(١٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿اللّهُ يَسْتَهْزِاءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فيه ثلاثةُ أقوال:
- تسميةُ العقوبةِ باسمِ الذنبِ؛ كقولِه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤].
- وقيل: يُملِي لهم؛ بدليل قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: ١٥].
- وقيل: يَفعَلُ بهم في الآخِرةِ ما يَظهَرُ لهم أنه استهزاءٌ بهم؛ كما جاء في سورة الحديد: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا …﴾ الآيةَ [الحديد: ١٣]) (^١).
لا إشكالَ فيما ذكَرَ المؤلِّف مِنْ الوجوه؛ فلكلٍّ منها وَجْهٌ، وأقرَبُها الثاني والثالث؛ فإنَّ في كلٍّ منهما استهزاءً بالفعل.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٧٥).
[ ٣٩ ]
التعليق (١٨): مناقشة ابن جزي في دعواه أن دلالة المخلوقات في القرآن هي للاستدلال على وجوده تعالى ووحدانيته، وبيان أن المقصود الأول من ذكر المخلوقات: الاستدلال بها على توحيد الإلهية
(١٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(الثالثةُ: تكرَّر في القرآنِ ذكرُ المخلوقاتِ، والتنبيهُ على الاعتبارِ في الأرضِ والسماوات، والحَيَوانِ والنبات، والرياحِ والأمطار، والشمسِ والقمَر، والليلِ والنهار؛ وذلك أنها تَدُلُّ بالعقلِ على عشَرَةِ أمورٍ؛ وهي:
١ - أنَّ اللهَ موجودٌ؛ لأنَّ الصنعةَ دليلٌ على الصانِعِ لا محالةَ.
٢ - وأنَّه واحدٌ لا شريكَ له؛ لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧].
٣ - ٦: وأنه حيٌّ، قديرٌ، عالِمٌ، مُرِيد؛ لأنَّ هذه الصفاتِ الأربعَ مِنْ شروطِ الصانِع؛ إذْ لا تصدُرُ صنعةٌ عمَّن عُدِمَ صفةً منها.
٧ - وأنه قديمٌ؛ لأنه صانعٌ للمحدَثاتِ؛ فيَستحِيلُ أن يكونَ مِثْلَها في الحدوث.
٨ - وأنه باقٍ؛ لأنَّ ما ثبَتَ قِدَمُه، استحالَ عَدَمُه.
٩ - وأنه حَكِيمٌ؛ لأنَّ آثارَ حِكْمَتِهِ ظاهرةٌ في إتقانِهِ للمخلوقات، وتدبيرِهِ للملكوت.
١٠ - وأنه رحيمٌ؛ لأنَّ في كلِّ ما خلَقَ منافعَ لبني آدَمَ؛ سَخَّرَ لهم ما في السماواتِ وما في الأرض.
[ ٤٠ ]
وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته) (^١).
قولُهُ: (لأنَّه لا خالقَ إلَّا هو):
هذا توجيهٌ لدَلَالةِ المخلوقاتِ على أنه واحدٌ؛ وهذا ليس بجيِّد في صياغةِ الاستدلال؛ لأنه تعليلٌ للشيءِ بنَفْسِه؛ فكأنه قال: «دلَّت على أنه واحدٌ؛ لأنه واحدٌ»؛ ولا يخفى ما فيه.
وقولُهُ: (وأكثَرُ ما يأتي ذِكْرُ المخلوقاتِ في القرآنِ: في مَعرِضِ الاستدلالِ على وجودِهِ تعالى، أو على وحدانيَّته):
في هذا نظَرٌ؛ فإنَّ المخاطَبِينَ ليسوا جاحِدِينَ لوجودِ الله؛ بل مُشرِكِينَ في العبادة؛ فالمقصودُ الأوَّلُ مِنْ ذكرِ المخلوقاتِ: الاستدلالُ بها على توحيدِ الإلهيَّة، وهم يُقِرُّونَ بأنه الخالِقُ لهذه المخلوقاتِ؛ فاحتُجَّ عليهم بما أقَرُّوا به على ما أنكَرُوهُ مِنْ توحيدِ الإلهيَّة؛ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون (٣٥)﴾ [الصافات]، ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، ولمَّا قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، أتبَعَ ذلك بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِنْ مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
[ ٤١ ]
١٦٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فتضمَّنتِ الآيتانِ الأمرَ بعبادتِهِ تعالى، والنهيَ عن الشِّرْكِ به، وذِكْرَ المقتضي لذلك؛ وهو خلقُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وخلقُ السماواتِ والأرضِ وما بينهما، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ.
* * * *
[ ٤٢ ]
التعليق (١٩): مناقشة ابن جزي في إخراجه العمل عن مسمى الإيمان مع تعلق السعادة بالعمل
(١٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥]. دليلٌ على أنَّ الإيمانَ خلافُ العملِ؛ لعطفِهِ عليه؛ خلافًا لمن قال: «الإيمانُ اعتقادٌ، وقولٌ، وعمل».
وفيه: دليلٌ على أنَّ السعادةَ بالإيمانِ مع الأعمالِ؛ خلافًا للمرجِئة (^١) (^٢).
في كلامِ المؤلِّفِ مسألتانِ:
المسألةُ الأولى: قولُه: (دليلٌ على أنَّ الإيمانَ خلافُ العملِ؛ لعطفِهِ عليه).
_________________
(١) المرجئة: اسم فاعل، من الإرجاء، ويدل في العربية على معنيين، أحدهما: التأخير ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ..﴾ [الأعراف: ١١١] أي: أخِّره وأمهله، ثانيهما: إعطاء الرجاء، فيكون إطلاق هذا الاسم باعتبار المعنى الأول: تأخير العمل عن مسمى الإيمان، وبالاعتبار الثاني قولهم: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. والإيمان عندهم: شيء واحد، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاضل أهله فيه، وهم أصناف، يجمعهم القول بإخراج العمل عن مسمى الإيمان. ينظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٣ - ٢٣٤)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٥)، و«النبوات» (١/ ٥٧٧، ٥٨٠).
(٢) «التسهيل» (١/ ٢٩١).
[ ٤٣ ]
ظاهرُهُ: أنه يقرِّرُ هذا الاستدلالَ؛ وهو - بهذا - يوافِقُ جميعَ طوائِفِ المرجِئةِ (^١) في الاستدلالِ بهذه الآيةِ على إخراجِ الأعمالِ عن مسمَّى الإيمان، وأهلُ السُّنَّةِ يُخالِفُونَهم في أصلِ المسألةِ، وفي الاستدلالِ بالآية؛ فيقولون:
العملُ مِنْ الإيمان (^٢)؛ لدلائلَ كثيرةٍ مِنْ الكتاب والسُّنَّة؛ كحديثِ وفدِ عبدِ القَيْس (^٣)،
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والمرجئة ثلاثة أصناف: الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب -وهم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم -، ومنهم من لا يدخلها في الإيمان؛ كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان وهذا لا يعرف لأحد قبل الكَرَّامية. والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم». «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٩٥).
(٢) ينظر: كتاب الإيمان من صحيح البخاري (١/ ١٠) مع «فتح الباري» لابن رجب (١/ ٥)، و«السنة» لابن أبي عاصم (٢/ ٤٦١)، ولعبد الله بن أحمد (١/ ٣٠٧)، و» الشريعة» للآجري (٢/ ٦١١)، و«الإبانة» لابن بطة (٢/ ٧٦٠)، و«الإيمان» لأبي عبيد (ص ٦٢)، ولابن منده (١/ ٣٠٥)، و«السنة» للالكائي (٤/ ٩١٢)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٩/ ٢٣٨)، وكتاب الإيمان - الكبير والأوسط- من «مجموع الفتاوى» (٧/ ١٢٢) و(٧/ ٣٠٨)، و(٧/ ٣٣٠) و(٧/ ١٤١) و(٧/ ١٦٢) و(٧/ ٢٨٩) و(٧/ ٤٠٠) و(٧/ ٥٠٥) و(٧/ ٥٢٩) و(٧/ ٦١٦) و(٧/ ٦٤٢) و(٧/ ٦٤٥)، و«جامع العلوم» لابن رجب (١/ ١٠٤) و«فتح الباري» لابن حجر (١/ ٤٦) وتعقيب شيخنا عليه في «المخالفات العقدية في فتح الباري» (ص ٤٦).
(٣) أخرجه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس. وفيه: «فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، أمرهم: بالإيمان بالله وحده، قال: «أتدرون ما الإيمان=
[ ٤٤ ]
وحديثِ شُعَبِ الإيمان (^١).
ويقولون: العطفُ لا يقتضي المغايَرةَ دائمًا، بل منه عطفُ الخاصِّ على العامِّ، ومِن ذلك: عطفُ الأعمالِ على الإيمان (^٢) (^٣).
_________________
(١) =بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس». الحديث.
(٢) أخرجه البخاري (٩)، ومسلم (٣٥) من حديث أبي هريرة: «الإيمان بضع وسبعون - أو بضع وستون - شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، وهذا لفظ مسلم.
(٣) هذا هو الجواب الأول، وهناك جواب آخر لأهل السنة ذكره شيخ الإسلام بما ملخصه: «إن أعمال الجوارح في الأصل ليست من الإيمان، بل الإيمان أصله ما في القلب، والأعمال هي من لوازمه التي لا تنفك عنه بحال، لكن جاء الشرع فأدخلها فيه، وأصبح اسم الإيمان شاملًا لها على الحقيقة شرعًا، فكثر في كلامه عطفها عليه توكيدًا لذلك؛ لكيلا يظن ظان أن الإيمان المطلوب هو ما في القلب فقط، بل يعلم أن لازمه - العمل - ضروري كضرورته، فها هو ذا قد أدخل في اسمه وحقيقته في مواضع الانفراد، وقرن بحكمه في مواضع العطف». ظاهرة الإرجاء (٢/ ٥٢١). وينظر: «الإيمان الكبير -مجموع الفتاوى-» (٧/ ١٦٢ - ١٧١)، و«الإيمان الأوسط -مجموع الفتاوى-» (٧/ ٥٥١ - ٥٥٥)، و(٧/ ١٧٢)، و«شرح الأصبهانية» (ص ٦٥٨)، و«مختصر الصواعق» (٢/ ٧٢١).
(٤) وينظر: تقرير شيخنا لمذهب أهل السنة في مسمى الإيمان وأدلته وفروع مسائله في: «جواب في الإيمان ونواقضه» (ص ٧ - ١٣)، و«شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٢١٤ - ٢٣٦)، و«توضيح مقاصد الواسطية» (ص ٢٠٢ - ٢١٠)، و«توضيح المقصود في نظم ابن أبي داود» (ص ١٣٨ - ١٦٦)، و«شرح القصيدة الدالية» (ص ٩٦ - ٩٨)، و«إرشاد العباد إلى معاني لمعة الاعتقاد» (ص ٨٠ - ٨٢)، و«شرح كشف الشبهات» (ص ٩٥ - ٩٩)، و«شرح نواقض الإسلام» (ص ١١)، و«تعليقات على المخالفات العقدية في فتح الباري» (رقم ٣، و٤٦).
[ ٤٥ ]
المسألةُ الثانية: قولُه: «وفيه: دليلٌ على أنَّ السعادةَ بالإيمانِ مع الأعمالِ؛ خلافًا للمرجِئة».
هذا الاستدلالُ صحيحٌ، ولكنَّ قوله: «خلافًا للمرجِئة»، لا يصحُّ على الإطلاق؛ لأنَّ مرجِئةَ الفقهاءِ لا ينازِعون في هذا، وإنما ينازِعُ في هذا المرجِئةُ الجهميَّةُ، القائلون: «لا يَضُرُّ مع الإيمانِ ذنبٌ» (^١).
* * * *
_________________
(١) سبق ذكر أصناف المرجئة ومقالاتهم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. وينظر فتوى لشيخنا في «الفرق بين المرجئة ومرجئة الفقهاء»، منشورة في موقعه الرسمي.
[ ٤٦ ]
التعليق (٢٠): مناقشة ابن جزي في صفة الحياء لله وتصويب رأيه
(٢٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]:
(تأوَّل قومٌ أنَّ معناه: لا يَترُك؛ لأنَّهم زعموا أنَّ الحياءَ مستحيلٌ على الله؛ لأنه - عندهم -: انكسارٌ يَمنَعُ مِنْ الوقوعِ في أمرٍ. وليس كذلك؛ وإنما هو: كَرَمٌ وفضيلةٌ تَمنَعُ مِنْ الوقوعِ فيما يُعاب.
ويَرُدُّ عليهم: قولُهُ ﷺ: «إِنَّ اللهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ؛ يَسْتَحِيي مِنَ العَبْدِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» (^١) (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٢٩٣).
(٢) أخرجه أحمد، وأبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٥٥٦)، وابن ماجه (٣٨٦٥)، وابن حبان (٨٧٦)، والطبراني في «الكبير» (٦١٤٨)، والحاكم (١٨٣١) من طرق، عن جعفر بن ميمون، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، به. وجعفر بن ميمون فيه لين، لكن تابعه أبو المعلى يحيى بن ميمون - وهو ثقة - أخرجه المحاملي في «أماليه» (٤٣٣ - رواية ابن يحيى البيع)، والبغوي (١٣٨٥). وتابعهما سليمان التيمي من رواية محمد بن الزبرقان عنه - وابن الزبرقان صدوق ربما وهم - أخرجه ابن حبان (٨٨٠)، والطبراني في «الكبير» (٦١٣٠)، والحاكم (١٩٦٢). وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان موقوفًا. أخرجه أحمد (٢٣٧١٤)، والحاكم (١٨٣٠). وتابعه: يحيى بن سعيد عند أحمد في «الزهد» (ص ٨٢١)، ومعاذ بن معاذ عند ابن أبي شيبة (٢٩٥٥٥) كلاهما، عن سليمان التيمي، به موقوفًا. وتابع سليمان التيمي في روايته عن أبي عثمان موقوفًا: يزيد بن أبي صالح. أخرجه وكيع في «الزهد» (رقم ٥٠٤)، وهناد في «الزهد» (٢/ ٦٢٩)، وثابت البناني، وحميد، وسعيد الجُريري. أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (رقم ١٥٦). خمستهم (سليمان ويزيد وثابت وحميد والجُريري) عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان موقوفًا. وهو الصحيح. والحديث جوّد إسناده الحافظ في «الفتح» (١١/ ١٤٣)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥/ ٢٢٦، رقم ١٣٣٧).
[ ٤٧ ]
كلامُ المؤلِّف مستقيم، على مذهب أهل السُّنَّة؛ لأنه تضمَّن إثباتَ الحَيَاءِ لله على ما يليقُ به، وأنكَرَ على مَنْ زعَمَ أنه ممتنِعٌ على الله، مِمَّا أوجَبَ لهم تحريفَ الآية بتأويلِ الحَيَاء بالتَّرْك، واستدَلَّ المؤلِّف لما ذهب إليه بالحديث، وهو استدلالٌ صحيح.
* * * * *
[ ٤٨ ]
التعليق (٢١): مناقشة ابن جزي في سبب كفر إبليس
(٢١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين (٣٤)﴾ [البقرة]:
(قيل: كفَر بإبايته من السجود؛ وذلك بناء على أن المعصية كفرٌ.
والأظهر: أنه كفَر باعتراضه على الله، وتسفيهه له في أمره بالسجود لآدم، وليس كفره كفرَ جحود؛ لاعترافه بالربوبية) (^١).
قوله: (قيل: كفَر بإبايته من السجود) إلخ: تضمَّن كلام المؤلف سببين في كفر إبليس:
الأول: أنه إباؤه السجود الذي أمره الله به، وهو حقيقة المعصية، وهذا يناسب مذهب الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب، ولعل هذا من حجَّتهم.
الثاني: - وهو اختيار المؤلف - أن سبب كفر إبليس الاعتراض على الله بأمره بالسجود لآدم، وهذا يتضمَّن الطعن في حكمته تعالى، وتسفيهه، تعالى الله، كما قاله المؤلف، فحصَر سبب الكفر في هذين الأمرين؛ إذِ اقتصر عليهما، فضعَّف الأول واستظهر الثاني، ونفَى المؤلف أن يكون كفر إبليس جحودًا، وهو صحيح؛ فلم يجحد إبليس
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٠١).
[ ٤٩ ]
ربوبيته تعالى إذ قال: رب أنظرني، وما جحد الأمر؛ لأن الله واجهه بالأمر بالسجود مع الملائكة، وصرَّح بأنه أمرَه عينا؛ فقال سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وسبب كفر إبليس الذي دلَّت عليه الآيات هو إباء السجود الناشئ عن الاستكبار، ولهذا قال تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]، وقال لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِين (٧٥)﴾ [ص]، كما يدل لذلك شبهة إبليس التي اعتذر بها عن امتناعه من السجود، وهو أن الله خلقه من نار، وخلق آدم من طين، وهذه الشبهة تتضمَّن دعاوى باطلة وأقيسة فاسدة ذكرها العلماء، وبيَّنوا بطلانها وفسادها (^١)، وفخر إبليس فيها بنفسه واحتقاره لآدم ظاهر، فتضمَّن اعتذارُه حقيقةَ الكبر الذي هو ردُّ الحق واحتقار الغير، وذلك بردِّ أمر الله واحتقار آدم، وبهذا يُعلم أن ما ذكره المؤلف من سببَيْ كفر إبليس ناشئان عن الاستكبار (^٢).
فالكبر إذن هو سبب كفر إبليس وأكثر الكافرين من بعده، وشواهد ذلك في القرآن كثيرة، قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِين (٣١)﴾ [الجاثية]، وسمَّى الله
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٥ - ٦)، و«الصواعق المرسلة» (٣/ ٩٩٨ - ١٠٠٧)، و«بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٥٤ - ١٥٦٠).
(٢) ينظر: «الإيمان الكبير» (ص ١٥١)، و«الإيمان الأوسط» (ص ٤١٨)، و«الصارم المسلول» (ص ٥٢٠)، و«بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٥٤)، و«مدارج السالكين» (١/ ٣٤٦).
[ ٥٠ ]
تنبيه: حول ما اشتهر عند كثير من المفسرين أن الحامل لإبليس على ترك السجود هو الحسد
جهنم مثوى المتكبرين، ومثوى الكافرين؛ فالكافرون هم المتكبرون في الآيتين.
تنبيه: اشتهر عند كثير من المفسرين وغيرهم أن الحامل لإبليس على ترك السجود هو الحسد، ولا دليل عليه من آية أو حديث فيما أعلم.
* * * *
[ ٥١ ]
التعليق (٢٢): مناقشة ما أورده ابن جزي من الوجوه في تفسير قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ وذكر سياق مجيء «الوجه» في الآيات؛ وبيان دلالة كل منها بحسب سياقها
(٢٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]:
(﴿وَجْهُ اللّهِ﴾، المراد به هنا: كقولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ أي: رضاه.
وقيل: معناه الجِهَةُ التي وَجَّهنا إليها.
وأمَّا قولُه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، فهو مِنْ المتشابِهِ الذي يجبُ التسليمُ له مِنْ غير تكييفِ، ويُرَدُّ علمُه إلى الله.
وقال الأصوليُّون: هو عبارةٌ عن الذاتِ، أو عن الوجودِ.
وقال بعضُهم: هو صفةٌ ثابتةٌ بالسمع) (^١).
قولُهُ: (﴿وَجْهُ اللّهِ﴾، المرادُ به هنا: كقولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]؛ أي: رضاه …)، إلخ:
ذكَرَ في هذا السياق ثلاثَ آيات ورَدَ فيها ذكرُ الوجهِ؛ فذكَرَ في الآيةِ الأولى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قولَيْن:
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٥٢).
[ ٥٢ ]
الأوَّل: أنَّ المرادَ بالوجهِ في الآية كقولِهِ تعالى: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾، وفسَّره بالرضا.
الثاني: أنَّ المرادَ: الجهةُ التي وجَّهَنا الله إليها؛ يريد: القبلةَ.
وذكَرَ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، ثلاثةَ أقوالٍ في تفسيرِ الوجه:
أحدُها: قولُ أهلِ التأويل (^١)؛ وهو أنَّ المرادَ بالوجهِ: الذاتُ، أو الوجودُ.
الثاني: قولُ أهلِ التفويض (^٢)؛ وهو أنَّ ذكرَ الوجهِ مِنْ المتشابِهِ الذي يجب التسليمُ له، ورَدُّ علمِهِ إلى الله.
الثالث: قولُ بعضهم؛ وهو أنَّ الوجهَ صفةٌ ثابتةٌ بالسمعِ.
_________________
(١) التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمُحَدِّثة والمتصوفة ونحوهم: هو صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٨). وينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ٣٤). وهذا التأويل هو الذي صنف في تسويغه وإبطاله من الجانبين: فصنف جماعة في تأويل آيات الصفات وأخبارها كأبي بكر بن فُورك وابن مهدي الطبري وغيرهما، وعارضهم آخرون فصنفوا في إبطال تلك التأويلات كالقاضي أبي يعلى والشيخ موفق الدين بن قدامة، وهو الذي حكى عن غير واحد إجماع السلف على عدم القول به. «الصواعق المرسلة» (١/ ١٧٨).
(٢) التفويض في اصطلاح المتكلمين، هو إجراء النصوص على ظاهرها ألفاظًا من غير فهم لمعناها؛ فليس لها معنى مفهوم عندهم، وربما قالوا: لها تأويل لا يعلمه إلا الله. «شرح العقيدة التدمرية» لشيخنا (ص ١٨٦). وينظر: «درء التعارض» (١/ ١٥) و(١/ ٢٠١)، و«الصواعق المرسلة» (٢/ ٤٢٢).=
[ ٥٣ ]
وفيما ذكَرَهُ حقٌّ وباطلٌ:
- فتفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الأولى بالجهةِ حقٌّ، وبه قال كثيرٌ مِنْ السلف (^١).
- وتفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الأولى بالرضا، وجعلُهُ المرادَ به كالمرادِ في قولِه: ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] خطأٌ؛ فالوجهُ لا يُعرَفُ في اللغةِ بمعنى الرضا؛ لكنَّ سياق الآية يتضمَّنُ هذا المعنى (^٢)، والممنوعُ أن يكونَ المرادُ بالوجهِ الرضا.
_________________
(١) =وينسبون هذا المذهب للسلف، يقول الجويني: «وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب». «العقيدة النظامية» (ص ٣٢). والسلف لم يفوضوا علم معاني النصوص؛ لأن معانيها معلومة لهم، وإنما يفوضون علم كيفية الصفات. ينظر: «الفتاوى» (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، و«القاعدة المراكشية» (ص ٢٩)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ١٨٠)، و«علاقة الإثبات والتفويض» لرضا نعسان، و«مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات - عرض ونقد» لأحمد بن عبد الرحمن القاضي.
(٢) ينظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ١٠٦)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٧١)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٩٣) و(٦/ ١٥). قال شيخ الإسلام: «وليست هذه الآية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة؛ فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرق والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال: أي وجه تريده؟ أي: أي جهة؟ وأنا أريد هذا الوجه؛ أي: هذه الجهة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨] ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي تستقبلوا وتتوجهوا، والله أعلم».
(٣) ففيها دلالة على الصفة بمفردها، ودلالة على المعنى بسياقها وتركيبها؛ كما قال شيخنا في شرح كتاب التوحيد «المسألة العشرون من الباب الثاني». وينظر تقرير هذا المعنى في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧٠)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٦/ ٧٤).
[ ٥٤ ]
- وتفسيرُ الوجهِ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ بالذاتِ والوجودِ، خطأٌ؛ وهو تفسيرُ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (^١).
وأمَّا تفسيرُهُ الوجهَ في الآيةِ الثانيةِ والثالثةِ بأنَّه مِنْ المتشابِهِ، والمتشابِهُ عندهم: ما لا يَعلَمُ معناه إلا اللهُ (^٢)؛ وهذا مذهبُ أهلِ التفويضِ، وهم مِنْ النفاة، ويقابِلون أهلَ التأويل.
وما ذكَرَه عن بعضِهم: أنَّ الوجهَ صفةٌ ثابتةٌ بالسمع، فهو حقٌّ (^٣)، لا يجوزُ نفيُهُ ولا تأويلُه، بل يجبُ إثباتُهُ على ما يليقُ به سبحانه، وأنه لا يماثِلُ وجوهَ العباد، وليس هو مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ معناه معقول، والكيفَ مجهول، والله أعلم.
* * * *
_________________
(١) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٣٦) و(١/ ٢٥٣) و(٢/ ٥٣٩)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ٩٩٢).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٧٢)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٨/ ٢١٥) و(٨/ ٢٤٦) و(٨/ ٣٣٧) و(٨/ ٤٩٤)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ٣٤٤)
(٣) ينظر: «التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٦)، و«الإبانة» للأشعري (١٢٠ - ١٢٢)، و«اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي» (ص ٥٥)، و«مجموع الفتاوى» (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٤)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٢٩) و(٦/ ٥٢٦)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ٩٩٢)، و«توضيح مقاصد العقيدة الواسطية» لشيخنا (٨٠ - ٨٤).
[ ٥٥ ]
التعليق (٢٣): مناقشة ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمرا﴾ وبيان معاني «القضاء» في القرآن
(٢٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]؛ أي: قدَّره، أو أمضاه.
قال ابنُ عطيَّةَ (^١): «يَتَّجِهُ في الآية المعنَيَان؛ فعلى مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ: قدَّر في الأَزَلِ وأمضَى فيه، وعلى مذهبِ المعتزِلة: أمضَى عند الخَلْقِ والإيجاد».
قلتُ: لا يكونُ «قَضَى» هنا بمعنى قدَّر؛ لأنَّ القَدَرَ قديمٌ، و«إذا»: تقتضي الحدوثَ والاستقبالَ؛ وذلك يُناقِضُ القِدَم، وإنَّما «قَضَى» هنا: بمعنى: أَمْضَى، أو فعَلَ، أو أوجَدَ؛ كقولِه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]) (^٢).
القضاءُ مِنْ اللهِ في القرآن يأتي لمعانٍ (^٣):
١ - «قَضَى الخَلْقَ»؛ بمعنى: فرَغَ مِنْ خلقِهِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
٢ - «قَضَى»؛ بمعنى: حكَمَ؛ وهو نوعان:
_________________
(١) في «المحرَّر الوجيز» (١/ ٣٣١ ط. وزارة الأوقاف قطر).
(٢) «التسهيل» (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) ينظر: «نزهة الأعين النواظر» لابن الجوزي (ص ٥٠٦).
[ ٥٦ ]
الأول: شرعيٌّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومعناه: أمَرَ ووصَّى.
والثاني: كونيٌّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون (١١٧)﴾ [البقرة]، ومعناه: أراد كَوْنَهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس].
وعلى هذا: فتفسيرُ «قضى»: ب «أَمْضَى»، في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]-: أظهَرُ؛ لأن المعنى: إذا أرادَ اللهُ كَوْنَ ما سبَقَ في علمِهِ وإرادتِهِ وكتابِهِ، قال له: «كُنْ»، فيَكُونُ؛ وهذا هو معنى الإمضاء؛ أي: إتمامُ الأمرِ الذي قدَّره اللهُ في علمِهِ وإرادتِهِ وكتابِه (^١).
ولهذا أقولُ: ما وجَّه به المؤلِّفُ ابنُ جُزَيٍّ اختيارَهُ، وهو أنَّ معنى «قَضَى»: أَمْضَى -: وجيهٌ.
ويأتي «قضى» في القرآنِ مضمَّنًا معنى «أَوْحَى» أو «أوصَى»؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِين (٦٦)﴾ [الحجر]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤].
كما يأتي «القضاءُ» بمعنى: الحُكْمِ، شاملًا للمعنيَيْنِ: الكونيِّ، والشرعيِّ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠].
_________________
(١) وانظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٨١ - ١٨٦)، والتعليقَ على الموضع التالي.
[ ٥٧ ]
كما يأتي «القضاء» بمعنى: الفصلِ بين المختلِفِينَ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُون (٩٣)﴾ [يونس].
[ ٥٨ ]
التعليق (٢٤): مناقشة الوجوه التي أوردها ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿فإنما يقول له كن فيكون (١١٧)﴾ وبيان الوجه الراجح
(٢٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون (١١٧)﴾ [البقرة]؛ قال الأصوليُّون: إنَّ هذا عبارةٌ عن نفوذِ قُدْرةِ اللهِ تعالى، وليس بقولٍ حقيقيٍّ؛ لأنَّه:
- إنْ كان قولُ: «كُنْ» خطابًا للشيءِ في حالِ عَدَمِهِ، لم يصحَّ؛ لأنَّ المعدومَ لا يخاطَبُ.
- وإنْ كان خطابًا للشيءِ في حالِ وجودِهِ، لم يصحَّ؛ لأنه قد كان، وتحصيلُ الحاصلِ غيرُ مطلوب.
وحمَلَهُ المفسِّرون على حقيقتِهِ، وأجابوا عن ذلك بأربعةِ أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّ الشيءَ الذي يقولُ اللهُ له: «كُنْ» هو موجودٌ في علمِ اللهِ؛ وإنما يقولُ له: «كُنْ»؛ لِيُخْرِجَهُ إلى العِيَانِ لنا.
والثاني: أنَّ قولَهُ: «كُنْ» لا يتقدَّمُ على وجودِ الشيءِ، ولا يتأخَّرُ عنه؛ قاله الطَّبَريّ (^١).
والثالثُ: أنَّ ذلك خطابٌ لمن كان موجودًا على حالةٍ، فيؤمَرُ بأن يكونَ على حالةٍ أخرى؛ كإحياءِ الموتى، ومَسْخِ الكفَّار.
وهذا ضعيفٌ؛ لأنه تخصيصٌ مِنْ غيرِ مخصِّص.
_________________
(١) في «تفسيره» (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠ ط. دار هجر).
[ ٥٩ ]
والرابعُ: أنَّ معنى: ﴿يَقُولُ لَهُ﴾: يقولُ مِنْ أجلِهِ؛ فلا يلزمُ خطابُه.
والأوَّلُ أحسَنُ هذه الأجوبةِ.
وقال ابنُ عطيَّة (^١): «تلخيصُ المعتقَدِ في هذه الآية: أنَّ اللهَ ﷿ لم يَزَلْ آمِرًا للمعدوماتِ بشرطِ وجودِها؛ فكلُّ ما في الآيةِ مما يقتضي الاستقبالَ: فهو بحسَبِ المأمورات؛ إذِ المحدَثاتُ تجيءُ بعدَ أنْ لم تَكُنْ») (^٢).
قولُهُ: (وأجابوا عن ذلك بأربعةِ أوجُهٍ …)، إلخ:
كلُّ هذه الأقوالِ الأربعةِ ليس فيها انفصالٌ عن الإشكالِ الذي ذكَرُوه.
والراجحُ منها: القولُ الأوَّلُ؛ كما اختاره المؤلِّف.
وأرجَحُ منه: القولُ الثالث، وإنْ كان المؤلِّفُ قد ضعَّفه؛ ويَشهَدُ له قولُهُ تعالى في خلقِ آدَمَ وعيسى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٥٩)﴾ [آل عمران].
ولعلَّ الجواب الذي يَرفَعُ الإشكالَ الذي ذكَرُوهُ: أنَّ الأمرَ الواردَ في الآياتِ ليس أمرَ تكليفٍ للمخاطَبِ بفعلِ شيءٍ في نَفْسِهِ أو في غيرِه، بل هو أمرُ تكوينٍ يُوجِبُ كونَ الشيءِ الذي أرادَهُ اللهُ كما أراد؛
_________________
(١) في «المحرَّر الوجيز» (١/ ٣٣٢ ط - وزارة الأوقاف قطر، باختصار يسير).
(٢) «التسهيل» (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
[ ٦٠ ]
فيكونُ المُوجِبُ لكونِهِ - أي: وجودِهِ -إرادتَهُ تعالى وقولَهُ؛ كما جمَعَ اللهُ بينهما في الآياتِ: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، وقولِه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس]، وحدوثُ المحدَثاتِ بإرادتِهِ وكلامِهِ سبحانه يستلزِمُ قدرتَهُ على كلِّ شيءٍ، ﴿إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٠)﴾ [البقرة].
وأمَّا قولُ ابن عطيَّةَ ﵀، فليس فيه جوابٌ، بل يزيدُ الإشكالَ؛ لقولِهِ: «لم يَزَلْ آمِرًا للمعدوماتِ، بشرطِ وجودِها»؛ فمضمونُ قولِهِ: أنه تعالى لم يَزَلْ آمِرًا للمعدوماتِ الموجوداتِ؛ وهذا ممتنِعٌ.
وسبَبُ الإشكالِ عندهم: اعتقادُ أنَّ الأَمْرَ أمرُ تكليف؛ الذي يُطلَبُ به مِنْ المأمورِ فعلٌ يَفعَلُهُ بعلمٍ وإرادة، والصوابُ: أنَّ الأمرَ أمرُ تكوينٍ؛ كما تقدَّم. وانظر كلامَ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ في «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٨١ - ١٨٦)، وانظر كذلك: تعليقَنا على الموضع السابق.
* * * *
[ ٦١ ]
التعليق (٢٥): مناقشة ابن جزي في تفريقه بين الخاصة والعامة في مقاصد الذكر وما يوهمه كلامه من أن الخاصة لا طمع لهم في الأجور
(٢٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في كلامِه على مقام الذِّكْر:
(وللناسِ في المَقصِدِ بالذِّكْرِ مقامان:
- فمَقصِدُ العامَّة: اكتسابُ الأجور.
- ومَقصِدُ الخاصَّة: القربُ والحضور.
وما بين المقامَيْنِ بَوْنٌ بعيد؛ فكم بين مَنْ يأخُذُ أجرَهُ وهو مِنْ وراء حجاب، وبين مَنْ يُقرَّبُ حتى يكونَ مِنْ خواصِّ الأحباب!) (^١).
قولُهُ: (وللناسِ في المَقصِدِ بالذِّكْرِ مقامان …)، إلخ:
تضمَّن كلامُهُ هذا ﵀: أنَّ الذاكِرِينَ نوعان: عامَّةٌ وخاصَّةٌ، وأنَّ مقصود العامَّةِ بالذكرِ: اكتسابُ الأَجْر، وأنَّ مقصودَ الخاصَّةِ القربُ مِنْ الله، ويدخُلُ في الخاصَّةِ: الأنبياءُ والصِّدِّيقون.
وهذا التقسيمُ والتفاضُلُ بين الذاكِرِينَ صحيح، وهو يجري في كلِّ الطاعات؛ فالمؤمِنون، منهم: الأبرارُ أصحابُ اليمين، ومنهم: المقرَّبون السابِقون، كما جاء هذا التقسيمُ في سورةِ الواقِعةِ والإنسانِ والمطفِّفين، ومنه ما ذُكِرَ في سورةِ فاطِر.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٧٥).
[ ٦٢ ]
ولكن يُستدرَكُ على الشيخِ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: ما يُوهِمُهُ كلامُهُ مِنْ أنَّ الخاصَّةَ لا طمَعَ لهم في الأجور، وهذا يُخالِفُ ما وصَفَ اللهُ به أنبياءَهُ وأولياءَه؛ مِنْ رجاءِ رحمتِهِ وخوفِ عذابِه، مع طلبِ القُرْبِ لديه في قولِهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]؛ فهم يَعْبُدون اللهَ في ثلاثة مَقامَات: مقامِ الحُبِّ، ومقامِ الخوفِ، ومقامِ الرجاء (^١).
وكلامُهُ ﵀ يُوهِمُ ما تقولُهُ جَهَلةُ الصوفيَّةِ (^٢) مِنْ أنَّ العارفَ لا يعبُدُ اللهَ طمعًا في جَنَّتِه، ولا خوفًا مِنْ نارِه (^٣)؛ ويَرُدُّ هذا الزعمَ آياتٌ
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦١) و(١٠/ ٨١)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٣٦. ط دار الكتاب العربي).
(٢) الصوفية: هو نسبة إلى لُبس الصوف، هذا هو الصحيح، كما قال شيخ الإسلام في الفرقان (ص ١٢٩). وقد عرفوا في بادئ الأمر بالزهد والعبادة، وكانت لهم أحوال أنكرها عليهم الأئمة، ثم تطور الأمر إلى أن دخل في التصوف فلاسفة الصوفية والزنادقة؛ فأدخلوا فيه القول بالحلول والاتحاد، والقول بالظاهر والباطن، وغيرها من البدع المكفرة. ينظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥ - ٢٠)، و«النبوات» (١/ ٢٨٠ - ٢٨٤)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٢/ ١٦٩)، و«بيان حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود -مجموع الفتاوى-» (٢/ ١٣٤ - ٢٨٥).
(٣) قال شيخ الإسلام: «هذا القائل ظنَّ - هو ومَن تابعه - أن الجنة لا يدخل في مسماها إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح، ونحو ذلك مما فيه التمتع بالمخلوقات؛ ولهذا قال بعض مَنْ غلط مِنْ المشائخ لما سمع قوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ)﴾ [آل عمران: ١٥٢] قال: فأين من يريد الله؟! وقال آخر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] قال: إذا كانت النفوس والأموال بالجنَّة فأين النظر إليه؟! وكل هذا لظنِّهم أنَّ الجنَّة لا يدخل فيها النظر، والتحقيق: أن الجنة هي الدار الجامعة لكل نعيم، وأعلى ما فيها: النظر إلى وجه الله، وهو من النعيم الذي ينالونه في الجنة، كما أخبرت به النصوص،=
[ ٦٣ ]
كثيرةٌ مِنْ كتاب الله ﷿؛ كقولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء].
* * * *
_________________
(١) =وكذلك أهل النار، فإنهم محجوبون عن ربهم يدخلون النار، مع أن قائل هذا القول إذا كان عارفًا بما يقول فإنما قصده أنك لو لم تخلق نارًا، أو لو لم تخلق جنَّة لكان يجب أن تُعبد، ويجب التقرب إليك، والنظر إليك، ومقصوده بالجنة هنا ما يتمتع فيه المخلوق». «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٢). وينظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٧٩).
[ ٦٤ ]
التعليق (٢٦): مناقشة ابن جزي في ذكر الله بالاسم المفرد «الله، الله»
(٢٦)
وقال أيضًا في مقامِ الذِّكْرِ:
(ثُمَّ إنَّ ثَمَراتِ الذِّكْرِ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ مجموعةٌ في الذِّكْرِ الفَرْدِ؛ وهو قولُنا: «اللهُ، اللهُ»؛ فذلك هو الغايةُ، وإليه المنتهَى) (^١).
قولُهُ: (ثُمَّ إنَّ ثَمَراتِ الذِّكْرِ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ …)، إلخ:
يتضمَّن هذا أمرَيْنِ؛ حقًّا وباطِلًا:
الأوَّل: أنَّ جميعَ معاني أسماءِ الله الحسنى يتضمَّنُها الاسمُ الشريفُ: «اللهُ»؛ وهذا حقٌّ.
الثاني: أنَّ أفضلَ الذِّكْرِ هو ذكرُ اللهِ بالاسمِ المفرَدِ: «اللهُ، اللهُ»؛ وهذا باطل؛ وذلك لأمور (^٢):
- أنَّ الذكرَ بالاسمِ المفرَدِ مِنْ بِدَعِ الصوفيَّة، ولا أصلَ له في كتابٍ ولا سُنَّة؛ فاختيار المؤلِّف لذلك زَلَّةٌ منه؛ عفا الله عنه.
- أنَّ كلَّ ما ورَدَ مِنْ ألفاظِ الذكرِ في الكتابِ والسُّنَّةِ هو مِنْ الكلامِ المركَّب؛ ك «سُبْحَانَ اللهِ»، و«الحمدُ للهِ»، و«لا إله إلا اللهُ»، و«اللهُ أَكْبَر».
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٧٧).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢٢٦) و(١٠/ ٥٥٦).
[ ٦٥ ]
- أنَّ الاسمَ المفرَدَ لا يفيدُ فائدةً تامَّة؛ كما هو مقرَّرٌ في علمِ النحو.
لذلك لا يحصُلُ بالاسمِ المفرَدِ إيمانٌ ولا كُفْر؛ فلا يدخُلُ الكافرُ في الإسلامِ بذكرِهِ الاسمَ المفرَدَ: «اللهُ»، ولا يكفُرُ مَنْ قال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، وامتنَعَ عن ذكر الاسمِ المفرَدِ؛ لذلك: لا يُجزِئُ الإتيانُ بالاسمِ المفرَدِ في المواضعِ التي يُستحَبُّ أو يجبُ فيها نوعٌ مِنْ الأذكارِ الشرعيَّة.
* * * *
[ ٦٦ ]
التعليق (٢٧): مناقشة ابن جزي في معنى «الواحد» وجريه على طريقة المتكلمين في تقسيم التوحيد
(٢٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]:
(الواحدُ له ثلاثةُ معانٍ، كلُّها صحيحةٌ في حَقِّ الله تعالى:
أحدُها: أنه لا ثانيَ له؛ فهو نفيٌ للعدَد.
والآخَر: أنَّه لا شريكَ له ولا نظيرَ.
والثالثُ: أنه واحِدٌ لا يتبعَّضُ ولا ينقسِمُ) (^١).
وقال أيضًا:
(واعلَمْ: أنَّ توحيدَ الخَلْقِ للهِ تعالى على ثلاثِ دَرَجاتٍ:
الأولى: توحيدُ عامَّةِ المسلِمين؛ وهو الذي يَعصِمُ النفسَ والمالَ في الدنيا، وينجِّي مِنْ الخلودِ في النارِ في الآخِرة، وهو نفيُ الشُّرَكاءِ والأنداد، والصاحِبةِ والأولاد، والأشباهِ والأضداد.
الدرجةُ الثانية: توحيدُ الخاصَّة؛ وهو أنْ يرى الأفعالَ كلَّها صادرةً مِنْ اللهِ وحدَهُ، ويشاهِدَ ذلك بطريقِ المكاشَفة، لا بطريقِ الاستدلال؛ فإنَّ معرِفةَ ذلك بطريقِ الاستدلالِ حاصلةٌ لكلِّ مؤمِن، وإنما مقامُ الخاصَّة: يقينٌ في القلبِ بعلمٍ ضروريٍّ لا يحتاجُ إلى دليلٍ، وثَمَرةُ هذا
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤).
[ ٦٧ ]
العلمِ: الانقطاعُ إلى الله، والتوكُّلُ عليه وحدَهُ، واطِّرَاحُ جميعِ الخَلْق؛ فلا يرجو إلا اللهَ، ولا يخافُ أحدًا سواه؛ إذْ ليس يرى فاعلًا إلَّا إياهُ، ويَرَى جميعَ الخلقِ في قَبْضةِ القَهْر، ليس بيَدِهم شيءٌ مِنْ الأَمْر، فيَطَّرِحُ الأسبابَ، ويَنبِذُ الأربابَ.
والدرجةُ الثالثة: ألَّا يرى في الوجودِ إلا اللهَ وحدَه؛ فيَغِيبُ عن النَّظَرِ إلى المخلوقات، حتى كأنَّها عنده معدومة.
وهذا هو الذي تسمِّيه الصوفيَّةُ: مقامَ الفَنَاء؛ بمعنى الغَيْبةِ عن الخَلْق؛ حتى إنه يَفنَى عن نَفْسِه، وعن توحيدِه؛ أي: يَغِيبُ عن ذلك باستغراقِهِ في مشاهَدةِ الله) (^١).
قولُهُ: (الواحدُ له ثلاثةُ معانٍ …)، إلخ:
ما ذكَرَهُ في معنى الواحِدِ، وقولُهُ: إنَّ المعانيَ الثلاثةَ المذكورةَ صحيحةٌ في حقِّ الله: سقيمٌ في الجُمْلة، وقد جرى في ذلك على طريقةِ المتكلِّمين في تقسيمِ التوحيد (^٢)؛ ويُؤخَذُ عليه وعليهم أمورٌ:
- أنَّهم لم يذكُرُوا توحيدَ الإلهيَّةِ المتضمِّنَ توحيدَ العبادة، الذي هو معنى: «لا إله إلا الله».
- أنَّ ما ذكَرُوهُ غايتُهُ أنْ يتضمَّنَ توحيدَ الربوبيَّةِ، الذي أقَرَّ به المشرِكون.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٢) ينظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٣٨٥ - ٣٩٩)، و«التدمرية» (١٨٢ - ١٨٨ ت. السعوي) ومع شرح شيخنا (ص ٥٠٦)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٤١٥ - ٤١٧).
[ ٦٨ ]
- أنَّ بعضَ عباراتِهم في هذا التقسيمِ فيها إجمالٌ؛ كنفيِ النظيرِ والشبيهِ؛ فإنَّ المعطِّلةَ - كالمعتزِلةِ (^١) ومَن وافَقَهم - يُدخِلُونَ في ذلك نفيَ الصفاتِ.
قولُهم: «إنه واحِدٌ لا يتبعَّضُ، ولا ينقسِمُ»، هو حقٌّ في ظاهرِه، لكنَّهم يُدخِلُونَ فيه أيضًا: نفيَ علوِّه تعالى على خَلْقِه (^٢).
_________________
(١) المعتزلة: فرقة كلامية ظهرت في البصرة أول القرن الثاني على يد واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري؛ لابتداعه القول بأن مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا كافر، مخالفًا بذلك قول الحسن وأهل السنة أنه مؤمن لكنه فاسق، وهم طوائف شتى يجمعهم: القول بنفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وأن العبد يخلق فعل نفسه، لهم أصول خمسة وهي: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شرح هذه الأصول شيخهم القاضي عبد الجبار في كتابه: «شرح الأصول الخمسة». ينظر: «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٣٩)، و«تاريخ الجهمية والمعتزلة» للقاسمي (٥٦ - ٥٨) و«المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها» لعواد المعتق (١٤ - ١٩).
(٢) يُنظَر في ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «العقيدة التدمريَّة»؛ إذ قال: «فإنَّ عامَّة المتكلِّمين غايتُهم أنْ يَجعَلُوا التوحيدَ ثلاثةَ أنواع؛ فيقولون: هو واحدٌ في ذاتِهِ لا قَسِيمَ له، وواحدٌ في صفاتِهِ لا شبيهَ له، وواحدٌ في أفعالِهِ لا شريكَ له»، إلى أن قال: «النوعُ الثاني - وهو قولُهم: لا شبيهَ له في صفاتِه»، إلى أنْ قال: «ثُمَّ إن الجهميَّة مِنْ المعتزِلة وغيرِهم أدرَجُوا نفيَ الصفاتِ في مسمَّى التوحيد»، إلى أن قال: «النوعُ الثالثُ - وهو قولُهم: هو واحدٌ لا قَسِيمَ له في ذاتِهِ أو لا جزءَ له أو لا بعضَ له؛ لفظٌ مجمَلٌ؛ فإن الله سبحانه أحَدٌ صمَدٌ لم يَلِدْ ولم يُولَدْ ولم يكنْ له كفوًا أحد»، إلى أن قال: «لكنَّهم يُدرِجُونَ في هذا اللفظ: نفيَ علوِّه على عرشِهِ، ومباينتِهِ لخلقِهِ، وامتيازِهِ عنهم»، إلى أن قال: «فقد تبيَّن أنَّ ما يسمُّونه توحيدًا، فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعُهُ حقًّا؛ فإنَّ المشرِكين إذا أقرُّوا بذلك كلِّه، لم يخرُجُوا مِنْ الشرك الذي وصَفَهم به في القرآن، وقاتَلَهم عليه الرسولُ ﷺ؛ بل لا بُدَّ أن يَعترِفوا أنه لا إله إلا الله». «التدمريَّة» (ص ١٧٩). وينظر: شرح شيخنا على الموضع السابق في «شرح التدمرية» (ص ٥٠٦).
[ ٦٩ ]
وقولُ ابنِ جُزَيٍّ: (واعلَمْ: أنَّ توحيدَ الخَلْقِ للهِ تعالى على ثلاثِ دَرَجاتٍ …)، إلخ:
هذا التقسيمُ للناسِ في التوحيدِ يُشبِهُ ما ذكَرَهُ مِنْ تقسيمِهِ للناسِ في مقصودِهم مِنْ الذِّكْر، وقد تقدَّم التنبيهُ إلى ما فيه، وكذلك نقولُ هنا: إنَّ ما ذكَرَهُ مِنْ تفاضُلِ الناسِ في التوحيدِ صحيحٌ، ولكنَّه سلَكَ في التعبيرِ عن ذلك طريقَ الصوفيَّة؛ إذْ جعَلَهُ ثلاثَ دَرَجاتٍ: توحيدَ العامَّة، وتوحيدَ الخاصَّة، وتوحيدَ خاصَّةِ الخاصَّة.
وفسَّر كلَّ درجةٍ مِنْ هذه الدرجات؛ كما هي عند الصوفيَّة، ولا إشكالَ فيما فسَّر به توحيدَ العامَّةِ، إلا مِنْ حيثُ تخصيصُهُ بالعامَّة.
ولكنْ يُؤخَذُ على المؤلِّف ما فسَّر به الدرجةَ الثانيةَ والثالثةَ مُقِرًّا لهما، وقد تضمَّن كلامُهُ ﵀ إشكالَيْن:
١ - قولُهُ: (فيَطَّرِحُ الأسباب):
هذا قولٌ مجمَلٌ يَحتمِلُ أمورًا؛ فإنَّ اطِّراحَ الأسبابِ:
أ -إنْ كان لاعتقادِ عدَمِ تأثيرِها، فهذا جَحْدٌ لما تضافَرَتِ الأدلَّةُ العقليَّةُ والشرعيَّةُ على إثباتِه؛ وهو تأثيرُ الأسبابِ في مسبَّباتها (^١)؛ وهذا مذهبُ الجهميَّةِ (^٢)
_________________
(١) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٢١) و(٨/ ١٣٤) و(٨/ ١٣٧) و(٨/ ٤٨٤) و(٨/ ٣٨٩)، و«شرح الأصبهانية» (ص ١٧٢)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ٥٦٢).
(٢) الجهمية: هي طائفةٌ من المتكلمين، تُنسب إلى الجهم بن صفوان، نفت عن الله تعالى الأسماء والصفات وضلت في أبواب أخرى: كالقول بالجبر في القدر، والقول بفناء=
[ ٧٠ ]
ومَن وافَقَهم؛ كالأشاعِرة (^١).
ب - وإنْ كان لاعتقادِ عدَمِ شرعيَّةِ العمَلِ بها، فهذا مخالِفٌ لمُوجَبِ الشرع؛ كقولِهِ ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» (^٢)، وقولِهِ للرجلِ: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» (^٣)، وقولِهِ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وشواهدُ ذلك كثيرة.
_________________
(١) =الجنة والنار، والزعم بأن الإيمان هو المعرفة فقط. واشتهر إطلاق هذا الاسم على كل من عطّل صفات الرب سبحانه. ينظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٥٤)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٣/ ٦٨٤) و(٥/ ٣٦٥)، و«تاريخ الجهمية والمعتزلة» (ص ٩).
(٢) الأشاعرة: فرقة كلامية تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، في طوره الثاني قبل رجوعه لمذهب السلف الذي يمثل آخر أطواره، والتي ألف فيها مصنفاته: «الإبانة» و«رسالة إلى أهل الثغر» و«مقالات الإسلاميين». أما الأشعرية فقد تطور مذهبهم؛ من نفي لأفعال الله الاختيارية، إلى نفي الاستواء؛ فالعلو، فبعض الصفات الذاتية، ثم كلها، إلى أن صاروا في النهاية لا يثبتون إلا سبع صفات. قال شيخ الإسلام: «وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة؛ لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة». «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٥٩). ينظر: التعريف بمذهبهم في: «مجموع الفتاوى» (٣/ ١٠٣) (٤/ ١٥٦) (٥/ ٩٠ - ٩٩)، و«شرح الأصبهانية» (ص ٢٥ - ٣٤)، و«شرح حديث النزول» (١٥٧ - ١٥٩، ١٨٧، ١٠٥، ١٥٥)، و«النبوات» (١/ ٢٦٦ - ٢٧١)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٢/ ٥٠٥).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٦٤)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من طريق يحيى القطان، عن المغيرة بن أبي قرة السدوسي، عن أنس، به. قال يحيى القطان: «هذا عندي حديث منكر». وقال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه». وقال ابن رجب في شرح العلل (٢/ ٦٥٣): «تفرد به المغيرة عن أنس؛ ولهذا غرَّبه الترمذي».=
[ ٧١ ]
ج - وإنْ كان اطِّراحُ الأسبابِ بتركِ الاعتمادِ عليها، فهذا حقٌّ، وهو مِنْ تحقيقِ التوكُّلِ على الله.
٢ - قولُهُ في الدرجةِ الثالثة: (أَلَّا يرى في الوجودِ إلَّا اللهَ وحدَه …)، إلخ:
لفظُهُ هذا يَحتمِلُ أن يَعتقِدَ أَنْ لَا موجودَ إلا الله؛ وهذا هو القولُ بوَحْدةِ الوجود؛ وهو قولُ ملاحِدةِ الصوفيَّةِ الاتحاديَّة (^١)، والمؤلِّفُ لا يريدُ هذا المعنى قطعًا؛ لأنه فسَّره بقولِه: «حتى كأنَّها عنده معدومةٌ؛ وهذا هو الفناءُ عند الصوفيَّة، وهو الغَيْبةُ عن الخَلْق؛ حتى إنَّه يَفنَى عن نفسِهِ، وعن توحيدِه».
_________________
(١) =والمغيرة هذا، لم يوثقه غير ابن حبان على قاعدته في توثيق المجاهيل، وقال ابن القطان الفاسي في: «الوهم والإيهام» (٣/ ١١٨): «مجهول»، وقال في موضع آخر (٣/ ٢٦٧): «لا يعرف له حال». وقال الحافظ في «التقريب» (٦٨٤٩): «مستور». وللحديث شاهد من حديث عمرو بن أمية: أخرجه ابن حبان (٧٣١)، والحاكم (٦٦١٦) من طريق يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري، عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه، به. قال الذهبي في «تلخيص المستدرك»: «جيد»! مع أن يعقوب هذا لم يوثقه غير ابن حبان! وقال الحافظ في «التقريب» (٧٨٢٧): «مقبول»؛ أي حيث يتابع وإلا فلين. وأورده الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٣٠٣) وقال: «رواه الطبراني من طرق، ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري، وهو ثقة»! وأورده في موضع آخر (١٠/ ٢٩١) وقال: «رواه الطبراني بإسنادين، وفي أحدهما عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات».
(٢) ينظر: «بيان حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود -مجموع الفتاوى-» (٢/ ١٣٤ - ٢٨٥)، و(١١/ ٢٣٢ - ٢٥١).
[ ٧٢ ]
وقد جعَلَ المؤلِّف هذه الدرجةَ بهذا التفسير أعلى درجاتِ التوحيد، وهي الفناءُ عن شهودِ ما سوى الله؛ أي: عدَمِ الشعورِ بما سوى الله مِنْ المخلوقات، وقد غَلِطَ في هذا - عفا الله عنه - فإنَّ الفناءَ والغَيْبةَ نقصٌ، ليس بكمالٍ، فضلًا عن أن يكونَ مِنْ الدِّين، فضلًا عن أن يكونَ أعلى مقاماتِ الدِّين.
قال شيخُ الإسلام في «العقيدة التدمريَّة» (^١): «الفناءُ الثاني: وهو الذي يذكُرُهُ بعضُ الصوفيَّة، وهو أنْ يَفنَى عن شهودِ ما سوى اللهِ تعالى … بحيثُ قد يَغِيبُ عن شعوره بنَفْسِهِ وبما سِوَى اللهِ تعالى؛ فهذا حالٌ ناقصٌ … ومَن جعَلَ هذا نهايةَ السالِكِين، فهو ضالٌّ ضلالًا مُبِينًا، وكذلك مَنْ جعَلَهُ مِنْ لوازمِ طريقِ الله، فهو مُخطِئ، بل هو مِنْ عوارضِ طريقِ اللهِ التي تَعرِضُ لبعضِ الناسِ دون بعض» (^٢).
* * * *
_________________
(١) «العقيدة التدمرية» (ص ٢٢١)، وينظر شرح شيخنا على هذا الموضع في «شرح التدمرية» (ص ٥٩٠).
(٢) وينظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٢١٨ - ٢٢٤، و٣٣٧ - ٣٤٣).
[ ٧٣ ]
التعليق (٢٨): مناقشة ابن جزي في درجات «المحبة» وعلاقتها بمقام «الخوف والرجاء والتوكل»
(٢٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في كلامِهِ عن مقام المحبَّة:
(اعلَمْ: أنَّ محبَّةَ العبدِ لربِّهِ على درجتَيْن:
إحداهما: المحبَّةُ العامَّةُ التي لا يخلو عنها كلُّ مؤمِن؛ وهي واجبة.
والأخرى: المحبَّةُ الخاصَّةُ التي يَنفرِدُ بها العلماءُ الربانيُّون، والأولياء والأصفياء.
وهي أعلى المَقامَات، وغايةُ المطلوبات؛ فإنَّ سائر مقامات الصالحين - كالخوفِ، والرجاءِ، والتوكُّل، وغيرِ ذلك - هي مبنيَّةٌ على حظوظِ النَّفْس؛ أَلَا ترى أنَّ الخائِفَ إنما يخاف على نَفْسِه، وأنَّ الراجي إنما يرجو منفعةَ نَفْسِه؟! بخلافِ المحبَّةِ؛ فإنها مِنْ أجلِ المحبوب؛ فليست مِنْ المعاوَضات) (^١).
قولُه: (اعلَمْ: أنَّ محبَّةَ العبدِ لربِّهِ على درجتَيْن …)، إلخ:
تضمَّن كلامُهُ تعظيمَ مقامِ المحبَّة، وأنَّ العبادَ فيها متفاضِلون، وهذا صحيح (^٢)، ولكنه - عفا الله عنه - هوَّن مِنْ مقاماتِ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّل، وقال: إنَّ غايتَها حظُّ النفس، بينما غايةُ المحبَّةِ المحبوبُ.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٢٠)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٢٩).
[ ٧٤ ]
وهذا لا يُسلَّمُ له في الجانبَيْن؛ فمقاماتُ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ غايتُها إجلالُ اللهِ وتعظيمُه، والخضوعُ له والإقرارُ بربوبيَّتِهِ وكمالِ غناه؛ كيف وقد أثنى اللهُ على ملائكتِهِ بمقامِ الخوفِ؛ فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال سبحانه: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون (٢٨)﴾ [الأنبياء]، وأثنى اللهُ على أنبيائِهِ وأوليائِهِ بمقامِ الخوفِ والرجاءِ والتوكُّلِ؛ فقال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين (٩٠)﴾ [الأنبياء]، وقال عن رسلِهِ ﵈: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (١٢)﴾ [إبراهيم].
وأمَّا مقامُ المحبَّةِ - مع علوِّ قدرِهِ - فلا يُستغنَى به عن مقامِ الخوفِ والرجاءِ، كما تزعُمُ الصوفيَّة (^١)، ومع ذلك: فللنفسِ حظٌّ في مقامِ
_________________
(١) قال ابن القيم ﵀: «والمحبة ما لم تقرن بالخوف فإنها لا تنفع صاحبها بل قد تضره؛ لأنها توجب الإدلال والانبساط، وربما آلت بكثير من الجهال المغرورين إلى أنهم استغنوا بها عن الواجبات، وقالوا: المقصود من العبادات إنما هو عبادة القلب، وإقباله على الله، ومحبته له، وتألهه له، فإذا حصل المقصود فالاشتغال بالوسيلة باطل! ولقد حدثني رجل أنه أنكر على رجل من هؤلاء خلوة له ترك فيها حضور الجمعة؛ فقال له الشيخ: أليس الفقهاء يقولون: إذا خاف على شيء من ماله فإن الجمعة تسقط عنه؟ فقال له: بلى، فقال له: فقلب المريد أعز عليه من ضياع عشرة دراهم! أو كما قال، وهو إذا خرج ضاع قلبه، فحفظه لقلبه عذرٌ مسقطٌ للجمعة في حقه. فتأمل هذا الغرور العظيم كيف آل بهؤلاء إلى الانسلاخ عن الإسلام جملة! ولهذا قال بعض السلف: «من عبد الله تعالى بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن». وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاثة بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فابتغاء الوسيلة هو محبته الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف؛ فهذه طريقة عباده وأوليائه». «بدائع الفوائد» (٣/ ٨٥٠ - ٨٥١).
[ ٧٥ ]
الحُبِّ، وهو ما تَجِدُهُ مِنْ اللذَّةِ في مشاهَدةِ جمالِ المحبوبِ وكمالِه؛ فلا بُدَّ مِنْ التعبُّدِ للهِ بكلِّ هذه المقامات؛ حبًّا ورجاءً وخوفًا وتوكُّلًا.
قال بعضُ السلف: «مَنْ عبَدَ اللهَ تعالى بالحبِّ وحدَه، فهو زِنْدِيق، ومَن عبَدَهُ بالخوفِ وحدَه، فهو حَرُورِيٌّ، ومَن عبَدَهُ بالرجاء وحدَهُ، فهو مُرجِئٌ، ومَن عبَدَهُ بالحُبِّ والخوفِ والرجاءِ، فهو مُؤمِنٌ موحِّد» (^١).
* * * * *
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٨١، ٢٠٧)، (١١/ ٣٩٠ - ٣٩١)، (١٥/ ٢١)، و«بدائع الفوائد» (٣/ ٨٥١).
[ ٧٦ ]
التعليق (٢٩): مناقشة ابن جزي في نفي الكلام في قوله الله: ﴿ولا يكلمهم الله﴾
(٢٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]:
(عبارةٌ عن غضَبِهِ عليهم، وقيل: لا يكلِّمُهم بما يُحِبُّونه) (^١).
قولُهُ: (عبارةٌ عن غضَبِهِ عليهم …)، إلخ:
فسَّر نفيَ الكلامِ بأحد وجهَيْن:
- بالغضَبِ اللازمِ مِنْ تركِ الكلامِ؛ وهو مِنْ التفسيرِ باللازم.
- أو بتركِ كلامٍ مخصوصٍ، وهو ما يُحِبُّونَهُ ويَسُرُّهم.
والثاني هو المناسِبُ؛ لظاهِرِ اللفظ، والله أعلم (^٢).
* * * * *
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٣٩٦).
(٢) وهو اختيار ابن جرير. ينظر: «تفسيره» (٣/ ٦٧).
[ ٧٧ ]
التعليق (٣٠): مناقشة ابن جزي في نسبة الاعتذار إلى الله
(٣٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿كَمَا كُتِبَ﴾ القصد بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وبقوله: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] تسهيلُ الصيام على المسلمين، وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم، ومُلاطفةٌ جميلة) (^١).
قول ابن جزيٍّ: (وكأنه اعتذارٌ عن كتْبِه عليهم)، فيه نسبة الاعتذار إلى الله، ومعنى كلامه أن الله أخبر المؤمنين أنه كتب الصيام على من قبلهم اعتذارا منه إلى المؤمنين عن كتب الصيام عليهم، وفي نسبة الاعتذار إلى الله نظر؛ فإنه لم يرد نسبة الاعتذار إلى الله في شيء من نصوص الكتاب والسنة، وإنما الذي ورد الإعذار، أي: إزالة العذر، وذلك بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال ﷺ: «لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين» (^٢) وبإمهال العبد في عمره إلى أمد يمكنه فيه التدارك، كما في الحديث: «أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله، حتى بلغه ستين سنة» (^٣)، فلا حجة للعباد على الله، وقد أقام الحجة عليهم بإرسال
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه البخاري (٧٤١٦) عن سعد بن عبادة ﵁، ولمسلم (١٤٩٩)، (٢٧٦٠) نحوه عن المغيرة بن شعبة، وابن مسعود ﵄.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤١٩) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٧٨ ]
الرسل وبالإمهال، قال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]، فلا عذر لمن كفر بالله وعصى رسله بعد إعذار الله إليهم.
والاعتذار إنما يكون من الأدنى إلى الأعلى، فالواجب على العباد أن يعتذروا إلى ربهم بالاعتراف والتوبة من ذنوبهم، لا أن يعتذر الله إليهم بما فعله بهم؛ إذْ لم يفعل بهم إلا ما له فعله؛ لأنهم عبيده، كما قال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨]، وهو سبحانه بصير بهم، كما قال: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِير (٢٧)﴾ [الشورى]، وليس لأحد أن يقول: لمَ فعلتَ كذا يا ربَّنا، ولم شرعتَ كذا، على وجه الاعتراض، قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُون (٢٣)﴾ [الأنبياء].
* * * *
[ ٧٩ ]
التعليق (٣١): مناقشة ابن جزي في تقييد استجابة الدعاء بموافقة القدر؛ وبيان ما فيه من إجمال
(٣١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]:
(مقيَّدٌ بمشيئةِ الله، وموافَقةِ القَدَر؛ وهذا جوابُ مَنْ قال: كيف لا يُستجابُ الدعاءُ، مع وعدِ اللهِ بالاستجابة؟!) (^١).
قولُه: (مقيَّدٌ بمشيئةِ الله …)، إلخ:
تضمَّنَ كلامُهُ هذا: أنَّ وعدَ اللهِ باستجابةِ دعاءِ الداعي:
مشروطٌ بأمرين:
- أوَّلًا: بمشيئةِ الله؛ وهذا حقٌّ؛ فإنَّ فِعلَهُ تعالى إنما يكونُ بمشيئةٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (١٨)﴾ [الحج]، وأدلَّةُ ذلك كثيرةٌ في القرآن.
- ثانيًا: بموافَقةِ القَدَر؛ أي: أن يكونَ المطلوبُ قد سبَقَ القَدَرُ بكَوْنِه، وفي هذا إجمالٌ:
فإنْ أراد: أنه مقدَّرٌ بدون هذا الدعاء، فهذا يَؤُولُ إلى أن يكونَ الدعاءُ لا أثَرَ له في حصولِ المطلوب؛ وهذا هو الظاهِرُ مِنْ مرادِه؛ فإنَّ هذا يَجرِي على مذهبِ نفاةِ تأثيرِ الأسباب، والدعاءُ مِنْ الأسباب، وهو مذهبُ الأشاعِرة (^٢)، والظاهِرُ: أنَّ المؤلِّفَ ممَّن يذهَبُ هذا المذهَب.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٠٦).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٧٦).
[ ٨٠ ]
وإنْ أراد: أنه مقدَّرُ الحصولِ بذلك الدعاءِ، فهو حقٌّ؛ لكن يصيرُ التقييدُ بذلك كالتقييدِ بالمشيئة؛ فإنه لا يكون إلا ما سبَقَ به القَدَر، كما لا يكونُ إلا ما شاءَهُ اللهُ تعالى؛ فتخلُّفُ المطلوبِ يَرجِعُ إلى أنَّ اللهَ لم يقدِّرْ حصولَهُ في سابقِ علمِهِ وكتابِه، وما كان كذلك، فإنه لا يشاؤُهُ سبحانه.
فالمشيئةُ والقَدَرُ متلازِمان؛ فما شاءَهُ سبحانه، فقد سبَقَ به علمُهُ وكتابُه، وما عَلِمَهُ وكتَبَهُ فإنه تعالى يشاؤُه؛ فلا يكونُ إلا ما يشاء، ولا يكونُ إلا ما سبَقَ به علمُهُ وكتابُه، والله أعلم.
* * * * *
[ ٨١ ]
التعليق (٣٢): مناقشة ابن جزي في صفة «الإتيان» لله، وبيان ما في كلامه من خلل واضطراب
(٣٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]:
(﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠]:
تأويلُهُ عند المتأوِّلين: يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ في الآخِرة، أو أمرُهُ في الدنيا.
وهي عند السلفِ الصالحِ ومَن تَبِعَهم: مِنْ المتشابِه؛ فيجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييف.
ويَحتمِلُ ألَّا تكونَ مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ قولَه: ﴿يَنْظُرُونَ﴾، بمعنى: يَطْلُبُونَ ذلك بجَهْلِهم؛ كقولِهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللّهُ﴾ [البقرة: ١١٨].
﴿فِي ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠]: جمعُ ظُلَّة؛ وهي: ما عَلَاكَ مِنْ فوق؛ فإنْ كان ذلك لأمرِ الله، فلا إشكال، وإنْ كان لله، فهو مِنْ المتشابِه) (^١).
قولُه: (﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾، تأويلُهُ عند المتأوِّلين: يَأْتِيَهم عذابُ اللهِ في الآخِرة، أو أمرُهُ في الدنيا …)، إلخ:
ذكَرَ في معنى قولِهِ تعالى: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾ قولَيْن:
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٢٧).
[ ٨٢ ]
الأوَّل: تفسيرُ أهل التأويل؛ بما ذكَرَهُ مِنْ عذابِ اللهِ في الآخِرة، أو أمرِهِ في الدنيا؛ وهذه طريقةُ أهلِ التأويلِ مِنْ نفاةِ الصفات (^١).
الثاني: تفسيرُ أهل التفويض: أنَّ الآيةَ مِنْ المتشابِه، والمتشابِهُ عند المؤلِّفِ وأمثالِهِ: ما لا يَعْلَمُ معناه إلا اللهُ، وزَعْمَ ابنُ جُزَيٍّ أنَّ هذا هو مذهبُ السلفِ ومَن تَبِعَهم، ونسبةُ هذا إلى السلفِ باطلةٌ؛ فهذه الآيةُ وأمثالُها مِنْ نصوصِ الصفاتِ عند السلفِ مفهومةُ المعنى، وهم يُثبِتون ما دلَّت عليه مِنْ الصفاتِ والأفعال (^٢).
ولكنَّ قولَ المؤلِّف: (فيجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييفٍ)، كلامٌ حقٌّ يُشبِهُ ما جاء عن السلفِ في نصوصِ الصفات: «أَمِرُّوها كما جاءَتْ مِنْ غيرِ كَيْفٍ» (^٣)، لكنْ يكون في كلامِ المؤلِّفِ نوعُ تناقُض:
_________________
(١) ينظر: «أساس التقديس» للرازي (ص ١٣٥)، و«إيضاح الدليل» لابن جماعة (ص ١٤٧)، وينظر: الرد على تحريفهم لدلالة الآية في: «نقض الدارمي» (١/ ٣٣٨)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٧/ ٧٨)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ٣٦٩)، و«مختصر الصواعق» (١/ ٢٩) و(٣/ ٨٥٦) و(٣/ ١١١٧).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٨/ ٢١٥)، و«القاعدة المراكشية» (ص ٢٩)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ١٨٠)، والحموية (ص ١٨٨)، و«علاقة الإثبات والتفويض» لرضا نعسان، و«مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات» لأحمد بن عبد الرحمن القاضي، و«مقالة التفويض» لمحمد آل خضير.
(٣) أخرج هذه الآثار عن السلف: الخلال في «السنة» (١/ ٢٥٩، رقم ٣١٣) بإسناده عن الوليد بن مسلم، قال: سألت سفيان، والأوزاعي، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث؟ فقالوا: «نُمِرُّها كما جاءت». وقال في موضع آخر (١/ ٢٤٦، رقم ٢٨٣): حدثنا أبو بكر المروذي، ﵀ قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تردها الجهمية في الصفات، والرؤية، والإسراء، وقصة العرش، فصححها أبو عبد الله، وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، نسلم الأخبار كما جاءت». وينظر: «الحموية» (ص ٢٩٦)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ١٨٦).
[ ٨٣ ]
فجَعْلُها مِنْ المتشابِهِ يقتضي عدَمَ الفهمِ لمعناها.
وقولُهُ: (يجبُ الإيمانُ بها مِنْ غيرِ تكييف) يقتضي فهمَها وإثباتَ معناها (^١).
ففي تقريرِه لما زعَمَ أنه مذهَبُ السلفِ اضطرابٌ.
وفي كلامِهِ ﵀ عن الآيةِ اضطرابٌ آخَر؛ فبينما يتعلَّقُ الكلامُ في: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾، يَنتقِلُ إلى أن يكونَ متعلِّقًا بقوله: ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ وذلك في قولِه: (ويَحتمِلُ ألَّا تكونَ مِنْ المتشابِه)، ثم يفسِّر: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ب: «يَطْلُبون».
والمعروفُ في اللغة والتفسيرِ: أنَّ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ المتعدِّيَ، معناه: يَنتظِرون (^٢)؛ كقولِه: ﴿يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، وفي هذا تهديدٌ للمكذِّبين.
والصوابُ: أنَّ الآية تَدُلُّ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامةِ كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢].
وقولُ المؤلِّف: (فإنْ كان ذلك لأمرِ اللهِ، فلا إشكال، وإنْ كان لله، فهو مِنْ المتشابِه)؛ يريدُ به:
_________________
(١) «لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ﷾ ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف». «الحموية» (ص ٣٠٦).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١٠/ ٢٤٠).
[ ٨٤ ]
- إنْ كان معنى ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾: يَأْتِيَهُمْ أمرُ الله، فلا إشكالَ في إتيانِ أمرِ اللهِ في الظُّلَلِ.
- وإنْ كان معنى ﴿يَأْتِيَهُمُ اللّهُ﴾: يَأْتِيَهُمُ اللهُ نفسُهُ، فهو مِنْ المتشابِه؛ لأنَّ اللهَ نفسَهُ لا يأتي في الظُّلَلِ مِنْ الغمامِ؛ لأن الظُّلَلَ مخلوقةٌ؛ واللهُ - سبحانه - لا يحيطُ به المخلوق.
لعل هذا مرادَهُ ﵀؛ والصوابُ: أنَّ الآية تَدُلُّ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامةِ كيف شاء؛ كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ويكونُ معنى قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ أي: مع ظُلَلٍ؛ ف «في» - على هذا - بمعنى: «مَعَ»، لا بمعنى «في» التي للظرفيَّة؛ كما يقتضيه كلام المؤلِّف (^١)؛ وهذا مِنْ أحسَنِ ما عُبِّر به عن معنى «في» في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾؛ وبذلك يَتَّجِهُ معنى الآية، ويزولُ ما يُتوهَّمُ فيها مِنْ إشكالٍ أو تشابُه.
* * * *
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (٣/ ٦٠٨).
[ ٨٥ ]
التعليق (٣٣): تفسير القول في قوله تعالى ﴿فقال لهم الله موتوا﴾
(٣٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] عبارةٌ عن إماتتهم.
وقيل: إن ملَكين صاحا بهم: «موتوا!»، فماتوا) (^١).
قوله: (عبارة عن إماتتهم) يريد أن القول عبارةٌ عن إماتتهم أو صيحة الملكين، وظاهره نفي حقيقة القول من الله، وتأويله بأحد الأمرين، فجعل القول المضاف إلى الله مجازًا، عبِّر به عن فعل الإماتة، أو عن قول الملكين، وكلٌّ من التأويلين لا دليل عليه، وهما صرف للكلام عن ظاهره بغير حجة، فتكون حقيقتهما تحريفًا للكلم عن مواضعه، والحق أن القول من الله حقيقة، وأنه تعالى تكلَّم بهذا الأمر الكوني: «موتوا»، ثم أحياهم، ولا أدري ما الذي ألجأ المؤلف إلى هذا التأويل؟ ولعله المذهب المشهور عند الأشاعرة في كلام الله أنه معنى نفسيٌّ (^٢)، وما كان كذلك لا يكون قولًا، وإن كان الأمر كذلك لزم أن يُتَأول كل قول جاء في القرآن، ولا يخفى أنه لا يحصى، فكم في القرآن من إضافة القول إلى الله، ماضيًا ومضارعًا وأمرًا وخبرًا، وهذا أمر عظيم، أعني نفي حقيقة القول عن الله، وصرف هذه الآيات عن ظاهرها، وقد تبيَّن
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٦٧).
(٢) سيأتي في التعليق (٦٨).
[ ٨٦ ]
أن هذا منهج ابن جزي عفا الله عنه في كل قول من الله تضمَّن أمرًا كونيًا، فانظر كلامه على قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ في سورة «البقرة»، وعلى قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ في سورة «براءة» (^١)، فقد جعل القول في سورة «البقرة» عبارة عن المسخ، وفي سورة «براءة» جعله عبارة عن القضاء عليهم بالقعود.
فسبحان الله العظيم عمَّا يقول الجاهلون والغالطون علوًّا كبيرًا.
* * * *
_________________
(١) ينظر على التوالي: (١/ ٣٢٣)، و(٢/ ٤٩٧).
[ ٨٧ ]
التعليق (٣٤): مناقشة ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبسط﴾ وتصويب ما ذكره عن دلالة القبض والبسط
(٣٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]:
(﴿وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾: إخبارٌ يرادُ به: الترغيبُ في الإنفاقِ) (^١).
ليس في العبارةِ إشكال، ووجهُ ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ: أنَّ الإنفاقَ سبَبٌ لبسطِ الرزقِ، والإقتارَ سبَبٌ لتضييقِه.
* * * *
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٦٧).
[ ٨٨ ]
التعليق (٣٥): مناقشة ابن جزي في اقتصاره على ذكر أحد وجهي تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ وإغفال الآخر، وهو الأرجح
(٣٥)
قال ابن جُزَيٍّ ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]:
(﴿مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]: مِنْ معلوماتِه؛ أي: لا يَعْلم عبادُه مِنْ معلوماته إلَّا ما شاء هو أنْ يَعلموه) (^١).
قوله: (﴿مِّنْ عِلْمِهِ﴾ مِنْ معلوماتِه ..) إلخ: اقتصر المؤلفُ ﵀ على أحد القولين (^٢)، وهو أنّ المراد ب ﴿عِلْمِهِ﴾: معلوماتُه سبحانه، وجَعَلَ المنفيَّ عن العباد هو علمهم بمعلومات الربّ، والمنفيُّ في الآية هو الإحاطة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾، والإحاطة أخصُّ من مطلق العلم، ولكن كلٌّ منهما منتفٍ عن العباد، فلا يَعْلم العبادُ إلا ما علَّمَهُم اللهُ، ولا يحيطون بشيءٍ علمًا إلا بما شاء سبحانه.
وفي الآية قولٌ آخَر: وهو أن المراد ب «العِلمِ» هو المتعلِّقُ بذاتِه - سبحانه - وأسمائِه وصفاتِه، فعلى هذا يكون المرادُ من العِلمِ: العلمَ الإلهي، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأمرين:
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٧٦).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٥٣٦)، وابن كثير (١/ ٦٧٩).
[ ٨٩ ]
١ - لأن قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾، ورد في أثناء آية الكرسي، التي هي أعظم آية في كتاب الله؛ لأنها اشتملت على جماع أسماء الله وصفاته.
٢ - أن لهذا القول شاهدًا من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه].
* * * * *
[ ٩٠ ]
التعليق (٣٦): مناقشة ابن جزي في قوله: (السيئات لا تبطل الحسنات)
(٣٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم﴾ [البقرة: ٢٦٤] عقيدة أهل السنة: أن السيئات لا تُبطِل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنَّ الصدقة التي يَعلم الله مِنْ صاحبها أنه يمُنُّ أو يؤذي لا تقبل منه) (^١).
قوله: (السيئات لا تُبطِل الحسنات) فيه نظر؛ فنقول: دل القرآن على أن من السيئات ما يُحبط الحسنات، أي: يبطلها، فلا تقبل ولا يثاب عليها، وأعظم ذلك الردة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال ﷾ في مخاطبة المؤمنين للنبي ﷺ: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُون (٢)﴾ [الحجرات]، وتأويل المؤلف قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ بأن من علم الله أنه يمُن بصدقته أو يؤذي فإنه لا يقبل صدقته من أول الأمر= لا يخلِّص مما فرَّ منه، بل يتضمَّن معاني فاسدة؛ منها: تقدم الأثر على المؤثِّر، والمسبَّب على السبب، ومنها: أن الله لا يقبل عمل العبد قبل أن يكون منه السبب المانع من قبول عمله.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٤٨٤).
[ ٩١ ]
وعليه: فمن علم الله أنه يرتدُّ فإن الله لا يقبل عمله قبل أن تقع منه الردة. ومن علم الله أنه يمُن أو يؤذي في صدقته فإن الله لا يقبل صدقته من أول الأمر قبل أن يمُن أو يؤذي، وهذا خلاف ما فهمه السلف، وهو أن الله يقبل صدقة العبد المتصدق، فيستحق عليها الثواب، فإذا منَّ وآذى بطل عمله، وفات ثوابه، وقد ضُرب لذلك المثل الثالث في الآيات في قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾، وبهذا يتبيَّن خطأ المؤلف في تأويله.
ويظهر لي أن ما ذكره من التأويل مبنيٌّ على القول بأن أفعاله تعالى قديمة، فمن علم الله أنه يؤمن ويموت على الإيمان لم يزل الله راضيًا عنه حتى في حال كفره، ومن علم أنه يكفر ويموت على الكفر لم يزل الله ساخطًا عليه حتى في حال إيمانه، كما هو مذهب الكلابية (^١) والأشاعرة، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، وهو أن أفعاله تعالى تابعة لمشيئته، والرضا والغضب من أفعاله، فيرضى إذا شاء، ويغضب إذا شاء، ولرضاه وغضبه أسباب، هي بمشيئته تعالى، فمن قام به سبب الرضا ﵁، ومن قام به سبب الغضب غضب الله عليه، ومعنى هذا أنه تعالى قد يرضى عن العبد ثم يسخط، وقد
_________________
(١) سيأتي التعريف بهم في التعليق (٩٢).
[ ٩٢ ]
يسخط عن العبد ثم يرضى، بحسب ما يقوم به من أسباب ذلك، وأدلة هذا الأصل مبيَّنة في كتب العقائد (^١).
_________________
(١) ينظر: هامش التعليق رقم (١١).
[ ٩٣ ]