قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: "اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيرِ اللهِ؛ كَعَبْدِ عَمْرِوٍ، وَعَبْدِ الكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ حَاشَا عَبْدِ المُطَّلِبِ" (^١).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: (لَمَّا تَغَشَّاهَا آدَمُ؛ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ، فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجَكُمَا مِنَ الجَنَّةِ، لَتُطِيعَاني أَو لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَي أَيِّلٍ؛ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقُّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ -يُخَوِّفُهُمَا-، سَمِّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ. فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا، فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الوَلَدِ؛ فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (^٢).
_________________
(١) مَرَاتِبُ الإِجْمَاعِ (ص ١٥٤) لابْنِ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيِّ ﵀.
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥٤). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٢٨) -فِي هَذَا الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵁: "وَكَأَنَّهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَوَاهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -كَمَا رَوَاهُ ابْن أَبِي حَاتِمٍ-: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو الجُمَاهِرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -يَعْنِي: ابْنَ بَشِيرٍ- عَنْ عُقْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: (لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ أَتَاهَا الشَّيطَانُ، فَقَالَ لَهَا: أَتُطِيعِينَنِي؛ وَيَسْلَمُ لَكِ وَلَدُكِ؟ سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ! فَلَمْ تَفْعَلْ، فَوَلَدَتْ؛ فَمَاتَ! ثُمَّ حَمَلَتْ، فَقَالَ لَهَا مِثْل ذَلِكَ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ حَمَلَتِ الثَّالِثَةَ فَجَاءَهَا، فَقَالَ: إِنْ تُطِيعِينِي يَسْلَمُ وَإِلَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ بَهِيمَةً، فَهَيَّبَهُمَا فَأَطَاعَا). وَهَذِهِ الآثَارُ يَظْهَر عَلَيهَا -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مِنْ آثَارِ أَهْل الكِتَاب، وَقَدْ صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْل الكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ». ثُمَّ أَخْبَارُهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، فَمِنْهَا مَا عَلِمْنَا صِحَّتَهُ بِمَا دَلَّ عَلَيهِ الدَّلِيلُ مِنْ كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَمِنْهَا مَا =
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ؛ قَالَ: (شُرَكَاءَ فِي طَاعَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ) (^١).
وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَولِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيتَنَا صَالِحًا﴾ قَالَ: أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا (^٢)، وَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنِ الحَسَنِ (^٣) وَسَعِيدٍ (^٤) وَغَيرِهِمَا (^٥).
_________________
(١) = عَلِمْنَا كَذِبَهُ بِمَا دَلَّ عَلَى خِلَافِهِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَيضًا، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ؛ فَهُوَ المَأْذُونُ فِي رِوَايَتِهِ بِقَولِهِ ﵇: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ» وَهُوَ الَّذِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ لِقَولِهِ: «فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ». وَهَذَا الأَثَرُ هُوَ القِسْمُ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثُ؟ فِيهِ نَظَرٌ. فَأَمَّا مَنْ حَدَّثَ بِهِ مِنْ صَحَابِيٍّ أَو تَابِعِيٍّ؛ فَإِنَّهُ يَرَاهُ مِنَ القِسْم الثَّالِثِ، وَأَمَّا نَحْنُ فَعَلَى مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀ فِي هَذَا؛ وَأَنَّهُ لَيسَ المُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَإِنَّمَا المُرَادُ مِنْ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتهِ، وَلِهَذَا قَالَ الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ فَذَكَرَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوَّلًا كَالتَّوطِئَةِ لِمَا بَعْدَهُمَا مِنَ الوَالِدَينِ وَهُوَ كَالِاسْتِطْرَادِ مِنْ ذِكْر الشَّخْص إِلَى الجِنْس، كَقَولِهِ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآيَةَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ المَصَابِيحَ -وَهِيَ النُّجُومُ الَّتِي زُيِّنَتْ بِهَا السَّمَاءُ- لَيسَتْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا! وَإِنَّمَا هَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنْ شَخْصِ المَصَابِيحِ إِلَى جِنْسِهَا، وَلِهَذَا نَظَائِرُ فِي القُرْآنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ". قُلْتُ: وَأَيضًا هَذَا الأَثَرُ جَاءَ مِنْ طَريقٍ عَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (٣٠٧٧) وَقَالَ فِيهِ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ أَيضًا (٣/ ٥٢٦): "وَالغَرَضُ: أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مَعْلُولٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ" وَذَكَرَهَا ﵀ فِي التَّفْسِيرِ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَيضًا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٣٤٢). وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: "وَهَذَا الَّذِي نَسَبُوهُ إِلَى آدَمَ ﵇ مِنْ أَنَّهُ سَمَّى ابْنَهُ عَبْدَ الحَارِثِ! خُرَافَةٌ مَوضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ مِنْ تَأْلِيفِ مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَلَا حَيَاءَ، لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهَا قَطُّ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِي المُشْرِكِينَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي آدَمَ -وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَصْلًا- لَمَا كَانَتْ فِيهِ لِلمُخَالِفِ حُجَّةٌ، لِأَنَّهُ كَأَنْ يَكُونَ الشِّرْكُ أَو الشُّرَكَاءُ المَذْكُورونَ فِي الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلَى غَيرِ الشِّرْكِ الَّذِي هُوَ الكُفْرُ؛ لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا جَعَلَا معَ تَوَكُّلِهِمَا شِرْكَةً مِنْ حِفْظِهِ". الفِصَلُ فِي المِلَلِ والأَهْوَاءِ والنِّحَلِ (٤/ ٤).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥٩)، وَتَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٣/ ٣١٢).
(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٤٨).
(٤) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥٠).
(٥) تَفْسِيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (٨٦٥١).
(٦) قُلْتُ: وَلَكِنْ قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ٥٢٦): "قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، =
[ ٢ / ٢٢٤ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَحْرِيمُ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيرِ اللهِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الآَيَةِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ فِي مُجَرَّدِ تَسْمِيَةٍ لَمْ تُقْصَدْ حَقِيقَتُهَا.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ هِبَةَ اللهِ لِلرَّجُلِ البِنْتَ السَّوِيَّةَ مِنَ النِّعَمِ.
الخَامِسَةُ: ذِكْرُ السَّلَفِ الفَرْقَ بَينَ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ وَالشِّرْكِ فِي العِبَادَةِ.
_________________
(١) = حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الحَسَنِ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قَالَ: كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ أَهْلِ المِلَلِ، وَلَمْ يَكُنْ بِآدَمَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَورٍ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ الحَسَنُ: عَنَى بِهَا ذَرِّيَّةَ آدَمَ -وَمَنْ أَشْرَكَ مِنْهُمْ بَعْدَهُ-، يَعْنِي قَولَهُ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. وَحَدَّثَنَا بِشْرٌ؛ حَدَّثَنَا يَزِيدُ؛ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الحَسَنُ يَقُولُ: هُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ رَزَقَهُمُ اللهُ أَولَادًا؛ فَهَوَّدُوا وَنَصَّرُوا. وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ عَنِ الحَسَنِ ﵀؛ أَنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ التَّفَاسِيرِ وَأَولَى مَا حُمِلَتْ عَلَيهِ الآيَةُ، وَلَو كَانَ هَذَا الحَدِيثُ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمَا عَدَلَ عَنْهُ هُوَ وَلَا غَيرُهُ! وَلَا سِيَّمَا مَعَ تَقْوَاهُ لِلَّهِ وَوَرَعُهُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ مَوقُوفٌ عَلَى الصَّحَابِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الكِتَابِ -مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ- مِثْلِ: كَعْبٍ أَو وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَغَيرِهِمَا -كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- إِلَّا أَنَّنَا بَرِئْنَا مِنْ عُهْدَةِ المَرْفُوعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الشَّرْحُ
- هَذَا البَابُ مُشَابِهٌ لِلأَبْوَابِ السَّابِقَةِ فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ، لِأَنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ نِسْبَتُهَا لِلمُنْعِمِ.
- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأَعْرَافُ: ١٨٩ - ١٩١].
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "أَي: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ المُنْتَشِرُونَ فِي الأَرْضِ عَلَى كَثْرَتِكُم وَتَفَرُّقِكُم ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وَهوَ آدمُ أَبُو البَشَرِ ﷺ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أَي: خَلَقَ مِنْ آدَمَ زَوجَتَهُ حَوَّاءَ لِأَجْلِ أَنْ يَسْكُنَ إِلَيهَا، لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مِنْهُ حَصَلَ بَينَهُمَا مِنَ المُنَاسَبَةِ وَالمُوَافَقَةِ مَا يَقْتَضِي سُكُونَ أَحَدِهِمَا إِلَى الآخَرِ، فَانْقَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ بِزِمَامِ الشَّهْوَةِ ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ (^١) أَي: تَجَلَّلَهَا مُجَامِعًا لَهَا؛ قَدَّرَ البَارِي أَنْ يُوجَدَ مِنْ تِلْكَ الشَّهْوَةِ وَذَلكَ الجِمَاعِ النَّسْلَ، وَحِينَئِذٍ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وَذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الحَمْلِ، لَا تَحِسُّ بِهِ الأُنْثَى، وَلَا يُثْقِلُهَا ﴿فَلَمَّا﴾ اسْتَمَرَّتْ بِهِ وَ﴿أَثْقَلَتْ﴾ بِهِ حِينَ كَبُرَ فِي بَطْنِهَا فَحِينَئِذٍ صَارَ فِي قُلُوبِهِمَا
_________________
(١) فِيهِ الإِرْشَادُ إِلَى الأَدَبِ فِي عَدَمِ ذِكْرِ (الجِمَاعِ) بِصَرِيحِ اسْمِهِ، وَلِأَنَّ الطِّبَاعَ السَّلِيمَةَ تَكْرَهُ أَنْ تَذْكُرَ هَذَا الشَّيءَ بِاسْمِهِ، إِلَّا إِذَا دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ قَد يُصَرِّحُ بِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ لِمَاعِزٍ -وَقَد أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا-: «أَنِكْتَهَا» لَا يُكَنِّي! لِأَنَّ الحَاجَةَ هُنَا دَاعِيَةٌ لِلتَّصْرِيحِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الأَمْرُ جَلِيًّا. وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦٨٢٤) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
الشَّفَقَةُ عَلَى الوَلَدِ وَعَلَى خُرُوجِهِ حَيًّا صَحِيحًا سَالِمًا لَا آفَةَ فِيهِ، فَدَعَوا ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيتَنَا﴾ (^١) وَلَدًا ﴿صَالِحًا﴾ أَي: صَالِحَ الخِلْقَةِ تَامَّهَا (^٢) لَا نَقْصَ فِيهِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ عَلَى وُفْقِ مَا طَلَبَا، وَتَمَّتْ عَلَيهِمَا النِّعْمَةُ فِيهِ ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ أَي: جَعَلَا للهِ شُرَكَاءَ فِي ذَلِكَ الوَلَدِ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ بِإِيجَادِهِ وَالنِّعْمَةِ بِهِ، وَأَقرَّ بِهِ أَعْيُنَ وَالِدَيهِ؛ فَعَبَّدَاه لِغَيرِ اللهِ (^٣)! إِمَّا أَنْ يُسَمِّيَاهُ بِعَبْدِ غَيرِ اللهِ كَـ (عَبْدِ الحَارِثِ) وَ(عَبْدِ العُزَيرِ) وَ(عَبْدِ الكَعْبَةِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَو يُشْرِكَا بِاللهِ فِي العِبَادَةِ (^٤) بَعْدَمَا مَنَّ اللهُ عَلَيهِمَا بِمَا مَنَّ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَا يُحْصِيهَا أَحَدٌ مِنَ العِبَادِ.
وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ النَّوعِ إِلَى الجِنْسِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ الكَلَامِ فِي آدَمَ وَحَوَّاءَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الكَلَامِ فِي الجِنْسِ (^٥)، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مَوجُودٌ فِي الذُّرِّيَّةِ كَثِيرًا؛ فَلِذَلِكَ قَرَّرَهُمُ اللهُ
_________________
(١) قُلْتُ: فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ بَيَانُ عِلَّةِ قُبْحِ الشِّرْكِ؛ أَنَّهُ إِشْرَاكٌ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ مَعَ مَنْ يَمْلِكُ، وَلِمَنْ بِيَدِهِ النَّفْعُ وَالضُّرُّ مَعَ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؛ فَسُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.
(٢) وَلَيسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ المَقْصُودُ أَيضًا مَعَهُ صَلَاحًا دِينِيًّا، ولَكِنَّ الأَوَّلَ أَولَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ الوِلَادَةِ مُبَاشَرَةً؛ وَلَيسَ بَعْدَ النُّضْجِ.
(٣) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ الإِيمَانِ (ص ٨٧) لِابْنِ سَلَّام ﵀: "وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا﴾ إِنَّمَا يَعُودَ إِلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. بِذَلِكَ فَسَّرَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَولَى مَا حُمِلَتْ عَلَيهِ الآيةُ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنْ كَثيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ".
(٤) وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التَّوبَة: ٧٥ - ٧٦].
(٥) وَكَذَا أَوضَحَهُ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ -تَحْتَ النَّوعِ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ فِي بَيَانِ المَوصُولِ لَفْظًا؛ المَفْصُولَ مَعْنًى- فَقَالَ ﵀: "وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ تَغْيِيرُ الضَّمِيرِ إِلَى الْجَمْعِ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ وَلَو كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ لَقَالَ عَمَّا يُشْرِكَانِ". الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (١/ ٣١٠).
[ ٢ / ٢٢٧ ]
عَلى بُطْلَانِ الشِّرْكِ، وَأَنَّهُم فِي ذَلِكَ ظَالِمُونَ أَشَدَّ الظُلْمِ، سَوَاءً كَانَ الشِّرْكُ فِي الأَقْوَالِ أَمْ فِي الأَفْعَالِ؛ فَإِنَّ الخَالِقَ لَهُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ؛ الَّذِي خَلَقَ مِنْهَا زَوجَهَا وَجَعَلَ لَهُم مِنْ أَنْفُسِهِم أَزْوَاجًا، ثُمَّ جَعَلَ بَينَهُم مِنَ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ مَا يَسْكُنُ بَعْضُهُم إِلَى بَعْضٍ وَيَأْلَفُهُ وَيَلْتَذُّ بِهِ، ثُمَّ هَدَاهُم إِلَى مَا بِهِ تَحْصُلُ الشَّهْوَةُ وَاللَّذَّةُ وَالأَولَادُ وَالنَّسْلُ، ثُمَّ أَوجَدَ الذُّرِّيَّةَ فِي بُطُونِ الأُمَّهَاتِ وَقْتًا مَوقُوتًا تَتَشَوَّفُ إِلَيهِ نُفُوسُهُم وَيَدْعُونَ اللهَ أَنْ يُخْرِجَهُ سَوِيًّا صَحِيحًا، فَأَتَمَّ اللهُ عَلَيهِمُ النِّعْمَةَ وَأَنَالَهُم مَطْلُوبَهُم؛ أَفَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدًا، وَيُخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ؟! وَلَكِنَّ الأَمْرَ جَاءَ عَلَى العَكْسِ، فَأَشْرَكُوا باللهِ مَنْ لَا ﴿يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أَي: لِعَابِدِيهَا ﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ " (^١).
- ابْنُ حَزْمٍ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ عَالِمُ الأَنْدَلُسِ فِي عَصْرِهِ، وَأَحَدُ أَئِمَّةِ الإسلَامِ، كَان فِي الأَنْدَلُسِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَنْتَسِبُونَ إِلَى مَذْهَبِهِ يُقَالُ لَهُم: (الحَزْمِيَّةُ)، وُلِدَ بِقُرْطُبَةَ، وَكَانَ يُقَالُ: لِسَانُ ابْنِ حَزْمٍ وَسَيفُ الحَجَّاجِ شَقِيقَانِ، (ت ٤٥٦) (^٢).
- عبْدُ المُطَّلِبِ؛ اسْمُهُ: شَيبَةُ الحَمْدِ، وَسُمِّيَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مَعَ عَمِّهِ المُطَّلِبِ -وَقَد اسْوَدَّتْ بَشَرَتُهُ مِنَ السَّفَرِ- ظَنَّهُ النَّاسُ عَبْدًا لَهُ؛ فَنَسَبُوهُ إِلَيهِ.
- قَولُهُ: (إِبْلِيسَ): عَلَى وَزْنِ (إِفْعِيل)، مِنْ أَبْلَسَ: إِذَا يَئِسَ، لِأَنَّهُ يَئِسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى.
_________________
(١) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٣١١).
(٢) الأَعْلَامُ للزِّرِكْلِيِّ (٢/ ٢٤٥).
[ ٢ / ٢٢٨ ]
- الأَيِّلُ: الذَّكَرُ مِنَ الأوعَالِ، والجَمِيعُ الأَيَايِلُ، وَسُمِّيَ بِذَاكَ لأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الجِبَالِ يَتَحَصَّنُ بِهَا.
- قَولُهُ: (شُرَكَاءَ فِي طَاعَتِهِ): أَي: أَطَاعَاهُ فِيمَا أَمَرَهُمَا بِهِ مِنْ جِهَةِ التَّسْمِيَةِ لَا مِنْ جِهَةِ العِبَادَةِ، وَإِنَّمَا عَبَّدَا الوَلَدَ لِغَيرِ اللهِ، وَفَرْقٌ بَينَ الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ. هَذَا عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ القِصَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ أَنَّهَا فِي حَقِّ أَهْلِ الكِتَابِ دُونَ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉، عَلَى أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ اللَّفْظِ؛ فَإِنَّ هَذَا التَّشْرِيكَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ أَيضًا عَلَى أَنَّهُ شِرْكٌ مِنْ جِهَةِ التَّعَلُّقِ بِالأَسبَابِ وَعَدَمِ نِسْبَةِ النِّعْمَةِ إِلَى المُنْعِمِ ﷾؛ حَيثُ يُضِيفُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ سَلَامَةَ المَولُودِ وَوِقَايَتَهُ إِلَى الأَطِبَّاءِ وَإِرْشَادَاتِهِم، وَإِلى القَوَابِلِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
- قَولُهُ: (أَشْفَقَا أَنْ لَا يَكُونَ إِنْسَانًا): أَي: خَافَا أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا أَو جِنِّيًّا أَو غَيرَ ذَلِكَ.
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ: "أَنَّ هِبَةَ اللهِ لِلرَّجُلِ البِنْتَ السَّوِيَّةَ مِنَ النِّعَمِ" مَأْخُوذٌ مِنْ أَنَّ النِّعْمَةَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَمَّتْ بِحُصُولِ المَولُودِ الصَّالِحِ التَّامِّ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ جِنْسِهِ.
- قَولُ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسْأَلَةِ الخَامِسَةِ: "ذِكْرُ السَّلَفِ الفَرْقَ بَينَ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ وَالشِّرْكِ فِي العِبَادَةِ" وَذَلِكَ أَنَّ طَاعَةَ اللهِ نَفْسَهَا هِيَ عِبَادَةٌ لَهُ تَعَالَى، بِخِلَافِ طَاعَةِ غَيرِهِ؛ فَلَا تَكُونُ عِبَادَةً لَهُ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ تَكُونُ عِبَادَةً إِذَا اقْتَرَنَتْ بِالخُضُوعِ وَالتَّعْظِيمِ وَالحُبِّ وَالرَّجَاءِ وَالخَوفِ.
فَطَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ مَثَلًا هِيَ عِبَادَةٌ للهِ تَعَالَى، وَلَيسَتْ لَهُ ﷺ، وَكَذَلِكَ طَاعَةُ أَهْلِ المَعَاصِي لِأَرْبَابِهِم مِنَ الفُسَّاقِ لَيسَتْ عِبَادَةً لَهُم، فَهُوَ فَرْقٌ بَينَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَبَينَ
[ ٢ / ٢٢٩ ]
سَائِرِ المَعَاصِي؛ لِذَلِكَ حَسُنَ التَّفْرِيقُ مِنَ السَّلَفِ بَينَهُمَا دَرْءًا لِلْخَلْطِ.
- قَولُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ فِيهَا قَولَانِ:
١ - إِنَّ المُرَادَ بِالنَّفْسِ الوَاحِدَةِ: العَينُ الوَاحِدَةُ؛ أَي: مِنْ شَخْصٍ مُعَيَّنِ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ آدَمُ ﵇.
٢ - إِنَّ المُرَادَ بِالنَّفْسِ: الجِنْسُ، وَجَعَلَ مِنْ هَذَا الجِنْسِ زَوجَهُ؛ وَلَمْ يَجْعَلْ زَوجَهُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ (^١).
_________________
(١) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عِمْرَان: ١٦٤] أَي: مِنْ جِنْسِهِم.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
المسألة الأولى: ما وجه التوفيق بين ما اتفق عليه أهل العلم من عدم جواز التسمية باسم معبد لغير الله تعالى مع ما ثبت في الصحيح
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا وَجْهُ التَّوفِيقِ بَينَ مَا اتَّفَقَ عَلَيهِ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِاسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى مَعَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَولِهِ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ؛ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» (^١)، وَمِثْلِ قَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ» (^٢)؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - قَولُهُ ﷺ عَنْ نَفْسِهِ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ؛ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ» هَذَا لَيسَ مِنْ بَابِ إِنْشَاءِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الإِخْبَارِ بِالاسْمِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ المُسَمَّى دُونَ غَيرِهِ، وَالإِخْبَارُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ تَعْرِيفِ المُسَمَّى لَا يَحْرُمُ، فقد كَانَ الصَّحَابَةُ يُنَادُونَ بَني عَبْدِ شَمْسٍ وَبَني عَبْدِ الدَّارِ بِأَسْمَائِهِم وَلَا يُنْكِرُ عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، لِذَلِكَ نَقُولُ: بَابُ الإِخْبَارِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الإِنْشَاءِ (^٣).
٢ - أَنَّ النِّسْبَةَ فِي قَولِهِ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ» لَيسَتْ نِسْبَةَ عُبُودِيَّةٍ وَتَشْرِيكٍ بِاللهِ الخَالِقِ العَظِيمِ! وَإِنَّمَا هِيَ نِسْبَةُ رِقٍّ وَتَبَعِيَّةٍ -كَمَا سَبَقَ-.
٣ - أَنَّ قَولَهُ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ» لَيسَ مِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ، وَلَكِنْ مِنْ بَابِ
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٦٤) عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعًا.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٨٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) بَلْ وَفِي الحَدِيثِ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ -أَو كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيئًا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا، فَفِي هَذَا الحَدِيثِ نِدَاءُهُ إِيَّاهُم بِـ (بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ).
[ ٢ / ٢٣١ ]
الوَصْفِ بِمَا يُذَمُّ عَلَيهِ صَاحِبُهُ، وَمَعْنَى العُبُودِيَّةِ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ المَوصُوفَ قَد جَعَلَ الأَجْرَ الدُّنْيَوِيَّ مُبْتَغَاهُ دُونَ الأَجْرِ الأُخْرَوِيِّ.
تَنْبِيهٌ وَتَعْلِيقٌ عَلَى قَولِ ابْنِ حَزْمٍ ﵀: "حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ"!
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ -مُتَعَقِّبًا ابنَ حَزْمٍ-: "وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ أَبِي مُحَمَّدٍ بْنِ حَزْمٍ ذَلِكَ بِعَبْدِ المْطَّلِبِ خَاصَّةً! فَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ يُسَمُّونَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بِأَسْمَائِهِمْ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَبَابُ الإِخْبَارِ أَوسَعُ مِنْ بَابِ الإِنْشَاءِ، فَيَجُوزُ مَا لَا يَجُوزُ فِي الإِنْشَاءِ" (^١).
وَقَدْ عَلَّقَ الشَّيخُ ابْنُ بَازٍ ﵀ عَلَى تَعْقِيبِ ابْنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ فَقَالَ: "فِي هَذَا التَّعْقِيبِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مَقْصُودَ ابْنَ حَزْمٍ جَوَازُ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّر اسْمَ ابْنَ عَمَّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَلَيسَ مَقْصُودُهُ مَنْعَ الإِخْبَارِ بِالأَسْمَاءِ المُعَبَّدَةِ لِغَيرِ اللهِ سِوَى عَبْدِ المُطَّلِبِ! لِأَنَّ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَينَ أَهْلِ العِلْمِ فِي جَوَازِهِ لِوُرُودِهِ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَنْ أَصْحَابِهِ ﵃. وَاللهُ وَلِيُّ التَّوفِيقِ" (^٢).
وَقَالَ ﵀ أَيضًا: "حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ: لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنَ النَّهْيِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَقَرَّ ذَلِكَ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، وَمِنَ الصَّحَابَةِ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهِ أَنَّهُ تَعْبِيدٌ بِالعِتْقِ وَالرِّقِّ، وَسَمَّوهُ عَبْدَ المُطَّلِبِ -وَاسْمُهُ شَيبَةُ بْنُ هَاشِمٍ-، لِأَنَّهُم ظَنُّوهُ
_________________
(١) تُحْفَةُ المَودُودِ (ص ١١٤).
(٢) أَفَادَهُ الشَّيخُ فَهْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّومِيُّ فِي تَحْقِيقِ رِسَالَةِ (تَفْسِيرُ الفَاتِحَةِ) (ص ٤٥) لِلشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ﵀ -بِتَقْدِيمِ الشَّيخِ ابْنِ بَازٍ-.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
عَبْدًا لِلْمُطَّلِبِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ وَجْهِهِ مِنَ السَّفَرِ، وَالمُطَّلِبُ عَمُّهُ؛ فَأُقِرَّ هَذَا الاسْمُ فِي الإِسْلَامِ بِخِلَافِ غَيرِهِ مِنَ الأَسْمَاءِ" (^١).
قُلْتُ: قَدْ نَظَرْتُ فِي كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ ﵀ فِي مَوضِعِهِ (^٢) فَلَمْ أَجِدْ ذِكْرًا لِـ (عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ)، فَالأَظْهَرُ أَنْ قَصْدَ ابْنِ حَزْمٍ ﵀ هُوَ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ.
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: "وَأَمَّا تَسْمِيَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ! فَالمُحَقِّقُونَ مِنَ الرُّوَاةِ يَقُولُونُ: إِنَّ مَنْ سُمِّيَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ المُطَّلِبُ -بِدُونِ التَّعْبِيدِ-، وَلَكِنْ نُقِلَ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ؛ لِأَنَّهُ شَاعَتِ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ المُطَّلِبِ دُونَ المُطَّلِبِ، فَوَقَعَ خَطَأٌ فِي ذَلِكَ" (^٣).
قُلْتُ: وَفِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ: "مُطَّلِبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَالصَّوَابُ: المُطَّلِبُ، وَمَاتَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ يَسْكُنُ بِهَا، فَتُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ" (^٤).
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: بِوُجُودِ هَذَا الاحْتِمَالِ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الاسْتِدْلَالُ عَلَى الجَوَازِ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّهُ خِلَافُ الأَصْلِ؛ وَلَا وَجْهَ لِلاسْتِثْنَاءِ هُنَا فِي مُخَالَفَةِ الأَصْلِ! فَتَأَمَّلْ.
_________________
(١) التَّعْلِيقُ المُفِيدُ (ص ٢٣٤).
(٢) مَرَاتِبُ الإِجْمَاعِ لِابْنِ حَزْمٍ (ص ١٥٤).
(٣) التَّمْهِيدُ (ص ٥٠١).
(٤) المُعْجَمُ الكَبِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ (٢٠/ ٢٨٤).
[ ٢ / ٢٣٣ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَوجُهُ الرَّدِّ عَلَى هَذهِ القِصَّةِ -الَّتِي فِي هَذَا البَابِ-؛ بِاخْتِصَارٍ (^١)؟
الجَوَابُ:
١ - عَدَمُ صِحَّتِهَا مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ، وَتُخَالِفُ مَا ثَبَتَ بِالأَسَانِيدِ عَنِ الحَسَنِ وَغَيرِهِ (^٢).
٢ - أَنَّ الأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنِ الشِّرْكِ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ (^٣).
٣ - أَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَى آدَمَ يَطْلُبُونَ مِنْهَ الشَّفَاعَةَ؛ فَيَعْتَذِرُ بِأَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ -وَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَيسَتْ بِشِرْكٍ- وَلَو وَقَعَ مِنْهُ الشِّرْكُ لَكَانَ اعْتِذَارُهُ بِهِ أَولَى وَأَحْرَى.
٤ - أَنَّ الشَّيطَانَ -فِي هَذِهِ القِصَّةِ- جَاءَ إِلَيهِمَا وَقَالَ: (أَنَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الجَنَّةِ) وَهَذا لَا يَقُولُه مَنْ يُرِيدُ الإِغْوَاءَ! وَإِنَّمَا يَأْتِي بِشَيءٍ يُقَرِّبُ قَبُولَ
_________________
(١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٣٠٩) بِاخْتِصَارٍ يَسِيرٍ.
(٢) قُلْتُ: خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ الشَّيخُ سُلَيمَانُ بْنُ عَبدِ اللهِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تَيسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ) (ص ٦٣٠) مِنْ أَنَّ التَّفْسِيرَ بِغَيرِ ذَلِكَ -وهوَ أَنَّ المَقْصُودَ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا لَهُ﴾ هُمَا آدَمُ وحوَّاءُ- أَنَّهُ مِنَ التَّفَاسِيرِ المُبْتَدَعَةِ، وَقَد ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ مِنَ النَّقْلِ عَنِ الحَسَنِ وَغَيرِهِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ غَيرَ ذَلِكَ، وَقَد أَيَّدَهُ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ كَالحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ -وَحَسْبُكَ بِهِ عَالِمًا بِالتَّفَاسِيرِ المُبْتَدَعَةِ مِنَ الثَّابِتَةِ- حَيثُ قَالَ ﵀ (٣/ ٥٢٨): "وَأَمَّا نَحْنُ؛ فَعَلَى مَذْهَبِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ ﵀ فِي هَذَا، وَأَنَّهُ لَيسَ المُرَادُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ آدَمَ وَحَوَّاءَ، وَإِنَّمَا المُرَادُ مِنْ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتهِ، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ". قُلْتُ: وَأَمَّا التَّثْنِيَةُ بِـ "جَعَلَا" فَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الوَالِدَينِ عُمُومًا. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(٣) قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ التَّمْهِيدُ (ص ٤٩٨): "وَالمَعَاصِي الصِّغَارُ جَائِزَةٌ عَلَى الأَنْبِيَاءِ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ-".
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قَولِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَكَارَةِ اللَّفْظِ أَصْلًا.
٥ - أَنَّ إِقْرَارَهُمَا فِي قَولِهِ: (لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَي أَيِّلٍ) هُوَ شِرْكٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ! لِأَنَّه لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا اللهُ؛ فَكَانَ بِذَلِكَ شِرْكًا وَكُفْرًا أَكْبَرَ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ عَلَيهِمَا أَيضًا.
[ ٢ / ٢٣٥ ]