(٩٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُون (١٢)﴾ [الصافات]؛ أي: عَجِبْتَ يا محمَّدُ مِنْ ضلالِهم وإعراضِهم عن الحقِّ، أو عَجِبْتَ مِنْ قدرةِ اللهِ على هذه المخلوقاتِ العظامِ المذكورة.
وقرَأَ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿عَجِبْتُ﴾ بضمِّ التاء (^١)، وأشكَلَ ذلك على مَنْ يقولُ: إنَّ التعجُّبَ مستحيلٌ على الله:
فتأوَّله بمعنى: أنه جعَلَهُ على حالٍ تَعَجَّبَ منها الناسُ.
وقيل: تقديرُهُ: قُلْ يا محمَّدُ: عَجِبْتُ.
وقد جاء التعجُّبُ مِنْ الله في القرآنِ والحديث؛ كقولِهِ ﷺ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ» (^٢)؛ وهو صفةُ فعلٍ.
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٩/ ٥١٣)، و«حجة القراءات» لابن زنجلة (ص ٦٠٦).
(٢) أخرجه أحمد (١٧٣٧١)، وأبو يعلى (١٧٤٩)، والطبراني في «الكبير» (١٧/ رقم ٨٥٣) من طريق ابن لهيعة، عن أبي عشانة، عن عقبة بن عامر، به. أورده الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ٢٧٠) وقال: «رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وإسناده حسَن». =
[ ٢١٤ ]
وإنَّما جعَلُوهُ مستحيلًا على الله؛ لأنَّهم قالوا: إنَّ التعجُّبَ استعظامٌ خَفِيَ سببُهُ، والصوابُ: أنه لا يَلزَمُ أن يكونَ خفيَّ السببِ، بل هو لمجرَّدِ الاستعظام؛ فعلى هذا لا يستحيلُ على الله) (^١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (وأشكَلَ ذلك …)، إلخ:
أي: نِسْبةُ العَجَبِ إلى اللهِ؛ كما في القراءةِ المشارِ إليها، وهي قراءةٌ سبعيَّة؛ أي: أشكَلَ ذلك على نفاةِ العَجَبِ عن اللهِ، وهم كلُّ مَنْ ينفي قيامَ الصفاتِ الفعليَّةِ بالله؛ كالأشاعِرةِ، والكُلَّابيَّةِ (^٢).
_________________
(١) =وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» رقم (٢٤١): «وكذا هو عند أحمد وأبي يعلى، وسنده حسَن، وضعَّفه شيخنا في (فتاويه)؛ لأجل ابن لَهِيعة». وابن لهيعة ضعيف عند الأئمة المحققين مطلقًا. ينظر: «تهذيب التهذيب» (٥/ ٣٧٣، رقم ٦٤٨). ويغني عنه: حديث أبي هريرة: «لقد عَجِبَ اللهُ ﷿ أو ضحك - من فلان وفلانة» أخرجه البخاري (٤٨٨٩) واللفظ له، ومسلم (٢٠٥٤) (١٧٢) ولفظه: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة». وحديثه الآخر: «عَجِبَ اللهُ من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» أخرجه البخاري (٣٠١٠).
(٢) «التسهيل» (٣/ ٦٥٧ - ٦٥٨).
(٣) هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب القطان البصري (المتوفي بعد سنة ٢٤٠ هـ وحددها البعض بسنة ٢٤١ هـ)، رأس المتكلمين بالبصرة في زمانه، أخذ عنه الكلام: داود الظاهري، والحارث المحاسبي، وسلك طريقته أبو الحسن الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال؛ كما قال شيخ الإسلام في «درء التعارض» (٢/ ١٦). يثبت ابن كلاب الأسماء والصفات لله تعالى، كما يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين، والاستواء والعلو، إلا أنه ينفي الصفات الاختيارية بناء على نفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، وأوجب له ذلك: القول بأزلية صفات الأفعال، =
[ ٢١٥ ]
والماتُرِيدِيَّةِ (^١)، وهم الذين عناهُمُ المؤلِّفُ بقولِه: «إنَّهم يقولونَ: إنَّ التعجُّبَ مستحيلٌ على الله؛ لأنه استعظامُ شيءٍ خَفِيَ سببُهُ».
وقد خالَفَهم المؤلِّفُ في تفسيرِ التعجُّبِ، فجوَّزه على الله، واستشهَدَ له ببعضِ ما جاء في السُّنَّة؛ وقد أصاب في ذلك.
والذين نفَوا العجَبَ عن الله، أوَّلوا ما جاء في القرآنِ والسُّنَّة، مما يدُلُّ على إثباتِ العجَبِ بتأويلاتٍ، منها ما أورَدَهُ المؤلِّف؛ فجمَعُوا بين التعطيلِ بنفيِ الصفاتِ، والتحريفِ بتأويلِ الآياتِ.
_________________
(١) =وهو أول من ابتدع القول بالكلام النفسي، وقال في كلام الله والقرآن قوله المشهور، وهو أنه ليس بحروف ولا صوت، وأنه معنى واحد، وأن القرآن الذي يتلى هو حكاية عن كلام الله مع قوله: إن القرآن غير مخلوق! ينظر تفصيل مذهبه في: «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٣٨)، و«مجموع الفتاوى» (٣/ ١٠٢) و(١٢/ ١٦٥، و٣٦٧، و٣٧٦) و(١٦/ ٤٠٧)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (١/ ٤٣٨)، و«رسالة الآراء الكلابية العقدية وأثرها في الأشعرية» للباحثة هدى الشلالي (ص ٩١ - ١٩٠).
(٢) وهم أتباع أبي منصور الماتريدي، محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي (٢٥٨ - ٣٣٣ هـ). والماتريدي نسبة إلى ماتريد وهي محلة قرب سمرقند، المدينة المشهورة ببلاد ما وراء النهر التي سميت وعرفت فيما بعد بتركستان. لم يحظ الماتريدي باهتمام المؤلفين في الملل والنحل، وليس له في كتب شيخ الإسلام إلا إشارات عابرة، ومع هذا الإغفال لشخصيته إلا أن فكره انتشر انتشارًا واسعًا ودان به كثيرٌ من المسلمين. تشترك الماتريدية مع الأشاعرة في كثير من القضايا المنهجية التي انحرفوا بها عن الوحي وإجماع السلف؛ كتقديم العقل على النقل، وتعطيل الصفات الخبرية والاختيارية، ونفي العلو والاستواء .. إلخ واقتربوا من المعتزلة في الغلو في العقليات، والإفراط في استخدام علم الكلام المذموم، وانتهاج مسلكهم في النظر والاستدلال! ينظر تفصيل مذهبهم في: «الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات» لشمس الأفغاني السلفي.
[ ٢١٦ ]
والجاري على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: إثباتُ العجَبِ مِنْ اللهِ (^١)، كغيرِهِ مِنْ الصفاتِ التي ورَدَ بها الكتابُ والسُّنَّة؛ كالغضَبِ والرضا، والمحبَّةِ والكَرَاهة، وليس شيءٌ مِنْ ذلك يُشبِهُ صفاتِ المخلوقِين، فليس عَجَبُ اللهِ كعَجَبِ المخلوق، ولا حبُّه كحبِّه، ولا رضاهُ كرضاه، وهذا هو الحقُّ الذي قامت عليه الأدلَّةُ مِنْ الكتاب والسُّنَّة.
_________________
(١) ينظر: «الحجة لقوام السنة» الأصبهاني (١/ ٤٧٠) و(٢/ ٤٩٠)، و«السنة» لابن أبي عاصم (١/ ٢٤٩)، و«الإبانة» لابن بطة (٧/ ١٣١)، و«إبطال التأويلات» لأبي يعلى (١/ ٢٤٤)، و«مجموع الفتاوى» (٦/ ١٢٣ - ١٢٤).
[ ٢١٧ ]
التعليق (٩٣): مناقشة ابن جزي في تفسير قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (٩٩)﴾
(٩٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين (٩٩)﴾ [الصافات]:
(وقالت المتصوفة: معناه: إني ذاهب إلى ربي بقلبي، أي: مقبلٌ على الله بكليته، تاركٌ لما سواه) (^١).
قوله: (قالت المتصوفة) إلخ، نقله هذا التأويل للآية عن الصوفية دون تعقب إقرارٌ له، وهذا التأويل في نفسه معنى حقٌّ؛ فلا ريب أن إبراهيم مقبلٌ على ربه بكليَّة قلبه، كيف وقد قال الله فيه: ﴿إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم (٨٤)﴾ [الصافات]؟! لكنْ جعْلُ هذا المعنى تفسيرا للآية ليس بمستقيم؛ لأنه خلاف تفسير السَّلف للآية؛ فالسَّلف ومن تبعهم على أن المراد بالآية الهجرةُ من العراق إلى الشام (^٢)، فقوله في الصافات: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين (٩٩)﴾، هو المذكور في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٦)﴾، فالآيتان في هجرة البدن، لا في هجرة القلب؛ فإبراهيم لم يزل مهاجرًا إلى ربه بقلبه.
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٦٧٦).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (١٩/ ٥٧٦ - ٥٧٧)، و«المحرر الوجيز» (٧/ ٣٠٠)، و«زاد المسير» (٣/ ٥٤٦).
[ ٢١٨ ]