- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا أَوجُهُ النَّهْي عَنِ التَصْوِيرِ؟
الجَوَابُ:
١ - مُضَاهَاةُ خَلْقِ اللهِ.
حَيثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ نِدًّا للهِ تَعَالَى فِي الخَلْقِ وَالتَصْوِيرِ، وَاللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ المُصَوِّرُ، وَفي الحَدِيثِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (^١).
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الكَعْبَةِ وَرَأَى صُوَرًا، قَالَ: فَدَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَجَعَلَ يَمْحُوهَا وَيَقُولُ: «قَاتَلَ اللَّهُ قَومًا يُصَوِّرُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ» (^٢).
٢ - أَنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.
كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ) (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١١١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ.
(٢) صَحِيحٌ. الطَّيَالِسِيُّ (٦٥٧). الصَّحِيحَةُ (٩٩٦).
(٣) مُسْلِمٌ (٩٦٩).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
وَتَأَمَّلْ أَكْثَرَ شِرْكِ الأُمَمِ تَجِدُهُ كَانَ بِتَصْوِيرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى.
فَقَومُ نُوحٍ ﵊ نَصَبُوا أَنْصَابًا ثُمَّ عَبَدُوهَا.
كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ [نُوح: ٢٣ - ٢٤]، قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَومٍ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا؛ أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِم أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِيَ العِلْمُ عُبِدَتْ) (^١).
وَقَومُ إِبْرَاهِيمَ ﵊ عَبَدُوا مَا نَحَتُوا.
كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٤ - ٩٦].
وَقَومُ مُوسَى ﵊ أَخْرَجَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا.
كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٤٨].
وَقَومُ عِيسَى ﵊ صَوَّرُوا الصَّالِحِينَ فِي مَسَاجِدِهِم.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ؛ فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٩٢٠).
[ ٢ / ٤٥١ ]
شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (^١) (^٢).
وَمُشْرِكُو قُرَيشٍ جَعَلُوا أَصْنَامَهُم كَذَلِكَ.
كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَقَولُهُ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٨]: إِنَّمَا قَالَ: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ أَي: يُقَابِلُونَكَ بِعُيُونٍ مُصُورَة كَأَنَّهَا نَاظِرَةٌ -وَهِيَ جَمَادٌ-، وَلِهَذَا عَامَلَهُم مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ لِأَنَّهَا عَلَى صُوَرٍ مُصُورَةٍ كَالإِنْسَانِ، فَقَالَ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ﴾ فَعبَّرَ عَنْهَا بِضَمِيرِ مَنْ يَعْقِلُ" (^٣).
٣ - تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِينَ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي ذِكْرِ تَصْوِيرِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى لِصُوَرِ الصَّالِحِينَ فِي كَنَائِسِهِم، وَقَدْ سَبَقَ (^٤).
"قَالَ القُرْطُبِيُّ فِي المُفْهِمِ: إِنَّمَا لَمْ تَدْخُلِ المَلَائِكَةُ البَيتَ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ لِأَنَّ مُتَّخِذَهَا قَدْ تَشَبَّهَ بِالكُفَّارِ لِأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الصُّوَرَ فِي بُيُوتِهِمْ وَيُعَظِّمُونَهَا؛ فَكَرِهَتِ المَلَائِكَةُ ذَلِكَ فَلَمْ تَدْخُلْ بَيتَهُ هَجْرًا لَهُ لِذَلِكَ" (^٥).
وَيَظْهَرُ مِنَ النَّهْي فِي الحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُحَرَّمًا فِي الأُمَمِ المَاضِيَةِ أَيضًا.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٣٤).
(٢) قُلْتُ: وَكَثيرٌ مِنْ مُتَصَوِّفَةِ زَمَنِنَا صَوَّرُوا مَشَائِخَهُم بِـ (الكَامِيرَا) لِيَسْتَحْضِرُوا صُوَرَهُمْ فِي الذِّكْرِ المُسَمَّى بِـ (الرَّابِطَةِ الشَّرِيفَةِ)! فَكَانُوا أَبْعَدَ مَا يَكُونُ عَنْ قَولِهِ ﵊ فِي مَقَامِ الإِحْسَانِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» فصارت: (كأنك ترى الشيخ)!! وَالحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨) عَنْ عُمَرَ ﵁.
(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٣/ ٥٣٠).
(٤) البُخَارِيُّ (٤٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٥٢٨).
(٥) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٢).
[ ٢ / ٤٥٢ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ! فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (^١).
٤ - أَنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَصَاوِيرُ.
كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ» (^٢).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).
(٢) البُخَارِيُّ (٥٩٥٨).
[ ٢ / ٤٥٣ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي فِيهِ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» أَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ (^١)؟
الجَوَابُ:
ظَاهِرُهُ يَدُلُّ، وَلَكِنَّهُ حَقِيقَةً لَيسَ بِمَقْصُودٍ بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ ذِكْرَ الذَّرَّةِ وَالحَبَّةِ وَالشَّعِيرَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحَدِّي وَذَلِكَ بِعَجْزِ المُصَوِّرِينَ عَنِ الخَلْقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الإِيجَادُ مِنَ العَدَمِ حَتَّى لِأَحْقَرِ الأَشْيَاءِ، فَخَلْقُهُم هُوَ مُجَرَّدُ تَغْيِيرٍ مِنْ شَكْلٍ إِلَى شَكْلٍ، فَمَهْمَا صَوَّرُوا فَتَصْوِيرُهُم نَاقِصٌ قَاصِرٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَالحَقُّ: أَنَّهُ خِطَابُ تَعْجِيزٍ لَا تَكْلِيفٍ" (^٢).
٢ - دِلَالَةُ أَحَادِيثِ النَّهْي الأُخْرَى عَلَى تَعْذِيبِ مَنْ صَوَّرَ ذَاتَ الرُّوحِ مِثْلَ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَة فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسِ بِنَافِخٍ»، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^٣).
٣ - حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ» (^٤) مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ إِذَا صَارَ التِّمْثَالُ عَلَى هَيئَةِ شَجَرَةٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ (^٥).
_________________
(١) وَإِلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجَاهِدٌ وَحْدَهُ ﵀، كَمَا نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٩٥) عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ ﵀. وَالأَثَرُ مُخَرَّجٌ في مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٣) عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: (أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَوَّرَ الشَّجَرُ المُثْمِرُ). قُلْتُ: وَقَدْ يَكُونُ لَهُ مُتَّجَهٌ عَنْهُ ﵀ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٤).
(٣) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).
(٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
(٥) وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ زَوجَهَا فِي بَعْضِ المَغَازِي، فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تُصَوِّرَ فِي بَيتِهَا نَخْلَةً؛ فَمَنَعَهَا، أَو نَهَاهَا) فَهُوَ ضَعِيفٌ. ابْنُ مَاجَه (٣٦٥٢). ضَعِيفُ سُنَنِ ابْنِ مَاجَه (٣٦٥٢).
[ ٢ / ٤٥٤ ]
٤ - فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي تَجْوِيزِ مَا لَيسَ لَهُ رَوحٌ، وَهُوَ رَاوِي أَحَادِيثِ النَّهِي، وَالرَّاوِي أَدْرَى بِمَرْوِيِّهِ- كَمَا عُلِمَ فِي الأُصُولِ-.
فَفِي الأَثَرِ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً؛ فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ؛ فَعَلَيكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيهِ رُوحٌ (^١).
٥ - أَنَّ الصُورَةَ المَنْهِيَّ عَنْهَا هِيَ الصُورَةُ ذَاتُ الرَّأْسِ؛ لِحَدِيثِ: «الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ» (^٢).
عِلْمًا أَنَّهُ يُقْصَدُ أَحْيَانًا بِالصُورَةِ: الوَجْهُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَّمَ الصُورَةُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ» (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).
(٢) صَحِيحٌ. الإسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ (٢/ ٦٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٢١).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٥٤١)، وَلْفُظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ (٥٩٩١): (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الوَجْهِ).
[ ٢ / ٤٥٥ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: هَلْ يُلْحَقُ بِالتَّصْوِيرِ المَنْهِيِّ عَنْهُ التَّصْوِيرُ الشَّمْسِيُّ (الفُوتُوغَرَافِيُّ)؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِ عَنِ التَّصْوِيرِ اليَدَوِيِّ بِأُمُورٍ هِيَ:
١ - أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ، وَلَيسَ تَصْوِيرًا!
٢ - أَنَّ أَصْلَ الصُورَةِ هَذِهِ هِيَ تَصْوِيرُ اللهِ تَعَالَى، وَالعَبْدُ إِنَّمَا هُوَ نَاسِخٌ فَقَطْ!
٣ - أَنَّ التَّصْوِيرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيسَ فِيهِ مُضَاهَاةٌ لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)! بِخِلَافِ الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ فَهُوَ الَّذِي يَقُومُ صَاحِبُهُ بِبَذْلِ جُهْدِهِ فِيهِ وَتَقَصُّدِ المُضَاهَاةِ.
٤ - أَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى صُورَة المِرْآةِ وَالانْعِكَاسِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ السَّاكِنِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْهُ تَحْرِيمَ هَذَا المَقِيسِ عَلَيهِ! وَلَا قَائِلَ بِهِ.
الجَوَابُ:
نَعَمْ؛ يُلْحَقُ بِهِ، بَلْ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَولَى مِنْهُ فِي التَّحْرِيمِ، وَالرَّدُّ عَلَى مَا سَبَقَ هُوَ أَيضًا مِنْ أَوجُهٍ:
١ - عُمُومُ النَّهْي فِي الحَدِيثِ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً»، فَقَولُهُ: «صُورَةً» نَكِرَةٌ تَعُمُّ كُلَّ الصُّوَرِ؛ فَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ.
٢ - أَنَّ النَّهْيَ لَيسَ سَبَبَهُ المُضَاهَاةُ فَقَط! وَلَكِنَّهُ أَيضًا ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ (^١)، وَأَيضًا لِكَونِهِ مَانِعًا لِدُخُولِ المَلَائِكَةِ إِلَى البُيُوتِ (^٢)، وَأَيضًا تَشَبُّهٌ بِالمُشْرِكِينَ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ أَوجُهِ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ (^٣).
_________________
(١) كَمَا فِي مُسْلِمٍ (٩٦٩) عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ قَالَ: (قَالَ لِي عَلِيٌّ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ).
(٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٥٩٥٨) عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ».
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٨٢): "وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ =
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وَعَلَيهِ إِذَا انْتَفَتْ عِلَّةُ المُضَاهَاةِ -جَدَلًا- فَمَا زَالَتْ هُنَاكَ عِلَلٌ أُخْرَى لِلنَّهْي بَاقِيَةٌ.
٣ - دَعْوَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ حَبْسٍ لِلظِّلِّ! فُيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ تَغْيِيرَ اللَّفْظِ لَا يُغَيِّرُ حَقِيقَةَ المَعْنَى، فَإِذَا كَانَ حَبْسُ الظِّلِّ تَنْتُجُ عَنْهُ الصُورَةُ؛ فَهُوَ إِذًا تَصْوِيرٌ، وَهُوَ كَقَولِنَا عَنِ الرَّسْمِ اليَدِوِيِّ أَنَّهُ مُجَرَّدُ نَقْلٌ مِنَ الوَاقِعِ -أَوِ الخَيَالِ- إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ شَفٍّ لِلصُورَةِ المَخْلُوقَةِ إِلَى الوَرَقِ، أَو مُجَرَّدُ تَحْرِيكٍ لِلفُرْشَاةِ عَلَى اللَّوحَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا مَفَادُهُ تَغْيِيرُ الأَلْفَاظِ لِلخُرُوجِ مِنَ الأَحْكَامِ!
٤ - أَنَّ كَونَ أَصْلِ الصُورَةِ المُصَوِّرَةِ هِيَ خَلْقُ اللهِ تَعَالَى أَو صُنْعُهُ المُبَاشَرُ؛ لَا يُخْرِجُ الفَاعِلَ عَنْ كَونِهِ قَدْ أَخْرِجَ صُورَةً! فَإِنْ سُمِّيَ نَاسِخًا أَو مُصَوِّرًا فَلَا فَرْقَ، وَإِلَّا فَمَا وَجْهُ النَّهْي عَنِ التَّصْوِيرِ عُمُومًا فِي الأَحَادِيثِ -كَحَدِيثِ «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» - وَقَدْ عُلِمَ أَصْلًا أَنَّ المُصَوِّرَ إِنَّمَا يُقَلِّدُ الصُّورَةَ المَخْلُوقَةَ للهِ تَعَالَى؟! فَإِنْ أَخْرَجَهَا بِيَدِهِ رَسْمًا أَوْ بِالآلَةِ؛ فَكِلَاهُمَا يَنْقُلُ عَنْ أَصْلٍ مَخْلُوقٍ مَوجُودٍ.
وَعَلى كُلِّ حَالٍ؛ فَالصُورَةُ هِيَ فِعْلُ المُصَوِّرِ لُغَةً وَشَرْعًا وَعُرْفًا،
أَمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فَالصُورَةُ فِعْلُ المُصَوِّرِ (^١)،
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ؛ فَقَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ
_________________
(١) = الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ! فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ".
(٢) قَالَ فِي المُعْجَمِ الوَسِيطِ (١/ ٥٢٨): "التَصْوِيرُ: نَقْشُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ أَوِ الأَشْخَاصِ عَلَى لَوحٍ أَو حَائِطٍ أَو نَحْوِهِمَا بِالقَلَمِ أَو بِالفُرْجُونِ أَو بِآلَةِ التَصْوِير، وَالتَّصْوِيُر الشَّمْسِيُّ: أَخْذُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ بِالمُصَوِّرَةِ الشَّمْسِيَّةِ". قُلْتُ: وَالفُرْجُونُ هُوَ المِحَسَّةُ: وَهُوَ مِشْطٌ لَهُ أَسْنَانٌ لِلتَنْظِيفِ، وَهُوَ بِمَعْنَى فُرْشَاةِ الرَّسْمِ هُنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ»،
وَأَمَّا عُرْفًا فَصَاحِبُ دُكَّانِ التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ يُسَمَّى مُصَوِّرًا.
٥ - "التَّفْرِيقُ بَينَ التَّصْوِيرِ اليَدَوِيِّ وَالتَّصْوِيرِ الفُوتُوغِرَافِيِّ؛ فَيَحْرُمُ الأَوَّلُ دَونَ الثَّانِي! ظَاهِرِيَّةٌ عَصْرِيَّةٌ وَجُمُودٌ لَا يُحْمَدُ" (^١).
وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ التَّصْوِيرَ الفُوتُوغَرَافِيَّ لَيسَ فِيهِ مُضَاهَاٌة لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ (كَبْسَةِ زِرٍّ)!! فَهُوَ عَجَبٌ مِنَ الكَلَامِ وَاللهِ! وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:
أ- أَنَّ كَبْسَةَ الزِّرِّ هَذِهِ هِيَ عَمَلٌ لَا رَيبَ أَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ وَسَعْيٍ، فَكَمَا أَنَّ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي الهَوِيِّ فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا؛ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِثْلَهَا مِنَ العَمَلِ وَالقَصْدِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا (^٢).
ب- أَنَّ هَذِهِ الكَبْسَةَ لَيسَتْ مُجَرَّدَةً! فَهِيَ مَسْبُوقَةٌ بِأَعْمَالٍ ضِمْنَ عَشَرَاتِ السِّنِينَ مِنَ السَّعْي وَالجُهْدِ فِي طَرِيقِ الوُصُولِ إِلَى مَا هِيَ عَلَيهِ الآنَ، وَمُخْتَتَمَةٌ أَيضًا بِأَعْمَالِ إِخْرَاجٍ -مِنْ تَحْمِيضٍ وَطِبَاعَةٍ وَتَلْوِينٍ- فَهِيَ لَيسَتْ مُجَرَّدَ كَبْسَةِ زِرٍّ!
ج- أَنَّ هَذَا المُصَوِّرَ مِنْهُ المُحْتَرِفُ وَمِنْهُ المُبْتَدِئُ، وَلَكِنْ كِلَاهُمَا -مَهْمَا قِيلَ فِي يُسْرِ عَمَلِهِ- فَهُوَ بِلَا شَكٍّ حَرِيصٌ عَلَى أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ فِي أَفْضَلِ حَالٍ مِنَ المُضَاهَاةِ حَتْمًا، لِذَلْكَ تَرَاهُ يَتَمَايَلُ يَمِينًا وَشِمَالًا، إِلَى أَعْلَى وَأَسْفَل، مُشَدِّدًا الإِضَاءَةَ وَمُضَعِّفَهَا، مُنْتَقِيًا لِأَحْسَنِ الآلَاتِ المُصَوِّرَةِ -بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ-، فَهَلْ مِثْلُ هَذَا يُقَالُ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَقْصِدُ المُضَاهَاةِ؟!
_________________
(١) الصَّحِيحَةِ (٣٥٦).
(٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٦٤٧٨)، وَمُسْلِمٍ (٢٩٨٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».
[ ٢ / ٤٥٨ ]
د- إِذَا كَانَتِ المُضَاهَاةُ هِيَ عِلَّةَ النَّهْي فِي الرَّسْمِ اليَدَوِيِّ -وَهِيَ أَحَدُ أَوجُهِ النَّهْي- فَلَا رَيبَ أَنَّ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ أَعْلَى مُضَاهَاةً مِنْ جِهَةِ النَّتِيجَةِ؛ وَعَلَيهِ فَالعِلَّةُ فِيهِ هِيَ مِنْ بَابِ أَولَى (^١).
٦ - أَنَّ قِيَاسَهُ عَلَى صُورَةِ المِرْآةِ وَالانْعِكَاسِ عَلَى وَجْهِ المَاءِ السَّاكِنِ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- أَنَّ القَائِمَ قُبَالَةَ المِرْآةِ أَو وَجْهِ المَاءِ لَا يُسَمَّى مُصَوِّرًا لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا شَرْعًا.
ب- أَنَّ الصُورَةَ فِي المِرْآةِ وَعَلَى وَجْهِ المَاءِ لَيسَتْ مُسْتَقِرَّةً؛ فَلَا يَكُونُ صَاحِبُهَا قَدْ خَرَجَ بِصُورَة! بَلْ هَذِهِ الصُورَة تَزُولُ بِزَوَالِ المُقَابِلِ لَهَا (^٢).
ج- أَنَّ الصُورَةَ القَائِمَةَ فِي المِرْآةِ أَو عَلَى وَجْهِ المَاءِ تَحْصُلُ بِدُونِ أَيِّ سَعْيٍ أَو عَمَلٍ مِنَ المَرْءِ، بِخِلَافِ صَاحِبِ (كَبْسَةِ الزِّرِّ) (^٣)!
_________________
(١) وَلِبَيَانِ شَيءٍ مِنَ الوَاقِعِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ بِأَنَّ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ حَقِيقَةً هُوَ كَاليَدَوِيِّ مِنْ حَيثُ تَدَرُّجِ الدِّقَّةِ فِي الالْتِقَاطِ وَالعَرْضِ، فَهُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِدَرَجَةِ الـ (بِكْسِلْ) وَهِي دَرَجَةٌ تُعَبِّرُ عَنْ دِقَّةِ الالْتِقَاطِ وَالعَرْضِ، فَمُنْذُ سَنَوَاتٍ كُنْتَ تَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ مِنَ الصُّوَرِ الشَّمْسِيَّةِ إِذَا أَعْمَلْتَ فِيهَا العَدَسَةَ المُكَبِّرَةَ قَلِيلًا رَأَيتَهَا تَنْقَسِمُ إِلَى مُرَبَّعَاتٍ لَوْنِيَّةٍ؛ حَيثُ تَفْقِدُ الصُوْرَةُ فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ التَّكْبِيرِ دِقَّتَهَا وَوُضُوْحَهَا، وَمَعَ تَقَدُّمِ التّقَنِيَّةِ تَزْدَادُ هَذِهِ الدِّقَّةُ، فَهَلْ يُقَالُ بَعْدُ مَعَ هَذَا: إِنَّ المُصَوَّرَ هُوَ نَفْسُ تَصْوِيرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ؟! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوْفِيقِهِ.
(٢) وَعَلَيهِ فَلَا مَحْذُورَ فِي اسْتِخْدَامِ آلَاتِ المُرَاقَبَةِ فِي المُنْشَآتِ وَالمَتَاجِرِ وَأَشْبَاهِهَا لِأَنَّ الصُورَةَ لَيسَتْ مَحْفُوظَةً أَصْلًا، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهَا انْعِكَاسُ الصُّوَرِ فِي المَرَايَا، وَهِيَ أَيضًا لَو حُفِظَتْ؛ فَلَا حَرَجَ إِنْ شَاءَ اللهُ لِأَنَّهَا مِمَّا تَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ وَالحَاجَةُ المُلِحَّةُ.
(٣) قَالَ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى وَالرَسَائِلِ (١/ ١٨٧): "وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مُجِيزِي التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ أَنَّهُ نَظِيرُ ظُهُورِ الوَجْهِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الصَّقِيلَاتِ! وَهَذَا فَاسِدٌ؛ فَإِنَّ ظُهُورَ الوَجْهِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا شَيءٌ غَيرُ مُسْتَقِرٍ، وَإِنَّمَا يُرَى بِشَرْطِ بَقَاءِ المُقَابَلَةِ؛ فَإِذَا فُقِدَتِ المُقَابَلَةُ =
[ ٢ / ٤٥٩ ]
٧ - لِيَكُنْ إلْحَاقُ التَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ "الفُوتُوغَرَافِيِّ" بَعِيدًا عَنْ كَونِهِ تَصْوِيرًا مُحَرَّمًا؛ فَهُنَا تَرِدُ مُلَاحَظَاتٌ:
أ- مَا هُوَ وَاجِبُ المُسْلِمِ إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيهِ الحُكْمُ مِنْ جِهَةِ الحِلِّ أَوِ التَّحْرِيمِ؟
الجَوَابُ: هُوَ فِي الحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وَإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ» (^١).
ب- مَا هُوَ الحَاصِلُ مِنْ إِبَاحَةِ هَذَا النَّوعِ مِنَ التَصْوِيرِ؟ هَلْ هُوَ لِتَصْوِيرِ مَا يَلْزَمُ مِنَ الأَورَاقِ الرَّسْمِيَّةِ الحُكُومِيَّةِ لِلأَشْخَاصِ؟ أَمْ لِتَصْوِيرِ صُوَرِ الذِّكْرَيَاتِ وَتَنَاقُلِهَا وَتَعْلِيقِهَا بِمَا لَا يُمْكِنُ أَبَدًا ضَبْطُهُ! عِلْمًا أَنَّ حُكْمَ التَّصْوِيرِ نَفْسَهُ مُفَارِقٌ عَنْ حُكْمِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ وَتَعْلِيقِهَا؛ فَهَذِهِ الأَخِيرَةُ مَشْمُولَةٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى مِنْ مَنْعِ دُخُولِ المَلَائِكَةِ وَغَيرِهَا؛ فَتَنَبَّهْ.
ج- هَلْ فَتْحُ هَذَا البَابِ أَسْلَمُ لِحَيَاةِ المُجْتَمَعِ المُسْلِمِ أَمْ إِغْلَاقُهُ؟ وَالوَاقِعُ يَشْهَدُ بِأَوْلَوِيَّةِ الإِغْلَاقِ.
_________________
(١) = فُقِدَ ظُهُورُ الصُورَةِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ الصُورَةِ الشَّمْسِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ فِي الأَورَاقِ وَنَحْوِهَا مُسْتَقِرَّةٌ، فَإِلْحَاقُهَا بِالصُّوَرِ المَنْقُوشَةِ بِاليَدِ أَظْهَرُ وَأَوضَحُ وَأَصَحُّ مِنْ إلْحَاقِهَا بِظُهُورِ الصُورَةِ فِي المِرْآةِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّ الصُورَةَ الشَّمْسِيَّةَ وَبُدُوَّ الصُورَةِ فِي الأَجْرَامِ الصَّقِيلَةِ وَنَحْوِهَا يَفْتَرِقَانِ فِي أَمْرَينِ:
(٢) الاسْتِقْرَارِ وَالبَقَاءِ.
(٣) حُصُولِ الصُورَةِ عَنْ عَمَلٍ وَمُعَالَجَةٍ، فَلَا يُطْلَقُ -لَا لُغَةً، وَلَا عَقْلًا، وَلَا شَرْعًا- عَلَى مُقَابِلِ المِرْآةِ وَنَحْوِهَا أَنَّهُ صَوَّرَ ذَلِكَ! وَمُصَوِّرُ الصُّوَرِ الشَّمْسِيَّةِ مُصَوِّرٌ لُغَةً وَعَقْلًا وَشَرْعًا، فَالمُسَوِّي بَينَهُمَا مُسَوٍّ بَينَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ، وَالمَانِعُونَ مِنْهُ قَدْ سَوَّوا بَينَ مَا سَوَّى اللهُ بَينَهُ، وَفَرَّقُوا بَينَ مَا فَرَّقَ اللهُ بَينَهُ؛ فَكَانُوا بِالصَّوَابِ أَسْعَدَ؛ وَعَنْ فَتْحِ أَبْوَابِ المَعَاصِي وَالفِتَنِ أَنْفَرَ وَأَبْعَدَ".
(٤) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٢)، وَمُسْلِمٌ (١٥٩٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
قَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ ﵀: "أَمَّا إِنْ كَانَ لَا ظِلَّ لَهُ كَالتَّصْوِيرِ الشَّمْسِيِّ فِي القِرْطَاسِ وَنَحْوِهِ؛ هَذَا أَيضًا مُحَرَّمٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ لِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَاطَى شَيئًا مِن ذَلِكَ، وَلَيسَ مَعَ مَنْ أَجَازَ التَّصْوِيرَ الشَّمْسِيَّ حُجَّةٌ، بَلْ هُوَ قَولٌ بَاطِلٌ لَا وَجْهَ لَهُ، فَالتَّصْوِيرُ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ؛ فِي القِرْطَاسِ أَوْ فِي الأَلْوَاحِ أَوْ فِي المَلَابِسِ أَوْ فِي الجُدْرَانِ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيرِ ذَلِكَ.
وَالوَاجِبُ طَمْسُ الصُّوَرِ إِذَا وُجِدَتْ بِقَطْعِ رُؤُوسِهَا أَوْ مَحْوِهَا بِالكُلِّيَّةِ، لِقَولِهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَلِيٍّ ﵁: «لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا»، وَلِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا دَخَلَ الكَعْبَةَ عَامَ الفَتْحِ مَحَا جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي فِي الكَعْبَةِ، وَكَسَرَ الأَصْنَامَ، وَأَخَذَ مَاءً وَثَوبًا فَمَسَحَ بِهِ مَا بِجُدْرَانِ الكَعْبَةِ مِنَ الصُّوَرِ.
لَكِنْ إِذَا أُكْرِهَ الإِنْسَانُ عَلَى الصُّورَةِ لِأَخْذِ التَّابِعِيَّةِ -الحَفِيظَةِ- مَثَلًا أَوْ لِأَسْبَابٍ أُخْرَى لَيسَ لَهُ فِيهَا اخْتِيَارٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ كَالتَّابِعِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ العِلْمِيَّةِ وَقِيَادَةِ السَّيَّارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْزَمُ بِهِ وَلَيسَ لَهُ مَنْدُوحَةٌ عَنْهُ؛ فَلَا حَرَجَ عَلَيهِ إِذَا أَخَذَ ذَلِكَ مِن أَجْلِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرْضَى ذَلِكَ؛ لَكِنْ لِأَجْلِ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ إِلَى هَذَا الشَّيءِ. وَاللهُ وَلِيُّ التَّوفِيقِ" (^١).
تَنْبِيهٌ:
وَأَمَّا مَا نُسِبَ إِلَى الشَّيخِ الفَاضِلِ ابْنِ عُثَيمِينَ ﵀ مِنْ إِبَاحَةِ التَّصْوِيرِ الفُوتُوغَرَافِيِّ مُطْلَقًا! فَهُوَ كَذِبٌ وَزُورٌ عَلَيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ مِنْ جُمْلَةِ
_________________
(١) فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ (شريط: ٨٥٧).
[ ٢ / ٤٦١ ]
التَّصْوِير المُحَرَّمِ، وَلَكِنَّهُ أَجَازَهُ فَقَط لِمِثْلِ مَا أَجَزْنَاهُ مِنَ التَّصْوِير لِلحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، أَمَّا التَّصْوِيرُ لِلذِّكْرَى وَالحَنِينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ ﵀.
قَالَ ﵀: "وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ: هَلْ يَحِلُّ هَذَا الفِعْلُ أَو لَا؟
وَالجَوَابُ: إِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُحَرَّمٍ صَارَ حَرَامًا، وَإِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ صَارَ مُبَاحًا؛ لِأَنَّ الوَسَائِلَ لَهَا أَحْكَامُ المَقَاصِدِ، وَعَلَى هَذَا؛ فَلَو أَنَّ شَخْصًا صَوَّرَ إِنْسَانًا لِمَا يُسَمُّونَهُ بِالذِّكْرَى -سَوَاءً كَانَتْ هَذِهِ الذِّكْرَى لِلتَّمَتُّعِ بِالنَّظَرِ إِلَيهِ أَوِ التَّلَذُّذِ بِهِ أَو مِنْ أَجْلِ الحَنَانِ وَالشَّوقِ إِلَيهِ-؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَلَا يَجُوزُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ صُورَةً وَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ لِغَرَضٍ مُبَاحٍ كَمَا يُوجَدُ فِي التَّابِعِيَّةِ وَالرُّخْصَةِ وَالجَوَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ؛ فَهَذَا يَكُونُ مُبَاحًا، فَإِذَا ذَهَبَ الإِنْسَانُ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى رُخْصَةٍ إِلَى هَذَا المُصَوِّرِ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الصُورَةُ فَورِيَّةً بِدُونِ عَمَلٍ -لَا تَحْمِيضٍ وَلَا غَيرِهِ- وَقَالَ: صَوِّرْنِي، فَصَوَّرَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا المُصَوِّرَ لَا نَقُولُ: إِنَّهُ دَاخِلٌ فِي الحَدِيثِ -أَي: حَدِيثِ الوَعِيدِ عَلَى التَصْوِيرِ-، أَمَّا إِذَا قَالَ: صَوِّرْنِي لِغَرَضٍ آخَرَ غَيرِ مُبَاحٍ؛ صَارَ مِنْ بَابِ الإِعَانَةِ عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ" (^١).
_________________
(١) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣٩).
[ ٢ / ٤٦٢ ]
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ هُوَ عَنِ التَّمَاثِيلِ المُجَسَّمَةِ (ذَاتِ الظِّلِّ) أَمْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ؟
الجَوَابُ: بَلْ عَنْ عُمُومِ الصُّوَرِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ: أَنَّ الصُورَةَ تُطْلَقُ عَلَى التِّمْثَالِ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ.
قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: "التِّمْثَالُ: الصُورَةُ" (^١).
وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَو قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ» (^٢).
٢ - مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ: جَاءَ فِي الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ وُجُودِ الصُّوَرِ عَلَى السَّتَائِرِ وَغِيرِهَا؛ وَهِيَ بِلَا شَكٍّ لَيسَتْ مُجَسَّمَةً!
كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً (^٣) لِي بِقِرَامٍ (^٤) فِيهِ تَمَاثِيلُ (^٥)، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ! أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ:
_________________
(١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٦١٣).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٣٨٦٨). الصَّحِيحَةُ (٢٨١). قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ٦١٣): "وَفِي الحَدِيثِ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا مُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ» أَي: مُصَوِّرٌ"، وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الأَثِيرِ ﵀.
(٣) قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ) (٢/ ١٠٤٧): "السَّهْوَةُ: بَيتٌ صَغِيرٌ مُنْحَدِرٌ فِي الأَرْضِ قَلِيلًا؛ شَبِيهٌ بِالمُخْدَعِ وَالخِزَانةِ".
(٤) القِرَامُ: بِكَسْرِ القَافِ: السِّتْرُ.
(٥) وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيضًا: (فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ).
[ ٢ / ٤٦٣ ]
فَقَطَعْنَاهُ؛ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَو وِسَادَتَينِ (^١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَلَا فَرْق فِي هَذَا كُلِّهِ بَينِ مَا لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَا ظِلَّ لَهُ، هَذَا تَلْخِيصُ مَذْهَبِنَا فِي المَسْأَلَةِ، وَبِمَعْنَاهُ قَالَ جَمَاهِيرُ العُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّورِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيرِهِمْ، وَقَالَ بَعْض السَّلَفِ: إِنَّمَا يُنْهَى عَمَّا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَلَا بَأْس بِالصُّوَرِ الَّتِي لَيسَ لَهَا ظِلٌّ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصُورَةَ فِيهِ؛ لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ مَذْمُومٌ، وَلَيسَ لِصُورَتِهِ ظِلٌّ! مَعَ بَاقِي الأَحَادِيثِ المُطْلَقَةِ فِي كُلّ صُورَة.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: النَّهْيُ فِي الصُورَةِ عَلَى العُمُومِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ مَا هِيَ فِيهِ، وَدُخُولُ البَيتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ؛ سَوَاءً كَانَتْ رَقْمًا فِي ثَوبٍ أَو غَيرَ رَقْمٍ، وَسَوَاء ًكَانَتْ فِي حَائِطٍ أَو ثَوبٍ أَو بِسَاط ٍمُمْتَهَنٍ أَو غَيرِ مُمْتَهَنٍ؛ عَمَلًا بِظَاهِرِ الأَحَادِيثِ، لَا سِيَّمَا حَدِيثِ (النُّمْرُقَةِ) الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا مَذْهَبٌ قَوِيٌّ" (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨١).
[ ٢ / ٤٦٤ ]
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي صُوَرُ مَا لَهُ رَأْسٌ إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً فِي الخَارِجِ؛ كَالصُّوَرِ الخَيَالِيَّةِ وَالصُّوَرِ النِّصْفِيَّةِ؟
الجَوَابُ: إِنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لَا دَلِيلَ عَلَيهِ، بَلْ يَبْقى مَا سَلَفَ مَشْمُولًا بِالنَّهْي، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ الأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الصُورَةِ بَقَاءُ الرَّأْسِ، فَحَتَّى لَو كَانَتِ الصُورَةُ مِمَّا لَا يَعِيشُ حَقِيقَةً أَو صُورَةً نِصْفِيَّةً -كَأَعْلَى البَدَنِ، أَوِ الوَجْهِ- فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَدَلَّ لِذَلِكَ الحَدِيثُ: «الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ» (^١).
٢ - أَنَّهُ قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَّرْتُ عَلَى بَابِي دُرْنُوكًا (^٢) فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجْنِحَةِ؛ فَأَمَرَنِي فَنَزَعْتُهُ) (^٣)، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيسَ فِي الطَّبِيعَةِ المَحْسُوسَةِ عِنْدَنَا خَيلٌ بِجَنَاحَينِ (^٤)!
_________________
(١) صَحِيحٌ. الإسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ (٢/ ٦٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٢١). وَكَحَدِيثِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ» وَقَدْ سَبَقَ. صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
(٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٧): "الدُّرْنُوكُ: سِتْرٌ لَهُ خَمْلٌ".
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٥٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٤) وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ فَإنَّهُ فِي الحَدِيثِ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ أَعْرَابِيٌ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنّي أُحِبُّ الخَيلَ! أَفِي الجَنَّةِ خَيلٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنْ أُدْخِلْتَ الجَنَّةَ؛ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ فَحُمِلْتَ عَلَيهِ، ثُمْ طَارَ بِكَ حَيثُ شِئْتَ». صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٥٤٤) عَنْ أَبي أَيُّوبٍ. الصَّحِيحَةُ (٣٠٠١). وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا =
[ ٢ / ٤٦٥ ]
المسألة السادسة: هل يخرج من النهي الصور الممتهنة كالفرش والبسط والوسائد؟
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ النَّهْي الصُورُ المُمْتَهَنَةُ كَالفُرُشِ وَالبُسُطِ وَالوَسَائِدِ؟ كَمَا دَلَّ لِذَلِكَ أَمْرُ جِبْرِيلَ ﵇ بِأَنْ تُجْعَلَ الصُورَةُ وِسَادَتَينِ تُوطَئَانِ (^١)، وَكَحَدِيثِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ» (^٢)، وَكَحَدِيثِ الاتِّكَاءِ عَلَى مِرْفَقَةٍ فِيهَا صُورَةٌ (^٣).
الجَوَابُ: الرَّاجِحُ أَنَّ الامْتِهَانَ -وَإِنْ كَانَ أَهْوَنَ مِنْ عَدَمِهِ-؛ فَهُوَ لَا يُخْرِجُ الصُورَةَ مِنْ حُكْمِ المَنْعِ.
_________________
(١) = سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ». قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!». قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ). صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٣٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٣٢).
(٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ لِي: أَتَيتُكَ البَارِحَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ قِرَامَي سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَينِ مَنْبُوذَتَينِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ». صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٦١٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٦). وَلَفْظُهُ: "عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ -صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ»، قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بابهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ! فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ -رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟! فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: (إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ) ".
(٤) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ -وَقَدْ اشْتَرَيتُ نَمَطًا فِيهِ صُورَةٌ- فَسَتَرْتُهُ عَلَى سَهْوَةِ بَيتِي، فَلَمَّا دَخَلَ كَرِهَ مَا صَنَعْتُ وَقَالَ: «أَتَسْتُرِينَ الجُدُرَ يَا عَائِشَةُ؟!» فَطَرَحْتُهُ فَقَطَعْتُهُ مِرْفَقَتَينِ؛ فَقَدْ رَأَيتُهُ مُتَّكِئًا عَلَى إِحْدَاهُمَا وَفِيهَا صُورَةٌ). صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٦١٠٣). آدَابُ الزِّفَافِ (ص ١٨٥). وَ(النَّمَطُ): بِسَاطٌ لَهُ خَمْلٌ رَقِيقٌ.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ نَفْسَ الحَدِيثِ مَوضِعِ الاسْتِدْلَالِ جَاءَ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بالامْتِهَانِ؛ وَلَكِنْ بَعْدَ قَطْعِ الرُؤُوسِ مِنَ الصُورَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الامْتِهَانِ لَا يَكْفِي، وَاللَّفْظُ هُوَ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: «ادْخُلْ»، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا رُءُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ (^١).
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ ذِكْرِ الوَسَائِدِ المَوطُوءَةِ إِذًا؟!
فَالجَوَابُ عَلَيهِ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ إِرْشَادًا إِلَى عَدَمِ إِتْلَافِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تَغْيِيرُهُ بِطَرِيقَةٍ تُمَكِّنُ مِنَ الانْتِفَاعِ بِهِ كَالوَسَائِدِ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرْبِ المِثَالِ لَا الحَصْرِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦). وَأَمَّا لَفْظُ النَّسَائِيِّ (٥٣٦٥) الَّذِي فِيهِ التَخْيِيرُ وَهُوَ: (فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَو تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ) فَهُوَ مَرْجُوحٌ مِنْ وَجْهَينِ: مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ؛ قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٣٥٦): "قُلْتُ: وَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ [أي لِيُونُسَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ وَهُوَ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ]، فَقَالَ أَحْمَدُ (٢/ ٣٠٨): حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنْبَأَنَا مَعْمَرُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ مُخْتَصَرًا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيخَينِ لَولَا أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ -وَهُوَ السَّبِيعِيَّ؛ وَالِدَ يُونُسَ- كَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِهِ، وَقَدْ اخْتُلِفَ عَلَيهِ فِي لَفْظِهِ؛ فَرَوَاهُ عَنْهُ مَعْمَرُ هَكَذَا، وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْهُ بِهِ نَحْوَهُ بِلَفْظِ: «فَإِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُءُوسُهَا أَو تُجْعَلَ بِسَاطًا يُوطَأُ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٢/ ٣٠٢) وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ مَعْمَرًا حَفِظَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ الكُوفِيُّ، قَالَ الحَافِظُ: ثِقَةٌ عَابِدٌ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَبُرَ سَاءَ حِفْظُهُ، وَكِتَابُهُ صَحِيحٌ". ب- مِنْ جِهَةِ الفِقْهِ: أَنَّهُ قَدْ جَاءَ امْتِنَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ دُخُولِ البَيتِ -وَفِيهِ النُمْرُقَةُ (الوِسَادَةُ) الَّتِي عَلَيهَا صُورَةٌ- وَهِيَ مُمْتَهَنَةٌ بِلَا رَيبٍ. وَقَدْ سَبَقَ الحَدِيثُ فِي ذَلِكَ.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ رَفَعَهُ: (رَخَّصَ فِيمَا كَانَ يُوطَأُ، وَكَرِهَ مَا كَانَ مَنْصُوبًا) فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا (^١).
٢ - قَدْ جَاءَ تَحْرِيمُ بَعْضٍ مِمَّا سَلَفَ مِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي فِيهَا الامْتِهَانُ وَلَمْ يُقِرَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ!
كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (^٢) فِيهَا تَصَاوِيرٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ: «مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟» قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ الصُورَةُ» (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَظَاهِرُ حَدِيثَي عَائِشَةَ -هَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ- التَّعَارُضُ، لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ اسْتَعْمَلَ السِّتْرَ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ بَعْدَ أَنْ قُطِعَ وَعُمِلَتْ مِنْهُ الوِسَادَةُ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ أَصْلًا! وَقَدْ أَشَارَ المُصَنِّفُ إِلَى الجَمْعِ بَينَهُمَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ اتِّخَاذِ مَا يُوطَأُ مِنَ الصُّوَرِ جَوَازُ القُعُودِ عَلَى الصُورَةِ! فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَ مِنَ الوِسَادَةِ مَا لَا صُورَة فِيهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأَى التَّفْرِقَةَ بَينَ القُعُودِ وَالِاتِّكَاءِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيُحْتَمَلُ أَيضًا أَنْ يُجْمَعَ بَينَ الحَدِيثَينِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَقَعَ القَطْعُ فِي وَسْطِ الصُورَةِ مَثَلًا؛ فَخَرَجَتْ عَنْ هَيئَتِهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِقُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الجَمْعَ الحَدِيثُ الَّذِي فِي البَابِ قَبْلَهُ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ" (^٤).
_________________
(١) ضَعِيفٌ جِدًّا. الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ (٥٧٠٣). الضَّعِيفَةُ (٥٩٩٨).
(٢) وَهِيَ الوِسَادَةُ.
(٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٧).
(٤) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٠).
[ ٢ / ٤٦٨ ]
قُلْتُ: وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ الحَدِيثِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَهُوَ: «فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا؛ فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ» (^١)، فَفِيهِ بَيَانُ النَّصِّ عَلَى وُفْقِ مَا وَجَّهَهُ الحَافِظُ؛ وَمَا أَشَارَ إِلَيهِ البُخَارِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ.
وَقَالَ أَيضًا ﵀ -عِنْدَ شَرْحِ بَابِ نَقْضِ الصُّوَرِ (^٢) -: "وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنْ نَقْضِ الصَّلِيبِ نَقْضَ الصُورَةِ الَّتِي تَشْتَرِكُ مَعَ الصَّلِيبِ فِي المَعْنَى وَهُوَ عِبَادَتُهُمَا مِنْ دُونِ اللهِ؛ فَيَكُونُ المُرَادُ بِالصُّوَرِ فِي التَّرْجَمَةِ خُصُوصَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ؛ بَلْ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ" (^٣).
٣ - أَمَّا حَدِيثُ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوبٍ» فَفِيهِ مَسَالِكُ:
الأَوَّلُ: مَعْنَى الرَّقْمِ لَغْةً:
قَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ: "رَقَمَ الثَّوبَ رَقْمًا: وَشَاهُ" (^٤).
وَقَالَ فِي جَمْهَرَةِ اللُّغَةِ: "الرَّقْمُ: رَقْمُ الثَّوبِ، وَكُلُّ ثَوبٍ وُشِّيَ فَهُوَ مَرْقُومٌ" (^٥).
وَالوَشْيُ مَعْرُوفٌ أَنَّهُ مِنْ خَلْطِ الأَلْوَانِ، فَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْلِيمِ، قَالَ فِي لِسَانِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
(٢) وَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيتِهِ شَيئًا فِيهِ تَصَالِيبُ إِلَّا نَقَضَهُ). البُخَارِيُّ (٥٩٥٢).
(٣) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٥).
(٤) تَاجُ العَرُوسِ (٣٢/ ٢٧٢).
(٥) جَمْهَرَةُ اللُّغَةِ (٢/ ٧٩٠). وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي مُعْجَمِ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ (٢/ ٤٢٥): " (رَقَمَ) الرَّاءُ وَالقَافُ وَالمِيمُ: أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خَطٍّ وَكِتَابَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَالرَّقْمُ: الخَطُّ، وَكُلُّ ثَوبٍ وُشِيَ فَهُوَ رَقْمٌ".
[ ٢ / ٤٦٩ ]
العَرَبِ: "الوَشْيُ مَعْرُوفٌ؛ وَهُوَ يَكُونُ مِنْ كُلِّ لَونٍ" (^١).
وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: " (رَقَمَ): فِيهِ: أَتَى فَاطِمَةَ فَوَجَدَ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مُوشّى، فَقَالَ: «مَا أَنَا وَالدُّنْيَا وَالرَّقْمَ؟!» (^٢)؛ يُريدُ النَّقْشَ وَالوَشْيَ، وَالأَصْلُ فِيهِ الكِتَابَةُ" (^٣).
قَالَ العَينِيُّ ﵀: "قَالَ الخَطَّابِيُّ ﵀: المُصَوِّرُ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ أَشْكَالَ الحَيَوَانِ، وَالنَّقَّاشُ الَّذِي يَنْقُشُ أَشْكَالَ الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي هَذَا الوَعِيدِ؛ وَإِنْ كَانَ جُمْلَةُ هَذَا البَابِ مَكْرُوهًا وَدَاخِلًا فِيمَا يُشْغِلُ القَلْبَ بِمَا لَا يِنْبَغِي" (^٤).
وَعَلَى مَا سَبَقَ؛ فَإِنَّ الرَّقْمَ لَيسَ مِنْ بَابِ صُوَرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ! فَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ.
الثَّانِي: جَمْعُ النُّصُوصِ: الاسْتِثْنَاءُ هُنَا يَكُونُ بِحَمْلِ الرَّقْمِ عَلَى مَا يَحِلُّ كَصُوَرِ الشَّجَرِ وَالجَمَادِ، أَوِ الصُورَةِ المُقَطَّعَةِ وَالَّتِي لَا رَأْسَ فِيهَا، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْي قَدْ تَنَاوَلَتْ عِدَّةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الثِّيَابِ نُهِيَ عَنِ الصُّوَرِ فِيهَا كَالسِّتْرِ وَالقِرَامِ وَالوِسَادَةِ، وَهذا الجَمْعُ هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ المُتَشَابِهِ عَلَى المُحْكَمِ (^٥).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (^٦): "هَذَا يَحْتَجّ بِهِ مَنْ يَقُول بِإِبَاحَةِ مَا
_________________
(١) لِسَانُ العَرَبِ (١٥/ ٣٩٢).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٤٩) عَنِ ابْنِ عُمَرَ. الصَّحِيحَةُ (٢٤٢١).
(٣) النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (٢/ ٦١٨).
(٤) عُمْدَةُ القَارِي (٢٢/ ٧٤).
(٥) أَفَادَهُ الشَّيخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى وَالرَسَائِلِ (١/ ١٨٠).
(٦) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٥).
[ ٢ / ٤٧٠ ]
كَانَ رَقْمًا مُطْلَقًا كَمَا سَبَقَ! وَجَوَابُنَا وَجَوَابُ الجُمْهُور عَنْهُ: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَقْمٍ عَلَى صُورَةِ الشَّجَرِ وَغَيرِهِ مِمَّا لَيسَ بِحَيَوَانٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ عِنْدَنَا" (^١).
الثَّالِثُ: يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا بِمَا أَورَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (^٢): "وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْي كَمَا يَدُلُّ عَلَيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَسَأَذْكُرُهُ فِي البَاب الَّذِي يَلِيهِ" (^٣).
الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّقْمَ -هُنَا- لَو حُمِلَ عَلَى كَونِهِ صُورَةَ ذِي رُوحٍ كَامِلَةٍ -جَدَلًا- فَالظَّاهِرُ
_________________
(١) وَقَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٣٩): "المُرَادُ بِالاسْتِثْنَاءِ: مَا يَحِلُ تَصْوِيرُهُ مِنَ الأَشْجَارِ وَنَحْوِهَا".
(٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩١).
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٩٢) -عَنْدَ بَابِ: لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ-: "وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ فِي السُّنَنِ -وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ- أَتَمُّ سِيَاقًا مِنْهُ؛ وَلَفْظُهُ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: أَتَيتُكَ البَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ كَلْبٌ؛ فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى بَابِ البَيتِ يُقْطَعْ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَانِ مَنْبُوذَتَانِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ؛ فَفَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ)، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: «إِمَّا أَنْ تُقْطَعَ رُؤوسُهَا أَو تُجْعَلَ بُسُطًا تُوطَأُ»، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَرْجِيحُ قَولِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصُورَةَ الَّتِي تَمْتَنِعُ المَلَائِكَةُ مِنْ دُخُولِ المَكَانِ الَّتِي تَكُونُ فِيهِ بَاقِيَةٌ عَلَى هَيئَتِهَا مُرْتَفِعَةٌ غَيرُ مُمْتَهَنَةٍ؛ فَأَمَّا لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، أَو غَيرَ مُمْتَهَنَةٍ لَكِنَّهَا غُيِّرَتْ مِنْ هَيئَتِهَا إِمَّا بِقَطْعِهَا مِنْ نِصْفِهَا أَو بِقَطْعِ رَأْسِهَا؛ فَلَا امْتِنَاعَ. وَقَالَ القُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ حَدِيثِ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ المَاضِي قِيلَ: إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِ البَيتِ الَّذِي فِيهِ صُورَةٌ إِنْ كَانَتْ رَقْمًا فِي الثَّوبِ؛ وَظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ المَنْعُ، وَيُجْمَعُ بَينَهُمَا بِأَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ عَائِشَةَ عَلَى الكَرَاهَةِ وَحَدِيثُ أَبِي طَلْحَةَ عَلَى مُطْلَقِ الجَوَازِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الكَرَاهَةَ. قُلْتُ: وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ؛ لَكِنَّ الجَمْعَ الَّذِي دَلَّ عَلَيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ أَولَى مِنْهُ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ". قُلْتُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ رِوَايَةَ النَّسَائِيِّ المَذْكُورَةَ مَرْجُوحَةٌ مِنْ جِهَةِ التَّخْيِيرِ.
[ ٢ / ٤٧١ ]
أَنَّ الجَائِزَ مِنْهَا مَا كَانَ مُمْتَهَنًا، وَدَلَّ لِذَلِكَ أَصْلُ الحَدِيثِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الرَّاوِي ﵁ حَيثُ كَانَ الكَلَامُ عَنْ نَمَطٍ جَلَسَ عَلَيهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ ﵀ وَغَيرُهُ "عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ يَعُودُهُ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَدَعَا أَبُو طَلْحَةَ إِنْسَانًا يَنْزِعُ نَمَطًا تَحْتَهُ، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: لِمَ تَنْزِعُهُ؟ قَالَ: لأَنَّ فِيهِ تَصَاوِيرَ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِيهَا مَا قَدْ عَلِمْتَ، قَالَ سَهْلٌ: أَوَ لَمْ يَقُلْ: «إِلَّا مَا كَانَ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ»؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِي" (^١).
٤ - وَأَمَّا الحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ الاتِّكَاءُ عَلَى الصُورَةِ؛ فَالجَوَابُ عَلَيهِ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- قَولُهَا: (وَفِيهَا صُورَةٌ) مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ فِيهَا أَجْزَاءً مِنَ الصُورَةِ الَّتِي قُطِعَتْ وَلَيسَ كَامِلَ الصُورَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا ﵂ أَخْبَرَتْ عَنْ نَمَطِهَا أَنَّ فِيهِ صُورَةً -بِلَفْظِ الإِفْرَادِ- وَأَنَّهَا جَعَلَتْ مِنْهُ مِرْفَقَتَينِ اثْنَتَين (^٢) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُورَةَ -مَوضِعَ النَّهْيَ- قَدْ صَارَتْ شِقَّينِ وَلَمْ تَبْقَ عَلَى حَالِهَا؛ فَتَأَمَّلْ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
ب- أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يُقِرَّهَا عَلَى النُّمْرُقَةِ (الوِسَادَةِ) الَّتِي فِيهَا صُورَةٌ؛ فَلَا بُدَّ إِذًا مِنَ الحَمْلِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ غَيرِهِ، وَهُوَ إِمَّا أَنَّ الصُورَةَ مُقَطَّعَةٌ، أَو أَنَّهَا صُورَةُ مَا لَيسَ بِذِي رَوحٍ. وَقَدْ سَبَقَ التَّعْلِيقُ بِنَحْوِ هَذَا الكَلَامِ.
ج- أَنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ أَيضًا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ النَّهْي، وَذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ سَتْرُ الجِدَارِ أَصْلًا (^٣) وَلَيسَ وجُودَ الصُورَةِ نَفْسِهَا! كَمَا هُوَ فِي لَفْظِ مُسْنَدِ أَحْمَدَ -وَقَدْ سَبَقَ-؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصُورَةَ لَمْ تَكُنْ أَصْلًا مَنْهِيًّا عَنْهَا. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. المُوَطَّأ (٢/ ٩٦٦). غَايَةُ المَرَامِ (١٣٤).
(٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢١٠٧).
(٣) وَلَفْظُ مُسْلِمِ (٢١٠٧): «إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ».
[ ٢ / ٤٧٢ ]
فَمِثْلُ هَذَا الحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تِمْثَالُ طَائِرٍ؛ وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «حَوِّلِي هَذَا؛ فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلْتُ فَرَأَيتُهُ؛ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا» (^١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ اتِّخَاذِ مَا فِيهِ صُورَةٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ وَيَرَاهُ وَلَا يُنْكِرُهُ قَبْل هَذِهِ المَرَّة الأَخِيرَةِ" (^٢).
نَقْلٌ عَنِ الحَافِظِ وَتَعْلِيقٌ:
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "قَالَ النَّوَوِيُّ: وَذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ المَمْنُوعَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَأَمَّا مَا لَا ظِلَّ لَهُ؛ فَلَا بَأْسَ بِاتِّخَاذِهِ مُطْلَقًا (^٣)! وَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ السِّتْرَ الَّذِي أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ بِلَا ظِلٍّ بِغَيرِ شَكٍّ؛ وَمَعَ ذَلِكَ فَأَمَرَ بِنَزْعِهِ!
قُلْتُ: المَذْهَبُ المَذْكُورُ نَقَلَهُ ابن أَبِي شَيبَةَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِسَنَدٍ صَحِيح، وَلَفظه عَن ابن عَوْنٍ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى القَاسِمِ -وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فِي بَيتِهِ- فَرَأَيتُ فِي بَيتِهِ حَجَلَةً [مَقْصُورَةٌ] فِيهَا تَصَاوِيرُ القُنْدُسِ وَالْعَنْقَاءِ. فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا، وَكَأَنَّهُ جَعَلَ إِنْكَارِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ تَعْلِيقَ السِّتْرِ المَذْكُورِ مُرَكَّبًا مِنْ كَوْنِهِ مُصَوَّرًا وَمِنْ كَوْنِهِ سَاتِرًا لِلْجِدَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، فَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٢١٠٧).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٧).
(٣) وَالكَلَامُ هُنَا هُوَ عَلَى حُكْمِ الاقْتِنَاءِ وَلَيسَ عَلَى حُكْمِ التَّصْوِيرِ؛ فَتَنَبَّهْ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
عَائِشَةَ) فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ البَابِ لَكِنْ قَالَ: (فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، وَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ»! قَالَ: فَقَطَعْنَا مِنْهُ وِسَادَتَينِ) الحَدِيثَ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ سَتْرَ الجِدَارِ بِالثَّوْبِ المُصَوَّرِ؛ فَلَا يُسَاوِيهِ الثَّوْبُ المُمْتَهَنُ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ صُورَةٌ، وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ الَّذِي لَا يُسْتَرُ بِهِ الجِدَارُ! وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ؛ فَلَوْلَا أَنَّهُ فَهِمَ الرُّخْصَةَ فِي مِثْلِ الحَجَلَةِ مَا اسْتَجَازَ اسْتِعْمَالَهَا! لَكِنَّ الجَمْعَ بَينَ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ؛ وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ فِي التَّصَاوِيرِ فِي البُسُطِ وَالْوَسَائِدِ الَّتِي تُوطَأُ: ذُلٌّ لَهَا، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ مَا نُصِبَ مِنَ التَّمَاثِيلِ نَصْبًا وَلَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِمَا وَطِئَتْهُ الأَقْدَامُ، وَمِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ فرقهم (^١) أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا بَأْس بِالصُّورَةِ إِذَا كَانَتْ تُوطَأُ، وَمِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَّكِئُ عَلَى المَرَافِقِ فِيهَا التَّمَاثِيلُ الطَّيرُ وَالرِّجَالُ" (^٢).
قُلْتُ: وَلَنَا عَلَى كَلَامِهِ ﵀ تَعْلِيقَاتٌ:
١ - أَمَّا قَولُهُ ﵀: "فَفِي إِطْلَاقِ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا نَظَرٌ؛ إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا أَوْ مَفْرُوشًا" لَا يُخْرِجُهُ عَن كَونِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا! لِأَنَّ كَلَامَ النَّوَوِيِّ ﵀ إِنَّمَا كَانَ عَن مَن فَرَّقَ فِي حُكْمِ الصُّورَةِ بَينَ مَا لَهَا ظِلٌّ وَمَا لَيسَ لَهَا ظِلٌّ دَونَ ذِكْرِ سَتْرِ الجَدَارِ مِن عَدَمِهِ!
_________________
(١) لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهَا.
(٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٨).
[ ٢ / ٤٧٤ ]
٢ - وَأَمَّا قَولُهُ عَنِ القَاسِمِ بنِ مُحَمَّدٍ ﵀: "وَهُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ النُّمْرُقَةِ" فَهَذَا يُقْبَلُ لَو أَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ مَرْوِيَّهُ! وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الرَّاوِي لِمَرْوِيِّهِ إِنَّمَا هُوَ رِوَايَتُهُ، وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ وَقْعِ النِّسْيَانِ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لِوَجْهِ الدِّلَالَةِ فِي ذَلِكَ (^١).
٣ - وَأَمَّا قَولُهُ: "وَأَنَّ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُمْتَهَنُ لَا مَا كَانَ مَنْصُوبًا" فَهُوَ مَرْدُودٌ بِصَرَاحَةِ حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ؛ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ وفيه: (أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؛ مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟) قُلْتُ: اشْتَرَيتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (إِنَّ أَصْحَابِ هَذِهِ الصُّوَرِ يَومَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ؛ فَيُقَالُ: لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ). وَقَالَ: (إِنَّ البيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ» (^٢)، فَهُوَ حَاسِمٌ لِمَادَّةِ النِّزَاعِ أَصْلًا فِي كَونِ الصُّورَةِ حَتَّى لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي النَّهْي.
وَسَبَقَ أَيضًا فِي حَدِيثِ أَحْمَدَ: أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: (إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ؛ فَاقْطَعُوا رُؤوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ) فَلَمْ يَكْتَفِ جِبْرِيلُ بِكَونِهَا وَسَائِدَ مَوْطُوءَةً مَنْبُوذَةً! حَتَّى أَضَافَ لِذَلِكَ قَطْعَ الرُّؤُوسِ، وَهَذَا كُلُّهُ عُمُومًا خَارِجٌ عَنْ كَونِ العِلَّةِ سَتْرَ الجُدُرِ! فَتَنَبَّهْ.
٤ - سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ الحَافِظِ ﵀ بِمَا يَشْهَدُ لِلْمَطْلُوبِ، وَهُوَ قَولُهُ: "وَيُحْتَمَلُ أَيضًا أَنْ يُجْمَعَ بَينَ الحَدِيثَينِ بِأَنَّهَا لَمَّا قَطَعَتِ السِّتْرَ وَقَعَ القَطْعُ فِي وَسْطِ الصُورَةِ مَثَلًا؛ فَخَرَجَتْ عَنْ هَيئَتِهَا؛ فَلِهَذَا صَارَ يَرْتَفِقُ بِهَا، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الجَمْعَ الحَدِيثُ الَّذِي فِي
_________________
(١) وَلْيُرَاجَعْ فِي هَذَا البَابِ إِجْمَالًا كَتَابَ شَيخِ الإِسْلَامِ ﵀ "رَفْعُ المَلَامِ عَنِ الأَئِمَّةِ الأَعْلَامِ".
(٢) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٩٥٧).
[ ٢ / ٤٧٥ ]
البَابِ قَبْلَهُ فِي نَقْضِ الصُّوَرِ" (^١).
٥ - أَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِن إِبَاحَةِ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا؛ فَجَوَابُهُ مِن جِهَتِين:
أ- أنَّ العِبْرَةَ بِجُمْلَةِ مَا وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ؛ وَفِيهَا النَّهْيُ عَنِ الصُّورَةِ حَتَّى لَو كَانَتْ نُمْرُقَةً يَتَوَسَّدُهَا المُسْلِمُ!
ب- أَنَّهُ مَدْفُوعٌ بِكَلَامِ غَيرِهِم مِنَ السَّلَفِ مِمَّن لَمْ يُبِيحُوَها حَتَّى لَو كَانَتْ مُمْتَهَنَةً، وَهَاكَ بَعْضُها:
عَن مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّصَاوِيرَ؛ مَا نُصِبَ مِنْهَا وَمَا بُسِطَ) (^٢).
وَعَنْ شُعْبَةَ: (أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَعُودُهُ مِنْ وَجَعٍ، وَعَلَيهِ بُرْدٌ إِسْتَبْرَقٌ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ مَا هَذَا الثَّوْبُ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: هَذَا الإِسْتَبْرَقُ! قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ بِهِ! وَمَا أَظُنُّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا حِينَ نَهَى عَنْهُ إِلَّا لِلتَّجَبُّرِ وَالتَّكَبُّرِ، وَلَسْنَا بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ التَّصَاوِيرُ فِي الكَانُونِ [المَوقِد]؟ قَالَ: أَلَا تَرَى قَدْ أَحْرَقْنَاهَا بِالنَّارِ؟! فَلَمَّا خَرَجَ المِسْوَرُ، قَالَ: انْزَعُوا هَذَا الثَّوْبَ عَنِّي، وَاقْطَعُوا رُؤوسَ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ. قَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ لَوْ ذَهَبْتَ بِهَا إِلَى السُّوقِ كَانَ أَنْفَقَ لَهَا مَعَ الرَّأْسِ! قَالَ: لَا. فَأَمَرَ بِقَطْعِ رُءُوسِهَا) (^٣).
وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَ فِي مَجْلِسِ مُحَمَّدٍ وَسَائِدُ فِيهَا تَمَاثِيلُ عَصَافِيرَ؛ فَكَانَ أُنَاسٌ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: (إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ أَكْثَرُوا؛ فَلَوْ حَوَّلْتُمُوهَا) (^٤).
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٩٠).
(٢) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٨).
(٣) مُسْنَدُ أَحْمَد (٢٩٣٤)، وَحَسَّنَهُ الشَّيخُ أَحْمَدُ شَاكِر ﵀ فِي تَحْقِيقِ المُسْنَدِ.
(٤) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٩٤).
[ ٢ / ٤٧٦ ]
تَنْبِيهٌ هَامٌّ فِي التَّفْرِيقُ بَينَ صُنْعِ الصُّورَةِ وَبَينَ اقْتِنَائِهَا
إِنَّ مَا سَبَقَ مِن الخِلَافِ إِنَّمَا هُوَ فِي اتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِي البَيتِ، وَلَيسَ فِي حُكْمِ صِنَاعَتِهَا! فَلَا يُفْهَمُ مِن قَولِ بَعْضِ مَن جَوَّزَ الاقْتِنَاءَ فِي البَيتِ -بِحُجَّةِ الامْتِهَانِ أَوْ غَيرِهِ- أَنَّهُ يُجَوِّزُ الصُّنْعَ!
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ لَيثٍ، قَالَ: رَأَيتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ حَمْرَاءَ فِيهَا تَمَاثِيلُ فَقُلْتُ لَهُ؛ فَقَالَ: (إِنَّمَا يُكْرَهُ هَذَا لِمَنْ يَنْصِبُهُ، وَيَصْنَعُهُ) (^١).
وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ حَمَلَ مَا جَاءَ فِي النَّهْي عَلَى غَيرِ المُمْتَهَنِ -عَلَى مَذْهَبِ مَن يَرَى ذلك-، وَأَيضًا حَمَلَهُ عَلَى الصَّانِعِ لِلصُّوَرِ؛ فَلَا يُقَالُ هُنَا: "كُلُّ مَا جَازَ اقْتِنَاؤُهُ جَازَ صُنْعُهُ"!!
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَو بِغَيرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوبٍ أَو بِسَاطٍ أَو دِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ أَو فَلْسٍ أَو إِنَاءٍ أَو حَائِطٍ أَو غَيرهَا.
وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛
_________________
(١) مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٥٢٨٧).
[ ٢ / ٤٧٧ ]
فَلَيسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيرِ.
وَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَو ثَوبًا مَلْبُوسًا أَو عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا -مِمَّا يُمْتَهَنُ- فَلَيسَ بِحِرَامٍ (^١) " (^٢).
وقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -وَقَد سَبَقَ عَنْهُ النَّقْلُ فِي مَوضُوعِ الامْتِهَانِ-: "وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الكَنِيسَةِ الَّتِي كَانَتْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ التَّصَاوِيرِ؛ وَأَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ مَا أَطْلَقَ عَلَيهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ شَرُّ الخَلْقِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ صُوَرِ الحَيَوَانِ فِعْلٌ مُحْدَثٌ أَحْدَثَهُ عُبَّادُ الصُّوَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (^٣).
_________________
(١) قُلْتُ: وَأَمَّا هَذِهِ الأَخِيرَةُ؛ فَالرَّاجِحُ فِيهَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مَشْمُولَةٌ بِالنَّهِي، وَسَبَقَ الكَلَامُ عَلَيهَا فِي المَسَائِلِ.
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨١).
(٣) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٤٧٨ ]
المسألة السابعة: إذا كان التصوير واقتناء الصور محرما، فما الجواب عن شبهة جواز صنع التماثيل في قوله تعالى عن سليمان
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ مُحَرَّمًا، فَمَا الجَوَابُ عَنْ شُبْهَةِ جَوَازِ صُنْعِ التَّمَاثِيلِ فِي قَولِهِ تَعَالَى عَنْ سُلَيمَانَ ﵊: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سَبَأ: ١٣]؟ (^١)
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ التِّمْثَالَ لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى صُورَةِ ذِي رَوحٍ، فَقَدْ يَكُونُ عَلَى صُورَةِ شَيءٍ مُبَاحٍ كَالشَّجَرِ وَمَا لَا رَوحَ فِيهِ.
٢ - أَنَّ التَّمَاثِيلَ لَو كَانَتْ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ كَانَتْ جَائِزَةً فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا، وَقِد اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي العَمَلِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعَنَا؛ فَكَيفَ إِذَا خَالَفَ شَرْعَنَا! فَشَرْعُنَا أَتَمُّ مِنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلِنَا كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ جَاءَ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ -وَالَّذِي هُوَ أَصْلًا سَبَبُ النَّهِي عَنِ التَصْوِيرِ- (^٢). وَالحَمْدُ للهِ.
_________________
(١) ﴿مَحَارِيبَ﴾: أَي: المَسَاجِدَ وَالأَبْنِيَةَ المُرْتَفِعَةِ، ﴿وَجِفَانٍ﴾: قِصَاعٍ، ﴿كَالْجَوَابِ﴾: كَالحِيَاضِ الَّتِي يُجْبَى فِيهَا المَاءُ، ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾: ثَابِتَاتٍ لَهَا قَوَائِمُ؛ لَا يُحَرَّكْنَ عَنْ أَمَاكِنِهَا لِعَظْمِهِنَّ. يُنْظَرُ: (اللُّبَابُ) لِابْنِ عَادِلٍ (١٦/ ٢٧).
(٢) قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٦/ ٣٩١): "قَولُهُ ﷿: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ أَي: كَانُوا يَعْمَلُونَ لَهُ تَمَاثِيلَ، أَي: صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ وَصُفْرٍ وَشَبَّةٍ وَزُجَاجٍ وَرُخَامٍ. وَقِيلَ: كَانُوا يُصَوِّرُونَ السِّبَاعَ وَالطُّيُورَ. وَقِيلَ: كَانُوا يَتَّخِذُونَ صُوَرَ المَلَائِكَةِ وَالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي المَسَاجِدِ لِيَرَاهَا النَّاسُ فَيَزْدَادُوا عِبَادَةً، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي شَرِيعَتِهِمْ؛ كَمَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يَتَّخِذُ صُوَرًا مِنَ الطِّينِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللهِ". قُلْتُ: أَمَّا عَن تَصْوِيرِ عِيسَى ﷺ؛ فَلَا دَاعِيَ لِإِدْرَاجِهِ هُنَا أَصْلًا! لِأَنَّ هَذَا التَّصْوِيرَ قَدْ أَذِنَ اللهُ بِهِ، لَاسِيَّمَا وَأَنَّهُ فِي مَقَامِ مَصْلَحَةٍ عُظْمَى وَهِيَ إِقَامَةُ الحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. يُنْظَرُ: (الجَوَابُ الصَّحِيحُ) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (٤/ ٤٦).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَقَدِ اسْتَشْكَلَ كَونُ المَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ المَكَانَ الَّذِي فِيهِ التَّصَاوِيرُ مَعَ قَولِهِ ﷾ عِنْدَ ذِكْرِ سُلَيمَانَ ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾، وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَتْ صُوَرًا مِنْ نُحَاسٍ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ مِنْ خَشَبٍ وَمِنْ زُجَاجٍ. أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
وَالجَوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ جَائِزًا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وَكَانُوا يَعْمَلُونَ أَشْكَالَ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْهُمْ عَلَى هَيئَتِهِمْ فِي العِبَادَةِ لِيَتَعَبَّدُوا كَعِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ أَبُو العَالِيَةِ (^١): لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِهِمْ حَرَامًا ثُمَّ جَاءَ شَرْعُنَا بِالنَّهْي عَنْهُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّمَاثِيلَ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ النُّقُوشِ لِغَيرِ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ. وَإِذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمَلًا؛ لَمْ يَتَعَيَّنِ الحَمْلُ عَلَى المَعْنَى المُشْكِلِ" (^٢).
_________________
(١) (أَبُو العَالِيَةِ): هُوَ الإِمَامُ المُقْرِئُ الحَافِظُ المُفَسِّرُ؛ أَبُو العَالِيَةِ؛ رُفَيعُ بْنُ مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ؛ البَصْرِيُّ؛ أَحَدُ الأَعْلَامِ؛ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَفَاتُهُ قُرَابَةُ التِّسْعِينَ. يُنْظُرُ: (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ) لِلذَّهَبِيِّ (٤/ ٢٠٧).
(٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٤٨٠ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَ التَّصْوِيرُ وَاقْتِنَاءُ الصُّوَرِ مُحَرَّمًا؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا وجُودُ بَعْضِ التَّمَاثِيلِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ كَبَنَاتِ عَائِشَةَ (^١)، وَالفَرَسِ الَّذِي لَهُ جَنَاحَانِ (^٢)؟
وَكَذَا صُنْعُ الصَّحَابِةِ لِلُعَبِ العِهْنِ لِلأَولَادِ فِي رَمَضَانَ (^٣)!
وَعَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الفَارِسِيَّةِ وَالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي عَلَيهَا صُوَرُ مُلُوكِهِم!
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ الأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا وُجُودُ بَعْضِ اللُّعَبِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ لُعَبٌ لِلْبَنَاتِ، وَهِيَ مِمَّا دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلَى جَوَازِهَا؛ فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنَ الأَصْلِ.
وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ نَقُولُ: إِنَّ تَحْرِيمَ التَّصْوِيرِ وَوجُودِ الصُّوَرِ مَشْمُولٌ بِقَاعِدَةِ (مَا
_________________
(١) وَالحَدِيثُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٠) وَمُسْلِمٌ (٨١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ.
(٢) وَالحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ؟». قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!». قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟! قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ. صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٣٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٣٢).
(٣) وَالحَدِيثُ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ فِي صَومِ عَاشُورَاءَ؛ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا؛ فَليَصُمْ». قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَينَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٩٦٠)، وَمُسْلِمٌ (١١٣٦).
[ ٢ / ٤٨١ ]
حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لِلمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ) (^١)، فَلُعَبُ البَنَاتِ مَثَلًا تُسَاعِدُ عَلَى تَعْلِيمِهِم مَا يُسَمَّى اليَومَ بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ (^٢).
_________________
(١) وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ القَاعِدَةَ ابْنُ القيَّمِ ﵀ فِي كِتَابِهِ (إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ) (٢/ ١٠٨).
(٢) وَالتَّخْصِيصُ مِنَ العُمُومِ هُوَ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ النَّهْي، وَلَكِنَّ هَذَا مَرْجُوحٌ لِإِمْكَانِيَّةِ الجَمْعِ بَينَهُمَا بِالتَّخْصِيصِ المَذْكُورِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٥٢٧): "وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ البَنَاتِ وَاللُّعَبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ البَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُورِ؛ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيعَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَولَادِهِنَّ. قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُهُم إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَإِلَيهِ مَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَحَكَى عَن ابْنِ أَبِي زَيدٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ لِابْنَتِهِ الصُّوَرَ، وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الدَّاودِيُّ أَنه مَنْسُوخٌ. وَقَدْ ترْجَمَ ابْنُ حِبَّانَ الإِبَاحَةَ لِصِغَارِ النِّسَاءِ اللَّعِبَ بِاللُّعَبِ، وَتَرْجَمَ لَهُ النَّسَائِيُّ: إِبَاحَةُ الرَّجُلِ لِزَوجَتِهِ اللَّعِبَ بِالبَنَاتِ؛ فَلَمْ يُقَيَّدْ بِالصِّغَرِ! وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ البَيهَقِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ: ثَبَتَ النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ؛ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لِعَائِشَةَ فِي ذَلِكَ كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وَبِه جَزَمَ ابْنُ الجَوزِيِّ، وَقَالَ المُنْذِرِيُّ: إِنْ كَانَتِ اللُّعَبُ كَالصُورَةِ؛ فَهُوَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُسَمَّى مَا لَيسَ بِصُورَةٍ لُعْبَةً، وَبِهَذَا جَزَمَ الحَلِيمِيُّ، فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ صُورَةً كَالوَثَنِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ. وَقِيلَ مَعْنَى الحَدِيثِ: اللَّعِبُ مَعَ البَنَاتِ أَيِ الجَوَارِي، وَالبَاءُ هُنَا بِمَعْنَى مَعَ. حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ عَنِ الدَّاوُدِيِّ وَرَدَّهُ. قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَينَةَ فِي الجَامِعِ مِنْ رِوَايَةَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيِّ عَنْهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: (وَكُنَّ جِوَارِي يَأْتِينَ فَيَلْعَبْنَ بِهَا مَعِيَ) وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامٍ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ -وَهُنَّ اللُّعَبُ-). أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَغَيرُهُ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ) فَذَكَرَ الحَدِيثَ فِي هَتْكِهِ السِّتْرَ الَّذِي نَصَبَتْهُ عَلَى بَابِهَا، قَالَتْ: (فَكَشَفَ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَلَى بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي، قَالَتْ: وَرَأَى فِيهَا فَرَسًا مَرْبُوطًا لَهُ جَنَاحَانِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟» قُلْتُ: فَرَسٌ، قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!» قُلْتُ: أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ كَانَ لِسُلَيمَانَ خَيلٌ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟! فَضَحِكَ). فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ المُرَادَ بِاللُّعَبِ غَيرُ الآدَمِيَّاتِ. =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وَمِثْلُهُ الفَرَسُ ذُو الجَنَاحَينِ؛ فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُونِ الجِهَادِ، وَقَدْ أَقْسَمَ اللهُ بِالعَادِيَاتِ، وَقَالَ ﷺ: «الخَيلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَومِ القِيَامَة» (^١).
وَأَيضًا صُنْعُ اللُّعَبِ مِنَ العِهْنِ لِلأَطْفَالِ فِي رَمَضَانَ؛ فَهُوَ لِتَحْقِيقِ فَائِدَةِ تَصْبِيرِهِم عَلَى الصِّيَامِ حَتَّى يَحِينَ مَوعِدُ الإِفْطَارِ.
٢ - أَمَّا عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنَ التَّعَامُلِ بِالدَّرَاهِمِ الفَارِسِيَّةِ وَالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ الَّتِي عَلَيهَا صُوَرُ مُلُوكِهِم؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الحَرَجِ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحَجّ: ٧٨] (^٢).
_________________
(١) = قَالَ الخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ اللَّعِبَ بِالبَنَاتِ لَيسَ كَالتَّلَهِّي بِسَائِرِ الصُّوَرِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الوَعِيدُ، وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لِعَائِشَةَ فِيهَا لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ كَانَتْ غَيرَ بَالِغٍ. قُلْتُ: وَفِي الجَزْمِ بِهِ نَظَرٌ، لَكِنَّهُ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ خَيبَرَ بِنْتَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً -إِمَّا أَكْمَلَتْهَا أَو جَاوَزَتْهَا أَو قَارَبَتْهَا-، وَأَمَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَتْ قَدْ بَلَغَتْ قَطْعًا؛ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي خَيبَرَ، وَيُجْمَعُ بِمَا قَالَ الخَطَّابِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ أَولَى مِنَ التَّعَارُض".
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٨٤٩).
(٣) وَقَدْ ذهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا كَانَ مِنْ بَابِ الامْتِهَانِ، وَهَذَا بَعِيدٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الكُفَّارَ مَا وَضَعُوا صُوَرَ مُلُوكِهِم عَلَيهَا إِلَّا لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّخْلِيدِ لِذِكْرَاهُم. قَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ) -مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ- (٧/ ٤٣٣): "لَا يُؤَثِّرُ حَمْلُ النَّقْدِ الَّذِي عَلَيهِ صُورَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَاجَةِ، وَلِأَنَّهَا مُمْتَهَنَةٌ بِالمُعَامَلَةِ بِهَا، وَلِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا مِنْ غَيرِ نَكِيرٍ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ عَادَةً حَمْلُهمْ لَهَا، وَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الإِسْلَامِيَّةُ فَلَمْ تَحْدُثْ إِلَّا فِي زَمَنِ عَبْدِ المَلِكِ، وَكَانَ مَكْتُوبًا عَلَيهَا اسْمُ اللهِ وَاسْمُ رَسُولِهِ ﷺ".
[ ٢ / ٤٨٣ ]
- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ التَّصْوِيرِ أَو اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ خَاصٌّ بِمَا كَانَ عَلَى صُورَةِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى فَقَط؟
الجَوَابُ: بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَامٌّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
١ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّ بِالنَّهِي كُلَّ المُصَوِّرِينَ؛ فَلَا دَلِيلَ عَلَى التَّخْصِيصِ.
وَأَمَّا قَولُ بَعْضِهِم أَنَّ وَصْفَهُ لِلمُصَوِّرِ بِـ «وَمَنْ أَظْلَمُ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ؛ وَأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يُعْبَدُ! فَصَحِيحٌ إِنْ كَانَ التَّصْوِيرُ لِهَذَا القَصْدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ القَصْدِ؛ فَهُوَ مُشَابِهٌ لَهُ وَمُرْتَكِبٌ لِلكَبِيرَةِ؛ وَهِيَ ذَرِيعَةُ الشِّرْكِ (^١)، وَلَا يَكُونُ كَمَا فِي لَفْظِ الحَدِيثِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ»، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّهْيَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ قَدْ جَاءَ مُرَتَّبًا عَلَى نَفْسِ التَّصْوِيرِ وَلَيسَ عَلَى الشِّرْكِ (^٢).
٢ - أَنَّ النَّهْيَ فِي الأَحَادِيثِ لَمْ يَقَعْ فَقَطْ عَلَى جَانِبِ الشَّرْكِ وَذَرَائِعِهِ، وَإِنَّمَا أَيضًا عَلَى جَانِبِ المُضَاهَاةِ، وَهَذَهِ عِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَنِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، كَمَا سَبَقَ فِي
_________________
(١) وَمِثْلُهُ اتِّخَاذُ القُبُورِ مَسَاجِدَ؛ فَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ وَلَيسَ شِرْكًا؛ إِلَّا إِنْ صَحِبَهَا قَصْدُ التَّعْظِيمِ وَالتَّقَرُّبِ بِالمَقْبُورِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَفِيهِ الحَدِيثُ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». صَحِيحٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣٨٤٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. تَحْذِيرُ السَّاجِدِ (ص ٢٣).
(٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ٩١): "قَولُهُ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُورَةَ لِتُعْبَدَ -وَهُوَ صَانِعُ الأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا- فَهَذَا كَافِرٌ، وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المَعْنَى الَّذِي فِي الحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهَذَا كَافِرٌ؛ لَهُ مِنْ أَشَدّ العَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ. فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا العِبَادَةَ وَلَا المُضَاهَاةَ؛ فَهُوَ فَاسِقٌ صَاحِبُ ذَنْب كَبِيرٍ، وَلَا يَكْفُر كَسَائِرِ المَعَاصِي".
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ» (^١).
٣ - أَنَّ النَّهْيَ لَو كَانَ خَاصًّا بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى؛ لَكَانَ الامْتِهَانُ كَافِيًا فِي جَوَاز مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَهَذَا يَرُدُّهُ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الوِسَادَتَينِ اللَّتَينِ كَانَ فِيهِمَا تَصَاوِيرٌ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (^٢) فِيهَا تَصَاوِيرٌ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِالبَابِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَقُلْتُ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِمَّا أَذْنَبْتُ، قَالَ: «مَا هَذِهِ النُّمْرُقَةُ؟» قُلْتُ: لِتَجْلِسَ عَلَيهَا وَتَوَسَّدَهَا، قَالَ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ! وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ الصُورَةُ» (^٣).
٤ - أَنَّ النُّصُوصَ الَّتِي فِيهَا وجُودُ بَعْضِ الصُّوَرِ أَوِ التَّمَاثِيلِ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ جَاءَ النَّهْيُ عَنْهَا؛ هَلْ يَقَعُ فِي ظَنِّ أَحَدٍ أَنَّهَا كَانَتْ لِمَعْبُودَاتٍ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى! فَكَانَتْ أَوَّلًا مُبَاحَةً ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا لِمَا فيهَا مِنْ إِظْهَارِ عِبَادَةِ غَيرِ اللهِ تَعَالَى!! وَلَا يَخْفَى أَنَّ أَصْلَ دَعْوَةِ الرُّسُلِ هُوَ نَبْذُ الشِّرْكِ؛ فَهُوَ أَوَّلُ مَطْلُوبٍ.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧).
(٢) وَهِيَ الوِسَادَةُ.
(٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٧).
[ ٢ / ٤٨٥ ]
- المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَلَا يَكُونُ إِبْقَاءُ التَّمَاثِيلِ الَّتِي هِيَ عَلَى هَيئَةِ ذِي رَوحٍ جَائِزًا مِنْ بَابِ حِمَايَةِ الآثَارِ التَّارِيخِيَّةِ وَالتُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ؟!
وَأَلَمْ يَتْرِكِ الصَّحَابَةُ ﵃ أَهْرَامَاتِ الفَرَاعِنَةَ وَفِيهَا تَمَاثِيلُ الأَشْخَاصِ كَـ (أَبِي الهَولِ)؟
الجَوَابُ: لَا؛ لَيسَ بِجَائِزٍ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - عُمُومُ قَولِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ ﵁: «لَا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ، وَوُجُوبِ تَغْيِيرِهِ" (^٢).
٢ - أَنَّهُ عَلَى فَرْضِ أَهَمِّيَّةِ هَذِهِ الآثَارِ؛ فَإِنَّ سَدَّ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ أَولَى، لَا سِيَّمَا وَالحَالُ اليَومَ ظَاهِرٌ فِي بُعْدِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِم (^٣).
٣ - وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِكَونِ هَذِهِ التَّمَاثِيلِ مِنَ التُّرَاثِ الإِنْسَانِيِّ! فَهَذَا كَلَامٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيهِ؛ فَإِنَّ اللَّاتَ وَالعُزَّى وَهُبَلَ وَمَنَاةَ وَغَيرَهَا مِنَ الأَصْنَامِ كَانَتْ تُرَاثًا لِمَنْ يَعْبُدُهَا مِنَ العَرَبِ مِنْ أَهْلِ قُرَيشٍ وَالجَزِيرَةِ، وَهُوَ تُرَاثٌ، لَكِنَّهُ تُرَاثٌ مُحَرَّمٌ يَجِبُ إِزَالَتُهُ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَرَسُولِهِ فَالمُؤْمِنُ يُبَادِرُ إِلَى الامْتِثَالِ وَلَا يَرُدُّ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الحُجَجِ الوَاهِيَةِ! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَولَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَن يَقُولُوا
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٩٦٩).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٢).
(٣) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الأَصْنَامَ اليَومَ مَا زَالَتْ تُعْبَدُ مِنْ قِبَلِ كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ، وَاسْأَلْ -إِنْ شِئْتَ- عَنْ مَعْبُودَاتِ أَهْلِ الهِنْدِ وَاليَابَانِ وَغَيرِهَا اليَومَ مِنَ الأُمَمِ المُتَحَضِّرَةِ -زَعَمُوا-.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [النُّوُر: ٥١].
وَعَلَى هَذَا كَانَ هَدْيُ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، فقد قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ قَبْرَ دَانْيَال -فِي زَمَانِهِ بِالعِرَاقِ- أَمَرَ أَنْ يُخْفَى عَنِ النَّاسِ" (^١).
٤ - أَنَّ هَذِهِ التَّمَاثِيلَ -كَأَبِي الهَولِ مَثَلًا- لَيسَ هُنَاكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُشَاهَدَةً مَعْلُومَةً مِنْ قِبَلِ الصَّحَابَةِ!
وَقَدْ سُئِلَ المُؤَرِّخُ الزِّرِكْلِيُّ عَنِ الأَهْرَامِ وَأَبِي الهَولِ وَنَحْوِهَا: هَلْ رَآهُ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ؟ فَقَالَ: "كَانَ أَكْثَرُهَا مَغْمُورًا بِالرِّمَالِ، وَلَا سِيَّمَا أَبَا الهَولِ" (^٢).
٥ - عَلَى فَرْضِ أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً مُشَاهَدَةً مِنْ قِبَلِهِم؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُونَ إِزَالَتَهَا وَهَدْمَهَا؟! فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطُّوطَة فِي رِحْلَتِهِ (^٣) أَنَّ الخَلِيفَةَ المَأْمُونَ حَاوَلَ تَدْمِيرَ الأَهْرَامِ وَضَرَبَهَا بِالمنْجَنِيقِ وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ إِلَّا فِي إِحْدَاثِ ثُلْمٍ فِيهَا (^٤).
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥/ ١٤٧). وَالأَثَرُ صَحِيحٌ. أَورَدَهُ الرَّبَعِيُّ ﵀ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّامِ، اُنْظُرْ تَخْرِيجَ كِتَابِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥١)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ٣٠٤).
(٢) كِتَابُ (شِبْهُ جَزِيرَةِ العَرَبِ) (٤/ ١١٨٨).
(٣) رِحْلَةُ ابْنِ بَطُّوطَة (١/ ١٧).
(٤) بَلْ إِنَّهُ يُوجَدُ جَدْعٌ فِي أَنْفِ التِّمْثَالِ نَتِيجَةَ إِطْلَاقِ المَدَافِعِ عَلَيهِ إِبَّانَ الحَمْلَةِ الفَرَنْسِيَّةِ عَلَى مِصْرَ عَام (١٧٩٨ م)، وَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِ.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: مَا الأُمُورُ الَّتِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا فِي اسْتِخْدَامِ لُعَبِ الأَطْفَالِ -ذَاتِ الرُّوحِ-؟
قُلْتُ: لِيُعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الأَصْلَ فِي التَّصْوِيرِ وَاقْتِنَاءِ الصُّوَرِ التَّحْرِيمُ؛ وَأَنَّ مَا أَجَازَتْهُ الأَدِلَّةُ لَا يَعْنِي نَسْخَ التَّحْرِيمِ وَالخُرُوجَ مِنْ هَذَا الأَصْلِ مُطْلَقًا!
بَلْ يَبْقَى الجَوَازُ مُقَيَّدًا وُفْقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الأَدِلَّةُ، فَالتَّصْوِيرُ كَبْيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ (^١) -كَمَا سَبَقَ عَنِ النَّوَوِيِّ ﵀، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ الجَوَازِ بِظُرُوفِ النُّصُوصِ المُبِيحَةِ خَوفًا مِنَ التَّوَسُّعِ الغَيرِ مَحْمُودِ وَالتَّفَلُّتِ مِنْ أَصْلِ التَّحْرِيمِ.
ثُمَّ نَقُولُ: قَدْ جَاءَتْ أَدِلَّةُ جَوَازِ لُعَبِ الأَطْفَالِ بِالقُيُودِ التَّالِيَةِ -فَهْمًا وَلَيسَتْ نَصًّا- مُرَتَّبَةً مِنَ الأَعْلَى إِلَى الأَدْنَى:
١ - أَنْ تُحَقِّقَ مَصْلَحَةً لِلطِّفْلِ (^٢):
أ- إِمَّا تَرْبَوِيَّةً وَتَعْلِيمِيَّةً.
كَبَنَاتِ عَائِشَةَ ﵂، وَهِيَ مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى أُمُورِ الأُسْرَةِ وَمَا يُسَمَّى بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ اليَومَ، كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: (كُنْتُ العَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ (^٣).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ البَنَاتِ وَاللُّعَبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ البَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُورِ؛ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيعَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ
_________________
(١) وَلَا يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِالامْتِهَانِ؛ وَإِنَّمَا الَّذِي قَيَّدَهُ بِالامْتِهَانِ -بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ- هُوَ المُصَوَّرُ نَفْسُهُ، وَلَيسَ التَّصْوِيرَ -الَّذِي هُوَ صُنْعُ الصُّورَةِ-.
(٢) وَهُنَا أُورِدُ تَقْسِيمَاتٍ لِلتَّمْثِيلِ فَقَط؛ ولَيسَتْ لِلحَصْرِ.
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٦١٣٠)، وَمُسْلِمٌ (٨١).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
لِتَدْرِيبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوتِهِنَّ وَأَولَادِهِنَّ" (^١).
ب- أَو شَرْعِيَّةً.
كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَو خَيبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟» قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ؛ فَقَالَ: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ». قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: «فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!». قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيمَانَ خَيلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيتُ نَوَاجِذَهُ (^٢). فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُونِ الجِهَادِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً آنِيَّةً كَمَا فِي الفَقَرَةِ التَّالِيَةِ.
ج- أَو آنِيَّةً.
كَتَعْوِيدِهِم عَلَى الصَّبْرِ، حَيثُ تُلْهِي هَذِهِ اللُّعَبُ الأَطْفَالَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً مَا (^٣).
فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ؛ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا؛ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَومِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا؛
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٥٢٧).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٣٢). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٩٣٢).
(٣) وَأَمَّا بَعْضُ اللُّعَبِ الَّتِي لَا طَائِلَ مِنْ وَرَائِهَا كَلُعْبَةِ الدُّبِّ (الأَحْمَرِ) مَثَلًا! فَهِيَ حَتْمًا لَيسَتْ مِنْ هَذَا البَابِ، وَإِنْ كَانَ لِلأَسَفِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَقْتَنِيهَا لَيسوا مِنَ الصِّغَارِ سِنًّا؛ وَلَكِنَّهُم مِنَ الصِّغَارِ عَقْلًا! عَدَا عَنْ مَا فِيهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ في الأُنْسِ بِالوُحُوشِ.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَينَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ (^١) (^٢).
٢ - أَنْ يَكُونَ عَدَدُهَا وَتَنَوُّعُهَا بِقَدْرِ الحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيهَا الحُرْمَةُ (^٣).
٣ - أَنْ تَكُونَ مَسْتُورَةً مَخْفِيَّةً غَالِبًا، وَتُخْرَجَ وَقْتَ الحَاجَةِ عِنْدَ اللَّعِبِ بِهَا، لِأَنَّ الإِبَاحَةَ جَاءَتْ بِقَيدِ اللَّعِبِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَجْعَلُهَا ضِمْنَ خِزَانَةِ العَرْضِ الزُّجَاجِيَّةِ مَثَلًا! فَهِيَ -وَإِنْ كَانَتْ لُعْبَةَ أَطْفَالٍ- فَمَكَانُهَا هُنَاكَ لَيسَ مَكَانَ اللَّعِبِ بِهَا! بَلْ مَكَانُهَا المَطْلُوبُ هُوَ أَمَامَ الطِّفْلِ وَبَينَ يَدِيهِ.
وَتَأَمَّلْ حَدَيثَ الرُّبَيِّعِ السَّابِقَ تَجِدْهُ مِنْ هَذَا البَابِ، حَيثُ أَنَّ إِعْطَاءَ اللُّعَبِ كَانَ إِذَا بَكَى الصَبِيُّ عَلَى الطَّعَامِ، وَإِلَّا فَهِيَ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ أَصْلًا (^٤).
٤ - أَنْ تَكُونَ مَنْزِلِيَّةَ الصُّنْعِ؛ وَلَا تُشْتَرَى مِنْ خَارِجِ البَيتِ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ:
_________________
(١) قُلْتُ: إِنْ أَمْكَنَ الاسْتِغْنَاءُ عَنْ لُعَبِ البَنَاتِ بِمَا يُمَاثِلُهَا مِنَ الأَلْعَابِ الَّتِي تُحَقِّقُ الفَائِدَةَ دُونَ أَنْ تَكُونَ صُورَةً فَهُوَ أَمْرٌ حَسَنٌ، كَمِثْلِ لُعَبِ أَدَوَاتِ المَطْبَخِ وَالخِيَاطَةِ وَ، وَلَا بُدَّ لِلأُسْرَةِ المُسْلِمَةِ مِنَ السَّعْي بِاتَّجَاهِ ذَلِكَ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ حَدِيثُ لُعَبِ عَائِشَةَ السَّابِقِ مَحْمُولًا عَلَى ظَاهِرِهِ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَاهُ وَفَائِدَتِهِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهِ أُبِيحَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ، وَلَا سِيَّمَا حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ ﵂ فِي تَعْوِيدِ الصِّغَارِ عَلَى الصِّيَامِ، فَهُوَ الآنَ يَتَحَقَّقُ بِكَثيرٍ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالأَلْعَابِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَوجُودَةً سَابِقًا، خَاصَّةً وَأَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا مَعْقُولُ المَعْنَى. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١٩٦٠)، وَمُسْلِمٌ (١١٣٦).
(٣) وَلَيسَ كَبَعْضِ بُيُوتِ المُتْرَفِينَ -بَلِ الجَاهِلِينَ- يَجْعَلُونَ غُرْفَةَ الطِّفْلِ مَدِينَةً لِلصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ! فَهَلْ مِثْلُ هَذَا هُوَ الَّذِي أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ؟!
(٤) وَتَأَمَّلْ أَيضًا حَدِيثَ بَنَاتِ عَائِشَةَ -فِيمَا سَبَقَ- تَجِدُهُ مِنْ هَذَا القَبِيلِ وَفِيهِ: (فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ).
[ ٢ / ٤٩٠ ]
أ- أَنَّ المَقْصُودَ مِنْهَا: الفَائِدَةُ أَوِ التَّلْهِيَةُ وَلَيسَ المُضَاهَاةَ! كَمَا هُوَ عِنْدَ الشِّرَاءِ مِنَ خَارِجِ البَيتِ، لِأَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ حِرْفَةً تُقْصَدُ فِيهَا المُضَاهَاةُ، فَلَا بُدَّ إِذًا أَنْ تَكُونَ بَسِيطَةَ الهَيئَةِ وَالصُّنْعِ (^١).
وَالمُتَأَمِّلُ فِي النُّصُوصِ المُبِيحَةِ يَجِدُ أَنَّ هَذِهِ اللُّعَبَ لَمْ تَكُنْ وَاضِحَةَ المَعَالِمِ أَصْلًا! كَمَا يَدُلُّ عَلَيه مَثَلًا حَدِيثُ الفَرَسِ ذِي الجَنَاحَينِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الفَرَسَ كَانَ عَلَى نَحْوِ لُعَبِ صِبْيَانِ العَرَبِ -مِنَ السَّذَاجَةِ وَبَسَاطَةِ الصُّورَةِ- وَلَمْ يَكُنْ صُورَةً حَقِيقَةً، لذلك فالنَّبِيُّ ﷺ لَمّا رَآهُ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂: «مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟»، فَقَالَتْ: فَرَسٌ، فَلَو كَانَتْ صُورَةً وَاضِحَةَ المَعَالِمِ لَعَرَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى سُؤَالِ عَائِشَةَ
_________________
(١) وَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀ (١/ ١٨١) -جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ حَولَ (عَرَائِسِ البَنَاتِ) - قَالَ: "نَعَمْ؛ يَخْتَلِفُ حُكْمُ هَذِهِ الحَادِثَةِ الجَدِيدَةِ عَنْ حُكْمِ لُعَبِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ لِمَا فِي هَذِهِ الجَدِيدَةِ الحَادِثَةِ مِنْ حَقِيقَةِ التَّمْثِيلِ وَالمُضَاهَاةِ وَالمُشَابَهَةِ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى لِكَونِهَا صُوَرًا تَامَّةً بِكُلِّ اعْتِبَارٍ، وَلَهَا مِنَ المَنْظَرِ الأَنِيقِ وَالصُّنْعِ الدَّقِيقِ وَالرَّونَقِ الرَّائِعِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي حَرَّمَتْهَا الشَّرِيعَةُ المُطَهَّرَةُ، وَتَسْمِيَتُهَا لُعَبًا؛ وَصِغَرُ أَجْسَامِهَا؛ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ صُوَرًا! إِذِ العِبْرَةُ فِي الأَشْيَاءِ بِحَقَائِقِهَا لَا بِأَسْمَائِهَا. فَكَمَا أَنَّ الشِّرْكَ شِرْكٌ وَإنْ سَمَّاهُ صَاحِبُهُ اسْتِشْفَاعًا وَتَوَسُّلًا، وَالخَمْرَ خَمْرٌ وَإِنْ سَمَّاهَا صَاحِبُهَا نَبِيذًا! فَهَذِهِ صُوَرٌ حَقِيقِيَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا صَانِعُوهَا وَالمُتَاجِرُونَ فِيهَا وَالمَفْتُونُونَ بِالصُّوَرِ: لُعَبَ أَطْفَالٍ! وَفِي الحَدِيثِ: «يَجِيءُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقوامٌ يَسْتحِلُّونَ الخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيرِ اسْمِهَا». وَمَنْ زعَمَ أَنَّ لُعَبَ عَائِشَةَ صُوَرٌ حَقِيقِيَّةٌ لِذَوَاتِ الأَرْوَاحِ! فَعَلِيهِ إِقَامَةٌ الدَّلِيلِ، وَلَنْ يَجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبْيلًا، فَإِنَّهَا لَيسَتْ مَنْقُوشَةً وَلَا مَنْحُوتَةً وَلَا مَطْبُوعَةً مِنَ المَعَادِنِ المُنْطَبِعَةِ وَلَا نَحْو ذَلِكَ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ عِهْنٍ أَو قُطْنٍ أَو خِرَقٍ أَو قَصَبَةٍ أَو عَظْمٍ مَرْبُوطٍ فِي عَرْضِهِ عُودٌ مُعْتَرِضًا بِشَكْلٍ يُشْبِهُ المَوجُودَ مِنَ اللُّعَبِ فِي أَيدِي البَنَاتِ الآنَ فِي البُلْدَانِ العَرَبِيَّةِ البَعِيدَةِ عَنِ التَّمَدُّنِ وَالحَضَارَةِ مِمَّا لَا تُشْبِهُ الصُورَةَ المُحَرَّمَةَ إِلَّا بِنِسْبَةٍ بَعِيدَةٍ جِدًّا، لِمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ يُصَوِّمُونَ أَولَادَهُم؛ فَإِذَا طَلَبُوا الطَّعَامَ أَعْطَوهُم اللُّعَبَ مِنَ العِهْنِ يُعَلِّلُونَهُم بِذَلِكَ، وَلِمَا فِي سُنَنِ أَبي دَاوُدَ وَشَرْحِهَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ ذِكْرِ الفَرَسِ ذِي أَرْبَعَةِ الأَجْنِحَةِ مِنْ رِقَاعٍ -يَعْنِي مِنْ خِرَقٍ-؛ وَلِمَا عُلِمَ عَنْ حَالِ العَرَبِ مِنَ الخُشُونَةِ غَالِبًا فِي أَوَانِيهِم وَمَرَاكِبِهِم وَآلَاتِهِم آلَاتِ اللَّعِبِ وَغَيرِهَا. وَفِيمَا ذَكَرْتُ هَا هُنَا مَقْنَعٌ لِمُرِيدِ الحَقِّ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى".
[ ٢ / ٤٩١ ]
عَنْهُ! وَكَذَا الجَنَاحَان اللَّذَانِ عَلَى الفَرَسِ حَيثُ قَالَ فِيهِ: «وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيهِ؟» (^١).
بَلْ إِنَّ مِنَ الأَئِمَّةِ مَن لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ كُلَّهُ بِسَبَبِ مَا فِي الصُّورَةِ مِنَ المَعَالِمِ، فَقَدْ (قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ [يَعْنِي: الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلَ]؛ تَرَى لِلرَّجُلِ الوَصِيِّ تَسْأَلُهُ الصَّبِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهَا لُعْبَةً؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَتْ صُورَةً؛ فَلا، وَذَكَرَ فِيهِ شَيئًا، قُلْتُ: الصُّورَةُ إِذَا كَانَتْ يَدًا أَو رِجْلًا!! فَقَالَ: عِكْرِمَةُ يَقُولُ: كُلُّ شَيءٍ لَهُ رَأْسٌ فَهُوَ صُورَةٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَقَدْ يُصَيِّرُونَ لَهَا صَدْرًا وَعَينًا وَأَنْفًا وَأَسْنَانًا!! قُلْتُ: فَأَحَبُّ إِلَيكَ أَنْ يَجْتَنِبَ شِرَاءَهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) (^٢).
ب- أَنَّ غَالِبَ الدُّمَى اليَومَ -مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ- تُعَبِّرُ عَنْ عَادَاتِ مُجْتَمَعَاتِهَا، وَغَالِبُهَا مُسْتَورَدٌ مِنْ مُجْتَمَعَاتِ الكُفَّارِ، كَمَا فِي الدُّمْيَةِ المَشْهُورَةِ المُسَمَّاةِ بِـ (بَارْبِي) وَالتِي إِنْ كَانَ اقْتِنَاءُ الصُّوَرِ -جَدَلًا- حَلَالًا مُطْلَقًا؛ فَهِي وَحْدَهَا تُسْتَثْنَى لِتَكُونَ حَرَامًا لِمَا فِيهَا مِنْ نَقْلِ هَيئَةِ الكُفَّارِ فِي لِبَاسِهِم إِلَى مُجْتَمَعِنَا المُسْلِمِ، وَضِمْنَ سِيَاقِ تَعْوِيدِ البَنَاتِ لِتَكُونَ هَذِهِ الدُّمْيَةُ قُدْوَةً لَهُنَّ فِي لِبَاسِهِنَّ وَفِسْقِهِنَّ (^٣)!
وَقَدْ أَفْتَى الشَّيخُ الأَلبَانِيُّ ﵀ بِجَوَازِ اللُّعَبِ المَصْنُوعَةِ مَنْزِلِيًّا؛ دُونَ الشِّرَاءِ مِنَ الخَارِجِ (^٤).
وَبِهَذَا تَمَّتِ هَذِهِ القُيُودُ بِحَسْبِ مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَإِنْ أَصَبْتُ؛ فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ؛ فَمِنْ قُصُورِي وَضَعْفِ فَهْمِي. وَالحَمْدُ للهِ أَولًا وَآخِرًا.
_________________
(١) يُنْظَرُ: (إِعْلَانُ النَّكِيرِ عَلَى المَفْتُونِينَ بِالتَّصْوِيرِ) لِحُمُود التّوِيجري (ص ١٠١).
(٢) يُنْظَرُ: (الوَرَعُ لِأَحْمَدَ) بِرِوَايَةِ المَرْوَزِيّ (ص ١٥٤) بَابُ: كَرَاهِيَةُ شِرَاءِ اللُّعَبِ وَمَا فِي الصُّوَرِ.
(٣) وَلَيسَتْ أَيضًا دُمْيَةُ (فُلَّة) بِالخَالِيَةِ مِنَ العُيُوبِ -وَإِنْ كَانَتْ أَهْوَنَ مِنَ السَّابِقَةِ- وَذَلِكَ لِوُجُودِ بَعْضِ المُخَالَفَاتِ فِيهَا لِلمُتَأَمِّلِ مِنْ (أَحْمَرِ الشِّفَاهِ، وَالكُمِّ الوَاسِعِ، وَ…).
(٤) أَشْرِطَةُ فَتَاوَى جَدَّة (١٤/ب).
[ ٢ / ٤٩٢ ]