(٩٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]؛ تأوَّل الأشعريَّةُ هذه الآيةَ على وجهَيْنِ:
أحدُهما: أن الرِّضَا بمعنى الإرادةِ، ويعني ب «عِبَادِهِ»: مَنْ قضَى اللهُ له بالإيمانِ والوفاةِ عليه؛ فهو كقولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
والآخَرُ: أنَّ الرضا غيرُ الإرادة، والعبادُ على هذا للعمومِ؛ أي: لا يَرضَى الكفرَ لأحدٍ مِنْ البشَر، وإنْ كان قد أراد أن يقَعَ مِنْ بعضِهم؛ فهو لم يَرْضَهُ دِينًا ولا شَرْعًا، وأرادَهُ وقوعًا ووجودًا.
وأمَّا المعتزِلةُ: فالرِّضا عندهم بمعنى الإرادة، والعبادُ على العموم؛ جَرْيًا على قاعدتِهم في القَدَرِ وأفعالِ العباد) (^١).
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٧٤٠ - ٧٤١).
[ ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذكَرَ المؤلِّفُ الوجهَيْنِ عن الأشاعرة، ولم يرجِّح، والصوابُ هو القولُ الثاني، وهو أنَّ الرضا غيرُ الإرادةِ، وأنه لا تلازُمَ بين الرضا والإرادةِ الكونيَّة؛ وعلى هذا: فاللهُ لا يرضى الكفرَ لأحدٍ مِنْ عباده، وإنْ كان قد يشاؤُهُ مِنْ بعضهم؛ فالكافِرُ قد شاء اللهُ منه الكفرَ، وإنْ كان لا يرضاهُ منه؛ وهذا يوافِقُ قولَ أهلِ السُّنَّة (^١).
_________________
(١) ينظر: جزء القدر من «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٥٩، و١٨٨، و١٩٠، و٤٧٦)، و«الرسالة الأكملية -مجموع الفتاوى-» (٦/ ١١٥ - ١١٦)، و«جواب أهل العلم والإيمان -مجموع الفتاوى-» (١٧/ ١٠١)، و«منهاج السنة» (٣/ ١٥٨)، و«التسعينية» (٣/ ٩٧٥)، و«مجموع الفتاوى» (١٨/ ١٣٢)، و«شفاء العليل» (ص ٤٧ - ٤٩. ط. دار المعرفة بيروت)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٦٤ - ٢٦٨. ط. دار الكتاب العربي).
[ ٢٢٣ ]
التعليق (٩٦): توضيح نقل ابن جزي لكلام ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿لو أن لي كرة﴾
(٩٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(وقال ابن عطية: هي جواب لقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨]؛ فإن معناه يقتضي أن العمر لم يتَّسع للنظر فقيل له: ﴿بلى﴾ على وجه الردِّ عليه) (^١).
قول ابن عطية: «فإن معناه يقتضي أن العمر لم يتَّسع للنظر» (^٢) إلخ، يريد أنَّ معنى قول المتمنِّي للكرَّة الاعتذار أنَّ عمره لم يتسع للنظر؛ فهو يطلب العودة إلى الدنيا؛ لينظر فيُحسِن، فجاء الجواب بأنه قد جاءتك الآيات البيِّنات فكذَّبت بها، واستكبرت عن الانقياد لها، وكنتَ بهذا التكذيب والاستكبار من الكافرين، فلا عذر لك في قصر العمر، وعدم اتساعه للنظر، ويبطل هذا الاعتذار قوله تعالى لمن سأل الرجعة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧].
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٧٦٣).
(٢) قال: «وقوله: بَلى جواب لنفي مقدر في قوله: هذه النفس كأنها قالت: فعمري في الدنيا لم يتسع للنظر، أو قالت: فإني لم يتبين لي الأمر في الدنيا ونحو هذا، وحق بَلى أن تجيء بعد نفي عليه تقرير». «المحرر الوجيز» (٧/ ٤٠٧).
[ ٢٢٤ ]