(٥٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ حيثُ وقَع:
حمَلَهُ قومٌ على ظاهِره؛ منهم ابنُ أبي زَيْدٍ (^١) وغيرُه.
وتأوَّلَهُ قومٌ: بمعنى: قصَدَ؛ كقولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة: ٢٩].
ولو كان كذلك، لقال: ثُمَّ استَوَى إلى العرش.
وتأوَّله الأشعريَّة: أنَّ معنى استَوَى: استَوْلَى بالمُلْكِ والقُدْرةِ.
_________________
(١) هو القيرواني، عالم أهل المغرب، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، المالكي، ويقال له: مالك الصغير. وكان أحد من برز في العلم والعمل. قال القاضي عياض: «حاز رئاسة الدين والدنيا، ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه، وكثر الآخذون عنه، وهو الذي لخص المذهب، وملأ البلاد من تواليفه». ينظر: «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» (٦/ ٢١٥)، و«السير» (١٧/ ١٠، رقم ٤). وكلامه الذي أشار إليه المصنف ذكره في مقدِّمة «رسالته» (ص ٤٨٧/ ضمن مجموعة «الردود» للشيخ بكر أبو زيد، وينظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٨٢).
[ ١٢٩ ]
والحَقُّ: الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ؛ فإنَّ السلامةَ في التسليم، وللهِ دَرُّ الإمامِ مالكِ بنِ أنسٍ في قولِهِ للذي سألَهُ عن ذلك: «الاستواءُ معلوم، والكيفيَّةُ مجهولة، والسؤالُ عن هذا بِدْعة» (^١).
وقد رُوِيَ مثلُ قولِ مالكٍ عن أبي حَنِيفة (^٢)، وجَعْفَرٍ الصادق، والحسَنِ البَصْري (^٣).
ولم يتكلَّم الصحابة ولا التابِعون في معنى الاستواءِ، بل أمسَكُوا عنه؛ ولذلك قال مالك: «السؤالُ عنه بِدْعة») (^٤).
قولُهُ: (﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ حيثُ وقَع …) إلخ:
ذكَرَ فيه مذاهب:
الأوَّل: إجراؤُهُ على ظاهِرِه، ونسَبَهُ لابنِ أبي زَيْدٍ المالكي.
_________________
(١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ١٣٨) وقال: «وقد روينا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال في قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] مثل قول مالك هذا سواء».
(٢) ينظر: «الفقه الأبسط» المنسوب لأبي حنيفة (ص ١٣٥)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٦)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٩٣)، و«درء التعارض» (٦/ ٢٦٣)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٩٥ - ط عالم الفوائد)، و«العلو» للذهبي (ص ١٣٤)، ورسالة «أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة» للخميّس (ص ٣٠٧).
(٣) وروي كذلك عن أم سلمة، أخرجه اللالكائي في «السنة» رقم (٦٦٣)، ومن طريقه أخرجه ابن قدامة في «إثبات صفة العلو» رقم (٦٧)، وأشار إليه ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤٠٦)، وشيخ الإسلام في «الفتاوى» (٥/ ٣٦٥)، وأورده الذهبي في «العلو» (ص ٨١) وقال: «فأما عن أم سلمة فلا يصح؛ لأن أبا كنانة ليس بثقة، وأبو عمير لا أعرفه».
(٤) «التسهيل» (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩).
[ ١٣٠ ]
الثاني: مذهبُ أهلِ التأويل، ومنهم الأشاعِرة، وبعضُهم قال: استَوَى: قصَدَ، وقالتِ الأشاعِرة: استَوَى بالمُلْكِ والقُدْرة (^١).
الثالث: مذهبُ الصحابةِ والأئمَّة، وهو الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ، وقرَّر هذا القولَ بقوله: «والحَقُّ: الإيمانُ به مِنْ غيرِ تكييفٍ؛ فإنَّ السلامةَ في التسليم».
وكلامُهُ هنا متردِّدٌ بين الإثباتِ مِنْ غيرِ تكييف، وبين التفويض؛ ولذا استشهَدَ بقولِ الإمامِ مالكٍ وغيرِه: «الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول»، ولكنه قال: «ولم يتكلَّم الصحابة ولا التابِعون في معنى الاستواء، بل أمسَكُوا عنه»، قال: «ولذا قال مالك: والسؤالُ عنه بِدْعة».
ومفهومُ كلامِ المؤلِّف ﵀: أنَّ السؤالَ عن معنى الاستواءِ بِدْعة.
وهذا خطأ؛ فالذي سُئِلَ عنه مالك، وقال: «السؤالُ عنه بِدْعة» هو الكيفيَّة؛ لأنه قال: «الاستواءُ معلوم»؛ أي: معناه، «والكَيْفُ مجهول، والسؤالُ عنه بِدْعة»؛ أي: السؤالُ عن الكَيْف (^٢).
وقد أخطَأَ ابنُ جُزَيٍّ ﵀ أيضًا في زعمِهِ: أنَّ الصحابةَ والتابِعِينَ لم يتكلَّموا في معنى «استَوَى» (^٣).
_________________
(١) ينظر: «مختصر الصواعق» (٣/ ٨٨٨).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٨١).
(٣) أورد البخاري في صحيحه (٩/ ١٢٤) قبل حديث (٧٤١٨) «باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ [هود: ٧]، ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (١٢٩)﴾ [التوبة]. قال: قال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: «ارتفع»، وقال مجاهد: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ «علا». ووصله الحافظ في «التغليق» (٥/ ٣٤٤). وينظر: «تفسير الطبري» (١/ ٤٥٦)، والقرطبي (٧/ ٢١٩)، و«الأسماء والصفات» للبيهقي (٢/ ٣٠٣)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ٩٢٦).
[ ١٣١ ]
والصوابُ: هو إثباتُ الاستواءِ للهِ على العَرْشِ بمعناه المعلومِ - وهو: علا وارتفَعَ - مع نَفْيِ التمثيل، ونفيِ العلمِ بالكيفيَّة.
ومَن يتدبَّرْ كلامَ ابنِ جُزَيٍّ، يُدرِكْ أنه إلى التفويضِ أميَلُ؛ أي: تفويضِ معنى الاستواء، أو هو قولُهُ الذي يقولُ به، والله أعلم.
[ ١٣٢ ]
التعليق (٥٤): مناقشة ابن جزي في درجات ومقامات الخوف والرجاء
(٥٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واعلم أن الخوف على ثلاث درجات:
الأولى: أن يكون ضعيفًا يخطُر على القلب، ولا يؤثِّر في الباطن ولا في الظاهر، فوجود هذا كالعدم.
والثانية: أن يكون قويًّا فيوقظ العبد من الغفلة، ويحمله على الاستقامة.
والثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس، وهذا لا يجوز، وخير الأمور أوسطها.
* والناس في الخوف على ثلاث مقامات:
فخوف العامة: من الذنوب.
وخوف الخاصة: من الخاتمة.
وخوف خاصة الخاصة: من السَّابقة؛ فإن الخاتمة مبنيَّةٌ عليها.
* والرجاء على ثلاث درجات:
الأولى: رجاء رحمة الله مع التسبُّب فيها بفعل طاعته وترك معصيته؛ فهذا هو الرجاء المحمود.
والثانية: الرجاء مع التفريط والعصيان؛ فهذا غرورٌ.
[ ١٣٣ ]
والثالثة: أن يَقوى الرجاء حتى يبلغ الأمن؛ فهذا حرام.
* والناس في الرجاء على ثلاث مقامات:
فمقام العامة: رجاء ثواب الله.
ومقام الخاصة: رجاء رضوان الله.
ومقام خاصة الخاصة: رجاء لقاء الله حبًّا فيه وشوقًا إليه) (^١).
قوله ﵀: (الخوف على ثلاث درجات) إلخ، الخوف منزلة من منازل الإيمان، ومن أفضل أعمال القلوب، وأصله خوف الله، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
وقول المؤلف: إنه على ثلاث درجات: صحيح. وقوله: ضعيف لا يؤثر في الباطن ولا في الظاهر: هو صحيح أيضًا، ولكن قوله: وجوده كعدمه: فيه نظر؛ لأن هذا القدر من الخوف دليلُ الإيمان، وعدمه دليلٌ على عدم الإيمان.
وقوله: (الثانية: أن يكون قويًّا) إلخ: صحيح.
وقوله: (الثالثة: أن يشتدَّ حتى يبلغ إلى القنوط واليأس) إلخ: صحيح، ولكن قوله: (لا يجوز): فيه قصور، بل القنوط من رحمة الله
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢).
[ ١٣٤ ]
كبيرة من كبائر الذنوب، وقد يؤول إلى الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُون (٨٧)﴾ [يوسف].
وقول المؤلف: (خير الأمور أوساطها): حقٌّ.
وقوله: (والناس في الخوف على ثلاث مقامات).
في هذا التصنيف نظر؛ فإن تقسيم المؤمنين إلى عامة وخاصة وخاصة الخاصة من مصطلحات الصوفية؛ فجميع المؤمنين يخافون من الذنوب، ومن سوء الخاتمة، ومما سبق به القدر من السعادة والشقاوة، وأصل الخوف هو خوف الله وخوف عذابه، قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، والذنوب لا يعصم منها إلا الله، وما وقع منها فبقدر الله، وأمر الخاتمة إلى الله، فعاد الأمر كلُّه لله، ولا ريب أن المؤمنين متفاضلون في الخوف الواجب، وهو ما تضمَّنته الدرجة الثانية، لا الخوف الضعيف ولا الشديد؛ فأهل هذه الدرجة منهم الكُمَّل، ومنهم المقصِّرون، ومنهم المقتصدون، على حد قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير (٣٢)﴾ [فاطر].
وقوله: (والرجاء على ثلاث درجات) إلخ: الرجاء منزلة من منازل قلوب السائرين إلى الله، وهو طمع في محبوب، وهو مقابل للخوف؛ لأنه حذر من مرهوب، وكلٌّ منهما - أعني الخوف والرجاء - من العبد مطلوب، وقد أثنى الله على الراجين أعظم من ثنائه على الخائفين؛
[ ١٣٥ ]
لأن مبنى الرجاء حسنُ الظن بالله، وقد ورد ذكر الرجاء في القرآن في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم (٢١٨)﴾ [البقرة]، وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء].
وقد جعل المفسِّر الرجاء ثلاث درجات باعتبار ما يُحمد وما يُذم: فالمحمود منها هو الدرجة الأولى، وهو الرجاء مع التصديق بالعمل، والثانية مذمومة؛ لأنه رجاء مع التفريط، فهو رجاء كاذب، وحقيقته التمنِّي، والدرجة الثالثة قال فيها المفسِّر: حرام؛ لأنه متضمِّن لعدم الخوف من الله، وحقيقته الأمن من مكر الله، وهو من كبائر الذنوب، واقتصار المؤلف فيه على مطلق التحريم تقصير.
ثم جعل الناس في الرجاء ثلاثة مقامات، وذلك باعتبار متعلَّق الرجاء عندهم؛ وهي: مقام العامة، ومقام الخاصَّة، ومقام خاصَّة الخاصَّة، وفي هذا التقسيم جرى المؤلف على طريقة الصوفية بذكر الخاصَّة وخاصَّة الخاصَّة، وهو تعبير لا يعرف في كلام السلف من الصحابة والتابعين، وأيضًا: لم يحرر المؤلف متعلَّق الرجاء، ولم يذكر دليله؛ فإنَّ رضا الله ولقاءه - وهما مطلب أهل المقام الثاني والثالث - داخلان في المعنى العام للثواب الذي جعله المؤلف مطلب أهل
[ ١٣٦ ]
المقام الأول، وكأنه خصَّ الثواب بما في الجنة من المطاعم والمشارب والأزواج، والحقُّ أن الثواب لا يختص بذلك.
نعم: بعض الثواب أعلى من بعض، ولهذا قال بعض المحققين من أهل العلم: إن النظر إلى الله تعالى ورضوانه داخل في معنى الجنة التي وعد الله بها المؤمنين؛ لأن كل من دخل الجنة نال رضوان الله، وفاز بلقائه (^١).
وأما الأدلة من القرآن على فضل الرجاء ومتعلَّقه فقد تقدمت الإشارة إليها أول التعليق.
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٢)، (١٠/ ٢٤٠ - ٢٤١)، (٢٨/ ٤٤٣)، و«مختصر الفتاوى المصرية» (ص ١٢٨)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٧٩ - ٨٠).
[ ١٣٧ ]
التعليق (٥٥): مناقشة ابن جزي في قوله أن الأشاعرة استدلوا على جواز الرؤية عقلا بسؤال موسى ﵇ رؤية ربه
(٥٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا، وأنها لو كانت محالًا لم يسألها موسى؛ فإن الأنبياء ﵈ يعلمون ما يجوز على الله وما يستحيل عليه) (^١).
قوله: (واستدلَّ الأشعرية بذلك على أن رؤية الله جائزةٌ عقلًا) إلخ: من المعروف أن الأشاعرة يثبتون رؤية المؤمنين لربهم، مع أنهم في حقيقة الأمر لا يثبتون الرؤية التي دلَّت عليها نصوص الكتاب والسنة، بل ولا الرؤية التي يدل عليها العقل؛ إذ يقولون: إنه تعالى يُرى لا في جهة، والحامل لهم على ذلك نفيهم العلو، ومعنى هذا أنه يُرى، لكن لا عن الأيمان، ولا عن الشمال، ولا فوق، فضلا عن التحت، وهذه رؤية لا حقيقة لها في العقل ولا في الشرع، ولهذا ألحقهم بعض أئمة السنة بمن ينفي الرؤية، كالمعتزلة (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٣٨٣).
(٢) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٥) (٤/ ٣٩٩ - ٤٨٠)، و«منهاج السنة» (٢/ ٣٢٥ - ٣٢٩)، و«مجموع الفتاوى» (١٦/ ٨٢ - ٨٦)، و«الصواعق المرسلة» (٤/ ١٣٣١ - ١٣٣٤)، و«شرح الطحاوية» لشيخنا (ص ١١٧).
[ ١٣٨ ]
وقول المفسِّر: إن الأشاعرة استدلوا على جواز الرؤية عقلا بسؤال موسى ﵇ رؤية ربه، فيه تقصير من وجهين:
أحدهما: تخصيص هذا الاستدلال بالأشاعرة؛ فأهل السنة يشاركونهم في ذلك.
الثاني: أن هذه الآية هي الدليل على إثبات الرؤية، ولمثبتي الرؤية من أهل السنة والأشاعرة أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، وقوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم» (^١).
والحق أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، كما يقتضيه قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم، كما ترون القمر، وكما ترون الشمس صحوا ليس دونها سحاب» (^٢)، وهذا من تشبيه الرؤية بالرؤية، لا تشبيه المرئي بالمرئي؛ فرؤية المؤمنين لربهم كرؤية الناس للشمس والقمر من وجوه؛ كعدم الإحاطة، والرؤية من فوق، والوضوح (^٣)؛ لذلك فلا يضامون في رؤيته، ولا يضارُّون، كما جاء في الحديث (^٤). والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣) عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁، وأحاديث الرؤية متواترة، رواها سبعة وعشرون صحابيًّا، ساقها ابن القيم. ينظر: «حادي الأرواح» (٢/ ٦٢٥ - ٦٨٥)، و«نظم المتناثر» (ص ٢٣٨، رقم ٣٠٧).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) ينظر: «بغية المرتاد» (ص ٥٢٩)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٤/ ٤٣٣)، و«درء التعارض» (١/ ٢٥٢)، و«شرح التدمرية» لشيخنا (ص ٢٧٥)، و«شرح الطحاوية» لشيخنا (ص ١١٦).
(٤) تقدم وهو تمام حديث جرير السابق.
[ ١٣٩ ]
التعليق (٥٦): توضيح تفسير ابن جزي لقوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ وتصويب ما ذكره من التفصيل في أسماء الله
(٥٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] أي: سمُّوه بأسمائه، وهذا إباحةٌ لإطلاق الأسماء على الله تعالى:
فأمَّا ما ورد منها في القرآن أو في الحديث: فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا.
وأمَّا ما لم يَرِد، وفيه مدحٌ لا تتعلَّق به شبهة:
فأجاز أبو بكر ابن الطيب (^١) إطلاقَه على الله.
ومنع ذلك أبو الحسن الأشعريُّ وغيره، ورأوا أن أسماء الله موقوفةٌ على ما ورد في القرآن والحديث) (^٢).
قوله: (أي: سمُّوه بأسمائه) إلخ، هذا أحد التفسيرين في معنى ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والباء على هذا للتعدية، وقيل: ادعوه بها، أي: توسلوا
_________________
(١) أبو بكر ابن الطيب: الباقلاني، محمد بن الطيب بن محمد، أبو بكر، القاضي، البصري، المالكي، الأشعري، علَم متكلم شهير، كان يُضرب المثل بفهمه وذكائه، انتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق؛ فإنه من نظرائه. له مصنفات عدة؛ منها: «إعجاز القرآن»، و«التمهيد»، و«الإنصاف فيما يجب اعتقاده»، وغيرها، توفي سنة (٤٠٣ هـ). ينظر: «ترتيب المدارك» (٧/ ٤٤)، و«السير» (١٧/ ١٩٠).
(٢) «التسهيل» (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).
[ ١٤٠ ]
بها، كما تقول: يا غفور اغفر لي، يا رحيم ارحمني، والباء على هذا سببية (^١)، ثم ما ذكره المؤلف من التفصيل في أسماء الله مستقيم، ومضمونه أنَّ الله لا يسمَّى إلا بما سمَّى به نفسه أو ما سمَّاه به رسوله ﷺ، وهو معنى قول المؤلف: (موقوفة)، أي: توقيفية، وأما ما لم يرد في كتاب ولا سنة، وهو صفة مدح، فيجوز الإخبار به عن الله، ولا يعدُّ من أسمائه، كالقديم والمنشئ والمحْكِم والصانع (^٢).
_________________
(١) ينظر: «تفسير الماوردي» (٢/ ٢٨٢)، و«التفسير البسيط» (٩/ ٤٨٠)، و«البحر المحيط» (٥/ ٢٣١)، و«بدائع الفوائد» (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
(٢) ينظر: «الجواب الصحيح» (٥/ ٨)، و«درء التعارض» (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و«مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٢)، و«بدائع الفوائد» (١/ ٢٨٤)، و«التعليق على القواعد المثلى» لشيخنا (ص ٦٨).
[ ١٤١ ]
التعليق (٥٧): مناقشة ابن جزي في تأويل صفة «الكيد» وبيان أنه حقيقة وليس مجرد مشاكلة لفظية
(٥٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين (١٨٣)﴾ [الأعراف]؛ سمَّى فِعْلَهُ بهم كَيْدًا؛ لأنه شبيهٌ بالكَيْدِ في أنَّ ظاهرَهُ إحسان، وباطِنَهُ خِذْلان) (^١).
قولُهُ: (سمَّى فِعْلَهُ بهم كَيْدًا …)، إلخ:
هذا يتضمَّنُ أنَّ ما يفعلُهُ الربُّ ﷿ بالكافِرِينَ مِنَ الاستدراجِ ليس بكَيْدٍ حقيقةً، بل هو مجرَّدُ تسميةٍ؛ فهو كيدٌ لفظًا لا معنًى.
وهذا خطأ؛ لأنه صرفٌ لِلَّفْظِ عن ظاهِرِهِ بلا مُوجِب (^٢)؛ كيف وقد أكَّده اللهُ بالمصدَرِ المؤكِّدِ كما في قولِهِ: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٦]؟! فهو تعالى يكيدُ الكافِرِينَ ويمكُرُ بهم؛ جزاءً على كَيْدِهم ومَكْرِهم؛ جزاءً وفاقًا.
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ٤٢٢).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١١).
[ ١٤٢ ]