(١١٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُه (٦)﴾ [القارعة] هو جمع ميزان، أو جمع موزون.
وميزان الأعمال يوم القيامة له لسان وكِفَّتان عند الجمهور.
وقال قوم: هو عبارة عن العدل) (^١).
قوله: (له لسان وكِفَّتان عند الجمهور) من عقيدة أهل السنة الجماعة إثبات ميزان الأعمال يوم القيامة، ولم يأت ذكر ميزان الأعمال في القرآن مفردًا، بل بصيغة الجمع «موازين»، فقيل: جمع ميزان أو موزون، كما ذكر المؤلف، وإنما جاء مفردا في السنة في أحاديث، كما في قوله ﷺ: «والحمد لله تملأ الميزان» (^٢)، وقوله: «كلمتان خفيفتان على اللسان» الحديث، وفيه: «ثقيلتان في الميزان» (^٣)، وظاهر الأدلة أنه ميزان حسِّي،
_________________
(١) «التسهيل» (٤/ ٧٥٢).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٣) عن أبي مالك الأشعري ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢٥١ ]
وله كِفَّتان توضع فيهما الحسنات والسيئات، وقد ورد ذكر الكِفَّتين في بعض الأحاديث، وأما اللسان فلا أعلم أنه ورد في شيء مرفوع، ولكن هذا هو المشهور في كلام من تكلَّم عن الميزان من أهل السنة، وإثبات اللسان لميزان الأعمال يتوقف على قيام الدليل (^١)، وتفسيره بالعدل هو قول المعتزلة، وهو من التأويل المذموم الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره بغير حجة (^٢)، والمؤلف ﵀ اكتفى بذكر الأقوال دون ترجيح؛ فليس له في هذا الموضع مذهب.
_________________
(١) روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنه قال: «الميزان له لسان وكفتان …»، أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١/ ٤٤٧ رقم ٢٧٧). والكلبي متهم بالكذب، قال البخاري: أبو النضر الكلبي تركه يحيى وابن مهدي. ثم قال البخاري: قال علي: حدثنا يحيى، عن سفيان، قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب. ينظر: «الميزان» (٧٥٧٤). وجاء في «شرح أصول أهل السنة» للالكائي (٦/ ١٢٤٥ رقم ٢٢١٠) عن عبد الملك بن أبي سليمان، قال: «ذكر الميزان عند الحسن، فقال: له لسان وكفتان». ونقل الحافظ عن أبي إسحاق الزجاج أنه قال: «أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال» «فتح الباري» (١٣/ ٥٧٨). وينظر: «مقالات الإسلاميين» (٢/ ٣٥٣)، و«شرح السنة» للبربهاري (ص ٤٢ رقم ١٥)، و«الحجة في بيان المحجة» (١/ ٢٥٠)، و«لمعة الاعتقاد» بشرح شيخنا (ص ٩٥).
(٢) ينظر: «مقالات الإسلاميين» (٢/ ٣٥٤)، و«التذكرة» للقرطبي (ص ٧٢٢ - ٧٢٣)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٠٢)، و«شرح العقيدة الطحاوية» (٢/ ٦١٣).
[ ٢٥٢ ]
التعليق (١١١): مناقشة ابن جزي في توسله بحرمة القرآن وشفاعة النبي ﷺ
(١١١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في ختامِ الكتاب:
(وأنا أَرغَبُ إلى الله، كما أعانَنِي بفضلِهِ على هذا الكتاب، أن يَجعَلَهُ مُوجِبًا لدخولي الجَنَّةَ مِنْ غيرِ حسابٍ ولا عذاب؛ بحُرْمةِ القرآنِ العظيم، وشفاعةِ محمَّدٍ رسولِهِ المصطفَى الكريم) (^١).
قولُه: (بحُرْمةِ القرآنِ العظيم، وشفاعةِ محمَّدٍ رسولِهِ المصطفَى الكريم):
كان الأَوْلى بالمؤلِّفِ ﵀ التوسُّلُ إلى اللهِ بأسمائِهِ وصفاتِهِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وكما جاء في السُّنَّة: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ …»؛ الحديثَ (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (٤/ ٨٠٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٢٦١١)، وأبو داود (١٤٩٥)، والنسائي (١٣٠٠)، وابن حبان (٨٩٣)، والحاكم (١٨٥٦) من طرق، عن خلف بن خليفة، عن حفص بن عمر - ابن أخي أنس -، عن أنس، به. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وقد روي من وجه آخر عن أنس بن مالك».=
[ ٢٥٣ ]
وما ذكَرَهُ مِنْ التوسُّلِ بحُرْمةِ القرآنِ وشفاعةِ النبيِّ ﷺ، لا دليلَ عليه؛ فغفَرَ اللهُ له، ورَحِمَهُ، وضاعَفَ مَثُوبَتَه (^١).
هذا ما تيسر إملاؤه، وكان آخر ذلك يومَ الثلاثاء، ثالثَ عشَرَ جُمَادى الآخِرة، لعام ١٤٣٧ هـ، ولله الحمد والمنة.
وقد لحق زيادة على ما سبق التعليق على تسعة وثلاثين موضعًا فكانت العدة مئة وأحد عشر موضعًا، وكان آخره في يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر صفر من عام اثنين وأربعين وأربع مئة بعد الألف.
_________________
(١) =قلنا: حفص بن عمر لم يخرج له مسلم! وهو صدوق، وخلف بن خليفة اختلط في آخره فترك أحمد وغيره حديثه، وذكر الحاكم في المدخل أن مسلمًا إنما أخرج له في الشواهد. ينظر: «التهذيب» (٣/ ١٥٠، رقم ٢٨٩). وأخرجه الترمذي (٣٨٥٦) من طريق سعيد بن زربي، عن عاصم الأحول وثابت البناني، كلاهما عن أنس، به. وقال: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير هذا الوجه عن أنس». وسعيد بن زربي: منكر الحديث؛ كما في التقريب رقم (٢٣٠٤). وأخرجه ابن ماجه (٣٨٥٨) من طريق أبي خزيمة العبدي، عن أنس بن سيرين، عن أنس بن مالك، به. وأبو خزيمة العبدي نصر بن مرداس، قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال الحافظ: «صدوق».
(٢) ينظر: «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة -مجموع الفتاوى-» (١/ ١٤٢) و(٢٧/ ٨٣) وما بعده، و«التوسل أنواعه وأحكامه» للألباني، و«التوصل إلى حقيقة التوسل» لمحمد نسيب الرفاعي.
[ ٢٥٤ ]