(٩٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] أي: يتشقَّقْنَ من خوف الله وتعظيم جلاله.
وقيل: من قول الكفار: «اتخذ الله ولدًا»، فهي كالآية التي في «مريم».
قال ابن عطية: وما وقع للمفسِّرين هنا من ذكر الثِّقَل ونحوه مردودٌ؛ لأن الله تعالى لا يوصف به) (^١).
قوله: (وقيل: من قول الكفار) إلخ، هذا المعنى صحيح؛ لدلالة آية سورة مريم عليه، ولكن تفسير هذه الآية به ضعيف؛ لأنه لا ذكر لقول الكفار في هذه الآية من سورة «الشورى»، فالصواب في هذه الآية هو القول الأول؛ لتقدم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٤)﴾ [الشورى] (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (٤/ ٢٨).
(٢) وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي، وكعب الأحبار، واختاره: الطبري، والزجاج. ينظر: «تفسير الطبري» (٢٠/ ٤٦٦ - ٤٦٨)، و«معاني القرآن للزجاج» (٤/ ٣٩٤)، و«تفسير ابن كثير» (٧/ ١٩٠).
[ ٢٢٥ ]
وقوله: (قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل) إلخ: جزْمُ ابن عطية بنفي الثقل عن الله فيه نظر؛ لأنه لم يذكر على النفي دليلًا، والظاهر أن نفي الثقل عند ابن عطية ونحوه مبنيٌّ على نفي الجسم عن الله عندهم، وهو - أعني الجسم - لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته، ولهذا فأهل السنة لا يطلقونه نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنه لم يرد فيه شيء، ولأنه لفظ مجمل يحتمل حقًّا وباطلًا، ولذا يوجبون الاستفصال عن مراد من تكلم به؛ فإن أراد حقًّا قُبل، وإن أراد باطلًا رُدَّ (^١). وأما الثِّقل فلا أعلم أنه ورد مرفوعًا عن النبي ﷺ إلا حديث الأطيط، وفيه: «وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا رُكِب من ثقله»، أي: الكرسي، كما في حديث عبد الله بن خليفة عند ابن جرير (^٢)،.
_________________
(١) ينظر: «العقيدة التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ٤٠٦) و(ص ٢٤٣)، و«درء التعارض» (١/ ٧٦ و٢٢٩ و٢٣٨) و(٥/ ٨٥)، و«بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٢١٩، ٢٧٢، ٢٨٩ - ٢٩٠، ٣٧٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٤٧)، (١٢/ ١١٤)، و«منهاج السنة» (٢/ ٢١٧ و٥٥٤). وينظر: معاني الجسم في اللغة واصطلاح المتكلمين في: «درء التعارض» (١/ ١١٩)، و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ٣١٦)، و«شرح التدمرية» (ص ٢١٠).
(٢) أخرجه الطبري (٤/ ٥٤٠) من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة؛ فعظم الرب تعالى ذكره، ثم قال: «إن كرسيه وسع السماوات والأرض، وإنه ليقعد عليه فما يفضل منه مقدار أربع أصابع»، ثم قال بأصابعه فجمعها: «وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله». وأخرجه ابن جرير من طريق أخرى عن إسرائيل نفسه به؛ إلا أنه زاد في إسناده فقال: عن عمر، عن النبي ﷺ بنحوه.=
[ ٢٢٦ ]
وفي معناه حديث جبير بن مطعم في العرش عند أبي داود وغيره (^١).
_________________
(١) وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٤/ ٣٤٥)، والبزار (٣٢٥) من هذه الطريق إلى قوله: «وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله». وللحديث ثلاث علل: الأولى: جهالة عبد الله بن خليفة؛ قال الذهبي: «لا يكاد يعرف» «الميزان» (٤٢٩٠). الثانية: لا يُعرف له سماع من عمر. قال ابن كثير: «وفي سماعه من عمر نظر». «تفسيره» (١/ ٦٨١). الثالثة: الاضطراب، فمرة يرويه عبد اللَّه بن خليفة مرسلًا، ومرة يرويه عن عمر من قوله. وقال ابن كثير في «التفسير» (١/ ٦٨١): «عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها». وقد أعله شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤ - ٦)، وقال الألباني في «الضعيفة»: (٤٩٧٨): «منكر».
(٢) أخرجه أبو داود (٤٧٢٦)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٧٥)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ٢٣٩) من طرق، عن وهب بن جرير: حدثني أبي قال: سمعت محمد بن إسحاق يحدث، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه عن، جده قال: قال: أتى رسولَ الله ﷺ أعرابيٌّ، فقال: يا رسول الله ﷺ، جَهِدَتِ الأنفُسُ، وضَاعَتِ العيالُ، ونُهِكَتِ الأموالُ، وهَلَكت الأنعامُ، فاسْتَسْقِ الله ﷿ لنا، فإنا نستشفِعُ بكَ على الله، ونستشفع بالله عليكَ، قال رسولُ الله ﷺ: «ويحَكَ! أتدري ما تقول؟» وسبَّحَ رسولُ الله ﷺ، فما زال يُسَبِّحُ حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «ويْحَكَ! إنه لا يُستشفَعُ بالله على أحدٍ مِنْ خلقه، شأنُ الله أعظمُ من ذلك، ويْحَكَ! أتدري ما الله، إن عَرشَه على سماواته لهكذا - وقال بإصبعه مثلَ القُبّة عليه - وأنَّه ليَئِطُّ به أطِيطَ الرّحْلِ بالراكب». وإسناده ضعيف، محمَّد بن إسحاق لم يُصرِّح بالتحديث وهو مشهور بالتدليس عن الضعفاء والمجهولين وعن شر منهم، وصفه بذلك أحمد والدارقطني وغيرهما. «طبقات المدلسين» (ص ٥١، رقم ١٢٥). =
[ ٢٢٧ ]
لكن جاء في بعض الآثار عن ابن عباس وغيره في تفسير هذه الآية أنه قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾: قال: «يعني من ثقل الرحمن وعظمته ﵎» رواه ابن جرير (^١)، وهو ما أشار إليه ابن عطية، ومثل هذه الآثار لا تكفي في إثبات صفة لذاته تعالى، فيجب التوقف عن إضافة الثِّقل إلى الله تعالى، إثباتًا أو نفيًا، ولكن هناك حديث قد يفهم منه إضافة الثقل إلى الله، وهو قوله ﷺ: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول: قط قط وعزتك، ويزوى بعضها إلى بعض» (^٢).
_________________
(١) =وجبير بن محمَّد - وهو ابن جبير بن مطعم بن عدي - روى له أبو داود هذا الحديث الواحد، وقد تفرد به. وذكره البخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٢٤ رقم ٢٢٧٧)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/ ٥١٣ رقم ٢١٢٠) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، فهو في عداد المجهولين. وقال الحافظ في «التقريب» (٩٠٢): «مقبول»؛ أي: حين يتابع، وإلا فلين كما ذكر في المقدمة.
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٢٠/ ٤٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٦٦١)، ومسلم (٢٨٤٨) عن أنس ﵁، واللفظ للبخاري.
[ ٢٢٨ ]
التعليق (٩٨): مناقشة ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ بأنه تنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوقين
(٩٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] تنزيهٌ لله تعالى عن مشابهة المخلوقين) (^١).
قوله: (عن مشابهة المخلوقين) معلوم بالضرورة أن الله منزَّه عن أن يشابه أحدًا من المخلوقين، وعن أن يشابهه أحدٌ من المخلوقين (^٢)، ونفيُ أيِّ واحد منهما يستلزم نفي الآخر، ولكن الذي صرَّحت بنفيه نصوص القرآن هو تشبيه المخلوق بالخالق؛ فمن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي ليس شيء من الموجودات مثلَه، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص] أي: ليس أحد من الخلق كفوًا له، أي: مثلًا له، ومن ذلك نفي النِّدِّ والسَّمِيِّ، كقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم] أي: شبيهًا أو نظيرًا من خلقه، وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] أي: لا تجعلوا لله نظراء في استحقاق الإلهية، ولم يأت نصٌّ في نفي أن يكون تعالى مثلًا لبعض خلقه،
_________________
(١) «التسهيل» (٤/ ٣١).
(٢) ينظر بطلان نوعي التشبيه في: «الجواب الصحيح» (٢/ ١٤٠)، و(٢/ ٢٦١)، و«درء التعارض» (٧/ ٩٥)، و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥٥)، «الجواب الكافي» (ص ٣١٣)، «شرح العقيدة التدمرية» لشيخنا (ص ٧٨ - ٧٩).
[ ٢٢٩ ]
ولكن نفي الأول يستلزم نفي الثاني، ولعل تصريح الآيات بنفي الأول، أي: مماثلة المخلوق للخالق؛ لأنه هو الواقع من المشركين، فكل من عبد مع الله غيره فقد جعله مثلًا لله، ومن ذلك شرك النصارى؛ فإنهم جعلوا المسيح إلها، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. فقول ابن جزي في الآية: «تنزيهٌ لله تعالى عن مشابهة المخلوقين» هذا ما تدل عليه الآية بطريق اللزوم، أما منطوق الآية فهو تنزيه الله أن يماثله شيء من المخلوقين، فلو قال ابن جزي: تنزيه لله أن يماثله شيء من المخلوقين، كان أولى؛ ليوافق منطوق الآية (^١)، والآية دالة على نفي التشبيه بنوعيه؛ فتدل على نفي الأول بدلالة المنطوق، وعلى نفي الثاني: بطريق اللزوم، كما تقدم، ومع ذلك فعبارة ابن جزي تحتمل المعنيين؛ لجواز إضافة المصدر إلى فاعله وإلى مفعوله.
_________________
(١) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ٣٨٧)، (٣/ ١٣٤ - ١٣٦)، (٦/ ٤٨٥) وما بعده، و«جواب الاعتراضات المصرية» (ص ١٥٢)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٦٦)، و«درء التعارض» (٥/ ٣٢٧).
[ ٢٣٠ ]