الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ
أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُخْتَصَرٌ مُفِيدٌ لِكِتَابِ (التَّوَسُّلُ؛ أَنْوَاعُهُ؛ أَحْكَامُهُ) لِشَيخِنَا المُحَدِّثِ الأَلبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ أَضَفْتُ إِلَيهِ بَعْضَ الفَوَائِدِ إِلَى مَتْنِهِ وإلى حَاشِيَتِهِ تَتْمِيمًا لِلفَائِدَةِ.
- الفَصْلُ الأَوَّلُ: التَّوَسُّلُ فِي اللُّغَةِ وَالقُرْآنِ:
١ - مَعْنَى التَّوَسُّلِ فِي لُغَةِ العَرَبِ:
قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: "مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَجَمْعُهَا وَسَائِلُ" (^١).
وَقَالَ فِي القَامُوسِ المُحِيطِ: "وَسَلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى تَوسِيلًا: عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ كَتَوَسَّلَ" (^٢).
وَهُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ لِلوَسِيلَةِ؛ وهيَ المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالدَّرَجَةُ وَالقُرْبَةُ (^٣).
_________________
(١) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ (٥/ ٤٠٢).
(٢) القَامُوسُ المُحِيطُ (ص ١٠٦٨).
(٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٧٢٤): "الوَسِيلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيلةُ: الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ =
[ ٢ / ٢٥٠ ]
٢ - مَعْنَى الوَسِيلَةِ فِي القُرْآنِ:
وَرَدَتْ لَفْظَةُ -الوَسِيلَةِ- فِي مَوضِعَينِ، وَهُمَا:
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائِدَة: ٣٥]، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧].
فَأَمَّا الآيَةُ الأُولَى؛ فَقَد قَالَ إِمَامُ المُفَسِّرينَ الحَافِظُ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀ فِي تًفْسِيرِهَا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَخْبَرَهُم وَوَعَدَ مِنَ الثَّوَابِ وَأَوعَدَ مِنَ العِقَابِ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يَقُولُ: أَجِيبُوا اللهَ فِيمَا أَمَرَكُم وَنَهَاكُم بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ. ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ يَقُولُ: وَاطْلُبُوا القُرْبَةَ إِلَيهِ بِالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ" (^١).
_________________
(١) = يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]، وَفِي حَدِيثِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ» هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ يَومَ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ". وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ تَسْمِيَةُ أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الجَنَّةِ بِهَا، وَهُوَ قَولُهُ ﷺ: «إِذَا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ؛ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٨٤) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو.
(٢) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٢٨٩). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَي القُرْبَةَ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدُ وَأَبُو وَائِلٍ وَالحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيدٍ وَغَيرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي: تَقَرَّبُوا إِلَيهِ بِطَاعَتِهِ وَالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيدٍ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ لَا خِلَافَ بَينَ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، وَأَنْشَدَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَيهِ قَولَ الشَّاعِرِ: إِذَا غَفَلَ الوَاشُونَ عُدْنَا لِوصْلنَا … وَعَادَ التَّصَافِي بَينَنَا وَالوَسَائِلُ وَالوَسِيلَة: هِيَ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وَالوَسِيلَةُ أَيضًا: عَلَمٌ عَلَى أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الجَنَّةِ؛ وَهِيَ مَنْزِلَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَدَارُهُ فِي الجَنَّةِ، وَهِيَ أَقْرَبُ أَمْكِنَةِ الجَنَّةِ إِلَى العَرْشِ".
[ ٢ / ٢٥١ ]
وَأَمَّا الآيَةُ الثَّانِيَةُ فَقَد بَيَّنَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ مُنَاسَبَةَ نُزُولِهَا الَّتِي تُوَضِّحُ مَعْنَاهَا؛ فَقَالَ: (نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ العَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ؛ فَأَسْلَمَ الجِنِّيُّونَ -وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُم لَا يَشْعُرُونَ-) (^١).
وَهيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ المُرَادَ بِالوَسِيلَةِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أَي: يَطْلُبُونَ مَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
٣ - الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَحْدَهَا هِيَ الوَسَائِلُ المُقَرِّبَةُ إِلَى اللهِ:
قَدْ تَبَيَّنَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ العَمَلَ حَتَّى يَكُونَ صَالِحًا مَقْبُولًا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِيهِ أَمْرَانِ هَامَّانِ عَظِيمَانِ، أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ قَد قَصَدَ بِهَ وَجْهَ اللهِ ﷿، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا شَرَعَهُ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ، أَو
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٧١٤). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٧): "اسْتَمَرَّ الإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ عَلَى عِبَادَةِ الجِنِّ -وَالجِنُّ لَا يَرْضَونَ بِذَلِكَ لِكَونِهِمْ أَسْلَمُوا-، وَهُمُ الَّذِينَ صَارُوا يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ فَزَادَ فِيهِ: (وَالإِنْسُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِسْلَامِهِمْ) وَهَذَا هُوَ المُعْتَمَدُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ".
[ ٢ / ٢٥٢ ]
بَيَّنَهُ رَسُولُهُ فِي سُنَّتِهِ، فَإِذَا اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْ هَذَينِ الشَّرْطَينِ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ صَالِحًا وَلَا مَقْبُولًا.
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَولُهُ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠] فَقَد أَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ صَالِحًا -أَي: مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ-، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُخْلِصَ بِهِ صَاحِبُهُ للهِ؛ لَا يَبْتَغي بِهِ سِوُاهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَهَذَانَ رُكْنَا العَمَلِ المُتَقَبَّلِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ؛ صَوَابًا عَلَى شَرِيعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١) "، وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ الفُضَيلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ (^٢) وَغَيرِهِ.
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ٢٠٥).
(٢) رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي الحِلْيَةِ (٨/ ٩٥).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
- الفَصْلُ الثَّانِي: الوَسَائِلُ الكَونِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ:
١ - الوَسِيلَةُ الكَونِيَّةُ: هيَ كُلُّ سَبَبٍ طَبِيعِيٍ يُوصِلُ إِلَى المَقْصُودِ بِخِلْقَتِهِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ بِهَا، وَيُؤَدِّي إِلَى المَطْلُوبِ بِفِطْرَتِهِ الَّتِي فَطَرَهُ اللهُ عَلَيهَا، وَهيَ مُشْتَرِكَةٌ بَينَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ مِنْ غَيرِ تَفْرِيقٍ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: المَاءُ؛ فَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى رِيِّ الإِنْسَانِ، وَالطَّعَاُم وَسِيلَةٌ إِلَى شَبَعِهِ، وَاللِّبَاسُ وَسِيلَةٌ إِلَى حِمَايَتِهِ مِنَ الحَرِّ وَالقَرِّ، وَالسَّيَّارَةُ وَسِيلَةٌ إِلَى انْتِقَالِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَهَكَذَا.
٢ - الوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هيَ كُلُّ سَبَبٍ يُوصِلُ إِلَى المَقْصُودِ عَنْ طَرِيقِ مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَهيَ خَاَّصٌة بِالمُؤْمِنِ المُتَّبِعِ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَينِ -بِإِخْلَاصٍ وَفَهْمٍ- وَسِيلَةٌ إِلَى دُخُولِ الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ، وَإِتْبَاعُ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَحْوِ السَّيِّئَةِ، وَقَولُ الدُّعَاءِ المَأْثُورِ بَعْدَ الأَذَانِ وَسِيلَةٌ إِلَى نَيلِ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ وَسِيلَةٌ لِطُولِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَهَكَذَا.
فَهَذِهِ الأُمُورُ وَأَمْثَالُهَا إِنَّمَا عَرَفْنَا أَنَّهَا وَسَائِلُ تُحَقِّقُ تِلْكَ الغَايَاتِ وَالمَقَاصِدِ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ وَحْدَهُ؛ لَا عَنْ طَريقِ العِلْمِ أَوِ التَّجْرِبَةِ أَوِ الحَوَاسِّ، فَنَحْنُ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُطِيلُ العُمُرَ وَتُوَسِّعُ الرِّزْقَ إِلَّا مِنْ قَولِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١).
٣ - كَيفَ تُعْرَفُ صِحَّةُ الوَسَائِلِ وَمَشْرُوعِيَّتُهَا:
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧) عَنْ أنسِ بْنِ مالكٍ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
أَمَّا الوَسِيلَةُ الكَونِيَّةُ؛ فَلَهَا شَرْطَانِ.
الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فِي الشَّرْعِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَد ثَبَتَ تَحْقِيقُهُ لِلمَطْلُوبِ أَو غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الظَّنِّ.
وَأَمَّا الوَسِيلَةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا إِلَّا ثُبُوتُهَا فِي الشَّرْعِ؛ لَيسَ غَيرُ.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
- الفَصْلُ الثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ المَشْرُوعُ وَأَنْوَاعُهُ:
١ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَىَ أَو صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ العُلْيَا.
كَأَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّك أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّطِيفُ الخَبِيرُ أَنْ تُعَافِيَنِي، أَو يَقُولَ: أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ أَنْ تَرْحَمَنِي وَتَغْفِرَ لِي.
وَمِثْلُهُ قَولُ القَائِلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَإِنَّ الحُبَّ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا التَّوَسُّلَ قَولُهُ ﷿: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠].
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ؛ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيرًا لِي» (^١).
وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ؛ يَا اللهُ؛ بِأَنَّكَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الصَّمَدُ؛ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؛ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَدْ غُفِرَ لَهُ» ثَلَاثًا (^٢).
وَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا آخَرَ يَقُولُ فِي تَشَهُّدِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ،
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائيُّ (١٣٠٥) عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٣٠١).
(٢) صَحِيحٌ. النَّسَائيُّ (١٣٠١) عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائيِّ (١٣٠١).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (^١).
٢ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَامَ بِهِ الدَّاعِيُ:
كَأَنْ يَقُولَ المُسْلِمُ: اللَّهُمَّ بِإِيمَانِي بِكَ، وَمَحَبَّتِي لَكَ، وَاتِّبَاعِي لِرَسُولِكَ؛ اغْفِرْ لي.
أَو يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّي لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِيمَانِي بِهِ؛ أَنْ تُفَرِّجَ عَنِّي.
وَمِنْهُ أَنْ يَذْكُرَ الدَّاعِيُ عَمَلًا صَالِحًا -ذَا بَالٍ- فِيهِ خَوفُهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَقْوَاهُ إِيَّاهُ وَإِيثَارُهُ رِضَاهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَطَاعَتُهُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ؛ ثُمَّ يَتَوَسَّلَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي دُعَائِهِ لِيَكُونَ أَرْجَى لِقَبُولِهِ وَإِجَابَتِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦].
وَكَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ بُرَيدةَ بْنِ الحٌصَيبِ ﵁؛ حَيثُ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ؛ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَم يُولَدْ، وَلَم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدُ)، فَقَالَ: «قَدْ سَأَلَ اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ؛ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ» (^٢).
وَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ أَصْحَابِ الغَارِ الَّذِينَ أَطْبَقَتْ عَلَيهِم الصَّخْرَةُ فِي الغَارِ؛ فَسَأَلُوا اللهَ تَعَالَى بِصَالِحِ أَعْمَالِهِم؛ فَفَرَّجَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٦١١) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٤١١).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٦١١) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٦٤٠).
(٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٥٩٧٤) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَينَمَا =
[ ٢ / ٢٥٧ ]
٣ - التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ:
_________________
(١) = ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَونَ؛ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً؛ فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيهِمْ فَحَلَبْتُ؛ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ؛ فَمَا أَتَيتُ حَتَّى أَمْسَيتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَومِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا -وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَونَ عِنْدَ قَدَمَيَّ-، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَونَ مِنْهَا السَّمَاءَ. وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ؛ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيهِ حَقَّهُ؛ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي؛ فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي! فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ). وَقَولُهُ: (وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ) أَي: اسْتَطْرَدَ مَعَ غَنَمِهِ فِي الرَّعْي إِلَى أَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَانِهِ زِيَادَةً عَلَى العَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ. (يَتَضَاغَونَ): يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ مِنَ الجُوعِ. (وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ): كِنَايَةٌ عَنِ الجِمَاعِ وَالوَطْءِ. (بِفَرَقِ أَرُزٍّ): الفَرَقُ: إِنَاءٌ يَسَع ثَلَاثَةَ آصُعٍ، وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ لِأَهْلِ المَدِينَةِ يَأْخُذُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ، وَالمُدُّ مُقَدَّرٌ بِأَنْ يَمُدَّ الرَّجُلُ يَدَيهِ فَيَمْلَأَ كَفَّيهِ.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
كَأَنْ يَكُونَ المُسْلِمُ فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ، أَوْ تَحُلُّ بِهِ مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ -وَيَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ التَّفْرِيطَ فِي جَنْبِ اللهِ ﵎؛ فَيَأْخُذَ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ إِلَى اللهِ؛ فَيَذْهَبَ إِلَى رَجُلٍ -يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالتَّقْوَى أَوِ الفَضْلَ وَالعِلْمَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ-؛ فَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ رَبَّهُ لِيُفَرِّجَ عَنْهُ كَرْبَهُ، وَيُزِيلَ عَنْهُ هَمَّهُ.
وَقَد وَرَدَتْ أَمْثِلَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ، كَمَا وَقَعَتْ نَمَاذِجُ مِنْهُ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ حَيثُ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَبَينَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ فِي يَومِ جُمُعَةٍ؛ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكَ المَالُ، وَجَاعَ العِيَالُ! فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيهِ -وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً- فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيتُ المَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ ﷺ. فَمُطِرْنَا يَومَنَا ذَلِكَ وَمِنَ الغَدِ وَبَعْدَ الغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ -أَو قَالَ: غَيرُهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تَهَدَّمَ البِنَاءُ، وَغَرِقَ المَالُ! فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيهِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَينَا وَلَا عَلَينَا» فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ المَدِينَةُ مِثْلَ الجَوبَةِ، وَسَالَ الوَادِي -قَنَاةُ- شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالجَودِ (^١).
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَيضًا: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٩٣٣)، وَمُسْلِمٌ (٨٩٧). وَ(القَزَعَةُ): قِطْعَةٌ مِنَ السَّحَابِ الصِّغَارِ المُتَفَرِّقِ. وَ(الجَوبَةُ): المَوضِعُ المُنْخَفِضُ مِنَ الأَرْضِ. وَ(قَنَاةُ): اسْمُ وَادٍ فِي المَدِينَةِ.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا؛ وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا، قَالَ: فَيُسْقَونَ) (^١).
وَمَعْنَى قَولِ عُمَرَ: (إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ وَ(إِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا): أَنَّنَا كُنَّا نَقْصُدُ نَبِيَّنَا ﷺ وَنَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا؛ وَنَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِدُعَائِهِ، وَالآنَ -وَقَد انْتَقَلَ ﷺ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى، وَلَم يَعُدْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا- فَإِنَّنَا نَتَوَجَّهُ إِلَى عَمِّ نَبِيِّنَا العَبَّاسِ، وَنَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَنَا. وَلَيسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِم: (اللَّهُمَّ بِجَاهِ نَبِيِّكَ اسْقِنَا) ثُمَّ أَصْبَحُوا يَقُولُونَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ: (اللَّهُمَّ بِجَاهِ العَبَّاسِ اسْقِنَا)!! لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا دُعَاءٌ مُبْتَدَعٌ لَيسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَم يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيهِم (^٢).
_________________
(١) صَحِيح البُخَارِيِّ (١٠١٠).
(٢) وَمِنْ ذَلِكَ أَيضًا مَا رَوَاهُ الحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَارِيخِهِ (٦٥/ ١١٢) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ التَّابِعِيِّ الجَلِيلِ سُلَيمِ بْنِ عَامِرٍ الخَبَائِرِيِّ: (أَنَّ السَّمَاءَ قَحِطَتْ؛ فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ -وَأَهْلُ دِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ- فَلَمَّا قَعَدَ مُعَاوِيَةُ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: أَينَ يَزِيدُ بْنُ الأَسْوَدِ الجُرَشيُّ؟ فَنَادَاهُ النَّاسُ، فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى النَّاسَ، فَأَمَرَهُ مُعَاوِيَةُ؛ فَصَعِدَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَعَدَ عِنْدَ رِجْلَيهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيكَ اليَومَ بِخَيرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيكَ اليَومَ بِيَزيدِ بْنِ الأَسْوَدِ الجُرَشِيِّ، يَا يَزِيدُ ارْفَعْ يَدَيكَ إِلَى اللهِ، فَرَفَعَ يَدَيهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيدِيَهُم؛ فَمَا كَانَ أَوشَكَ أَنْ ثَارَتْ سَحَابَةٌ فِي الغَرْبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّتْ لَهَا رِيحٌ، فَسَقَتْنَا حَتَّى كَادَ النَّاسُ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مَنَازِلَهُم). فَهَذَا مُعَاوِيَةُ ﵁ أَيضًا لَا يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُ بِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ تَعَالَى لِيَسْقِيَهُم وَيُغِيثَهُم. وَحَدَثَ مِثْلُ هَذَا فِي وِلَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيسٍ أَيضًا حَيثُ اسْتَسْقَى بِيَزِيدَ هَذَا أَيضًا. وَيَزِيدُ هَذَا هُوَ مِنْ سَادَةِ التَّابِعِينَ بِالشَّامِ، يَسْكُنُ بِالغُوطَةِ بِقَرْيَةِ زِبْدِينَ، أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: "بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي العِشَاءَ الآخِرَةَ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَيَخْرُجُ إِلَى زِبْدِينَ فَتُضِيءُ إِبْهَامُهُ اليُمْنَى، فَلَا يَزَالُ يَمْشِي فِي ضَوئِهَا إِلَى القَرْيَةِ". تَارِيخُ دِمَشْقَ (٦٥/ ١٠٧). قُلْتُ: وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيسٍ عِدَادُهُ فِي صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ. سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (٣/ ٢٤١).
[ ٢ / ٢٦٠ ]
وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الأَنْوَاعِ مِنَ التَّوَسُّلَاتِ؛ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَالَّذِي نَعْتَقِدُهُ وَنَدِينُ اللهَ تَعَالَى بِهِ أَنَّهُ غَيرُ جَائِزٍ وَلَا مَشْرَوعٍ، لِأَنَّه لَمْ يَرِدْ فِيهَا دَلِيلٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، وَقَد أَنْكَرَهُ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ فِي العُصُورِ الإِسْلَامِيَّةِ المُتَعَاقِبَةِ (^١)، مَعَ أَنَّهُ قَد قَالَ بِبَعْضِهِ بَعْضُ الأَئِمَّةِ، فَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ التَّوَسُّلَ بِالرَّسُولِ ﷺ وَحْدَهُ فَقَط، وَأَجَازَ غَيرُهُ كَالإِمَامِ الشَّوكَانِيِّ ﵀ التَّوَسُّلَ بِهِ وَبِغَيرِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَلَكِنَّنا -كَشَأْنِنَا فِي جَمِيعِ الأُمُورِ الخِلَافِيَّةِ- نَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ حَيثُ دَارَ، وَلَا نَتَعَصَّبُ لِلرِّجَالِ، وَلَا نَنْحَازُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلحَقِّ -كَمَا نَرَاهُ وَنَعْتَقِدُهُ-، وَقَد رَأَينَا فِي قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ -الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا- الحَقَّ مَعَ الَّذِينَ حَظَرُوا التَّوَسُّلَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَم نَرَ لِمُجِيزِيهِ دَلِيلًا صَحِيحًا يُعْتَدُّ بِهِ، وَنَحْنُ نُطَالِبُهُم بِأَنْ يَأْتُونَا بِنَصٍّ صَحِيحٍ صَرِيحٍ مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فِيهِ التَّوَسُّلُ بِمَخْلُوقٍ، وَهَيهَاتَ أَنْ يَجِدُوا شَيئًا يُؤَيِّدُ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ، أَو يَسْنُدُ مَا يَدَّعُونَهُ، اللَّهُمَّ إِلَّا شُبَهًا وَاحْتِمَالَاتٍ؛ سَنَعْرُضُ لِلرَّدِّ عَلَيهَا بَعْدَ قَلِيلٍ.
ومِنَ الغَرِيبِ حَقًّا أَنَّكَ تَرَى هَؤُلَاءِ يُعْرِضُونَ عَنْ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعَةِ
_________________
(١) فَلَم نَنْفَرِدْ نَحْنُ -اليَومَ- بِإِنْكَارِ تِلْكَ التَّوَسُّلَاتِ المُبْتَدَعَةِ! بَلْ سَبَقَنَا إِلَى إِنْكَارِهَا كِبَارُ الأَئِمَّةِ وَالعُلَمَاءِ، وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ كُتُبِ المَذَاهِبِ المُتَّبَعَةِ -كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ فَقَد جَاءَ فِي كِتَابِ الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ (٦/ ٣٩٦) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: "وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة -مَعْزِيًّا لِلْمُنْتَقَى- عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ إِلَّا بِهِ، وَالدُّعَاءُ المَأْذُونُ فِيهِ المَأْمُورُ بِهِ؛ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠] ".
[ ٢ / ٢٦١ ]
السَّابِقَةِ؛ فَلَا يَكَادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ شَيئًا مِنْهَا فِي دُعَائِهِم أَو تَعْلِيمِهِم النَّاسَ مَعَ ثُبُوتِهَا فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ عَلَيهَا؛ وَتَرَاهُم بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ يَعْمَدُونَ إِلَى أَدْعِيَةٍ اخْتَرَعُوهَا وَتَوَسُّلَاتٍ ابْتَدَعُوهَا لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ ﷿، وَلَم يَسْتَعْمِلْهَا رَسُولُهُ المُصْطَفَى ﷺ، وَلَم تُنْقَلْ عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ أَصْحَابِ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الفَاضِلَةِ، وَأَقَلُّ مَا يُقَالُ فِيهَا: إِنَّهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا!! فَمَا أَجْدَرَهُم بِقَولِهِ ﵎: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ [البَقَرَة: ٦١].
[ ٢ / ٢٦٢ ]
- الفَصْلُ الرَّابِعُ: شُبُهَاتٌ وَالجَوَابُ عَلَيهَا:
- الشُّبْهَةُ الأُولَى: اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄:
رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁؛ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا)، قَالَ: فَيُسْقَونَ (^١).
فَيَفْهَمُونَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ ﵁ إِنَّمَا كَانَ بِجَاهِ العَبَّاسِ ﵁ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ تَوَسُّلَهُ هُوَ مُجَرَّدُ ذِكْرٍ مِنْهُ للعَبَّاسِ فِي دُعَائِهِ؛ وَأَنَّهُ فَقَط طَلَبٌ مِنْهُ للهِ أَنْ يَسْقِيَهُم مِنْ أَجْلِهِ ﵃، وَقَدْ أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ! فَأَفَادَ -بِزَعْمِهِم- مَا يَدَّعُونَ.
وَأَمَّا سَبَبُ عُدُولِ عُمَرَ ﵁ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالرَّسُولِ ﷺ -بِزَعْمِهِم أَيضًا- وَتَوَسُّلِهِ بَدَلًا مِنْهُ بِالعَبَّاسِ ﵁؛ فَإِنَّمَا كَانَ لِبَيَانِ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولَ مَعَ وُجُودِ الفَاضِلِ لَيسَ إِلَّا! أَو لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الضَّرِيرِ! (^٢)
وَالجَوَابُ (^٣):
إِنَّ قَولَ عُمَرَ ﵁ السَّابِقَ: (وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِجَاهِ عَمِّ نَبِيِّنَا) وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِدُعَاءِ عَمِّ نَبِيِّنَا)، وَالصَّوَابُ قَطْعًا هُوَ الثَّانِي، وَذَلِكَ لِعِدَّةِ مُلَاحَظَاتٍ:
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١٠١٠) عَنْ أنسٍ.
(٢) وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا.
(٣) بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ وَزِيَادَةٍ عَمَّا فِي الأَصْلِ.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
١ - أَنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَذَلِكَ بِكَونِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ قَدْ تَضَافَرَتْ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالصَّالِحِينَ كَانَ بِإِتْيَانِهِم؛ فَيَدْعُونَ لَهُم، وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَولُهُ ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٦٤] (^١).
٢ - أَنَّ المُقَارَنَ بِهِ فِي التَّوَسُّلِ كَانَ (إِنَّا كُنَا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا؛ فَتَسْقِينَا) فَإِذَا عُلِمَتْ صِفَةُ هَذَا التَّوَسُّلِ الأَوَّلِ عُلِمَتْ صِفَةُ الآخَرِ -وَهُوَ مَوضُوعُ النِّزَاعِ-، وَالنَّاظِرُ فِي السُّنَّةِ يَجِدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا قَحَطَوا جَاءَ بَعْضُهُم إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَطَلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ، وَلَو كَانَ المَقْصُودُ هُوَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ لَبَقِيَ الطَّالِبُ فِي دَارِهِ وَتَوَسَّلَ بِهِ! -إِذْ إِنَّ الجَاهَ مَوجُودٌ فِي كِلَا الحَالَتَينِ كَمَا لَا يَخْفَى- (^٢).
٣ - أَنَّ العَبَّاسَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلُوا بِهِ قَامَ فَدَعَى (^٣)؛ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ هُوَ الدُّعَاءُ.
٤ - أَنَّ عُمَرَ ﵁ عِنْدَمَا تَوَسَّلَ بِالعَبَّاسِ أَمَرَهُ بِالدُّعَاءِ، فَقَد رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالمُصَلَّى؛ فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ: قُمْ فَاسْتَسْقِ. فَقَامَ
_________________
(١) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ رَاجِعْ مَسْأَلَةَ قِصَّةِ العُتْبِيِّ فِي مُلْحَقِ (قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ والبَرَكَةُ).
(٢) وَقَد سَبَقَ حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ فِي إِتْيَانِ الأَعْرَابِيِّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ يَخْطُبُ- فَطَلَبَ مِنْهُ الاسْتِسْقَاءَ لَهُم.
(٣) نَقَلَهُ الحَافِظُ العَسْقَلَانُّي ﵀ فِي الفَتْحِ (٣/ ١٥٠) حَيثُ قَالَ: "وَقَدْ بَيَّنَ الزُّبَيرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي الأَنْسَابِ صِفَةَ مَا دَعَا بِهِ العَبَّاسُ فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ وَالوَقْتَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ؛ فَأَخْرَجَ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ العَبَّاسَ لَمَّا اسْتَسْقَى بِهِ عُمَرُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ وَلَمْ يُكْشَفْ إِلَّا بِتَوبَةٍ، وَقَدْ تَوَجَّهَ القَومُ بِيَ إِلَيكَ لِمَكَانِي مِنْ نَبِيِّكَ، وَهَذِهِ أَيدِينَا إِلَيكَ بِالذُّنُوبِ، وَنَوَاصِينَا إِلَيكَ بِالتَّوبَةِ؛ فَاسْقِنَا الغَيثَ)، فَأَرْخَتِ السَّمَاءُ مِثْلَ الجِبَالِ حَتَّى أَخْصَبَتِ الأَرْضُ وَعَاشَ النَّاسُ".
[ ٢ / ٢٦٤ ]
العَبَّاسُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ عِنْدَكَ سَحَابًا، وَإِنَّ عِنْدَكَ مَاءً؛ فَانْشُرِ السَّحَابَ، ثُمَّ أَنْزِلْ فِيهِ المَاءَ، ثُمَّ أَنْزِلْهُ عَلَينَا) فَذَكَرَ الحَدِيثَ (^١).
٥ - أَنَّ الحَدِيثَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ جَاءَ مُصَرِّحًا بِلَفْظِ الاسْتِسْقَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ عِوَضًا عَنِ التَّوَسُّلِ بِهِ، كَمَا هُوَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالإسْمَاعِيلِيِّ (^٢)، وَالاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا كَمَا لَا يَخْفَى؛ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّوَسُّلِ هُنَا هُوَ الدُّعَاءُ (^٣).
٦ - أَنَّ الفَارِقَ فِي قَولِ عُمَرَ بَينَ (كُنَّا) وَ(إِنَّا) -أَي الآنَ- إِنَّمَا هُوَ حَيَاةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠].
وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قَولِهِ: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَكَفِّي بَينَ كَفَّيهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى
_________________
(١) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٤٩١٣). وَالأَثَرُ نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٩٥) وَسَكَتَ عَنْهُ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٩٥): "وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ عَنْ عُمَرَ؛ فَأَشَارَ بِهِ أَيضًا -أَي: البُخَارِيُّ- إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ وَهُوَ عِنْدَ الإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ المُثَنَّى عَنِ الأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِ البُخَارِيِّ إِلَى أَنَسٍ قَالَ: كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَسْقَوا بِهِ؛ فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ؛ فَيُسْقَونَ، فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ؛ فَذَكَرَ الحَدِيثَ". فَقَولُهُ: (فَيَسْتَسْقِي لَهُم) صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَطْلُبُ لَهُم السُّقْيَا مِنَ اللهِ تَعَالَى. قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: "الاسْتِسْقَاءُ -وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ- مِنْ طَلَبِ السُّقْيا: أَي: إنْزَالَ الغَيثِ عَلَى البِلَادِ وَالعِبَادِ. يُقَالُ: سَقَى اللهُ عِبَادَهُ الغَيثَ وَأَسْقَاهُم. وَالاسْمُ السُّقْيَا بِالضَّمِّ. واسْتَسْقَيتَ فُلَانًا: إِذَا طَلَبتَ مِنْهُ أَنْ يَسْقِيَكَ". النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ٩٦٢).
(٣) وَأَيضًا فَقَد تَتَابَعَ عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى التَّوَسُّلِ بُدُعَاءِ الصَّالِحِينَ كَمَا فِي خَبَرِ مُعَاوِيَةَ وَالضَّحَّاكِ ﵄ مَعَ يَزيدَ بْنِ الأَسْوَدِ الجُرَشِيِّ، وَقَد سَبَقَ.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَينَا-؛ فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ -يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ). رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١) (^٢).
٧ - أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالُ: إِنَّ مُرَادَ عُمَرَ هُوَ بَيَانُ جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الفَاضِلِ! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ؛ مِنْهَا:
أ- أَنَّ هَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِينَا القَولُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَتَوَسَّلُوا -بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ مَعْنَى التَّوَسُّلِ- بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ.
ب- أَنَّ أَحْرَجَ الأَوقَاتِ -مِنَ القَحْطِ وَالجَدْبِ وَالجُوعِ- لَا يُقْبَلُ فِيهِ تَرْكُ الفَاضِلِ وَاللُّجُوءُ إِلَى المَفْضُولِ! لَا سِّيَمَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ بَيَانُهُ بِالقَولِ، أَو أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِمَا جَمِيعًا (^٣) (^٤).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).
(٢) وَأَمَّا فِرْيَةُ مَنْ لَم تَشْعُرْ أَفْئِدَتُهُم بِتَقْوَى اللهِ فِي المُسْلِمِينَ؛ مِنْ أَنَّ سَبَبَ قَولِ مَانِعِي التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ والذَّاتِ هُوَ ظَنُّهُم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَثَرٌ ذَاتِيٌّ فِي النَّفْعِ وَالضُّرِّ قَبْلَ مَوتِهِ؛ فَلَمَّا مَاتَ لَم يَعُدْ لَهُ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ! أَو أَنَّهُ لمَ يَعُدْ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى! وَأَنَّهُم بِذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ -أَي: السَّلَفِيُّونَ المُنْكِرُونَ لِلتَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ- النَّفْعَ وَالضُّرَّ فِي ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ! فَهَذَا مَحْضُ افْتِرَاءٍ وَكَذِبٍ -عَلَيهِم مِنَ اللهِ مَا يَسْتَحِقُّونَ-، وَإِنَّمَا الفَارِقُ عِنْدَنَا حَقِيقَةً هُوَ إِمْكَانِيَّةُ الدُّعَاءِ مِنْهُ ﷺ، فَبَعْدَ مَوتِهِ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مُمْكِنًا، بِخِلَافِ زَمَنِ حَيَاتِهِ ﷺ، وَالفَيصَلُ بَينَنَا وَبَينَهُم قَولُ عُمَرَ ﵁: (اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا؛ وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا)، وَكُلُّ خَيرٍ فِي اِتِّبَاعِ مَنْ سَلَفَ، فَنَحْنُ سَلَفِيُّونَ وَهُمْ خَلَفِيُّونَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: "أُولَئِكَ آبَائِي؛ فَجِئْني بمِثْلِهِم … إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ".
(٣) وَأَيضًا فَهُنَاكَ مِنَ المَفْضُولِ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَعْلَى مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَحْصُلِ التَّوَسُّلُ بِهِم؛ كَسَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمَلَائِكَةِ الكِرَامِ المُقَرَّبُونَ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
(٤) وَإِنَّ الانْصِرَافَ عَنِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ -لَو جَازَ- إِلَى التَّوَسُّلِ بِجَاهِ غِيرِهِ؛ مَا هُوَ إَلَّا كَالانْصِرَافِ عَنِ الاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الاقْتِدَاءِ بِغَيرِهِ -سَوَاءً بِسَوَاءٍ- إِذْ لَا مُقَارَبَةَ أَبَدًا بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ. وَلَو أَنَّ إِنْسَانًا أُصِيبَ بِمَكْرُوهٍ فَادِحٍ؛ وَكَانَ أَمَامَهُ نَبِيٌّ وَآخَرُ غَيرُ نَبِيٍّ، وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْ أَحَدِهِمَا؛ لَمَا طَلَبَهُ إِلَّا مِنَ النَّبيِّ، وَلَو طَلَبَهُ مِنْ غَيرِ النَّبِيِّ وَتَرَكَ النَّبِيَّ لَعُدَّ مِنَ الجَاهِلِينَ الَّذِينَ يَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ!
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ج- أَنَّ التَّوَسُّلَ جَاءَ إِيضَاحُ مَعْنَاهُ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَأعرَابِيِّ، وَأَيضًا بِدُعَاءِ العَبَّاسِ -سَوَاءً كَانَ المَقْصُودُ تَعْلِيمَ الجَوَازِ أَمْ غَيرَهُ-، فَنَقُولُ: إِذًا فَلْيَتَوَسَّلُوا بِهِ ﷺ كَمَا تَوَسَّلَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَأَنَّى لَهُم ذَلِكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]؟!
د- تَكْرَارُ التَّوَسُّلِ بِالعَبَّاسِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وجُودِ تِلْكَ الدَّعْوَى أَصْلًا؛ لِقَولِهِ: (إِنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إِذَا قَحَطُوا؛ اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ) (^١) (^٢).
٨ - وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ عُمَرَ تَرَكَ التَّوَسُّلَ بِذَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَم يَبْلُغْهُ حَدِيثُ الضَّرِيرِ -وَسَيَأْتِي-! فَهُوَ جَوَابٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ:
_________________
(١) مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ﵄؛ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الاسْتِيعَابِ (٢/ ٨١٤).
(٢) وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرَى لِلعَبَّاسِ مَا يَرَى الوَلَدُ لِلْوَالِدِ؛ فَاقْتَدُوا بِرَسُولِ اللهِ، وَاتَّخِذُوهُ [أَي: العَبَّاسَ] وَسِيلَةً إِلَى اللهِ)! فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ، فِيهَا دَاوُدُ بْنُ عَطَاءٍ المَدَنِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ (ص ١٩٩) لِلحَافِظِ، وَقَد تَعَقَّبَ الذَّهَبِيُّ الحَاكِمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَائِلًا: "دَاوُدُ: مَتْرُوكٌ". وَقَد ذَكَرَ لَهَا الشَّيخُ الأَلبَانيُّ ﵀ ثَلَاثَ عِلَلٍ:
(٣) دَاودُ بْنُ عَطَاءٍ؛ ضَعِيفٌ.
(٤) سَاعِدَةُ بْنُ عُبَيدِ اللهِ المُزَنِيُّ؛ لَمْ تُوجَدْ لَهُ تَرْجَمَةٌ.
(٥) الاضْطِرَابُ فِي السَّنَدِ؛ فَتَارَةً عَنْ زَيدٍ عَنْ أَبِيهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَام بْنِ سَعْدٍ، وَتَارةً عَنْهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَهِشَامُ أَقْوَى مِنْ دَاوُدَ. قُلْتُ: وَلَكِنْ أَيضًا هَذِهِ الرِّوَايَةُ يَكُونُ فِيهَا التَّوَسُّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِوُجُودِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي ذَلِكَ.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
أ- أَنَّ حَدِيثَ الضَّرِيرِ؛ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيهِ تَوَسُّلُ عُمَرَ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ بِالدُّعَاءِ لَا بِالذَّاتِ -كَمَا سَيأْتِي بَيَانُهُ-.
ب- أَنَّ تَوَسُّلَ عُمَرَ لَم يَكُنْ سِرًّا! بَلْ كَانَ جَهْرًا عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ وَفِيهِم كِبَارُ الصَّحَابَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَغَيرِهِم، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَخْفَى الحَدِيثُ عَلَى عُمَرَ؛ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى جَمِيعِ المَوجُودِينِ مَعَ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ؟!
ج- أَنَّ عُمَرَ -كَمَا سَبَقَ- كَانَ يُكَرِّرُ هَذَا التَّوَسُّلَ كُلَّمَا نَزَلَ بِأَهْلِ المَدِينَةِ خَطَرٌ، أَو كُلَّمَا دُعِيَ لِلاسْتِسْقَاءِ -كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَفْظُ (كَانَ) - فِي حَدِيثِ أَنَسٍ السَّابِقِ؛ وَالَّذِي فِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ، وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ -كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي كِتَابِهِ (الاسْتِيعَابُ) (^١) -، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ أَفَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمِرَ عَلَى الجَهْلِ بِهِ كُلَّمَا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ -وَعِنْدَهُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ- وَهُمْ سُكُوتٌ لَا يُقَدِّمُونَ إِلَيهِ مَا عِنْدَهُم مِنَ العِلْمِ بِحَدِيثِ الضَّرِيرِ؟!
د- أَنَّ عُمُرَ لَيسَ هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي عَدَلَ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى التَّوَسُّلِ بِغَيرِهِ! بَلْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَإِنَّهُ أَيضًا عَدَلَ إِلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، وَلَم يَتَوَسَّلَ بِهِ ﷺ -وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَجِلَاءِ التَّابِعِينَ-، فَهَلْ يُقَالُ أَيضًا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ -وَمَنْ مَعَهُ- لَم يَكُونُوا يَعْلَمُونَ بِحَدِيثِ الضَّرِيرِ؟! وَقُلْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي تَوَسُّلِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيسٍ بِيَزِيدَ هَذَا أَيضًا! (^٢)
_________________
(١) الاسْتِيعَابُ (٢/ ٨١٤).
(٢) رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرٍ فِي التَّارِيخِ (٦٥/ ١١٢)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ التَّوَسُّلُ (ص ٤٢).
[ ٢ / ٢٦٨ ]
- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: حَدِيثُ الضَّرِيرِ.
أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ؛ أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَني. قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ؛ فَهوَ خَيرٌ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهوَ خَيرٌ لَكَ»، فَقَالَ: ادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ؛ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ»، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ (^١).
فَيَرَى المُخَالِفُونَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ فِي الدُّعَاءِ بِالجَاهِ أَوِ الذَّاتِ!
الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّوَسُّلَ لَيسَ تَوَسُّلًا بِالذَّاتِ وَالجَاهِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ، وَهُوَ النَّوعُ الثَّالِثُ المَشْرُوعُ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ أُمُورٌ:
١ - أَنَّ الأَعْمَى إِنَّمَا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهُ، وَذَلِكَ مِنْ قَولِهِ: «اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي»، وَلَو كَانَ قَصْدُ الأَعْمَى التَّوَسُّلَ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَو جَاهِهِ أَو حَقِّهِ لَمَا كَانَ ثَمَّةَ حَاجَةٍ بِهِ إِلَى أَنْ يَأْتيَ النَّبِيَّ ﷺ وَيَطْلُبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُ! بَلْ كَانَ الأَولَى لَهُ أَنْ يَقْعُدَ فِي بَيتِهِ وَيَدْعُوَ رَبَّهُ بِهِ (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٧٨)، وَأَحْمَدُ (١٧٢٤١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٧٩).
(٢) وَلَكِنَّهُ لَم يَفْعَلْ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ يَفْهَمُ مَعْنَى التَّوَسُّلِ فِي لُغَةِ العَرَبِ حَقَّ الفَهْمِ، وَيَعْرِفُ أَنَّهُ لَيسَ كَلِمَةً يَقُولُهَا صَاحِبُ الحَاجَةِ يَذْكُرُ فيهَا اسْمَ مَنْ يَتَوَسَّلُ بِهِ! بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى المَجِيءِ إِلَى مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالعِلْمَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَيَطْلُبُ مِنْهُ الدُّعَاءَ لَهُ.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
٢ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَدَهُ بِالدُّعَاءِ -وَذَلِكَ فِي مَعْرِضِ إِجَابَةِ طَلَبِهِ-؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ المَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ التَّوَسُّلِ (^١).
٣ - قَولُ الضَّرِيرِ فِي آخِرِ دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ، وَشَفِّعْنِي فِيهِ) (^٢) صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّوَسُّلَ كَانَ بِدُعَائِهِ ﷺ؛ إِذْ إِنَّ الشَّفَاعَةَ هيَ الدُّعَاءُ (^٣)، وَعَلَيهِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ، أَو جَاهِهِ، أَو حَقِّهِ.
٤ - أَنَّ مِمَّا عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الأَعْمَى أَنْ يَقُولَهُ هُوَ: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» (^٤) أَي: اقْبَلْ شَفَاعَتِي؛ أَي: دُعَائِي، فَلَو حُمِلَ التَّوَجُّهُ بِهِ ﷺ عَلَى الذَّاتِ وَالجَاهِ لَمَا كَانَ لِقَولِ الضَّرِيرِ هَذَا مَعْنًى! وَأَمَّا لَو حُمِلَ عَلَى الدُّعَاءِ لَكَانَ المَعْنَى وَاضِحًا مُسْتَقِيمًا؛ أَنَّهُ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى أَنْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُهُ ﷺ فِي أَنْ يُرَدَّ عَلَيهِ بَصَرُهُ.
٥ - أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ ذَكَرَهُ العُلَمَاءُ فِي مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ المُسْتَجَابِ، وَلَو كَانَ المُرَادُ مِنْهُ التَّوَسُّلَ بِالذَّاتِ لَمَا أَورَدَهُ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ فِي هَذَا البَابِ (^٥)! فَهَذَا
_________________
(١) وَفِيهِ أَيضًا أَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى النَّوعِ الثَّانِي مِنَ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.
(٢) هَذِهِ الجُمْلَةُ هيَ عَنْدَ أَحْمَدَ أَيضًا (١٧٢٤١)، وَالحَاكِمِ (١١٨٠) وَغَيرِهِمَا. وَفِي لَفْظٍ لِلحَاكِمِ (١٩٢٩): «اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ، وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي». صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٦٨١).
(٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٨/ ١٨٤): "وَالشَّفَاعَةُ: كَلَامُ الشَّفِيعِ لِلْمَلِكِ فِي حَاجَةٍ يَسْأَلُها لِغَيرِهِ، وَشَفَعَ إِلَيهِ: فِي مَعْنَى طَلَبَ إِلَيهِ، وَالشَّافِعُ: الطَّالِبُ لِغَيرِهِ يَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى المَطْلُوبِ".
(٤) هَذِهِ الجُمْلَةُ صَحَّتْ فِي الحَدِيثِ، أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ (١٧٢٤١)، وَالحَاكِمُ (١١٨٠) وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهِيَ وَحْدَهَا حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الحَدِيثِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ بَاطِلٌ.
(٥) كَمَا فِي كِتَابِ دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ للبَيهَقِيِّ (٦/ ٨٣): "بَابُ جِمَاعِ أَبْوَابِ دَعَوَاتِ نَبِيِّنَا ﷺ المُسْتَجَابَةِ فِي الأَطْعِمَةِ وَالأَشْرِبَةِ، وَبَرَكَاتِهِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِيمَا دَعَا فِيهِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِنْ دَعَوَاتِهِ عَلَى طَرِيقِ الاخْتِصَارِ".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
مِمَّا يَدُلُّ دِلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ الحَدِيثِ بَيَانُ دُعَائِهِ ﷺ وَلَيسَ التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ الَّذِي لَا يَقْتَصِرُ فَقَطْ عَلَى حَيَاتِهِ ﷺ! فَتَأَمَّلْ (^١).
٦ - لَو كَانَ المَقْصُودُ مِنْ حَدِيثِ الضَّرِيرِ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ لَتَوَاتَرَ عَلَيهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ، كَيفَ وَهُوَ مِنَ الوَسِيلَةِ المَأْمُورِ بِهَا -كَمَا يَقْصِدُ بِهِ المُبْتَدِعَةُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ -! وَحَيثُ أَنَّهُ لَم يَقُمْ عَلَيهِ دَلِيلٌ صَحِيحٌ مِنْ فِعْلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإِنَّهُ يَبْدُو جَلِيًّا أَنَّ ذَلِكَ لَيسَ هُوَ المَقْصُودُ بِالَحَدِيثِ، وَالحَمْدُ للهِ.
- فَائِدَة ١: أمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي وَرَدَتْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ فِي آخِرِ الحَدِيثِ وَهيَ: «وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةٌ؛ فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ» فَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ (^٢).
وَلَو صَحَّتْ لَمْ تَكُنْ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَولِه: «فَافْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ» يَعني: مِنْ إِتْيَانِهِ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَطَلَبِ الدُّعَاءِ مِنْهُ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ وَالتَّوَضُّؤِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْعُو بِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
- فَائِدَة ٢: أَمَّا الزِّيَادَةُ الثَّانِيَةُ وَهيَ قِصَّةُ الرَّجُلِ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَتَوَسُّلِهِ
_________________
(١) كَمَا أَنَّهُ لَو كَانَ السِّرُّ فِي شِفَاءِ الأَعْمَى أَنَّهُ تَوَسَّلَ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْرِهِ وَحَقِّهِ -كَمَا يَفْهَمُ عَامَّةُ المُتَأَخِّرِينَ- لَكَانَ مِنَ اللَّازِمِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الشِّفَاءُ لِغَيرِهِ مِنَ العُمْيَانِ الَّذِينَ يَتَوَسَّلُونَ بِجَاهِهِ ﷺ، بَلْ وَيَضُمُّونَ إِلَيهِ أَحْيَانًا جَاهَ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ وَكُلِّ الأَولِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَجَاهِ كُلِّ مَنْ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ اللهِ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالإنْسِ وَالجِنِّ أَجْمَعِينَ!
(٢) وَقَد تَفَرَّدَ فِيهَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَخَالَفَ بِذَلِكَ رِوَايَةَ شُعْبَةَ -وَهُوَ أَجَلُّ مَنْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ-.
[ ٢ / ٢٧١ ]
بِهِ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ حَتَّى قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجمِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (^١)، وَهِيَ قِصَّةٌ ضَعِيفَةٌ مُنْكَرَةٌ (^٢).
_________________
(١) المُعْجَمُ الكَبِيرُ (٩/ ٣٠)، وَالمُعْجَمُ الصَّغِيرُ (٥٠٨). وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ المَكِّيِّ -شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ-، عَنْ رَوحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيِّ المَدَنِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَكَانَ عُثْمَانُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ وَلَا يَنْظُرُ فِي حَاجَتِهِ، فَلَقِيَ ابْنَ حُنَيفٍ؛ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيفٍ: ائْتِ المِيضَأَةَ؛ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ ائْتِ المَسْجِدَ؛ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بنبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَتَقْضِي لِي حَاجَتِي -وَتُذَكُرُ حَاجَتَكَ-، وَرُحْ حَتَّى أَرْوَحَ مَعَكَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ؛ فَصَنَعَ مَا قَالَ لَهُ، ثُمَّ أَتَى بَابَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَجَاءَ البَوَّابُ حَتَّى أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ [البِسَاطِ]، فَقَالَ: حَاجَتُكَ؟ فَذَكَرَ حَاجَتَهُ وَقَضَاهَا لَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا ذَكَرْتُ حَاجَتَكَ حَتَّى كَانَ السَّاعَةُ، وَقَالَ: مَا كَانَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؛ فَائتِنَا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيفٍ، فَقَالَ لَهُ: جَزَاكَ اللهُ خَيرًا مَا كَانَ يَنْظُرُ فِي حَاجَتِي وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيَّ حَتَّى كَلَّمْتَهُ فِيَّ، فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيفٍ: وَاللَّهِ مَا كَلَّمْتُهُ! وَلَكِنِّي شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَتَاهُ ضَرِيرٌ فَشَكَا إِلَيهِ ذَهَابَ بَصَرِهِ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «فَتَصَبَّر؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَيسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ائْتِ المِيضَأَةَ؛ فَتَوَضَّأْ، ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ ادْعُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ»، قَالَ ابْنُ حُنَيفٍ: فَوَاللَّهِ مَا تَفَرَّقْنَا وَطَالَ بِنَا الحَدِيثُ حَتَّى دَخَلَ عَلَينَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ ضُرٌّ قَطُّ! حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ جَعْفَرٍ العَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ [قَالَهُ الطَّبَرانيُّ ﵀]. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "قُلْتُ: لَا شَكَّ فِي صِحَّةِ الحَدِيثِ -النَّبَوِيِّ-، وَإِنَّمَا البَحْثُ الآنَ فِي هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ كَمَا قَالَ الطَّبَرانِيُّ".
(٢) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَخُلَاصَةُ القَولِ: إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ ضَعِيفَةٌ مُنْكَرَةٌ؛ لِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: ضَعْفِ حِفْظِ المُتَفَرِّدِ بِهَا -شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ-، وَالاخْتِلَافِ عَلَيهِ فِيهَا، وَمُخَالَفَتِهِ لِلثِّقَاتِ الَّذِينَ لَم يَذْكُرُوهَا فِي الحَدِيثِ. وَأَمْرٌ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ كَافٍ لِإِسْقَاطِ هَذِهِ القِصَّةَ؛ فَكَيفَ بِهَا مُجْتَمِعَةً"؟!
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَمَنْ رَأَى أَنَّ تَوَسُّلَ الأَعْمَى كَانَ بِذَاتِهِ ﷺ؛ فَعَلَيهِ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ، وَلَا يَزِيدَ عَلَيهِ، كَمَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّيخِ العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ البَحْثُ العِلْمِيُّ مَعَ الإِنْصَافِ، وَاللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ.
- فَائِدَة ٣: وَأَمَّا الخِطَابُ فِي قَولِهِ هُنَا (يَا مُحَمَّدُ) -بِالنِّدَاءِ- فَفِيهِ تَوجِيهَانِ:
١ - أَنَّهُ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ﷺ؛ وَعَلَيهِ فَلَا إِشْكَالَ.
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "هَذَا إِذَا افْتُرِضَ أَنَّ النّبيَّ ﷺ كَانَ بَعِيدًا أَو غَائِبًا عَنْهُ لَا يَسْمَعُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حُضُورِهِ ﷺ؛ فَلَا إِشْكَالَ" (^١).
٢ - قَالَ شَيخُ الإْسَلَامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "هَذَا وَأَمْثَالَهُ: نِدَاءٌ يُطْلَبُ مِنْهُ اسْتِحْضَارُ المُنَادَى فِي القَلْبِ؛ فَيُخَاطَبُ المَشْهُودُ بِالقَلْبِ، كَمَا يَقُولُ المُصَلِّيُ: السَّلَامُ عَلَيكَ أيُّها النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهُ وبَرَكَاتُهُ، وَالإِنْسَانُ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا؛ يُخَاطِبُ مَنْ يَتَصَوَّرُهُ فِي نَفْسِهِ وإنْ لَمْ يكنْ فِي الخَارِجِ مَنْ يَسْمَعُ الخِطَابَ" (^٢).
قُلْتُ: وَتَأْكِيدًا عَلَى أَنَّ (يَا) النِّدَاء هُنَا المَقْصُودُ بِهَا اسْتِحْضَارُ صُورَةِ المُخَاطَبِ بِهَا فِي الذِّهْنِ؛ أَنَّ مَا بَعْدَهَا لَيسَ فِيهِ طَلَبٌ مِنَ المُنَادَى! وَإِلَّا لَرَأَيتَ بَعْدَهَا: يَا مُحَمَّدُ؛ اسْأَلِ اللهَ لِي!! أَو اشْفَعْ لِي!! وَنَحْوَ هَذَا.
وَعَلَيهِ أَيضًا؛ فَإِنَّ النِّدَاءَ هُنَا لَيسَ دُعَاءً مِنْ دُونِ اللهِ -كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ بَعْضُ الغُلَاةِ- وَإِنَّمَا هُوَ تَوَسُّلٌ بِالدُّعَاءِ.
- فَائِدَة ٤: فِي مُجْمَلِ أَمْرِهِ ﷺ لِلضَّرِيرِ جَمْعٌ لَطِيفٌ بَينَ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ
_________________
(١) تَحْقِيقُ كِتَابِ (الآيَاتُ البَيِّنَاتُ) (ص ٩١).
(٢) اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ (٢/ ٣١٩).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
المَشْرُوعَةِ، حَيثُ أَمَرَهُ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين ثُمَّ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ -وَهَذِهِ الأَعْمَالُ طَاعَةٌ للهِ ﷾ يُقَدِّمُهَا بَينَ يَدي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، وَهيَ تَدْخُلُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ كَمَا سَبَقَ-، ثُمَّ أَنْ يَتَوَسَّلَ بِصِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ للهِ تَعَالَى فِي قَولِهِ: (اللَّهُمَّ)، ثُمَّ جَاءَ دُعَاءُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بَعْدَهُ.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: الأَحَادِيثُ الضَّعِيفَةُ فِي التَّوَسُّلِ، وَأَشْهَرُهَا:
١ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ مَرْفُوعًا: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا» (^١). وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فِيهِ عَطِيَّةُ العَوفِيُّ؛ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ (^٢).
٢ - كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «بِسْمِ اللهِ، آمَنْتُ باللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اللَّهُمَّ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَبِحَقِّ مَخْرَجِي هَذَا؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْهُ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً، خَرَجْتُ ابْتِغاءَ مَرْضَاتِكَ، وَاتِّقاءَ
_________________
(١) رَوَاهُ أَحْمَدُ (١١١٥٦)، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ العَوفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَطِيَّةُ ضَعِيفٌ، قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي التَّقْرِيبِ (١/ ٣٩٣): "صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا، كَانَ شِيعِيًا مُدَلِّسًا"، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ المُغْنِي فِي الضُّعَفَاءِ (٢/ ٤٣٦): "مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ". وَانْظُرِ الكَلَامَ عَلَى الحَدِيثِ مُفَصَّلًا فِي الضَّعِيفَةِ (٢٤). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَخُلَاصَةُ ذَلِكَ أَنَّ عَطِيَّةَ هَذَا كَانَ يَروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ فَلَمَّا مَاتَ جَالَسَ أَحَدَ الكَذَّابِينَ المَعْرُوفِينَ بِالكَذِبِ فِي الحَدِيثِ وَهُوَ الكَلبِيُّ، فَكَانَ عَطِيَّةُ إِذَا رَوَى عَنْهُ كَنَّاهُ أَبَا سَعِيدٍ؛ فَيَتَوَهَّمُ السَّامِعُونَ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ! وَهَذَا وَحْدَهُ عِنْدِي يُسْقِطُ عَدَالَةَ عَطِيَّةَ هَذَا؛ فَكَيفَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ سُوءُ حِفْظِهِ! ". التَّوَسُّلِ (ص ٩٣). وَأَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ (طَبَقَاتُ المُدَلِّسِينَ) (ص ٥٠)، فَقَالَ: "تَابِعِيٌّ مَعْرُوفٌ، ضَعِيفُ الحِفْظِ؛ مَشْهُورٌ بِالتّدْلِيسِ القَبِيحِ"، ذَكَرَهُ فِي المَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ؛ وَهيَ الَّتِي يُورِدُ فِيهَا مَنْ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِشَيءٍ مِنْ حَدِيثِهِم إِلَّا ِبمَا صَرَّحُوا فِيهِ بِالسَّمَاعِ؛ لِكَثْرَةِ تَدْلِيسِهِم عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالمَجَاهِيلَ.
(٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هذَا؛ فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً، وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخَطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ؛ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ: أَقْبَلَ اللهُ عَلَيهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ صَلَاتُهُ».
[ ٢ / ٢٧٥ ]
سَخَطِكَ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ وتُدْخِلَنِي الجَنَّةَ» (^١). مُنْكَرٌ، فِيهِ الوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ العُقَيلِيُّ؛ وَهوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ.
وَلَكِنْ مَعَ كَونِ هَذَينِ الحَدِيثَينِ ضَعِيفَينِ؛ فَهُمَا لَا يَدُلَّانِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالمَخْلُوقِينَ أَبَدًا! وَإِنَّمَا يَعُودَانِ إِلَى أَحَدِ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ الكَلَامُ عَنْهُ، وَهُوَ التَّوَسُّلِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿، لِأَنَّ فِيهِمَا التَّوَسُّلَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَى اللهِ، وَبِحَقِّ مَمْشَى المُصَلِّينَ، فَمَا هُوَ حَقُّ السَّائِلِينَ عَلَى اللهِ تَعَالَى؟ لَا شَكَّ أَنَّهُ إِجَابَةُ دُعَائِهِم، وَإِجَابَةُ اللهِ دُعَاءَ عِبَادِهِ هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ ﷿، وَكَذَلِكَ حَقُّ مَمْشَى المُسْلِمِ إِلَى المَسْجِدِ هُوَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ وَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَيَمْحِي عَنْهُ سَيِّئَةً، وَمَغْفِرَةُ اللهِ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ وَإِدْخَالُهُ بَعْضَ خَلْقِهِ مِمَّنْ يُطِيعُهُ الجَنَّةَ؛ كُلُّ ذَلِكَ صِفَاتٌ لَهُ ﵎، وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ المُبْتَدِعُونَ يَنْقَلِبُ عَلَيهِم.
٣ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبَدَ، أَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ بِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ» (^٢).
_________________
(١) الحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ (١/ ٧٥) مِنْ طَريقِ الوَازِعِ بْنِ نَافِعٍ العُقَيلِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ بِلَالٍ. وَهَذَا سَنَدٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَآفَتُهُ الوَازِعُ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لَم يَكُنْ عِنْدَهُ وَازِعٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ! كَمَا فِي الضَّعِيفَةِ (٦٢٥٢)، وَفِيهَا: "وَلِذَلِكَ لَمَّا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الأَذْكارِ: حَدِيثٌ ضَعِيفٌ؛ أَحَدُ رُوَاتِهِ الوَازِعُ بْنُ نَافِعٍ العُقَيليُّ -وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ؛ وَأَنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ- قَالَ الحَافِظُ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: هَذَا حَدِيثٌ وَاهٍ جِدًّا، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي (الأَفْرَادِ) مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ الوَازِعُ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ؛ وَأَنَّهُ مُنْكَرُ الحَدِيثِ".
(٢) الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (٨/ ٢٦٤). وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَصْبَحَ وَأمْسَى دَعَا بِهَؤُلَاءِ =
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ، وَفِيهِ فَضَّالُ بْنُ جُبَيرٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، اتَّهَمَهُ ابْنُ حِبَّانَ (^١) (^٢).
٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ -أُمُّ عَلِيِّ بِنْ أَبِي طَالِبٍ-؛ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ وَأَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ وَعُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ؛ اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، ولَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيهَا مُدْخَلَهَا؛ بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي؛ فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» (^٣). مُنْكَرٌ. رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبيرِ وَالأَوسَطِ، وَفِيهِ رَوحُ بْنُ صَلَاحٍ
_________________
(١) = الدَّعَوَاتِ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبِدَ، وَأَنْصَرُ مَنْ ابْتُغِي، وَأَرْأَفُ مَنْ مَلَكَ، وَأَجْوَدُ مَن سُئِلَ، وَأَوسَعُ مَنْ أَعْطَى، أَنْتَ المَلِكُ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَالفَرْدُ لَا تَهْلَكُ، كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَكَ، لَنْ تُطَاعَ إِلَّا بِإذْنِكَ، وَلَنْ تُعْصَى إِلَّا بِعِلْمِكَ، تُطَاعُ فَتَشْكُرُ، وَتُعْصَى فَتَغْفِرُ، أَقْرَبُ شَهِيدٍ، وَأدْنَى حَفِيظٍ، حِلْتَ دُونَ الثُّغُورِ، وَأَخَذْتَ بِالنَّوَاصِي، وَكَتَبْتَ الآثَارَ، وَنَسَخْتَ الآجَالَ، القُلُوبُ لَكَ مُفْضِيَّةٌ، وَالسِّرُّ عِنْدَكَ عَلَانِيَّةٌ، الحَلَالُ مَا أَحْلَلَتَ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمْتَ، وَالدِّينُ مَا شَرَّعْتَ، وَالأَمْرُ مَا قَضَيتَ، وَالخَلْقُ خَلْقُكَ، وَالعَبْدُ عَبْدُكَ، وَأَنْتَ اللهُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، أَسأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَبِكُلِّ حَقٍّ هُوَ لَكَ، وَبِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيكَ أَنْ تَقْبَلَنِي فِي هَذِهِ الغَدَاةِ أَو فِي هَذِهِ العَشِّيةِ، وَأَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِقُدْرَتِكَ».
(٢) كِتَابُ المَجْرُوحِينَ (٢/ ٢٠٤)، وَقَالَ ابْنُ عَدِّيٍّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الكَامِلُ (٧/ ١٣١): "وَلِفَضَّالِ بْنِ جُبَيرٍ عَنِ أَبِي أُمَامَةَ قَدْرُ عَشَرَةِ أَحَادِيثَ؛ كُلُّهَا غَيرُ مَحْفُوظَةٍ".
(٣) انْظُرِ الضَّعِيفَةَ (٦٢٥٣).
(٤) الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبيرِ (٢٤/ ٣٥١) وَالمُعْجَمِ الأَوسَطِ (١٨٩). وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ-: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: لَمَّا مَاتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ -أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- دَخَلَ عَلَيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهَا، فَقَالَ: «رَحِمَكِ اللهُ يَا =
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِهِ (^١).
٥ - عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيد؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ المُهَاجِرِينَ.
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (^٢)، وَيَرَى المُخَالِفُونَ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يُفِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطْلُبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَهُ وَيَفْتَحَ عَلَيهِ بِالضُّعَفَاءِ المَسَاكِينِ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَهَذَا -بِزَعْمِهِم- هُوَ التَّوَسُّلُ المُخْتَلَفُ فِيهِ نَفْسُهُ.
وَلَكِنَّ الحَدِيثَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ أُمَيَّةَ لَم تَثْبُتْ لَهُ صُحْبَةٌ (^٣).
ثُمَّ يُقَالُ: إِنَّ الحَدِيثَ لَو صَحَّ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ عُمَرَ وَحَدِيثُ الأَعْمَى مِنَ التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ.
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "كَانَ يَسْتَفْتِحُ؛ أَي: يَفْتَتِحُ القِتَالَ، مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ
_________________
(١) = أُمِّي، كُنْتِ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، وتُشْبِعِينِي وَتَعْرَينَ، وتُكْسِينِي وَتَمْنَعِينَ نَفْسَكِ طَيِّبًا، وتُطْعِمِينِي تُرِيدِينَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ»، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُغَسَّلَ ثَلَاثًا، فَلَمَّا بَلَغَ المَاءَ الَّذِي فِيهِ الكَافُورُ؛ سَكَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ خَلَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَمِيصَهُ، فَأَلْبَسَهَا إِيَّاهُ وَكَفَّنَهَا بِبُرْدٍ فَوقَهُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ وَأَبَا أَيُّوبٍ الأَنْصَارِيَّ وَعُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَغُلَامًا أَسْوَدَ يَحْفُرُونَ فَحَفَرُوا قَبْرَهَا، فَلَمَّا بَلَغُوا اللَّحْدَ حَفَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَأَخْرَجَ تُرَابَهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اغْفِرْ لأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، وَلَقِّنْهَا حُجَّتَها، وَوَسِّعْ عَلَيهَا مُدْخَلَهَا؛ بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي؛ فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» وَكَبَّرَ عَلَيهَا أَرْبَعًا، وأَدْخَلُوهَا اللَّحْدَ -هُوَ وَالعَبَّاسُ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ-.
(٢) الضَّعِيفَةُ (٢٣).
(٣) الطَّبَرَانيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (١/ ٢٩٢).
(٤) قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الاسْتِيعَابُ (١/ ١٠٧): "لَا تَصِحُّ عِنْدِي صُحْبَتُهُ، وَالحَدِيثُ مُرْسَلٌ".
[ ٢ / ٢٧٨ ]
تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأَنْفَال: ١٩] ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيَسْتَنْصِرُ؛ أَي: يَطْلُبُ النُّصْرَةَ بِصَعَالِيكِ المُسْلِمِينَ؛ أَي: بُدُعَاءِ فُقَرَائِهِم الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُم" (^١).
وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «هَلْ تُنْصَرُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ» (^٢).
٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ؛ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللهُ: يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟! قَالَ: يَا رَبِّ، لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؛ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيتُ عَلَىَ قَوَائِمِ العَرْشِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ؛ فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيكَ، فَقَالَ اللهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لَأَحَبُّ الخَلْقِ إِلَيَّ، ادْعُنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (^٣)، وَهُوَ مَوضُوعٌ، فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ وَاهٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الفِهْرِيُّ مُتَّهَمٌ بِوَضْعِ الحَدِيثِ (^٤).
_________________
(١) فَيضُ القَدِيرِ (٥/ ٢١٩).
(٢) صَحِيحٌ. حِلْيَةُ الأَولِيَاءِ (٨/ ٢٨٩) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٠٣٤).
(٣) مَوضُوعٌ. الحَاكِمُ (٤٢٢٨). وَقَالَ عَقِبَهُ ﵀: "صَحِيحُ الإِسْنَادِ؛ وَهُوَ أَوَّلُ حَدِيثٍ ذَكَرْتُهُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذَا الكِتَابِ"! فَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ ﵀ بِقَولِهِ: "قُلْتُ: بَلْ مَوضُوعٌ؛ وَعَبُدُ الرَّحْمَنِ وَاهٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ الفِهْرِيُّ لَا أَدْري مَنْ ذَا". قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَمِنْ تَنَاقُضِ الحَاكِمِ فِي المُسْتَدْرَكِ نَفْسِهِ أَنَّهُ أَورَدَ فِيهِ حَدِيثًا آخَرَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا وَلَم يُصَحِّحْهُ، بَلْ قَالَ: وَالشَّيخَانِ لَم يَحْتَجَّا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيدٍ"! قُلْتُ: انْظُرِ المُسْتَدْرَكَ (٣/ ٣٧٤).
(٤) وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِم بِأَنَّ الحَافِظَ العَسْقَلَانِيَّ ﵀ حَكَمَ عَلَى (عَبْدِ الرَّحْمَن ِبْنِ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ) أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَقَط -كَمَا فِي اللِّسَانِ (٤/ ٢٩) -! فَلَا يُفِيدُهُم شَيئًا بِفَضْلِ اللهِ؛ فَإِنَّ الحَافِظَ نَفْسَهُ قَالَ عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَصْلًا أَنَّهُ خَبَرٌ بَاطِلٌ، كَمَا تَجِدُهُ فِي تَرْجَمَةِ (عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ الفِهْرِيِّ) مِنْ نَفْسِ الكِتَابِ (٣/ ٣٥٩). وَالحَمْدُ للهِ.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ العُلَمَاءُ مِنْ وَضْعِ هَذَا الحَدِيثِ وَبُطْلَانِهِ أَنَّهُ يُخَالِفُ القُرْآنَ الكَرِيمَ فِي مَوضِعَينِ مِنْهُ؛ وَهُمَا:
أ- أَنَّهُ تَضَمَّنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى غَفَرَ لِآدَمَ بِسَبَبِ تَوَسُّلِهِ بِهِ ﷺ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: «يَا آدَمُ، وَكَيفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟!»، وَاللهُ ﷿ يَقولُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البَقَرَة: ٣٧]، فَالحَقِيقَةُ أَنَّ هَذَا التَّلَقِّي لِلْكَلِمَاتِ هُوَ سَبَبُ قَبُولِ التَّوبَةِ (^١).
ب- قَولُهُ فِي آخِرِهِ: «وَلَولَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ»! مُعَارِضٌ لِمَا قَد أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهِ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ، فَقَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦] (^٢).
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "وَقَد جَاءَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ عَنْ تَرْجُمَانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِمَا يُخَالِفُ هَذَا الحَدِيثَ، فَأَخْرَجَ الحَاكِمُ (٣/ ٥٤٥) عَنْهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَي رَبِّ؛ أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَرَأَيتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ؛ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى [فِي غَيرِهَا مِنَ الأُصُولِ: نَعَم. وَهُوَ الصَّوَابُ لُغَةً]. قَالَ: فَهُوَ قَولُهُ ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾. قَالَ الحَاكِمُ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَا. وَقَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هُوَ فِي حُكْمِ المَرْفُوعِ مِنْ وَجْهَينِ:
(٢) أَنَّهُ أَمْرٌ غَيبِيٌّ؛ لَا يُقَالُ مِنْ مُجَرَّدِ الرَّأْي.
(٣) أَنَّهُ وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهوَ فِي حُكْمِ المَرْفُوعِ".
(٤) وَمِثْلُهُ الحَدِيثُ المَشْهُورُ لَفْظًا: «يَا مُحَمَّدُ، لَولَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا»!! وَهُوَ مَوضُوعٌ، كَمَا فِي تَلْخِيصِ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ (ص ٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيهِ أَيضًا: "وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: مَوضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيهِ ظُلْمَةٌ".
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وَأَمَّا زَعْمُ بَعْضِهِم أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَقَط -جَدَلًا-؛ وَأَنَّ الحَدِيثَ الضَّعِيفَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ اتِّفَاقًا! فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَيضًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ هَذَا التَّوَسُّلِ، وَلِكَونِ الاسْتِحْبَابِ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مِنَ الأَحْكَامِ الخَمْسَةِ -الَّتِي لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِنَصٍّ صَحِيحٍ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ- فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ، فَالأَمْرُ خَارِجٌ عَنْ مُجَرَّدِ الفَضَائِلِ (^١).
_________________
(١) قُلْتُ: وَمَعْنَى (فِي الفَضَائِلِ): أَي: إِيرَادُ الحَدِيثِ الضَّعِيفِ الإِسْنَادِ فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ فَضِيلَةِ عَمَلٍ مَا ثَابِتٍ شَرْعًا، أَوِ الحَثِّ عَلَيهِ، وَلَيسَ فِي مَعْرِضِ إِثْبَاتِ حُكْمٍ بِهِ! وَدَعْوَى الاتِّفَاقِ هَذِهِ غَيرُ مُسَلَّمٍ بِهَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الجَوَازِ؛ لِأَنَّ الكُلَّ شَرْعٌ. وَلَكِنْ حَتَّى الَّذِينَ قَالُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَدْ وَضَعُوا لِذَلِكَ العَمَلِ شُرُوطًا. قَالَ الحَافِظُ ابْن حَجَرٍ ﵀: "وَلَكِنِ اشْتُهِرَ أَنَّ أَهْلَ العِلْمِ يَتَسَامَحُونَ فِي إِيرَادِ الأَحَادِيثِ فِي الفَضَائِلِ -وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ- مَا لَمْ تَكُنْ مَوضُوعَةً. وَيَنْبَغِي مَعَ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ أَنْ يَعْتَقِدَ العَامِلُ كَونَ ذَلِكَ الحَدِيثِ ضَعِيفًا، وَأَنْ لَا يُشْهِرَ بِذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَعْمَلَ المَرْءُ بِحَدِيثٍ ضَعِيفٍ؛ فَيُشَرِّعَ مَا لَيسَ بِشَرْعٍ! أَو يَرَاهُ بَعْضُ الجُهَّالِ؛ فَيَظُنُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ! وَقَدْ صَرَّحَ بِمَعْنَى ذَلِكَ الأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيرُهُ، وَلْيَحْذَرِ المَرْءُ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ قَولِهِ ﷺ: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَذَّابِين» فَكَيفَ بِمَنْ عَمِلَ بِهِ؟! وَلَا فَرْقَ فِي العَمَلِ بِالحَدِيثِ فِي الأَحْكَامِ أَو فِي الفَضَائِلِ؛ إِذِ الكُلُّ شَرْعٌ". تَبْيِينُ العَجَبِ بِمَا وَرَدَ فِي شَهْرِ رَجَب (ص ١١). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَمَامُ المِنَّةِ) (ص ٣٦): "فَهَذِهِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ لِجَوَازِ العَمَلِ بِهِ:
(٢) أَنْ لَا يَكُونَ مَوضُوعًا.
(٣) أَنْ يَعْرِفَ العَامِلُ بِهِ كَونَهُ ضَعِيفًا.
(٤) أَنْ لَا يُشْهرَ العَمَلُ بِهِ". قُلْتُ: وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنْ يَنْدَرِجَ العَمَلُ نَفْسُهُ تَحْتَ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ. =
[ ٢ / ٢٨١ ]
٧ - حَدِيثُ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ»، وَبَعْضُهُم يَرْوِيهِ بِلَفْظِ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ؛ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِيَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ». هُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ البَتَّةَ (^١).
٨ - أَثَرُ الاسْتِسْقَاءِ بِالرَّسُولِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ:
قَالَ الحَافِظُ ﵀ فِي الفَتْحِ مَا نَصُّهُ: "وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ؛ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا! فَأَتَى الرَّجُلَ فِي المَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ .. الحَدِيثَ (^٢)، وَقَدْ رَوَى سَيفٌ فِي الفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي رَأَى المَنَامَ المَذْكُورَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الحَارِثِ المُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ" (^٣).
_________________
(١) = قَالَ الشَّيخُ القَاسِمِيُّ ﵀: "وَذَكَرَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الضَّعْفُ غَيرَ شَدِيدٍ؛ فَيَخْرُجُ مَنْ انْفَرَدَ مِنَ الكَذَّابِينَ وَالمُتَّهَمِينَ بِالكَذِبِ وَمَنْ فَحُشَ غَلَطُهُ. نَقَلَ العَلَائِيُّ الاتِّفَاقَ عَلَيهِ. الثَّانِي: أَنْ يَنْدَرِجَ تَحْتَ أَصْلٍ مَعْمُولٍ بِهِ. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَعْتَقِدَ عِنْدَ العَمَلِ بِهِ ثُبُوتَهُ؛ بَلْ يَعْتَقِد الاحْتِيَاطَ". قَوَاعِدُ التَّحْدِيثِ (ص ١١٦).
(٢) الضَّعِيفَةُ (٢٢). وَقَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١/ ٣٢٠): "وَلَكِنَّ جَاهَ المَخْلُوقِ عِنْدَ الخَالِقِ تَعَالَى لَيسَ كَجَاهِ المَخْلُوقِ عِنْدَ المَخْلُوقِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَالمَخْلُوقُ يَشْفَعُ عِنْدَ المَخْلُوقِ بِغَيرِ إذْنِهِ؛ فَهُوَ شَرِيكٌ لَهُ فِي حُصُولِ المَطْلُوبِ؛ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ". تَمَّ بِحَذْفٍ يَسِيرٍ.
(٣) أَي الَّذِي فِيهِ اسْتِسْقَاءُ عُمَرَ بِالعَبَّاسِ ﵄.
(٤) فَتْحُ البَارِي (٢/ ٤٩٥).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ وُجُوهٍ:
أ- مَالِكُ الدَّارِ هَذَا غَيرُ معْرُوفِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ، وَأَمَّا قَولُ الحَافِظِ ﵀: "بِإسْنَادٍ صَحِيحٍ" فَهوَ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ، وَأَمَّا مَالِكُ نَفْسُهُ فَهوَ مَجْهُولٌ (^١)!
ب- أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ اسْتِحْبَابِ إِقَامَةِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ لِاسْتِنْزَالِ الغَيثِ مِنَ السَّمَاءِ.
ج- أَنَّ القِصَّةَ لَو صَحَّتْ -جَدَلًا- فَلَا حُجَّةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى رَجُلٍ لَم يُسَمَّ؛ فَهُوَ مَجْهُولٌ أَيضًا، وَتَسْمِيَتُهُ بِلَالًا (بْنَ الحَارِثِ المُزَنِيَّ) فِي رِوَايَةِ سَيفٍ لَا تُسَاوِي شَيئًا! لِأَنَّ سَيفًا هَذَا -وَهُوَ ابْنَ عُمَرَ التَّمِيمِيَّ- مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ (^٢).
د- أَنَّ هَذَا الأَثَرَ لَيسَ فِيهِ التَّوَسُّلُ -مَوضُوعُ البَحْثِ- وَإِنَّمَا فِيهِ الطَّلَبُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَهَذَا بَحْثٌ آخَرٌ؛ يَكْفِينَا القَولُ فِيهِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦] (^٣).
٩ - حَدِيثُ الكُوَّةِ فَوقَ القَبْرِ (^٤):
رَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ؛ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيدٍ؛ حَدَّثَنَا عَمْرو بْنُ مَالِكٍ
_________________
(١) وَقَد قَالَ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ ﵀ فِي قِصَّةٍ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ الدَّارِ عَنْ عُمَرَ: "رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ فِي الكَبِيرِ، وَرُوَاتُهُ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ، وَمَالِكُ الدَّارِ لَا أَعْرِفُهُ". التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ (٢/ ٢٩).
(٢) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ المَجْرُوحِينَ (١/ ٣٤٥): "يَرْوِي المَوضُوعَاتِ عَنِ الأَثْبَاتِ".
(٣) وَأَخِيرًا؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ الرَّدُّ مِنْ نَفْسِ الأَثَرِ؛ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -فِي الرُّؤْيَا- لَمْ يُجِبْهُ وَإِنَّمَا أَحَالَهُ إِلَى الاسْتِسْقَاءِ بِالأَحْيَاءِ؛ فَقَالَ لَهُ: (ائْتِ عُمَرَ)!
(٤) وَقَدْ سَبَقَتِ المَسْأَلَةُ فِي مُلْحَقِ (قَوَاعِدُ ومَسَائِلُ فِي التَّبَرُّكُ وَالبَرَكَةِ)، وَالإِعَادَةُ لِلمُنَاسَبَةِ.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
النُّكْرِيُّ؛ حَدَّثَنَا أَبُو الجَوزَاءِ -أَوسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ- قَالَ: قَحَطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوا إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًّا إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَينَهُ وَبَينَ السَّمَاءِ سَقْفٌ، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَمُطِرْنَا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ العُشْبُ وَسَمِنَتِ الإِبِلُ حَتَّى تَفَتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ؛ فَسُمِّيَ عَامَ الفَتْقِ (^١).
فَمَا الجَوَابُ عَنْهُ؟
الجَوَابُ من أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ مُطْلَقًا بِسَبَبِ أُمُورٍ:
أَوَّلِهَا: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، قَالَ فِيهِ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ (التَّقرِيبُ): "صَدُوقٌ لَهُ أَوهَامٌ" (^٢).
وَثَانِيهَا: أَنَّ أبَا النُّعْمَانِ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ -يُعْرَفُ بِعَارِمٍ-، وَهوَ -وَإِنْ كَانَ ثِقَةً- فَقَد اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ (^٣).
٢ - أَنَّهُ مَوقُوفٌ عَلَى عَائِشَةَ، وَلَيسَ بِمَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَلَو صَحَّ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ، لِأَنَّه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الآرَاءِ الاجْتِهَادِيَّةِ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ مِمَّا يُخْطِئُونَ فِيهِ وَيُصِيبُونَ، وَلَسْنَا مُلْزَمِينَ بِالعَمَلِ بِهَا إِذَا لَمْ تُوَافِقِ السُّنَّةَ.
٣ - مِمَّا يُبَيّنُ كَذِبَ هَذهِ الرِّوَايَةِ أَنَّه فِي مُدَّةِ حَيَاةِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ لِلبَيتِ كُوَّةٌ! بَلْ كَانَ بَاقِيًا كَمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ -بَعْضُهُ مَسْقُوفٌ وَبَعْضُهُ مَكْشُوفٌ- وَكَانَتِ
_________________
(١) الدَّارِمِيُّ (٩٣).
(٢) التَّقرِيبُ (ص ٢٣٦).
(٣) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ ﵀ فِي كِتَابِهِ (المَجْرُوحِينَ) (١/ ٣٤٥): "يَرْوِي المَوضُوعَاتِ عَنِ الأَثْبَاتِ".
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الشَّمْسُ تَنْزِلُ فِيهِ (^١)، وَلَم تَزَلِ الحُجْرَةُ كَذَلِكَ حَتَّى زَادَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ فِي المَسْجِدِ فِي إِمَارَتِهِ لَمَّا أَدْخَلَ الحُجَرَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمِنْ حِينِئِذٍ دَخَلَتِ الحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ إِنَّه بَنَى حَولَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ الَّتِي فِيهَا القَبْرُ جِدَارًا عَالِيًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ جُعِلَتِ الكُوَّةُ لِيَنْزِلَ مِنْهَا مَنْ يَنْزِلُ إِذَا احْتِيجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ كَنْسٍ أَو تَنْظِيفٍ (^٢).
_________________
(١) كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ (٥٤٥)، وَمُسْلِمٍ (٦١١) عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلي العَصْرَ -وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا- لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ.
(٢) يُنْظَرُ: (الاسْتِغَاثَةُ) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (ص ١٠٥)، وَكِتَابَ (التَّوَسُّلُ) لِلْأَلْبَانِيِّ (ص ١٢٧).
[ ٢ / ٢٨٥ ]
- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قِيَاسُ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ!
حَيثُ ادَّعَى المُخَالِفُونَ أَنَّ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَأَقْدَارِهِم أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَجَائِزٌ، لِأَنَّ أَحَدَنَا إِذَا كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ عِنْدَ مَلِكٍ أَو وَزِيرٍ أَو مَسْؤُولٍ كَبِيرٍ فَإِنَّهُ لَا يَذْهَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ -هَذَا إِذَا لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلًا-! لِذَلِكَ كَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ إِذَا أَرَدْنَا حَاجَةً مِنْ مِثْلِهِ؛ فَإِنَّنَا نَبْحَثُ عَمَّنْ يَعْرِفُهُ -وَيَكُونُ مُقَرَّبًا إِلَيهِ-، وَنَجْعَلُهُ وَاسِطَةً بَينَنَا وَبَينَهُ؛ فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ اسْتَجَابَ لَنَا، وَقُضِيَتْ حَاجَتُنَا، وَهَكَذَا الأَمْرُ نَفْسُهُ فِي عَلَاقَتَنِا بِاللهِ ﷾ -بِزَعْمِهِم-!!
وَالجَوَابُ (^١): أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ عَلِيلٌ، وَهُوَ مِنَ المُنْكَرِ العَظِيمِ (^٢)، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمِيعٌ عَلِيمٌ بَصِيرٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالمُلُوكُ وَأَشْبَاهُهُم يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُبَلِّغُهُم أَحْوَالَ الفُقَرَاءِ وَالمُسْتَضْعَفِينَ، فَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ -تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ- (^٣).
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.
(٢) وَالمُنْكَرُ العَظِيمُ هُوَ مِنْ جِهِةِ المِثَالِ المَذْكُورِ -لَا مِنْ جِهَةِ مَسْأَلِة التّوَسُّلِ بِجَاهِ الصَّالِحِينَ- وَعَلَيهِ أَوجُهُ الرَّدِّ. كَمَا يَصِحُّ الرَّدُّ بِهَذِهِ الأَوجُهِ عَلَى مَنْ اسْتَدَلَّ بِنفْسِ المِثَالِ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الصَّالِحِينَ وَالأَولِيَاءِ بِدَعْوَى أَنَّهُم هُمُ الَّذِينَ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَ الخَلْقِ إِلَى اللهِ تَعَالَى.
(٣) قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ﵀: "لَا خِلَافَ بَينَ فُقَهَاءِ الأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ -وَهُمْ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالحَدِيثِ- فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوحِيدِ؛ وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ؛ إِلَّا دَاوُدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الأَصْفَهَانِيَّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَولِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ نَفَوَا القِيَاسَ فِي التَّوحِيدِ وَالأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ فَعَلَى قَولَينِ فِي هَذَا الْبَابِ سِوَى القَولَينِ المَذْكُورَينِ، مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الْقِيَاسَ فِي التَّوحِيدِ وَالْأَحْكَامِ جَمِيعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوحِيدِ وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ". جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ (٢/ ٨٨٧).
[ ٢ / ٢٨٦ ]
ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى رَحْمَنُ رَحِيمٌ رَؤُوفٌ؛ لَيسَ كَآحَادِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ، فَالخَلْقُ رَحْمَتُهُم تُنَاسِبُ قَدْرَهُم، فَهيَ لَا تَسَعُ جَمِيعَ الخَلْقِ! وَأَمَّا اللهُ تَعَالَى فَرَحْمَتُهُ وَاسِعَةٌ؛ لَا يَحْتَاجُ ﷾ إِلَى أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ اسْمُ مَنْ تُسْتَجْلَبُ بِهِ الرَّحْمَةُ إِلَى الخَلْقِ (^١)! بِخِلَافِ مُلُوكِ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِنْ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ!
ج- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ كَانَ بِاتِّخَاذِ الشُّفَعَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ بَينَهُم وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، وَفَتْحُ بَابِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ قَدْ يُفْضِي إَلَى ذَلِكَ (^٢).
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ
_________________
(١) وَفِي الحَدِيثِ: «جَعَلَ اللهُ ﷿ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الخَلْقُ حَتَّى تَرفعَ الفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ». صَحِيحٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (١٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (٧٣).
(٢) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "إِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ بَعْضَ العُلَمَاءِ وَالمُحَقِّقِينَ عَلَى المُبَالَغَةِ فِي إِنْكَارِ التَّوَسُّل بِذَوَاتِ الأَنْبِيَاءِ وَاعْتِبَارِهِ شِرْكًا -وَإِنْ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ لَيسَ شِرْكًا عِنْدَنَا- بَلْ يُخْشَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الشِّرْكِ". التَّوَسُّلُ (ص ١٣٣). وَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: "أَمَّا دَعْوَةُ اللهِ بِهِمْ؛ كَأَنْ يَقُولَ: يَا رَبِّ! أَسْأَلُكَ بِوَلِيِّكَ الفُلَانِيِّ، أَو أَسْأَلُكَ بِنَبِيِّكَ، أَو أَسْأَلُكَ بِجِبْرِيلَ، أَو أَسْأَلُكَ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ؛ فَهَذَا -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شِرْكًا- إِلَّا أَنَّهُ مِنَ البِدَعِ الَّتِي تَكُونُ طَرِيقًا إِلَى الشِّرْكِ". شَرْحُ بَابِ (مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِين) مِنْ شَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ) شَرِيطُ رَقَم (١٢٨). قُلْتُ: فَهُوَ مِنْ بِدَعِ الدُّعَاءِ، وَقَد جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٩٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٦).
[ ٢ / ٢٨٧ ]
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].
وقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ * فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٣ - ٧٤] (^١).
د- أَنَّ صَلَاحَ الصَّالِحِينَ هُوَ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم، فَكَيفَ يَتَوَسَّلُ -المُجِيزُونَ- بِعَمَلٍ لَيسَ مِنْ عَمَلِهِم؟! فَإِنَّمَا صَلَاحُ الصَّالِحِينَ رَاجِعٌ إِلَيهِم، وَهَذَا بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ كَمَا سَبَقَ (^٢).
_________________
(١) قَالَ الإِمَامُ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي رِسَالَةِ الوَاسِطَةُ (ص ٥): "وَمَنْ أَثْبَتَ الأَنْبِيَاءَ وَسِوَاهُم مِنَ مَشَايخِ العِلْمِ وَالدِّينِ وَسَائِطَ بَينَ اللهِ وَبَينَ خَلْقِهِ كَالحُجَّابِ الَّذِينَ بَينَ المَلِكِ وَرَعِيَّتِهِ بِحَيثُ يَكُونُونُ هُم يَرْفَعُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَوَائِجَ خَلْقِهِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنَّمَا يَهْدِي عِبَادَهُ وَيَرْزُقَهُم وَيَنْصُرَهُم بِتَوَسُّطِهِم؛ بِمَعْنَى أَنَّ الخَلْقَ يَسْأَلُونَهُم وَهُم يَسْأَلُونَ اللهَ كَمَا أَنَّ الوَسَائِطَ عِنْدَ المُلُوكِ يَسْأَلونَ المَلِكَ حَوَائِجَ النَّاسِ لِقُرْبِهِم مِنْهُم وَالنَّاسُ يَسْأَلونَهُم أَدَبًا مِنْهُم أَنْ يُبَاشِرُوا سُؤَالَ المَلِكِ؛ وَلِأَنَّ طَلَبَهُم مِنَ الوَسَائِطِ أَنْفَعُ لَهُم مِنْ طَلَبِهِم مِنَ المَلِكِ لِكَونِهِم أَقْرَبَ إِلَى المَلِكِ مِنَ [الطَّالِبِ]! فَمَنْ أَثْبَتَهُم وَسَائِطَ عَلَى هَذِهِ الوُجُوهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ مُشْرِكٌ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَهَؤُلَاءِ مُشَبِّهُونَ للهِ، شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَخْلُوقِ، وَجَعَلُوا للهِ أَنْدَادًا". مُسْتَفَادٌ مِنْ كِتَابِ (التَّوَسُّلُ) (ص ١٣٣) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀.
(٢) وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ؛ فَقَد دَلَّتْ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ، وَفِيهِ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى الرَّحْمَن ِالرَّحِيمِ عَلَى خَلْقِهِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُم مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُقَرِّبُ إِجَابَةَ دُعَائِهِم مِنْهُ ﷾. وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ؛ فَصَحِيحٌ أَنَّ صَلَاحَهُم أَيضًا يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم مِنْ حَيثُ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ، وَلَكِنَّهُ مِنْ حَيثُ الثَّمَرَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِم وَحْدَهُم! لِأَنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ مُتَعَدٍّ إِلَى الغَيرِ، فَهُوَ -مِنْ جِهَةِ تَعَدِّي ثَمَرَةِ الصَّلَاحِ إِلَى الغَيرِ- هُوَ كَحُسْنِ الجِوَارِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَإِطْعَامِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينَ، فَهَذَا كُلُّهُ -مِنْ جِهَةِ الثَّمَرَةِ- مُخَالِفٌ لِمَسْأَلَةِ جَاهِهِم وَشَرَفِهِم، لِأَنَّ الأَخِيرَ مُخْتَصٌّ بِهِم، وَلَكِنَّهُ إِنْ تَحَلَّى بِالدُّعَاءِ فَهُوَ حَرِيٌّ بِالإِجَابَةِ، فَلَو أَنَّ رَجُلًا تَوَسَّلَ إِلَيكَ بِجَاهِ مَحْبُوبٍ عِنْدَكَ؛ هَلْ يَكُونُ =
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ: سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^١).
قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀: "فَهَؤُلَاءِ قَدْ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الإِخْلَاصِ وَتَجَرَّأُوا عَلَى أَعْظَمِ المُحَرَّمَاتِ -وَهُوَ الشِّرْكُ-، وَقَاسُوا الَّذِي لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ -المَلِكَ العَظِيمَ-، بِالمُلُوكِ! وَزَعَمُوا بِعُقُولِهِمُ الفَاسِدَةِ وَرَأْيهِمُ السَّقِيمِ أَنَّ المُلُوكَ -كَمَا أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيهِمُ إِلَّا بِوُجَهَاءَ وَشُفَعَاءَ وَوُزَرَاءَ يَرْفَعُون إِلَيهِم حَوَائِجَ رَعَايَاهُم، وَيَسْتَعْطِفُونَهُم عَلَيهِم، وَيُمَهِّدُونَ لَهُمُ الأَمْرَ فِي ذَلِكَ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى كَذَلِكَ! وَهَذَا القِيَاسُ مِن أَفْسَدِ الأَقْيسَةِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَينِ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ -مَعَ ثُبُوتِ الفَرْقِ العَظِيمِ عَقْلًا وَنَقْلًا وَفِطْرَةً-؛ فَإِنَّ المُلُوكَ إِنَّمَا احْتَاجُوا للوَسَاطَةِ بَينَهُم وَبَينَ رَعَايَاهُم لِأَنَّهُم لَا يَعْلَمُونَ أَحْوالَهُم؛ فَيَحْتَاجُ مَن يُعْلِمُهُم بِأَحْوَالِهِم، وَرُبَّمَا لَا يَكُونُ فِي قُلُوبِهِم رَحْمَةٌ لِصَاحِبِ الحَاجَةِ فَيُحْتَاجُ مَن يُعَطِّفُهُم عَلَيهِ وَيَسْتَرْحِمُهُ لَهُم، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى الشُّفَعَاءِ وَالوُزَرَاءِ، وَيَخَافُونَ مِنْهُم فَيَقْضُونَ حَوَائِجَ مَن تَوَسَّطُوا لَهُم مُرَاعًَاة لَهُم، وَمُدَارَاةً لِخَوَاطِرِهِم، وَهُم أَيضًا فُقَرَاءُ قَدْ يَمْنَعُونَ لِمَا يَخْشَونَ مِن الفَقْرِ! وَأَمَّا الرَّبُّ تَعَالى؛ فَهُوَ الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِظَوَاهِرِ الأُمُورِ وَبَوَاطِنِها؛ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ مَن يُخْبِرُهُ بِأَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ وَعِبَادِهِ، وَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وَأَجْوَدُ الأَجْوَدِينَ؛ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ مِن خَلْقِهِ يَجْعَلُهُ رَاحِمًا لِعِبَادِهِ، بَلْ هُوَ أَرْحَمُ بِهِم مِن أَنْفُسِهِم
_________________
(١) = لَهُ نَفْسُ الأَثَرِ كَمَا لَو أَنَّ ذَلِكَ المَحْبُوبَ هُوَ الَّذِي كَلَّمَكَ بِشَأْنِهِ؟! فَالأَوَّلُ غَائِبٌ؛ وَأَمَّا الثَّانِي فَشَافِعٌ، وَفيهِ أَيضًا بَيَانُ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى بِاسْتِجَابَةِ دُعَاءِ الصَّالِحِينَ -إِنْ شَاءَ-؛ فَهِيَ فَضِيلَةٌ لِلدَّاعِي وَرَحْمَةٌ لِلمَدْعُوِّ. فَظَهَرَ الفَرْقُ وَالحَمْدُ للهِ.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَوَالِدِيهِم، وَهُوَ الَّذِي يَحُثُّهُم وَيَدْعُوهُم إِلَى الأَسْبَابِ الَّتِي يَنَالُونَ بِهَا رَحْمَتَهُ، وَهُوَ يُرِيدُ مِن مَصَالِحِهِم مَا لَا يُرِيدُونَهُ لِأَنْفُسِهِم، وَهُوَ الغَنِيُّ الَّذِي لَهُ الغِنَى التَّامُّ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ مِن أَوَّلِهِم وَآخِرِهِم فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُوهُ فَأَعْطَى كُلًّا مِنْهُم مَا سَأَلَ وَتَمَنَّى لَمْ يُنْقِصُوا مِن غِنَاهُ شَيئًا، وَلَمْ يُنْقِصُوا مِمَّا عِنْدَهُ؛ إِلَّا كَمَا يُنْقِصُ البَحْرُ إِذَا غُمِسَ فِيهِ المِخْيَطُ.
وَجَمِيعُ الشُّفَعَاءِ يَخَافُونَهُ؛ فَلَا يَشْفَعُ مِنْهُم أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ الشَّفَاعَةُ كُلُّهَا.
فَبِهَذِهِ الفُرُوقِ يُعْلَمُ جَهْلُ المُشْرِكِينَ بِهِ، وَسَفَهُهُم العَظِيمُ، وَشِدَّةُ جَرَاءَتِهِم عَلَيهِ، وَيُعْلَمُ أَيضًا الحِكْمَةُ فِي كَونِ الشِّرْكِ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ القَدْحَ فِي اللهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ حَاكِمًا بَينَ الفَرِيقَينِ المُخْلِصِينَ وَالمُشْرِكِينَ -وَفِي ضِمْنِهِ التَّهْدِيدُ لِلْمُشْرِكِينَ-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣] " (^١).
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٧١٨).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنَ التَّوَسُّلِ المُبْتَدَعِ عَلَى وَجْهِ الإِبَاحَةِ؛ لَا الاسْتِحْبَابِ؟
الجَوَابُ: هُوَ مَمْنُوعٌ.
وَالمَانِعُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^١):
- أَنَّ التَّوَسُّلَ أَصْلًا هُوَ اتِّخَاذُ الوَسِيلَةِ المُقَرِّبَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا لَم تَدُلَّ عَلَيهِ الشَّرِيعَةُ فَلَيسَ هُوَ بِتَوَسُّلٍ أَصْلًا!
٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَد دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَيئَةَ الدُّعَاءِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِمَا شُرِعَ، وَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهَا، وَفي الحَدِيثِ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَومٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ» (^٢).
٣ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَد دَلَّتْ عَلَى المَشْرُوعِ مِنَ التَّوَسُّلِ؛ فَلَا يَصِحُّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِبْدَالُ مَا هُوَ أَعْلى بِمَا هُوَ أَدْنَى، وَفي الحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٣).
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ.
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٩٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٣٩٦).
(٣) مُسْلِمٌ (١٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٢٩١ ]
- الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: قِيَاسُ التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ!
الجَوَابُ: هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^١):
١ - أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ؛ وَالقِيَاسُ فِي العِبَادَاتِ -كَالاسْتِحْبَابِ هُنَا- بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَفي الحَدِيثِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (^٢).
٢ - أَنَّ هَذَا القِيَاسَ لَا وَجْهَ لَهُ! فَقَدْ عُلِمَ فِي أُصُولِ الفِقْهِ أَنَّ القِيَاسِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ، فَمَا هِيَ عِلَّةُ القِيَاسِ هُنَا (^٣)؟! فَعَمَلُ العَبْدِ المُتَوَسِّلِ بِعَمَلِ نَفْسِهِ رَاجِعٌ لَهُ؛ بِخِلَافِ ذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَجَاهِهِم؛ فَإِنَّهُ شَيءٌ يَتْبَعُ صَلَاحَهُم؛ فَأَينَ وَجْهُ القِيَاسِ؟!
٣ - أَنَّ القِيَاسَ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ فُقْدَانِ النَّصِّ، أَمَا وَالتَّوَسُّلُ قَد دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى أَشْكَالِهِ؛ فَأَينَ سَبَبُ القِيَاسِ؟!
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ.
(٢) مُسْلِمٌ (١٧١٨) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) أَي: وَجْهُ الجَمْعِ بَينَهُمَا.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
- الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: قِيَاسُ التَّوَسُّلِ بِذِكْرِ ذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وَجَاهِهِ عَلَى التَّبَرُّكِ بِآثَارِهِ!
الجَوَابُ (^١):
إِنَّ هَذَا القِيَاسَ لَا يَقُولُ بِهِ عَالِمٌ! لِأَنَّ التَّبَرُّكَ بِالذَّاتِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ تَتْبَعُ ذَاتَهُ ﷺ، وَهَذَا قَد انْقَطَعَ بِمَوتِهِ ﷺ إِلَّا مَا بَقِيَ يَقِينًا مِنْ آثَارِهِ ﷺ، وَأَينَ ذَلِكَ مِنَ التَّوَسُّلِ بِذَاتِهِ وَجَاهِهِ -أَي سُؤَالِ اللهِ تَعَالَى بِهِ-؟! وَفَرْقٌ كَبِيرٌ لُغَةً وَشَرْعًا بَينَ التَّوَسُّلِ -عَلَى مَا بَيَّنَاهُ سَابِقًا- وَبَينَ التَّبَرُّكِ.
فَالتَّبَرُّكُ هُوَ التِمَاسُ مَنْ حَازَ أَثَرًا مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ حُصُولَ خَيرٍ بِهِ، فهيَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ ﷺ (^٢)، وَأَمَّا التَّوَسُّل فَهُوَ إِرْفَاقُ دُعَاءِ اللهِ تَعَالَى بِشَيءٍ مِنَ الوَسَائِلِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحُبِّي لِنَبِيِّكَ ﷺ أَنْ تَغْفِرَ لي، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَالتَّبَرُّكُ يُرْجَى بِهِ شَيءٌ مِنَ الخَيرِ الدُّنْيَويِّ فَحَسْب، بِخِلَافِ التَّوَسُّلِ الَّذِي يُرْجَى بِهِ أَيُّ شَيءٍ مِنَ الخَيرِ الدُنْيَوِيِّ وَالأُخْرَوِيِّ، وَهُوَ عِبَادَةٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا يُرَافِقُهُ مِنَ الدُّعَاءِ.
وَإِنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى جَوَازِ التَّبَرُّكِ بِالآثَارِ؛ وَلَمْ تَدُلَّ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ! وَلَو كَانَ خَيرًا لَعَمِلَ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَولُ القَائِلِ -مِنْ بَابِ القِيَاسِ-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِثَوبِ نَبِيِّكَ أَو نَعْلِهِ أَو … "! لَا رَيبَ أَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِيَشُكَّ النَّاسُ فِي عَقْلِهِ وَفَهْمِهِ فَضْلًا عَنْ عَقِيدَتِهِ وَدِينِهِ.
_________________
(١) بِتَصَرُّفٍ.
(٢) وَفِي صَحيحِ مُسْلِمٍ (٢٠٦٩) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تُخْبِرُ عَنْ جُبَّةٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ: (هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى قُبِضَتْ، فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا -وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُهَا- فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى)، فَأَينَ هَذَا مِنَ التّوَسُّلِ بِالذَّاتِ وَالجَاهِ؟!!
[ ٢ / ٢٩٣ ]