وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النِّسَاء: ٥١]. قَالَ عُمَرُ: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطَّاغُوتُ: الشَّيطَانُ (^١). وَقَالَ جَابِرٌ: الطَّوَاغِيتُ: كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ؛ فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ (^٢).
وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَاّ بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ» (^٣).
وَعَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيفِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوقُوفٌ (^٤).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦/ ٤٥) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيدٍ فِي تَفْسِيرهِ وَمُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ. وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. اُنْظُرِ الفَتْحَ (٨/ ٢٥٢) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦/ ٤٥) تَعْلِيقًا، وَوَصَلَهٌ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّه. اُنْظُرِ الفَتْحَ (٨/ ٢٥٢) لِابْنِ حَجَرٍ ﵀.
(٣) البُخَارِيُّ (٢٧٦٦)، وَمُسْلِمٌ (٨٩).
(٤) ضَعِيفٌ مَرْفُوعًا، صَحِيحٌ مَوقُوفًا. التِّرْمِذِيُّ (١٤٦٠). الضَّعِيفَةُ (١٤٤٦).
[ ١ / ٤٥٥ ]
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ؛ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁: أَنِ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ (^١).
وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ ﵂: أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا؛ فَقُتِلَتْ (^٢). وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ (^٣).
قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ (^٤)
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ (٣١٥٦)، وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ (٣٠٤٣) وَأَحْمَدَ (١٦٥٧). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٣٠٤٣).
(٢) صَحِيحٌ. الأَثَرُ فِي المُوَطَّإِ (٢/ ٨٧١) وَهُوَ ضَعِيفُ الإِسْنَادِ، وَلَكِنْ صَحَّ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٧٩١٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْهَا، وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، وَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيدٍ فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ فَأَنْكَرَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيهِ، فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهَا سَحَرَتْهَا، وَوَجَدُوا سِحْرَهَا، وَاعْتَرَفَتْ بِهِ، فَكَأَنَّ عُثْمَانُ إِنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ لأَنَّهَا قُتِلَتْ بِغَيرِ إِذْنِهِ). أَفَادَهُ حَامِدُ مُحَمَّد طَاهِر فِي تَحْقِيقِ كِتَابِ المُوَطَّأ (ص ٥٨٠) طَبْعَةُ دَارِ الفَجْرِ لِلتُّرَاثِ، القَاهِرَة.
(٣) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٨٩٧٥)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣٢٠٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٦٥٠١). اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثَ الضَّعِيفَةِ (١٤٤٦).
(٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٦٥).
[ ١ / ٤٥٦ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ البَقَرَةِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ.
الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ الجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَالفَرَقُ بَينَهُمَا.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الجِنِّ وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الإِنْسِ.
الخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ السَّبْعِ المُوبِقَاتِ المَخْصُوصَاتِ بِالنَّهْيِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ.
السَّابِعَةُ: أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ.
الثَّامِنَةُ: وُجُودُ هَذَا فِي المُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ؛ فَكَيفَ بَعْدَهُ؟!
[ ١ / ٤٥٧ ]
الشَّرْحُ
- السِّحْرُ لُغَةً: كُلُّ مَا لَطُفَ مَأْخَذُه وَدَقَّ (^١).
وَشَرْعًا: "عَزَائِمُ (^٢) وَرُقَى وَعُقَدُ تُؤَثِّرُ فِي الأَبْدَانِ وَالقُلُوبِ، فَيُمْرِضُ وَيَقْتُلُ وَيُفَرِّقُ بَينَ المَرْءِ وَزَوجِهِ، وَيَأخُذُ أَحَدَ الزَّوجَينِ عَنْ صَاحِبِهِ" (^٣).
وَفِي هَذَا البَابِ لَنْ نَتَعَرَّضَ لِلمَعْنَى اللُّغَوِيِّ؛ وَإِنَّمَا لِلشَّرْعِيِّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ وَالاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ.
- مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ السِّحْرِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّ السِّحْرَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ.
- السِّحْرُ لَا خَيرَ فِيهِ بَلْ كُلُّهُ فَسَادٌ، وَتَأَمَّلْ كَونَ عُمَرَ سَمَّى الجِبْتَ سِحْرًا، وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]،
وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَونَ: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُس: ٨١].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أَي: أَخَذَ السِّحْرَ وَبَذَلَ تَوحِيدَهُ عِوَضًا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيضًا تَمَامُ الآيَاتِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣] حَيثُ جَعَلَ سُبْحَانَهُ الإِيمَانَ آخِرًا فِي مُقَابِلِ الشِّرَاءِ أَوَّلًا.
_________________
(١) لِسَانُ العَرَبِ (٤/ ٣٤٨).
(٢) العَزَائِمُ: هِيَ القِرَاءَةُ وَالرُّقَى.
(٣) أَفَادَهُ المُوَفَّقُ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ ﵀ (ت ٦٢٠ هـ) فِي كِتَابِهِ (الكَافِي فِي فِقْهِ الإِمَامِ أَحْمَدَ) (٤/ ٦٤).
[ ١ / ٤٥٨ ]
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قَالَ عُمَرُ: (الجِبْتُ: السِّحْرُ) هَذَا فِي ذَمِّ أَهْلِ الكِتَابِ، لِأَنَّ السِّحْرَ يَكْثُرُ فِي اليَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾، وَجَعْلُهُ إِيمَانًا هُوَ دَلِيلُ كُفْرِ مَنْ تَعَاطَاهُ.
- تَفْسِيرُ عُمَرَ الجِبْتَ بِالسِّحْرِ؛ وَالطَّاغُوتَ بِالشَّيطَانِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّفْسِيرِ بِالمِثَالِ، وَكَذَا تَفْسِيرُ جَابِرٍ ﵃.
- قَولُهُ: «المُوبِقَات» أَي المُهْلِكَات، وَالهَلَاكُ فِي الدُّنْيَا بِالعِقَابِ وَالحَدِّ، وَفِي الآخِرَةِ لِمَا لَهُ مِنَ الوَعِيدِ بِالعَذَابِ.
- قَولُهُ: «وَأَكْلُ الرِّبَا» خَصُّهُ بِالأَكْلِ؛ لَيسَ حَصْرًا لِوَجْهِ النَّهْي، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ عَلَى الغَالِبِ، لِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوهِ الانْتِفَاعِ هُوَ الأَكْلُ، وَكَذَا أَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ.
- الرِّبَا (^١): الزِّيَادَةُ، وَحُكْمُهُ شَرْعًا أَنَّهُ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
- أَنْوَاعُ الرِّبَا:
١ - رِبَا النَّسِيئَةِ: وَهُوَ الزِّيَادَةُ المَشْرُوطَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الدَّائِنُ مِنَ المَدِينِ نَظِيرَ التَّأْجِيلِ (^٢).
_________________
(١) وَمَادَّةُ مَوضُوعِ الرِّبَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كِتَابِ الوَجِيزُ (ص ٣٤٦) لِلشَّيخِ عَبْدِ العَظِيمِ بْنِ بَدَوِيِّ حَفِظَهُ اللهُ، وَمِنْ كِتَابِ الدَّرَاريُّ المَضِيَّةُ (٢/ ٢٥٩) لِلشَّوكَانِيِّ ﵀.
(٢) وَلَا بُدَّ مِنْ كَونِهَا مَشْرُوطَةً كَي يَخْرُجَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْ بَابِ المُكَافَأَةِ عَلَى المَعْرُوفِ، لِذَا فَلَا يَصِحُّ القَولُ بِحَرْفِيَّةِ القَاعِدَةِ المَشْهُورَةِ (كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبَا)، وَهُوَ أَثَرٌ مَوقُوفٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ وَلَا يَصِحُّ. ضَعِيفُ الجَامِعِ (٤٢٤٤).
[ ١ / ٤٥٩ ]
٢ - رِبَا الفَضْلِ: وَهُوَ بَيعُ النُّقُودِ بِالنُّقُودِ، أَوِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا الأَوَّلِ.
وَرِبَا الفَضْلِ لَا يَجْرِي إِلَّا فِي الأَصْنَافِ السِّتَّةِ المَنْصُوصِ عَلَيهَا فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ؛ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ سَوَاءً بِسَوَاءٍ؛ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).
فَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِجِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِذَهَبٍ، أَو تَمْرٍ بِتَمْرٍ حَرُمَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ -بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الجُودَةِ والرَّدَاءَةِ- وَلَا بُدَّ مِنَ التَّقَابُضِ فِي المَجْلِسِ.
وَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِغَيرِ جِنْسِهِ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، أَو بُرٍّ بِشَعِيرٍ؛ جَازَ التَّفَاضُلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّقَابُضُ فِي المَجْلِسِ، لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ: «وَلَا بَأْسَ بِبَيعِ الذَّهَبِ بِالفِضَّةِ -وَالفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا- يَدًا بِيَدٍ؛ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيعِ البُرِّ بِالشَّعِيرِ -وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا- يَدًا بِيَدٍ؛ وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا» (^٣).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٥٨٧).
(٢) وَهَذِهِ تُسَمَّى الأَصْنَافَ الرَّبَويَّةَ -أَي الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا- وَأَيَّدَهُ الشَّوكَانِيُّ ﵀ وَاسْتَدَلَّ لَهُ، وَالجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ الحَصْرِ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ، وَخَصَّ الدَّلِيلُ بَعْضَ الحَالَاتِ مِنَ الرِّبَا؛ وَلَيسَ هَذَا مَوضِعُ ذِكْرِهَا.
(٣) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٣٤٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٤٣).
[ ١ / ٤٦٠ ]
وَإِذَا بِيعَ جِنْسٌ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِمَا يُخَالِفُهُ فِي الجِنْسِ وَالعِلَّةِ كَذَهَبٍ بِبُرٍّ، وَفِضَّةٍ بِمِلْحٍ؛ جَازَ التَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (^١).
وَلَا يَصِحُّ بَيعٌ رَبَويٌّ بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَو مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيرِ جِنْسِهِمَا.
- قَولُهُ: «وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ» اليَتِيمُ: هُوَ مَنْ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، أَمَّا مَنْ مَاتَتْ أُمُّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَيسَ يَتِيمًا لَا شَرْعًا وَلَا لُغَةً (^٢).
وَاليَتِيمُ مَأْخُوذٌ مِنَ اليُتْمِ؛ وَهُوَ الانْفِرَادُ، أَي انْفَرَدَ عَنِ الكَاسِبِ لَهُ، لِأَنَّ أَبَاهُ هُوَ الَّذِي يَكْسِبُ لَهُ (^٣).
وَخَصَّ اليَتِيمَ لِأَنَّهُ لَا أَحَدَ يُدَافِعُ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ أَولَى أَنْ يُرْحَمَ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُ حَقًّا فِي الفَيءِ.
- قَولُهُ: «وَالتَّوَلِّي يَومَ الزّحْفِ» التَّوَلِّي: الإِدْبَارُ وَالإعْرَاضُ، وَيَومُ الزَّحْفِ: هُوَ يَومُ تَلَاحُمِ الصَّفَّينِ فِي القِتَالِ مَعَ الكُفَّارِ (^٤).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٠٦٨).
(٢) وَكَذَلِكَ إِذَا بَلَغَ خَرَجَ عَنْ كَونِهِ يَتِيمًا، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٨٧٣) عَنْ عليٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٦٠٩).
(٣) قَالَ الأَزْهَرِيُّ فِي تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (١٤/ ٢٤٢): "وَقَالَ الأَصْمَعيُّ: اليُتْمُ فِي البَهَائِمِ مِنْ قِبَلِ الأُمِّ، وَفِي النَّاسِ مِنْ قِبَلِ الأَبِ".
(٤) وَسُمِّيَ يَومَ الزَّحْفِ؛ لِأَنَّ الجُمُوعَ إِذَا تَقَابَلَتْ تَجِدُ أَنَّ بَعْضَهَا يَزْحَفُ إِلَى بَعْضٍ، كَالَّذِي يَمْشِي زَحْفًا -كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم يَهَابُ الآخَرَ- فَيَمْشِي رُوَيدًا رُوَيدًا.
[ ١ / ٤٦١ ]
وَالحَدِيثُ خَصَّهُ القُرْآنُ بِثَلَاثَةِ اسْتِثْنَاءَاتٍ:
١ - أَنْ يَكُونَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ.
أَي: مُتَهَيِّئًا لَهُ، كمَنْ يَنْصَرِفُ لِيُصْلِحَ مِنْ شَأْنِهِ أَو يُهَيِّئ الأَسْلِحَةَ وَيُعِدَّهَا، وَمِنْهُ الانْحِرَافُ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ يَأْتِي العَدُوُّ مِنْ جهَتِهِ؛ فَهَذَا لَا يُعَدُّ مُتَوَلِّيًا وَإِنَّمَا يُعَدُّ مُتَهَيِّئًا.
٢ - أَنْ يَتَحَيَّزَ إِلَى فِئَةٍ.
كَمَا إِذَا حُصِرَتْ سَرِيَّةٌ لِلمُسْلِمِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيهَا العَدُوُّ؛ فَانْصَرَفَ مِنْ هَؤُلَاءِ لِيُنْقِذَهَا.
وَدَلِيلُ هَذِينِ الأَمْرَينِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأَنْفَال: ١٦].
٣ - إِذَا كَانَ الكفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَي المُسْلِمِينَ.
فَيَجُوزُ الفِرَارُ حِينَئِذٍ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٦٦].
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "أَو كَانَ عِنْدَهُم عُدَّةٌ لَا يُمْكِنُ لِلمُسْلِمِينَ مُقَاوَمَتُهَا، كَالطَّائِرَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ المُسْلِمِينَ مِنَ الصَّوَارِيخِ مَا يَدْفَعُهَا، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الصُّمُودَ يَسْتَلْزِمُ الهَلَاكَ وَالقَضَاءَ عَلَى المُسْلِمِينَ؛ فَلَا يَجوزُ لَهُم أَنْ يَبْقَوا" (^١).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَقَالَ الإِمَامُ [الجُوَينِيُّ]: إِنْ كَانَ فِي الثَّبَاتِ الهَلَاكُ
_________________
(١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٠٥).
[ ١ / ٤٦٢ ]
المَحْضُ مِنْ غَيرِ نِكَايَةٍ؛ وَجَبَ الفِرَارُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نِكَايةٌ فَوَجْهَانِ. قُلْتُ [النَّوَوِيُّ]: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الإِمَامُ هُوَ الحَقُّ، وَأَصَحُّ الوَجْهَينِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (^١).
- قَولُهُ: «وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَاّ بِالحَقِّ» المُرَادُ بِالنَّفْسِ هُنَا: بَدَنُ الآدَمِيِّ الَّذِي فِيهِ الرُّوحُ.
وَقَولُهُ: «إلَّا بِالحَقِّ» أَي: مِمَّا يُوجِبُ القَتْلَ، كَالثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلجَمَاعَةِ. كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا (^٢).
- قَولُهُ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيفِ» صَحِيحٌ مَوقُوفٌ، وَالرَّاوِي هُوَ جُنْدُبُ (الخَيرِ) بْنُ كَعْبٍ الأزْدِيُّ؛ المُلَقَّبُ بِقَاتِلِ السَّاحِرِ، وَلَيسَ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ (^٣).
وَلُقِّبَ بِقَاتِلِ السَّاحِرِ لِمَا جَاءَ مِنْ أَنَّ: أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الكُوفَةِ (الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ) دَعَا سَاحِرًا يَلْعَبُ بَينَ يَدِي النَّاسِ، فَكَانَ يَأْخُذُ سَيفَهُ فَيَذْبَحُ نَفْسَهُ؛ وَلَا يَضُرُّهُ! وَكَانَ يَضْرِبُ رَأْسَ الرَّجُلِ ثُمَّ يَصِيحُ بهِ فَيَقُومُ خَارِجًا فَيَرْتَدُّ إِلَيهِ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! يُحْيي المَوتَى! فَبَلَغَ جُنْدُبَ، فَأَقْبَلَ بِسَيفِهِ -وَاشْتَمَلَ عَلَيهِ- فَلَمَّا رَآهُ ضَرَبَهُ بِسَيفِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُحيي نَفْسَهُ! ثُمَّ قَرَأَ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣]
_________________
(١) رَوضَةُ الطَّالِبِينَ (٧/ ٤٤٩).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٨٧٨).
(٣) وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ أَيضًا. انْظُرِ السِّيَرَ لِلذَّهَبِيِّ ﵀ (٣/ ١٧٥)، تَهْذِيبُ التَّهْذِيبِ (٢/ ١١٨)، وَالإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ (١/ ٦١٦).
[ ١ / ٤٦٣ ]
فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَنْ تُرَاعُوا، إنَّمَا أَرَدْتُ السَّاحِرَ. فَأَخَذَهُ الأَمِيرُ فَحَبَسَهُ، وَأَمَرَ بِهِ الوَلِيدُ دِينَارًا -صَاحِبَ السِّجْنِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا- فَسَجَنَهُ، فَأَعْجَبَهُ نَحْوُ الرَّجُلِ، فَقَالَ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَهْرُبَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْرُجْ؛ لَا يَسْأَلْنِي اللهُ عَنْكَ أَبَدًا! فَبَلَغَ ذَلِكَ سَلْمَانَ، فَقَالَ: بِئْسَمَا صَنَعَا! لَمْ يَكُنْ يَنْبَغي لِهَذَا -وَهُوَ إِمَامٌ يُؤْتَمُّ بِهِ- يَدْعُو سَاحِرًا يَلْعَبُ بينَ يَدِيهِ! وَلَا يَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يُعَاتِبَ أَمِيرَهُ بِالسَّيفِ (^١).
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَمِثْلُ هَذَا السَّاحِرِ المَقْتُولِ؛ هَؤُلَاءِ الطُّرُقِيَّةُ الَّذِينَ يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُم مِنْ أَولِيَاءِ اللهِ؛ فَيَضْرِبُونَ أنْفُسَهُم بِالسَّيفِ وَالشِّيشِ، وَبَعْضُهُ سِحْرٌ وَتَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَبَعْضُهُ تَجَارِبٌ وَتَمَارِينٌ يَسْتَطِيعُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ مُؤْمِنٍ أَو كَافِرٍ إِذَا تَمَرَّسَ عَلَيهِ؛ وَكَانَ قَوِيَّ القَلْبِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَسُّهُم النَّارَ بِأَفْوَاهِهِم وَأَيدِيهِم، وَدُخُولُهُم التَّنُّورَ" (^٢).
- قَولُهُ: «وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ» القَذْفُ: بِمَعْنَى الرَّمِيُ، وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا الرَّمْيُ بِالزِّنَا، وَالمُحْصَنَاتُ هُنَا الحَرَائِرُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
- قَولُهُ: «الغَافِلَاتُ» هُنَّ العَفِيفَاتُ عَنِ الزِّنَا؛ البَعِيدَاتُ عَنْهُ؛ اللَّاتِي لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِنَّ هَذَا الأَمْرُ، وَ«المُؤْمِنَاتُ» احْتِرَازًا مِنَ الكَافِرَاتِ (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. الحَاكِمُ (٨٠٧٦)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣٢٠٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (١٦٥٠١)، وَالأَصْلُ لِلحَاكِمِ، وبَعْضُ الجُمَلِ مُضَافَةٌ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي أَورَدَهَا الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (١٤٤٦).
(٢) الضَّعِيفَةُ (١٤٤٦).
(٣) قَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي) (١٤/ ٦٢): "احْتَرَزَ بِهِ عَنْ قَذْفِ الكَافِرَاتِ؛ فَإِنَّ قَذْفَهُنَّ لَيسَ مِنَ الكَبَائِرِ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمّيَّةً فَقَذْفُهَا مِنَ الصَّغَائِرِ لَا يُوجِبُ الحَدَّ، وَفِي قَذْفِهِ الأَمَةَ المُسْلِمَةَ التَّعْزيرُ دُونَ الحَدِّ".
[ ١ / ٤٦٤ ]
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ عَلَى القَاذِفِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النُّور: ٤].
وَقَذْفُ المُحْصَنِينَ الغَافِلِينَ المُؤْمِنِينَ كَقَذْفِ المُحْصَنَاتِ هُوَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَإنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ المَرْأَةَ؛ لِأَنَّ الغَالِبَ أَنَّ القَذْفَ يَكُونُ لِلنِّسَاءِ أَكْثَرُ؛ إِذِ البَغَايَا كَثِيرَاتٌ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَقَذْفُ المَرْأَةِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَ فِي نَسَبِ أَولَادِهَا مِنْ زَوجِهَا؛ فَيُلْحِقُ بِهَنَّ القَذْفُ ضَرَرًا أَكْبَرَ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الغَالِبِ.
- حَدِيثُ بَجَالَةَ (^١) بْنِ عَبَدَةَ أَنَّهُ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّ اُقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ. قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ. هُوَ صَحِيحٌ، وَلَفْظُهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ، وَأَصْلُهُ فِي البُخَارِيِّ.
وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ أَمْرُ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ ﵁ -وَأَمْرُهُ النَّاسَ- بِقَتْلِ السَّوَاحِرِ، وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ الاسْتِفْصَالُ.
- قَولُهُ: «حَدُّ السَّاحِرِ» بِمَعْنَى: عُقُوبَةُ السَّاحِرِ (^٢)، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّاحِرَ مُرْتَدٌّ بِسِحْرِهِ، وَالرِدَّةُ لَيسَ لَهَا حَدٌّ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَيهَا بِالقَتْلِ (^٣)، وَالفَرْقُ بَينَ الحَدِّ وَعُقُوَبَةِ
_________________
(١) (بَجَالَة): بِفَتْحَتَينِ، وَ(عَبَدَة): بِفَتْحَتَينِ، العَنْبَريُّ؛ التَّمِيمِيُّ، أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ، وَكَانَ كَاتِبًا لِجُزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. اُنْظُرِ الإِصَابَةَ (١/ ٤٦٥).
(٢) أَي: أَنَّهُ لَيسَ عَلَى مَعْنَى تَطْهِيرِ المُسْلِمِ مِنْ ذَنْبِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كُلُّهُ كُفْرٌ، وَأَمَّا عَلَى قَولِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَيَصِحُّ عَلَى مَحْمَلٍ عِنْدَهُ؛ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ سِحْرًا لَا كُفْرَ فِيهِ؛ فَيَصْدُقُ عَلَيهِ اسْمُ الحَدِّ اصْطِلَاحًا.
(٣) وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٣٠١٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
[ ١ / ٤٦٥ ]
الرِّدَّةِ يَظْهَرُ مِن جَانِبَينِ:
أ- أَنَّ الحَدَّ إِذَا بَلَغَ الإِمَامَ لَا يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ؛ بَلْ يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، أَمَّا الكُفْرُ؛ فَإِنَّه يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ (^١).
ب- أَنَّ الحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَصْحَابِهَا، وَتَنْفَعُ صَاحِبَهَا (^٢)، وَأَمَّا الرِّدَّةُ؛ فَيُعَاقَبُ عَلَيهَا بِالقَتْلِ، وَلَا تَنْفَعُهُ بِشَيءٍ.
- قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀ عَقِبَ حَدِيثِ جُنْدُبٍ -الَّذِي فِيهِ قَتْلُ السَّاحِرِ-: "وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَغَيرِهِمْ، وَهُوَ قَولُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (^٣)، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ إذَا كَانَ يَعْمَلُ فِي سِحْرِهِ مَا يَبْلُغُ الكُفْرَ، فَإِذَا
_________________
(١) وَأَمَّا اسْتِتَابَةُ السَّاحِرِ؛ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ، قَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي) (١٤/ ٦٤): "قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ -فِي المَشْهُورِ عَنْهُ-: لَا تُقْبَلُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: تُقْبَلُ. وَعَنْ مَالِكٍ: إِذَا ظُهِرَ عَلَيهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوبَتُهُ كَالزِّنْدِيقِ، فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيهِ وَجَاءَ تَائِبًا قَبِلْنَاهُ وَلَمْ نُقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ قُتِلَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُ: فَإِنْ قَالَ: لَمْ أَتَعَمَّدِ القَتْلَ؛ فَهُوَ مُخْطِئٌ تَجِبُ عَلَيهِ الدِّيَةُ".
(٢) فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٣٨٩٢) بَابُ: الحُدُودُ كَفَّارَةٌ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا» وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ كُلَّهَا، «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيئًا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». قَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ عُمْدَةُ القَارِي (٢٣/ ٢٧٣): "قَالَ الكِرْمَانِيُّ: وَهَذِهِ الآيَةُ هِيَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المُمْتَحِنَةُ: ١٢] ".
(٣) قَالَ ﵀ فِي المُوَطَّأ (٢/ ٨٧١): "السَّاحِرُ: الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيرُهُ؛ هُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ اللهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إِذَا عَمِلَ ذَلِكَ هُوَ نَفْسُهُ".
[ ١ / ٤٦٦ ]
عَمِلَ عَمَلًا دُونَ الكُفْرِ؛ فَلَمْ نَرَ عَلَيهِ قَتْلًا" (^١) (^٢).
- إِذَا تَابَ السَّاحِرُ قُبِلَتْ تَوبَتُهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّ سِحْرَهُ لَا يَزِيدُ عَنِ الشِّرْكِ، وَالشِّرْكُ لَهُ تَوبَةٌ، وَقَدْ صَحَّتْ تَوبَةُ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وَلَكِنْ كَونُهُ لَهُ تَوبَةٌ؛ لَا يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا أُحْضِرَ إِلَى الإِمَامِ أَنَّهُ يُرْفَعُ عَنْهُ القَتْلُ! وَلَكِنَّهَا تَنْفَعُهُ بَينَهُ وَبَينَ رَبِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ لَا يَزُولُ بِالتَّوبَةِ! فَهُوَ بِمَثَابَةِ الزِّنْدِيقِ الَّذِي يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيَدَّعِي التَّوبَةَ مِنَ الكُفْرِ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى الحَاكِمِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
- حَدِيثُ السَّبْعِ المُوبِقَاتِ وَرَدَ فِيهِ عِدَّةُ أَلْفَاظٍ، وَقَدْ جَمَعَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ مَا صَحَّ مِنْ هَذِهِ الأَلْفَاظِ؛ فَقَالَ ﵀: "وَالمُعْتَمَدُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مَرْفُوعًا -بِغَيرِ تَدَاخُلٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ- وَهِيَ السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ البَابِ، وَالانْتِقَالُ عَنِ الهِجْرَةِ، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَةُ، وَالعُقُوقُ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ، وَالإِلْحَادُ فِي الحَرَمِ، وَشُرْبُ الخَمْرِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، وَالنَّمِيمَةُ، وَتَرْكُ التَّنَزُّهِ مِنَ البَولِ، وَالغُلُولُ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ، وَفِرَاقُ الجَمَاعَةِ، فَتِلْكَ عِشْرُونَ خَصْلَةً" (^٣).
_________________
(١) التِّرْمِذِيُّ (٣/ ١١٢).
(٢) وَفِي الأَدَبِ المُفْرَدِ لِلبُخَارِيِّ (١٦٢) أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ سَحَرَتْهَا جَارِيَةٌ لَهَا، فَأَمَرَتْ بِهَا فَبَاعُوهَا. صَحِيحٌ. صَحِيحُ الأَدَبِ المُفْرَدِ (١٢٠). وَبَوَّبَ عَلَيهِ البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى (٨/ ٢٣٦): بَابُ مَنْ لَا يَكُونُ سِحْرُهُ كُفْرًا وَلَمْ يَقْتُلْ بِهِ أَحَدًا؛ لَمْ يُقْتَلْ. وَفِي الأُمِّ (١/ ٢٩٣) لِلشَّافِعِيِّ ﵀: "وَأَمَّا بَيعُ عَائِشَةَ الجَارِيَةَ -وَلَمْ تَأْمُرْ بِقَتْلِهَا- فَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ لَمْ تَعْرِفْ مَا السِّحْرُ؛ فَبَاعَتْهَا، لِأَنَّ لَهَا بَيعَهَا عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ تَسْحَرْهَا، وَلَو أَقَرَّتْ عِنْدَ عَائِشَةَ أَنَّ السِّحْرَ شِرْكٌ مَا تَرَكَتْ قَتْلَهَا إِنْ لَمْ تَتُبْ، أَو دَفَعَتْهَا إِلَى الإِمَامِ لِيَقْتُلْهَا".
(٣) فَتْحُ البَارِي (١٢/ ١٨٣).
[ ١ / ٤٦٧ ]
- فَائِدَةٌ: وَصْفُ السِّحْرِ يَخْتَلِفُ عَنْ تَعَلُّمِ السِّحْرِ، فَالوَصْفُ يُبَيِّنُ حُكْمَهُ، أَمَّا تَعَلُّمُهُ فَقَدْ يُفْتَتَنُ بِهِ المَرْءُ فَيَعْمَلُهُ، وَتَجِدُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِلسَّاحِرِ: "صِفْ لَنَا سِحْرَكَ" (^١).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٧١): "قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إِذَا تَعَلَّمَ السِّحْر؛ قُلْنَا لَهُ: صِفْ لَنَا سِحْرَكَ، فَإِنْ وَصَفَ مَا يُوجِبُ الكُفْرَ مِثْلَ مَا اعْتَقَدَهُ أَهْلُ بَابِلٍ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى الكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ؛ وَأَنَّهَا تَفْعَل مَا يُلْتَمَسُ مِنْهَا! فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الكُفْرَ؛ فَإِنْ اعْتَقَدَ إِبَاحَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ".
[ ١ / ٤٦٨ ]