(٧٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في قولِه تعالى: ﴿كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]:
(﴿مُّسْتَمِعُون﴾، لفظُهُ جمعٌ، وورَدَ مَورِدَ تعظيمِ اللهِ تعالى، ويَحتمِلُ: أنْ تكونَ الملائكةُ هي التي تَستمِعُ بأمرِ الله؛ لأنَّ اللهَ لا يُوصَفُ بالاستماعِ، وإنما يُوصَفُ بالسمعِ؛ والأوَّل أحسَن، وتأويلُهُ: أنَّ في الاستماعِ اعتناءً واهتمامًا بالأمرِ، ليست في صيغةِ «سَامِعُونَ») (^١).
قولُه: (ورَدَ مَورِدَ تعظيمِ الله)؛ معناه: أنَّ اللهَ ذكَرَ نفسَهُ بصيغةِ الجمعِ وهو واحدٌ؛ للدَّلَالةِ على عظمتِهِ تعالى، وهذا معنًى صحيحٌ؛ فإنه تعالى:
- يذكُرُ نَفْسَهُ بصيغةِ المفرَدِ، مُظهَرًا أو مُضمَرًا؛ للدَّلَالةِ على التوحيدِ.
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
[ ١٨٣ ]
- ويذكُرُ نَفْسَهُ بصيغةِ الجمعِ، مُظهَرًا أو مُضمَرًا؛ للدَّلَالةِ على عظمتِهِ؛ لكثرةِ أسمائِهِ وصفاتِهِ، وكثرةِ عبيدِهِ وجنودِهِ، وشواهدُ هذا في القرآن كثيرةٌ؛ كما في هذه الآية: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]، وكقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُون (٤٧)﴾ [الذاريات]، وقولِه: ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾ [الذاريات]، وقولِه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون (٩)﴾ [الحجر]، وقولِه تبارَكَ اسمُه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح]، وقولِه: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١].
وقد يراد بهذه الصيغةِ الملائكةُ؛ كقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه (١٨)﴾ [القيامة]، فالمرادُ: قراءةُ جبريلَ، وقولِه سبحانه: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (١٦)﴾ [ق]، والمرادُ: قربُ الملائكةِ الحافِظِينَ الكاتِبِينَ لعمَلِ العبدِ.
وقد تدُلُّ هذه الصيغةُ على الأمرَيْنِ معًا: على التعظيمِ، وعلى إرادةِ الملائكة، ومِن ذلك هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]؛ فاللهُ يَستمِعُ، والملائكةُ يَستمِعُونَ؛ كما قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف].
وقولُ المؤلِّفِ: (إنَّ اللهَ لا يُوصَفُ بالاستماعِ، وإنَّما يُوصَفُ بالسمعِ):
هذا غَلَطٌ منه ﵀؛ منشؤُهُ نفيُ الأفعالِ الاختياريَّةِ عن الله (^١)، وهي التي تكونُ بمشيئتِهِ تعالى، وهو المعروفُ مِنْ مذهبِ الأشاعرة؛ كيف وقد أخبَرَ تعالى عن نفسِهِ في هذه الآيةِ بصيغةِ الجمعِ بأنه مُستمِعٌ؟!
_________________
(١) ينظر: هامش التعليق رقم (١١).
[ ١٨٤ ]
ويَشهَدُ لذلك: ما جاء في السُّنَّةِ، وهو قولُهُ ﷺ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ كَأَذَنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ» (^١)، وقولُهُ: «مَا أَذِنَ»؛ أي: ما استمَعَ، والأَذَنُ - بالتحريك - الاستماعُ (^٢)؛ فالاستماعُ فِعْلٌ مِنْ اللهِ يكونُ بمشيئتِهِ؛ فهو تعالى يَسمَعُ جميعَ الأصوات، ويَستمِعُ لما شاء منها (^٣)، ومِن ذلك: ما جاء في الآيةِ والحديثِ؛ فالاستماعُ أخصُّ مِنْ السماع؛ فكلُّ استماعٍ متضمِّنٌ للسماع، دون العَكْس، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٩٣)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث (١/ ٣٣).
(٣) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٣/ ١٣٣).
[ ١٨٥ ]