(٨٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢]؛ العاملُ في الظرفِ مُضمَرٌ، وفاعلُ «يُنادِي»: اللهُ تعالى، ويَحتمِلُ: أن يكونَ نداؤُهُ بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ) (^١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (ويَحتمِلُ أن يكونَ نداؤُهُ بواسطةٍ أو بغيرِ واسطةٍ). أقول: في هذا الترُّدد نظرٌ؛ والصوابُ أنه ناداهم بغير واسطة، وذلك لوجهَيْن:
١ - أنَّه إذا كان بغير واسطة كان حقيقة، وإذا كان بواسطة كان مجازًا، والأصل الحقيقة.
٢ - أنَّ تكليمَه تعالى أو نداءَه لمن شاء بلا واسطةٍ مُمكنٌ، ليس بمُمتَنع؛ بدليل أن الله تعالى كلَّم موسى بلا واسطة، فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] فأكَّد الفعلَ بالمصدر للدلالة على
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٤٤٧).
[ ١٩٥ ]
الحقيقة. وأيضًا: لو أراد أنَّه كلَّمه بواسطة لقيَّد ذلك، مثل: كلَّمه بأن أرسل رسولًا. ويُؤيِّد ذلك، أن تكليم موسى بواسطةٍ ينافي اختصاصَ موسى بالتَّكليم، فكلُّ الرُّسُل كلَّمهم الله بواسطة الرسول من الملائكة. والله أعلم.
[ ١٩٦ ]
التعليق (٨٤): توضيح قول ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان لهم الخيرة﴾
(٨٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]؛ «ما»: نافيةٌ، والمعنى: ما كان للعبادِ اختيارٌ؛ إنما الاختيارُ والإرادةُ لله وحدَهُ؛ فالوقفُ على قولِه: ﴿وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].
وقيل: إنَّ «ما»: مفعولةٌ ب «يَخْتَارُ»، ومعنى ﴿الْخِيَرَةُ﴾ على هذا: الخَيْرُ والمصلَحةُ.
وهذا يجري على قول المعتزِلة، وذلك ضعيف؛ لرفعِ ﴿الْخِيَرَةُ﴾؛ على أنها اسمُ «كان»، ولو كانتْ «ما» مفعولةً، لكان اسمُ «كان» مُضمَرًا يعودُ على «ما»، وكانت «الخِيَرَةُ» منصوبةً على أنها خبَرُ «كان».
وقد اعتذَرَ عن هذا مَنْ قال: إنَّ «ما» مفعولةٌ؛ بأنْ قال: تقديرُ الكلام: «يختارُ ما كان لهم الخِيَرَةُ فيه»، ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ والمجرور؛ وهذا ضعيف) (^١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: («ما»: نافيةٌ، والمعنى: ما كان للعبادِ اختيارٌ …)، إلخ:
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ١٩٧ ]
أصاب المؤلِّف في ترجيحِ أنَّ «ما» نافيةٌ، وفي تضعيفِ القولِ بأنها موصولةٌ.
وما أورَدَهُ على القولِ الثاني مِنْ جهةِ إعرابِ: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، صحيحٌ أيضًا، وكذا ما يَرِدُ عليه مِنْ جهةِ المعنى، وهو أنه يَلزَمُ أن يكونَ المعنى: يَخْتارُ ما فيه الخِيَرَةُ للعبادِ؛ وبهذا تمسَّك بعضُ المعتزِلةِ في قولهم بوجوبِ فعلِ الأصلَحِ على الله؛ كما أشار إليه المؤلِّف.
وقد اختار القولَ الأوَّلَ كثيرٌ من المفسِّرين؛ وهو الصواب، وقد رجَّحه ابنُ القيِّمِ مِنْ وجوهٍ؛ فانظُرْها في «زاد المعاد» (^١)، والله أعلم.
_________________
(١) «زاد المعاد» (١/ ٣٩ - ٤٢).
[ ١٩٨ ]