(٤٢)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا …﴾ [النساء: ٩٣]:
(وهذه الآيةُ مُعضِلةٌ على مذهبِ الأشعريَّةِ وغيرِهم ممَّن يقولُ: لا يخلَّدُ عصاةُ المؤمِنِين في النار.
واحتَجَّ بها المعتزِلة وغيرُهم ممن يقولُ بتخليدِ العصاةِ في النار؛ لقولِه: ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾.
وتأوَّلها الأشعريَّة بأربعةِ أوجُه:
أحدها: أنْ قالوا: إنها في الكافِرِ إذا قتَلَ مؤمِنًا.
والثاني: قالوا: معنى المتعمِّدِ هنا: المستَحِلُّ للقتل؛ وذلك يَؤُولُ إلى الكفر.
والثالث: قالوا: الخلودُ فيها ليس بمعنى الدوامِ الأَبَدِيِّ، وإنما هو عبارةٌ عن طولِ المُدَّة.
والرابع: أنَّها منسوخةٌ بقولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].
[ ١٠٤ ]
وأما المعتزِلة: فحمَلُوها على ظاهِرِها، ورأَوْا أنها ناسخةٌ لقولِه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾، واحتجُّوا على ذلك بقولِ زَيْد بن ثابت: «نزَلَتِ الشديدةُ بعد الهَيِّنة» (^١)، وبقولِ ابن عبَّاس: «الشِّرْكُ والقَتْلُ مَنْ مَاتَ عَلَيْهِمَا خُلِّدَ» (^٢)، وبقولِ رسول الله ﷺ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ المُؤْمِنَ مُتَعَمِّدًا» (^٣).
وتقتضي الآيةُ وهذه الآثارُ: أنَّ للقتلِ حُكْمًا يَخُصُّهُ مِنْ بينِ سائرِ المعاصي) (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره» (٧/ ٣٤٩) حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن ابن عيينة، عن أبي الزناد، قال: سمعت رجلًا، يحدث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت، قال: سمعت أباك، يقول: فذكره.
(٢) لم نجده بهذا اللفظ، وقد رواه ابن جرير في «تفسيره» (٧/ ٣٤٨)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (٥/ ٤٣٣، رقم ٢٧٧٣٢)، والخلال في «السنة» (٤/ ٩٣، رقم ١٢٤٠) بلفظ: «هُمَا الْمُبْهَمَتَانِ: الشِّرْكُ وَالْقَتْلُ» وإسناده صحيح. قال الحافظ في الفتح (٨/ ٤٩٦): «وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له: مشهور عنه …».
(٣) أخرجه أحمد (١٦٩٠٧)، والنسائي (٣٩٨٤)، والحاكم (٨٠٣١) من طريق صفوان بن عيسى، قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس الخولاني، عن معاوية، به. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٩/ رقم ٨٥٦، و٨٥٨) من طريقين عن أبي عون به. وأبو عون - وهو الأنصاري الشامي - لم يوثقه غير ابن حبان! وللحديث شاهد عن أبي الدرداء: أخرجه أبو داود (٤٢٧٠)، وابن حبان (٥٩٨٠)، والحاكم (٨٠٣٢) من طريق خالد بن دهقان، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء به.
(٤) «التسهيل» (٢/ ٩٥ - ٩٦).
[ ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُهُ: (وهذه الآيةُ مُعضِلةٌ على مذهبِ الأشعريَّةِ وغيرِهم …)، إلخ:
ما ذكَرَه مِنْ أنَّ هذه الآيةَ مُعضِلةٌ «أي: مُشكِلةٌ إشكالًا قويًّا» على مذهبِ الأشاعِرةِ وغيرهم مِنْ القائِلِينَ بأنَّ عصاةَ الموحِّدين لا يخلَّدون في النار، وأجاب مِنْ جهةِ الأشاعِرةِ وغيرِهم مِنْ القائلِينَ بعدمِ خلودِ أهلِ الكبائرِ في النارِ بأربعةِ أجوِبة (^١):
أجوَدُها: تفسيرُ الخلودِ بالمُكْثِ الطويل، وأجوَدُ منه: تقييدُ الآيةِ بما تواتَرَتْ به السُّنَّةُ مِنْ خروجِ عُصاةِ الموحِّدينَ مِنْ النارِ بشفاعةِ الشافِعِين، ورحمةِ أرحَمِ الراحمين.
وكذلك: ما ذكَرَهُ مِنْ احتجاجِ المعتزِلةِ بهذه الآيةِ على قولهم بتخليدِ أهلِ الكبائِرِ في النارِ:
ما ذكَرَهُ مِنْ المذهبَيْنِ في تخليدِ العصاةِ صحيحٌ، ولكنَّه ﵀ ذكَرَ احتجاجَ المعتزِلةِ على مذهَبِهم بأثرِ ابن عبَّاس، وزيدٍ، وبالحديث، ولم يُجِبْ عن ذلك، بل أيَّده بقوله: «وتقتضي الآيةُ وهذه الآثارُ: أنَّ للقتلِ حُكْمًا يَخُصُّهُ مِنْ بينِ سائرِ المعاصي»؛ وهذا يَجعَلُ في كلامِهِ نوعَ تناقُض؛ لأنه قد أجاب عن الآية.
وأمَّا أثَرُ ابنِ عبَّاسٍ وزيدٍ، والحديثُ، فلا تقاوِمُ دَلَالَتُها دَلَالةَ قولِه تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ في موضعَيْنِ مِنْ سورة «النساءِ» (^٢)،
_________________
(١) ينظر: «شرح النووي على مسلم» (١٧/ ٨٣)، و«فتح الباري» لابن حجر (٨/ ٤٩٦).
(٢) سورة النساء: ٤٨، ١١٦.
[ ١٠٦ ]
وهي التي ذكَرَ فيها وعيدَ القاتِلِ بالخلودِ في النار، ولا تقاوِمُ دلالةَ السُّنَّةِ على خروجِ عصاةِ الموحِّدين مِنْ النار.
وقد أجمَعَ أهلُ السُّنَّةِ على ما دلَّت عليه آيتا النساء، وما دَلَّ عليه حديثُ الشفاعةِ، والله أعلم.
[ ١٠٧ ]
التعليق (٤٣): توضيح تفسير ابن جزي ﴿يبيتون﴾ بالتدبير
(٤٣)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١] أي: يُدبِّرون ليلًا، وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان) (^١).
قوله: (أي: يُدبِّرون ليلًا) معناه: أن هؤلاء المنافقين إذا غابوا وخلا بعضهم ببعض دبروا فيما بينهم تدبيرًا لكيد النبي ﷺ والمؤمنين، وقالوا: ما لا يرضاه الله من الكلام، وقول ابن جزي: (وإنما سُمِّي التدبير قولًا؛ لأنه كلامُ النفس، وربما كان معه كلام باللسان) معناه: أن التدبير أصله التفكير، وهو قولٌ في النفس، وقد يتبعه قولٌ باللسان، ولا إشكال في هذا الكلام؛ فلا يحتاج إلى تعليق.
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ١١٠).
[ ١٠٨ ]
التعليق (٤٤): توضيح تفسير ابن جزي لقوله تعالى: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾
(٤٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: ١٤٧] المعنى: أيُّ حاجةٍ أو منفعة لله بعذابكم وهو الغنيُّ عنكم!
وقدَّم الشكر على الإيمان؛ لأنَّ العبد ينظر إلى النعم فيَشكر عليها ثم يؤمن بالمنعِم، فكأنَّ الشكر سببٌ للإيمان متقدِّمٌ عليه) (^١).
قوله: (أيُّ حاجةٍ أو منفعة لله) إلخ: ما قاله ﵀ في تفسير هذه الجملة الإنشائية ﴿مَا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ = قول صحيح، وهو معنى ما ذكره ابن جرير (^٢)، ولكن هذا التفسير يحتاج إلى إيضاح؛ ويحصل ذلك بمعرفة أن الخطاب للمنافقين كما يقتضيه السياق، وقد توعدهم الله في أول الآية بالدرك الأسفل من النار، ثم استثنى الذين تابوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله، فهؤلاء ناجون مع المؤمنين، ومأجورون أجرًا عظيمًا، ثم أكد نفي العذاب عن التائبين؛ لأنه تعالى لا يعذب من يعذبه إلا جزاء على السيئات، فمن شكر وآمن فلا يعذبه؛ لعدم قيام سبب العذاب به، فلا يعذب أحدًا بغير ذنب، ومعنى ذلك أنه
_________________
(١) «التسهيل» (٢/ ١٢٥).
(٢) ينظر: «تفسير الطبري» (٧/ ٦٢٣ - ٦٢٤).
[ ١٠٩ ]
لا يعذب أحدًا لحاجته إلى التعذيب، أو لمنفعة تعود إليه تعالى، كلَّا؛ فذلك ممتنع؛ لكمال عدله وكمال غناه.
وأما ما علَّل به تقديم الشكر على الإيمان من أن الشكر وسيلة إلى الإيمان، فالظاهر العكس؛ فإن الإيمان بالله ورسله أعظمُ باعث على الشكر، وحينئذ فيمكن أن يقال في تقديم الشكر على الإيمان وإن كان ثمرة للإيمان: فإنه يتضمن درجة الكمال من الإيمان، وكمال الإيمان أعلى من مطلق الإيمان، ويؤيد هذا التوجيه قوله تعالى في نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء]، وقوله ﷺ: «أفلا أكون عبدا شكورًا» (^١)، فجعل ﷺ الشكر غاية مطلوبه (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩) عن المغيرة بن شعبة ﵁.
(٢) ينظر علو منزلة الشكر في: «مدارج السالكين» (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤).
[ ١١٠ ]