(٦٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] هو الخضر ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ يعني النبوة على قول من قال: إن الخضر نبيٌّ.
وقيل: إنه ليس بنبيٍّ، ولكنه وليٌّ.
وتظهر نبوته من هذه القصة؛ لأنه فعل أشياء لا يعملها إلَّا بوحي.
واختُلف أيضًا: هل مات أو هو حيٌّ إلى الآن؟ ويذكر كثيرٌ من الصُّلَحاء أنهم يرونه ويكلِّمهم) (^١).
قوله في تفسير العبد في الآية: (هو الخضر) حقٌّ، وهو متفق عليه بين المفسرين، ودلَّت عليه السنة، كما في حديث ابن عباس في الصحيحين (^٢)، وذكر المؤلف ﵀ الخلاف في شأن الخضر في مسألتين: في نبوته، وهل هو حي أو ميت؟ وذكر ما يرجح القول
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠).
[ ١٦٠ ]
بنبوته، مما ورد في قصته في الآيات، ولا ريب أن القول بنبوته قول قوي، ولكن لا يقطع بذلك (^١).
وأما القول بحياة الخضر فهو قول باطل؛ إذ لا دليل يدل على بقائه، وما ذكره المؤلف من رؤية بعض الصالحين له فليس مما يعول عليه في إثبات الأمور الغيبية، وهي من دعاوى الصوفية، كما يذكرون أنهم يرون النبي ﷺ يحضر بعض مجالسهم للذكر يقظة لا مناما، والمحققون من أهل العلم على خلاف هذا القول، أعني ما يدَّعى من حياة الخضر، قالوا: مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، قالوا: ولو كان الخضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويؤمن به؛ فإنه لا يسعه إلا اتباعه، كما قال النبي ﷺ في موسى: «لو أن موسى ﷺ كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» رواه أحمد وغيره (^٢).
_________________
(١) وممن قال بنبوته: عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم، واختاره: القرطبي، وابن حجر، والشنقيطي. ينظر: «زاد المسير» (٣/ ١٠٥)، و«تفسير القرطبي» (١١/ ١٦)، و«زهر النضر» لابن حجر (ص ٦٦ - ٦٨)، و«أضواء البيان -ط. المجمع-» (٤/ ٢٠٨٢ - ٢٠٨).
(٢) أخرجه أحمد (١٥١٥٦)، والدارمي (٤٤٩)، وابن عبد البر في «الجامع» (١٤٩٧) من طريق مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا، ما وسعه إلا أن يتبعني». =
[ ١٦١ ]
تنبيه: عن رأي شيخ الإسلام في حياة الخضر وتحرير مذهبه في المسألة
وظاهر من سياق كلام المؤلف أنه يميل إلى القول بحياة الخضر؛ لأنه استشهد له ولم يضعفه، عفا الله عنه، وغفر له (^١).
_________________
(١) =وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد. قال الحافظ: «ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره» «التقريب» (٦٤٧٨)، لكن له شواهد عن عبد الله بن ثابت، وعقبة بن عامر، وحفصة، وغيرهم، انظرها في «إرواء الغليل» (١٥٨٩). وقال الألباني: «وجملة القول: أن مجيء الحديث في هذه الطرق المتباينة، والألفاظ المتقاربة لمما يدل على أن مجالد بن سعيد قد حفظ الحديث، فهو على أقل تقدير حديث حسن».
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٣٧)، (٢٧/ ١٠٠ - ١٠٢)، و«جامع المسائل» (٥/ ١٣٣ - ١٣٧)، (٩/ ٦٠)، و«منهاج السنة» (١/ ٩٦ - ٩٧)، (٤/ ٩٣ - ٩٤)، و«الرد على المنطقيين «(ص ٢٢٧)، و«المنار المنيف» (ص ٦٣ - ٦٩)، و«أضواء البيان» (٤/ ٢٠٨ - ٢٢٦). تنبيه: ما جاء في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٣٨) من القول بحياة الخضر مشكل؛ ولهذا شكك جامع الفتاوى الشيخ الرحمن بن القاسم فيها؛ حيث علق على أولها بقوله: «هكذا وجدت هذه الرسالة»، والذي يظهر أنها ليست له، فهي تخالف ما قرره شيخ الإسلام ﵀ في مواضع، كما تقدم من أن الخضر قد مات. أو لعله منتزع من سياقه إذ نقله عن القائلين بحياته. وينظر: «الافتراض دفع الاعتراض» للخضيري، نشر مع «الروض النضر» بتحقيق محمد العلاوة، (ص ١٦٤)، و«صيانة مجموع الفتاوى من السقط والتصحيف» (ص ٣٥ - ٣٧).
[ ١٦٢ ]
التعليق (٦٨): مناقشة ابن جزي في تأويله صفة «الكلام» بالعلم، وجريه على مذهب الأشاعرة في «كلام الله» بأنه معنى نفسي غير مسموع منه
(٦٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآيةَ [الكهف: ١٠٩]؛ إخبارٌ عن اتساعِ عِلْمِ الله تعالى.
و«الكَلِماتُ»: هي المعاني القائمةُ بالنَّفْسِ، وهي المعلوماتُ؛ فمعنى الآيةِ: لو كُتِبَ عِلْمُ اللهِ بمِدَادِ البحرِ، لَنَفِدَ البحرُ، ولم يَنفَدْ علمُ الله، وكذلك: لو جِيءَ ببحرٍ آخَرَ مثلِهِ؛ وذلك لأنَّ البحرَ متناهٍ، وعلمُ اللهِ غيرُ متناهٍ) (^١).
قولُ ابنِ جُزَيٍّ ﵀: (إخبارٌ عن اتساعِ عِلْمِ الله تعالى …) إلخ:
هذا صريحٌ بتأويلِ كلامِ اللهِ بعِلْمِهِ؛ فالآيةُ عند المؤلِّفِ إخبارٌ عن سَعَةِ علمِ الله، لا عن دَوَامِ كَلَامِه، وقد بنى هذا التأويلَ على قولِ الأشاعرةِ في «كلامِ اللهِ»: بأنه معنًى نفسيٌّ غيرُ مسموعٍ منه؛ وذلك في قوله: (والكَلِماتُ: هي المعاني القائمةُ بالنَّفْسِ).
وهذا ظاهرٌ في أنَّ المؤلِّفَ يقرِّرُ القولَ بالمعنى النَّفْسيِّ.
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٥٨).
[ ١٦٣ ]
وقولُ الأشاعِرةِ في كلامِ اللهِ قولٌ باطِلٌ مناقِضٌ لدَلَالةِ العقلِ والشرع؛ فهو - عندهم - معنًى نفسيٌّ ليس بصوتٍ ولا حرفٍ، واحدٌ لا يتعدَّدُ، قديمٌ لا تتعلَّقُ به مشيئةُ اللهِ (^١).
وهذا خلافُ ما عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ مِنْ السلفِ ومَن تَبِعَهم؛ فكلامُ اللهِ - عند أهل السُّنَّة -: كلامٌ مسموع؛ كما سَمِعَ موسى كلامَ اللهِ مِنْ الله؛ أي: بلا واسطةٍ، وهو متعدِّدٌ، فهو حروفٌ وكلمات، وسُوَرٌ وآيات، وهو سبحانه يتكلَّمُ بما شاء، إذا شاء، كيفَ شاء، متى شاء؛ كما أخبَرَ أنه قالَ ويقول، ونادى وينادي؛ كما دلَّت على ذلك الآيات، والله أعلم (^٢).
_________________
(١) ينظر: «الإنصاف» للباقلاني (ص ٨٠)، و«الإرشاد» للجويني (ص ١٠٢)، و«الاقتصاد» للغزالي (ص ٦٧)، و«غاية المرام» للآمدي (ص ٩٧)، و«المواقف» للإيجي (ص ٢٩٣، ٢٩٤)، و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ١٢٠)، و«درء التعارض» (٢/ ١٨)، و«التسعينية» (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٤)، و«شرح حديث النزول» (ص ١٦٩ - ١٧٠)، و«مختصر الصواعق» (٤/ ١٣٠٩).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥٢) و(١٢/ ١٦٣ - ١٧٣) و(١٧/ ١٦٥ - ١٦٦)، و«منهاج السنة» (٥/ ٤١٦)، و«درء التعارض» (٢/ ٢٥٥)، و«شرح الأصبهانية» (ص ٤٥٣)، والنبوات (١/ ٥٩٠)، و«التسعينية» (٢/ ٥٧٤)، و«مختصر الصواعق» (٤/ ١٣١٤)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ١٢٥٣).
[ ١٦٤ ]