[الفصل الأول ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان والتنجيم]
الباب الثاني
أقوال وأفعال تنافي التوحيد أو تنقصه وفيه الفصول التالية:
الفصل الأول: ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان والتنجيم. . إلخ.
الفصل الثاني: السحر والكهانة والعرافة.
الفصل الثالث: تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها.
الفصل الرابع: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية.
الفصل الخامس: الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته.
الفصل السادس: الحكم بغير ما أنزل الله.
الفصل السابع: ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم.
الفصل الثامن: الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية.
[ ٣٩ ]
الفصل التاسع: النظرة المادية للحياة.
الفصل العاشر: التمائم والرقى.
الفصل الحادي عشر: الحلف بغير الله والتوسل والاستعانة بالمخلوق دون الله.
[ ٤٠ ]
ادعاء علم الغيب في قراءة الكف والفنجان وغيرهما المراد بالغيب: ما غاب عن الناس من الأمور المستقبلة والماضية وما لا يرونه، وقد اختص الله تعالى بعلمه، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] فلا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وحده، وقد يطلع رسله على ما شاء من غيبه لحكمة ومصلحة، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا - إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] أي لا يطلع على شيء من الغيب إلا من اصطفاه لرسالته، فيظهره على ما يشاء من الغيب. لأنه يستدل على نبوته بالمعجزات التي منها الإخبار عن الغيب الذي يطلعه الله عليه. وهذا يعم الرسول الملكي والبشري، ولا يطلع غيرهما لدليل الحصر. فمن ادعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل - غير من استثناه الله من رسله - فهو كاذب كافر - سواء ادعى ذلك بواسطة قراءة الكف أو الفنجان
[ ٤١ ]
أو الكهانة أو السحر آو التنجيم أو غير ذلك وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين من الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة والأشياء الغائبة. ومن أسباب بعض الأمراض فيقولون فلان عمل لك كذا وكذا فمرضت بسببه، إنما هو لاستخدام الجن والشياطين، ويظهرون للناس أن هذا يحصل لهم عن طريق عمل هذه الأشياء من باب الخداع والتدليس. . قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) والكهان كأن يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثرة عن المغيبات بما يسترقه من السمع. وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، إلى أن قال: ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة: فواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع. ومنهم من يطير به الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما - انتهى.
وقد يكون إخبارهم عن ذلك عن طريق التنجيم - وهو الاستدلال بالأحوال الفلكَية على الحوادث الأرضية:
_________________
(١) انظر مجموعة التوحيد (٧٩٧، ٨٠١) .
[ ٤٢ ]
كأوقات هبوب الرياح ومجيء المطر وتغير الأسعار وغير ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بسمة الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها. ويقولون: من تزوج بنجم كذا وكذا حصل له كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا حصل له كذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا حصل له كذا من السعود أو النحوس. كما يعلن في بعض المجلات الساقطة عن الخزعبلات حول البروج وما يجري فيها من الحظوظ.
وقد يذهب بعض الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المنجمين فيسألهم عن مستقبل حياته وما يجري عليه فيه وعن زواج وغير ذلك. ومن ادعى علم الغيب أو صدَق من يدعيه فهو مشرك كافر، لأنه يدعي مشاركة الله فيما هو من خصائصه. والنجوم مسخرة مخلوقة ليس لها من الأمر شيء، ولا تدل على نحوس ولا سعود ولا موت ولا حياة. وإنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع.
[ ٤٣ ]
[الفصل الثاني السحر والكهانة والعرافة]
السحر والكهانة والعرافة كل هذه الأمور أعمال شيطانية محرمة. تخل بالعقيدة أو تناقضها لأنها لا تحصل إلا بأمور شركية.
١ - فالسحر: عبارة عما خفي ولطف سببه:
سمي سحرا، لأنه يحصل بأمور خفية لا تدرك بالأبصار - وهو عزائم ورقى وكلام يتكلم به وأدوية وتدخينات. وله حقيقة. ومنه ما يؤثر في القلوب والأبدان فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه وتأثيره بإذن الله الكوني القدري - وهو عمل شيطاني - وكثير منه لا يتوصل إليه إلا بالشرك والتقرب إلى الأرواح الخبيثة بما تحب والتوصل إلى استخدامها بالإشراك بها - ولهذا قرنه الشارع بالشرك حيث يقول النبي ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هي؟ قال: الإشراك بالله والسحر» (١) الحديث. فهو داخل في الشرك من ناحيتين:
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
[ ٤٤ ]
الناحية الأولى: ما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم والتقرب إليهم بما يحبونه ليقوموا بخدمة الساحر. فالسحر من تعليم الشياطين - قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]
الناحية الثانية: ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك. وهذا كفر وضلال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي نصيب وإذا كان كذلك فلا شك أنه كفر وشرك يناقض العقيدة ويجب قتل متعاطيه. كما قتل جماعة من أكابر الصحابة ﵃ - وقد تساهل الناس في شأن الساحر والسحر، وربما عدوا ذلك فنا من الفنون التي يفتخرون بها ويمنحون أصحابها الجوائز والتشجيع. ويقيمون النوادي والحفلات والمسابقات للسحرة، ويحضرها آلاف المتفرجين
[ ٤٥ ]
والمشجعين. وهذا من الجهل بالدين والتهاون بشأن العقيدة وتمكين للعابثين بها.
٢ - الكهانة والعرافة: وهما ادعاء الغيب ومعرفة الأمور الغائبة: كالأخبار بما سيقع في الأرض وما سيحصل. وأين مكان الشي المفقود. وذلك عن طريق استخدام الشياطين الذين يسترقون السمع من السماء. قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ - تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ - يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] وذلك أن الشيطان يسترق الكلمة من كلام الملائكة، فيلقيها في أذن الكاهن، ويكذب الكاهن مع هذه الكلمة مائة كذبة، فيصدقه الناس بسبب تلك الكلمة التي سمعت من السماء. والله المنفرد بعلم الغيب. فمن ادعى مشاركته في شيء من ذلك بكهانة أو غيرها أو صدق من يدعي ذلك فقد جعل لله شريكا فيما هو من خصائصه. والكهانة لا تخلو من الشرك، لأنها
[ ٤٦ ]
تقرب إلى الشياطين بما يحبون. فهي شرك في الربوبية من حيث ادعاء مشاركة الله في علمه، وشرك في الألوهية من حيث التقرب إلى غير الله بشيء من العبادة. وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ» (١) .
ومما يجب التنبيه عليه والتنبه له: أن السحرة والكهان والعرافين يعبثون بعقائد الناس بحيث يظهرون بمظهر الأطباء، فيأمرون المرضى بالذبح لغير الله - بأن يذبحوا خروفا صفته كذا وكذا أو دجاجة. أو يكتبون هم الطلاسم الشركية والتعاويذ الشيطانية بصفة حروز يعلقونها في رقابهم أو يضعونها في صناديقهم أو في بيوتهم. والبعض الآخر يظهر بمظهر المخبر عن المغيبات وأماكن الأشياء المفقودة بحيث يأتيه الجهال فيسألونه عن الأشياء الضائعة فيخبرهم بها أو يحضرها لهم بواسطة عملائه من الشياطين - وبعضهم يظهر بمظهر الولي الذي له خوارق وكرامات كدخول النار ولا تؤثر
_________________
(١) رواه أبو داود.
[ ٤٧ ]
فيه. وضرب نفسه بالسلاح، أو وضع نفسه تحت عجلات السيارة ولا تؤثر فيه أو غير ذلك من الشعوذات التي هي في حقيقتها سحر من عمل الشيطان يجري على أيدي هؤلاء للفتنة. أو هي أمور تخيلية لا حقيقة لها بل هي حيل خفيفة يتعاطونها أمام الأنظار كعمل سحرة فرعون بالحبال والعصي - قال شيخ الإسلام في مناظرته للسحرة البطائحية الأحمدية (الرفاعية) قال: (يعني شيخ البطائحية) ورفع صوته: نحن لنا أحوال. وكذا وكذا. وادعى الأحوال الخالقة كالنار وغيرها واختصاصهم بها. وأنهم يستحقون تسليم الحال إليها لأجلها - قال شيخ الإسلام: فقلت ورفعت صوتي وغضبت: أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها. أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون ومن احترق فهو مغلوب. وربما قلت: فعليه لعنة الله - ولكن بعد أن تُغسل جسومنا بالخل والماء الحار - فسألني الأمراء والناس عن ذلك فقلت: لأن لهم حيلا في الاتصال بالنار يصنعونها من أشياء من دهن الضفادع ومن النارنج وحجر الطلق فضج الناس
[ ٤٨ ]
بذلك - فأخذ يظهر القدرة على ذلك فقال: أنا وأنت نُلَفُّ في بارية بعد أن تطلى جسومنا بالكبريت. فقلت: فقم. وأخذت أكرر عليه في القيام إلى ذلك. فمد يده يظهر خلع القميص. قلت: لا حتى تغتسل بالماء الحار والخل فأظهر الوهم على عادتهم فقال: من كان يحب الأمير فيحضر خشبا. أو قال حزمة حطب. فقلت: هذا تطويل وتفريق للجمع ولا يحصل به مقصود. بل قنديل يوقد وأدخل أصبعي وأصبعك فيه بعد الغسل ومن احترقت أصبعه فعليه لعنة الله أو قلت فهو مغلوب. فلما قلت ذلك تغير وذل - انتهى (١) والمقصود منه بيان أن هؤلاء الدجالين يكذبون على الناس بمثل هذه الحيل الخفية.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ج ١١ / ٤٤٦ - ٤٦٥.
[ ٤٩ ]
[الفصل الثالث تقديم القرابين والنذور والهدايا للمزارات والقبور وتعظيمها]
تقديم القرابين والنذور والهدايا
للمزارات والقبور وتعظيمها لقد سد النبي ﷺ كل الطرق المفضية إلى الشرك، وحذر منها غاية التحذير. ومن ذلك مسألة القبور. فقد وضع الضوابط الواقية من عبادتها، والغلو في أصحابها، ومن ذلك:
١ - أنه حذر ﷺ من الغلو في الأولياء والصالحين. لأن ذلك يؤدي إلى عبادتهم. فقال: «إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو» (١) وقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (٢) .
٢ - وحذر ﷺ من البناء على القبور - كما روى أبو الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب
_________________
(١) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.
(٢) رواه البخاري.
[ ٥٠ ]
﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته. ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (١) . ونهى عن تجصيصها والبناء عليها. عن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبر. وأن يقعد عليه. وأن يبنى عليه بناء» (٢) .
٣ - وحذر عنه ﷺ من الصلاة عند القبور. عن عائشة ﵂ قالت: «لما نُزلَ برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له عن وجهه. فإذا أَغتم بها كشفها. فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» (٣) وقال ﷺ: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد.
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه مسلم.
(٣) متفق عليه.
[ ٥١ ]
فإني أنهاكم عن ذلك» (١) واتخاذها مساجد معناه الصلاة عندها وإن لم يُبْنَ مسجد عليها. فكل موضع قصد للصلاة فيه اتخذ مسجدا. كما قال ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٢) فإذا بني عليها مسجد فالأمر أشد.
وقد خالف أكثر الناس هذه النواهي، وارتكبوا ما حذر منه النبي ﷺ فوقعوا بسبب ذلك في الشرك الأكبر. فبنوا على القبور مساجد وأضرحة ومقامات. وجعلوها مزارات تمارس عندها كل أنواع الشرك الأكبر. من الذبح لها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وصرف النذور لهم، وغير ذلك. قال العلامة ابن القيم ﵀: ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به ونهى عنه وما كان عليه أصحابه. وبين ما عليه أكثر الناس اليوم (٣) رأى أحدهما مضادّا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا.
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه.
(٢) رواه البخاري ومسلم.
(٣) يعني في وقته ﵀ وقد زاد الأمر على ما ذكر.
[ ٥٢ ]
فنهى رسول الله ﷺ عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها. ونهى عن اتخاذها مساجد. وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويسمونها مشاهد. مضاهاة لبيوت الله. ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها. ونهى عن أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ومناسك. ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. وأمر بتسويتها - كما روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته» . وفي صحيحه أيضا عن ثمامة بن شُفيّ، قال: «كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها» (١) وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، ويرفعونها عن الأرض كالبيت،
_________________
(١) أي بعدم رفعها.
[ ٥٣ ]
ويعقدون عليها القباب - إلى أن قال: فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول الله ﷺ وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور. وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه. ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز العبد عن حصره - ثم أخذ يذكر تلك المفاسد - إلى أن قال: ومنها أن الذي شرعه النبي ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار وسؤال العافية له. فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت. فقلب هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا، لدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاؤه والدعاء به وسؤال حوائجهم واستنزال البركات منه ونصره لهم على الأعداء ونحو ذلك. فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه تعالى من الدعاء والترحم عليه والاستغفار له. . انتهى (١) .
وبهذا يتضح أن تقديم النذور والقرابين للمزارات شرك أكبر. سببه مخالفة هَدي النبي ﷺ في الحالة التي يجب أن
_________________
(١) إغاثة اللهفان (١ / ٢١٤ - ٢١٥ - ٢١٧) .
[ ٥٤ ]
تكون عليها القبور. من عدم البناء عليها. وإقامة المساجد عليها - لأنها لما بنيت عليها القباب وأقيدت حولها المساجد والمزارات ظن الجهال أن المدفونين فيها ينفعون أو يضرون. وأنهم يغيثون من استغاث بهم، ويقضون حوائج من التجأ إليهم، فقدموا لهم النذور والقرابين. حتى صارت أوثانا تعبد من دون الله - وقد قال النبي ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» (١) وما دعا بهذا الدعاء إلا لأنه سيحصل شيء من ذلك في غير قبره ﷺ، وقد حصل في كثير من بلاد الإسلام، أما قبره فقد حماه الله ببركة في دعائه ﷺ. وإن كان قد يحصل في مسجده شيء من المخالفات من بعض الجهال أو الخرافين. لكنهم لا يقدرون على الوصول إلى قبره ﷺ. لأن قبره في بيته، وليس في المسجد، وهو محوط بالجدران - كما قال العلامة ابن القيم ﵀ في نونيته:
فاستجاب رب العالمين دعاءه وأحاطه بثلاثة الجدران
_________________
(١) رواه مالك وأحمد.
[ ٥٥ ]
[الفصل الرابع في بيان حكم تعظيم التماثيل والنصب التذكارية]
في بيان حكم تعظيم التماثيل
والنصب التذكارية التماثيل: جمع تمثال - وهو الصورة المجسمة على شكل إنسان أو حيوان أو غيرهما مما فيه روح - والنصب في الأصل: العَلَمُ وأحجار كان المشركون يذبحون لإحياء ذكرى زعيم أو معظم على صورهم.
ولقد حذر النبي ﷺ من تصوير ذوات الأرواح. ولا سيما تصوير المعظمين من البشر: كالعلماء والملوك والعبّاد والقادة والرؤساء. سواء كان هذا التصوير عن طريق رسم الصورة على لوحة أو ورقة أو جدار أو ثوب. أو عن طريق الالتقاط بالآلة الضوئية المعروفة في هذا الزمان. أو عن طريق النحت وبناء الصورة على هيئة التمثال. ونهى ﷺ عن تعليق الصور على الجدران ونحوها. وعن نصب التماثيل ومنها النصب التذكارية. لأن ذلك وسيلة إلى الشرك. فإن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب التصوير ونصب الصور. وذلك أنه كان في قوم نوح رجال
[ ٥٦ ]
صالحون، فلما ماتوا حزن عليهم قومهم، فأوحى إليهم الشيطان أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد. حتى إذ هلك أولئك ونسي العلم عبدت (١) ولما بعث الله نبيه نوحا ﵇ ينهى عن الشرك الذي حصل بسبب تلك الصورة التي نصبت امتنع قومه من قبول دعوته، وأصروا على عبادة تلك الصورة المنصوبة التي تحولت إلى أوثان: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وهذه أسماء الرجال الذين صورت لهم تلك الصور على أشكالهم إحياء لذكرياتهم وتعظيما لهم.
فانظر ما آل إليه الأمر بسبب هذه الأنصاب التذكارية من الشرك بالله ومعاندة رسله. مما سبّب إهلاكهم بالطوفان ومقتهم عند الله وعند خلقه. مما يدل على خطورة التصوير ونصب الصور. ولهذا لعن النبي ﷺ
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٥٧ ]
المصورين. وأخبر أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة. وأمر بطمس الصور. وأخبر أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة. كل ذلك من أجل مفاسدها وشدة مخاطرها على الأمة في عقيدتها. فإن أول شرك حدث في الأرض كان بسبب نصب الصور، وسواء كان هذا النصب للصور والتماثيل في المجالس أو الميادين أو الحدائق. فإنه محرم شرعا لأنه وسيلة إلى الشرك وفساد العقيدة. وإذا كان الكفار اليوم يعملون هذا العمل، لأنهم ليس لهم عقيدة يحافظون عليها. فإنه لا يجوز للمسلمين أن يتشبهوا بهم ويشاركوهم في هذا العمل حفاظا على عقيدتهم التي هي مصدر قوتهم وسعادتهم.
[ ٥٨ ]
[الفصل الخامس في بيان حكم الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته]
في بيان حكم الاستهزاء بالدين والاستهانة بحرماته الاستهزاء بالدين ردة عن الإسلام، وخروج عن الدين بالكلية. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ - لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]
هذه الآية: تدل على أن الاستهزاء بالله كفر. وأن الاستهزاء بالرسول كفر، وأن الاستهزاء بآيات الله كفر، فمن استهزأ بواحد من هذه الأمور فهو مستهزئ بجميعها. والذي حصل من هؤلاء المنافقين أنهم استهزءوا بالرسول وصحابته فنزلت الآية. فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم، فالذين يستخفون بتوحيد الله تعالى ويعظمون دعاء غيره من الأموات. وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا بذلك. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا - إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤١ - ٤٢]
[ ٥٩ ]
فاستهزءوا بالرسول ﷺ لما نهاهم عن الشرك. وما زال المشركون يعيبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد. لما في أنفسهم من تعظيم الشرك. وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك لما عنده من الشرك. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]
فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله فهو مشرك. ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، فهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثاناَ تجدهم يستهزءون بما هو من توحيد الله وعبادته، ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء، ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذبا. وكثير من طوائف متعددة ترى أحدهم يرى أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره أو غير قبره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السَّحَر.
[ ٦٠ ]
ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد. وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد. فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته ورسوله وتعظيمهم للشرك (١) وهذا كثير وقوعه في القبوريين اليوم.
والاستهزاء على نوعين: أحدهما: الاستهزاء الصريح كالذي نزلت الآية فيه وهو قولهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا. ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. أو نحو ذلك من أقوال المستهزئين. كقول بعضهم: دينكم هذا دين خامس. وقول الآخر: دينكم أخرق. وقول الآخر إذا رأى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: جاءكم أهل الدين. من باب السخرية بهم. وما أشبه ذلك مما لا يحصى إلا بكلفة مما هو أعظم من قول الذين نزلت فيهم الآية.
النوع الثاني: غير الصريح، وهو البحر الذي لا ساحل له - مثل الرمز بالعين. وإخراج اللسان ومد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥ / ٤٨ - ٤٩) .
[ ٦١ ]
الشفة. والغمز باليد عند تلاوة كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ وعند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (١) ومثل هذا ما يقوله بعضهم: إن الإسلام لا يصلح للقرن العشرين - وإنما يصلح للقرون الوسطى. وأنه تأخر ورجعية. وأن فيه قسوة ووحشية في عقوبات الحدود والتعازير. وأنه ظلم المرأة حقوقها حيث أباح الطلاق وتعدد الزوجات؛ وقولهم: الحكم بالقوانين الوضعية أحسن للناس من الحكم بالإسلام. ويقولون في الذي يدعو إلى التوحيد وينكر عبادة القبور والأضرحة: هذا متطرف. أو يريد أن يفرق جماعة المسلمين. أو هذا وهابي أو مذهب خامس. وما أشبه هذه الأقوال التي كلها سب للدين وأهله واستهزاء بالعقيدة الصحيحة ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومن ذلك استهزاؤهم بمن تمسك بسنة من سنن الرسول ﷺ فيقولون: الدين ليس في الشعر استهزاء بإعفاء اللحية - وما أشبه هذه الألفاظ الوقحة.
_________________
(١) مجموعة التوحيد النجدية صفحة ٤٠٩.
[ ٦٢ ]
[الفصل السادس الحكم بغير ما أنزل الله]
الحكم بغير ما أنزل الله من مقتضى الإيمان بالله تعالى وعبادته الخضوع لحكمه والرضا بشرعه والرجوع إلى كتابه وسنة رسوله عند الاختلاف في الأقوال وفي الأصول وفي الخصومات وفي الدماء والأموال وسائر الحقوق. فإن الله هو الحكم وإليه الحكم. فيجب على الحكام أن يحكموا بما أنزل الله. ووجب على الرعية أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله في كتابه وسنة رسوله قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] وقال في حق الرعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ثم بين أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]
[ ٦٣ ]
إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
فنفى سبحانه - نفيا مؤكدا بالقسم - الإيمان عمن لم يتحاكم إلى الرسول ﷺ ويرضى بحكمه ويسلم له - كما أنه حكم بكفر الولاة الذين لا يحكمون بما أنزل الله وبظلمهم وفسقهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ - وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٤٥] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]
ولا بد من الحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه في جميع مواد النزاع في الأقوال الاجتهادية بين العلماء. فلا يقبل منها إلا ما دل عليه الكتاب والسنة من غير تعصب
[ ٦٤ ]
لمذهب ولا تحيز لإمام. وفي المرافعات والخصومات في سائر الحقوق لا في الأحوال الشخصية فقط، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام - فإن الإسلام كل لا يتجزأ. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] وكذلك يجب على أتباع المذاهب أن يردوا أقوال أئمتهم إلى الكتاب والسنة، فما وافقهما أخذوا به، وما خالفهما ردوه دون تعصب أو تحيز. ولا سيما في أمور العقيدة، فإن الأئمة ﵏ يوصون بذلك - وهذا مذهبهم جميعا - فمن خالف ذلك فليس متبعا لهم، وإن انتسب إليهم. وهو ممن قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] فليست الآية خاصة بالنصارى، بل تتناول كل من فعل مثل فعلهم (فمن خالف ما أمر الله به ورسوله ﷺ بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو
[ ٦٥ ]
طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده، فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه. وإن زعم أنه مؤمن. فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك وأكذبهم في زعمهم الإيمان. لما في ضمن قوله: (يزعمون) من نفي إيمانهم فإن (يزعمون) إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها. يحقق هذا قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد. كما في آية البقرة (١) فإذا لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا. والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بين في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به) (٢) .
_________________
(١) يعنى قوله تعالى (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) .
(٢) فتح المجيد ص٤٦٧ - ٤٦٨.
[ ٦٦ ]
ونفي الإيمان عمن لمن يحكم بما أنزل الله يدل على أن تحكيم شرع الله إيمان وعقيدة وعبادة لله، يجب أن يدين بها المسلم. فلا يُحكِّمُ شرع الله من أجل أن تحكيمه أصلح للناس وأضبط للأمن فقط، فإن بعض الناس يرتكز على هذا الجانب، وينسى الجانب الأول - والله سبحانه قد عاب على من يحكم شرع الله لأجل مصلحة نفسه من دون تعبد لله تعالى: فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ - وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: ٤٨ - ٤٩] فهم لا يهتمون إلا بما يهوون. وما خالف هواهم أعرضوا عنه، لأنهم لا يتعبدون لله بالتحاكم إلى رسوله ﷺ.
حكم من حكم بغير ما أنزل الله: قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في هذه الآية الكريمة أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر. وهذا الكفر تارة يكون كفرا أكبر ينقل عن الملة. وتارة يكون كفرا أصغر لا يخرج من الملة،
[ ٦٧ ]
وذلك بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان بحكم الله، واعتقد أن غيره من القوانين والنظم الوضعية أحسن منه، وأنه لا يصلح لهذا الزمان، أو أراد بالحكم بغير ما أنزل الله استرضاء الكفار والمنافقين فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا عاص، ويسمى كافرا كفرا أصغر. وإن جهل حكم الله فيه مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور (١) . وهذا في الحكم في القضية الخاصة. وأما الحكم في القضايا العامة فإنه يختلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) فإن الحاكم إذا كان ديّنا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار. وإن كان عالما لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار. وإذا حكم بلا عدل ولا علمِ أولى أن
_________________
(١) شرح الطحاوية صفحة (٣٦٣ - ٣٦٤) .
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥ / ٣٨٨) .
[ ٦٨ ]
يكون من أهل النار. وهذا إذا حكم في قضية لشخص. وأما إذا حكم حكما عاما في دين المسلمين، فجعل الحق باطلا، والباطل حقا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا. ونهى عما أمر الله به ورسوله. وأمر بما نهى الله عنه ورسوله، فهذا لون آخر يحكُم فيه رب العالمين. وإله المرسلين مالك يوم الدين الذي له الحمد في الأولى والآخرة: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]
وقال أيضا: ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر. فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كفر. فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل. وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم: بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله
[ ٦٩ ]
كسوالف البادية (أي عادات من سلفهم) وكانوا الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر. فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون. فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك. بل استَحَلُّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار (١) انتهى. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: وأما الذي قيل فيه: إنه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاده أنه عاص وأن حكم الله هو الحق، فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها. أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع فهو كفر وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل. فهذا كفر ناقل عن الملة (٢) . ففرق ﵀ بين الحكم الجزئي الذي لا يتكرر وبين الحكم العام الذي هو المرجع في جميع الأحكام أو غالبها، وقرر
_________________
(١) منهاج السنة النبوية.
(٢) فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١٢ / ٢٨٠) .
[ ٧٠ ]
أن هذا الكفر ناقل عن الملة مطلقا، وذلك لأن من نحى الشريعة الإسلامية، وجعل القانون الوضعي بديلا منها فهذا دليل على أنه يرى أن القانون أحسن وأصلح من الشريعة، وهذا لا شك أنه كفر أكبر يخرج من الملة ويناقض التوحيد.
[الفصل السابع ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم]
ادعاء حق التشريع والتحليل والتحريم تشريع الأحكام التي يسير عليها العباد في عبادتهم ومعاملاتهم وسائر شئونُهم والتي تفصل النزاع بينهم وتنهي الخصومات حق لله تعالى رب الناس وخالق الخلق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وهو الذي يعلم ما يصلح عباده فيشرعه لهم. فبحكم ربوبيته لهم يشرعّ لهم. وبحكم عبوديتهم له يقبلون أحكامه - والمصلحة في ذلك عائدة إليهم - قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الشورى: ١٠]
[ ٧١ ]
واستنكر بسبحانه أن يتخذ العباد مُشرِّعا غيره فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]
فمن قبل تشريعا غير تشريع الله فقد أشرك بالله تعالى وما لم يشرعه الله ورسوله من العبادات فهو بدعة. وكل بدعة ضلالة - قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) . وفي رواية: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) . وما لم يشرعه الله ولا رسوله في السياسة والحكم بين الناس فهو حكم الطاغوت وحكم الجاهلية: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] وكذلك التحليل والتحريم حق لله تعالى، لا يجوز لأحد أن يشاركه فيه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]
_________________
(١) الحديث رواه البخاري ومسلم.
(٢) رواه مسلم.
[ ٧٢ ]
فجعل سبحانه طاعة الشياطين وأوليائهم في تحليل ما حرم الله شركا به سبحانه. وكذلك من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله، لقول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] وعند الترمذي وغيره «أن النبي ﷺ تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي ﵁ فقال: (يا رسول الله لسنا نعبدهم. قال: أليس يحلون لحكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى. قال النبي ﷺ فتلك عبادتهم)» (١) فصارت طاعتهم في التحليل والتحريم من دون الله عبادة لهم وشركا - وهو شرك أكبر ينافي التوحيد الذي هو
_________________
(١) رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما.
[ ٧٣ ]
مدلول شهادة أن لا إله إلا الله (١) فإن من مدلولها أن التحليل والتحريم حق له تعالى - وإذا كان هذا فيمن أطاع العلماء والعباد في التحليل والتحريم الذي يخالف شرع الله مع أنهم أقرب إلى العلم والدين، وقد يكون خطؤهم عن اجتهاد لم يصيبوا فيه الحق وهم مأجورون عليه، فكيف بمن يطيع أحكام القوانين الوضعية التي هي من صنع الكفار والملحدين - يجلبها إلى بلاد المسلمين ويحكم بها بينهم - فلا حول ولا قوة إلا بالله.
إن هذا قد اتخذ الكفار أربابا من دون الله، يشرعون له الأحكام، ويبيحون له الحرام، ويحكمون بين الأنام.
_________________
(١) فتح المجيد ص١٠٧.
[ ٧٤ ]
[الفصل الثامن الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب الجاهلية]
حكم الانتماء إلى المذاهب الإلحادية والأحزاب
الجاهلية ١ - الانتماء إلى المذاهب الإلحادية: كالشيوعية والعلمانية والرأسمالية وغيرها من مذاهب الكفر ردة عن دين الإسلام. فإن كان المنتمي إلى تلك المذاهب يدعي الإسلام فهذا من النفاق الأكبر، فإن المنافقين ينتمون إلى الإسلام في الظاهر، وهم مع الكفار في الباطن - كما قال تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]
فهؤلاء المنافقون المخادعون: لكل منهم وجهان: وجه يلقى به المؤمنين، ووجه ينقلب به إلى إخوانه من الملحدين، وله لسانان: أحدهما يقبله بظاهره المسلمون،
[ ٧٥ ]
والآخر يترجم عن سره المكنون: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] قد أعرضوا عن الكتاب والسنة استهزاء بأهلهما واستحقارا، وأبوا أن ينقادوا لحكم الوحيين فرحا بما عندهم من العلم الذي لا ينفع الاستكثار منه إلا شرا واستكبارا. فتراهم أبدا بالمتمسكين بصريح الوحي يستهزئون: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] (١) [البقرة: ١٥]، وقد أمر الله بالانتماء إلى المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]
وهذه المذاهب الإلحادية مذاهب متناحرة، لأنها مؤسسة على الباطل، فالشيوعية تنكر وجود الخالق ﷾، وتحارب الأديان السماوية، ومن يرضى لعقله أن يعيش بلا عقيدة، وينكر البدهيات اليقينية فيكون ملغيا لعقله، والعلمانية تنكر الأديان وتعتمد على
_________________
(١) صفات المنافقين رسالة لابن القيم ص ١٩.
[ ٧٦ ]
الماديات التي لا موجه لها ولا غاية لها في هذه الحياة إلا الحياة البهيمية؟ والرأسمالية همها جمع المال من أي وجه ولا تقيد بحلال ولا حرام ولا عطف ولا شفقة على الفقراء والمساكين. وقوام اقتصادها على الربا الذي هو محاربة لله ولرسوله. والذي هو دمار الدول والأفراد، وامتصاص دماء الشعوب الفقيرة، وأي عاقل - فضلا عمن فيه ذرة من إيمان - يرضى أن يعيش على هذه المذاهب بلا عقل ولا دين ولا غاية صحيحة من حياته يهدف إليها ويناضل من أجلها. إنما غزت هذه المذاهب بلاد المسلمين لما غاب عن أكثريتها الدين الصحيح، وتربت على الضياع، وعاشت على التبعية.
٢ - والانتماء للأحزاب الجاهلية والقوميات العنصرية هو الآخر كفر وردة عن دين الإسلام، لأن الإسلام يرفض العصبيات والنعرات الجاهلية يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]
[ ٧٧ ]
ويقول النبي ﷺ: «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية» (١) وقال ﷺ: «إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى» (٢) .
وهذه الحزبيات تفرق المسلمين، والله قد أمر بالإجتماع والتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التفرق والاختلاف - قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] إن الله سبحانه يريد منا أن نكون حزبا واحدا، هم حزب الله المفلحون (ولكن العالم الإسلامي أصبح
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) رواه الترمذي وغيره.
[ ٧٨ ]
بعدما غزته أوروبا سياسيا وثقافيا، يخضع لهذه العصبيات الدموية والجنسية والوطنية، ويؤمن بها كقضية علمية وحقيقة مقررة وواقع لا مفر منه. وأصبحت شعوبه تندفع اندفاعا غريبا إلى إحياء هذه العصبيات التي أماتها الإسلام والتغني بها وإحياء شعائرها والافتخار بعهدها الذي تقدم على الإسلام، وهو الذي يلح الإسلام على تسميته بالجاهلية. وقد من الله على المسلمين بالخروج عنها وحثهم على شكر هذه النعمة.
والطبيعي من المؤمن أن لا يذكر جاهلية تقادم عهدها أو قارب إلا بمقت وكراهية وامتعاض واقشعرار. وهل يذكر السجين المعذب الذي يطلق سراحه أيام اعتقاله وتعذيبه وامتهانه إلا وعرته قشعريرة. وهل يذكر البريء من علة شديدة طويلة أشرف منها على الموت أيام سقمه إلا وانكسف باله وانتقع لونه (١) والواجب أن يعلم أن
_________________
(١) من رسالة: (ردة ولا أبا بكر لها) لأبي حسن الندوي.
[ ٧٩ ]
هذه الحزبيات عذاب بعثه الله على من أعرض عن شرعه وتنكر لدينه كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] وقال ﷺ: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (١) إن التعصب للحزبيات يسبب رفض الحق الذي مع الآخرين كحال اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١] وكحال أهل الجاهلية الذين رفضوا الحق الذي جاءهم به الرسول ﷺ تعصباَ لما عليه آباؤهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] ويريد أصحاب هذه الحزبيات أن يجعلوها بديلة عن الإسلام الذي منَّ الله به على البشرية.
_________________
(١) من حديث رواه ابن ماجه.
[ ٨٠ ]
[الفصل التاسع النظرية المادية للحياة]
النظرية المادية للحياة ومفاسد هذه النظرية هناك نظرتان للحياة، نظرة مادية للحياة ونظرة صحيحة، ولكل من النظرتين آثارها:
(ا) فالنظرة المادية للحياة - (معناها): أن يكون تفكير الإنسان مقصورا على تحصيل ملذاته العاجلة، ويكون عمله محصورا في نطاق ذلك، فلا يتجاوز تفكيره ما وراء ذلك من العواقب، ولا يعمل له، ولا يهتم بشأنه، ولا يعلم أن الله جعل هذه الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، فجعل الدنيا دار عمل، وجعل الآخرة دار جزاء. فمن استغل دنياه بالعمل الصالح ربح الدارين، ومن ضيع دنياه ضاعت آخرته: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١] فالله لا يخلق هذه الدنيا عبثا، بل خلقها لحكمة عظيمة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]
[ ٨١ ]
[الكهف: ٧]، أوجد سبحانه في هذه الحياة من المتع العاجلة والزينة الظاهرة من الأموال والأولاد والجاه والسلطان وسائر المستلذات ما لا يعلمه إلا الله.
فمن الناس - وهم الأكثر - من قصر نظره على ظاهرها ومفاتنها، ومتع نفسه بها ولم يتأمل في سرها، فانشغل بتحصيلها وجمعها والتمتع بها عن العمل لما بعدها. بل أنكر أن يكون هناك حياة غيرها كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] وقد توعد الله تعالى من هذه نظرته للحياة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ - أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧ - ٨] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥ - ١٦]
[ ٨٢ ]
وهذا الوعيد يشمل أصحاب هذه النظرة، سواء كانوا من الذين يعملون عمل الآخرة يريدون به الحياة الدنيا كالمنافقين والمرائين بأعمالهم أو كانوا من الكفار الذين لا يؤمنون ببعث ولا حساب كحال أهل الجاهلية والمذاهب الهدَّامة من رأسمالية وشيوعية وعلمانية إلحادية، وأولئك لم يعرفوا قدر الحياة ولا تعدو نظرتهم بها أن تكون كنظرة البهائم. بل هم أضل سبيلا، لأنهم ألغوا عقولهم وسخروا طاقاتهم وضيعوا أوقاتهم فيما لا يبقى لهم ولا يبقون له، ولم يعملوا لمصيرهم الذي ينتظرهم ولا بد لهم منه.
والبهائم ليس لها مصير ينتظرها وليس لها عقول تفكر بها بخلاف أولئك، ولهذا يقول تعالى فيهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] وقد وصف الله أهل هذه النظرة بعدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٦ - ٧]
[ ٨٣ ]
فهم وإن كانوا أهل خبرة في المخترعات والصناعات، فهم جُهَّال لا يستحقون أن يوصفوا بالعلم، لأن علمهم لم يتجاوز ظاهر الحياة الدنيا. وهذا علم ناقص لا يستحق أصحابه أن يطلق عليهم هذا الوصف الشريف، فيقال: العلماء، وإنما يطلق هذا على أهل معرفة الله وخشيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ومن النظرة المادية للحياة الدنيا ما ذكره في قصة قارون وما آتاه الله من الكنوز: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩] فتمنوا مثله وغبطوه ووصفوه بالحظ العظيم بناء على نظرتهم المادية، وهذا كما هو الحال الآن في الدول الكافرة وما عندها من تقدم صناعي واقتصادي، فإن ضعاف الإيمان من المسلمين ينظرون إليهم نظرة إعجاب دون نظر إلى ما هم عليه من الكفر وما ينتظرهم من سوء المصير، فتبعثهم هذه النظرة الخاطئة إلى تعظيم الكفار واحترامهم
[ ٨٤ ]
في نفوسهم، والتشبه بهم في أخلاقهم وعاداتهم السيئة، ولم يقلدوهم في الجد وإعداد القوة والشيء النافع من المخترعات والصناعات.
(ب) النظرة الثانية للحياة - (النظرة الصحيحة): هي أن يعتبر الإنسان ما في هذه الحياة من مال وسلطان وقوى مادية وسيلة يستعان بها لعمل الآخرة، فالدنيا في الحقيقة لا تذم لذاتها، وإنما يتوجه المدح والذم إلى فعل العبد فيها، فهي قنطرة ومعبر للآخرة ومنها زاد الجنة. وخير عيش يناله أهل الجنة إنما حصل لهم بما زرعوه في الدنيا، فهي دار الجهاد والصلاة والصيام والإنفاق في سبيل الله ومضمار التسابق إلى الخيرات. يقول الله تعالى لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] يعني الدنيا.
[ ٨٥ ]
[الفصل العاشر الرقى والتمائم]
في الرقى والتمائم ١ - الرقى: جمع رقية وهي العُوذةُ التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، ويسمونها العزائم، وهي على نوعين:
النوع الأول: ما كان خاليا من الشرك بأن يُقْرأ على المريض شيء من القرآن، أو يُعَوَّذ بأسماء الله وصفاته، فهذا مباح، لأن النبي ﷺ قد رقى وأمر بالرقية وأجازها، فعن عوف بن مالك قال: «كنا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ . فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا» (١) قال السيوطي: وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسماء الله وصفاته. وأن تكون باللسان العربي وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها. بل بتقدير الله تعالى (٢) وكيفيتها أن
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) فتح المجيد ص ١٣٥.
[ ٨٦ ]
يقرأ وينفث على المريض، أو يقرأ في ماء ويسقاه المريض، كما جاء في حديث ثابت بن قيس: «أن النبي ﷺ أخذ ترابا من بطحان، فجعله في قدح، ثم نفث عليه، وصبه عليه» (١) .
النوع الثاني: ما لم يخل من الشرك، وهي الرقى التي يستعان فيها بغير الله من دعاء غير الله والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الجن أو بأسماء الملائكة والأنبياء والصالحين، فهذا دعاء لغير الله وهو شرك أكبر، أو يكون بغير اللسان العربي أو بما لا يعرف معناه، لأنه يخشى أن يدخلها كفر أو شرك ولا يعلم عنه، فهذا النوع من الرقية ممنوع.
التمائم: وهي جمع تميمة وهي: ما يعلق بأعناق الصبيان لدفع العين، وقد يعلق على الكبار من الرجال والنساء وهو على نوعين:
_________________
(١) رواه أبو داود.
[ ٨٧ ]
النوع الأول من التمائم: ما كان من القرآن - بأن يكتب آيات من القران، أو من أسماء الله وصفاته ويعلقها للاستشفاء بها، فهذا النوع قد اختلف العلماء في حكم تعليقه على قولين:
القول الأول: الجواز، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وحملوا الحديث الوارد في المنع من تعليق التمائم، على التمائم التي فيها شرك.
القول الثاني: المنع من ذلك وهو قول ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد. وفي رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بما رواه ابن مسعود ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتمائم والتِّولة شرك» (١) .
_________________
(١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم.
[ ٨٨ ]
التولة: شيء يضعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة: الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم.
الثاني: سد الذريعة فإنها تفضي إلى تعليق ما ليس مباحا.
الثالث: أنه إذا علق شيئا من القرآن، فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك (١) .
النوع الثاني من التمائم: التي تعلق على الأشخاص ما كان من غير القرآن - كالخرز والعظام والودع والخيوط والنعال والمسامير وأسماء الشياطين والجن والطلاسم، فهذا محرم قطعا وهو من الشرك، لأنه تعلق على غير الله سبحانه وأسمائه وصفاته
_________________
(١) فتح المجيد ص ١٣٦.
[ ٨٩ ]
وآياته، وفي الحديث: «من تعلق شيئا وكل إليه» (١) أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن تعلق بالله والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره من المخلوقين والتمائم والأدوية والقبور وكله الله إلى ذلك الذي لا يغني عنه شيئا ولا يملك له ضرّا ولا نفعا فخسر عقيدته وانقطعت صلته بربه وخذله الله.
والواجب على المسلم المحافظة على عقيدته مما يفسدها أو يخل بها، فلا يتعاطى ما لا يجوز من الأدوية، ولا يذهب إلى المخرفين والمشعوذين؛ ليتعالج عندهم من الأمراض، لأنهم يمرضون قلبه وعقيدته، ومن توكل على الله كفاه.
وبعض الناس يعلق هذه الأشياء على نفسه، وهو ليس في مرض حسي، وإنما في مرض وهمي، وهو الخوف
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي.
[ ٩٠ ]
من العين والحسد، أو يعلقها على سيارته أو دابته أو باب بيته أو دكانه. وهذا كله من ضعف العقيدة هو المرض الحقيقي الذي يجب علاجه بمعرفة التوحيد والعقيدة الصحيحة.
[ ٩١ ]
[الفصل الحادي عشر الحلف بغير الله والتوسل والاستغاثة بالمخلوق]
في بيان حكم الحلف بغير الله
والتوسل والاستغاثة بالمخلوق (ا) الحلف بغير الله: الحلف: هو اليمين - وهي توكيد الحكم بذكر مُعظَّم على وجه الخصوص. والتعظيم: حق لله تعالى فلا يجوز الحلف بغيره، فقد أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بأسمائه وصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره (١) والحلف بغير الله شرك لما روى ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (٢) وهو شرك أصغر. إلا إذا كان المحلوف به معظَّما عند الحالف إلى درجة عبادته له فهذا شرك أكبر. كما هو الحال اليوم عند عُبَّاد القبور، فإنهم يخافون من يعظمون من أصحاب القبور أكثر من خوفهم من الله وتعظيمه، بحيث إذا طلب من أحدهم أن يحلف
_________________
(١) حاشية ابن قاسم على كتاب التوحيد ص ٣٠٣.
(٢) رواه أحمد والترمذي والحاكم.
[ ٩٢ ]
بالولي الذي يعظمه لم يحلف به إلا إذا كان صادقا، وإذا طلب منه أن يحلف بالله حلف به وإن كان كاذبا.
فالحلف تعظيم للمحلوف به لا يليق إلا بالله، ويجب توقير اليمين بالله، فلا يكثر منها - قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] أي لا تحلفوا إلا عند الحاجة وفي حالة الصدق والبر - لأن كثرة الحلف أو الكذب فيها يدلان على الاستخفاف بالله وعدم التعظيم له، وهذا ينافي كمال التوحيد، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم» وجاء فيه: «ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إِلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه» (١) . فقد شدد الوعيد على كثرة الحلف مما يدل على تحريمه احتراما لاسم الله تعالى وتعظيما له سبحانه. وكذلك يحرم الحلف بالله كاذبا وهي
_________________
(١) رواه الطبراني بسند صحيح.
[ ٩٣ ]
الغموس (١) وقد وصف الله المنافقين بأنهم يحلفون على الكذب وهم يعلمون.
فنخلص من ذلك:
١ - تحريم الحلف بغير الله تعالى: كالحلف بالأمانة أو الكعبة أو بالنبي لمجد وأن ذلك شرك.
٢ - تحريم الحلف بالله كاذبا متعمدا وهي الغموس.
٣ - تحريم كثرة الحلف بالله ولو كان صادقا إذا لم تدع إليه حاجة، لأن هذا استخفاف بالله سبحانه.
٤ - جواز الحلف بالله إذا كان صادقا وعند الحاجة.
(ب) التوسل بالمخلوق إلى الله تعالى: التوسل: وهو التقرب إلى الشيء والتوصل إليه والوسيلة: القربة، قال الله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥] أي: القربة إليه سبحانه بطاعته واتباع مرضاته.
_________________
(١) هي التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار، وهي التي يحلفها على أمر ماض كاذبا عالما.
[ ٩٤ ]
والتوسل قسمان: القسم الأول: توسل مشروع وهو أنواع: ١ - النوع الأول: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما أمر تعالى بذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]
٢ - النوع الثاني: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان والأعمال الصالحة: التي قام بها المتوسل، كما قال تعالى عن أهل الإيمان: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] وكما في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة فسدت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم (١) فخرجوا يمشون.
_________________
(١) هذا مضمون الحديث وهو متفق عليه.
[ ٩٥ ]
٣ - النوع الثالث: التوسل إلى الله تعالى بتوحيده، كما توسل يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]
٤ - النوع الرابع: التوسل إلى الله تعالى بإظهار الضعف والحاجة والافتقار إلى الله، كما قال أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
٥ - النوع الخامس: التوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء، وكما كان الصحابة إذا أجدبوا طلبوا من النبي ﷺ أن يدعو الله لهم، ولما توفي صاروا يطلبون من عمه العباس ﵁ فيدعو لهم (١) .
٦ - النوع السادس: التوسل إلى الله بالاعتراف بالذنب: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٩٦ ]
القسم الثاني: توسل غير مشروع: وهو التوسل بطلب الدعاء والشفاعة من الأموات، والتوسل بجاه النبي ﷺ، والتوسل بذوات المخلوقين أو حقهم، وتفصيل ذلك كما يلي:
١ - طلب الدعاء من الأموات لا يجوز: لأن الميت لا يقدر على الدعاء، كما كان يقدر عليه في الحياة، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز، لأن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حيا، كالعباس وكيزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا عند غيره، بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، وقد قال عمر: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل بعم نبينا فاسقنا، فجعلوا هذا بدلا من ذلك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه.
[ ٩٧ ]
وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به يعني (١) . لو كان حائزا. فتركهم لذلك دليل على عدم جواز التوسل بالأموات، لا بدعائهم ولا بشفاعتهم، فلو كان طلب الدعاء منه والاستشفاع به حيا وميتا، سواء لم يعدلوا عنه إلى غيره ممن هو دونه.
٢ - التوسل بجاه النبي ﷺ أو بجاه غيره لا يجوز: والحديث الذي فيه: «إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي. فإن جاهي عند الله عظيم» حديث مكذوب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها. ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث (٢) وما دام لم يصح فيه دليل فهو لا يجوز، لأن العبادات لا تثبت إلا بدليل صحيح صريح. ٣ - التوسل بذوات المخلوقين لا يجوز: لأنه إن كان الباء للقسم فهو إقسام به على الله تعالى،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١ / ٣١٨) .
(٢) مجموع الفتاوى (١٠ / ٣١٩) .
[ ٩٨ ]
وإذا كان الإقسام بالمخلوق على المخلوق لا يجوز وهو شرك كما في الحديث، فكيف بالإقسام بالمخلوق على الخالق جلّ وعلا. وإن كانت الباء للسببية، فالله سبحانه لم يجعل السؤال بالمخلوق سببا للإجابة، ولم يشرعه لعباده.
٤ - والتوسل بحق المخلوق لا يجوز لأمرين: الأول: أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] فكون المطيع يستحق الجزاء هو استحقاق فضل وإنعام، وليس هو استحقاق مقابلة، كما يستحق المخلوق على المخلوق.
الثاني: أن هذا الحق الذي تفضل الله به على عبده هو حق خاص به لا علاقة لغيره به، فإذا توسل به غير مستحقه كان متوسلا بأمر أجنبي لا علاقة له به، وهذا لا يجديه شيئا.
[ ٩٩ ]
وأما الحديث الذي فيه: «أسألك بحق السائلين» فهو حديث لم يثبت، لأن في إسناده عطية العوفي وهو ضعيف مجمع على ضعفه، كما قال بعض المحدثين. وما كان كذلك فإنه لا يحتج به في هذه المسألة المهمة من أمور العقيدة، ثم إنه ليس فيه توسل بحق شخص معين، وإنما فيه التوسل بحق السائلين عموما وحق السائلين الإجابة كما وعدهم الله بذلك، وهو حق أوجبه على نفسه لهم لم يوجبه عليه أحد، فهو توسل بوعده الصادق لا بحق المخلوق.
(ج) حكم الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق: الاستعانة: طلب العون والمؤازرة في الأمر.
والاستغاثة: طلب الغوث وهو إزالة الشدة.
فالاستعانة والاستغاثة بالمخلوق على نوعين: النوع الأول: الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا جائز. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]
[ ١٠٠ ]
النوع الثاني: الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله: كالاستعانة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء، والاستعانة بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله من شفاء المرضى وتفريج الكربات ودفع الضر - فهذا النوع غير جائز، وهو شرك أكبر - وقد كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال النبي ﷺ: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله» (١) كره ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه. وإن كان مما يقدر عليه في حياته حماية لجناب التوحيد وسدّا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال. فإذا كان هذا فيما يقدر عليه النبي ﷺ في حياته، فكيف يستغاث به بعد مماته، ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله (٢) وإذا كان هذا لا يجوز في حقه ﷺ فغيره من باب أولى.
_________________
(١) رواه الطبراني - ضعيف.
(٢) فتح المجيد ص١٩٦ - ١٩٧.
[ ١٠١ ]