مُقَدِّمَةٌ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ خَاتَمِ المُرْسَلِينَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا مُلْحَقٌ مُتَمِّمٌ لِكِتَابِي هَذَا قَدِ اسْتَحْسَنْتُ إِيرَادَهُ تَتْمِيمًا لِفَائِدَةِ هَذَا الكِتَابِ المُبَارَكِ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَقَدْ جَعَلْتُهُ خَاصًّا فِي التَّعْلِيقِ والرَّدِّ عَلَى أَبْيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِن قَصِيدَةِ البُرْدَةِ (^١) المَعْرُوفَةِ لِلبُوصِيرِي (^٢)، وَقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ أُصُولًا فِي الرَّدِّ
_________________
(١) وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَى هَذِهِ القَصِيدَةِ اسْمَ (البُرْدَةُ) مِنْ بَابِ المُحَاكَاةِ وَالمُشَاكَلَةِ لِلقَصِيدَةِ الشَّهِيرَةِ لِكَعْبِ بْنِ زُهَيرٍ ﵁ فِي مَدْحِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَدِ اشْتُهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى كَعْبًا بُرْدَتَهُ حِينَ أَنْشَدَ القَصِيدَةَ -إِنْ صَحَّ ذَلِكَ-؛ لِأَنَّ ابْنَ كَثِيرٍ ﵀ قَالَ: "قُلْتُ: وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَاهُ بُرْدَتَهُ حِينَ أَنْشَدَهُ القَصِيدَةَ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الصَّرْصَرِيُّ فِي بَعْضِ مَدَائِحِهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ ذَلِكَ الحَافِظُ أَبُو الحَسَنِ ابْنُ الأَثِيرِ فِي الغَابَةِ قَالَ: وَهِيَ البُرْدَةُ الَّتِي عِنْدَ الخُلَفَاءِ. قُلْتُ: وَهَذَا مِنَ الأُمُورِ المَشْهُورَةِ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيءٍ مِنْ هَذِهِ الكُتُبِ المَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ؛ فَاللَّهُ أَعْلَمُ". البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (٤/ ٤٢٩). كَمَا أَنَّ لِهَذِهِ البُرْدَةِ اسْمًا آخَرَ هُوَ "البُرْأَةُ"، وَذَلِكَ لِأَنَّ البُوصِيرِي -كَمَا يَزْعُمُونَ- شُفِيَ بِهَا مِنْ عِلَّتِهِ، وَقَدْ سُمِّيَتْ كَذَلِكَ بِقَصِيدَةِ الشَّدَائِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا -فِي زَعْمِهِم- تُقْرَأُ لِتَفْرِيجِ الشَّدَائِدِ وَتَيسِيرِ كُلِّ أَمْرٍ عَسِيرٍ. وَبَعْضُهُم يَكْتُبُهَا بِالزَّعْفَرَانِ عَلَى الوَرَقِ ثُمَّ يَحُلُّ الوَرَقَ فِي المَاءِ وَيَشْرَبُهُ بِنِيَّةِ قَضَاءِ الحَاجَاتِ وَالشِّفَاءِ مِنَ الأَمْرَاضِ!
(٢) "مُحَمَّدُ البُوصِيرِي (٦٠٨ - ٦٩٤ هـ): مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمَّادِ بْنِ مُحْسِنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الصَنْهَاجِيُّ؛ =
[ ٢ / ٥٦٢ ]
عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ البِدَعِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا البَابِ، وَقَدْ جَمَعْتُهَا مِنْ كَلَامِ أَهْلِ العِلْمِ -مُؤَلِّفًا بَينَهَا- مَعَ بَعْضِ الفَوَائِدِ الَّتِي اسْتَحْسَنْتُ إِيرَادَهَا، وَالحَمْدُ للهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَفِي المُلْحَقِ التَّالِي لِهَذَا وَهُوَ "ردُّ شُبُهَاتِ المُشْرِكِينَ" مَزِيدُ فَائِدَةٍ عَلَى مَا فِي هَذَا المُلْحَقِ مِنْ وُجُوهٍ أُخَر.
- قَولُهُ: (وقَدَّمَتْكَ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ بِهَا (^١) … والرُّسْلِ تَقْدِيمَ مَخْدُومٍ عَلَى خَدَمِ)
التَّعْلِيقُ: هُوَ خَطَأٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَقِلَّةُ أَدَبٍ مَعَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ، لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ بَعْضُهُم مَعَ بَعْضٍ لَيسَ فِيهِم خَادِمٌ وَمَخْدُومٌ، وَلَيسَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِم عَلَى بَعْضٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ المَفْضُولُ خَادِمًا لِلفَاضِلِ، بَلْ هُمْ سَوَاءٌ فِي النُّبُوَّةِ.
وَفِي الحَدِيثِ: «لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (^٢).
- قَولُهُ: (وَكَيفَ تَدْعُو إلَى الدُّنْيَا ضَرُورَةُ مَنْ … لَولَاهُ لَمْ تَخْرُجِ الدُّنْيَا مِنَ العَدَمِ) (^٣)
التَّعْلِيقُ: هُوَ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ سَبَبَ خَلْقِ الجِنِّ
_________________
(١) = الدَّلَاصِيُّ؛ البُوصِيرِيُّ؛ (شَرَفُ الدِّينِ؛ أَبُو عَبْدِ اللهِ) صُوفِيٌّ مِنْ أَهْلِ الطُّرُقِ؛ نَاظِمٌ. وُلِدَ بِدِلَاص فِي أَوَّلِ شَوَّال، وَنَشَأَ فِي (أَبُو صِير)، وَتُوُفِّيَ بِالإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مِنْ آثَارِهِ: قَصِيدَةُ الكَوَاكِبِ الدُّرِّيَّةِ فِي مَدْحِ خَيرِ البَرِيَّةِ؛ المَعْرُوفَةُ بِالبُرْدَةِ". مُعْجَمُ المُؤَلِّفِينَ (١٠/ ٢٨) لِعُمَر كَحَّالَة.
(٢) وَهِيَ مَنْزِلَتُهُ ﷺ، حَيثُ قَالَ فِي البَيتِ السَّابِقِ: (وَبِتَّ تَرْقَى إلَى أنْ نِلْتَ مَنْزِلَةً … مِنْ قَابِ قَوسِينِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ).
(٣) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٩٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا.
(٤) وَالمَعْنَى: وَكَيفُ يُمْكِنُ لِفَقْرِهِ أَنْ يُغْرِيَهُ بِشَيءٍ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا؛ وَهُوَ الَّذِي لَمْ تُخْلَقِ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا إِلَّا لِأَجْلِهِ.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وَالإِنْسِ هُوَ لِعِبَادَتِهِ تَعَالَى، قَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذَّارِيَات: ٥٦].
وَبَيَّنَ أَيضًا سُبْحَانَهُ أَنَّهُ خَلَقَ مَا فِي الأَرْضِ لِأَجْلِنَا كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٩].
وَأَمَّا الحَدِيثُ المَشْهُورَ عَلَى الأَلْسِنَةِ: «يَا مُحَمَّدُ، لَولَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا» فَهوَ مَوضُوعٌ (^١).
بَلْ إِنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبْعَثُ أَصْلًا إِلَّا مِنْ أَجْلِ العَالَمِينَ -رَحْمَةً مِنَ اللهِ بِهِم-، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ١٠٧].
- قَولُهُ: (فَاقَ النَّبِيِّينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ … وَلَمْ يُدَانُوهُ في عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ
وَكُلُّهُم مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلتَمِسٌ … غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أَو رَشفًا مِنَ الدِّيمِ) (^٢)
التَّعْلِيقُ: مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ السَّابِقِينَ قَدْ نَالُوا وَأَخَذُوا مِنَ الرَسُولَ اللَّاحِقِ!
وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ أَنَّهُ قَولٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَغُلُوٌّ فَاضِحٌ، وَانْظُرْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأَنْعَام: ٩٠].
_________________
(١) كَمَا فِي تَلْخِيصِ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ (ص ٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيهِ أَيضًا: "وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: مَوضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيهِ ظُلْمَةٌ".
(٢) (الدِّيمُ): جَمْعُ دِيمَة: وَهُوَ المَطَرُ لَيسَ فِيهِ رَعْدٌ وَلَا بَرْقٌ. لِسَانُ العَرَبِ (١٢/ ٢١٩).
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀: "يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَالْعَمَلِ الَّذِي عَمِلُوا وَالمِنْهَاجِ الَّذِي سَلَكُوا؛ وَبِالهُدَى الَّذِي هَدَينَاهُم؛ وَالتَّوفِيقَ الَّذِي وَفَّقْنَاهُم؛ ﴿اقْتَدِهْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، أَي: فَاعْمَلْ، وَخُذْ بِهِ وَاسْلُكْهُ؛ فَإِنَّهُ عَمَلٌ للهِ فِيهِ رِضًا، وَمِنْهَاجٌ مَنْ سَلَكَهُ اهْتَدَى" (^١).
وَأَيضًا تَأَمَّلْ قَولَ نَبِيِّنَا ﷺ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى ﵊ فِي شَرْحِ قِصَّتِهِ مَعَ الخَضِرِ: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا لَو صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَينَا مِنْ أَمْرِهِمَا» (^٢).
- قَولُهُ: (دَعْ مَا ادَّعَتهُ النَّصَارَى في نَبِيِّهِمُ (^٣) … وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ
وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ … وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ) (^٤)
التَّعْلِيقُ: قَدْ جَرَى المُؤَلِّفُ في هَذَا البَيتِ -بِزَعْمِهِ- إِلَى الخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ، حَيثُ ظَنَّ أَنَّ النَّهيَ فِي قَولِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ» أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مِثْلِ إِطْرَاءِ النَّصَارَى لِعِيسَى ﵇ فَقَط، يَعْنِي: لَا تُطْرُونِي بِمِثْلِ مَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ -فَقَط- أَنْ يُدَّعَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ابْنٌ للهِ تَعَالَى، فَالنَّهْيُ عَنِ الإِطْرَاءِ لَيسَ عَلَى عُمُومِهِ!
_________________
(١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٣/ ٢٢٩).
(٢) البُخَارِيُّ (١٢٢) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا.
(٣) وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُم هَذَا الشَّطْرَ قَرِينَةً لِصَرْفِ أَيِّ بَيتٍ دَلَّ عَلَى الشِّرْكِ فِي بَاقِي أَبْيَاتِ البُرْدَةِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ المَدْلُولِ!!
(٤) وَقَدْ سَبَقَتْ نَفْسُ المَسْأَلَةِ فِي بَابِ (مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ) وَالإِعَادَةُ هُنَا لِلمُنَاسَبَةِ.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
وَالجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ الكَافَ هُنَا فِي قَولِهِ: «كَمَا» هِيَ كَافُ التَّشْبِيهِ (القِيَاسِ)، وَالفَرْقُ بَينَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبيهِ: أنَّ التَّمْثِيلَ يَعْنِي المُطَابَقَةَ، بَينَمَا التَّشْبِيهُ يَعْنِي الاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الشَّيءِ -كَالعِلَّةِ فِي الحُكْمِ-، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ أَصْلُ الإِطْرَاءِ.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ سِيَاقُ الحَدِيثِ؛ فَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَقُولُوا: «عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»، وَهَذَا هُوَ المَآلُ مِنَ النَّهْيِّ عَنِ الإِطْرَاءِ، بِخِلَافِ مَا لَو كَانَ النَّهْيُ هُوَ عَنْ ادِّعَاءِ أَنَّهُ ابْنٌ للهِ تَعَالَى فَقَط -وَالَّذِي يَنْبَنِي عَلِيهِ جَوَازُ ادِّعَاءِ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ! وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا هُوَ مِنْ شِرْكِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النَّحْل: ٦٠] (^١).
وَلَا يَخْفَى إِنْ شَاءَ اللهُ أنَّ أَنْوَاعَ الشِّرْكِ كَثِيرْةٌ وَلَيسَتْ مَحْصُورَةً فَقَط بِشِرْكِ النَّصَارى بِاتِّخَاذِ الوَلَدِ! بَلْ إِنَّ أَصْلَ شِرْكِ المُشْرِكِينَ هُوَ ادِّعَاءُ أَنَّ للهِ تَعَالَى شُفَعَاءَ مِنَ الصَّالِحِينَ يَشْفَعُونَ عِنْدَهُ بِغَيرِ إِذْنِهِ لَهُم وَبِغَيرِ رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ فِيهِم.
قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَأَمَّا قَولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الحَدِيثِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عَيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» فَمَعْنَاهُ: لَا تَصِفُونِي بِمَا لَيسَ فِيَّ مِنَ الصِّفَاتِ تَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ مَدْحِي، كَمَا وَصَفَتِ النَّصَارَى عِيسَى بِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَنَسَبُوهُ إِلَى أَنَّهُ ابْنُ اللهِ فَكَفَرُوا بِذَلِكَ وَضَلُّوا.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ رَفَعَ امْرَأً فَوقَ حَدِّهِ، وَتَجَاوَزَ مِقْدَارَهُ بِمَا لَيسَ فِيهِ؛ فَمُعْتَدٍ
_________________
(١) وَتَقْدِيمُ الجَارِّ وَالمَجْرُورِ فِي قَولِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ يُفِيدُ الحَصَرَ.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
آثِمٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَو جَازَ فِي أَحَدٍ لَكَانَ أَولَى الخَلْقِ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ" (^١).
٢ - أنَّ قَولَهُ ﷺ: «فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» هُوَ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ فِي الحَصْرِ، أَي: مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ رَسُولٌ، وَجَاءَ هَذَا الحَصْرُ بَعْدَ فَاءِ التَّعْلِيلِ لِبَيَانِ أَنَّ العِلَّةَ فِي عَدَمِ الإطْرَاءِ هُوَ لِكَونِهِ فَقَط عَبْدٌ رَسُولٌ، فَهُوَ عَبْدٌ لَا يُعبْدُ، وَرَسُولٌ لَا يُكَذَّبُ.
٣ - قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الكَثِيرَةُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى النَّهْي عَنِ الغُلوِّ مُطْلَقًا وَعَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ المَدْحِ، وَلَكِنْ نُهِيَ عَنْهَا خَوفًا مِمَّا تَكُونُ ذَرِيعَةً إِلَيهِ.
وَتَأَمَّلِ الأَحَادِيثَ الآتِيَةَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:
أ- عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا سَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا، وَيَا خَيرَنَا وَابْنَ خَيرِنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَولِكُمْ وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ! أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَرَسُولُ اللهِ. وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوقَ مَا رَفَعَنِي اللهُ ﷿) (^٢).
ب- عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ؛ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللهُ ﵎). قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا. فَقَالَ: «قُولُوا بِقَولِكُمْ أَو بَعْضِ قَولِكُمْ؛ وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطَانُ» (^٣) (^٤).
_________________
(١) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (٥/ ٢٤٧).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٣٥٢٩)، وَالنَّسَائِيُّ فِي الكُبْرَى (١٠٠٠٧). غَايَةُ المَرَامِ (١٢٧).
(٣) أَي: لَا يَتَّخِذَنَّكُم الشَّيطَانُ جَرِيًّا لَهُ. وَقَالَ ابْنُ الأثير ﵀ فِي كِتَابِهِ النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ (١/ ٧٣٩): "يُرِيدُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ القَولِ، وَلَا تَتَكَلَّفُوهُ كَأَنَّكُم وُكَلَاءُ الشَّيطَانِ وَرُسُلُهُ تَنْطقُونَ عَنْ لِسَانِهِ".
(٤) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٨٠٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٨٠٦).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ج- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١) (^٢).
- فَائِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ: إِنَّ تَعْظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ غَيرَ المَشْرُوعِ نَوعَان:
الأَوَّلُ: كُفْرٌ؛ وَهُوَ مَا كَانَ مُخْتَصًّا بِاللهِ تَعَالَى، كَدُعَائِهِ ﷺ وَالاسْتِغَاثَةِ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ، وَوَصْفِهِ بِمَا لَا يَتَّصِفُ بِهِ إِلَّا اللهُ.
الثَّانِي: مَعْصِيَةٌ وَذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ؛ كَالكَذِبِ عَلَيهِ فِي صِفَاتِهِ، وَاخْتِرَاعِ الآيَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ غَيرِ المَرْويَّةِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ.
وَهَذَا الوَجْهُ هُوَ أَقَلُّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيهِ قَولُ البُوصِيرِي: (وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ) يَعْنِي مَا شِئْتَ أَنْتَ وَلَيسَ مَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الحَقِيقَةِ وَالوَاقِعِ! وَسَبَقَ كَلَامُ القُرْطُبِيِّ فِي مِثْلِ هَذَا؛ وَأَنَّ صَاحِبَهُ مُعْتَدٍ آثِمٌ.
- قَولُهُ: (لَو نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَمًا … أَحْيَا اسْمُهُ حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ)
التَّعْلِيقُ: يَعْنِي أَنَّ آيَاتِهِ (مُعْجِزَاتِهِ) ﷺ هِيَ أَقْلُ مِنْ قَدْرِهِ، وَلَو كَانَتْ تُنَاسِبُهُ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٣٦٩).
(٢) وَقَدْ حَكَمَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ بِالشُّذُوذِ لِجُمْلَةِ (قَولِ خَيرِ البَرِيَّةِ) الَّتِي فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ -فِي غَيرِ هَذَا السِّيَاقِ- وَجَرَى عَلَيهَا بَعْضُ الشُّرَّاحِ! وَبَيَّنَ ﵀ أَنَّ صَوَابَهَا (مِنْ خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ) -وَلَا يَخْفَى الفَرْقُ بَينَهُمَا- وَأَنَّ الصَّوَابَ المَحْفُوظَ هُوَ كَمَا فِي أَلْفَاظِ الصَّحِيحَينِ. وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي البُخَارِيِّ (٣٦١١) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَومٌ، حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيرِ قَولِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَومَ القِيَامَةِ».
[ ٢ / ٥٦٨ ]
لَكَانَ اسْمُهُ -إِذَا دَعَاهُ الدَّاعِي- يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ! وَهَذَا غُلُوٌّ قَبِيحٌ، وَشِرْكٌ بِاللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ مِنْ آيَاتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ ﷺ القُرْآنُ العَظِيمُ، وكَيفَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولُ: إِنَّ القُرْآنَ لَا يُنَاسِبُ قَدْرَ النَّبِيِّ ﷺ (^١)!! فَهُنَا قَدْ جَمَعَ المُؤَلِّفُ بَينَ فِرْيَتَينِ عَظِيمَتَينِ:
الأُولَى: أَنَّ آيَاتِهِ لَمْ تُنَاسِبْ قَدْرَهُ! وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ أَعْظَمَ آيَاتِهِ ﷺ هُوَ القُرْآنُ
_________________
(١) وَلَكِنَّهُ -لِلأَسَفِ- مُسْتَقِيمٌ عَلَى مَذْهَبِ الأَشَاعِرَةِ؛ حَيثُ جَعَلُوا القُرْآنَ الكَرِيمَ -الَّذِي نَتْلُوهُ فِي صَلَاتِنَا- لَيسَ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً! لِأَنَّ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى عِنْدَهُم هُوَ كَلَامُهُ القَائِمُ بِنَفْسِهِ -الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ-! بِخِلَافِ المَتْلُوِّ؛ وَعَلَيهِ فَلَا حَرَجَ في ذَلِكَ البَيتِ قَطُّ!! وَانْظُرْ كَلَامَ البَاجُورِيِّ في شَرْحِ ذَلِكَ البَيتِ مِنَ البُرْدَةِ حَيثُ قَالَ فِي ذَلِكَ: "لِأَنَّ الوَاقِعَ أَنَّ قَدْرَهُ ﷺ أَعْظَمُ مِنْ آيَاتِهِ -حَتَّى مِنَ القُرْآنِ المَتْلُوِّ- بِخِلَافِ القُرْآنِ غَيرِ المَتْلُوِّ، وَهُوَ المَعْنَى القَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ مِنْهُ، لِأَنَّ القَدِيمَ أَفْضَلُ مِنَ الحَادِثِ، وَمَا شَاعَ عَلَى الأَلْسِنَةِ مِنْ أنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنَ القُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ! فَكَلَامٌ بَاطِلٌ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى القُرْآنِ القَدِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَيسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوتٍ، خِلَافًا لِمَنْ زعَمَ ذَلِكَ". (شَرْحُ البَاجُورِيِّ عَلَى البُرْدَةِ) طَبْعَةُ دَارِ مَكْتَبَةِ الآدَابِ (ص ٥١). قُلْتُ: وَقَصْدُهُ بِـ (القُرْآنِ القَدِيمِ) أَي: كَلَامُ اللهِ النَّفْسِيُّ؛ خِلَافًا لِمَا بَينَ أَيدِينَا فِي المُصْحَفِ المَتْلُوِّ. قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ القُرْآنِ): (ص ١٦٤): "وَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ المَتْلُوَّ فِي الأَقْطَارِ؛ المَكْتُوبَ فِي الصُّحُفِ؛ الَّذِي بِأَيدِي المُسْلِمِينَ؛ مِمَّا جَمَعَتْهُ الدَّفَّتَانِ؛ مِنْ أَوَّلِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ إِلَى آخِرِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾: كَلَامُ اللهِ وَوَحْيُهُ المُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ". فَتَأَمَّلْ بَيَانَهُ ﵀ لِتِلْكَ الفِرْيَةِ حَيثُ وَضَّحَ المَطْلُوبَ فَقَالَ: (المَتْلُوَّ) خِلَافًا لِأَهْلِ الضَّلَالِ المُفَرِّقِينَ بَينَ المَتْلُوِّ وَبَينَ غَيرِ المَتْلُوِّ. قَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (صَيدُ الخَاطِرِ) (ص ٢٨٤): "وَكَذَلِكَ عَظَّمَ أَمْرَ القُرْآنِ وَنَهَى المُحْدِثَ أَنْ يَمَسَّ المُصْحَفَ؛ فَآلَ الأَمْرُ لِقَومٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنْ أَجَازُوا الاسْتِنْجَاءَ بِهِ"! وَهَذَا مُتَوَقَّعٌ مِنْ جَرَّاءِ تِلْكَ الفَلْسَفَةِ الكُفْرِيَّةِ فِي التَّفْرِيقِ بَينَ القُرْآنِ المَتْلُوِّ وَغَيرِ المَتْلُوِّ!
[ ٢ / ٥٦٩ ]
الكَرِيمُ؛ فَهَذَا كُفْرٌ بِاللهِ تَعَالَى شَنِيعٌ، فَالقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ؛ بَلْ وَيُحْلَفُ بِهِ، لَا يُقَارَنُ بشَيءٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ تَعَالَى؛ فكَيفَ إِذَا جُعِلَ أَدْنَى مِنْ مَقَامِ مَخْلُوقٍ! بَلْ قَدْ جَعَلَ النَّاظِمُ أَيضًا إِحْيَاءَ المَوتَى أَعْظَمَ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
وَقَدْ أَشَارَتِ السُّنَّةُ إِلَى أَنَّ آيَةَ إِنْزَالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ أَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ إِحْيَاءِ المَوتَى، حَيثُ أَنَّ الَّذِي أُوتِيَهُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ أَعْظَمُ مِنْ آيَةِ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵊ وَالَّتِي مِنْهَا إِحْيَاءُ المَوتَى بِإِذْنِ اللهِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوحَاهُ اللهُ إِلَيَّ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ» (^١).
الثَّانِيَةُ: أَنَّ المُنَاسَبَةَ بَينَ قَدْرِهِ ﵊ وَآيَاتِهِ لَو تَمَّتْ؛ لَكَانَ دُعَاءُهُ يُحْيي المَيِّتَ، وَهَذَا كَذِبٌ وَشِرْكٌ بِالله تَعَالَى، فَمِنْ أَينَ لَهُ أَنَّ آيَاتِهِ لَمْ تُنَاسِبْ قَدْرَهُ؟! وَمِنْ أَينَ لَهُ أَنَّ دُعَائَهُ لَو نَاسَبَ قَدْرَهُ؛ فَإِنَّهُ يُحْيي المَيِّتَ؟! وَاللهُ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يُحْيي المَوتَى، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: ٣١].
- قَولُهُ: (لَا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبًا ضَمَّ أَعْظُمَهُ … طُوبَى لِمُنْتَشِقٍ مِنْهُ وَمُلْتَثِمِ)
التَّعْلِيقُ: هَذَا البَيتُ جَمَعَ أَنْوَاعًا مِنَ المُخَالَفَاتِ، مِنْهَا:
أ- دَعْوَى أَنَّهُ لَا طِيبَ يَعْدِلُ تُرْبَةَ قَبْرِهِ ﷺ، وَالصَّوَابُ هُوَ كَمَا قَالَ ﷺ:
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٩٨١)، وَمُسْلِمٌ (١٥٢).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
«أَحَبُّ البِلَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى مَسَاجِدُهَا» (^١)، وَأَحَبُّ هَذِهِ المَسَاجِدِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ المَسْجِدُ الحَرَامُ.
ب- دَعْوَى نَيلِ الجَنَّةِ فِي قَولِهِ "طُوبَى" لِمَنْ قَبَّلَ تِلْكَ التُّرْبَةَ وَانْتَشَقَ مِنْ رِيحِهَا! هَذَا كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ؛ فَلَمْ يَجْعَلِ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَلَا نَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَامَةٌ عَلَى المَحَبَّةِ؛ فيَكُونَ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ! لِأَنَّ المَحَبَّةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي دُونَ العَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى مَنْهَجِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَدُونَ الإِخْلَاصِ فِي العِبَادَاتِ للهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].
ج- دَعْوَى جَوَازِ التَّمَسُّحِ بِالقَبْرِ الشَّرِيفِ!! هَذَا الشَّكْلُ مِنَ التَّبَرُّكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْي الصَّحَابَةِ ﵃، عَدَا عَنْ مَا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ.
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀ عِنْدَ حَدِيثِ: «فَزُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ»: "أَي: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ بِذَلِكَ تَمَسُّحٌ بِالقَبْرِ أَو تَقْبِيلٌ أَو سُجُودٌ عَلَيهِ أَو نَحْو ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ السُّبكْيُّ: بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ؛ إِنَّمَا يَفْعَلُهَا الجُهَّالُ" (^٢).
- قَولُهُ: (فَإِنَّ لِي ذِمَّةً مِنْهُ بتَسْمِيَتِي … مُحمَّدًا وَهُوَ أَوفَى الخَلْقِ بِالذِّمَمِ)
التَّعْلِيقُ: هَذَا كَذِبٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ؛ فَلَيسَ بَينَهُ ﵊ وَبَينَ من اسْمِهُ مُحَمَّدٌ ذِمَّةٌ إِلَّا بِالطَّاعَةِ؛ لَا بِمُجَرَّدِ الاشْتِرَاكِ فِي الاسْم!
_________________
(١) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦٧١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) فَيضُ القَدِيرِ (٥/ ٥٥).
[ ٢ / ٥٧١ ]
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ؛ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَتَيتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، قَالَ: «أَوَ غَيرَ ذَلِكَ»؟! قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (^١).
وَلَعَلَّ مَا اشْتُهِرَ مِنَ الأَحَادِيثِ البَاطِلَةِ هُوَ سَبَبُ قَولِهِ ذَاكَ، كَمِثْل حَدِيثِ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَولُودٌ؛ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا -تَبَرُّكًا بِهِ- كَانَ هُوَ وَمَولُودُهُ فِي الجَنَّةِ» وَهُوَ مَوضُوعٌ (^٢).
- قَولُهُ: (مَا سَامَنِي الدَّهْرُ ضَيمًا وَاسْتَجَرْتُ بِهِ … إِلَّا وَنِلْتُ جِوَارًا مِنْهُ لَمْ يُضَمِ)
التَّعْلِيقُ: هَذَا البَيتُ فِيهِ اسْتِغَاثَةٌ بِالنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوتِهِ، وَهُوَ مِنَ الشَّرْكِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِلأَمْوَاتِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأَحْقَاف: ٥ - ٦].
وَفِي البَيتِ أَيضًا نِسْبَةُ الأَفْعَالِ (الضَّيمِ) إِلَى الدَّهْرِ، وَهَذَا لَيسَ مِنْ سُلُوكِ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا مِنْ سُلُوكِ أَهْلِ الإِلْحَادِ الدَّهْرِيِّينَ، قَالَ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ:
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٤٨٩).
(٢) اُنْظُرِ المَوضُوعَاتُ (١/ ١٥٧) لِابْنِ الجَوزِيِّ. وَاُنْظُرِ الضَّعِيفَةَ (١٧١).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجَاثِيَة: ٢٤] (^١).
- قَولُهُ: (أَقْسَمْتُ بِالقَمَرِ المُنْشَقِّ: إِنَّ لَهُ … مِنْ قَلْبِهِ نِسْبَةً مَبْرُورَةَ القَسَمِ)
التَّعْلِيقُ: القَسَمُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى شِرْكٌ، أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَو أَشْرَكَ» (^٢).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدُ البَّرِّ ﵀: "أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اليَمِينَ بِغَيرِ اللهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، لَا يَجُوزُ الحَلِفَ بِهَا لِأَحَدٍ" (^٣).
- قَولُهُ: (يَا أَكْرَمَ الرُّسُلِ (^٤) مَا لِي مَن أَلُوذُ بِهِ … سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الحَادِثِ العَمِمِ)
التَّعْلِيقُ: فِي هَذَا البَيتِ دُعَاءٌ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا شِرْكٌ بِاللهِ -وَإِنْ قُصِدَتْ بِهِ الشَّفَاعَةُ- لِأَنَّ طَلَبَ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ شِرْكٌ بِدَلِيلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]،
_________________
(١) قَالَ صَاحِبُ فَتْحِ المَجِيدِ ﵀ (ص ٤٢٥): "وَلَيسَ مِنْهُ وَصْفُ السِّنِينَ بالشِّدَّةِ وَنَحوِ ذَلكَ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يُوسُف: ٤٨] ". وَقَدْ سَبَقَ الكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ (مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ).
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (١٥٣٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٢٩٥٢).
(٣) التَّمْهِيدُ (١٤/ ٣٦٧).
(٤) وَبَعْضُهُم يَرْوِي البَيتَ بِلَفْظِ (الخَلْقِ) عِوَضًا عَنِ (الرُّسُلِ).
[ ٢ / ٥٧٣ ]
فَسَمَّى اللهُ تَعَالَى اتِّخَاذَ الشُّفَعَاءِ عِنْدَهُ شِرْكًا، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِلشَّفَاعَةِ شُرُوطًا مِنْهَا رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٨]، فَيَكُونَ مِنْ أَسْبَابِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ طَلَبُ الرِّضَى مِنَ اللهِ تَعَالَى.
وَأَيضًا فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ مِنْ أَسْبَابِ حُصُولِ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ أَنْ تُطْلَبَ مِنْ غَيرِهِ تَعَالَى! بَلْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ شِرْكَ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ كَانَ فِي طَلَبِ الشَّفَاعَةِ مِنَ الأَولِيَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يُونُس: ١٨]، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُ ﷺ أَيضًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ.
كَمَا فِي الحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غَافِر: ٦٠] (^١).
أَمَّا إِنْ كَانَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ يَومَ القِيَامَةِ عِنْدَ مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى لِنَبِيِّنَا ﵊ فَيَصِحُّ ذَلِكَ؛ وَلَكِنْ بِقُيُودٍ؛ مِنْهَا:
أ- تَصْحِيحُ ذَلِكَ البَيتِ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَفِي الحَدِيثِ: «إِيَّاكَ وَكُلَّ أَمْرٍ يُعْتَذرُ مِنْهُ» (^٢).
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٨٣٥٢) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٤٠٧).
(٢) صَحِيحٌ. الضِّيَاءُ المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٦/ ١٨٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٣٥٤).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ب- نَفْيُ الحَصْرِ فِي قَولِهِ (مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ) فَيُجْعَلُ فِيهِ التَّرْتِيبُ بِـ (اللهِ تَعَالَى) ثُمَّ (أَنْتَ).
ج- مَعْرِفَةُ أَنَّ شَفَاعَتَهُ ﷺ لَهَا أَسْبَابٌ وَلَا تَنَالُ مَنْ يَدْعُو غَيرَ اللهِ تَعَالَى.
د- أَنَّ الشَّفَاعَةَ لَهَا شَرْطَان هُمَا: رِضَى اللهِ تَعَالَى عَنِ المَشْفُوعِ، وَإِذْنُهُ لِلشَّافِعِ فِي أَنْ يَشْفَعَ (^١).
هـ- أَنَّ ذَلِكَ بِهَذِهِ القُيُودِ يَصِحُّ لِكَونِهِ مِنْ بَابِ سُؤَالِ الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ؛ بِخِلَافِ مَنْ يَدْعُو النَّبِيَّ ﵊ اليَومَ.
فَسُؤَالُ النَّاسِ لِلأَنْبِيَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَوقِفِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى صَحِيحٌ لِأَنَّهُم أَحْيَاءٌ حِينَهَا وَقَادِرُونَ عَلَى الإِجَابَةِ، أَمَّا الآنَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَهُم أَمْوَاتٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزُّمَر: ٣٠].
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي سِيَاقِ الكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الكُبْرَى: "وَلَيسَ فِيهِ جَوَازُ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ -كَمَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ المُبْتَدِعَةِ الأَمْوَاتِ-! بَلْ
_________________
(١) فَشُرُوطُ الشَّفَاعَةِ: أ- إِذْنُ اللهِ تَعَالَى لِلشَّافِعِ بِأَنْ يَشْفَعَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٥]. ب- رِضَاهُ عَنِ المَشْفُوعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٢٦ - ٢٨]، وَاللهُ تَعَالَى لَا يَرْضَى مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ؛ مُوَافِقًا لِشَرْعِهِ. وَهَذَانِ النَّوعَانِ مَجْمُوعَانِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النَّجْم: ٢٦].
[ ٢ / ٥٧٥ ]
هُوَ مِنْ بَابِ الاسْتِغَاثَةِ بِالحَيِّ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ" (^١).
وَفِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى ذَكَرَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ أَنْوَاعَ التَّوَسُّلِ، وَذَكَرَ فِي النَّوعِ الثَّانِي مَا نَصُّهُ: "التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ، وَهَذَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَكُونُ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَتَوَسَّلُونَ بِشَفَاعَتِهِ" (^٢).
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَومَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ»، قَالَ: قُلْتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَينَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اُطْلُبْنِي -أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي- عَلَى الصِّرَاطِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزَانِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْد المِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوضِ؛ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المَوَاطِنِ» (^٣) (^٤).
- قَولُهُ: (وَلَنْ يَضِيقَ -رَسُولَ اللهِ- جَاهُكَ بِي … إِذَا الكَرِيمُ تَحلَّى بِاسمِ مُنتَقِمِ)
التَّعْلِيقُ: فِي هَذَا البَيتِ غُلُوٌّ فِيهِ ﵊، وَأَيضًا تَنَقُّصٌ لِرُبُوبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَالرَّدُّ عَلَيهِ هُوَ مِنْ جَوَانِبَ عِدَّةٍ:
أ- أَنَّ اللهُ تَعَالَى قَالَ لِلنَّبِيِّ ﵊: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ﴾ فَبَطَلَ بِذَلِكَ
_________________
(١) الصَّحِيحَةُ (٥/ ٤٥٩).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١/ ٢٠٢).
(٣) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٤٣٣). الصَّحِيحَةُ (٢٦٣٠).
(٤) وَمِنْ بَابِ إِبْطَالِ حُجَّتِهِم بِلَازِمِهَا؛ أَنَّهُم يُجَوِّزُونَ بِهَذَا: الاسْتِشْفَاعَ بِغَيرِ النَّبِيِّ ﵊! وَهَذَا قَدْ مُنِعَ مِنْهُ أَشْرَفُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ وَهُمُ الأَنْبِيَاءُ؛ فَفِي هَذَا إِبْطَالُ احْتِجَاجِهِم بِهِ عَلَى جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِالأَولِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ -بَلْ وَالأَنْبِيَاءِ عُمُومًا- إِذْ قَدْ مُنِعَ مِنْهُ غَيرُهُ ﷺ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ
[ ٢ / ٥٧٦ ]
التَّعَلُّقُ بِهِ ﷺ فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ، وَهُوَ أَيضًا مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
وَأَيضًا فِي قَولِهِ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطْمَةَ ﵂: «سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا» (^١) بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ لِغَيرِهِ -وَهِيَ ﵂ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ- فكَيفَ بِغَيرِهَا؟!
ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ يَومَ القِيَامَةِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩]، وَتَأَمَّلْ كَونَ النَّفْسِ فِي الآيَةِ جَاءَتْ نَكِرَةً فِي حَقِّ الشَّافِعِ والمَشْفُوعِ وَجِهَةِ الشَّفَاعَةِ؛ الأَمْرَ الَّذِي يَعْنِي أَنَّهُ أَيًّا كَانَ الشَّافِعُ، وَأَيًّا كَانَ المَشْفُوعُ فِيهِ، وَأَيًّا كَانَ وَجْهُ الشَّفَاعَةِ؛ فَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ شَيئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، وَعَلَيهِ فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِاللهِ تَعَالَى لِتَحْصِيلِ المَطْلُوبِ.
جـ- زَعْمُ النَّاظِمِ أَنَّ جَاهَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْفَعُ (إِذَا الكَرِيمُ تَحلَّى بِاسمِ مُنتَقِمِ)! مَرْدُودٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا تَحَلَّى -كَمَا زَعَمَ النَّاظِمُ- بِاسْمِ مُنْتَقِمٍ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَقُومُ لِغَضَبِهِ شَيءٌ؛ إِلَّا مَا أَذِنَ بِهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ مَقْبُولٍ (^٢)؛ أَو شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ مَأْذُونٍ فِيهَا (^٣)، وَأَمَّا عَلَى سَبِيلِ هَذَا الإِطْلَاقِ وَبِمَعْنَى المُقَابَلَةِ! فَلَيسَ بِصَحِيحٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزُّمَر: ١٩].
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٧٧١)، وَمُسْلِمٌ (٢٠٦) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ». صَحِيحٌ. البَيهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ (٣١٦٨) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٠٨).
(٣) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طَه: ١٠٩].
[ ٢ / ٥٧٧ ]
- قَولُهُ: (فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتها … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلْمَ اللَّوحِ وَالقَلَمِ)
التَّعْلِيقُ: هَذَا البَيتُ فِيهِ غُلُوٌّ شَدِيدٌ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ (مِنْ) التَّبْعِيضِيَّةِ هَذِهِ، بَلْ كُفْرٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ رِزْقَ العِبَادِ فِي أَيدِي النَّاسِ اسْتِقْلَالًا! وَلَمْ يَجْعَلْ طَلَبَ الرِّزْقِ إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى حَصْرًا! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العَنْكَبُوت: ١٧].
فَالمِلْكُ وَالمَالُ كُلُّهُ للهِ يُورِثُهُ مَنْ يَشَاءُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣]، وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الحَدِيد: ٧].
ب- أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ مِلْكٌ لَهُ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [اللَّيل: ١٣]،
وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأَنْعَام: ٥٠]، فَظَهَرَ بِذَلِكَ كَذِبُ قَولِهِ: (فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَّتَهَا).
ج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفْسَهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ مِنْ عِنْدَ نَفْسِهِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ؛ إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيثُ أُمِرْتُ» (^١)، فَبَطَلَ بِذَلِكَ
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣١١٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
التَّعَلُّقُ بِهِ صَلَوَاتُ اللهِ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيهِ مِنْ جِهَةِ الأَسْبَابِ أَيضًا.
د- مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ خُلِقَتَا لِأَجْلِهِ ﷺ! وَهُوَ يَجُودُ بِهَا عَلَى مَنْ أَرَادَ! فَهَذَا بَاطِلٌ أَيضًا، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَوضُوعٌ (^١)، فَاللهُ ﷾ قَدْ أَعْلَمَنَا بِالحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِهِمَا كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ [البَقَرَة: ٢٩]،
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُود: ٧].
هـ- وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ مِنْ عِلْمِهِ ﵊ عِلْمُ اللَّوحِ المَحْفُوظِ! فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ عَنْ نَبِيِّهِ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيرِ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٨].
تَمَّ إِلَى هُنَا التَّعْلِيقُ عَلَى نُبْذَةٍ مِنْ أَبْيَاتِ البُوصِيرِي بِمَا يُحَقِّقُ المَطْلُوبَ، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
_________________
(١) وَالحَدِيثُ المَشْهُورُ لَفْظًا: «يَا مُحَمَّدُ، لَولَاكَ مَا خَلَقْتُ الدُّنْيَا» فَهوَ مَوضُوعٌ. كَمَا فِي تَلْخِيصِ كِتَابِ المَوضُوعَاتِ (ص ٨٦) لِلحَافِظِ الذَّهَبِيِّ؛ وَفِيهِ أَيضًا: "وَقَالَ ابْنُ الجَوزِيِّ: مَوضُوعٌ بِلَا شَكٍّ، وَيَحْيَى البَصْرِيُّ تَالِفٌ كَذَّابٌ، وَالسَّنَدُ فِيهِ ظُلْمَةٌ".
[ ٢ / ٥٧٩ ]