مُقَدِّمَةٌ:
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذِهِ أَجْوِبَةٌ قَدَّرُ اللهُ تَعَالَى لِي أَنْ أَجْمَعَهَا فِي بَيَانِ الرَّدِّ عَلَى بَعْضِ الشُّبُهَاتِ فِي مَسَائِلِ عِلْمِ التَّوحِيدِ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ تَتْمِيمًا لِفَوَائِدِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءُ اللهُ تَعَالَى (^١).
- الشُّبْهَةُ الأُولَى: إِنَّ قَولَ صَاحِبِ البُرْدَةِ (وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوحِ وَالقَلَمِ) لَيسَ فِيهِ مَحْظُورٌ! لِأَنَّ اللَّوحَ غَيرُ أُمِّ الكِتَابِ، وَهَذَا الأَخِيرُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الخَمْسُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ؛ الَّتِي فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]، وَأَمَّا اللَّوحُ فَشَيءٌ آخَرُ، وَعَلَيهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ
_________________
(١) أُصُولُ مَادَّةِ هَذَا الرَّدِّ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ رِسَالَةِ (تَأْسِيسُ التَّقْدِيسِ فِي كَشْفِ تَلْبِيسِ دَاوُدَ بْنِ جَرْجِيس) لِلشَّيخِ عَبْدِ اللهِ أَبَا بطين تِلْمِيذِ الشَّيخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَّهَّابِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. وَفِي هَذَا المُلْحَقِ اشْتِرَاكٌ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ الرَّدِّ مَعَ المُلْحَقِ السَّابِقِ (مُخْتَصَرٌ فِي الرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مِنَ البُرْدَةِ لِلبُوصِيرِيِّ)، وَلَكِنَّهُ أَوسَعُ مِنْ جِهَةِ الشُّبُهَاتِ وَمِنْ جِهَةِ الجَوَابِ.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
كَونِهِ شَيئًا مِنْ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ!
الجَوَابُ:
إِنَّ هَذِهِ فِرْيَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيهَا، لِأَنَّ اللَّوحَ المَحْفُوظَ هُوَ نَفْسُهُ أُمُّ الكِتَابِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَنِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزُّخْرُف: ٣، ٤]، وَقَالَ عَنِ اللَّوحِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البُرُوج: ٢١، ٢٢] فَأَخْبَرَ عَنِ القُرْآنِ فِي الأَوَّلِ أَنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ وَأَخْبَرَ فِي الثَّانِي أَنَّهُ فِي لَوحٍ. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
قَالَ البَيضَاوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: " ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أَصْلُ الكُتُبِ وَهُوَ اللَّوحُ المَحْفُوظُ؛ إِذْ مَا مِنْ كَائِنٍ إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ" (^١)، وَبِمِثْلِهِ قَالَ النَّسَفِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢).
_________________
(١) تَفْسِيرُ البَيضَاوِيِّ (٣/ ١٩٠). وَقَالَ أَيضًا فِي قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ﴾: "فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؛ فَإِنَّهُ أَصْلُ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ". تَفْسِيرُ البَيضَاوِيِّ (٥/ ٨٦).
(٢) تَفْسِيرُ النَّسَفِيِّ (٢/ ١٥٨).
[ ٢ / ٥٨١ ]
الشبهة الثانية: قول صاحب البردة في همزيته عن النبي ﷺ: (وليس يخفى عليك في القلب داء) ليس فيه محظور!
- الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: قَولُ صَاحِبِ البُرْدَةِ فِي هَمْزِيَّتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (وَلَيسَ يَخْفَى عَلَيكَ فِي القَلْبِ دَاءٌ) لَيسَ فِيهِ مَحْظُورٌ! لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عِلْمَ مَعْرِفَةِ القُلُوبِ!!
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَكَذِبٌ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، فَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طَهَ: ٧].
وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البَقَرَة: ٢٣٥].
وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التَّوبَة: ١٠١] (^١).
وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأَنْفَال: ٦٠].
وَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ الحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيئًا بِقَولِهِ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا» (^٢)،
_________________
(١) قَالَ السَّعْدِيُّ ﵀ في التَّفْسِيرِ (ص ٣٥٠): " ﴿مَرَدُوا﴾ أَي: تَمَرَّنُوا عَلَيهِ، وَاسْتَمَرُّوا وَازْدَادُوا فِيهِ طُغْيَانًا".
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٦٨٠) عَنْ أمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ ﵀: "وَيُجْرِي أَحْكَامَهُ ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ وَمُوجِبِ غَلَبَاتِ الظَّنِّ؛ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَينِ، وَيَمِينِ الحَالِفِ، وَمُرَاعَاةِ الأَشْبَهِ، وَمَعْرِفَةِ العِفَاصِ [الوِعَاءُ] وَالوِكَاءِ [مَا يُرْبَطُ بِهِ] مَعَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ اللهِ فِي ذَلِكَ. =
[ ٢ / ٥٨٢ ]
فَفِيهِ عَدَمُ مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا فِي القُلُوبِ مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ.
وَفِي الحَدِيثِ أَيضًا: «أَلَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ؛ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» (^١).
وَكَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي رَدِّهَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ حَيثُ قَالَتْ ﵂: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾) (^٢).
٢ - أَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أُمُورِ المُغَيَّبَاتِ؛ فَهُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى لَهُ عَلَيهِ وَلَيسَ اسْتِقْلَالًا!
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨].
وَلِذَلِكَ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى الإِظْهَارَ مِنْهُ إِلَى نَبِيِّهِ، وَنَفَى عَنْهُ العِلْمَ.
_________________
(١) = فَإِنَّهُ تَعَالَى -لَو شَاءَ- لَأَطْلَعَهُ عَلَى سَرَائِرِ عِبَادِهِ وَمُخَبَّئَاتِ ضَمَائِرِ أُمَّتِهِ؛ فَتَوَلَّى الحُكْمَ بَينَهُمْ بِمُجَرَّدِ يَقِينِهِ وَعِلْمِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى اعْتِرَافٍ أَو بَيِّنَةٍ أَو يَمِينٍ أَو شُبْهَةٍ! وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَقَضَايَاهُ وَسِيَرِهِ، وَكَانَ هَذَا -لَو كَانَ- مِمَّا يُخَصُّ بِعِلْمِهِ وَيُؤْثِرُهُ اللهُ بِهِ؛ لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَّةِ سَبِيلٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِكَ! وَلَا قَامَتْ حُجَّةٌ بِقَضِيَّةٍ مِنْ قَضَايَاهُ لِأَحَدٍ فِي شَرِيعَتِهِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا أُطْلِعَ عَلَيهِ هُوَ فِي تِلْكَ القَضِيَّةِ بِحُكْمِهِ هُوَ إِذْنٌ فِي ذَلِكَ بِالمَكْنُونِ مِنْ إِعْلَامِ اللهِ لَهُ بِمَا أَطْلَعَهُ عَلَيهِ مِنْ سَرَائِرِهِمْ، وَهَذَا مَا لَا تَعْلَمُهُ الأُمَّةُ! فَأَجْرَى اللهُ تَعَالَى أَحْكَامَهُ عَلَى ظَوَاهِرِهِمُ الَّتِي يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ هُوَ وَغَيرُهُ مِنَ البَشَرِ لِيَتِمَّ اقْتِدَاءُ أُمَّتِهِ بِهِ فِي تَعْيِينِ قَضَايَاهُ وَتَنْزِيلِ أَحْكَامِهِ". الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ المُصْطَفَى (٢/ ٢٤١).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٤٠) عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
(٣) البُخَارِيُّ (٤٨٥٥)، وَمُسْلِمٌ (١٧٧).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجِن: ٢٦ - ٢٧] (^١)، وَقَالَ أَيضًا سُبْحَانَهُ فِي النَّفْي: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيبَ﴾ [الأَنْعَام: ٥٠].
_________________
(١) قَالَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ ﵀: "فَاطِّلَاعُ الرَّسُولِ عَلَى الغَيبِ هُوَ بِإِطْلَاعِ اللهِ تَعَالَى بِوَحْيٍ إِلَيهِ، فَيُخْبَرُ بِأَنَّ فِي الغَيبِ كَذَا مِنْ نِفَاقِ هَذَا وَإِخْلَاصِ هَذَا؛ فَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الوَحِي لَا مِنْ جِهَةِ اطِّلَاعِهِ نَفْسِهِ مِنْ غَيرِ وَاسِطَةِ وَحْيٍ عَلَى المُغَيَّبَاتِ"! البَحْرُ المُحِيطُ (٣/ ١٣٢).
[ ٢ / ٥٨٤ ]
الشبهة الثالثة: إن النبي ﷺ يعلم الغيب! والملائكة أيضا! فعلم الغيب ليس محصورا بالله تعالى وحده!
- الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ الغَيبَ! وَالمَلَائِكَةُ أَيضًا! فَعِلْمُ الغَيبِ لَيسَ مَحْصُورًا بِاللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ! حَتَّى الخَمْسَ المَذْكُورَةَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]!
وَهَاكَ أَمْثِلَةً مِنَ النُّصُوصِ عَلَى ذَلِكَ:
قَولُهُ ﷾: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجِنّ: ٢٦ - ٢٧].
وَقَولُهُ سُبْحَانَهُ أَيضًا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٧٩].
وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى مَصَارِعِ القَتْلَى يَومَ بَدْرٍ، وَكُلٌّ مِنْهُم صُرِعَ فِي ذَلِكَ المَكَانِ؛ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذِهِ الأَنْفُسَ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وَهِيَ مِنَ الخَمْسِ!
وَقَولُ اللهِ تَعَالَى عَنِ المَسِيحِ ﵇: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٤٩] وَهِيَ أَيضًا مِنَ الخَمْسِ!
وَقَولُهُ تَعَالَى لِلمَلَكِ الَّذِي يَكْتُبُ عَلَى النُّطْفَةِ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا وَعَمَلَهَا وَشَقِيٌّ صَاحِبُهَا أَمْ سَعِيدٌ؛ فَهُوَ عَلِمَ الغَيبِ، وَهَذِهِ أَيضًا مِنَ الخَمْسِ!
وَقَولُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ اخْتِصَامِ المَلَأِ الأَعْلَى: «فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ» (^١) فَيَشْمَلُ عِلْمَ السَّاعَةِ وَغَيرِهَا!
_________________
(١) حَسَنٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٢٣٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٣٢٣٤). =
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وَحَدِيثُ حُذَيفَةَ؛ وَفِيهِ: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ) (^١).
وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ؛ وَفِيهِ: (تَرَكَنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيهِ فِي الهَوَاءِ إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا) (^٢).
الجَوَابُ مِنْ عِدَّةِ جِهَاتٍ:
١ - لَيسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لِذَلِكَ! بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَمَعْنَى الآيَتَينِ عِنْدَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يُطْلِعُ رُسُلَهُ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنَ الغَيبِ آيَةً لَهُم وَمُعْجِزَةً، وَهَذَا يَشْمَلُ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَحَتَّى مَا ذُكِرَ عَنْ عِيسَى ﵊، وَيَشْمَلُ أَيضًا المَلَائِكَةَ
_________________
(١) = وَتَمَامُهُ: «أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيكَ رَبِّي وَسَعْدَيكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: رَبِّ لَا أَدْرِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَينَ كَتِفَيَّ فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَينَ ثَدْيَيَّ فَعَلِمْتُ مَا بَينَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقُلْتُ: لَبَّيكَ وَسَعْدَيكَ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ، وَالكَفَّارَاتِ، وَفِي نَقْلِ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَإِسْبَاغِ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمَنْ يُحَافِظْ عَلَيهِنَّ عَاشَ بِخَيرٍ وَمَاتَ بِخَيرٍ، وَكَانَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». وَبِنَحْوِهِ أَيضًا فِي التِّرْمِذِيِّ (٣٢٣٥) مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ، قَالَ عَنْهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ ﵀: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ [البُخَارِيَّ] عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".
(٢) البُخَارِيُّ (٦٦٠٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٨٩١) عَنْ حُذَيفَةَ مَرْفُوعًا. وَهُوَ بِتَمَامِهِ في مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: (قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ -حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ-، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ).
(٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ (٢/ ١٥٥). الصَّحِيحَةُ (١٨٠٣).
[ ٢ / ٥٨٦ ]
فَهُم رُسُلُ اللهِ تَعَالَى أَيضًا.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَقَولُهُ: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ هَذِهِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] وَهَكَذَا قَالَ هَاهُنَا: إِنَّهُ يَعْلَمُ الغَيبَ وَالشَّهَادَةَ، وَإِنَّهُ لَا يَطَّلِعُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى شَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا مِمَّا أَطْلَعَهُ تَعَالَى عَلَيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وَهَذَا يَعُمُّ الرَّسُولَ المَلَكِيَّ وَالبَشَرِيَّ" (^١).
وَأَمَّا عِلْمُ المَلَكِ وَكِتَابَتُهُ فِي الرَّحِمِ عَنِ النُّطْفَةِ فِي رِزْقِهَا وَأَجَلِهَا وَعَمَلِهَا وَالشِّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ؛ فَهُوَ أَيضًا مِنْ تَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ.
وَأَمَّا عِلْمُهُ بِكَونِهِ ذَكَرًا أَو أُنْثَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَلِمَ مَا فِي الأَرْحَامِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى خَصَّ نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِ خَمْسَةٍ مِنْ عِلْمِ الغَيبِ وَمِنْهَا ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤] فَهُوَ كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ أَنَّهُ بَعْدَ الاثْنَتَينِ وَالأَرْبَعِينَ -وُفْقًا لِحَدِيثٍ فِي كِتَابَةِ ذَلِكَ عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ- فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عِلْمُ نَوعِ الجَنِينِ مِنْ كَونِهِ ذَكَرًا أَو أُنْثَى عَنِ اخْتِصَاصِ اللهِ تَعَالَى بِهِ، وَعَلَيهِ فَلَا يَكُونُ غَيبًا مُطْلَقًا!
وَمِثْلُهُ مَعْرِفَةُ الأَطِبَّاءِ -غَالِبًا- بِمَا فِي الرَّحِمِ بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنْ تَكْوِينِهِ؛ فَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللهَ مَكَّنَهُم مِنْ ذَلِكَ، وَلَيسَ مَحْضَ عِلْمٍ بِالغَيبِ مِنْهُم!
وَقَدْ نَقَلَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ عَنِ القُرْطُبِيِّ ﵀ "أَنَّ هَذِهِ الخَمْسَ لَا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ عَلَى عِلْمٍ بِهَا قَاطِعٍ، وَأَمَّا الظَّنُّ بِشَيءٍ مِنْهَا بِأَمَارَةٍ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ؛ فَلَيسَ
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨/ ٢٤٧).
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ذَلِكَ بِمُمْتَنِعٍ، وَلَا نَفْيُهُ مُرَادٌ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ" (^١).
٢ - كَونُ النَّبِيِّ ﷺ أُطْلِعَ عَلَى شَيءٍ مِنَ الغَيبِ لَا يَعْنِي أَنَّهُ يَعْلَمُهُ بِنَفْسِهِ عِلْمًا ذَاتِيًا -كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُم-! وَقَدْ سَبَقَ فِي رَدِّ الشُّبُهَاتِ السَّابِقَةِ بَيَانُ أَمْثِلَةٍ مِنْ ذَلِكَ كَحَدِيثِ: «إِنَّكُم تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ»، وَحَدِيثِ: «مَتَى السَّاعَةُ» (^٢)، وَكَحَدِيثِ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»، وَ…
٣ - هَذِهِ الأَشْيَاءُ الَّتِي أُطْلِعَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ هِيَ مِنْ بَابِ إِظْهَارِ الآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِ وَعَلَى تَأْيِيدِ رَبِّهِ لَهُ، وَلَا يَمْلِكُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا اسْتِقْلَالًا (^٣)! بَلْ هِيَ مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي اطْلَاعِهِ عَلَيهَا مَتَى شَاءَ وَأَينَمَا شَاءَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرَّعْد: ٣٨].
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ١١].
٤ - أَمَّا بِخُصُوصِ حَدِيثِ الاخْتِصَامِ؛ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَشَفَ لَهُ عَنِ الأَعْيَانِ المَوجُودَةِ إِذْ ذَاكَ (^٤)، فَلَيسَ فِيهِ مَعْنَى كَشْفِ وَقْتِ السَّاعَةِ! وَلَا عِلْمَ مَا
_________________
(١) فَتْحُ البَارِي لِابْنِ رَجَبٍ (١/ ٢١٦).
(٢) وَقَدْ أَورَدَ بَعْضُ أَهْلِ الضَّلَالِ هَاهُنَا شَرْحًا عَجِيبًا لِذَلِكَ فَقَالُوا: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» أَنَّ المَعْنَى: أَنَا وَأَنْتَ فِي العِلْمِ بِهَا سَوَاءٌ؛ فَكَمَا تَعْلَمُهَا أَنْتَ؛ أَعْلَمُهَا أَنَا!! قُلْتُ: وَيَرُدُّهُ آخِرُ الحَدِيثِ؛ وَفِيهِ قَولُهُ ﷺ: «فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لُقْمَان: ٣٤]».
(٣) أَي: لَيسَ لَهُ فِيهَا اخْتِيَارٌ وَلَا قَصْدٌ؛ وَإِلَّا فَكُلُّ شَيءٍ مَقْرُونٌ بِحَولِ اللهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ؛ فَلَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ.
(٤) وَكَذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيفَةَ الآتِي.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
سَيَكُونُ كُلِّيًّا! وَإِلَّا تَعَارَضَ الحَدِيثُ مَعَ النُّصُوصِ الكَثِيرَةِ المُتَوَاتِرَةِ مِنْ جِهَةِ الدِّلَالَةِ الَّتِي فِيهَا عَدَمُ عِلْمِهِ ﵊ بِالغَيبِ وَبِمَا فِي الصُّدُورِ!
وَاُنْظُرْ سِيَاقَ الحَدِيثِ حَيثُ كَانَ السُّؤَالُ عَنِ اخْتِصَامِ المَلَأِ الأَعْلَى؛ فَأَجَابَ ﷺ بِعَدَمِ العِلْمِ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ عُلِّمَ أَجَابَ عَنِ الدَّرَجَاتِ وَالكَفَّارَاتِ؛ فَهَذَا السُّؤَالُ كَانَ عَمَّا هُوَ مَوجُودٌ مِنْ ذَلِكَ الاخْتِصَامِ؛ وَالتَّعْلِيمُ أَيضًا كَانَ عَمَّا هُوَ مَوجُودٌ مِنْهُ. وَبِاللهِ التَّوفِيق.
٥ - أَيضًا عَلَى فَرْضِ حَمْلِ حَدِيثِ الاخْتِصَامِ عَلَى الغَيبِ المُسْتَقْبَلِيِّ؛ فَمَا أُطْلِعَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَمْرِ مَا سَيَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الإِجْمَالِ وَلَيسَ التَّفْصِيلِ! (^١) لِذَلِكَ تَجِدُ بَيَانَ عَائِشَةَ ﵂ فِي رَدِّهَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍّ؛ حَيثُ قَالَتْ ﵂: (وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ؛ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾). مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
٦ - أَمَّا بِخُصُوصِ حَدِيثِ حُذَيفَةَ؛ فَالخَطْبُ فِيهِ أَسْهَلُ، لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ فِتَنٍ وَمَلَاحِمَ، كَذَا بَيَّنَهُ أَحَدُ الفَاظِ الحَدِيثِ الَّذِي فِي مُسْلِمٍ، حَيثُ قَالَ حُذَيفَةُ بْنُ اليَمَانِ ﵁: وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَينِي وَبَينَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيئًا لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيرِي! وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٨٥٥)، وَمُسْلِمٌ (١٧٧).
(٢) وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٤٣)؛ قَالَ حُذَيفَةُ: (وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَصَاعِدًا؛ إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ). وَهُوَ ضَعِيفٌ. المِشْكَاةُ (٥٣٩٣).
[ ٢ / ٥٨٩ ]
قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجْلِسًا أَنَا فِيهِ عَنِ الفِتَنِ- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الفِتَنَ: «مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدْنَ يَذَرْنَ شَيئًا، وَمِنْهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيفِ؛ مِنْهَا صِغَارٌ وَمِنْهَا كِبَارٌ»، قَالَ حُذَيفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ كُلُّهُمْ غَيرِي (^١).
وَقَدْ أَورَدَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ -وَهُمُ العَالِمُونَ بِالآثَارِ وَمَعَانِيهَا وَمَوَاضِعِهَا- فِي ذِكْرِ أَحَادِيثِ الفِتَنِ مِنْ سُنَنِهِم، وَهَاكَ أَمْثِلَةً:
فِي أَبِي دَاوُدَ، قَالَ: بَابُ ذِكْرِ الفِتَنِ وَدَلَائِلِهَا (^٢).
وَفِي المُسْتَدْرَكِ قَالَ: كِتَابُ الفِتَنِ وَالمَلَاحِمِ (^٣).
وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ قَالَ: بَابُ إِخْبَارِهِ ﷺ عَمَّا يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ مِنَ الفِتَنِ وَالحَوَادِثِ (^٤).
وَأَورَدَهُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِ مُسْلِمٍ ضِمْنَ كِتَابِ الفِتَنِ (^٥) (^٦).
٧ - أَمَّا بِخُصُوصِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ فَقَولُهُ: (إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا) فِيهِ أَنَّ "مِنْ" هُنَا لِلتَّبْعِيضِ؛ فَزَالَتِ الشُّبْهَةُ أَصْلًا، وَانْدَرَجَتْ مَعَ أَخَوَاتِهَا فِي ذِكْرِ الإِجْمَالِ.
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٢٠٧).
(٢) سنن أَبِي دَاوُدَ (٤/ ٩٤).
(٣) المُسْتَدْرَكِ (٤/ ٤٦٥).
(٤) صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ (٥/ ١٥).
(٥) النَّوَوِيُّ ﵀ فِي تَبْوِيبِ مُسْلِمٍ (٤/ ٢٢٠٧).
(٦) وَمِثْلُ حَدِيثِ حُذَيفَةَ فِي الدِّلَالَةِ مَا أَورَدَهُ مُسْلِمٌ (٢٨٩٢) أَيضًا فِي كِتَابِ الفِتَنِ -عَقِبَ حَدِيثِ حُذَيفَةَ ﵁ السَّابِقِ- عَنْ عَمْرَو بْنِ أَخْطَبَ؛ قَالَ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الفَجْرَ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ؛ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ العَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ؛ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
٨ - أَنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ أَصْلًا يَتَنَاوَلُ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ، وَعَلَى هَذَا المَعْنَى؛ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكْ شَيئًا إِلَّا بَيَّنَهُ مِنْ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ، وَالحَمْدُ للهِ.
وَدَلَّ لِذَلِكَ نَفْسُ الحَدِيثِ؛ حَيثُ إِنَّ الحَدِيثَ بِتَمَامِهِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: تَرَكْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيهِ فِي الهَوَاءِ- إِلَّا وَهُوَ يُذَكِّرُنَا مِنْهُ عِلْمًا، قَالَ: فَقَالَ ﷺ: «مَا بَقِيَ شَيءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ؛ إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ».
قَالَ ابْنُ حِبَّانَ -عَقِبَ ذِكْرِ الحَدِيثِ-: "مَعْنَى (عِنْدَنَا مِنْهُ) يَعْنِي بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَأَخْبَارِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِبَاحَاتِهِ ﷺ" (^١).
_________________
(١) صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (١/ ٢٦٧).
[ ٢ / ٥٩١ ]
الشبهة الرابعة: قول صاحب البردة: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) ليس فيه محذور!
- الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ: قَولُ صَاحِبِ البُرْدَةِ: (فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا) لَيسَ فِيهِ مَحْذُورٌ! لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْطَى نَبِيَّهُ فِعْلًا مَزِيَّةِ إِنْقَاذِ النَّاسِ مِنَ النَّارِ، كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ؛ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: (أَخْرِجْ مَنْ فِي قَلْبِهِ كَذَا وَكَذَا مِنْ إِيمَانٍ)!
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى لم يُمَلِّكِ الشَّفَاعَةَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ!
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٣ - ٤٤].
وَتَأَمَّلْ كَونَ المَلَائِكَةِ وَعُزَيرًا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ كَيفَ أَنَّهُم آلِهَةٌ عِنْدَ المُشْرِكِينَ؛ وَقَدْ نَفَى اللهُ مُلْكَهُم لِلشَّفَاعَةِ وَدُعَاءَهُم بِقَصْدِهَا؛ مَعَ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالمَلَائِكَةَ لَهُم شَفَاعَةٌ يَومَ القِيَامَةِ! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنِ المَلَائِكَةِ: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨].
وَفِي الحَدِيثِ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ! إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ؛ أَضَعُ حَيثُ أُمِرْتُ» (^١).
وَكَونُهُ تَعَالَى أَعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ إِكْرَامِهِ وَإِظْهَارِ شَرَفِهِ عَلَى غَيرِهِ؛ وَلَيسَ مِنْ بَابِ تَمَلُّكِهَا اسْتِقْلَالًا! لِذَلِكَ لَمْ تَنْفَعْ شَفَاعَتُهُ ﷺ لِأُمِّهِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ﷿ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا؛ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي» (^٢).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١١٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللهِ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَولَهُ، وَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي ﷿ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا؛ فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي؛ فَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ المَوتَ».
[ ٢ / ٥٩٢ ]
كَمَا لَمْ تَنْفَعْ أَيضًا شَفَاعَةُ إِبْرَاهِيمَ ﷺ لِأَبِيهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِيَ يَومَ يُبْعَثُونَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ» (^١).
كَمَا لَمْ تَنْفَعْ أَيضًا شَفَاعَةُ نُوحٍ ﵊ فِي ابْنِهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦].
وَبِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ طَلَبُهَا مِنَ العَبْدِ، بل تُطْلَبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِأَنْ يُشفِّعَ النَّبِيَّ ﷺ فِيهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ دُعَاءِ الضَّرِيرِ: «اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (^٢).
_________________
(١) وَالحَدِيثُ فِي البُخَارِيِّ (٣٣٥٠) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَومَ القِيَامَةِ وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي؟! فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَاليَومَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِيَ يَومَ يُبْعَثُونَ؛ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟! فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلَى الكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ؛ مَا تَحْتَ رِجْلَيكَ؟ فَيَنْظُرُ؛ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ! فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ». وَ(الذِّيخُ): ذَكَرُ الضَّبْعِ الكَثِيرُ الشَّعْرِ، حَيثُ أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ عَلَى غَيرِ هَيئَتِهِ وَمَنْظَرِهِ لِيَسْرُعْ إِلَى التَّبَرُّؤِ مِنْهُ. وَقَولُهُ (مُلْتَطِخٌ): أَي: مُتَلَوّثٌ بِالدَّمِ وَنَحْوِهِ.
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٧٨)، وَأَحْمَدُ (١٧٢٤١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (١٢٧٩). وَتَمَامُهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيفٍ: أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَني، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ؛ فَهوَ خَيرٌ» -وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ؛ فَهوَ خَيرٌ لَكَ» -، فَقَالَ: ادْعُهُ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ؛ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَين، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحمَّدُ؛ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِيهِ»، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
تَنْبِيهٌ:
وَهَذَا الإِتْيَانُ مِنَ الضَّرِيرِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَقْرُونٌ بِحَيَاتِهِ فَقَط، أَمَّا بَعْدَ مَمَاتِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ دُعَاءِ الأَمْوَاتِ، وَهوَ شِرْكٌ بِاللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢٠ - ٢١].
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].
وَأَمَّا يَومُ القِيَامَةِ؛ فَيَطْلُبُ النَّاسُ مِنْهُ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لَهُم عِنْدَ رَبِّهِم لِأَنَّهُ حَيٌّ حَاضِرٌ قَادِرٌ، وَلَكِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ لَا يَشْفَعُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ إِلَّا فِيمَنْ أَذِنَ اللهُ لَهُم حَيثُ يُجْعَلُ لَهُ حَدٌّ في كُلِّ مَرَّةٍ فَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ.
٢ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي حَدَّ لَهُ مَنْ سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَلَيسَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ! كَمَا فِي نَفْسِ الحَدِيثِ: «فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، فَإِذَا أَنَا رَأَيتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ؛ ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي؛ فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ -يُعَلِّمُنِيهِ رَبيَّ- ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (١٩٣).
(٢) وَمِنْ بَابَ التَّقْرِيبِ لِلأَذْهَانِ: أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى هَدِيَّةً إِلَى صَدِيقِهِ وَأَرْسَلَهَا مَعَ عَامِلِهِ؛ فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا الفَضْلُ لِلعَامِلِ أَمْ لِمَنْ أَرْسَلَهُ؟! وَمَا رَأْيُكَ بِمَنْ شَكَرَ هَذَا العَامِلَ وَتَعَلَّقَ بِهِ وَطَلَبَ مِنْهُ المَزِيدَ؟ هَلْ يَكُونُ إِلَّا جَاحِدًا مُنْكِرًا لِإِحْسَانِ صَاحِبِهِ؛ بِحَيثُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ العَامِلَ هُوَ الَّذِي أَهْدَانِي وَلَيسَ أَنْتَ لِأَنِّي رَأَيتُهَا في يَدِهِ؟! فَقَارِنْ بَينَ هَذَا وَبَينَ قَولِ النَّاظِمِ لِلبُرْدَةِ: (يَا أَكْرَمَ الخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ … سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمَمِ إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي … فَضْلًا وَإِلَّا فَقُلْ يَا زَلَّةَ القَدَمِ)!!!
[ ٢ / ٥٩٤ ]
٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلشَّفَاعَةِ شُرُوطًا مِنْهَا: رِضَى اللهِ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوعِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]، فيَكُونُ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ طَلَبُ الرِّضَى مِنَ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَلَيسَ مِنْ غَيرِهِ! فاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ الشَّفَاعَةِ أَنْ تُطْلَبَ مِنْ غَيرِهِ تَعَالَى، بَلْ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلِ كَانَ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَولِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ (^١).
٤ - أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ يَكُونُ المُلْكُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ هُوَ للهِ وَحْدَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ فَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ تَعَالَى (^٢).
_________________
(١) وَالحَدِيثِ هُوَ «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠]. صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٩٦٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ في التَّفْسِيرِ (١/ ١٣٤): "وَتَخْصِيصُ المُلْكِ بِيَومِ الدِّينِ لَا يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَومِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيئًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النَّبَأ: ٣٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طَه: ١٠٨]، وَقَالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هُود: ١٠٥] ".
[ ٢ / ٥٩٥ ]
الشبهة الخامسة: إن الكفار لم تنفعهم الشفاعة لكونهم يرجونها من الأصنام، وهل هي إلا حجارة صماء عمياء؟!
- الشُّبْهَةُ الخَامِسَةُ: إِنَّ الكُفَّارَ لَمْ تَنْفَعْهُمُ الشَّفَاعَةُ -كَمَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ [يَس: ٢٣]- لِكَونِهِم يَرْجُونَهَا مِنَ الأَصْنَامِ، وَهَلْ هِيَ إِلَّا حِجَارَةٌ صَمَّاءُ عَمْيَاءُ؟!
فَكَيفَ يُقَاسُ سَيِّدُ الأَنَامِ بِهَذِهِ الأَصْنَامِ؛ فَيُقَالُ: إَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِأُمَّتِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا!
أَلَيسَ هَذَا إِنْكَارًا لِلشَّفَاعَةِ؟! لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ فِيهَا إِثْبَاتُ النَّفْعِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ بُطْلَانُ حَشْرِهِمُ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ مَعَ زُمْرَةِ الأَصْنَامِ فِي عَدَمِ جَوَازِ الاسْتِشْفَاعِ بِهِم.
الجَوَابُ مِنْ أُوجُهٍ:
١ - إِنَّ هَذَا الإِيرَادَ فِيهِ حَقٌّ وَفِيهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا دُعِيَ مِنْ دُونِ اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ الأَصْنَامَ -وَهِيَ حِجَارَةٌ صَمَّاءُ بِلَا رَيبٍ- لَمْ تُعْبَدْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا حِجَارَةٌ صَمَّاءُ! بَلْ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهَا تَرْمُزُ إِلَى أَصْحَابِهَا مِنَ الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالمَلَائِكَةِ حَيثُ جَعَلَهَا المُشْرِكُونَ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى (^١)، فَلَمْ يَعْتَقِدُوا أَصْلًا فِيهِمُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأَنْعَام: ٧٦]: "وَالحَقُّ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ فِي هَذَا المَقَام مُنَاظِرًا لِقَومِهِ؛ مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا كَانُوا عَلَيهِ مِنْ عِبَادَة الهَيَاكِلِ وَالأَصْنَامِ، فَبَيَّنَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ مَعَ أَبِيهِ خَطَأَهُمْ فِي عِبَادَة الأَصْنَامِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ عَلَى صُوَرِ المَلَائِكَةِ السَّمَاوِيَّةِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ الَّذِينَ هُمْ عِنْد أَنْفُسِهِمْ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يَعْبُدُوهُ! وَإِنَّمَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيهِ بِعِبَادَةِ مَلَائِكَتِهِ لِيَشْفَعُوا لَهُمْ عِنْدَه فِي الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيهِ". تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
الخَلْقَ أَوِ الضُّرَّ أَوِ النَّفْعَ! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ٦١].
وَتَأَمَّلِ التَّعْبِيرَ بِـ (مَنْ) الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ المَدْعُوَّ مِنْ دُونِ اللهِ عَاقِلٌ وَلَيسَ بِجَمَادٍ أَصَمَّ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].
٢ - إِنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ أَصْلًا هُوَ فِي دُعَاءِ الصَّالِحِينَ وَالاسْتِغَاثَةِ وَالاسْتِشْفَاعِ بِهِم عِنْدَ رَبِّهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨].
٣ - إِنَّ إِثْبَاتَ الشَّفَاعَةِ لَا يَعْنِي إِثْبَاتَ النَّفْعِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِلنَّاسِ -مِنْ جِهَةِ أَمْرِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ طَبْعًا؛ وَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ إِلَّا اللهُ-! وَإِنَّمَا هُوَ سَبَبٌ جَعَلَهُ اللهُ لِرَحْمَةِ مَنْ رَضِيَ عَنْهُ، وَتَأَمَّلْ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنَتِهِ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ: سَلِينِي بِمَا شِئْتِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٢٨].
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الشبهة السادسة: إن الله تعالى بشر نبيه ﷺ بأنه لن يخزيه في أمته
- الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى بَشَّرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأَنَّهُ لَنْ يُخْزِيَهِ فِي أُمَّتِهِ؛ فَقَالَ لَهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحَى: ٥]، فَهَلْ يَرْضَى النَّبِيُّ ﷺ بِعَذَابِ أُمَّتِهِ؟! أَو أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْهُم قَدْ أَخْطَأَ السَّبِيلَ فَاسْتَغَاثَ بِهِ -عَلَى فَرْضِ خَطَئِهِ- أَنْ يَكُونَ فِي النَّارِ؟! فَشَفَاعَتُهُ ﷺ إِذًا نَائِلَةٌ جَمِيعَ أُمَّتِهِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ أَخْطَائِهِم!
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ الَّذِي بَشَّرَهُ بِـ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٢٨] فَلَا تَعَارُضَ بَينَهُمَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْضَى مَا لَا يَرْضَى اللهُ تَعَالَى عَنْهُ.
فَنَقُولُ: هَلْ يَرْضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُدْعَى مَعَ اللهِ؟! أَلَيسَ هُوَ الَّذِي قَالَ لِابْنِ عَمَّهِ مُعَلِّمًا إِيَّاهُ كَلِمَاتٍ جَامِعَاتٍ نَافِعَاتٍ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ» (^١).
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فَاسِدٍ فَهِمَهُ -هُوَ وَأَضْرَابُهُ- مِنْ نُصُوصِ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَاتَّكَلُوا عَلَيهِ! كَاتِّكَالِ بَعْضِهِمْ عَلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحَى: ٥٥] قَالَ: وَهُوَ لَا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِهِ!!
وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الجَهْلِ وَأَبْيَنِ الكَذِبِ عَلَيهِ؛ فَإِنَّهُ يَرْضَى بِمَا يَرْضَى بِهِ رَبُّهُ ﷿، وَاللَّهُ تَعَالَى يُرْضِيهِ تَعْذِيبُ الظَّلَمَةِ وَالفَسَقَةِ وَالخَوَنَةِ وَالمُصِرِّينَ عَلَى الكَبَائِرِ، فَحَاشَا رَسُولَهُ أَنْ يَرْضَى بِمَا لَا يَرْضَى بِهِ رَبُّهُ ﵎! " (^٢).
٢ - إِنَّ مَنْ بَدَّلَ فِي دِينِهِ وَغَيَّرَ وَحَرَّفَ، وَاسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ مِنْ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢٥١٦).
(٢) الجَوَابُ الَكَافِي (ص ٢٣).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
أُمَّتِهِ ﷺ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَرْضَى عَنْهُ بَلْ يُبَاعِدُهُ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ ذَودِ بَعْضِ مَن يَرِدُ عَلَى الحَوضِ الشَّرِيفِ «فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُحْقًا: بُعْدًا (^١).
٣ - إِنَّ الرِّضا المقصُودَ في الآيةِ مَعناهُ أنْ تَدْخُلَ أُمَّتُهُ كُلُّهَا الجنَّةَ وَلا يُخَلَّدَ أَحدٌ مِنْ أُمَّتِهِ ﷺ فِي النَّارِ؛ وَلَيسَ عَدَمَ الدُّخُولِ أصَلًْا! فَقَدْ دَلَّتْ أَحاديثُ الشَّفاعَةِ عَلى دُخُولِ طَوائِفَ مِنْهُم بِذُنُوبهم.
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: "قَالَ بَعْضُهُم: أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَرْضَى بِبَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ أُمَّتِهِ فِي النَّارِ" (^٢).
"وَأَخْرَجَ البَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قَالَ: رِضَاهُ أَنْ تَدْخُلَ أُمَّتُهُ الجنَّةَ كُلُّهُم.
وَأَخْرَجَ الخَطِيبُ فِي (تَلْخِيصِ المُتَشَابِهِ) مِن وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قَالَ: لَا يَرْضَى مُحَمَّدٌ وَأَحَدٌ مِن أُمَّتِهِ فِي النَّارِ" (^٣).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٥٨٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا.
(٢) تَفْسِيرُ القُرْطُبِي (١٢/ ٢٠٩).
(٣) الدُّرُّ المَنْثُورُ (٨/ ٥٤٢).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الشبهة السابعة: ما جاء في الحديث من كونه ﷺ لا يملك لأهله وللناس شيئا؛ لا يعني عدم نفعه لهم في الآخرة!
- الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ مِنْ كَونِهِ ﷺ لَا يَمْلِكُ لِأَهْلِهِ وَلِلنَّاسِ شَيئًا؛ لَا يَعْنِي عَدَمَ نَفْعِهِ لَهُم فِي الآخِرَةِ! لِأَنَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُم النَّفْعُ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَصْلًا، فَالمَقْصُودُ بِالحَدِيثِ هُوَ لَا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شَيئًا إِذَا لَمْ تُؤْمِنُوا؛ أَمَّا إِذَا آمَنْتُم؛ فَإِنِّي أُغْنِي عَنْكُم!
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ هَذَا تَلْفِيقٌ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِدْرَاكٌ عَلَيهِ! فَلَمْ يَقُلْهُ ﵊، بَلْ يَبْقَى الحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهِ؛ لَا سِيَّمَا وَهُوَ مُؤَكَّدٌ بِقَولِهِ: (شَيءٌ) فَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْي تُفِيدُ عُمُومَ عَدَمِ نَفْعِهِ ﷺ لَهُم شَيئًا مِنْ دُونِ إِذْنِ رَبِّهِ (^١).
٢ - إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِاللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ المَطْلُوبِ.
٣ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ أُمَّتِهِ نَفْسِهَا شَيئًا إِذَا جَاءُوهُ بِالمَعَاصِي -وَلَيسَ بِالكُفْرِ فَقَط-، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «إِنَّ أَولِيَائِي يَومَ القِيَامَةِ المُتَّقُونَ -وَإِنْ كَانَ نَسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نَسَبٍ-؛ فَلَا يَأْتِينِي النَّاسُ بِالأَعْمَالِ وَتَأْتُونَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُونَهَا عَلَى رِقَابِكُمْ، فَتَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: هَكَذَا وَهَكَذَا؛ لَا» وَأَعْرَضَ فِي كِلَا عِطْفَيهِ (^٢)، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْهُم مِنْ جِهَةِ
_________________
(١) وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ نَافِعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مَقْرُونَةٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى لَهُ وَرِضَاهُ عَنْهُم.
(٢) حَسَنٌ. الأَدَبُ المُفْرَدُ (٨٩٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. الصَّحِيحَةُ (٧٦٥).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
عِصْيَانِهِم؛ وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ شِرْكِهِم فَقَطْ!
وَلَا يَخْفَى عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي تُثْبِتُ دُخُولَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّوحِيدِ النَّارَ -مِمَّنْ لَهُم مَعَاصٍ لَمْ يَتُوبُوا مِنْهَا؛ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُم ابْتِدَاءً- ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا بِإِذْنِ اللهِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٤] (^١)، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ أَهْلَ الإِيمَانِ بِالنَّفَقَةِ مُحَذِّرًا إِيَّاهُم مِنْ إِتْيَانِ يَومٍ لَا تَنْفَعُهُم فِيهِ شَفَاعَةٌ؛ الأَمْرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَيسَتْ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الحَاصِلِ لِأَهْلِ المِلَّةِ! بَلْ هِيَ مَقْرُونَةٌ بِرِضَى الرَّبِّ ﷾ عَنِ المَشْفُوعِينَ وَإِذْنِهِ لِلشَّافِعِينَ بِالشَّفَاعَةِ، هَذَا كُلُّهُ عَدَا عَنْ كَونِهَا دَرَجَاتٍ فِي حَقِيقَتِهَا.
٤ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ الشَّرِيفَةِ أَنَّ شَفَاعَتَهُ تُنَالُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ -وَلَيسَ بِالدَّعَوَاتِ الفَارِغَةِ مِنَ المَضْمُونِ- وَأَهَمُّ هَذِهِ الأَعْمَالِ التَّوحِيدُ، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْكَ لِمَا رَأَيتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» (^٢).
_________________
(١) وَمِثْلُهَا قَولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٥١]؛ حَيثُ كَانَ الإِنْذَارُ لِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ هُوَ سَبَبُ التَّقْوَى.
(٢) البُخَارِيُّ (٩٩).
[ ٢ / ٦٠١ ]
وَتَأَمَّلِ الحَدِيثَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَيتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «أَوَ غَيرَ ذَلِكَ»؟! قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (^١).
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٤٨٩).
[ ٢ / ٦٠٢ ]
- الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ: الطَّلَبُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ لَا يُسَمَّى دُعَاءً بَلْ هُوَ نِدَاءٌ، وَالنَّهْيُ إِنَّمَا هُوَ عَنْ دُعَاءِ الأَمْوَاتِ فَقَط؛ وَلَيسَ عَنْ نِدَائِهِم!
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - إِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ؛ فَالنِّدَاءُ هُوَ الدُّعَاءُ، وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَينَهُمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ رَفْعِ الصَّوتَ وَخَفْضِهِ، وَلَيسَ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَةِ المَعْنَى!
قَالَ أَبُو الهِلَالِ العَسْكَرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (مُعْجَمُ الفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ): "الفَرْقُ بَينَ النِّدَاءِ وَالدُّعَاءِ: أَنَّ النِّدَاءَ هُوَ رَفْعُ الصَّوتِ بِمَا لَهُ مَعْنًى، وَالعَرَبِيُّ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: نَادِ مَعَي؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَنْدَى لِصَوتِنَا، أَي: أَبْعَدَ لَهُ، وَالدُّعَاءُ يَكُونُ بِرَفْعِ الصَّوتِ وَخَفْضِهِ، يُقَالُ: دَعَوتُهُ مِنْ بَعِيدٍ وَدَعَوتُ اللهَ فِي نَفْسِي، وَلَا يُقَالَ: نَادَيتُهُ فِي نَفْسِي" (^١).
٢ - إِنَّ هَذَا كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَقَدْ سَمّى اللهُ تَعَالَى النِّدَاءَ دُعَاءً فِي كَثِيرٍ مِنَ المَوَاضِعِ، وَإِلَيكَ بَعْضَهَا:
قَالَ تَعَالَى عَنْ نَوحٍ ﵊: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القَمَر: ١٠]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٧٦].
وَقَالَ عَنْ زكَرِيَّا ﵊: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مَرْيَم: ٣]، وَقَالَ أَيضًا: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آلِ عِمْرَان: ٣٨].
وَقَالَ عَنْ يُونُسَ ﵊: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
_________________
(١) مُعْجَمُ الفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ (ص ٣٨).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٨٧]، وَقَالَ ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ -إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ-: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ» (^١).
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكَهْف: ٥٢] فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى النِّدَاءَ مِنْهُم دُعَاءً.
٣ - إِنَّ هَذَا ضَلَالٌ مِنْ جِهَةِ المَعْنَى؛ فَمَا الغَايَةُ مِنْ نِدَائِهِم وَقَدْ فَرَّقَ اللهُ تَعَالَى بَينَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ، وَجَعَلَ الاسْتِجَابَةَ لِلحَيِّ دُونَ المَيِّتِ، فَنِدَاؤُهُ هُوَ كَنِدَاءِ الجِدَارِ الأَصَمِّ، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَولَا أَنْ هَدَانَا اللهُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلَا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فَاطِر: ٢٢]، وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥] (^٢).
٤ - إِنَّ الطَّلَبَ مِنَ الحَيِّ -سَوَاءً سُمِّيَ نِدَاءً أَو دُعَاءً- يَجُوزُ فِي الأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي أَقْدَرُ اللهُ تَعَالَى البَشَرَ عَلَيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأَنْفَال: ٧٢]، أَمَّا مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِاللهِ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مِنَ الإِحْيَاءِ وَالإِمَاتَةِ وَالفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالفَوزِ بِالآخِرَةِ وَكَشْفِ الكُرُبَاتِ وَمَعْرِفَةِ مَا فِي الضَّمِيرِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٥٠٥) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٦٩٥).
(٢) وَتَأَمَّلِ التَّعْبِيرَ بِـ (مَنْ) الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ المَدْعُوَّ مِنْ دُونِ اللهِ عَاقِلٌ وَلَيسَ بِجَمَادٍ أَصَمٍّ! فَهُم كَانُوا يَعْبُدُونَ الصَّالِحِينَ وَالمَلَائِكَةَ طَمَعًا فِي شَفَاعَتِهِم.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وَالرِّزْقِ بِالبَنِين وَالإِمْدَادِ بِالأَمْوَالِ مِنَ الغَيبِ وَكُلِّ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ طَاقَةِ البَشَرِ؛ فَلَا يَجُوزُ، وَهُوَ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَضْلًا عَنْ جِهَةِ العُبُودِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].
وَأَيضًا الطَّلَبُ مِنَ الغَائِبِ مِنَ البَشَرِ -وَإِنْ كَانَ حَيًّا- لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا المَدْعُوَ بَشَرٌ لَا يَسْمَعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْمَعُهُ البَشَر،؛ فَدَعْوَى سَمَاعِهِ وَحُضُورِهِ هُوَ إِشْرَاكٌ بِهِ مَعَ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ مَعَنَا أَينَمَا كُنَّا، فَيَكُونُ ذَلِكَ شِرْكًا فِي المَعِيَّةِ وَالعِلْمِ وَالإِحَاطَةِ.
وَقَدْ سَبَقَ أَيضًا أَنَّ نِدَاءَ الأَمْوَاتِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الكُفَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النَّحْل: ٢١].
وَأَخِيرًا؛ أَقُولُ: بَلْ لَو كَانَ المَيِّتُ يَقْضِي حَوَائِجَ المُسْلِمِينَ؛ لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ الجاري بَعْدَ مَوتِهِ الَّذِي يُؤْجَرُ عَلَيهِ؛ فَمَا الجَمْعُ مَعَ الحَدِيثِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (^١)؟! وَلَكِنَّ الأَمْرَ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يُونُس: ٣٢].
وَيُقَالُ أَيضًا لِهَذَا المُسَاوِي بَينَ الحَيِّ وَالمَيِّتِ أَنَّهُ لَو أَعْطَى إِنْسَانٌ إِنْسَانًا مَالًا وَقَالَ: أَودِعْهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، فَذَهَبَ بِهِ الوَكِيلُ وَأَودَعَهُ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ
_________________
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (١٦٣١).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
وَلِيٍّ، وَقَالَ: هَذَا وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ لِفُلَانٍ، وَاسْتَحْفَظَهُ إِيَّاهُ؛ فَضَاعَ! لَعَدَّهُ النَّاسُ مَجْنُونًا وَلَأَلْزَمُوهُ الضَّمَانَ.
وَكَمَا لَو أَنَّ مُغَسِّلًا -يُغَسِّلُ مَيِّتًا- ذَهَبَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي أَنْ يُغَسِّلَهُ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَو حَارٍّ؛ أَلَا يَكُونُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ أَحْمَقًا؟! فَكَيفَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَهُوَ فِي هَذِهِ الحَالِ مَيِّتٌ بَينَ يَدِي مُغَسِّلٍ!
[ ٢ / ٦٠٦ ]
الشبهة التاسعة: إن الله تعالى يملك الشفاعة من شاء من عباده، وأولى الناس بذلك هم الصالحون
- الشُّبْهَةُ التَّاسِعَةُ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُمَلِّكُ الشَّفَاعَةَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَولَى النَّاسِ بِذَلِكَ هُمُ الصَّالِحُونَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَم: ٨٧]، وَقَولُهُ: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٨٦]، فَطَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُم صَحِيحٌ إِذًا؛ مُوَافِقٌ لِلأُصُولِ!!
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ الشَّفَاعَةَ لَا يَمْلُكُهَا أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى كَمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ تَعَالَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزُّمَر: ٤٤].
وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ قَولُهُ فِي هَذَا المَقَامِ (^١) أَنَّ تَمَلُّكَ المُؤْمِنِينَ لِلشَّفَاعَةِ هُوَ بِقَيدِ أَنْ يَرْضَى اللهُ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِ، لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ المُثْبَتَةَ فِي الشَّرِيعَةِ لَهَا شَرْطَانِ هُمَا: الإِذْنُ لِلشَّافِعِ وَقَدْ تَحَقَّقَ هُنَا -جَدَلًا-، وَالثَّانِي هُوَ الرِّضَى عَنِ المَشْفُوعِ كَمَا قَالَ
_________________
(١) عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ فِي الآيَتَينِ مُتَّصِلٌ -عَلَى أَحَدِ قَولَي المُفَسِّرِينَ-؛ وَإِلَّا فَإِنَّ الحَافِظَ ابْنَ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الاسْتِثْنَاءَ فِي الآيَةِ مُنْقَطِعٌ، قَالَ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٢٤٣): " ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أَي: مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَوثَانِ (الشَّفَاعَةَ) أَي: لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الشَّفَاعَة لَهُمْ ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ هَذَا اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع، أَي: لَكِنْ مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ؛ فَإِنَّهُ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُ". قُلْتُ: وَمَعْنَى الانْقِطَاعِ فِي الاسْتِثْنَاءِ أَنَّ المُسْتَثْنَى لَيسَ جُزْءًا مِنَ المُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَمَّا المُتَّصِلُ فَمَفَادُهُ هُنَا أَنَّ الَّذِينَ يُدْعَونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كَانُوا مُوَحِّدِينَ؛ فَإِنَّهُم يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ لِغَيرِهِم بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى لَهُم، وَفِيمَنْ ﵃.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
تَعَالَى عَنِ الشُّفَعَاءِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨].
٢ - إِنَّ إِثْبَاتَ مِلْكِ الشَّفَاعَةِ لِلصَّالِحِينَ لَا يَعْنِي طَلَبَهَا مِنْهُم! لِأَنَّ هَذَا هُوَ شِرْكُ المُشْرِكِينَ، حَيثُ أَنَّ عِيسَى وَمَرْيَمَ وَالعُزَيرَ هُمْ مِنْ سَادَاتِ الأَولِيَاءِ مِنَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ أَولَى مِنْ غَيرِهِم بِتَمَلُّكِ الشَّفَاعَةِ -عَلَى القَولِ بِالتَّمَلُّكِ- ومع هَذَا فَقَدْ جَاءَ بَيَانُ أَنَّ مَنْ دَعَاهُم كَانَ مُشْرِكًا مَذْمُومًا شَرْعًا، قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ تَحَدِّي المُشْرِكِينَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ٥٦ - ٥٧].
قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: وَهُمْ عِيسَى وَأُمُّهُ وَعُزَيرٌ وَالمَلَائِكَةُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ، (يَبْتَغُونَ) أَي: يَطْلُبُونَ إِلَى رَبِّهِمُ (الوَسِيلَةَ) أَيِ القُرْبَةَ. وَقِيلَ: الوَسِيلَةُ الدَّرَجَةُ العُلْيَا، أَي: يَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ فِي طَلَبِ الدَّرَجَةِ العُلْيَا" (^١)، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ المَعْبُودَاتِ أَنْفُسِهَا هُمْ أَصْلًا يَدْعُونَ اللهَ تَعَالَى وَيَتَقَرَّبُونَ إِلَيهِ.
٣ - إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيِّدُ البَشَرِ لَمْ يَمْلِكْ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ شَيئًا مِنْ دُونِ اللهِ، كَمَا فِي قَولِهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطْمَةَ ﵂: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^٢).
_________________
(١) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (٥/ ١٠١).
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
٤ - إِنَّ الشَّفَاعَةَ لَو كَانَتْ مِلْكًا -جَدَلًا- لِلصَّالِحِينَ؛ فَالأَحْيَاءُ مِنْهُم يَمْلِكُونَ الدُّعَاءَ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُم، وَأَمَّا الأَمْوَاتُ مِنْهُم فَهُم فِي البَرْزَخِ، وَلَا يَدْرُونَ عَنِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُم شَيئًا؛ فَضْلًا عَنِ الاسْتِجَابَةِ لَهُم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ المُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٣ - ١٤].
[ ٢ / ٦٠٩ ]
الشبهة العاشرة: إن الأنبياء والصالحين أحياء يجيبون من دعاهم -ومثلهم الشهداء- لذلك يجوز دعاؤهم والاستغاثة بهم بخلاف الأصنام فهي حجارة لا تسمع ولا تعقل!
- الشُّبْهَةُ العَاشِرَةُ: إِنَّ الأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ أَحْيَاءٌ يُجِيبُونَ مَنْ دَعَاهُم -وَمِثْلُهُمُ الشُّهَدَاءُ- لِذَلِكَ يَجُوزُ دُعَاؤُهُم وَالاسْتِغَاثَةُ بِهِم بِخِلَافِ الأَصْنَامِ فَهِيَ حِجَارَةٌ لَا تَسْمَعُ وَلَا تَعْقِلُ! وَهَاكَ الأَدِلَّةَ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَيَاتِهِم:
١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٤].
٢ - قَولُ المُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ -بِلَفْظِ الخِطَابِ- «السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١)، وَحَدِيثُ: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم يُصَلُّونَ» (^٢).
٣ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُم بِأَرْضٍ فَلَاةٍ؛ فَلْيُنَادِ: يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا؛ يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا، فَإِنَّ للهِ حَاضِرًا فِي الأَرْضِ سَيَحْبِسُهُ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٣).
٤ - عَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَان مَرْفُوعًا: «إِذَا أَضَلَّ أَحَدُكُم شَيئًا أو أَرَادَ غَوثًا -وهُوَ بِأرْضٍ لَيسَ بِها أَنِيسٌ- فَلْيَقُلْ يَا عِبَادَ اللهِ أغِيثُونِي؛ يَا عِبَادَ اللهِ أغِيثُونِي؛ فَإِنَّ للهِ تَعَالَى عِبَادًا لَا نَرَاهُمْ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ (^٤).
٥ - رَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ مَالِكِ الدَّارِ -وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ- قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ؛
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١٢٠٢)، وَمُسْلِمٌ (٤٠٢).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (٦٨٨٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٢١).
(٣) ضَعِيفٌ (وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ). الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٠/ ٢١٧)، وَأَبُو يَعْلَى (٥٢٦٩).
(٤) ضَعِيفٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٧/ ١١٧). الضَّعِيفَةُ (٦٥٦).
[ ٢ / ٦١٠ ]
فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي المَنَامِ؛ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْتَقِيونَ، وَقُلْ لَهُ: عَلَيكَ الكَيسُ، عَلَيك الكَيسُ، فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَبَكَى عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: (يَا رَبِّ لَا آلُو إلاَّ مَا عَجَزْتُ عَنْهُ) (^١).
الجَوَابُ:
١ - إِنَّ إِثْبَاتَ الحَيَاةِ لِلأَنْبِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَلِلنَّبِيِّ ﷺ لَيسَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي يُوهِمُهَا أَهْلُ البِدَعِ! فَكَونُ النَّبِيِّ ﷺ حَيٌّ فِي قَبْرِهِ -كَمَا أَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم- لَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ لَهُم اتِّصَالًا بِالدُّنْيَا! كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٥٤]، وَكَمَا قَالَ أَيضًا: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٩]، فَصِفَةُ الحَيَاةِ لَهُم هِيَ فِي البَرْزَخِ وَلَيسَتْ فِي الدُّنْيَا.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠]، وَأَيضًا حَدِيثَ: «وَلَيُذَادَنَّ بِأَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِي عَنِ الحَوضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
وَفِي حَدِيثِ قَبْضِ الرُّوحِ أَنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ تَسْأَلُ الرُّوحَ المَقْبُوضَةَ حَدِيثًا عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِهِم مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُم مَعْزُولُونَ عَنْهُم تَمَامًا إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يُخْبَرُونَ بِهِ عَنْهُم (^٣).
_________________
(١) ضَعِيفٌ. مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٣٢٠٠٢). اُنْظُرْ كِتَابَ (التَّوَسُّلُ) لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (ص ١١٨). وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٩٥): "وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ مَالِكِ الدَّارِ … ". قُلْتُ: وَلَكِنَّ (مَالِكَ الدَّارِ) هَذَا مَجْهُولُ الحَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ.
(٢) البُخَارِيُّ (٦٥٧٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٢٩٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
(٣) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حُضِرَ المُؤْمِنُ؛ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ =
[ ٢ / ٦١١ ]
وَنَقُولُ -مِنْ بَابِ الإِفْحَامِ- لِمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِكَونِ النَّبِيِّ ﷺ الآنَ مَيِّتٌ: كَمْ عُمُرُهُ الآنَ ﵊؟ وَفِي الجَوَابِ مَقْنَعٌ لِمُرِيدِ الهِدَايَةِ، وَالحَمْدُ للهِ.
٢ - إِنَّ المَقْصُودَ مِنْ حَيَاةِ الشُّهَدَاءِ هُوَ تَنَعُّمُهُم فِي البَرْزَخ وَلَيسَ أَنَّهُم مَا زَالَوا أَحْيَاءَ فِي الدُّنْيَا! وَإِلَّا فَكَيفَ يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم أَنَّهُم قُتِلُوا أَصْلًا؟! كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٩].
قَالَ البَغَوِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^١): " ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ نَزَلَتْ فِي قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سِتَّةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ؛ كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ: مَاتَ فُلَانٌ، وَذَهَبَ عَنْهُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَلَذَّتُهَا! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ كَمَا قَالَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آلِ عِمْرَان: ١٦٩]، قَالَ الحَسَنُ: إِنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ
_________________
(١) = بَيضَاءَ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيَةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوحِ اللَّهِ وَرَيحَانٍ، وَرَبٍّ غَيرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ المِسْكِ، حَتَّى أَنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ! فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ. فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيهِ، فَيَسْأَلُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَإِذَا قَالَ: أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ؛ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ العَذَابِ بِمِسْحٍ، فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ ﷿، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ! حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الكُفَّارِ». صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (١٨٣٣). الصَّحِيحَةُ (١٣٠٩).
(٢) تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ (١/ ١٦٨).
[ ٢ / ٦١٢ ]
عِنْدَ اللهِ تَعَالَى: تُعْرَضُ أَرْزَاقُهُمْ عَلَى أَرْوَاحِهِمْ فَيَصِلُ إِلَيهِمُ الرَّوحُ وَالفَرَحُ، كَمَا تُعْرَضُ النَّارُ عَلَى أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَونَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً فَيَصِلُ إِلَيهِمُ الوَجَعُ" (^١).
٣ - كَونُهُم أَحْيَاءً فِي قُبُورِهِم لَا يَعْنِي سَمَاعَهُم لِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِم! لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النَّمْل: ٨٠] (^٢).
٤ - إِنَّ الاسْتِغَاثَةَ وَالتَّعَلُّقَ بِهِم فِي تَفْرِيجِ الكُرُبَاتِ شِرْكٌ، بَلْ أَصْلُ شِرْكِ العَالَمِينَ هُوَ التَّعَلُّقُ بِالصَّالِحِينَ وَجَعْلُهُم وَسَائِطَ بَينَ النَّاسِ وَبَينَ اللهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥].
٥ - إِنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بَلْ وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ.
عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَينِ ﵁؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: «لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَينَمَا كُنْتُمْ» (^٣).
_________________
(١) وَمِنْ لَطَائِفِ مَا يُذْكَرُ مِنَ القَصَصِ هُنَا: مَا حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ! قَالَ لِرَجُلٍ عَامِّيٍّ: أَنْتُم مَا لِلأَولِيَاءِ عِنْدَكُم قَدْرٌ! وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي الشُّهَدَاءِ: إِنَّهُم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُونَ. قَالَ لَهُ العَامِّيُّ: هَلْ قَالَ: يَرْزُقُونَ؟ -يَعْنِي: بِفَتْحِ اليَاءِ- أَو قَالَ يُرْزَقُونَ؟ -يَعْنِي بِالضَّمِّ-؛ فَإِنْ كَانَ بِالفَتْحِ؛ فَأَنَا أَطْلُبُ مِنْهُم، وَإِنْ كَانَ بِالضَّمِّ فَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الَّذِي يَرْزُقُهُم، فَأُفْحِمَ الأَوَّلُ وَسَكَتَ.
(٢) وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ فِي مُلْحَقِ (مُخْتَصَرُ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ فِي عَدَمِ سَمَاعِ الأَمْوَاتِ) مِنْ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٣) صَحِيحٌ لِغَيرِهِ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٢/ ٤٩)، وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ تَخْرِيجُ أَحَادِيثِ فَضَائِلِ الشَّامِ (ص ٥٢): "صَحِيحٌ بِطُرُقِهِ وشَوَاهِدِهِ".
[ ٢ / ٦١٣ ]
٦ - أَمَّا بِخُصُوصِ دُعَاءِ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ لَفْظِ الخِطَابِ أَنْ يَكُونَ ﷺ سَامِعًا لِمَنْ خَاطَبَهُ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى المَطْلُوبِ لِكُلِّ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ!
فَلَفْظَ الخِطَابِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ المُخَاطَبُ سَامِعًا لِلنِّدَاءِ، بَلْ إِنَّ الجَمَادَاتِ قَدْ تُنَادَى، كَمَا فِي مُخَاطَبَةِ عُمَرَ ﵁ لِلحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي قَولِهِ: (إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ) (^١).
وَمِثْلُهُ قَولُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَمَا هَاجَرَ فَخَاطَبَ مَكَّةَ قَائِلًا: «وَاللهِ؛ إِنَّكِ لَخَيرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَيَّ، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (^٢).
وَكَمُخَاطَبَةِ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ فِي تَشَهُّدِ الصَّلَاةِ بِقَولِهِم: (السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ) وَهُم فِي جَمِيعِ المَسَاجِدِ؛ وَلَمْ يَكُنْ يَسْمَعُهُم وَيَرُدُّ ﵈ -وَرَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ كَمَا لَا يَخْفَى-؛ وَلَكِنَّهَا عِبَادَةٌ يُتعَبَّدُ اللهُ تَعَالَى بِهَا -أَي: دُعَاءُ دُخُولِ المَقَابِرِ، وَالتَّشَهُّدُ-.
وِمِثْلُهُ حَدِيثُ: «مَنْ رَأَى مُبْتَلى، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا؛ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ» (^٣).
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "قَالَ العُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَلَا يُسْمِعْهُ المُبْتَلَى؛ إِلَّا أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَيُسْمِعُهُ -إِنْ لَمْ يَخَفْ مَفْسَدَةً-" (^٤)!
_________________
(١) البُخَارِيُّ (١٥٩٧).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٩٢٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْرَاءِ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٠٨٩).
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٣٤٣٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٠٢).
(٤) فَيضُ القَدِيرِ (٦/ ١٣٠).
[ ٢ / ٦١٤ ]
بَلْ قَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ الفَرْقَ بَينَ حَيَاتِهِ وَمَوتِهِ فِي نَفْسِ هَذَا التَّشَهُّدِ، وَقَد أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحَقِيقَةِ الصَّحَابيُّ الجَلِيلُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فِي قَولِهِ: (عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ -وَكَفِّي بَينَ كَفَّيهِ- التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَينَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» وَهُوَ بَينَ ظَهْرَانَينَا؛ فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا: السَّلَامُ -يَعْنِي: عَلَى النَّبِيِّ ﷺ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (^١) (^٢)، وَكَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَيضًا: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المُؤْمِنُون: ١٠٠].
٧ - وَأَمَّا حَدِيثُ: «إِذَا انْفَلَتَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُم بِأَرْضٍ فَلَاةٍ؛ فَلْيُنَادِ: يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا؛ يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا، فَإِنَّ للهِ حَاضِرًا فِي الأَرْضِ سَيَحْبِسُهُ» فَهُوَ ضَعِيفٌ.
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٢٦٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣١٤): "كَذَا وَقَعَ فِي البُخَارِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالسَّرَّاجُ وَالجَوزَقِيُّ وَأَبُو نُعَيمٍ الأَصْبَهَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيمٍ شَيخِ البُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ: (فَلَمَّا قُبِضَ؛ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ) بِحَذْفِ لَفْظِ (يَعْنِي) وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيبَةَ عَنْ أَبِي نُعَيمٍ. قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ -بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ-: إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرُ وَاجِبٍ؛ فَيُقَالُ: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ. قُلْتُ: قَدْ صَحَّ بِلَا رَيبٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُولُونَ -وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ- السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ؛ فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا: السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّد؛ فَذَكَرَهُ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (إِنَّمَا كُنَّا نَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ -إِذْ كَانَ حَيًّا! -) فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (هَكَذَا عُلِّمْنَا! وَهَكَذَا نُعَلِّمُ)، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَه بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ؛ وَالإِسْنَادُ إِلَيهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيفٌ".
[ ٢ / ٦١٥ ]
قَالَ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ ﵀: "رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ (سَيَحْبِسُهُ عَلَيكُم). وَفِيهِ مَعْرُوفُ بْنُ حَسَّان وَهُوَ ضَعِيفٌ" (^١).
وَأَيضًا؛ فَإِنَّ الحَدِيثَ الآخَرَ -حَدِيثَ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَان- هُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَمِنْ أَوجُهِ ضَعْفِهِ أَنَّ فِيهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شَرِيكٍ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ القَاضِي- وَأَبَاهُ؛ كِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ، قَالَ الحَافِظُ فِي الأَوَّلِ مِنْهُمَا: "صَدُوقٌ يُخْطِئُ"، وَقَالَ فِي أَبِيهِ: "صَدُوقٌ يُخْطِئُ كَثِيرًا"، وَذَكَرَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ غَيرَ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ أَيضًا (^٢).
وَأَجْوَدُ مَا يُمْكِنُ إِيرَادُهُ (^٣) فِي هَذَا المَقَامِ -مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ- الأَثَرُ عَنِ ابْنِ
_________________
(١) مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ (١٧١٠٠). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٦٥٥) -بَعْدَ ذِكْرِهِ العِلَّةَ الأُولَى-: "العِلَّةُ الثَّانِيَةُ: الانْقِطَاعُ، وَبِهِ أَعَلَّهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، فَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، أَخْرَجَهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَفِي السَّنَدِ انْقِطَاعٌ بَينَ ابْنِ برَيدَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ. نَقَلَهُ ابْنُ علَّانَ فِي (شَرْحُ الأَذْكَارِ) (٥/ ١٥٠). وَقَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ فِي (الابْتِهَاجُ بِأَذْكَارِ المُسَافِرِ وَالحَاجِّ) (ص ٣٩): وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ جَرَّبَهُ هُوَ وَبَعْضُ أَكَابِرِ شُيُوخِهِ! قُلْتُ [الأَلْبَانِيُّ]: العِبَادَاتُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ التَّجَارِبِ! سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْهَا فِي أَمْرٍ غَيبِيٍّ كَهَذَا الحَدِيثِ، فَلَا يَجُوزُ المَيلُ إِلَى تصَحِيحِهِ بِالتَّجْرِبَةِ! كَيفَ وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُم فِي جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِالمَوتَى عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَهُوَ شِرْكٌ خَالِصٌ! وَاللهُ المُسْتَعَانُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا رَوَى الهَرَوِيُّ فِي (ذَمِّ الكَلَامِ) (٤/ ٦٨/١) أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ المُبَارَكِ ضَلَّ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فِي طَرِيقٍ وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ مَنِ اضْطُرَّ -كَذَا الأَصْلُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ: ضَلَّ- فِي مَفَازَةٍ فَنَادَى: عِبَادَ اللهِ أَعِينُونِي! أُعِينَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَطْلُبُ الجُزْءَ أَنْظُرُ إِسْنَادَهُ. قَالَ الهَرَوِيُّ: فَلَمْ يَسْتَجِزْ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ لَا يَرَى إِسْنَادَهُ. قُلْتُ: فَهَكَذَا؛ فَلَيكُنِ الاتِّبَاعُ".
(٢) الضَّعِيفَةُ (٦٥٦).
(٣) وَهُوَ مِنْ بَابِ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَذْكُرُونَ مَا لَهُم وَمَا عَلَيهِم، وَلَيسَ فِي شَيء مِنْ ذَلِكَ مَا يُحَابَى عَلَى حِسَابِ الحَقِّ وَالشَّرِيعَةِ! فَاللَّهُمَّ؛ اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
[ ٢ / ٦١٦ ]
عَبَّاسٍ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فَضْلًا -سِوَى الحَفَظَةِ- يَكْتُبُونَ مَا سَقَطَ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ؛ فَإِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ عَرْجَةٌ فِي سَفَرٍ؛ فَلِيُنَادِ: أَعِينُوا عِبَادَ اللهِ؛ رَحِمَكُمُ اللهُ» (^١).
وَلَنَا فِيهِ -بِتَوفِيقِ اللهِ- كَلِمَاتٌ:
أَوَّلًا: أَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ وَلَيسَ رَفْعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ! فَإِنَّ الحَدِيثَ جَاءَ مَرْفُوعًا عِنْدَ البَزَّارِ، وَمَوقُوفًا عِنْدَ البَيهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ، وَالرُّوَاةُ فِيهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ (^٢) مُخْتَلِفُونَ فِي الوَقْفِ وَالرَّفْعِ، وَلَكِنَّ جَعْفَرَ بْنَ عَونٍ (الرَّاوِي لِرِوَايَةِ الوَقْفِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ فِي الشُّعَبِ) أَوثَقُ مِنْ حَاتِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ (وَهُوَ الرَّاوِي لِرِوَايَةِ الرَّفْعِ عَنْ أُسَامَةَ عِنْدَ البَزَّارِ) (^٣).
ثَانِيًا: أَنَّ كَونَهُ مَوقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ لَا يَعْنِي كَونَهُ حُجَّةً فِي هَذَا البَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَلَقَّاهُ مِنْ مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
ثَالِثًا: أَنَّهُ إِنْ قِيلَ بِحُجِّيَّتِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِأُمُورٍ أَهَمِّهَا:
أ- تَقْيِيدُهُ بِكَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ هُمُ المَلَائِكَةُ.
وَهَذَا لَهُ مَخْرَجٌ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ أُصُولِ عِلْمِ التَّوحِيدِ، وَذَلِكَ لِكَونِ المُسْتَغَاثِ بِهِ حَيًّا؛ وَحَاضِرًا -كَمَا بَيَّنَهُ نَفْسُ الحَدِيثِ بِقَولِهِ (حَاضِرًا) -، وَقَادِرًا -كَمَا بَيَّنَهُ نَفْسُ الحَدِيثِ بِكَونِ اللهِ تَعَالَى جَعَلَهُم لِهَذِهِ المُهِمَّةِ-، وَهَذَا يُبْطِلُ اسْتِدْلَالَهُم بِالحَدِيثِ عَلَى الأَمْوَاتِ وَالأَولِيَاءِ وَالغَائِبِينَ، وَالحَمْدُ للهِ.
_________________
(١) الحَدِيثُ وَرَدَ مَرْفُوعًا وَمَوقُوفًا، وَهُوَ صَحِيحٌ مَوقُوفًا، رَوَاهُ البَزَّارُ (١١/ ١٨١) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، وَالبَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (١٦٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوقُوفًا. الصَّحِيحَةَ (٦٥٦).
(٢) وَأُسَامَةُ بْنُ زَيدٍ هَذَا؛ هُوَ اللَّيثِيُّ؛ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (ت ١٥٣ هـ)؛ وَلَيسَ هُوَ أُسَامَةَ بْنَ زَيدِ بْنِ حَارِثَةَ؛ الصَّحَابِيُّ!
(٣) اُنْظُرِ الصَّحِيحَةَ (٦٥٦).
[ ٢ / ٦١٧ ]
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ مِنَ الجِنِّ أَوِ الإِنْسِ مِمَّنْ يُسَمُّونَهُم بِرِجَالِ الغَيبِ مِنَ الأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، سَوَاءً كَانُوا أَحْيَاءً أَو أَمْوَاتًا! فَإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِهِم وَطَلَبَ العَونِ مِنْهُم شِرْكٌ بَيِّنٌ، لِأَنَّهُم لَا يَسْمَعُونَ الدُّعَاءَ، وَلَو سَمِعُوا لَمَا اسْتَطَاعُوا الإِجَابَةَ وَتَحْقِيقَ الرَّغْبَةِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي آيَاتٍ كَثِيرْةٍ، مِنْهَا قَولُهُ ﵎: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: ١٤] " (^١).
ب- تَقْيِيدُهُ بِمَنْ أَصَابَتْهُ عَرْجَةٌ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ؛ فَيُدَلُّ إِلَى الطَّرِيقِ، كَمَا جَاءَ فِي نَفْسِ الحَدِيثِ، وَلَيسَ عُمُومَ النَّصْرِ وَالإِغَاثَةِ وَالرِّزْقِ وَالشَّفَاعَةِ (^٢)!
رَابِعًا: أَنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ -جَدَلًا- وَلَمْ يَدُلَّ عَلَى دُعَاءِ الأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ! فَالوُقُوفُ مَعَ النَّصِّ هُوَ الصَّوَابُ -إِثْبَاتًا وَنَفْيًا-.
خَامِسًا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ جَعْلُ هَذَا الأَثَرِ -عَلَى القَولِ بِحُجَّتِهِ- نَصًّا لِهَدْمِ النُّصُوصِ العَامَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنْ دُعَاءِ الأَمْوَاتِ وَالغَائِبِينَ وَمَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ -فَضْلًا عَنْ غَيرِهِ- ضَرًّا وَلَا نَفْعًا!
_________________
(١) الصَّحِيحَةُ (٦٥٦).
(٢) وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ أَيضًا فِي الصَّحِيحَةِ (٦٥٦): "وَيَبْدُو أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ -الَّذِي حَسَّنَهُ الحَافِظُ- كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يُقَوِّيهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَمِلَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ فِي (المَسَائِلِ) (٢١٧): سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَجَجْتُ خَمْسَ حُجَجٍّ؛ مِنْهَا اثْنَتَين رَاكِبًا، وَثَلَاثَةً مَاشِيًا، أَوِ اثْنَتَين مَاشِيًا، وَثَلَاثَةً رَاكِبًا؛ فَضَلَلْتُ الطَّرِيقَ فِي حَجَّةٍ -وَكُنْتُ مَاشِيًا-، فَجَعَلْتُ أَقُولُ: يَا عِبَادَ اللهِ دُلُّونَا عَلَى الطَّرِيقِ! فَلَمْ أَزَلْ أَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعْتُ عَلَى الطَّرِيقِ. قُلْتُ: وَقَدْ أَورَدَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ السَّابِقَ فِي كِتَابِهِ (الوَابِلُ الصَّيِّبُ) فِي الفَصْلِ السَّابِعِ وَالثَّلَاثُينَ (ص ١٢٥): فِي (الدَّابَةُ إِذَا انْفَلَتَتْ وَمَا يُذْكَرُ عِنْدَ ذَلِكَ).
[ ٢ / ٦١٨ ]
٨ - أَمَّا حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي أَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتَسْقِي لَهُ ثُمَّ أَتَى عُمَرَ …؛ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَا يُفِيدُ تَصْحِيحُ الحَافِظِ لِإِسْنَادِهِ! لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَحَّحَهُ إِلَى مَالِكِ الدَّارِ فَقَط، وَمَالِكُ هَذَا مَجْهُولُ الحَالِ، أَي: مَجْهُولُ العَدَالَةِ وَالضَّبْط وَلَيسَ لَهُ تَوثِيقٌ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الرِّجَالِ (^١)، عَدَا عَنْ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِمَا سَنَّهُ النَّبِيُ ﷺ لِأُمَّتِهِ مِنْ دُعَاءِ وَصَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ.
_________________
(١) وَقَدْ رَوَى لَهُ الحَافِظُ الهَيثَمِيُّ ﵀ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ (٤٦٨٨) أَثَرًا عَنْ عُمَرَ فِي -بَابٌ فِي الإِنْفَاقِ- وَقَالَ فِي آخِرِ حَدِيثهِ: "وَمَالِكُ الدَّارِ لَمْ أَعْرِفْهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ".
[ ٢ / ٦١٩ ]
الشبهة الحادية عشرة: أن الصحابة كانوا يستغيثون بالنبي ﷺ بعد موته
- الشُّبُهْةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْتَغِيثُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ، فَابْنُ عُمَرَ كَانَ يَسْتَغِيثُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِذَا أَلَمَّ بِهِ مَكْرُوهٌ، بَلْ حَتَّى إِذَا خَدِرَتْ رِجْلُهُ فَقَط!
فَفِي الحَدِيثِ عَنِ الهَيثَمِ بْنِ حَنَشٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، فَخَدِرَتْ رِجْلُهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: اُذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيكَ، فَذَكَرَ مُحَمَّدًا؛ فَكَأَنَّما نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ! (^١)
وَأَيضًا مَا جَاءَ فِي الأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ شِعَارُهُم فِي الحَرْبِ (يَا مُحَمَّدُ)!
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ حَدِيثَ الخَدَرِ ضَعِيفٌ.
٢ - أَنَّ الحَدِيثَ مَعَ ذَلِكَ لَيسَ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِلاسْتِغَاثَةِ بِغَيرِ اللهِ، لِأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ اسْتِغَاثَةٌ أَصْلًا! بَلْ هُوَ عِلَاجٌ قَدِيمٌ مَعْرُوفٌ لِلخَدَرِ؛ حَيثُ يَذْكُرُ صَاحِبُهُ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيهِ فَيَزُولُ الخَدَرُ (^٢).
وَهَذَا الدَّوَاءُ التَّجْرِيبِيُّ لِلخَدَرِ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الجَاهِلِيِّينَ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَجُرَّبَ فَنَفَعَ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَيسَ فِيهِ إِلَّا ذِكْرُ المَحْبُوبِ، وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ: إِنَّ ذِكْرَهُ لِمَحْبُوبِهِ يَجْعَلُ الحَرَارَةَ الغَرِيزِيَّةَ تَتَحَرَّكُ فِي بَدَنِهِ فَيَجْرِي الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ فَتَتَحَرَّكُ أَعْصَابُ الرِّجْلِ؛ فَيَذْهَبُ الخَدَرُ، وَجَاءَتِ الأَشْعَارُ بِهَذَا كَثِيرَةً فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، فَمِنْهَا مَا فِي:
دِيوَانِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ:
"إِذَا خَدِرَتْ رِجْلِي أَبُوحُ بِذِكْرِهَا … لِيَذْهَبَ عَنْ رِجْليَ الخُدُورُ؛ فَيَذهَبُ"
_________________
(١) ضَعِيفٌ. عَمَلُ اليَومِ وَاللَّيلَةِ لِابْنِ السُّنِّيِّ (١/ ١٤١). تَحْقِيقُ الكَلِمِ الطَّيِّبِ لِلشَّيخِ الأَلْبَانِيِّ ﵀ (٢٣٦).
(٢) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: " (يُسْتَحَبُّ) وَإِذَا خَدِرَتْ رِجْلُهُ؛ ذِكْرُ مَنْ يُحِبُّهُ". المَجْمُوعُ (٤/ ٦٥٢). قُلْتُ: فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ أَصْلًا!
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وَفِي دِيوَانِ جَمِيلِ بُثَينَةَ:
"وَأَنْتِ لِعَينِي قُرَّةٌ حِينَ نَلْتَقِي … وَذِكْرُكِ يَشْفِينِي إِذَا خَدِرَتْ رِجْلِي"
٣ - أَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ كَونِ (يَا مُحَمَّد) شِعَارُهُم فِي الحَرْبِ؛ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِهِ! فَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الوَجْهِ مَرْدُودٌ، لِأَنَّ الشِّعَارَ فِي الحَرْبِ هُوَ مَا يُمَيِّزُ بِهِ المُحَارِبُونَ أَنْفُسَهُم عَنْ عَدُوِّهِم عِنْدَ الاخْتِلَاطِ، وَهُوَ يُشْبِهُ مَا يُعْرَفُ اليَومَ بِـ "كَلِمَةِ السِّرِّ".
قَالَ الرَّازِي فِي كِتَابِهِ (مُخْتَارُ الصِّحَاحِ): "شِعَارُ القَومِ فِي الحَرْبِ: عَلَامَتُهُم؛ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُم بَعْضًا" (^١).
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ؛ قَالَ: (غَزَونَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ شِعَارُنَا: أَمِتْ؛ أَمِتْ) (^٢) (^٣).
وَمِثْلُهُ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعًا: «إنْ بُيِّتُّمْ؛ فَلْيَكُنْ شِعارُكُم: حَم، لَا يُنْصَرُونَ» (^٤).
٤ - أَنَّ حَمْلَ الأَثَرَينِ عَلَى الاسْتِغَاثَةِ بِهِ ﵊ لِيَزُولَ الضُّرُّ بِذِكْرِهِ غَيرُ مَشْرُوعٍ! لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -وَغَيرَهُ مِنْ بَابِ أَولَى- لَا يَمْلِكُ كَشْفَ الضُّرِّ أَصْلًا! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجِنّ: ٢١].
_________________
(١) مُخْتَارُ الصِّحَاحِ (ص ١٦٥).
(٢) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٥٩٦) بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُنَادِي بِالشِّعَارِ. صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٢٥٩٦). وَرَوَاهُ البَغَوِيُّ (١١/ ٥٢) بَابُ الشِّعَارِ فِي الحَرْبِ.
(٣) قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ ﵀: "هُوَ أَمْرٌ بِالمَوتِ، وَالمُرَادُ بِهِ التَّفَاؤُلُ بِالنَّصْرِ بَعْدَ الأَمْرِ بِالإِمَاتَةِ مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ لِلشِّعَارِ؛ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ عَلَامَةً بَينَهُمْ يَتَعَارَفُونَ بِهَا لِأَجْلِ ظُلْمَةِ اللَّيلِ". النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ (٤/ ٨٠٩).
(٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٢٥٩٧) عَنِ المُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَنْ أَحَدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ. الصَّحِيحَةُ (٣٠٦٦).
[ ٢ / ٦٢١ ]
- الشُّبُهْةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: أَلَيسَ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الخَاصَّةِ وَكَثِيرٍ مِنَ العَامَّةِ مَا يُسَمَّى بِـ (الأَبْدَالِ)؟!
وَأَلَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مَا يَشْهَدُ لِوُجُودِهِم؟!
فَعَلَيهِ؛ تَصِحُّ الاسْتِغَاثَةُ بِهِم لِقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ وَكَشْفِ الضُّرِّ وَإِنْزَالِ الرَّحْمَةِ!!
الجَوَابُ:
١ - أَمَّا مَا يُسَمَّونَ بِـ (الأَبْدَالِ) فَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيءٌ فِي خَبَرِهِم (^١)، وَأَعْلَى مَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ هُوَ أَثَرٌ مَوقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ (^٢).
_________________
(١) قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀: "وَقَدْ رُوِيَ ذِكْرُ عَدَدِ الأَولِيَاءِ فِي أَحَادِيثَ لا تَصِحُّ". التَّبْصِرَةُ (٢/ ١١٣). وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (٩٣٥): "وَاعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الأَبْدَالِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيءٌ، وَكُلُّهَا مَعْلُولَةٌ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ بَعْضٍ". وَقَالَ أَيضًا ﵀ فِي الضَّعِيفَةِ (١٤٧٩): " (فَائِدَةٌ): نَقَلْتُ أَكْثَرَ أَسَانِيدِ الأَحَادِيثِ المُتَقَدِّمَةِ مِنْ رِسَالَةِ السُّيُوطِيِّ (الخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى وُجُودِ القُطْبِ وَالأَوتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَبْدَالِ)، وَقَدْ حَشَاهَا بِالأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالآثَارِ الوَاهِيَةِ، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ بَعْضٍ كَمَا يَدُلُّكَ هَذَا التَّخْرِيجُ، وَمِنْ عَجِيبِ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا وَلَا حَدِيثًا وَاحِدًا فِي القُطْبِ المَزْعُومِ، وَيُسِمِّيهِ تَبَعًا لِلصُّوفِيَّةِ بِالغَوثِ أَيضًا! وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الأَوتَادِ وَالنُّجَبَاءِ أَيَّ حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ! وَإِنَّمَا هِيَ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ مُخْتَرَعَةٌ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ لَا تُعْرَفُ عِنْدَ السَّلَفِ؛ اللَّهُمَّ إِلَّا اسْمَ "البَدَلِ" فَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُم كَمَا تَقَدَّمَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ عَنِ اليَافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ: وَالقُطْبُ هُوَ الوَاحِدُ المَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ عَلَى قَلْبِ إِسْرَافِيلَ! فَنَقُولُ: أَثْبِتِ العَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ، فَالحَدِيثُ كَذِبٌ كَمَا سَمِعْتَ عَنِ الذَّهَبِيِّ وَالعَسْقَلَانِيِّ، فَالعَجَبُ مِنَ السُّيُوطِيِّ -لَا اليَافِعِيِّ- أَنْ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيهِ".
(٢) قَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀: "وَمِمَّا يَتَقَوَّى بِهِ هَذَا الحَدِيثُ [حَدِيثٌ فِيهِ ذِكْرُ الأَبْدَالِ] وَيَدُلُّ لِانْتِشَارِهِ بَينَ الأَئِمَّةِ قَولُ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي بَعْضِهِم: (كُنَّا نَعُدُّهُ مِنَ الأَبْدَالِ)، وَقَولُ البُخَارِيِّ فِي غَيرِهِ: (كَانُوا لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مِنَ الأَبْدَالِ)، وَكَذَا وَصْفُ غَيرِهِمَا -مِنَ النُّقَّادِ وَالحُفاَّظِ وَالأَئِمَّةِ- غَيرَ وَاحِدٍ بِأَنَّهُم مِنَ الأَبْدَالِ". المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ (ص ٤٥).
[ ٢ / ٦٢٢ ]
قَالَ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأَسْرَارُ المَرْفُوعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوضُوعَةِ): "وَمِنْ ذَلِكَ أَحَادِيثُ الأَبْدَالِ وَالأَقْطَابِ وَالأَغْوَاثِ وَالنُّقَبَاءِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَوتَادِ؛ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ عَن رَسُولِ اللهِ، وَأَقْرَبُ مَا فِيهَا: (لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشَّامِ؛ فَإِنَّ فِيهِمِ البُدَلَاءَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ رَجُلًا آخَرَ). ذَكَرَهُ أَحْمَدُ، وَلَا يَصِحُّ أَيضًا؛ فَإِنَّهُ مُنْقَطِعٌ (^١).
قُلْتُ [مُلَّا عَلِي القَارِي ﵀]: وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ وَالآثَارُ مَرْفُوعَةً وَمَوقُوفَةً عَلَى الصَّحَابَةِ الأَبْرَارِ وَالتَّابِعِينَ الأَخْيَارِ، وَقَدْ جَمَعَهَا السُّيُوطِيُّ فِي رِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَمَّاهَا (الخَبَرُ الدَّالُ عَلَى وُجُودِ القُطُبِ وَالأَوتَادِ وَالنُّجَبَاءِ وَالأَبْدَالِ) " (^٢).
أَمَّا أَثَرُ عَلِيٍّ ﵁ المَوقُوفُ -الصَّحِيحُ- فَهُوَ: قَامَ رَجُلٌ يَومَ صِفِّينَ؛ فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ أَهْلَ الشَّامِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: (مَهْ، لَا تَسُبَّ أَهْلَ الشَّامِ جَمًّا غَفِيرًا؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الأَبْدَالَ) (^٣).
٢ - أَمَّا مَعْنَى الأَبْدَالِ فَهُوَ مِنَ الإِبْدَالِ، وَعَلَى وُفْقِ مَا أَشَارَتْ إِلَيهِ النُّصُوصُ -وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ كَمَا سَبَقَ- هُوَ عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ، مِنْهَا:
أ- أَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُم وَاحِدٌ أَبْدَلَ اللهُ مَكَانَهُ وَاحِدًا آخَرَ (^٤).
_________________
(١) هَذَا النَّقْلُ هُوَ مِنْ كَلَامِ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ ﵀ -كَمَا فِي كِتَابِهِ (المَنَارُ المُنِيفُ) (ص ١٣٦) - نَقَلَهُ الشَّيخُ مُلَّا عَلِي القَارِي رَحِمَهُمَا اللهُ.
(٢) الأَسْرَارُ المَرْفُوعَةُ فِي الأَخْبَارِ المَوضُوعَةِ (ص ٤٩١).
(٣) صَحِيحٌ مَوقُوفٌ. المُخْتَارَةُ (٢/ ١١١)، وَقَالَ الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ: "وَهُوَ أَولَى مِنَ المَرْفُوعِ". اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢٩٩٤).
(٤) كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خِيَارُ أُمَّتِي فِي كُلِّ قَرْنٍ خَمْسُمِائَةٍ، وَالأَبْدَالُ أَرْبَعُونَ؛ فَلَا الخَمْسُمِائَةَ يَنْقُصُونَ وَلَا الأَرْبَعُونَ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ ﷿ مِنَ الخَمْسِمِائَةِ مَكَانَهُ، وَأَدْخَلَ مِنَ الأَرْبَعِينَ مَكَانَهُمْ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ. قَالَ: «يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيهِمْ، وَيَتَوَاسُونَ فِيمَا آتَاهُمُ اللهُ ﷿). مَوضُوعٌ. الحِلْيَةُ (١/ ٨). المَوضُوعَاتُ لِابْنِ الجَوزِيِّ (٣/ ١٥١)، وَالضَّعِيفَةُ (٩٣٥).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ب- أَنَّهُم أَبْدَلُوا السَّيِّئَاتِ مِنْ أَخْلَاقِهِم وَأَعْمَالِهِم وَعَقَائِدِهِم بِحَسَنَاتٍ؛ فَهُم أَصْلَحُ النَّاسِ فِي كُلِّ زَمَنٍ (^١).
ج- أَنَّهُم أَبْدَالُ الأَنْبِيَاءِ.
٣ - أَمَّا مِنْ جِهَةِ جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِهِم فِي مَا سَبَقَ مِنَ الكَلَامِ؛ فَيَصِحُّ إِنْ كَانُوا أَحْيَاءً حَاضِرِينَ قَادِرِينَ؛ يَقُومُونَ بِأَسْبَابِ النَّفْعِ الدُّنْيَوِيَّةِ -مِنْ سَعْيٍ وَإِنْفَاقٍ وَنُصْحٍ وَإِرْشَادٍ-، أَو يَقُومُونَ بِأَسْبَابِ نَفْعٍ دِينِيَّةٍ -مِنْ دُعَاءٍ للهِ وَتَضَرُّعٍ وَتَعْلِيمٍ لِلشَّرِيعَةِ- فَيَصِحُّ أَيضًا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُم أَسْبَابٌ (^٢).
وَأَمَّا الاسْتِغَاثَةُ بِهِم -وَهُم أَمْوَاتٌ-؛ وَالتَّعَلُّقِ بِهِم فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيهِ البَشَرُ مِنْ كَشْفِ الكُرَبِ وَالنَّصْرِ العَامِّ وَشِفَاءِ المَرْضَى وَإِنْزَالِ الغَيثِ وَالنَّصْرِ عَلَى الأَعْدَاءِ وَمَا أَشْبَهَ؛ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ شِرْكِ المُشْرِكِينَ حَيثُ ادَّعَوا فِي شُفَعَائِهِم وَأَولِيَائِهِم الصَّالِحِينَ
_________________
(١) وَقَدْ سَبَقَ فِي الحَاشِيَةِ المَاضِيَةِ بَيَانُ شَيءٍ مِنْ وَصْفِهِم. وَقَالَ العَجْلُونِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ الخَفَاءِ) (١/ ٣٥): "فَائِدَةٌ: لِلأَبْدَالِ عَلَامَاتٌ؛ مِنْهَا مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مِنَ الأَبْدَالِ: الرِّضَى بِالقَضَاءِ، وَالصَّبْرُ عَنِ المَحَارِمِ، وَالغَضَبُ للهِ». مَوضُوعٌ. الدَّيلَمِيُّ فِي الفِرْدَوسِ (٢/ ٨٤) عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا. الضَّعِيفَةُ (١٤٧٤).
(٢) كَمَا فِي أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَهُوَ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كَيفَ بِهِمْ يُحْيِي وَيُمِيتُ؟ قَالَ: (لِأَنَّهُمْ يَسْأَلُونَ اللهَ ﷿ إِكْثَارَ الأُمَمِ فَيَكْثُرُونَ، وَيَدْعُونَ عَلَى الجَبَابِرَةِ فَيُقْصَمُونَ، وَيَسْتَسْقَونَ فَيُسْقَونَ، وَيَسْأَلُونَ فَتُنْبِتُ لَهُمُ الأَرْضُ، وَيَدْعُونَ فَيُدْفَعُ بِهِمْ أَنْوَاعَ البَلَاءِ). مَوضُوعٌ. الحِلْيَةُ (١/ ٩). الضَّعِيفَةُ (١٤٧٩). وَقَالَ الحَافِظُ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (اللَّآلِئُ المَصْنُوعَةُ فِي الأَحَادِيثِ المَوضُوعَةُ) (٢/ ٢٧٩): "فِيهِ مَجَاهِيلٌ". وَقَالَ الحَافِظُ السَّخَاوِيُّ ﵀ فِي (كِتَابِهِ المَقَاصِدُ الحَسَنَةُ) (ص ٤٦): "وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: الأَبْدَالُ: هُمْ أَهْلُ العِلْمِ. وَقَالُ الإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَصْحَابَ الحَدِيثِ؛ فَمَنْ هُمْ؟! ".
[ ٢ / ٦٢٤ ]
أَنَّهُم إِذَا دَعَوهُم؛ فَإِنَّهُم سَيَدْعُونَ اللهَ لَهُم وَيَتَوَسَّطُونَ لَهُم عِنْدَ اللهِ! وَهَذَا شِرْكٌ فِي الأُلُوهِيَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يُونُس: ١٠٦ - ١٠٧] (^١).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى وَقَد سُئِلَ ﵀ عَنْ الحَدِيثِ المَرْوِيِّ فِي (الأَبْدَالِ) هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَمْ مَقْطُوعٌ؟ وَهَلِ (الأَبْدَالُ) مَخْصُوصُونَ بِالشَّامِ؟ أَمْ حَيثُ تَكُونُ شَعَائِرُ الإِسْلَامِ قَائِمَةً بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَكُونُ بِهَا الأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَغَيرِهِ مِنَ الأَقَالِيمِ؟
وَهَلْ صَحِيحٌ أَنَّ الوَلِيَّ يَكُونُ قَاعِدًا فِي جَمَاعَةٍ وَيَغِيبُ جَسَدُهُ؟
وَمَا قَولُ السَّادَةِ العُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الأَسْمَاءِ الَّتِي تَسَمَّى بِهَا أَقْوَامٌ مِنَ المَنْسُوبِينَ إلَى الدِّينِ وَالفَضِيلَةِ وَيَقُولُونَ: هَذَا غَوثُ الأَغْوَاثِ، وَهَذَا قُطْبُ الأَقْطَابِ، وَهَذَا قُطْبُ العَالَمِ، وَهَذَا القُطْبُ الكَبِيرُ، وَهَذَا خَاتَمُ الأَولِيَاءِ؟
فَأَجَابَ:
"أَمَّا الأَسْمَاءُ الدَّائِرَةُ عَلَى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النُّسَّاكِ وَالعَامَّةِ مِثْلُ (الغَوثِ) الَّذِي بِمَكَّةَ وَ(الأَوتَادِ الأَرْبَعَةِ) وَ(الأَقْطَابِ السَّبْعَةِ) وَ(الأَبْدَالِ الأَرْبَعِينَ) وَ(النُّجَبَاءِ الثَّلَاثِمِائَةِ)؛ فَهَذِهِ أَسْمَاءٌ لَيسَتْ مَوجُودَةً فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى؛ وَلَا هِيَ أَيضًا مَأْثُورَةٌ عَنْ
_________________
(١) وَقَدِ اسْتَطَالَ الشِّرْكُ بِبَعْضِهِم حَتَّى جَعَلُوا لِلأَبْدَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَا لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ تَعَالَى، كَقَولِ بَعْضِ المُنْشِدِينَ -قَاتَلَهُمُ اللهُ-: "شَيخ رَسْلَان! يَا حَامِي البَرِّ وَالشَّامِ"، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٩٤].
[ ٢ / ٦٢٥ ]
النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ يُحْمَلُ عَلَيهِ ألْفَاظُ الأَبْدَالِ.
فَقَدْ رُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ شَامِيٌّ مُنْقَطِعُ الإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ فِيهِمْ -يَعْنِي أَهْلَ الشَّامِ- الأَبْدَالَ الأَرْبَعِينَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ تَعَالَى مَكَانَهُ رَجُلًا» وَلَا تُوجَدُ هَذِهِ الأَسْمَاءُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ كَمَا هِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَلَا هِيَ مَأْثُورَةٌ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالمَعَانِي عَنْ المَشَايِخِ المَقْبُولِينَ عِنْدَ الأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا، وَإِنَّمَا تُوجَدُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ بَعْضِ المُتَوَسِّطِينَ مِنَ المَشَايِخِ، وَقَدْ قَالَهَا إمَّا آثِرًا لَهَا عَنْ غَيرِهِ أَو ذَاكِرًا.
وَهَذَا الجِنْسُ وَنَحْوُهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ قَدِ الْتَبَسَ عِنْدَ أَكْثَرِ المُتَأَخِّرِينَ حَقُّهُ بِبَاطِلِهِ، فَصَارَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ مَا يُوجِبُ قَبُولَهُ وَمِنْ البَاطِلِ مَا يُوجِبُ رَدَّهُ، وَصَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى طَرَفَي نَقِيضٍ، قَومٌ كَذَّبُوا بِهِ كُلَّهُ لِمَا وَجَدُوا فِيهِ مِنَ البَاطِلِ، وَقَومٌ صَدَّقُوا بِهِ كُلَّهُ لِمَا وَجَدُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ التَّصْدِيقُ بِالحَقِّ وَالتَّكْذِيبُ بِالبَاطِلِ، وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﵇ عَنْ رُكُوبِ هَذِهِ الأُمَّةِ سُنَنَ مَنْ قَبْلَهَا حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الكِتَابَينِ لَبَّسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَهَذَا هُوَ التَّبْدِيلُ وَالتَّحْرِيفُ الَّذِي وَقَعَ فِي دِينِهِمْ؛ …
فَأَمَّا لَفْظُ (الغَوثِ) وَ(الغِيَاثِ) فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إِلَّا اللهُ؛ فَهُوَ غِيَاثُ المُسْتَغِيثِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيرِهِ؛ لَا بِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ أَهْلَ الأَرْضِ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَهُمْ -الَّتِي يَطْلُبُونَ بِهَا كَشْفَ الضُّرِّ عَنْهُمْ وَنُزُولَ الرَّحْمَةِ إلَى الثَّلَاثِمِائَةِ؛ وَالثَّلَاثمِائَة إلَى السَّبْعِينَ، وَالسَّبْعُونَ إلَى الأَرْبَعِينَ، وَالأَرْبَعُونَ إلَى السَّبْعَةِ، وَالسَّبْعَةُ إلَى الأَرْبَعَةِ، وَالأَرْبَعَةُ إلَى الغَوثِ- فَهُوَ كَاذِبٌ ضَالٌّ مُشْرِكٌ، فَقَدْ كَانَ المُشْرِكُونَ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَولِهِ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ
[ ٢ / ٦٢٦ ]
إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٦٧]، وَقَالَ ﷾: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النَّمْل: ٦٢]، فَكَيفَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَرْفَعُونَ إلَيهِ حَوَائِجَهُمْ بَعْدَهُ بِوَسَائِطَ مِنَ الحُجَّابِ وَهُوَ القَائِلُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٦]؟!
وَقَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَامَّةُ المُسْلِمِينَ وَلَا مَشَايِخُهُمُ المَعْرُوفُونَ يَرْفَعُونَ إلَى اللهِ حَوَائِجَهُمْ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا بِهَذِهِ الوَسَائِطِ وَالحُجَّابِ، فَتَعَالَى اللهُ عَنْ تَشْبِيهِهِ بِالمَخْلُوقِينَ مِنَ المُلُوكِ وَسَائِرِ مَا يَقُولُهُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ دَعْوَى الرَّافِضَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ إمَامٍ مَعْصُومٍ يَكُونُ حُجَّةَ اللهِ عَلَى المُكَلَّفِينَ؛ لَا يَتِمُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ! ثُمَّ مَعَ هَذَا يَقُولُونَ إنَّهُ كَانَ صَبِيًّا دَخَلَ السِّرْدَابَ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَة؛ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ عَينٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا يُدْرَكُ لَهُ حِسٌّ وَلَا خَبَرٌ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ هَذِهِ المَرَاتِبَ فِيهِمْ مُضَاهَاةٌ لِلرَّافِضَةِ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ …
وَأَمَّا الأَوتَادُ؛ فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِ البَعْضِ أَنَّهُ يَقُولُ: فُلَانٌ مِنَ الأَوتَادِ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُثَبِّتُ بِهِ الإِيمَانَ وَالدِّينَ فِي قُلُوبِ مَنْ يَهْدِيهِمُ اللهُ بِهِ كَمَا يُثَبِّتُ الأَرْضَ بِأَوتَادِهَا، وَهَذَا المَعْنَى ثَابِتٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ العُلَمَاءِ، فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ بِهِ تَثْبِيتُ العِلْمِ وَالإِيمَانِ فِي جُمْهُورِ النَّاسِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الأَوتَادِ العَظِيمَةِ وَالجِبَالِ الكَبِيرَةِ
وَأَمَّا القُطْبُ؛ فَيُوجَدُ أَيضًا فِي كَلَامِهِمْ: فُلَانٌ مِنَ الأَقْطَابِ، أَو فُلَانٌ قُطْبٌ، فَكُلُّ مَنْ دَارَ عَلَيهِ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا بَاطِنًا أَو ظَاهِرًا فَهُوَ قُطْبُ ذَلِكَ الأَمْرِ وَمَدَارُهُ؛ سَوَاءً كَانَ الدَّائِرُ عَلَيهِ أَمْرَ دَارِهِ أَو دَرْبِهِ أَو قَرْيَتِهِ أَو مَدِينَتِهِ؛ أَمْرَ دِينِهَا أَو دُنْيَاهَا؛ بَاطِنًا أَو ظَاهِرًا، وَلَا اخْتِصَاصَ لِهَذَا المَعْنَى بِسَبْعَةٍ وَلَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ، لَكِنَّ المَمْدُوحَ مِنْ ذَلِكَ
[ ٢ / ٦٢٧ ]
مَنْ كَانَ مَدَارًا لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ دُونَ مُجَرَّدِ صَلَاحِ الدُّنْيَا، فَهَذَا هُوَ القُطْبُ فِي عُرْفِهِمْ، فَقَدْ يَتَّفِقُ فِي بَعْضِ الأَعْصَارِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ أَفْضَلَ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ فِي عَصْرٍ آخَرَ أَنْ يَتَكَافَأَ اثْنَانِ أَو ثَلَاثَةٌ فِي الفَضْلِ عِنْدَ اللهِ سَوَاءٌ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ شَخْصٌ وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَلُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ مُطْلَقًا!
وَكَذَلِكَ لَفْظُ (البَدَلِ)؛ جَاءَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، فَأَمَّا الحَدِيثُ المَرْفُوعُ فَالأَشْبَهُ أَنَّهُ لَيسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﵇، فَإِنَّ الإِيمَانَ كَانَ بِالحِجَازِ وَبِاليَمَنِ قَبْلَ فُتُوحِ الشَّامِ وَكَانَتِ الشَّامُ وَالعِرَاقُ دَارَ كُفْرٍ
وَالَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِاسْمِ البَدَلِ فَسَّرُوهُ بِمَعَانٍ مِنْهَا: أَنَّهُمْ أَبْدَالُ الأَنْبِيَاءِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللهُ تَعَالَى مَكَانَهُ رَجُلًا، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ أُبْدِلُوا السَّيِّئَاتِ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَعَقَائِدِهِمْ بِحَسَنَاتٍ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا لَا تَخْتَصُّ بِأَرْبَعِينَ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ، وَلَا تُحْصَرُ بِأَهْلِ بُقْعَةٍ مِنَ الأَرْضِ، وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ المَعْنَى فِي اسْمِ (النُّجَبَاءِ).
فَالغَرَضُ أَنَّ هَذِهِ الأَسْمَاءَ تَارَةً تُفَسَّرُ بِمَعَانٍ بَاطِلَةٍ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ مِثْلِ تَفْسِيرِ بَعْضِهِمْ (الغَوثَ) هُوَ الَّذِي يُغِيثُ اللهُ بِهِ أَهْلَ الأَرْضِ فِي رِزْقِهِمْ وَنَصْرِهِمْ! فَإِنَّ هَذَا نَظِيرُ مَا تَقُولُهُ النَّصَارَى
وَكَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَ (الأَرْبَعِينَ الأَبْدَالَ) بِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يُنْصَرُونَ وَيُرْزَقُونَ بِهِمْ؛ فَذَلِكَ بَاطِلٌ؛ بَلِ النَّصْرُ وَالرِّزْقُ يَحْصُلُ بِأَسْبَابِ مِنْ آكَدِهَا دُعَاءُ المُؤْمِنِينَ وَصِلَاتُهُمْ وَإِخْلَاصُهُمْ، وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ لَا بِأَرْبَعِينَ وَلَا بِأَقَلَّ وَلَا بِأَكْثَرَ
وَلَيسَ فِي أَولِيَاءِ اللهِ المُتَّقِينَ وَلَا عُبَّادِ اللهِ المُخْلِصِينَ الصَّالِحِينَ وَلَا أَنْبِيَائِهِ المُرْسَلِينَ مَنْ كَانَ غَائِبَ الجَسَدِ دَائِمًا عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ! بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَولِ
[ ٢ / ٦٢٨ ]
القَائِلِينَ: إنَّ عَلِيًّا فِي السَّحَابِ! وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَنَفِيَّةِ فِي جِبَالِ رَضْوَى! وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ بِسِرْدَابٍ سَامِرِيٍّ! وَإِنَّ الحَاكِمَ بِجَبَلِ مِصْرَ! وَإِنَّ الأَبْدَالَ الأَرْبَعِينَ -رِجَالَ الغَيبِ- بِجَبَلِ لُبْنَانَ! فَكُلُّ هَذَا وَنَحْوُهُ مِنْ قَولِ أَهْلِ الإِفْكِ وَالبُهْتَانِ.
نَعَمْ؛ قَدْ تُخْرَقُ العَادَةُ فِي حَقِّ الشَّخْصِ فَيَغِيبُ تَارَةً عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ إمَّا لِدَفْعِ عَدُوٍّ عَنْهُ وَإِمَّا لِغَيرِ ذَلِكَ؛ وَأَمَّا أَنَّهُ يَكُونُ هَكَذَا طُولَ عُمْرِهِ! فَبَاطِلٌ
وَكَذَا لَفْظُ (خَاتَمِ الأَولِيَاءِ) لَفْظٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ؛ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدِ انْتَحَلَهُ طَائِفَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ خَاتَمُ الأَولِيَاءِ؛ كَابْنِ حَموية وَابْنِ عَرَبِيٍّ وَبَعْضِ الشُّيُوخِ الضَّالِّينَ بِدِمَشْقَ وَغَيرِهَا، وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ ﵇ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ؛ إلَى غَيرِ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالبُهْتَانِ، وَكُلُّ ذَلِكَ طَمَعًا فِي رِيَاسَةِ خَاتَمِ الأَولِيَاءِ لَمَّا فَاتَتْهُمْ رِيَاسَةُ خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ! وَقَدْ غَلِطُوا (^١)، فَإِنَّ خَاتَمَ الأَنْبِيَاءِ إنَّمَا كَانَ أَفْضَلَهُمْ لِلْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيسَ كَذَلِكَ خَاتَمُ الأَولِيَاءِ! فَإِنَّ أَفْضَلَ أَولِيَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَخَيرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ ثُمَّ عُمَرُ ﵁ ثُمَّ عُثْمَانُ ﵁ ثُمَّ عَلِيٌّ ﵁، وَخَيرُ قُرُونِهَا
_________________
(١) وَتَأَمَّلْ عَجَبًا مَا نَقَلَهُ المُنَاوِيُّ ﵀ وَغَفَرَ لَهُ عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ (الأَبْدَالُ مِنَ المَوَالِي) وَلَا يَصِحُّ أَيضًا: " (خَاتِمَةٌ) قَالَ ابْنُ عَرَبِي: الأَوتَادُ الَّذِينَ يَحْفَظُ اللهُ بِهِمُ العَالَمَ أَرْبَعَةٌ فَقَط، وَهُم أَخَصُّ مِنَ الأَبْدَالِ، وَالإِمَامَانِ أَخَصُّ مِنْهُم، وَالقُطْبُ أَخَصُّ الجَمَاعَةِ، وَالأَبْدَالُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلِقُونَهُ عَلَى مَنْ تَبَدَّلَتْ أَوصَافُهُ المَذْمُومَةُ بِمَحْمُودَةٍ، وَيُطْلِقُونِهُ عَلَى عَدَدٍ خَاصٍّ وَهُمْ أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَلِكُلِّ وَتَدٍ مِنَ الأَوتَادِ الأَرْبَعَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ البَيتِ. وَيَكُونُ عَلَى قَلْبِ عِيسَى؛ لَهُ اليَمَانِيُّ، وَالَّذِي عَلَى قَلْبِ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَالَّذِي عَلَى قَلْبِ آدَمَ لَهُ الرُّكْنُ الشَّامِيُّ، وَالَّذِي عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ لَهُ العِرَاقِيُّ، وَالَّذِي عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ لَهُ رُكْنُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ؛ وَهُوَ لَنَا بِحَمْدِ اللهِ"!! فَيضُ القَدِيرِ (٣/ ١٧٠).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
القَرْنُ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وَخَاتَمُ الأَولِيَاءِ فِي الحَقِيقَةِ آخِرُ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يَكُونُ فِي النَّاسِ، وَلَيسَ ذَلِكَ بِخَيرِ الأَولِيَاءِ وَلَا أَفْضَلِهِمْ! بَلْ خَيرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ ثُمَّ عُمَرُ اللَّذَانِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا" (^١).
تَمَّ الكِتَابُ بِحَولِهِ تَعَالَى وَقُوَّتِهِ وَفَضْلِهِ.
وَأَخِيرًا أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى إِجَابَتِي دَعْوَةً كَدَعْوَةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ﵊ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾
وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
وَكَتَبَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ خُلْدُونُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ نَغَوِي آل حَقُوي
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١١/ ٤٣٣) بِحَذْفٍ يَسِيرٍ دَرْءًا لِلإِطَالَةِ.
[ ٢ / ٦٣٠ ]