عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؟! فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَو لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». أَخْرَجَاهُ (^١).
وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ» (^٢).
وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ؛ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (^٣).
وَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا؛ كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ» (^٤).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ؛ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: (أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا؛ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ) (^٥).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٥٩٥٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١١١).
(٢) البُخَارِيُّ (٥٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (٢١٠٧).
(٣) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥) بِلَفْظٍ قَرِيبٍ، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠). وَالحَدِيثُ فِي مُسْلِمٍ بِلَفْظِ البِنَاءِ لِلفَاعِلِ: «يَجْعَلُ لَهُ»، وَأَمَّا بِلَفْظِ المُصَنِّفِ؛ فَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ (٢٨١٠).
(٤) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).
(٥) مُسْلِمٌ (٩٦٩).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: التَّغْلِيظُ الشَّدِيدُ فِي المُصَوِّرِينَ.
الثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ، وَهُوَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ؛ لِقَولِهِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي».
الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَجْزِهِمْ؛ لِقَولِهِ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَو شَعِيرَةً».
الرَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا.
الخَامِسَةُ: أَنَّ اللهَ يَخْلُقُ بِعَدَدِ كُلِّ صُورَةٍ نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا المُصَوِّرُ فِي جَهَنَّمَ.
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ.
السَّابِعَةُ: الأَمْرُ بِطَمْسِهَا إِذَا وُجِدَتْ.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ هُوَ مِنْ جِهَتَينِ:
١ - أَنَّ التَّصْوِيرَ فِيهِ تَرْكٌ لِلأَدَبِ مَعَ اللهِ تَعَالَى.
حَيثُ جَعَلَ المُصَوِّرُ نَفْسَهُ مُضَاهِيًا للهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الخَلْقِ، كَمَا فِي قَولِ المُصَنِّفِ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "التَّنْبِيهُ عَلَى العِلَّةِ؛ وَهُوَ تَرْكُ الأَدَبِ مَعَ اللهِ؛ لِقَولِهِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» ".
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "قَالَ عِكْرِمَةُ فِي قَولِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأَحْزَاب: ٥٨]: نَزَلَتْ فِي المُصَوِّرِينَ" (^١).
٢ - أَنَّ التَّصْوِيرَ هُوَ مِنْ ذَرَائِعِ الشِّرْكِ.
كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ العَبْدُ الصَّالِحُ؛ بَنَوا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ؛ أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ» (^٢).
- قَولُهُ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (مَنْ): اسْمُ اسْتِفْهَامٍ؛ وَالمُرَادُ بِهِ النَّفْيُ؛ أَي: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنَ النَّهْي المَحْضِ.
- قَولُهُ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» الخَلْقُ: يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ مَعْنَيَينِ: التَّقْدِيرُ، وَالفِعْلُ.
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٦/ ٤٨٠).
(٢) البُخَارِيُّ (٤٣٤).
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وَالأَخِيرُ هُوَ المَقْصُودُ هُنَا.
- قَولُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا» اللَّامُ لِلأَمْرِ، وَلَكِنَّ المُرَادَ بِهِ التَّحَدِّي وَالتَّعْجِيزُ.
- قَولُهُ: «فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» الذَّرَّةُ: وَاحِدَةُ الذَّرِّ، وَهِيَ النَّمْلُ الصِّغَارُ.
- قَولُهُ: «أَو لِيَخْلُقُوا حَبَّةً» (أَو) لِلتَّنْوِيعِ، حَيثُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحَدِّي بِخَلْقِ الحَيَوَانِ ذِي الرُّوحِ إِلَى خَلْقِ الحَبَّةِ الَّتِي لَيسَ لَهَا رَوحٌ.
- قَولُهُ: «الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللهِ» (يُضَاهِئُونَ) أَي: يُشَابِهُونَ اللهَ فِي خَلْقِهِ وَفِعْلِهِ، يَعْنِي: أَنَّهُم يُصَوِّرُونَ الصُّوَرَ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ جَلَّ وَعَلَا -وَلَيسَ للهِ مَثِيلٌ فِي الخَلْقِ، وَلَيسَ لَهُ نَظِيرٌ يَخْلُقُ كَخَلْقِهِ-، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُم أَسَاءُوا الأَدَبَ مِعَ اللهِ تَعَالَى، وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُم بِمَنْزِلَةِ المُشَارِكِ للهِ جَلَّ وَعَلَا فِي صِفَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ -تَعَالَى اللهُ وَتَقَدَّسَ-.
- قَولُهُ: «يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» أَي أَنَّ عَذَابَهُ يَتَضَاعَفُ بِعَدَدِ الصُّوَرِ الَّتِي صَوَّرَهَا.
- قَولُهُ: «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ» أي أنه يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِي كُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا حَتَّى تَكُونَ حَيَّةً، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ، وَتَكْلِيفُهُ لَا يَنْقَطِعُ؛ فَيَسْتَمِرُّ عَذَابُهُ.
- فِي قَولِهِ: «يَخْلُقُ كَخَلْقِي» جَوَازُ إِطْلَاقِ صِفَةِ الخَلْقِ عَلَى غَيرِ اللهِ، وَلَكِنَّ الخَلْقَ مِنَ العَبْدِ هُوَ بِمَعْنَى التَّصْيِيرِ وَلَيسَ بَمَعْنَى الإِيجَادِ مِنَ العَدَمِ! هَذَا مَعَ الفَارِقِ بَينَ أَنَّ خَلْقَ اللهِ تَامٌّ؛ وَخَلْقَ العَبْدِ وَتَصْوِيرَهُ نَاقِصٌ، فَهُوَ خَالٍ مِنَ الحَيَاةِ؛ سَوَاءً كَانَ المُصَوَّرُ ذَا رَوحٌ أَو لَا، وَقَد جَعَلَهُمُ اللهُ تَعَالَى قَادِرِينَ عَلَى هَذَا التَّصْيِيرِ (^١).
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَاريِّ (٢/ ٦٩٢): "وَمُرَادُ =
[ ٢ / ٤٣٧ ]
- قَولُهُ: «أَلَّا تَدَعَ صُورَة إِلَّا طَمَسْتَهَا» الصُورَةُ هُنَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي فَتَعُمُّ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ -وَهُوَ الصَّوَابُ- عَلَى أَنَّ المُحَرَّمَ هُوَ صُوَرُ الحَيَوَانِ فَقَط دُونَ الشَّجَرِ وَالجَمَادِ، لِمَا وَرَدَ فِي الحَدِيثِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ؛ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ» (^١).
- هَذَا الطَّمْسُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الصُورَةِ، فَمَا كَانَ بِالتَّلْوِينِ وَالرَّسْمِ وَلَيسَ لَهُ ظِلٌّ؛ فَطَمْسُهُ يَكُونُ بِوَضْعِ لَونٍ آخَرَ عَلَيهِ، وَمَا كَانَ مَنْحُوتًا بِالنَّقْشِ فَيَكُونُ بِالنَّحْتِ فَوقَهُ، وَمَا كَانَ مُجَسَّمًا لَهُ ظِلٌّ؛ فَإِنَّهُ يُكْسَرُ رَأْسُهُ.
وَمِمَّا يَجْدُرُ التَّنْبِيهُ إِلَيهِ أَنَّهُ "لَيسَ مَعْنَى طَمْسِ الصُورَةِ -كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجُهَّالِ أَوِ المُتَحَيِّلِينَ- أَنَّهُ يَجْعَلُ خَطًّا فِي عُنُقِ الصُورَةِ فَيُصْبِحَ كَالطَّوقِ! لِأَنَّ الطَّمْسَ أَنْ تُزِيلَ الرَّأْسَ إِمَّا بِقَطْعِهِ، وَإِمَّا بِتَلْطِيخِهِ وَإِخْفَائِهِ تَمَامًا" (^٢).
- لَمْ يُفَرِّقِ الحَدِيثُ بَينَ مَا كَانَ يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ وَبَينَ غَيرِهِ، وَلَا بَينَ مَا كَانَ لَهُ ظِلٌّ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَلَا بَينَ مَا كَانَ مُمْتَهَنًا وَبَينَ غِيرِهِ، وَلَا يَقَعُ الاسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّهْي إِلَّا
_________________
(١) = البُخَارِيِّ ﵀ نِسْبَةُ الخَلْقِ إِلَيهِم فِعْلًا لَهُمْ حَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُم مَخْلُوقُونَ للهِ تَعَالَى، فَاللهُ خَالِقُهُم وَخَالِقُ أَفْعَالِهِم، وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُم فَاعِلِينَ قَادِرِينَ عَلَى فِعْلِهِم بِاخْتِيَارِهِم وَقُدْرَتِهِم الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ فِيهِم، وَلِهَذَا عَذَّبَهُم عَلَى ذَلِكَ، وَلَو لَمْ يَكُنْ فِعْلًا لَهُمْ حَقِيقَةً مَا عُذِّبُوا عَلَيهِ".
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤١٥٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦). وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَقَالَ لِي: أَتَيتُكَ البَارِحَةَ؛ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُوْنَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى البَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ قِرَامَي سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي البَيتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ؛ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَينِ مَنْبُوذَتَينِ تُوْطَآنِ، وَمُرْ بِالكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ».
(٣) إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ (٢/ ٣٧٣).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وُفْقَ مَا اسْتَثْنَاهُ الحَدِيثُ (^١).
- قَولُهُ: «وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ» أَي: سَوَّيتَهُ بِمَا حَولَهُ مِنَ القُبُورِ، أَو جَعَلْتَهُ حَسَنًا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الشَّرِيعَةُ، وَلَيسَ المَعْنَى أَنْ تُسَوِّيَهُ بِالأَرْضِ! لِأَنَّ هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ (^٢).
- مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ القَبْرِ المُشْرِفِ مَعَ الصُّوَرِ أَنَّ كِلَيهِمَا قدْ يُتَّخَذُ وَسِيلَةً إِلَى الشِّرْكِ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ فِي قَومِ نُوحٍ أَنَّهُم صَوَّرُوا صُوَرَ رِجَالٍ صَالِحِينَ؛ فَلَمَّا طَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ عَبَدُوهَا! وَكَذَلِكَ القُبُورُ المُشْرِفَةُ قَدْ يَزْدَادُ فِيهَا الغُلُوُّ حَتَّى تُجْعَلَ أَوثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ!
- أَبُو الهَيَّاجِ: هُوَ حَيَّانُ بْنُ حُصَينٍ؛ الأَسَدِيُّ الكُوفِيُّ، ثِقَةٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الوُسْطَى مِنَ التَّابِعِينَ، (ت ٨٠ هـ).
- حُكْمُ التَصْوِير
هُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، وَقَدْ يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ مُخْرِجًا مِنَ المِلَّةِ، فَهُمَا حَالَتَانِ
_________________
(١) كَتَصْوِيرِ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَمَا لَيسَ لَهُ رَوحٌ، وَمَا كَانَ مُمْتَهَنًا -عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ-، وَسَيَأْتِي فِي المُلْحَقِ التَّالِي لِلبَابِ ذِكْرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(٢) كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٢/ ١٠٢): بَابُ مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: (أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا). وَسُفْيَانُ هَذَا هُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ؛ كَمَا فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٥٧). وَأَيضًا كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ الحِدَ لَهُ لَحْدٌ، وَنُصِبَ اللَّبِنُ نَصْبًا، وَرُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الأَرْضِ نَحْوًا مِنْ شِبْرٍ). رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٦٦٣٥)، وَالبَيهَقِيُّ فِي الكُبْرَى (٣/ ٥٧٦) وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. أَحْكَامُ الجَنَائِزِ (ص ١٥٣). وَفِي التِّرْمِذِيِّ (٢/ ٣٥٨) عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «ولَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ» قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "أَكْرَهُ أَنْ يُرْفَعَ القَبْرُ إِلَّا بِقَدْرِ مَا نَعْرِفُ أَنَّه قَبْرٌ، لِكَي لَا يُوطَأَ وَلَا يُجْلَسَ عَلَيهِ".
[ ٢ / ٤٣٩ ]
ذَكَرَهُمَا الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
قَالَ ﵀: "قَولُهُ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» قِيلَ: هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ الصُورَةَ لِتُعْبَدَ، وَهُوَ صَانِعُ الأَصْنَامِ وَنَحْوِهَا؛ فَهَذَا كَافِرٌ، وَهُوَ أَشَدُّ عَذَابًا، وَقِيلَ: هِيَ فِيمَنْ قَصَدَ المَعْنَى الَّذِي فِي الحَدِيثِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ؛ فَهَذَا كَافِرٌ، لَهُ مِنْ أَشَدّ العَذَابِ مَا لِلْكُفَّارِ، وَيَزِيدُ عَذَابُهُ بِزِيَادَةِ قُبْحِ كُفْرِهِ.
فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا العِبَادَةَ وَلَا المُضَاهَاةَ؛ فَهُوَ فَاسِقٌ صَاحِبُ ذَنْبٍ كَبِيرٍ، وَلَا يَكْفُرُ كَسَائِرِ المَعَاصِي" (^١).
قَالَ الحَافِظُ الهَيتَمِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ) مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: "بَابٌ فِي شِرْطِ الشَّاهِدِ: أَمَّا ذُو حِرْفَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَمُنَجِّمٍ وَمُصَوِّرٍ؛ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُطْلَقًا" (^٢).
- عُقُوبَةُ المُصَوِّرِ:
١ - أَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا.
٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَهُ فِي كُلِّ صُورَة نَفْسًا يُعَذَّبُ بِهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
٣ - أَنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ؛ وَلَيسَ بِنَافِخٍ!
٤ - أَنَّهُ فِي النَّارِ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ؛ لَهُ عَينَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ
_________________
(١) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٩١).
(٢) تُحْفَةُ المُحْتَاجِ (١٠/ ٢٢٦).
[ ٢ / ٤٤٠ ]
إِلَهًا آخَرَ، وَبِالمُصَوِّرِينَ» (^١).
٥ - أَنَّهُ مَلْعُونٌ.
كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيفَةَ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ وَثَمَنِ الكَلْبِ وَكَسْبِ البَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوشِمَةَ وَالمُصَوِّرَ) (^٢).
جُمْلَةٌ مِنَ الفَوَائِدِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَابِ
- فَائِدَة ١: فِي الحَدِيثِ: «الصُورَةُ الرَّأْسُ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا صُورَةَ» (^٣).
وَمِمَّا "يَشْهَدُ لَهُ قَولُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ …» الحَدِيثُ، وَفِيهِ: «فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي البَيتِ يُقْطَعُ فَيَصِيرُ كَهَيئَةِ الشَّجَرَةِ …» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَطْعَ رَأْسِ الصُّورَةِ -أَي: التِّمْثَالَ المُجَسَّمَ- يَجْعَلُهُ كَـ لَا صُورَةٍ» " (^٤).
وَعَلَيهِ فَلَو صُوِّرَ شَيءٌ مِنَ الجَسَدِ بِلَا رَأْسٍ جَازَ، بِخِلَافِ تَصْوِيرِ الرَّأْسِ وَحْدَهُ دُونَ جَسَدٍ؛ فَإِنَّهُ يَبْقَى مَنْهِيًّا عَنْهُ لِدِلَالَةِ الحَدِيثِ.
وَفِي مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلِ الشَّيخِ ﵀: "التَّصْوِيرُ النِّصْفِيُّ لَا إِشْكَالَ عِنْدِي فِي أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ وَإِنْ كَانَ ذَهَبَ نَزْرٌ قَلِيلٌ إِلَى القَولِ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ أَخَفَّ مِنَ الكَامِلِ لِأَجْلِ هَذَا القَولِ، وَأَمَّا أَنَا؛ فَلَا إِشْكَالَ
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٥٧٤) عَنْ أَبي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٥١٢).
(٢) البُخَارِيُّ (٥٩٦٢).
(٣) صَحِيحٌ. الإسْمَاعِيلِيُّ فِي مُعْجَمِهِ (٢/ ٦٦٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٢١).
(٤) الصَّحِيحَةُ (٤/ ٥٥٤).
[ ٢ / ٤٤١ ]
عِنْدِي فِيهِ، لِأَنَّ الوَجْهَ هُوَ المَقْصُودُ" (^١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّ الصُورَةَ إِذَا قُطِعَ رَأْسُهَا ارْتَفَعَ المَانِعُ" (^٢).
عِلْمًا أَنَّهُ يُقْصَدُ أَحْيَانًا بِالصُورَةِ: الوَجْهُ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُعْلَّمَ الصُورَةُ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُضْرَبَ» (^٣).
- فَائِدَة ٢: قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِيمَنْ "يَقْتَنِي الصُّوَرَ لَا لِرَغْبَةٍ فِيهَا إِطْلَاقًا؛ وَلَكِنَّهَا تَأْتِي تَبَعًا لِغَيرِهَا كَالتِي تَكُونُ فِي المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ وَلَا يَقْصِدُهَا المُقْتَنِي، وَإِنَّمَا يَقْصُدُ مَا فِي هَذِهِ المَجَلَّاتِ وَالصُّحُفِ مِنَ الأَخْبَارِ وَالبُحُوثِ العِلْمِيَّةِ وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لِأَنَّ الصُّوَرَ فِيهَا غَيرُ مَقْصُودَةٍ، لَكِنْ إِنْ أَمْكَنَ طَمْسُهَا بِلَا حَرَجٍ وَلَا مَشَقَّةٍ؛ فَهُوَ أَولَى" (^٤).
- فَائِدَة ٣: يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِالبِسَاطِ أَوِ الثَّوبِ الَّذِي فِيهِ الصُورَةُ بِشَرْطِ طَمْسِ الوَجْهِ فِيهَا، أَو تَقْطِيعِهِ بِمَا تَذْهَبُ بِهِ مَعَالِمُ الصُورَةِ -لَاسِيَّمَا الرَّأْسَ-، وَلَا يَكْفِي كَونُهُ مُمْتَهَنًا!
وَدَلَّ لِذَلِكَ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَفِيهِ: (أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَعَرَفَ صَوتَهُ فَقَالَ: «ادْخُلْ»، فَقَالَ: إِنَّ فِي البَيتِ سِتْرًا فِي الحَائِطِ فِيهِ تَمَاثِيلُ! فَاقْطَعُوا
_________________
(١) مَجْمُوعِ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (١/ ١٩٠).
(٢) الفَتْحُ (١٠/ ٣٨٨).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٥٤١)، وَلْفُظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ (٥٩٩١): (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ضَرْبِ الوَجْهِ).
(٤) القَولُ المُفِيدُ (٢/ ٤٥٠).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
رُؤُوسَهَا فَاجْعَلُوهَا بِسَاطًا أَو وَسَائِدَ فَاوطَئُوهُ؛ فَإِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ تَمَاثِيلُ) (^١).
- فَائِدَة ٤: نَفْسُ التَّصْوِيرِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ اقْتِنَاءِ الصُورَةِ، وَذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِيهِ مِنْ نُصُوصِ الوَعِيدِ (^٢).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَالَ أَصْحَابنَا وَغَيرُهُمْ مِنَ العُلَمَاءِ: تَصْوِيرُ صُورَةِ الحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ، وَهُوَ مِنَ الكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيهِ بِهَذَا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ المَذْكُورِ فِي الأَحَادِيثِ، وَسَوَاءً صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَو بِغَيرِهِ؛ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى، وَسَوَاءً مَا كَانَ فِي ثَوبٍ أَو بِسَاطٍ أَو دِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ أَو فَلْسٍ أَو إِنَاءٍ أَو حَائِطٍ أَو غَيرهَا.
وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الإِبِلِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَلَيسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَصْوِيرِ.
وَأَمَّا اتِّخَاذُ المُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ؛ فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَو ثَوبًا مَلْبُوسًا
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٨٠٧٩) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
(٢) أَمَّا التَّحْنِيطُ فَلَيسَ فِيهِ مَحْذُورٌ، وَيَجُوزُ اقْتِنَاءُ المُحَنَّطِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ. فِي فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ -شَرِيط (ب/١٢) - مِنْ فَتَاوَى الشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "السُؤَالُ: مَا هُوَ حُكْمُ تَحْنِيطِ الحَيَوَانَاتِ كَالأَفْعَى وَغَيرِهَا؟ الجَوَابُ: كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْ هَذَا، وَالجَوَابُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ التَّحْنِيطُ لِلحَيَوَانِ -وَهُوَ حَيٌّ- فَفِيهِ تَعْذِيبٌ؛ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ المَوتِ؛ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ. السَّائِلُ: وَالمُحَنَّطُ هَلْ يُوضَعُ فِي البَيتِ؟ الشَّيخُ: مَا فِي مَانِع، لِأَنَّ هَذَا لَيسَ صُورَةٌ". قُلْتُ: وَقَصْدُ الشَّيخِ ﵀ أَنَّهَا لَيسَتِ الصُّورَةَ الَّتِي صَوَّرَهَا العَبْدُ -وَالَّتِي جَاءَ فِيهَا النَّهْيُ- وَإِنَّمَا هِيَ الصُّورَةُ الَّتِي صَوَّرَهَا الرَّحْمَنُ تَعَالَى. وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
أَو عِمَامَةً وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعَدّ مُمْتَهَنًا؛ فَهُوَ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا -مِمَّا يُمْتَهَنُ- فَلَيسَ بِحِرَامٍ (^١) " (^٢).
- فَائِدَة ٥: بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حُكْمِ التَصْوِيرِ أَو حُكْمِ اقْتِنَاءِ الصُّوَرِ؛ فَإِنَّ مَا عَمَّ اليَومَ مِنْ دُخُولِ جِهَازِ التِّلْفَازِ وَ"الدِّشِّ" هُوَ مِنْ أَكْثَرِ الأَخْطَارِ الَّتِي تُهَدِّدُ سَلَامَةَ البُيُوتِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الفِتَنِ -رُغْمَ مَا فِيهَا مِنَ الحَسَنَاتِ بِدَرَجَةٍ أَقَلَّ-، وَذَلِكَ لِتَنَوُّعِ وَسَائِلِ الإِغْرَاءِ فِيهِ لِلرَّجُلِ وَلِلمَرْأَةِ وَلِلطِّفْلِ مِنْ مَشَاهِدَ وَمَعَازِفَ، وَمَا فِيهَا مِنْ أَفْكَارٍ قَبِيحَةٍ مُسْتَورَدَةٍ مِنْ بِلَادِ الكُفْرِ، وَأَيضًا لِسُرْعَةِ الافْتِتَانِ بِهِ لِسُهْولَةِ تَولِيفِهِ لِلصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ (^٣)، لِذَلِكَ فَالأَولَى التَّخَلُّصُ مِنْهُ وَعَدَمُ احْتِوَاءِهِ أَصْلًا (^٤).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀: "كَمَا أَنَّنِي -بِالمُنَاسَبَةِ- أُحَذِّرُ صَاحِبَ كُلِّ بَيتٍ مِنْ أَنْ يَضَعَ فِي بَيتِهِ مِثْلَ هَذَا "الدِّشِّ" لِأَنَّهُ سَوفَ يَخْلُفُهُ بَعْدَ مَوتِهِ، فَيَكُونُ وَبَالًا عَلَيهِ
_________________
(١) قُلْتُ: وَأَمَّا هَذِهِ الأَخِيرَةُ؛ فَالرَّاجِحُ فِيهَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا مَشْمُولَةٌ بِالنَّهِي، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيهَا فِي المَسَائِلِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨١).
(٣) وَيَنْدُرُ أَنْ تَجِدَ بَيتًا فِيهِ أَجْهِزَةُ التِّلْفَازِ وَ"الدِّشِّ" وَأَهْلُهَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الفَجْرِ فِي وَقْتِهَا! وَذَلِكَ لِبَقَائِهِم أَمَامَهَا إِلَى مَا بَعْدِ مُنْتَصَفِ اللَّيلِ.
(٤) أَقُولُ: وَمَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهِ أَو صَعُبَ عَلَيهِ؛ فَلَا أَقَلَّ مِنْ ضَبْطِهِ عَلَى القَنَوَاتِ الخَالِيَةِ مِنَ المَعَاصِي مِنْ أَفْلَامٍ وَتَمْثِيلِيَّاتٍ وَأَغَانِي وَغَيرِهَا ضِمْنَ خِطَّةِ إِزَالَتِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ، مَعَ مُحَاوَلَةِ تَأْمِينِ البَدِيلِ النَّظِيفِ -كَأَجْهِزَةِ الحَاسُوبِ- وَالتِي تَخْتَلِفُ عَنِ "الدِّشِّ" بِكَونِهَا لَا تَعْرِضُ إِلَّا مَا تَضَعُ أَنْتَ فِيهَا، أَمَّا مَا كَانَ فِيهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ فَيَحْتَاجُ إِلَى زَمَنٍ أَطْوَلَ لِلوصُولِ إِلَيهِ وَالبَحْثِ عَنْهُ، عَدَا عَنْ كَونِهِ أَصْلًا هُوَ جِهَازٌ تَفَاعُلِيٌّ مُعَدٌّ لِلتَّعْلِيمِ وَالعَمَلِ وَغَيرِهِمَا مِنَ الأَشْيَاءِ المُفِيدَةِ؛ وَإِلَّا صَارَ مِثْلَ الأَوَّلِ فِي الحَظْرِ!
[ ٢ / ٤٤٤ ]
فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِنِّي أَسْأَلُ وَاضِعَ "الدِّشِّ" فِي بَيتِهِ وَهُوَ يَرَى هَذِهِ المُنْكَرَاتِ الَّتِي تُبَثُّ مِنْهُ؛ هَلْ هُوَ بِهَذَا نَاصِحٌ لِأَهْلِ بَيتِهِ أَو غَاشٌّ لَهُمْ؟ وَالجَوَابُ وَلَا بُدَّ: إِنَّهُ غَاشُّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ طَبَعَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَلَا يَحِسُّ! لَكِنْ سَيَقُولُ: إَنَّهُ غَاشٌّ، فَأَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ قَولَ الرَّسُولِ ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً؛ يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ» (^١).
فَأَنْتَ الآنَ إِذَا مِتَّ وَقَدْ وَضَعْتَ لِأَهْلِكَ هَذَا "الدِّشَّ" الَّذِي لَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ غِشٌّ فِي البَيتِ، لِأَنَّ البَيتَ فِيهِ نِسَاءٌ، وَفِيهِ سُفَهَاءٌ صِغَارٌ؛ لَا يَتَحَاشَونَ الشَّيءَ المُحَرَّمِ! فَأَنْتَ بِهَذَا: مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ غَاٌّش لِرَعِيَّتِهِ! فَتَكُونُ أَهْلًا لِلوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي جَاءَ فِي الحَدِيثِ؛ وَإِلَّا فَكَيفَ يَلِيقُ بِالإِنْسَانِ أَنْ يُدَمِّرَ أَخْلَاقَهُ وَأَخْلَاقَ أَهْلِهِ؟! " (^٢).
- فَائِدَة ٦: اشْتُهِرَ فِي هَذَا الزَّمَنِ مَا يُسَمَّى بِالرَّسْمِ الهَزَلِيِّ "الكَارِيكَاتُورِيِّ"، وَهَذَا النَّوعُ أَشَدُّ قُبْحًا وَتَحْرِيمًا مِنْ غَيرِهِ، لِأَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى حُرْمَةِ التَّصْوِيرِ بِكَونِهِ يَتَضَمَّنُ السِّخْرِيَةَ بِخَلْقِ اللهِ تَعَالَى بِتَشْوِيهِ الخِلْقَةِ لِيَكُونَ مُضْحِكًا!
وَفِي الحَدِيثِ: «وَيلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ القَومَ، وَيلٌ لَهُ، وَيلٌ لَهُ» (^٣).
- فَائِدَة ٧: تَحْرِيمُ بَيعِ الصُّوَرِ فَرْعٌ عَنْ تَحْرِيمِ نَفْسِ التَّصْوِيرِ.
فَفِي الأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ؛ إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا
_________________
(١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٤٢) عَنْ مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا.
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى وَالرَّسَائِلِ لِلشَّيخِ ابْنِ عُثَيمِين ﵀ (١٥/ ٣٠).
(٣) حَسَنٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٩٩٠) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيدَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧١٣٦).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ! فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً؛ فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيحَكَ! إِنْ أَبَيتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ؛ فَعَلَيكَ بِهَذَا الشَّجَرِ؛ كُلِّ شَيءٍ لَيسَ فِيهِ رُوحٌ (^١).
فَفِيهِ دَلِيلٌ أَيضًا عَلَى تَحْرِيمِ بَيعِ صُوَرِ ذَوَاتِ الرُّوحِ عُمُومًا.
قَالَ البُخَارِيُّ ﵀ -فِي تَبْوِيبِهِ عَلَى الحَدِيثِ السَّابِقِ-: "بَابُ بَيعِ التَّصَاوِيرِ الَّتِي لَيسَ فِيهَا رُوحٌ، وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ" (^٢).
- فَائِدَة ٨: تَأَمَّلْ كَيفَ أَنَّ رَسُولَنَا الكَرِيمَ ﷺ لَا تَجِدُ لَهُ صُورَةً وَاحِدَةً لَا مَرْسُومَةً عَلى وَرَقٍ! وَلَا مَنْقُوشَةً عَلَى حَائِطٍ! وَلَا مَنْحُوتَةً مِنْ حَجَرٍ! بَلْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ﵃! بَلْ وَلَا عَنِ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ! وَلَكِنَّكَ تَجِدُ رُسُومًا وَنُقُوشًا لِلفَرَاعِنَةِ وَغَيرِهِم وَهُمْ قَبْلَهُم بِآلَافِ السَّنَوَاتِ! إِلَّا أَنَّ جَوَابَ ذَلِكَ هُوَ بِسَبَبِ الإِسْلَامِ وَمَا هُوَ مَعْلُومٌ قَطْعًا مِنْ حُكْمِ الإِسْلَامِ فِي التَّصْوِيرِ، وَمَعْرِفَةِ مَا كَانَتْ عَلَيهِ الأُمَمُ المَاضِيَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِسَبَبِ التَّصْوِيرِ.
- فَائِدَة ٩: فِي البُخَارِيِّ عَنْ أَبي طَلْحَةَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ» (^٣)، وَلَكِنَّ المَلَائِكَةَ الَّتِي لَا تَدْخُلُ إِنَّمَا هِيَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيكِ وَلَيسَتِ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢٢٢٥)، وَمُسْلِمٌ (٢١١٠).
(٢) البُخَارِيُّ (٣/ ٨٢).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٩٥٨).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
المَلَائِكَةَ الحَفَظَةَ! وَأَيضًا إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَحْرُمُ مِنَ الاقْتِنَاءِ لَا لِمَا اسْتُثْنِيَ.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "وَأَمَّا هَؤُلَاءِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُونَ بَيتًا فِيهِ كَلْبٌ أَو صُورَةٌ؛ فَهُمْ مَلَائِكَةٌ يَطُوفُونَ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّبْرِيكِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَمَّا الحَفَظَةُ فَيَدْخُلُونَ فِي كُلّ بَيتٍ، وَلَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ فِي كُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِإِحْصَاءِ أَعْمَالِهِمْ وَكِتَابَتهَا.
قَالَ الخَطَّابِيُّ: وَإِنَّمَا لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ كَلْبٌ أَو صُورَةٌ مِمَّا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ مِنَ الكِلَابِ وَالصُّوَرِ، فَأَمَّا مَا لَيسَ بِحِرَامٍ مِنْ كَلْبِ الصَّيدِ وَالزَّرْعِ وَالمَاشِيَةِ وَالصُورَةِ الَّتِي تُمْتَهَنُ فِي البِسَاطِ وَالوِسَادَةِ وَغَيرِهِمَا؛ فَلَا يَمْتَنِع دُخُولُ المَلَائِكَةِ بِسَبَبِهِ (^١).
وَأَشَارَ القَاضِي إِلَى نَحْوِ مَا قَالَهُ الخَطَّابِيُّ، وَالأَظْهَر أَنَّهُ عَامٌّ فِي كُلِّ كَلْبٍ، وَكُلِّ صُورَةٍ، وَأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الجَمِيعِ لِإِطْلَاقِ الأَحَادِيثِ، وَلِأَنَّ الجِرْوَ الَّذِي كَانَ فِي بَيتِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ السَّرِيرِ كَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ ظَاهِرٌ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْلَم بِهِ، وَمَعَ هَذَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ ﷺ مِنْ دُخُولِ البَيتِ وَعَلَّلَ بِالجِرْوِ! فَلَو كَانَ العُذْرُ فِي وُجُودِ الصُورَةِ وَالكَلْبِ لَا يَمْنَعهُمْ لَمْ يَمْتَنِعْ جِبْرِيلُ. وَالله أَعْلَمُ" (^٢).
قُلْتُ: وَكَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ للهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ فُضُلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ؛ فَإِذَا وَجَدُوا قَومًا يَذْكُرُونَ اللهَ تَنَادَوا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ، فَيَحُفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٣).
_________________
(١) وَسَيَأْتِي مَعَنَا قَرِيبًا فِي المُلْحَقِ التَّالِي مَسْأَلَةٌ فِي حُكْمِ الصُّوَرِ المُمْتَهَنَةِ.
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ٨٤).
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٧٤٢٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٦٠٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٤٠)، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَينِ أَيضًا.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وَأَيضًا -تَعْلِيقًا عَلَى تَوجِيهِ النَّوَوِيِّ ﵀ الأَخِيرِ-: وَلَكِنْ فِي الحَدِيثِ: «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا -إِلَّا كَلْبًا ضَارِيًا لِصَيدٍ أَو كَلْبَ مَاشِيَةٍ-؛ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ» (^١).
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "السَّادِسُ: تَحْرِيمُ اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِأَنَّهُ أَيضًا سَبَبٌ يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ، وَهَلْ يَمْنَعُ لَو كَانَ كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَو صَيدٍ؟ الظَّاهِرُ: لَا؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الصُّورَةَ إِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً لَا تَمْنَعُ أَيضًا مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقْتَنِي لُعَبَ البَنَاتِ، وَتَلْعَبُ بِهَا هِيَ وَرَفِيقَاتُهَا عَلَى مَرْآةٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهَا عَلَيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ وَغَيرِهِ، فَلَو كَانَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ دُخُولِ المَلَائِكَةِ لَمَا أَقَرَّهَا ﷺ عَلَيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (^٢).
قُلْتُ: وَلَكِنَّ إِطْلَاقَ الإِمَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ فِي مَنْعِ دُخُولِ المَلَائِكَةِ قَدْ يَكُونُ مُتَّجِهًا وَصَحِيحًا بِالنِّسْبَةِ لِكَلْبِ الصَّيدِ وَالمَاشِيَةِ فِي البَيتِ، لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أُبِيحُوا وُفْقَ وَجْهِ اسْتِعْمَالِهِم، بِمَعْنَى أَنَّ كَلْبَ المَاشِيَةِ لَا يَلْزَمُ مِنِ اقْتِنَائِهِ إِدْخَالُهُ البَيتَ! وَكَذَا كَلْبُ الزَّرْعِ؛ فَكُلٌّ مَكَانُهُ فِي المَزْرَعَةِ أَو فِي البَرِّ حَيثُ الصِّيدِ لَا فِي البَيتِ! وَاللهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٤٨١)، وَمُسْلِمٌ (١٥٧٤) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
(٢) الصَّحِيحَةُ (٣٥٦).
[ ٢ / ٤٤٨ ]
مسألة: كيف الجمع بين حديث: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» وَبَينَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البَقَرَة: ١١٤]، وَقَولِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأَنْعَام: ٢١] وَغَيرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلًا مَا هُوَ الأَظْلَمُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّهَا جَمِيعَهَا مَرَدُّهَا إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى (^١).
٢ - أَنَّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي الأَظْلَمِيَّةِ، أَي أَنَّهَا فِي مُسْتَوًى وَاحِدٍ فِي كَونِهَا فِي قِمَّةِ الظُّلْمِ.
٣ - أَنَّ الأَظْلَمِيَّةَ فِي النُّصُوصِ نِسْبِيَّةٌ. أَي: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذَا بِالنِّسْبَةِ لِنَوعِ هَذَا العَمَلِ لَا فِي كُلِّ شَيءٍ.
فَيُقَالُ مَثَلًا: وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي مُشَابَهَةِ أَحَدٍ فِي صُنْعِهِ- مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِ اللهِ؟
وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي مَنْعِ حَقٍّ- مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ؟
وَمَنْ أَظْلَمُ -فِي افْتِرَاءِ كَذِبٍ- مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا؟ (^٢)
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٨٣): "وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَونُ المُصَوِّرِ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا مَعَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غَافِر: ٤٦]؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ المُصَوِّرُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنْ آلِ فِرْعَونَ! وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ المُرَادَ هُنَا مَنْ يُصَوِّرُ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ -وَهُوَ عَارِفٌ بِذَلِكَ قَاصِدٌ لَهُ- فَإِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ؛ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُدْخَلَ مُدْخَلَ آلِ فِرْعَونَ، وَأَمَّا مَنْ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا بِتَصْوِيرهِ فَقَطْ".
(٢) يُنْظَرُ: (العَذْبُ النَّمِير) لِلشّنْقِيطِي (٣/ ٢٠٩).
[ ٢ / ٤٤٩ ]