له الأسماء الحسنى، والصفات العلا.
_________________
(١) (أ) ما المراد بالأسماء الحسنى، والصفات العلا؟ (ب) وما المراد بالعلو فيها؟ (أ) الاسم: ما حصل به تعيين المسمى، ومن الأسماء: ما هو حسن يتمدح به، ومنها: ما هو قبيح، فأسماء الله كلها حسنى، وله من كل اسم مشتق من صفة أحسن ذلك وأرفعه، وكل اسم من أسماء الله فهو دال على صفة، فالرحمن: دال على الرحمة، والعزيز: دال على العزة، وهكذا. (ب) والعلو في الصفات علو معنوي، أي: له الصفات العظيمة الشأن، الفاضلة الرفيعة في المعنى.
[ ٣٣ ]
ما في السماوات وما في الأرض ملك الله
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ .
_________________
(١) (أ) ما تقول في الاستواء؟ (ب) وماذا تفيده اللام في قوله ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؟ (ج) وما المراد بما فيهما وما بينهما؟ (د) وما هو الثرى؟ (هـ) وما معنى ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ﴾ إلخ؟ (و) وما السر وأخفى منه؟ (أ) (يأتي الكلام على الاستواء في موضعه إن شاء الله) . (ب) اللام تفيد الملك، أي: أن جميع ما في السماوات وما في الأرض ملك الله كما أنهم خلقه وعبيده. (جـ والمراد بما فيهما وما بينهما: الجن والإنس، والملائكة، والحيوانات، والجمادات، وسائر الموجودات. (د) والثرى هو: التراب الندي. (هـ) أما: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ فيفيد سعة علمه، واطلاعه على عباده، أي: هو عالم بالجهر والإخفات، فتقدير الآية: وإن تجهر أو تخافت فإنه عالم بالجميع. (و) والسر: حديث النفس، وما يخفيه الضمير، وأخفى منه: ما علم الله أنه سيخطر بالبال أو يدور في الخيال.
[ ٣٤ ]
صفة العلم
أحاط بكل شيء علما، وقهر كل مخلوق عزة وحكما، ووسع كل شيء رحمة وعلما، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ .
_________________
(١) (أ) ما الإحاطة؟ (ب) وما القهر؟ (ج) وما الفرق بين العزة والحكم؟ (د) وكيف وسعت رحمته وعلمه كل شيء؟ (هـ) وما المراد بما بين أيديهم وما خلفهم؟ (و) وما معنى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾؟ (أ) الإحاطة: إدراك الشيء من كل جهاته، فالله تعالى محيط بكل المخلوقات مستول عليها، عالم بسرها وخفيها. (ب) والقهر: القوة والغلبة التي تستلزم كمال التصرف كيف يشاء. (ج) والحكم: وضع الشيء في مواضعه اللائقة به، والعزة: المنعة والقوة، والمعنى: أنه تعالى كما أنه القاهر لخلقه فهو غير ظالم لهم، بل قهره لهم بحق، وفي موضعه المناسب، وهو غاية المصلحة والحكمة. (د) وأما سعة الرحمة: فقد قال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[ ٣٥ ]
أي: عمت جميع الخلق، والرحمة في الأصل: الرقة والشفقة التي تحمل على الحنو والحنان، والرفق والإحسان، والله تعالى موصوف بالرحمة التي تليق بكماله ففي الحديث: «أنه تعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها»، وأما سعة العلم فهو: كالإحاطة بكل شيء علما.
(هـ) قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قيل: ما بين أيديهم: الدنيا، وما خلفهم: الآخرة، وقيل: العكس، وقيل: ما بين أيديهم: ما بقي من أعمارهم، وما خلفهم: ما مضى لهم، والمراد: أنه عالم بكل الأحوال.
(و) ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ يفيد قصور علمهم عن الإحاطة بكيفية الباري، أو إدراك كنه صفة من صفاته، لكمال الله تعالى وتقدس، وضعف المخلوق ونقصه.
[ ٣٦ ]
الواجب على المسلم نحو أسماء الله وصفاته
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم. وكل ما جاء في القرآن أو صح عن المصطفى ﵇ من صفات الرحمن، وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل.
_________________
(١) (أ) ما طريقة أهل السنة في وصف الله تعالى؟ (ب) ولماذا وصف الكتاب: بالعظيم، والنبي: بالكريم؟ (ج) ولماذا عبر بقوله: أو صح عن المصطفى؟ (د) وما صفة الإيمان به؟ (هـ) وما معنى: تلقيه بالتسليم والقبول؟ (و) وما التعرض له بالرد والتأويل؟ (ز) وما الفرق بين التشبيه والتمثيل؟ (أ) يصفون الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، لأنه تعالى أعلم بنفسه وبغيره، فلا يصفه أحد أعلم به منه، وكذا رسوله أعلم بمن أرسله، فلا يمكن أن يثبت لربه إلا ما أوقفه عليه، وكان إثباته دليل الكمال، وآية على صدقه فيما جاء به. (ب) ووصف الكتاب: بالعظيم أي: عظيم الشأن، جليل القدر؛ ليكون أدعى إلى تعظيمه، وقبول ما جاء فيه من الصفات وغيرها، وعبر بقوله: (وعلى لسان نبيه الكريم) ليفيد أن ما قاله الرسول ﷺ فهو عن الله تعالى، هو الذي أجراه على لسانه، وهو من جملة رسالته التي بلغها إلى
[ ٣٧ ]
الأمة، ووصفه بالكريم لكرمه على الله، ورفعة منزلته، وذلك من أسباب قبول ما جاء به.
(ج) أما قوله: (أو صح عن المصطفى) فاحترز بذلك عما لم يثبت من الأحاديث الضعيفة، فإنه لا يقبل في العقائد والأحكام إلا ما ثبت عنه ﵇، مما نقله وصححه الأئمة العدول، وقد قيض الله للأحاديث هؤلاء الأئمة الذين تتبعوها، وبينوا ما لم يثبت منها، والمراد بالمصطفى المختار أي: هو صفوة الله، وخيرته من خلقه.
(د) (وجب الإيمان به) أي: التصديق الجازم بالقلب، وعقده ويقينه بصحة كل ما ورد، وإثباته وصفا لله على ما يليق بجلاله وكماله.
(هـ) وأما تلقيه: فهو مقابلة ما ورد من ذلك (بالتسليم والقبول) تقول: تلقيت كلامه بصدر رحب أي: استقبلته بما يدل على تعظيمه واحترامه، والقبول ضد الرد، أي: الرضا به، واعتقاده من جملة الدين. (والتسليم) الانقياد لما دل عليه. والإذعان له، وعدم النفرة والإنكار لشيء من ذلك.
(و) وأما (التعرض) فهو: الاعتراض عليه، كأنه عرض نفسه في طريق النصوص، حتى لا ترد إلى قلبه على حقيقتها فمنها: ما يكذب به، ومنها: ما يحرفه، ومنها: ما يغالي في إثباته، وغير ذلك، (والرد) هو: الإنكار لذلك والتكذيب، وعدم قبوله كما وصف اليهود الذين ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾، (والتأويل) صرفه عن ظاهره.
[ ٣٨ ]
(ز) (والتشبيه والتمثيل): المغالاة في إثبات الصفات بجعلها كصفات الخلق؛ (فالتمثيل): اعتقاد أنها كصفاتهم من كل وجه (والتشبيه): جعلها شبيهة بها وقريبة منها، فالتمثيل أبلغ.
[ ٣٩ ]
الكلام في المشكل من النصوص
وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعا لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين، بقوله ﷾ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ .
[ ٤٠ ]
(أ) ماذا نقول فيما لم نفهم معناه من نصوص الصفات؟
(ب) وإلى من نكل علمه؟
(ج) وعلى من تكون عهدة الخطأ فيه؟
(د) ومن المراد بالراسخين في العلم؟
(هـ) وما طريقتهم في متشابه القرآن؟
(أ) يقبل أهل السنة كل ما في القرآن والحديث النبوي، وما اشتمل من ذلك على شيء من الصفات قالوا به، واعتقدوا حقيقة تلك الصفات على ما يليق بالموصوف تعالى، وإذا أشكل شيء من ذلك قبلوا لفظه، وفوضوا العلم بالمعنى والكيفية إلى عالمها، وذلك كصفة النزول، وكيفية الاستواء ونحوها، فإن النزول قد ثبت في الأحاديث الصحيحة ولكن توقف العلماء عن التقعر في كيفيته وهل يخلو منه العرش أم لا يخلو إلخ.
فالتفويض للمعنى أي: للكنه والماهية.
فأما المعنى اللغوي للنزول والاستواء، فهو معلوم عند أهل السنة، ولهذا جعلوهما من أدلة صفة العلو لله تعالى.
(ب) (ونرد علمه إلى قائله): وهو الله تعالى، والمبلغ عنه وهو: الرسول ﵊.
(ج) وإن كان فيه خطأ فالعهدة على من نقله؛ أي: اللوم والحساب على من تعمد الخطأ، وإنما قبلوا ما جاءهم بواسطة علمائهم الذين يثقون
[ ٤١ ]
بعدالتهم وصدقهم؛ وقد تلقوا عنهم كل الشريعة في العقائد والأوامر والنواهي.
(د) (والراسخون في العلم): هم المتمكنون فيه، الذين رسخ الإيمان والعلم في قلوبهم وثبت عن دليل ويقين.
(هـ) وطريقتهم ذكرها الله بعد أن قسم هذا الكتاب إلى: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فذكر أن الراسخين يؤمنون بالجميع، ويقولون: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فلا يردون منه شيئا، ولا يضربون بعضه ببعض، وذلك حث على طريقتهم وترغيب فيها، وهي التصديق بالجميع محكمه ومتشابهه الذي لم يظهر لنا معناه.
[ ٤٢ ]
التأويل المذموم
وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ .
_________________
(١) (أ) من المراد بالذين في قلوبهم زيغ؟ (ب) وما طريقتهم في المتشابه؟ (ج) وما غرضهم في ذلك؟ (د) وما التأويل في الأصل؟ (هـ) وهل تمكن معرفته لأحد؟ (أ) الزيغ: الميل والانحراف عن القصد. وزيغ القلب صدوده عن الإيمان بسبب الذنوب التي تتراكم عليه حتى تصرفه عن قبول الحق. (ب) وطريقة الزائغين: تتبع المتشابه والخوض فيه وتفسيره بالآراء والأهواء، والمراد بالمتشابه: الآيات التي توهم اختلافا، أو يفهم منها البعض تشبيها أو تمثيلا، أو لا يتوصل إلى معرفة المراد منها لكل أحد بل لا يعرف معناها إلا أهل الرسوخ في العلم. (ج) وغرضهم في ذلك: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: يحاولون إيقاع الناس في الكفر والشك في صحة الدين وإعجاز القرآن، وصدهم عن قبول الحق، وكذا يحاولون معرفة ذلك المتشابه.
[ ٤٣ ]
(د) والتأويل يستعمل لثلاثة معان:
١ - قيل: هو حقيقة الشيء وما يؤول إليه، وكنه الأشياء الغائبة وكيفية ظهورها. وهذا هو المراد به في كثير من الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ .
٢ - وقيل: هو التفسير الذي هو إيضاح معاني الآيات، وبيان المراد منها، وهذا اصطلاح كثير من المفسرين من السلف، كابن جرير الطبري وغيره.
٣ - وقيل: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح، إلى الاحتمال المرجوح، لدليل يقترن به. وهذا اصطلاح أهل الكلام، والمتأخرين من الأصوليين، وقد تسلطوا بهذا التأويل على نصوص الصفات وحدها، فحرفوا معانيها، وصرفوها عن المتبادر منها إلى احتمالات بعيدة بحجة أن العقل عندهم ينكر ما يدل عليه المفهوم منها، ففسروا الرحمة بأنها: إرادة الإنعام، والغضب بأنه: إرادة الانتقام، واليد بأنها: النعمة أو القدرة ونحو ذلك.
(هـ) والتأويل للمتشابه هو الأول من هذه المعاني الثلاثة، وهو الذي لا يعلمه إلا الله لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يعلم حقيقته وما يؤول إليه إلا الله، فحجبهم عما أملوه ورجوه، وقطع أطماعهم عن الوصول إلى معرفة تأويل تلك الآيات المتشابه ظاهرها.
[ ٤٤ ]