(٩٤)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] الضمير في ﴿قَالَ﴾ لله ﷿، و﴿بِيَدَيَّ﴾ من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به، وتسليم علم حقيقته إلى الله، وقال المتأوّلون: هو عبارة عن القدرة، وقال القاضي أبو بكر ابنُ الطيب: إن اليد والعين والوجه صفاتُ ذاتٍ زائدةٌ على الصفات المتقرّرة.
قال ابن عطية: «وهذا قول مرغوب عنه») (^١).
قوله ﵀: (من المتشابه الذي ينبغي الإيمان به) إلخ، يعني أن هذه الآية المتضمنة إثبات يدين لله من الآي المتشابه المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، ومن المذاهب في المتشابه من القرآن أنه الذي لا يعلم تفسيره إلا الله، أي: لا يعلم معناه والمراد به إلا الله، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وتفسير المتشابه
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٧٣١ - ٧٣٢).
[ ٢١٩ ]
بهذا مردود؛ لأن الله أمر بتدبر القرآن كله، وذمَّ المعرضين عن تدبره، وما لا يفهم معناه لا يؤمر بتدبره؛ لأنه لا معنى له؛ ككلام الأعجمي لا يؤمر العربي بتدبره، وأيضًا فإنه على تقدير أن المتشابه من القرآن ما لا يُفهم معناه لا يكون هدى ولا بيانا ولا شفاءً، فعلم بذلك بطلان هذا المذهب في معنى المتشابه من القرآن، ونفاة الصفات أو كثير منها - كالأشاعرة - يجعلون نصوص ما ينفونه من المتشابه، أي: مما لا يعلم معناه إلا الله (^١)، وقد نصَّ ابن جزي ﵀ على أن هذه الآية ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من المتشابه الذي فسَّره بالمعنى المتقدم في المتشابه، وهذا يقتضي أنه لا يثبت لله يدين حقيقة؛ لأنه اعتبر لفظ اليدين من المتشابه الذي يؤمَن بلفظه، وتفوَّض حقيقته إلى الله، وهذا هو مذهب أهل التفويض من النفاة؛ لأنه جعل مقابله قول أهل التأويل الذين يفسِّرون اليدين بالقدرة، وابن جزي على خلاف قولهم، وأما ذكره لقول أبي بكر الباقلاني المتضمِّن لإثبات الصفات التي ذكرها، فمقصود ابن جزي - والله أعلم - تعقُّب ابن عطية له بقوله: «وهذا قول مرغوب عنه» (^٢)، وقد ظهر بعد المراجعة أن ابن عطية نفسه ينكر على
_________________
(١) أفاض شيخ الإسلام في إبطال مذهب التفويض، ورده من ستة أوجه في: «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٥٦ - ١٦٣)، وفي «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (١٠ - ١٦). وينظر أيضًا: «درء التعارض» (٥/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، و«مجموع الفتاوى» (١٧/ ٤٢٥)، و«شرح التدمرية» لشيخنا (ص ٢٩٦)، و«توضيح مقدمة التفسير» لشيخنا (ص ٣٤ - ٣٥)، و«مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات» د. أحمد القاضي (ص ٥١٥ - ٥٣٨).
(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٧/ ٣٦٤).
[ ٢٢٠ ]
أبي بكر الباقلاني إثبات هذه الصفات زائدةً على الصفات المتقررة، ولعلهم يريدون بالمتقررة الصفات السبع، وهي القدرة والعلم إلخ، وظهر أيضًا أن ابن عطية من أهل التأويل؛ لأنه فسَّر اليدين بالقدرة، فظهر من سياق كلام ابن جزيٍّ أنه ذكر قول ابن عطية شاهدًا لمذهب أهل التأويل الذين فسَّروا اليدين بالقدرة، فتبيَّن من مجموع كلام ابن جزي أنه من النُّفاة أهل التفويض، وأنَّ ابن عطية من النفاة أهل التأويل، وأبا بكر الباقلاني من أهل الإثبات للصفات الخبرية، كاليدين والعينين والوجه، فالحقُّ مع أبي بكر الباقلاني في إثبات هذه الصفات، ومذهب ابن جزي وابن عطية في نفي حقائق هذه الصفات وتفويض معناها أو تأويلها باطلٌ مخالفٌ لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون جميع صفات الله التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ، ويُجرون النصوص على ظاهرها مثبتين ما دلَّت عليه معرضين عن تأويلها بخلاف ظاهرها، وهذا معنى قول بعض السلف: أمِرُّوها كما جاءت، بلا كيف (^١)، والله أعلم.
_________________
(١) جاء عن الزهري، ومكحول، والأوزاعي، وسفيان، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وغيرهم. ينظر: «الغنية» للخطابي (ص ٣٨)، و«السنة» للالكائي (٣/ ٥٨٢، رقم ٩٣٠)، (٣/ ٤٧٨ رقم ٧٣٥)، و«السنة» للخلال (١/ ٢٥٩، رقم ٣١٣)، و«الشريعة» (٣/ ١١٤٦، رقم ٧٢٠)، و«جامع بيان العلم» (٢/ ٩٤٣ رقم ١٨٠١)، و«الأسماء والصفات للبيهقي» (٢/ ٣٧٧، رقم ٩٥٥).
[ ٢٢١ ]