(٨٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ الآية [فاطر: ١٠].
فيه ثلاثة أقوال:
والثالث: أن ضمير الفاعل: للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب، والمعنى على هذا: أن العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب، فلا يُقبل الكلمُ إلَّا ممن له عمل صالح.
روي هذا المعنى عن ابن عباس، واستبعده ابن عطية، وقال: لم يصح عنه؛ لأن اعتقاد أهل السنة أن الله يتقبَّل من كل مسلم، قال: وقد يستقيم بأن يُتأوَّل: أن الله يزيد في رفعه وحسن موقعه) (^١).
قوله: (فيه ثلاثة أقوال)، قال: (والثالث: أن ضمير الفاعل:) - أي: لفعل «يرفع» - (للعمل الصالح، وضمير المفعول: للكلم الطيب)،
_________________
(١) التسهيل (٣/ ٦٠٥ - ٦٠٦).
[ ٢٠٧ ]
وهذا الذي شرحه المؤلف هو قول جمهور المفسرين، وهو المروي عن ابن عباس، كما ذكره المؤلف (^١)، وذكر أن موجَب هذا أن الكلم الطيب لا يُقبل إلا ممَّن له عمل صالح، ونقل الاعتراض عليه عن ابن عطية؛ وعبارة ابن عطية في هذا: «هذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة، ولا يصح عن ابن عباس، والحق أن العاصي التارك للفرائض إذا ذكر الله تعالى وقال كلامًا طيبًا؛ فإنه مكتوب له متقبل منه، وله حسناته وعليه سيئاته» اه (^٢)، وما قاله ابن عطية من معتقد أهل السنة أن الله يقبل العمل الصالح من العبد صحيح، ولكن في وروده على التفسير المشهور للآية نظر؛ فالله يقبل عمل العبد وإن كان عاصيًا ما اتقى الشرك، واتقى الله في عمله المعيَّن؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين (٢٧)﴾ [المائدة] (^٣)، وذكر المؤلف القولين الآخرين؛ أحدهما: أن ضمير الفاعل يعود إلى الله، فهو سبحانه الذي يرفع العمل الصالح ويقبله، والثاني: أن ضمير الفاعل يعود إلى الكلم، أي: الكلم يرفع العمل الصالح، وهذان القولان ضعيفان؛ إذْ مقتضاهما نصب العمل على الاشتغال، وهذا لم يُقرأ به إلا في بعض القراءات الشاذة (^٤)، وبهذا يترجح القول الأول المرويُّ عن السلف عن ابن عباس وغيره،
_________________
(١) ينظر: «تفسير الطبري» (١٩/ ٣٣٨ - ٣٤٠)، و«زاد المسير» (٣/ ٥٠٧)، و«تفسير ابن كثير» (٦/ ٥٣٧).
(٢) ينظر: «المحرر الوجيز» (٧/ ٢٠٦).
(٣) ينظر: «الإيمان الأوسط» (ص ٣٤٧)، «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٢٢)، (١١/ ٦٦٢)، و«منهاج السنة» (٥/ ٢٩٦)، (٦/ ٢١٦). وينظر: التعليق رقم (٤٥).
(٤) هي قراءة عيسى بن عمر وابن أبي عبلة. ينظر: «مختصر شواذ القراءات» لابن خالويه (ص ١٢٤)، و«شواذ القراءات للكرماني» (ص ٣٩٤ - ٣٩٥).
[ ٢٠٨ ]
ويدفع عنه الاعتراض الذي أورده ابن عطية أن أجلَّ العمل الصالح الإيمانُ، كما في الصحيحين أن النبي ﷺ سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله» (^١)، ومعلوم أن من لا إيمان له لا يرتفع له عمل؛ فالإيمان شرط قبول العمل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ [النحل: ٩٧]، فالإيمان بالله ورسوله أجلُّ عمل يرتفع به الكلم الطيب وغيره من كل عمل صالح.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣) عن أبي هريرة ﵁.
[ ٢٠٩ ]
التعليق (٩٠): توضيح قول ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾
(٩٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ عند تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]:
(فإنْ قيل: إنَّ التعميرَ والنقصَ لا يَجتمِعانِ لشخصٍ واحدٍ؛ فكيف أعاد الضميرَ في قولِه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ على الشخصِ المعمَّر؟
فالجوابُ مِنْ ثلاثةِ أوجُه:
الأوَّل - وهو الصحيحُ -: أنَّ المعنى: ما يُعمَّرُ مِنْ أحدٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا في كتابٍ؛ فوضَعَ ﴿مِنْ مُّعَمَّرٍ﴾ في موضعِ «مِنْ أَحَدٍ»، وليس المرادُ شخصًا واحدًا، وإنما ذلك كقولِك: «لا يُعاقِبُ اللهُ عبدًا ولا يُثِيبُهُ إلا بحَقٍّ».
والثاني: أنَّ المعنى: لا يزادُ في عُمُرِ إنسانٍ ولا يُنْقَصُ مِنْ عمرِهِ إلا في كتابٍ؛ وذلك أن يُكتَبَ في اللوحِ المحفوظِ: أنَّ فلانًا إنْ تصدَّقَ، فعمرُهُ سِتُّونَ سنةً، وإنْ لم يتصدَّقْ، فعمرُهُ أربعونَ؛ وهذا ظاهرُ قولِ رسولِ الله ﷺ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ» (^١)، إلَّا أنَّ ذلك مذهبُ
_________________
(١) روي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وعن ابن مسعود، وعن أبي أمامة، وعن أبي سعيد، وعن أم سلمة، وعن عبد الله بن جعفر … وفي أسانيدها مقال وبعضها منكر، وقد صححه بعض العلماء بمجموع طرقه. ينظر: «البدر المنير» (٧/ ٤٠٧)، و«مجمع الزوائد» (٣/ ١١٥)، و«التلخيص الحبير» (٣/ ٢٤٧، رقم ١٤٢٨)، و«المقاصد الحسنة» رقم (٦١٨)، و«السلسلة الصحيحة» (٤/ ٥٣٥، رقم ١٩٠٨).
[ ٢١٠ ]
المعتزِلةِ القائلِينَ بالأَجَلَيْنِ، وليس مذهبَ الأشعريَّة، وقد قال كَعْبٌ حين طُعِنَ عُمَرُ: «لَوْ دَعَا اللهَ، لَزَادَ فِي أَجَلِهِ»؛ فأنكَرَ الناسُ ذلك عليه؛ فاحتَجَّ بهذه الآيةِ (^١).
والثالثُ: أنَّ التعميرَ: هو كَتْبُ ما يُستقبَلُ مِنْ العُمُر، والنقصَ: هو كتبُ ما مضى منه في اللوحِ المحفوظِ؛ وذلك في حَقِّ كلِّ شخص) (^٢).
قولُ المؤلِّفِ ﵀ في الوجهِ الثاني مِنْ وجوهِ مرجِعِ الضميرِ في قولِه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾: إنَّ المرادَ: مَنْ يُعمَّرُ بسببٍ؛ كالصَّدَقةِ، أو يُنْقَصُ مِنْ عمرِهِ؛ لعدَمِ ذلك؛ فمَن تصدَّقَ أو وصَلَ رحمَهُ، زِيدَ في عمرِهِ، بخلافِ مَنْ ليس كذلك، واعترَضَ ﵀ على هذا الوجهِ: بأنه يوافِقُ قولَ المعتزِلةِ القائلِينَ بالأجلَيْنِ، وأنه خلافُ قولِ الأشاعِرةِ.
ولا شكَّ: أنَّ قولَ المعتزِلةِ بأنَّ للإنسانِ أجلَيْنِ مكتوبَيْنِ؛ أحدُهما معلَّقٌ على سببٍ، وهذا السبَبُ غيرُ معلومٍ لله، وغيرُ مكتوبٍ.
ولا ريبَ أنَّ هذا القولَ باطلٌ.
_________________
(١) أخرجه معمر بن راشد في «جامعه» (٢٠٣٨٦)، والفريابي في «القدر» (٤٤٢) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قال: لما طعن عمر ﵁ قال كعب: «لو دعا عمر لأخر في أجله». ولفظ الفريابي: «لو دعا الله عمر لأخر في أجله». وأورده - باللفظ الذي ذكره ابن جزي - النحاس في «معاني القرآن» (٥/ ٤٤٥) فقال: «وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار …»، وذكره.
(٢) «التسهيل» (٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨).
[ ٢١١ ]
وأهلُ السُّنَّةِ يقولونَ بما دلَّت عليه السُّنَّةُ؛ بأنَّ طُولَ العمرِ قد يكون بسببٍ مِنْ قِبَلِ العبدِ؛ كالبِرِّ والصلةِ؛ فمَن عُمِّرَ بهذا السببِ، فالسبَبُ والمسبَّبُ قد سبَقَ بهما علمُ اللهِ وكتابُهُ؛ بمعنى: أنَّ اللهَ قد عَلِمَ وكتَبَ أنَّ هذا يطولُ عمرُهُ بذلك السبب، ويَعلَمُ سبحانه أنه لو لم يكنْ منه ذلك السببُ، لكان عمرُهُ دون ذلك؛ فهما - عند أهل السُّنَّةِ - أجَلَانِ:
أجَلٌ معلومٌ مكتوبٌ هو وسبَبُهُ؛ فلا يقَعُ سواهُ.
وأجَلٌ معلومٌ أنه لا يقَعُ لعدَمِ وقوعِ سببِه؛ فهو غيرُ مكتوب.
فعِلْمُ اللهِ شاملٌ لما كان وما يكونُ، وما لا يكونُ، لوكان كيف يكون.
وبذلك يُعلَمُ: أنه لا تغيُّرَ في علمِ اللهِ، ولا في كتابِهِ، ويمتنِعُ أن يحدُثَ ما يُوجِبُ ذلك؛ أي: التغييرَ في علمِ اللهِ وكتابِه.
وأمَّا المعتزِلةُ: فقولُهم بالأجَلَيْنِ، معناه - على ما ذكَرَهُ عنهم أبو منصورٍ الماتُرِيدِيُّ في «تفسيره» (^١) - أنَّ اللهَ تعالى يَجعَلُ لكلِّ أحدٍ أجلَيْنِ، فإذا وصَلَ رَحِمَهُ، أماتَهُ في أبعَدَ الأجلَيْنِ، وإذا لم يصلْ، جعَلَ أجلَهُ الأوَّلَ.
قال أبو منصورٍ متعقِّبًا: «فهذا أمرُ مَنْ يَجهَلُ العواقبَ، فأمَّا مَنْ كان عالمًا بالعواقبِ، فلا؛ لأنَّه بُدُوٌّ ورجوعٌ عمَّا تقدَّم مِنْ الأمر». اه-.
ومِن فروعِ قولِ المعتزِلة: أنَّ أفعالَ العبادِ غيرُ مخلوقةٍ لهم ولا مقدَّرةٍ (^٢)، ومِن فروعِ ذلك: أنَّ المقتولَ مقطوعٌ عليه أجَلُهُ (^٣).
وأهلُ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ المقتولَ ميِّتٌ بأجَلِهِ (^٤).
_________________
(١) تفسير الماتريدي، المسمى ب «تأويلات أهل السُّنة» (١/ ٤٩١).
(٢) ينظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ١٨١)، و«مجموع الفتاوى» (٨/ ١١).
(٣) ينظر: «مقالات الإسلاميين» (١/ ٢٠٤).
(٤) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٥١٦).
[ ٢١٢ ]