(١٠٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِج (٣)﴾ [المعارج]: جمعُ مَعْرَجٍ، وهو المَصعَدُ إلى عُلْوٍ؛ كالسُّلَّمِ والمَدارِجِ التي يُرتقَى بها.
قال ابن عطيَّة: «هي هنا مستعارةٌ في الفضائلِ والصفاتِ الحَمِيدة، وقيل: هي المَرَاقِي إلى السماءِ» (^١)؛ وهذا أظهَرُ؛ لأنه فسَّرها بما بعدَها مِنْ عروجِ الملائكةِ والرُّوحِ إليه؛ أي: إلى عرشِهِ، ومِن حيثُ تَهبِطُ أوامرُهُ وقضاياه؛ فالعروجُ: هو مِنْ الأرضِ إلى العَرْش) (^٢).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (قال ابنُ عطيَّة: «هي هنا مستعارةٌ في الفضائلِ والصفاتِ الحَمِيدة»):
يريدُ ابنُ عطيَّةَ: أنَّ المعارِجَ أمورٌ معنويَّةٌ، وهي صفاتُ الكمالِ؛ فلا تدلُّ على علوِّ الذاتِ في حقِّه تعالى، بل على علوِّ القَدْر، وهذا يتفِقُ مع مذهبِ نفاةِ علوِّ اللهِ بذاتِه.
_________________
(١) «المحرر الوجيز» (٨/ ٤٠١ ط. وزارة الأوقاف- قطر).
(٢) «التسهيل» (٤/ ٤٨٣).
[ ٢٤٥ ]
ولكنَّ ابنَ جُزَيٍّ ﵀ رجَّح أنَّ المعارجَ هي المَصاعِدُ إلى السماء؛ بدليلِ قولِه تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج]، ولكنه قال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى عرشِهِ.
وهذا تأويلٌ بصرفِ الكلامِ عن ظاهِرِه، وهو أنها تعرُجُ إلى الله، ولا مُوجِبَ لهذا التأويلِ إلا النَّزْعةُ إلى نفيِ العلوِّ الذي هو مذهَبُ القومِ.
وقد جاء في السُّنَّةِ: ما يشهدُ لظاهِرِ الآية، وهو قولُهُ ﷺ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ»، وفيه: «ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ - كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي …»؛ الحديثَ (^١).
والصوابُ في الآيةِ: أنَّ الملائكةَ والرُّوحَ تَعرُجُ إلى اللهِ (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٢٩)، ومسلم (٦٣٢)؛ من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) وقد استدل بهذه الآية على إثبات صفة العلو لله جمعٌ من الأئمة. ينظر: «الرد على الجهمية» للإمام أحمد (ص ١٤٦ - دار الثبات)، و«التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٥٧)، و«نقض الدارمي» (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، و«الإبانة الكبرى» لابن بطة (٧/ ١٣٨)، و«التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ١٢٩ - ١٣٠)، و«الإبانة» للأشعري (ص ١١٣)، و«مجموع الفتاوى» (٥/ ١٣).
[ ٢٤٦ ]