أولا: الآيات:
الصفة الأولى: الوجه:
فمما جاء من آيات الصفات قول الله تعالى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ .
_________________
(١) (أ) ماذا تدل عليه هذه الآية؟ (ب) وما دليل إثبات الوجه لله تعالى؟ . (أ) يقول تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أي: كل ما على وجه الأرض، وما على الوجود هالك وميت؛ ثم ذكر أن الباقي وجه الله تعالى، فهو تعالى لا يفنى ولا يموت، والجن والإنس يموتون. (ب) في هذه الآية إثبات الوجه صفة لله تعالى، وهو من الصفات الذاتية، التي لا تنفك عن الله تعالى؛ ومثلها قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقوله ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ وفي الحديث: «من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله..» ومن دعاء النبي ﷺ: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم» .
[ ٦٤ ]
وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» .
وفي الحديث أيضا: «حجابة النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» .
فأهل السنة يثبتون الوجه صفة لله، على ما يليق بجلاله، زائدة على الذات، ولا يشبهونه بما يختص بالمخلوق.
[ ٦٥ ]
صفة اليدين
الصفة الثانية: اليدان:
وقوله تعالى ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ .
_________________
(١) (أ) ماذا تدل عليه هذه الآية؟ (ب) وماذا ترد به تأويل من نفى هذه الصفة؟ (أ) في الآية رد على اليهود الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ومرادهم وصفه تعالى بالبخل، فأخبر تعالى بسعة فضله وعطائه، وأنه ينفق كيف يشاء، وأن يديه مبسوطتان، أي: بالعطاء والامتنان. ويد الله صفة من صفاته الذاتية التي لا تنفك عنه، وقد دل على إثباتها الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وفي الحديث: «يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة..» وفيه أيضا: «إن الله غرس جنة عدن بيده؛»
[ ٦٦ ]
«وكتب التوراة بيده» ونحو هذه الأدلة كثيرة، فيثبتها أهل السنة، مع نفي التشبيه كسائر الصفات.
(ب) وأنكر المعتزلة ونحوهم هذه الصفة، وفسروها بالنعمة أو القدرة، وهذا حمل لكلام الله وكلام رسول الله على مجاز بعيد عن المتبادر إلى الأفهام، ولا يناسب ذلك جميع النصوص، ولا يقال: الله خلق آدم بقدرتين أو نعمتين، وعليه أيضا لا يكون لأدم مزية على سائر الخلق التي خلقت بقدرة الله.
[ ٦٧ ]
صفة النفس
الصفة الثالثة: النفس:
وقوله تعالى إخبارا عن عيسى ﵇ أنه قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ .
_________________
(١) (أ) ما معنى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؟ (ب) وما دلالتها على الموضوع؟ (أ) حكى الله عن عيسى أنه اعترف لله بسعة العلم، والاطلاع على الضمائر، وما تخفيه النفوس؟ وأن عيسى وغيره من المخلوقين لا يحيطون به علما. (ب) وفي الآية إثبات صفة النفس لله تعالى، فيثبتها أهل السنة ولا يشبهونها بما يختص بالخلق.
[ ٦٨ ]
صفة المجيء والإتيان
الصفة الرابعة: المجيء والإتيان:
وقوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ .
_________________
(١) (أ) ما مفاد هاتين الآيتين؟ (ب) وما قول أهل السنة في مدلولهما؟ (ج) وما الجواب عن تأويل النفاة؟ (أ) يخبر تعالى عن هول القيامة، وأن الأرض تندك دكا، وأنه سبحانه يجيء لفصل القضاء بين عباده، وتنزل الملائكة صفوفا. وفي الآية الأخرى: أخبر أن الكفار ما ينتظرون إلا إتيان الله يوم القيامة ليحكم بين الناس. (ب) وفي الآيتين الدلالة الواضحة على إثبات مجيء الله وإتيانه كما يشاء يوم القيامة وأنه الذي يتولى الحكم بين عباده؛ فأهل السنة يقرون بما تضمنته هذه الآيات، ونحوها من الأحاديث، ويقولون: إنه تعالى يجيء
[ ٦٩ ]
مجيئا حقيقيا كما هو المفهوم من النصوص، إلا أنهم يتوقفون عن الكيفية، ويعتقدون أنه تعالى لا يشبه بشيء من خصائص الخلق.
(ج) وأنكر ذلك الجهمية، والأشعرية ونحوهم، لأنه بزعمهم من خصائص المحدثات والمركبات؛ وتأولوا الآيات ونحوها بأن المراد: يجيء أمره. ونحو ذلك، وهو تأويل بعيد، يفتح لكل ملحد باب التقديرات في القرآن، ليصرفه عن المفهوم المتبادر إلى العقل من معناه، والقرآن ظاهر المعنى لكل مؤمن سليم الفطرة، وأيضا فإن أمره سبحانه ينزل كل حين، لا يختص بيوم القيامة، ولو كان المراد أمره لصح نفي حكم الله بين العباد، والقول بأن الحكم من غيره، وهو باطل.
[ ٧٠ ]
صفة الرضا والمحبة والغضب والسخط والكراهية
الصفة الخامسة: الرضا:
الصفة السادسة: المحبة:
الصفة السابعة: الغضب:
الصفة الثامنة: السخط:
الصفة التاسعة: الكراهية:
وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقوله في الكفار: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ .
_________________
(١) (أ) بين ما في هذه الآيات من المعاني؟ (ب) وما نوع الصفات التي تؤخذ منها؟ (ج) وكيف يرد على من أنكرها؟ (أ) في هذه الآيات دلالة على أن الأعمال الصالحة سبب للسعادة، والحصول على رضا الله ومحبته التي تسبب الفلاح والفوز، وأن الأعمال السيئة سبب للشقاوة التي علامتها سخط الله وغضبه. وفيه إثبات العلل، وارتباط الأسباب بالمسببات، وقد أنكر بعض الطوائف الارتباط بين العمل والجزاء. (ب) وفي الآيات إثبات بعض الصفات الفعلية التي يفعلها الله بمشيئته،
[ ٧١ ]
كصفة الرضى، والغضب، والمحبة، والكراهة، والسخط، فنثبت ذلك لله كما أثبته لنفسه ونفوض إليه العلم بكيفيتها.
(ج) وأنكر ذلك النفاة من المعتزلة والأشاعرة ونحوهم، قالوا: لأن المحبة رقة في القلب، تستدعي الميل إلى المحبوب، ولأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذه الأحوال إنما تناسب المخلوق.
وتأولوا الرضا والمحبة: بالإكرام، والنصر، والثواب، وتأولوا الغضب والكراهة والسخط: بأنه العقاب، ونحو ذلك مما هو صرف للقرآن والسنة عما هو المتبادر منهما إلى أفهام المخاطبين.
[ ٧٢ ]
صفة النزول
ثانيا: الأحاديث:
الصفة العاشرة: النزول:
ومن السنة قوله ﷺ:
_________________
(١) (أ) لماذا سيق هذا الحديث؟ (ب) وما الرد على من تأوله؟ (أ) تقبل أهل السنة هذا الحديث الصحيح، وآمنوا بما فيه من إثبات نزوله وتودده إلى عباده، وحثهم على الدعاء، والذكر، والتوبة، في آخر الليل؛ وتوقفوا عن تكييف هذا النزول بل أجروه على ما يليق بجلال الله تعالى. (ب) وقد كبر هذا الحديث على المعطلة من الجهمية ونحوهم، واضطربوا فيه. فرده بعضهم، وقالوا: هو من أخبار الآحاد، وهي لا تفيد إلا الظن بزعمهم، فلا يدخل في العقائد. وتأوله آخرون بأن المراد نزول رحمته أو أمره ونحو ذلك. والحديث مروي في الصحاح والسنن، وسائر دواوين أهل السنة، عن جمع من الصحابة، فهو يفيد اليقين الجازم، وكذلك ما صح من أخبار
[ ٧٣ ]
«ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» .
_________________
(١) الآحاد، مما عدلت نقلته، وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يفيد اليقين على الصحيح؛ وأما تأويله بنزول الرحمة والأمر فباطل، لأن أمره تعالى ينزل كل وقت، ولا يختص بثلث الليل الأخير، وأيضا لا يصح أن أمره يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، كما في تتمة الحديث.
[ ٧٤ ]
صفة العجب والضحك
الصفة الحادية عشر: العجب:
الصفة الثانية عشر: الضحك:
وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة» وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»، فهذا وما أشبهه، مما صح سنده، وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه لا شبيه له ولا نظير: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وكل ما تخيل في الذهن، أو خطر بالبال، فإن الله تعالى بخلافه.
_________________
(١) (أ) ما تفهم من هذين الحديثين في الصفات؟ (ب) ومتى تقبل الأحاديث في العقائد؟ (ج) وما فائدة قوله: بتأويل يخالف ظاهره؟ (د) وما الفرق بين صفات المخلوقين، وسمات المحدثين؟
[ ٧٥ ]
(هـ) وما معنى قوله: تخيل في الذهن، أو خطر بالبال؟
(أ) في الحديث الأول: إثبات صفة العجب لله تعالى على ما يليق به، وسبب العجب استحسان المتعجب منه واستغرابه، وهو هنا كون الشاب ليست له صبوة، أي: ميل إلى اللهو والهوى، فإن عادة الشباب الإكباب على ملذات النفس من اللهو والبطالة، فإذا وجد شاب عَزُوفٌ عن الشهوات، مُعْرِضٌ عن أنواع المشتهيات الملهية، مقبل على الآخرة وما يقرِّب إليها، كان مما يثير العجب، وهو من أسباب مضاعفة الثواب.
وفي الحديث الثاني إثبات صفة الضحك لله تعالى، على ما يليق بجلاله.
والعجب والضحك من الصفات الفعلية الاختيارية، يفعلها تعالى متى شاء، وسبب الضحك في الحديث التعجب من اجتماع القاتل والمقتول في الجنة، وذلك أن القاتل كان كافرا، فأسلم وقاتل في سبيل الله فاستشهد، وهذا الحديث متفق على صحته، وأما الأول فهو حسن، رواه أحمد وأبو يعلى والبيهقي وغيرهم.
(ب) وتقبل الأحاديث في العقائد، كما تقبل في الأعمال، بشرط صحتها، وعدالة نقلتها وثقتهم، خلافا لأهل البدع القائلين: إن أحاديث الآحاد لا تفيد إلا الظن، فلا تقبل في العقائد، والمراد بالآحاد ما عدا المتواتر، والصحيح قبولها، وإفادتها اليقين.
(ج) (ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره): كتأويل النفاة بقولهم: إن
[ ٧٦ ]
الضحك والعجب يراد بهما الثواب، ونحو ذلك، ففيه دليل على أن الواجب القول بما دل عليه الظاهر، مع اعتقاد نفي مشابهة المخلوقين، على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
(د) و(صفات المخلوقين): ميزاتهم وخصائصهم، (والسمات): الهيئات والأشكال، و(المحدثون): الخلق الذين أحدثهم الله.
(هـ) (وكلما تخيل في الذهن إلخ) هذا كقوله في الخطبة: لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير؛ لأن المخلوق قاصر عن أن يحيط بكنه الباري، أو يصل بفكره إلى كيفية شيء من صفاته: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ .
[ ٧٧ ]
صفة الاستواء
الصفة الثالثة عشر: الاستواء:
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
_________________
(١) (أ) ماذا تدل عليه هذه الآية؟ (ب) وما العرش؟ (ج) واذكر تفاسير السلف للاستواء والجواب عن تفاسير المعطلة؟ (أ) يمجد الرب تعالى نفسه باسمه الرحمن، ليتذكر الخلق سعة رحمته، ثم ذكر علوه على خلقه، واستواءه على عرشه. (ب) والعرش في اللغة: سرير الملك، وهو هنا عرش حقيقي، خلقه الله، وخصه بالاستواء عليه، وقد ذكر في عدة مواضع. كقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، وقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾، وقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾، وقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، ونحوها. وقد ورد في الحديث: «إن الكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ألقيت»
[ ٧٨ ]
«بأرض فلاة» مع قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ .
(ج) وقد فسر السلف الاستواء بأربعة تفاسير، ذكرها ابن القيم ﵀ بقوله في الكافية الشافية:
ولهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن
وقد كدّرت نصوص الاستواء وتفاسير السلف لها صفو مشارب الجهمية، حتى تمنى الجهم بن صفوان أن يحك آية الاستواء من المصاحف، وقد ذهبوا في تأويلها كل مذهب، وطعنوا في تفاسير السلف بشبه وهمية زعموها عقلية، وإنما هي خيالات باطلة، وأغلب كتب النفاة تعتمد تفسير استوى: باستولى، أو تفسير العرش: بالملك، ويستدلون ببيت شعر وهو:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
وهذا التفسير غير معروف عند العرب، ولم ينقله أحد من أئمة اللغة
[ ٧٩ ]
والبيت لا يعرف في دواوين العلم الصحيحة، وفيه تصحيف، وعلى تقدير ثبوته فالاستواء فيه هو الاستقرار، أي: استقر على عرشها، واطمأن بها. ولو كان الاستواء في الآيات هو الاستيلاء لم يكن لتخصيص العرش فائدة، فإن الله تعالى مستول على جميع المخلوقات.
[ ٨٠ ]
صفة العلو والفوقية
الصفة الرابعة عشر: العلو والفوقية:
وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وقول النبي ﷺ: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك» وقال للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء قال: أعتقها فإنها مؤمنة» رواه مالك بن أنس ومسلم وغيرهما من الأئمة.
وقال النبي ﷺ: «لحصين كم إلها تعبد؟ قال: سبعة. ستة في الأرض وواحدا في السماء. قال: ومن لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين فأسلم وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي»، وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء.
_________________
(١) (أ) بين دلالة الآية المذكورة والحديث الأول؟ (ب) وكيف يستدل بكلام الجارية؟ (ج) وما معنى قوله: كم إلها تعبد؟ (د) وما المراد برغبته ورهبته.
[ ٨١ ]
(هـ) وبين دلالة الأثر عن الكتب المتقدمة.
(و) وما معنى حرف الجر في قوله: (في السماء)؟
(أ) تفيد الآية والحديث أن الله تعالى في السماء، والمعنى: كيف تأمنون الله الذي في السماء فوقكم ومطلع عليكم، وفي الحديث: توسل إلى الله بكونه الرب، أي: المالك المربي لنا بالنعم، وبكونه في السماء حيث أن صفة العلو تفيد الغلبة والتمكن، ثم مجده تعالى بقوله: "تقدس اسمك"، أي: تنزه، وعظم جلالك، وكبرياؤك، والحديث رواه أبو داود والحاكم والبيهقي والطبراني عن أبي الدرداء في رقية المريض.
(ب) أما حديث الجارية فرواه مسلم وأبو داود والنسائي والإمام مالك وغيرهم، ودلالته واضحة على إثبات صفة العلو لله تعالى فإنه لما قال: "أين الله" فقالت: في السماء، كان اعترافا منها بالله مألوها، وأنه العلي الأعلى، ولما أقرها على ذلك، وشهد لها بالإيمان، دل على أن اعتقاد كون الله في السماء مما يتم به الإيمان.
(ج) أما حديث حصين -وهو والد عمران - فرواه الترمذي والبيهقي وغيرهما، سأله عن عدد الآلهة التي يعبدها وكانوا يسمون كل معبود إلها، لأنهم يألهونه، أي: تألهه قلوبهم، محبة، وخوفا، ورجاء، وكانوا يعترفون بالله ربا وخالقا، فلذلك ذكر حصين أنه يعبد سبعة آلهة، وأن واحدا منها في السماء وهو: الله.
(د) وقوله: "من لرغبتك ورهبتك؟ " الرغبة: قوة الرجاء، والرهبة: شدة الخوف، أي: أيهم الذي تقصده وتهرع إليه عند شدة الخوف من
[ ٨٢ ]
ضرر، أو عند الحاجة إلى شيء مفقود، فاعترف بأن ذلك لله وحده، وكانوا في الشدة ينسون ما يشركون، ويدعون الله مخلصين له الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ .
ودلالة الحديث في إقراره على أن المعبود للرغبة والرهبة هو الذي في السماء، وفي قوله: اترك الستة واعبد الذي في السماء، أي: اعبد الله وحده، فلما أسلم علمه هذا الدعاء المختصر النافع.
(هـ) وأما الأثر المنقول عن الكتب المتقدمة ففيه: وصف هذه الأمة بأنهم وإن كانوا في الأرض فإنهم يعبدون الله الذي هو فوقهم في السماء، فدلالته كدلالة ما قبله.
(و) أما قوله في هذه النصوص (في السماء)، فليس معناه أن السماء تحويه أو تحصره، تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرا، وقد فسرت بتفسيرين:
أحدهما: أن حرف الجر بمعنى: "على"، كما في قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإن "في" بمعنى: "على" فالمراد كونه على السماء، أي: فوقها.
الثاني: أن المراد بالسماء العلو، أي: هو في العلو وفوق العباد.
[ ٨٣ ]
حديث الأوعال
وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: «إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا - وذكر الخبر إلى قوله- وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك» فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله.
_________________
(١) (أ) ما تفهم من هذا الحديث؟ (ب) وماذا يسمى؟ (ج) وكيف الجواب عن تأويل من تأوله؟ (أ) هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والضياء المقدسي والبيهقي وابن خزيمة وابن منده وغيرهم، وهو يدل الدلالة الواضحة على فوقية الله تعالى، وأن العرش أعلى المخلوقات، وأن الله تعالى فوق العرش كما شاء ويؤيده قول عبد الله بن رواحة ﵁ الذي أقره عليه النبي ﷺ: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرين وأن العرش فوق الماء طافٍ وفوق العرش رب العالمين
[ ٨٤ ]
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فالله تعالى فوق خلقه بجميع أنواع الفوقية أي بقهره، وبقدره، وبذاته.
(ب) وهذا الحديث يسمى: (حديث الأوعال) حيث ذكر في بعض ألفاظه ما نصه: «ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش» .
(ج) وتأوله النفاة بأن المراد: فوقية القدر، كما يقال: الذهب فوق الفضة، ونحوه. وهذا التأويل خلاف المفهوم، وهو غير مطرد في جميع النصوص، وقد صرح هنا بأن العرش فوق الماء، وأن الله فوق العرش، ثم لا مناسبة لأنْ يقال: إن الله أرفع قدرا من العرش فإنه مما لا يحتاج إليه عند كل عاقل، حيث لا مساواة ولا مقاربة.
[ ٨٥ ]
قول الإمام مالك في الاستواء:
سئل مالك بن أنس الإمام ﵁ فقيل: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. ثم أمر بالرجل فأُخرج.
_________________
(١) (أ) ما مراد هذا السائل؟ (ب) وما معنى جواب مالك؟ (ج) ولماذا جعله مبتدعا؟ (د) وبين دلالة هذا الجواب؟ (أ) أراد هذا السائل البحث عن كيفية الاستواء هل هي معلومة؟ وهل هي كاستواء المخلوق أم لا؟. (ب) قوله: (الاستواء معلوم) أي: مفهوم لكل عربي، فإنه إذا عُدِّيَ بعلى -كما هنا- أفاد العلو والارتفاع، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ وقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: تعلوها، وتستقروا فوقها، فالاستواء معلوم، يفسر، ويترجم من لغة إلى لغة.
[ ٨٦ ]
وأما الكيفية: فمجهولة للبشر، لقصور علمهم عن الإحاطة بالله وصفاته.
وقوله: (والإيمان به واجب) أي: يلزم التصديق به، واعتقاده حقا، حيث ثبت بالدليل، وتواردت عليه الآيات.
(ج) وأما السؤال عن الكيفية: فبدعة، لم يُؤْثر عن السلف وعلماء الأمة، وإنما كانوا يقرؤون الآيات، ويقرونها على ما هي عليه، ولا يتقعرون وراء ذلك.
(د) وهذا الجواب عظيم القدر، وقد روي قريب منه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك وروي أيضا عن أم سلمة ﵂ موقوفا عليها، وروي عنها مرفوعا إلى النبي ﷺ، وفيه الإقرار بأن الاستواء مفهوم، وأن له كيفية، وتلك الكيفية مجهولة، ولو كان الإمام مالك ﵀ ينكر الاستواء لما قال: إنه معلوم، ولما كان له كيفية يحتاج إلى السؤال عنها.
[ ٨٧ ]
فصل
الصفة الخامسة عشر: الكلام:
ومن صفات الله تعالى أنه متكلم بكلام قديم، يسمعه منه من شاء من خلقه. سمعه موسى ﵇ منه من غير واسطة، ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه، ويأذن لهم فيزورونه، قال الله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وقال سبحانه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ .
_________________
(١) (أ) ما تقول في صفة الكلام لله؟ (ب) وما معنى كون كلامه قديما؟ (ج) وكيف كلم الله موسى؟ (د) وما الدليل على أنه يكلم الناس في الآخرة؟ (هـ) وماذا يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾؟ (أ) مسألة إنكار الكلام من أقدم ما أحدثه المبتدعة، وقد بالغ السلف في إثبات صفة الكلام لله وبينوا بطلان أقوال النفاة من الجهمية ونحوهم،
[ ٨٨ ]
وأثبتوا أن الله تعالى متكلم ويتكلم إذا شاء بكلام يسمعه منه من شاء، وبينوا أن صفة الكلام صفة مدح، وأن سلبها نقص وعيب وهو الخرس، وقد عاب الله عِجل بني إسرائيل بقوله ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ .
(ب) وعند أهل السنة أن كلام الله قديم النوع، متجدد الآحاد، ومعنى كونه قديم النوع: أن جنسه قديم، فالله تعالى متصف في الأزل بكونه متكلما، فإن الله بجميع صفاته ليس بحادث، ولكنه لا يزال يتجدد ويحدث له كلام إذا شاء، وصفة الكلام من الصفات الفعلية الملازمة للذات متى شاء.
(ج) وقد ذكر الله أنه كلم موسى تكليما، ولهذا يسمى موسى: كليم الرحمن، ولا يشك أهل السنة أن موسى ﵇ سمع كلام الله حقيقة، لا بواسطة ملك، ولا مترجم، بل منه إليه، لأن الله قال له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ ولا يصح أن يقول هذا مخلوق، فتحقق أنه عين كلام الله الذي سمعه موسى وقال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي﴾ أي: اخترتك وخصصتك بإرسالي لك إلى فرعون وإلى قومك من بني إسرائيل، وبتكليمي لك كلاما مني إليك، ثم إن قوله: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يراد به موسى.
[ ٨٩ ]
وقد حاول بعض الجهمية من بعض القراء أن يقرأها بنصب الجلالة، حتى يكون موسى هو الفاعل لينفي عن الله أنه هو المتكلم، ولكن أورد عليه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ فهي صريحة في أن الرب هو الفاعل.
وقد تكلف الجهمية وغيرهم من نفاة الكلام تأويل هذه الآيات، حتى فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ بقوله: المراد جرحه بأظافير الحكمة؛ لأن الكلم: الجرح في اللغة. وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، يرده توارد المعنى بألفاظ كثيرة يفهم منها صريح الكلام. ويرده قوله تعالى: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ولم يقل: (بكلمي) بإسكان اللام حتى يفسر بالجرح، ويرده آيات النداء كما يأتي بعضها قريبا إن شاء الله وكذا آيات القول والحديث ونحوها، والله تعالى يكلم من أراد من خلقه، فيكلم جبريل من وحيه بما أراد، وكلم محمدا ﷺ ليلة الإسراء، كما يأتي في الأحاديث.
(د) وأما تكليمه للناس في الآخرة فدليله قوله ﵊ «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان» وكذا
[ ٩٠ ]
الأحاديث الكثيرة في نعيم أهل الجنة، وأن منه: زيارتهم لربهم، وكلامه لهم، وسؤالهم منه الرضا إلخ، وهي أحاديث متداولة بين الأمة، مروية في أمهات الكتب، وفيها التصريح بأنهم يسمعون كلام الله حقيقة كما شاء.
(هـ) أما قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ ففيها أنه تعالى لا يكلم في الدنيا أحدا من البشر مقابلة، ولا يتمكن أحد منهم من رؤيته، لاتصافه تعالى بالعلو، والكبرياء والعظمة، ولضعف تركيب البشر عن الاستقرار والثبوت لذلك ثم أخبر أنه ينزل الوحي والشرع على من اختاره لذلك، بواسطة الملك، أو يلهمه ويلقيه في روعه، وقد يكلم البعض من وراء حجاب كما كلم موسى، وقد يرسل رسولا من الملائكة فيكلم الرسول البشري بما أرسله الله به.
[ ٩١ ]
الصفة السادسة عشر: كلام الله بحرف وصوت مسموع:
وقال تعالى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾، وقال ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وغير جائز أن يقول هذا إلا الله.
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء، وروي ذلك عن النبي ﷺ، وروى عبد الله بن أنيس عن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الخلائق يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان» رواه الأئمة، واستشهد به البخاري.
[ ٩٢ ]
وفي بعض الآثار: أن موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، ناداه ربه: يا موسى فأجاب سريعا استئناسا بالصوت: لبيك لبيك أسمع صوتك، ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك، ووراءك، وعن يمينك، وعن شمالك. فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى، قال فكذلك أنت يا إلهي أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى.
_________________
(١) (أ) ماذا تدل عليه الآيات والأحاديث في النداء؟ (ب) وماذا يؤخذ من قوله: "سمع صوته أهل السماء"؟ (ج) وما معنى حفاة.. إلخ؟ (د) وما معنى قوله لموسى "أنا فوقك ووراءك.. إلخ"؟ (أ) تكرر في القرآن نداء الله لموسى وغيره، كقوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ وقوله: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ وكذا الآية هنا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ وكذا قوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ وكحديث ابن أنيس المذكور، وفيه: «فيناديهم بصوت» رواه الأئمة، كأحمد والطبراني
[ ٩٣ ]
والحاكم وأبي يعلى وغيرهم. وكذا الأثر في قصة موسى والشاهد منه قوله: ناداه ربه يا موسى إلخ.
ولا شك أن النداء لا يكون إلا بكلام، فهذه النصوص من أدلة أهل السنة أن الله يتكلم إذا شاء، وينادي بصوت يسمع، وذكر هنا خصوصية ذلك الصوت، وهي أنه يسمعه من بَعُدَ، كما يسمعه من قَرُبَ، وغير جائز ما تزعمه النفاة من أن الصوت لغير الله، يخلقه في بعض ما يشاء، وأنه خلق في الشجرة كلاما سمعه موسى إلى غير ذلك من تمحلاتهم الباطلة، فإنه تعالى نادى موسى وقال له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ولا يقول هذا مخلوق لموسى ولا يصح أن تقول تلك الشجرة له: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ إلخ، فتحقق أن النداء كلام الله.
(ب) أما حديث ابن مسعود فهو مرفوع عنه إلى النبي ﷺ، رواه أبو داود والبيهقي ولفظه: «إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة» إلخ، ومثله حديث النواس بن سمعان الذي رواه ابن خزيمة وابن جرير وابن أبي حاتم وأوله: «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة» إلخ. فالله تعالى يتكلم بالوحي حقيقة، ويكلم الملك، وتسمع صوته السماوات
[ ٩٤ ]
وأهلها.
(ج) أما قوله: "حفاة عراة بهما" فأراد أنهم يحشرون يوم القيامة قد تخلوا مما كانوا يغالون في الحرص عليه في الدنيا، من الأموال، والممتلكات، حتى الأكسية والأحذية، وأصل (البهم) السواد، ومنه الكلب البهيم، وهو خالص السواد. قيل: ليس في ألوانهم ما يغيرها. وقيل: سالمين من عاهات الدنيا، من عمى، أو عرج، ونحوهما؟ وقيل: أصحاء، وقيل: لا شيء معهم، ولعل ذلك لتقريب شبههم بالبهائم التي لا تملك شيئا، أو لا تنطق، حيث أنهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن؟ قال تعالى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ .
(د) فأما الأثر المذكور في قصة موسى فهو من الإسرائيليات، وهي لا تصدق ولا تكذب إلا بدليل. وقصة رؤيته النار مذكورة في القرآن، كقوله تعالى ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ وأما كونها هالته فلعل ذلك بعد ما قرب منها، ورآها توقد في شجرة خضراء، ودلالة الأثر في قوله: "أسمع صوتك". وقوله: أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي. فدل على أن كلام الله بصوت مسموع.
أما قوله: "أنا فوقك ووراءك إلخ" فالمراد أنه تعالى محيط بالعبد في كل حالاته، ومن جميع جهاته، وهذا لا ينافي علوه وفوقيته تعالى كما سبق.
[ ٩٥ ]
القرآن كلام الله حقيقة حروفه ومعانيه تكلم به وكذا سائر كتبه
فصل