ويشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: معنى العبادة لغة وشرعًا.
الفصل الثاني: في شروطها من الكتاب والسنة.
الفصل الثالث: في أقسام العبادات.
****
[ ٤١ ]
الفصل الأول
معنى العبادة لغة وشرعًا
العبادة لغة: هي الطاعة مع الخضوع مع الخضوع ومنه طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء (١).
وأيضًا: هي الانقياد والخضوع (٢).
- قال الشيخ الإسلام ابن تيمية: والعبادة أصل معناها الذل يقال طريق معبد إذا كان مذللًا قد وطئته الأقدام (٣).
- وقال ابن القيم: والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع والعرب تقول طريق معبد أي مذلل والتعبد التذلل والخضوع (٤).
_________________
(١) لسان العرب جـ / ٣ص / ٢٧٣ مادة عبد وأيضًا ذكره الأزهري في تهذيب اللغة جـ / ٢ص / ٢٣٤.
(٢) المصباح المنير للفيومي ص / ٣٨٩ مادة عبدت.
(٣) الفتاوى جـ / ١٠ص / ١٥٣.
(٤) مدارج السالكين جـ / ١ص / ٨٥.
[ ٤٣ ]
- وقال ابن كثير: العبادة في اللغة من الذلة يقال طريق معبد أي مذلل (١).
- وقال العلامة محمد صديق حسن: هي الذل والخضوع والانقياد وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته منقادا لما قدره عليه (٢).
- وقال الشيخ عبد الله الغنيمان: هي الذل والخضوع (٣).
تعريف العبادة شرعًا:
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ثم قال: وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له والمرضية له التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون﴾ [سورة الذاريات، الآية: ٥٦ [(٤).
- وقال ابن كثير: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف (٥).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد ص / ٤٧.
(٢) الدين الخالص جـ / ١ص / ٤٧.
(٣) شرح كتاب التوحيد جـ / ١ص / ٤٥.
(٤) الفتاوى جـ / ١٠ص / ١٤٩.
(٥) تيسير العزيز الحميد ص / ٤٧.
[ ٤٤ ]
- وقيل هي: كمال الحب مع كمال الخضوع، لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له (١).
- وقال حافظ أحمد حكمي: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والبراءة مما ينافي ذلك ويضاده (٢).
وقال أيضًا في معارج القبول:
ثم العبادة هي اسم جامع لكل ما يرضي الإله السامع
وذكرت تعريف العبادة كما ذكره شيخ الإسلام (٣).
- وقال أحمد بن عيسى: وأما العبادة في اصطلاح العلماء فقد عرفها طائفة بقولهم: العبادة ما أمر به الشارع من غير اطراد
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد للغنيمان جـ / ١ص / ٤٦.
(٢) أعلام السنة المنشورة ص / ١٢.
(٣) جـ / ٢ص / ٤٣٧.
[ ٤٥ ]
عرفي ولا اقتضاء عقلي. وعرفها طائفة بأنها كمال الحب مع كمال الخضوع (١).
- وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: العبادة شرعا ما أمر به من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله وعظمته (٢).
- وقال الشيخ محمد العثيمين: العبادة لها مفهوم عام ومفهوم خاص فالمفهوم العام هي التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه.
والمفهوم الخاص- يعني تفصيلها- قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة كالخوف والخشية والتوكل والصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من شرائع الإسلام (٣).
وذكر الشيخ عبد الله الغنيمان عن صاحب فرقان الفرقان في تعريف العبادة: الإتيان بأقصى غاية الخضوع قلبا باعتقاد
_________________
(١) انظر شرحه لقصيدة ابن القيم جـ / ٢ص / ٢٥٩.
(٢) رسالة مهمة للإمام عبد العزيز قدم لها سماحة الشيخ ابن باز ص / ٢٦.
(٣) مجموع فتاوى جـ / ٢ ص ٢٥.
[ ٤٦ ]
ربوية المخضوع له وقالبا مع ذلك الاعتقاد فإن انتفى ذلك الاعتقاد لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهري من العبادة شرعًا في كثير ولا قليل مهما كان المأتي به ولو سجودًا (١) (٢).
* * *
_________________
(١) أو واجب على المكلف ص / ٢٩.
(٢) (*) تعريف شيخ الإسلام للعبادة ذكره أكثر العلماء فانظر حاشية كتاب التوحيد ص / ١٢ ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية جـ / ١ص / ٤٩٩. وشرح كتاب التوحيد جـ / ١ص / ٤٥ والأجوبة المفيدة لمهمات العقيدة للشيخ الدوسري ص / ١٦ وغيرها.
[ ٤٧ ]
الفصل الثاني
شروط العبادة من الكتاب والسنة
أكثر العلماء ذكروا أن للعبادة شرطين هما: الإخلاص لله والمتابعة للرسول، ﵊، وبعضهم زادها شرطًا ثالثًا وهو الصدق كما سيمر معنا.
- قال شيخ الإسلام: وجماع الدين أصلان أن لا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ١١٠]. وذلك تحقيق الشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسول الله.
- ففي الأولى: أن لا نعبد إلا إياه وفي الثانية: أن محمدًا هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين - ﷺ -، لنا ما نعبد الله به ونهانا عن محدثات الأمور وأخبر أنها ضلالة قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
[ ٤٨ ]
وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١٢] (١).
- وقال ابن القيم: فلا يكون العبد متحققًا ﴿بإِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلا بأصلين عظيمين:
أحدهما: متابعة الرسول - ﷺ -.
والثاني: الإخلاص للمعبود فهذا تحقيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٢).
وذكر الشيخ حافظ أحمد حكمي، شروط العبادة وقال إنها ثلاثة وله كلام مرائع في هذا ولكن أختصره لطوله.
قال: وللعبادة ركنان لا قوام لهما إلا بهما وهما الإخلاص والصدق وحقيقة الإخلاص أن يكون قصد العبد وجه الله والدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى *
_________________
(١) العبودية / ص / ١٢٧.
(٢) التفسير القيم ص / ٧٣ ثم قال بعد ذلك: والناس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضًا إلى أربعة أقسام أحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة والثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. الثالث: من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر. الرابع: من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله ثم ذكر أمثلة لكل نوع.
[ ٤٩ ]
وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [سورة الليل، الآية: ١٧ - ٢١].
وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [سورة الشورى، الآية: ٢٠].
وبعد ذكره للآيات ذكر الأحاديث ومنها حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: «إنما الأعمال بالنيات ..» الحديث (١).
- ثم ذكر الشرط الثاني: وهو الصدق فقال: وأما الصدق فهو بذل العبد جهده في امتثال ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه والاستعداد للقاء الله وترك العجز وترك التكاسل عن طاعة الله، وإمساك النفس بلجام التقوى عن محارم الله، وطرد الشيطان عنه بالمداومة على ذكر الله تعالى، والاستقامة على ذلك كله ما استطاع قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة، الآية: ١١٩]. وقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٢٣ [
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي باب ١ / جـ / ١ص / ٩ حديث رقم / ١.
[ ٥٠ ]
ثم قال: وإذا اجتمعت النية الصالحة والعزيمة الصادقة في هذا العبد قام بعبادة الله﷿- ثم اعلم أنه لا يقبل منه ذلك إلا بمتابعة الرسول - ﷺ -، فيعبد الله بوفق ما شرع وهو دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه وفي الصحيحين عن عائشة﵂- قالت، قال رسول الله - ﷺ -، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لمسلم «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
فهذه الثلاثة الأركان شروط في العبادة لا قوام لها إلا بها فالعزيمة الصادقة شرط في صدرها والنية الخالصة وموافقة السنة شرط في قبولها فلا تكون عبادة مقبولة إلا باجتماعها (٢).
وقال أيضًا﵀- في كتاب أعلام السنة المنشورة:
شروط العبادة ثلاثة الأول صدق العزيمة وهو شرط في وجودها.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الصلح باب ٥ح رقم ٢٦٩٧جـ / ٥ص / ٣٠١. ومسلم في كتاب الأقضية باب ٨ح رقم ١٧١٨حـ / ١٢ص / ٢٣.
(٢) معارج القبول جـ / ٢ص / ٤٣٩ - ٤٤٢ بتصرف.
[ ٥١ ]
والثاني إخلاص النية والثالث: موافقة الشرع الذي أمر أن لا يدان إلا به وهما شرطان في قبولها (١).
وذكر الشيخ محمد العثيمين﵀- أن للعبادة شرطين الإخلاص والمتابعة وذكر الأدلة على ذلك كما مرت معنا (٢) (٣).
_________________
(١) ص / ١٣ ثم بعد ذلك ذكر معاني صدق العزيمة واخلاص النية والشرع الذي أمر الله أن لا يدان إلا به بنفس الصفحة.
(٢) مجموع فتاوى جـ / ٢ص / ٢٨.
(٣) (*) ذكر الأستاذ / جمال بن أحمد بن بشير بادي في كتابه وجوب لزوم الجماعة عن أدلة شروط العبادة وذكر الأدلة من القرآن والسنة وذكر أيضًا أقوال السلف في ذلك فليراجع لطوله.
[ ٥٢ ]
الفصل الثالث
في أقسام العبادات
العبادات على كثرتها وانتشارها ترجع إلى أربعة أنواع وهي:
١ - عبادات قلبية مناطها القلب.
٢ - عبادات قولية تتعلق باللسان.
٣ - عبادات عملية تعمل بالجوارح.
٤ - عبادات مالية تتعلق بالأموال (١).
العبادات القلبية:
وهي التي ترجع إلى عمل القلب وحده وهي أهم أنواع العبادات فمنها الحب قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٥].
_________________
(١) دعوة التوحيد / ص / ٤٠.
[ ٥٣ ]
- قال شيخ الإسلام: فمن أحب مخلوقًا مثل ما يحب الله فهو مشرك ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله (١).
- وقال أيضًا: ولهذا كان أهل التوحيد والإخلاص أكمل حبًا لله من المشركين الذين يحبون غيره الذين اتخذوا من دونه أندادًا يحبونهم كحبه (٢).
وقال أيضًا: والمحبة جنس تحته أنواع كثيرة فكل عابد محب لمعبوده فالمشركون يحبون آلهتهم كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ وفيه قولان:
أحدهما: يحبونهم كحب المؤمنين لله.
والثاني: يحبونهم كما يحبون الله لأنه قد قال: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. فلم يمكن أن يقال إن المشركين يعبدون آلهتهم كما يعبد الموحدون الله بل كما يحبون- هم- الله فإنهم يعدلون آلهتهم برب العالمين (٣).
_________________
(١) الفتاوى جـ / ١٥ص / ٤٩.
(٢) الفتاوى جـ / ١٧ص / ١٤٤.
(٣) الفتاوى جـ / ٨ص / ٣٥٧.
[ ٥٤ ]
- وقال ابن القيم﵀- أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادا في الحب والتعظيم (١).
ولهذا يظهر أن حب غير الله لا ينافي التوحيد بل قد يكون من كمال التوحيد فإن من تمام حب العبد لله أن يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله ويحب ما يرضاه من الأشخاص والأخلاق والأعمال ويبغض ما يبغضه الله كذلك (٢).
العبادات القولية:
والمقصود بها كما مر أنها العبادات التي تتعلق باللسان وهي كثيرة منها:
الذكر: وحقيقته حضور المذكور في قلب الذاكر على أي نحو من الأنحاء الثابتة له ثم التعبير عن ذلك باللسان وضده الغفلة والنسيان.
_________________
(١) التفسير القيم ص / ١٤٠.
(٢) دعوة التوحيد ص / ٤١.
[ ٥٥ ]
والذكر هو أفضل العبادات بل هو الغرض المقصود من العبادات كلها فإنها ما شرعت إلا لتعين على ذكر الله﷿- كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه، الآية: ١٤].
وقد وعد الله﷿- بذكر من يذكره كما توعد بنسيان من ينساه كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: الآية: ١٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥]. فقد أرشدت الآية إلى وجوب أن يكون الذكر مخافة مع التذلل والخشية فلا يرفع صوته به ولا يذكر الله بأطراف لسانه مع قسوة القلب وغفلته (١).
وفي الحديث عن أبي الدرداء - ﵁ - قال، قال النبي - ﷺ -: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها ففي درجاتكم وخير لكم من أنفاق الذهب
_________________
(١) انظر دعوة التوحيد ص / ٤٨ وما بعدها.
[ ٥٦ ]
والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى»، فقال معاذ بن جبل - ﵁ - «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله» (١).
العبادات البدنية:
الذكر: وحقيقته حضور المذكور في قلب الذاكر على أي نحو من الأنحاء الثابتة له ثم التعبير عن ذلك باللسان وضده الغفلة والنسيان.
والذكر هو أفضل العبادات بل هو الغرض المقصود من العبادات كلها فإنها ما شرعت إلا لتعين على ذكر الله﷿- كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه، الآية: ١٤].
وقد وعد الله﷿- بذكر من يذكره كما توعد بنسيان من ينساه كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: الآية: ١٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر، الآية: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥]. فقد أرشدت الآية إلى وجوب أن يكون الذكر مخالفة مع التذلل والخشية فلا يرفع صوته به ولا يذكر الله بأطراف لسانه مع قسوة القلب وغفلته (٢).
وفي الحديث عن أبي الدرداء - ﵁ - قال، قال النبي - ﷺ -: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى»، فقال معاذ بن جبل - ﵁ - ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله» (٣).
العبادات البدنية:
وهي العبادات التي تؤدى بالجوارح ووهي كثيرة فمنها الصلاة والصيام والحج والعمرة وهكذا.
ونأخذ الصلاة فقد حث عليها الله ﵎، كما في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٤٣].
وقال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [سورة البقرة، الآية: ٢٣٨].
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث في الصلاة وفي غيرها.
والكلام يطول بنا خاصة في هذا القسم أقصد العبادات البدنية وبالجملة فكل عبادة نيطت بالبدن أو بعضو منه فهي داخلة في هذا النوع من العبادات.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات باب ٦ جـ / ٥ص / ٤٢٨ح رقم ٣٣٧٧.
(٢) انظر دعوة التوحيد ص / ٤٨ وما بعدها.
(٣) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات باب ٦جـ / ٥ ص / ٤٢٨ح رقم ٣٣٧٧.
[ ٥٧ ]
العبادات المالية:
وهي التي تعبد الله عباده بها أموالهم من الصدقات والذبائح وغيرها: فمنها الزكاه وهي أهم العبادات المالية لمن وجبت عليه وهي ثالث أركان الإسلام كما هو معلوم.
وقد ذكر الله تعالى الوعيد الشديد على مانعيها كما قال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة آل عمران، الأية: ١٨٠].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة التوبة، الآية: ٣٤].
وأيضًا الذبح هو من العبادات المالية سواء الأضحية أو الهدي أو النذر أو الكفارة أو العقيقة فكلها كذلك كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام، الآية ١٦٢، ١٦٣].
* * *
[ ٥٨ ]