن، وما يستحيل على الله هي العيوب والآفات، وقد نفاها القرآن؛ كالموت والسِّنة والنوم واللُّغوب والعجز والغفلة. تعالى الله عن ذلك.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ١١٨).
[ ١٦ ]
التعليق (٤): مناقشة ابن جزي في تفسير الإيمان بالتصديق، وبيان أن هذا التفسير هو أشهر ما احتج به المرجئة
(٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(آمَنَ إيمانًا؛ أي: صدَّق.
والإيمانُ في اللغة: التصديقُ مطلَقًا.
وفي الشرعِ: التصديقُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِر.
والمُؤمِنُ في الشرع: المصدِّقُ بهذه الأمورِ.
و«المؤمِنُ»: اسمُ اللهِ تعالى؛ أي: المصدِّقُ لنَفْسِه، وقيل: إنَّه مِنْ الأَمْنِ؛ أي: يؤمِّنُ أولياءَهُ مِنْ عذابِه) (^١).
قولُهُ ﵀: (الإيمانُ في اللغة: التصديقُ مطلَقًا):
هذا هو المشهورُ عند اللغويِّين (^٢) وجمهورِ المفسِّرين (^٣)، وهذا التفسيرُ للإيمانِ أشهَرُ ما احتَجَّ به المرجِئةُ القائلونَ بأنَّ الإيمان هو التصديقُ؛ يَعنُونَ به تصديقَ القَلْب (^٤).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ١٢٧ - ١٢٨).
(٢) ينظر: «العين» للخليل (٨/ ٣٨٩)، و«تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٣٦٨)، و«الصحاح» للجوهري (٥/ ٢٠٧١)، و«لسان العرب» (١٣/ ٢١).
(٣) ينظر: تفاسير: الطبري (١/ ٢٤١)، والقرطبي (١/ ١٦٢)، وابن كثير (١/ ١٦٥).
(٤) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٢١) و(٧/ ٥٠٩) و(٧/ ٥٤٣ - ٥٥٠)، و«التسعينية» (٢/ ٦٤٨)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ١٣٥١).
[ ١٧ ]
والقولُ بأنَّ الإيمانَ هو التصديقُ مطلَقًا، يقتضي أنَّ كلَّ تصديقٍ إيمانٌ.
وخالَفَ في ذلك الإمامُ ابن تيميَّةَ ﵀؛ فذكَرَ أنَّ الإيمانَ في اللغةِ تصديقٌ خاصٌّ، وهو التصديقُ فيما يُؤتَمَنُ عليه المُخبِر؛ كالإخبارِ عن الأمورِ الغائبة؛ فلا يقالُ لمن صدَّق مُخبِرًا عن طلوعِ الشمسِ: «آمَنَ له»، بل صدَّقه؛ لأنَّ طلوعَ الشمسِ منِ الأمورِ الحِسِّيَّةِ الظاهرةِ (^١).
وقولُهُ: (والإيمانُ في الشرعِ: هو التصديقُ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخِر):
ما ذكره هو الإيمانُ في الشرعِ بمعناهُ الخاصِّ المتعلِّقِ بالاعتقاد، ويُطلَقُ الإيمان في الشرعِ إطلاقًا عامًّا يَشمَلُ جميعَ شرائعِ الدِّينِ الظاهِرةِ والباطِنة؛ يَدُلُّ لذلك قولُهُ ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (^٢)؛ وفي الحديثِ رَدٌّ على المرجِئةِ الذين يُخرِجونَ الأعمالَ عن مسمَّى الإيمان.
وعلى ذلك: فيكونُ الإيمانُ بمعناهُ العامِّ اسمًا لكلِّ ما شرَعَهُ اللهُ مِنْ الاعتقاداتِ والأقوالِ والأعمال؛ ولذا قال أهلُ السُّنَّةِ: «الإيمانُ: اعتقادٌ بالجَنَانِ، وقولٌ باللسانِ، وعمَلٌ بالأركانِ» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٢٢) و(٧/ ٢٩١) و(٧/ ٥٢٩).
(٢) أخرجه مسلم (٣٥)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) سيأتي مزيد بيان في التعليق (١٩).
[ ١٨ ]
التعليق (٥): مناقشة ابن جزي في حكم إطلاق «واجب الوجود» على الله، وبيان جواز إطلاقه خبرا لا اسما
(٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(و«الحَقُّ»: اسمُ اللهِ تعالى؛ أي: الواجبُ الوجودِ) (^١).
قولُهُ: (أي: الواجبُ الوجودِ):
هذا مِنْ معنى اسمِهِ تعالى الحَقِّ، ويدخُلُ في معنى هذا الاسمِ «الحَقِّ»: أنه الموصوفُ بكلِّ كمال، المنزَّهُ عن كلِّ نقص، وأنه الإلهُ الحَقُّ، ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُهُ، فيدخُلُ في معنى هذا الاسمِ: جميعُ أسمائِهِ الحسنى، وصفاتِهِ العلا، ويجوزُ إطلاقُ «واجبِ الوجودِ» على اللهِ تعالى خبرًا، لا اسمًا (^٢)؛ فهو تعالى واجبُ الوجود؛ أي: لا يجوزُ عليه الحدوثُ ولا العدَمُ، وليس ذلك مِنْ الأسماءِ الحسنى التي يُدْعَى بها.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ١٥٥).
(٢) وذلك بناءً على القاعدة المشهورة: أن باب الإخبار عن الله أوسع من باب الأسماء والصفات؛ كالشيء والموجود والقائم بنفسه؛ فإنه يخبر به عن الله ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا. ينظر: تقرير هذه القاعدة في: «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢) و(٩/ ٣٠٠ - ٣٠١)، و«درء التعارض» (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ١٧٢)، و«الجواب الصحيح» (٥/ ٨)، و«بدائع الفوائد» (١/ ١٦١ - ١٦٢)، و«التعليق على القواعد المثلى» لشيخنا (ص ٦٨).
[ ١٩ ]
التعليق (٦): توضيح تفسير ابن جزي لاسم الله الكريم بالمحسن
(٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وكريم: اسم الله تعالى؛ أي: محسنٌ) (^١).
هذا تفسير للاسم ببعض معناه؛ فإن الكرَم يتضمن الجود والإحسان، ويتضمن الحسن والجمال (^٢)، وما ذكره المُفسِّر هو المناسب للسياق.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ١٧٧).
(٢) ينظر: «شأن الدعاء» للخطابي (ص ٧٠ - ٧١)، و«التبيان في أيمان القرآن» (ص ٣٢٨).
[ ٢٠ ]
التعليق (٧): توضيح تفسير ابن جزي لصفة الكيد بالمشيئة
(٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(كيدٌ: هو من المخلوق: احتيالٌ. وهو من الله: مشيئةُ أمرٍ يَنزل بالعبد من حيث لا يشعر) (^١).
فسر ابن جزي الكيد من الله بالمشيئة، والكيد فعل من أفعال الرب يفعله بالكفار عقوبة ومجازاة بمثل فعلهم، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥)﴾ [الطارق]، ويكون الكيد من الله للعبد المؤمن من نبيٍّ أو صالحٍ نصرا وتأييدا، ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، فابن جزي فسَّره بسببه من جهة الله، وهو المشيئة.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ١٧٨).
[ ٢١ ]
التعليق (٨): توضيح تفسير ابن جزي لاسم الله العزيز بالغالب
(٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(عزيز: اسم الله تعالى، معناه: الغالب) (^١).
هذا تفسير للاسم ببعض معناه؛ فإن العزَّة تتضمَّن القهر والغلبة والقوة وعدم النظير، وهو تعالى عزيزٌ بكل معاني العزَّة (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٠٢).
(٢) ينظر: «تفسير الأسماء الحسنى» للزجاج (ص ٣٣)، و«اشتقاق أسماء الله» للزجاجي (ص ٢٣٧)، و«شأن الدعاء» (ص ٤٧).
[ ٢٢ ]
التعليق (٩): مناقشة ابن جزي في معاني أسماء: «العلي»، و«المتعالي»، و«الأعلى» وبيان دلالتها على علو الذات إضافة إلى علو القدر والعظمة
(٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(و«العَلِيُّ»: اسمُ اللهِ، و«المُتعالِي»، و«الأَعْلَى»، مِنْ العُلُوِّ؛ بمعنى: الجلالِ والعَظَمة.
وقيل: بمعنى التنزيهِ عمَّا لا يَلِيقُ به) (^١).
قولُهُ: (مِنْ العُلُوِّ؛ بمعنى: الجلالِ والعَظَمة …)، إلخ:
يلاحَظُ أنه اقتصَرَ على معنيَيْنِ مِنْ معاني العُلُوِّ:
الأوَّل: الجلالُ والعَظَمةُ؛ المتضمِّنُ لعلوِّ القهر.
والثاني: التنزيهُ للهِ عما لا يليقُ به؛ وهذا يتضمَّنُ علوَّ القَدْرِ.
ولم يذكُرْ ﵀ عُلُوَّ الذاتِ، وهو ارتفاعُهُ تعالى فوقَ جميعِ المخلوقاتِ، مستوِيًا على عَرْشِه.
وهذا هو الذي اختلَفَ فيه أهلُ السُّنَّةِ والمبتدِعةُ؛ كالجهميَّةِ ومَن وافَقَهم؛ فاسمُهُ: «العَلِيُّ» سبحانه، يتضمَّنُ معانيَ العلوِّ الثلاثةَ، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٠٦).
(٢) ينظر: التعليق رقم (٣٩).
[ ٢٣ ]
التعليق (١٠): توضيح تفسير ابن جزي لاسم الله الفتاح بالحاكم وخالق النصر
(١٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واسم الله تعالى الفتاح: قيل: الحاكم، وقيل: خالق النصر والفتح) (^١).
كلٌّ من المعنيَيْن صحيح: الحاكم وخالق النصر، ويشهد للأول قوله تعالى عن شعيب: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِين (٨٩)﴾ [الأعراف]، ونصرُه تعالى لأوليائه على أعدائه نوع من الحكم الكوني، وصيغة الفتَّاح تدل على كثرة الفتح، كالغفَّار والخلَّاق والرَّزَّاق، وفي الجملة ما قاله المفسِّر مستقيم.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢١٢).
[ ٢٤ ]
التعليق (١١): مناقشة ابن جزي في إطلاق «نفي حلول الحوادث» عن الله، وبيان أنه أصل كبير عند المتكلمين يقصدون به نفي قيام الأفعال الاختيارية بالله
(١١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وسَبَّحْتُ اللهَ؛ أي: نَزَّهْتُهُ عما لا يليقُ به؛ مِنْ الصاحبةِ والوَلَد، والشُّرَكاءِ والأنداد، وصفاتِ الحُدُوث، وجميعِ العيوبِ والنقائص) (^١).
قولُهُ: (وصفاتِ الحُدُوث):
هذا لفظٌ مجمَلٌ يَحتمِلُ حقًّا وباطلًا:
فإنْ أُريدَ به: تنزيهُهُ تعالى عن وصفِهِ بشيءٍ مِنْ خصائصِ المخلوقِ - مما يستلزِمُ تمثيلَهُ سبحانه بخَلْقِه -: فهو حقٌّ.
وإنْ أُريدَ به: تنزيهُهُ عما يكونُ بمشيئتِهِ تعالى مِنْ أفعالِهِ - وهو ما يعبِّرون عنه بحلولِ الحوادثِ، ويَقصِدونَ نفيَ قيامِ الأفعالِ الاختياريَّةِ به -: فإنَّ ذلك باطلٌ.
وهذا أصلٌ عند أكثَرِ المتكلِّمين؛ فإنهم يقولون: إنه تعالى منزَّهٌ عن حلولِ الحوادثِ، يريدونَ: نفيَ قيامِ الأفعالِ الاختياريَّةِ به سبحانه؛ كالمجيءِ، والنزولِ، والاستواءِ على العَرْش، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٢٠).
(٢) أَوْلى شيخ الإسلام هذا الأصل عند المتكلمين عناية خاصة، وناقشه بتوسع في جُلِّ كتبه تقريبًا خاصة في «درء التعارض»؛ لأن هذا الدليل هو لب الكلام المذموم الذي =
[ ٢٥ ]
التعليق (١٢): مناقشة ابن جزي في تأويل صفة «الرحمة» بما يتسق مع مذهبه في نفي قيام الأفعال بالله
(١٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الثامنةُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (١)﴾ [الفاتحة]، صفتان، مِنْ الرحمةِ.
ومعناهما: الإحسانُ؛ فهي صفةُ فِعْلٍ.
وقيل: إرادةُ الإحسانِ؛ فهي صفةُ ذاتٍ) (^١).
قولُه: (ومعناهما: الإحسانُ …)، إلخ:
هذا يتضمَّنُ تفسيرَ الرحمةِ: إمَّا بالإحسان، أو بإرادةِ الإحسان.
_________________
(١) = ذمه السلف، وقد بين ذلك شيخ الإسلام مرارًا، وأفاض في بطلانه بما لا مزيد عليه. ينظر بسط هذا الموضوع من كلام شيخ الإسلام في: «درء التعارض» (١/ ١٠٠ - ١١٣، ١٢١ - ١٢٧، ٣٠١ - ٣١٤، ٣٢٠ وما بعدها)، و(٢/ ٣ - ١٨، ١١٥، ١٢٤، ٢٠٧، ٢٣٨، ٣٤٤)، والجزء الثالث كله وأول الرابع، و(٧/ ٢٢٤، ٢٢٩)، و(٩/ ١٧٧، ١٩٦)، و«جامع الرسائل» -رسالة في الصفات الاختيارية- كلها، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٢٢١، ٤٤٠ - ٤٤٦)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٤١١ - ٤١٢، ٥/ ٥٤١ - ٥٤٥) و(١٢/ ١٤٠ - ١٤٨، ٢١٣)، و«شرح الأصبهانية» (ص ١٥٤ - ١٦٠)، والصفدية (١/ ٥٠ - ٥٤، ٦١ - ٦٥، ٢٧٧، ٨١)، و«منهاج السنة» (١/ ١٥٥ - ١٥٨، ٣٠٣، ٤٣٦) و(٣/ ١٩٣)، و«النبوات» (١/ ٢٥١ - ٢٦٤)، و«الجواب الصحيح» (٣/ ٣١٢ - ٣١٣)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ٩٨٤ - ١٠١٣)، و«الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات والرد عليها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية» (٢/ ٢٠٣ - ٤٣٨).
(٢) «التسهيل» (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
[ ٢٦ ]
قال: (والإحسانُ صفةُ فعلٍ)، والذين يقولون هذا يريدونَ: ما يخلُقُهُ اللهُ مِنْ النِّعَم؛ فالرحمةُ - إِذَنْ - عبارةٌ عن مخلوقاتِهِ سبحانه، وإن سمَّوْهَا: «صفةَ فعلٍ»، فهو غلَطٌ في العقل؛ فإنَّ المفعولَ لا يكونُ صفةً للفاعلِ، بل أثَرُ فِعْلِه، وهم لا يُثبِتُونَ فعلًا يقومُ بالفاعلِ بمشيئتِه؛ فليس عندهم إلا فاعلٌ ومفعول.
وقد يفسِّرون «الرحمةَ»: بإرادةِ الإحسانِ؛ وعليه فهي صفةٌ ذاتيَّةٌ؛ كما قال المؤلِّف؛ أي: أنَّها قائمةٌ بذاتِهِ تعالى (^١).
وكلٌّ من التفسيرَيْنِ فيه صرفٌ للَّفْظِ عن ظاهرِه (^٢)؛ فإنَّ الرحمةَ لها معنى يقابِلُ الغضَبَ؛ كما جاء في الحديثِ القُدسيِّ: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «العقيدة التدمريَّة» (^٤)، في الذين ينفُون صفةَ الرحمةِ والمحبَّةِ، والغضَبِ والرضا: «إنَّهم يفسِّرونَ ذلك: إمَّا بالإرادةِ، وإمَّا ببعضِ المفعولاتِ مِنْ النِّعَمِ والعُقُوبات». اه.
وعليه: فالواجبُ إثباتُ الرحمةِ صفةً للهِ حقيقةً، وتفسيرُها بالإحسانِ تفسيرٌ لها بأَثَرِها.
والرحمةُ في صفاتِ اللهِ نوعانِ:
_________________
(١) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٥٢١).
(٢) ينظر: «مختصر الصواعق المرسلة» (٣/ ٨٦٠)
(٣) أخرجه البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) «العقيدة التدمرية» (ص ٣١).
[ ٢٧ ]
- صفةٌ ذاتيَّةٌ.
- وصفةٌ فعليَّةٌ.
وذهَبَ ابن القيِّم (^١): إلى أنَّ الصفةَ الذاتيَّةَ مدلولُ اسمِهِ الرحمنِ، والفعليَّةَ مدلولُ اسمِهِ الرحيمِ.
وينبغي أنْ يُعلَمَ أنَّ الرحمةَ المضافةَ إلى الله نوعان:
- نوعٌ هو صفةٌ له سبحانه، ذاتيَّةً أو فعليَّةً، كما تقدَّم، وإضافتُها إليه مِنْ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ، وهي مدلولُ الاسمَيْنِ الشريفَيْن الرَّحمنِ الرحيمِ؛ ومِن هذا النوعِ: قولُ سليمانَ ﵇ متوسِّلًا: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِين (١٩)﴾ [النمل].
- والنوعُ الثاني: رحمةٌ مخلوقةٌ، وإضافَتُها إلى الله مِنْ إضافةِ المخلوقِ إلى خالقِهِ؛ ومِن ذلك قولُه تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٠]، فالرحمةُ هنا المَطَرُ، وقولُه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون (١٠٧)﴾ [آل عمران]، والرحمةُ هنا الجَنَّةُ، وفي الحديثِ القدسيِّ: أنَّ اللهَ قال للجَنَّةِ: «أَنْتِ رَحْمَتِي؛ أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» (^٢)، والله أعلم.
_________________
(١) «بدائع الفوائد» (١/ ٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٨ ]
التعليق (١٣): توضيح قول ابن جزي في سبب تقديم اسم الرحمن على الرحيم
(١٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(العاشرة: إنما قدَّم الرحمن لوجهين:
اختصاصه بالله.
وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات) (^١).
تقديم اسم الرحمن على الرحيم في الآيات يرجع إلى الفرق بين الاسمين، وكلُّ ما قيل في الفرق بينهما يقتضي تقديم الرحمن، وقول المفسِّر: «وجريانه مجرى الأسماء التي ليست بصفات» معناه: أن مِنْ أسماء الله ما هو علم محضٌ، لا يدل على صفة، والصواب أن كلَّ اسم من أسماء الله يدل على صفة، فهو علم وصفة؛ علم يدل على ذات الرب وصفة من صفاته، فهو علم وصفة، وليس من أسماء الله ما هو علم محض، فتدبَّر (^٢).
_________________
(١) التسهيل (١/ ٢٤٨).
(٢) ينظر: «منهاج السنة» (٢/ ١٦٠)، و«جواب الاعتراضات المصرية» (ص ١٢٩)، و«بدائع الفوائد» (١/ ٢٨٥)، و«القواعد المثلى» بتعليق شيخنا (ص ٢٤).
[ ٢٩ ]