(٧٥)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون]؛ أي: أحسَنُ الخالِقِينَ خَلْقًا، فحُذِفَ التمييزُ؛ لدَلَالةِ الكلامِ عليه.
وفسَّر بعضُهم: ﴿الْخَالِقِين﴾ بالمقدِّرين؛ فرارًا مِنْ وصفِ المخلوقِ بأنه خالِقٌ؛ ولا يجبُ أن يُنفَى عن المخلوقِ: أنه خالِقٌ بمعنى صانعٍ؛ كقولِه: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، وإنما الذي يجبُ أن يُنفَى عنه معنى الاختراعِ والإيجادِ مِنْ العدَمِ؛ فهذا هو الذي انفرَدَ اللهُ به) (^١).
الخلقُ - في اللغةِ - يأتي بمعنى: الإيجادِ بعدَ عَدَمٍ، ويأتي بمعنى: التقديرِ (^٢)؛ ومنه قولُ زُهَيْرِ بن أبي سُلْمَى (^٣):
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢).
(٢) ينظر: «لسان العرب» (١٠/ ٨٥).
(٣) مِنْ قصيدةٍ له يَمدَحُ بها هَرِمَ بنَ سِنَان. انظر: «ديوانه» صنعة الأَعْلَم (ص ١١٩ ط. قباوة).
[ ١٧٣ ]
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ
ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
وقد جاء المعنيانِ في القرآنِ فيما يضاف إلى الله، ولكن المعنى الأوَّل هو الأكثر، وشواهِدُهُ بتصاريفِ مادَّتِهِ لا تُحصَر:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨]، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّار (١٤)﴾ [الرحمن]، ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١].
ومِن الخَلْقِ بمعنى التقديرِ: قولُهُ تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [الحشر: ٢٤]؛ فالخالقُ: هو المقدِّرُ لما يريدُ إيجادَهُ، والبارئُ: هو المُخرِجُ لِمَا قدَّره إلى الوجودِ.
ويَحتمِلُ المعنيَيْنِ قولُهُ تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون].
ولم يأتِ في القرآنِ «الخَلْقُ» مضافًا إلى غيرِ الله؛ إلا ما جاء في الخبَرِ عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]، والأظهَرُ: أنَّ الخَلْقَ هنا بمعنى التقديرِ؛ فهو ﵇ لا يُوجِدُ طيرًا، وإنما يَخلُقُ ما هو كهَيْئةِ الطَّيْرِ؛ فينفُخُ فيه؛ فيكونُ طَيْرًا بإذنِ الله.
وبهذا يُعلَمُ: أنه لم يأتِ «الخَلْقُ» بمعنى الإيجادِ في القرآنِ مضافًا لغيرِ اللهِ مطلَقًا، ولا يُستعمَلُ في لسانِ المسلِمِينَ إضافةُ الخَلْقِ لغيرِ
[ ١٧٤ ]
الله، بل نفَى ﷾ «الخَلْقَ» عن كلِّ ما يعبُدُهُ المشرِكُونَ: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (١٩١)﴾ [الأعراف]، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون (١٧)﴾ [النحل]، حتى ما يَنحَتُهُ المشرِكونَ مِنْ الأصنامِ، أضاف اللهُ خَلْقَها إليه؛ قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُون (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون (٩٦)﴾ [الصافَّات].
وعلى هذا: فلا يجوزُ إضافةُ مصنوعاتِ البشَرِ إلى صانعيها بلفظ «الخَلْق»، بل اللهُ خالِقُها بالأسبابِ التي خلَقَها وقدَّرها.
وعلى هذا: فتعقُّبُ المؤلِّفِ لمن قال: «﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِين (١٤)﴾ [المؤمنون]: أحسَنُ المقدِّرِينَ»: ضعيفٌ.
وقول المؤلف: (مِنْ عدَمٍ)، الصوابُ أن يقول: بعدَ عَدمٍ، أو عنْ عدمٍ.
وعبارةُ المؤلِّف: (مِنْ عدَمٍ)، في قولِه: (وإنَّما الذي يجبُ أن يُنفَى عنه معنى الاختراعِ والإيجادِ مِنْ العدَمِ) (^١).
_________________
(١) ينظر: «مسألة حدوث العالم» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤١ - ٤٢).
[ ١٧٥ ]