(١٠٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] يريدُ ب «الِاسْمِ»: أنْ يسمَّى الإنسانُ فاسقًا، بعد أن سُمِّيَ مؤمِنًا؛ وفي ذلك ثلاثةُ أوجه:
أحدُها: استقباحُ الجمعِ بين الفسوقِ وبين الإيمانِ؛ فمعنى ذلك: أنَّ مَنْ فعَلَ شيئًا مِنْ هذه الأشياءِ التي نُهِيَ عنها، فهو فاسقٌ، وإنْ كان مؤمِنًا.
والآخَر: بئسَ ما يقولُهُ الرَّجُلُ للآخَرِ: «يا فاسقُ» بعد إيمانِه؛ كقولِهم لمن أسلَمَ مِنْ اليهود: «يا يهوديُّ».
الثالثُ: أن يُجعَلَ مَنْ فسَقَ غيرَ مؤمِنٍ؛ وهذا على مذهبِ المعتزِلة) (^١).
قولُ المؤلِّفِ: (الثالثُ: أن يُجعَلَ مَنْ فسَقَ غيرَ مؤمِنٍ …)، إلخ:
الفرقُ بين الوجهِ الثاني والثالثِ: أنَّ المراد بالوجهِ الثاني: مَنْ أطلَقَ على أخيهِ: «فَاسِق»؛ على وجهِ السَّبِّ مغايَظةً له لخصومةٍ بينهما.
_________________
(١) «التسهيل» (٤/ ١٧٨).
[ ٢٣٣ ]
فأمَّا الثالثُ، فمعناه: الحكمُ على المسلِمِ العاصي: بأنه فاسِقٌ، وليس بمؤمِنٍ، فيُخرِجُهُ عن الإيمان، ويَجعَلُهُ في منزِلةٍ بين الإيمانِ والكفر؛ وهذا - كما قال المؤلِّفُ - على مذهَبِ المعتزِلة؛ فإنهم يَجعَلُونَ مرتكِبَ الكبيرةِ في منزِلةٍ بين المنزِلَتَيْنِ، لا هو مؤمِنٌ، ولا هو كافرٌ (^١):
فخالَفُوا أهلَ السُّنَّةِ الذين يقولونَ: «إنَّ مرتكِبَ الكبيرةِ معه أصلُ الإيمان؛ فهو مؤمِنٌ ناقصُ الإيمان» (^٢).
وخالَفُوا الخوارجَ الذين يقولونَ: «مرتكِبُ الكبيرةِ كافِرٌ» (^٣).
ثم يتفِقُ الخوارجُ والمعتزِلةُ على حُكْمِهِ في الآخِرة، وهو الخلودُ في النار (^٤).
_________________
(١) ينظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢١٣)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٥٧، و٣٣١، و٤٨٤).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٤١ - ٢٤٢، و٣٥٣ - ٣٦٠، ٥٢٤ - ٥٢٥، ٦٧٩).
(٣) ينظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٨٤)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٥٠١).
(٤) ينظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٠٩)، و«مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٢٢) و(١٢/ ٤٨٠).
[ ٢٣٤ ]